الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الآية ٨٨].
أما تولي الوليد بن المغيرة الذي أشرنا إليه آنفا، فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ قام يصلي في المسجد، وأخذ يقرأ القرآن، والوليد بن المغيرة قريب منه يستمع قراءته، فلما فطن النبيّ لاستماعه أعاد القراءة. قال: فكأنه رقّ له، فانطلق إلى مجلس قومه بني مخزوم. فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلهم! فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه! وقعد إليه حزينا وكلّمه بما أحماه، وما زال به حتى أتى مجلس قومه، فقال: تزعمون أن
محمدا مجنون، فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون إنه كاهن، فهل رأيتموه قط يتكهّن؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا- وفي رواية: والله ما في قريش رجل أعلم بالشعر أو رجزه أو قصيده مني، ولا والله ما يشبه الذي يقول محمد شيئا من هذا الشعر أو ذلك الرجز- وتزعمون أنه كذاب، فهل جرّبتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا في ذلك كله: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟! ... ففكّر وقدّر، ثم قال: ما هو إلا سحر يؤثر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فارتج النادي فرحا، وتفرقوا معجبين بقوله (١).
وهذا هو ما أشار إليه سبحانه بقوله: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) [سورة المدثر، الآيات ١٨ - ٢٤].
يقول بعض الأدباء النقاد في التعقيب على قصة الوليد هذه: «هذا هو
стр. 142
الوليد بن المغيرة، فكر فقدر ثم ذهب إلى أن القرآن سحر يؤثر، وظن أن نسبة السحر إلى محمد كافية أن تصد الناس عنه، ولكن غيره من ذوي الرصانة النقدية ينظرون في القرآن كما نظر الوليد، وهم على عدائهم للدعوة المحمّدية، يتفقون مع الوليد على أن القرآن ليس شعرا أو رجزا أو قصيدا، ويزيدون فيخالفونه فيما زعم من السحر، لأنهم من بيئة تعرف السحر والكهانة حق المعرفة، ولا ترى فيما يصدع به محمد من الآيات مشابها لما يأتي به السحرة من الرقى والعزائم، فقرآنه بمنزلة معجزة من البيان لا يجوز لعاقل يحترم تفكيره أن ينسبه إلى رقى السحرة وعزائم الكهنة» اه.
ثالثا- معنى الإعجاز، أو الإعجاز الذي وقع به التحدّي:
هذا الإعجاز ما وجهه، وما حقيقته، وبم صار القرآن مباينا لكلام العرب؟
هل صار مباينا لهذا الكلام من وجه بياني صرف؟ أم بخصائص موضوعية تتصل بالأمور الغيبية والتشريعية الأخرى التي جاء بها القرآن الكريم، والتي لم يكن في وسع أحد- كائنا من كان- أن يأتي بها في بلد كمكة، وظرف كالظرف الذي وجد فيه محمد- ﵊.
إن الدراسات النفسية التحليلية والاجتماعية كما قلنا في مبحث الوحي، اتفقتا على مصدر القرآن وعلى صحة النبوّة، وأن نسبة القرآن إلى الله تعالى ليس ادّعاء أو محض افتراء، ولكن هل في ذلك دليل على إعجاز القرآن الذي نحن بصدده؟
هذه النقطة الهامة- قبل الحديث عن أوجه الإعجاز البيانية، والإعجاز الموضوعي- كما يسمى تجوّزا- قد جلّاها تجلية رائعة الأستاذ الكبير محمود شاكر، فذكر هنا حقيقتين هامتين يحسن نقلهما هنا بقلمه قبل الخوض في هذا الموضوع وبيان آراء العلماء فيه:
стр. 143
قال الأستاذ محمود شاكر: «ولا مناص لمتكلم في إعجاز القرآن من أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في هذه المسألة، وأن يفصل بينهما فصلا ظاهرا لا يلتبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما:
أولاهما: أن (إعجاز القرآن) كما يدل عليه لفظه وتاريخه هو دليل النبيّ ﷺ على صدق نبوته، وعلى أنه رسول من الله يوحى إليه هذا القرآن. وأن النبيّ ﷺ كان يعرف «إعجاز القرآن» من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به من قومه من العرب، وأن التحدّي الذي تضمنته آيات التحدّي من نحو قوله تعالى:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) [سورة هود، الآيات ١٣ - ١٤].
وقوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [سورة الإسراء، الآية ٨٨].
إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك، فما هو بتحد بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهر من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان.
ثانيتهما: أن إثبات دليل النبوة، وتصديق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من عند الله كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله سبحانه، لا يكون منها شيء يدل على أن القرآن معجز، ولا أظن أن قائلا يستطيع أن يقول: إن التوراة والإنجيل والزبور كتب معجزة، بالمعنى المعروف في شأن إعجاز القرآن من أجل أنها كتب منزلة من عند الله. ومن البيّن أن العرب قد طولبوا بأن يعرفوا دليل نبوّة رسول الله، ودليل صدق الوحي الذي يأتيه، بمجرد سماع القرآن نفسه، لا بما يجادلهم به حتى يلزمهم الحجة في توحيد الله، أو تصديق نبوّته، ولا بمعجزة
стр. 144
كمعجزات إخوانه من الأنبياء مما آمن على مثله البشر. وقد بيّن الله في غير آية من كتابه أن سماع القرآن يقتضيهم إدراك مباينته لكلامهم وأنه ليس من كلام البشر، بل
هو كلام رب العالمين، وبهذا جاء الأمر في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) [سورة التوبة، الآية ٦].
فالقرآن المعجز هو البرهان القاطع على صحة النبوة، أما صحة النبوة فليست برهانا على إعجاز القرآن، والخلط بين هاتين الحقيقتين، وإهمال الفصل بينهما في التطبيق والنظر، وفي دراسة «إعجاز القرآن» قد أفضى إلى تخليط شديد في الدراسة قديما وحديثا، بل أدى هذا الخلط إلى تأخر «علم إعجاز القرآن» و «علم البلاغة» عن الغاية التي كان ينبغي أن ينتهيا إليها (١).
يتبين من خلال هاتين الملاحظتين، ومن خلال الموقف الذي عرضناه في السابق- موقف العرب من القرآن- ومن خلال مطالبة النبيّ ﷺ لعشيرته وقومه أن يؤمنوا بدعوته ورسالته ويقرّوا له بصدق نبوّته بدليل واحد هو هذا الذي يتلوه عليهم من قرآن يقرؤه، يتبين من كل هذا: المعنى المراد بإعجاز القرآن.
وهو أن القرآن يحمل في بيانه الدليل الكافي على أنه ليس من كلام البشر إذ لا معنى للمطالبة بالإقرار بمجرد التلاوة، إلا أن هذا المقروء عليهم كان هو في نفسه آية فيها أوضح الدليل على أنه ليس من كلامه ﷺ ، ولا من كلام بشر مثله.
ثم لا معنى لهذه المطالبة البتة إلّا أن يكون في طاقة هؤلاء السامعين أن يميزوا تمييزا واضحا بين الكلام الذي هو من نحو كلام البشر، والكلام الذي ليس من نحو كلامهم، كما يقول الأستاذ شاكر. والله تعالى أعلم.
стр. 145
الفصل الثاني آراء ونظريات حول الإعجاز
قامت حول إعجاز القرآن دراسات كثيرة قديمة وحديثة، وذهب المفسرون وعلماء البلاغة في تفسير هذا الإعجاز مذاهب شتى. وإذا كان من البين عندنا أن الإعجاز الذي وقع به التحدّي- وهو المراد من الإعجاز عند الإطلاق بالطبع- كان وجهه بيانيا صرفا، على نحو ما هدتنا إليه الملاحظات السابقة. وعلى الرغم من تسليم الكثيرين بهذا الرأي إلّا أن بعضهم لا يمتنع من الحديث عن «الإعجاز الغيبي» - بمعنى ما أشار إليه القرآن من أمور على أنها ستقع في المستقبل، وكان كما أخبر- وعن «الإعجاز العلمي» أي ما أشار إليه القرآن من علوم ومعارف كونية، وعن «الإعجاز التشريعي» ... إلخ، موردا كلمة «الإعجاز» في غير إطارها التاريخي السابق، وهذا ما دعانا إلى التقييد المشار إليه، بوصفه لونا من ألوان الاحتياط، وبيان «المجال» الحقيقي للإعجاز، فقلنا: الإعجاز الذي وقع به التحدّي.
ونكتفي هنا بالكلام على أهم النظريات التي قيلت في تفسير هذا الإعجاز البياني أو الإعجاز الذي وقع به التحدّي، أو على أهم الخطوط البارزة في تلك النظريات. ونبدأ بالإشارة إلى فكرة أو شبهة ظاهرة الفساد خرجت من كل معايير التحدّي السابق، وهي نظرية الصرفة!
стр. 146
أولا- فكرة الصرفة:
ذهب أبو إسحاق النظام- وكان من رءوس المتكلمين على مذهب المعتزلة أو على نهجهم وطرائقهم في التفكير- إلى القول بأن إعجاز القرآن كان بالصرفة، أي إن الله سبحانه قد صرف بلغاء العرب عن معارضة القرآن، مع قدرتهم على تلك المعارضة، أو: إنه صرفهم وكان ذلك مقدورا لهم!! كما عبّر عن ذلك بعضهم:
قال النظّام: «إن الله تعالى ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من الحلال والحرام، والعرب إنما لم يعارضوه لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك، وسلب علومهم به».
وينطوي هذا القول- الذي تكفل المعتزلة أنفسهم بنقضه على صاحبه، كما رأينا عند القاضي عبد الجبار وغيره (١) - على أمرين: الأول: التخليط بين النقطتين السابقتين اللتين سبقت تجليتهما، فالمعجزة هنا تكمن في إثبات الله تعالى أن هذا القرآن من كلامه. بدليل أنه صرفهم عن معارضته في وقت كان ذلك مقدورا لهم! أي إن المعجز هو المنع أو المانع!!
الأمر الثاني: أن هذا الرأي ليس من باب الطعن على الكتاب الكريم، أو من باب الإلحاد فيه والزيغ عنه، لأن هذا الرأي قد يكون آكد في باب الإيمان والتسليم (٢) بأن القرآن كلام الله ... ولكنه من باب العجمة وشبهها في ميدان تذوق البلاغة والبيان، أو من باب التفلسف الذي يريد صاحبه إراحة نفسه من عناء البحث، وإجالة الفكر. ولهذا فإن أحدا من علماء البلاغة لم يتابع النظام، وكان أول من خالفه في ذلك تلميذه الجاحظ، وإنما تابعه بعض من أخذ من الفلسفة وعلم الكلام بسبب!
قال الإمام الباقلاني: «على أن ذلك لو لم يكن معجزا على ما وصفناه من
стр. 147
جهة نظمه الممتنع، لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه، ووضع من مقدار الفصاحة في نظمه، كان أبلغ في الأعجوبة إذا صرفوا عن الإتيان بمثله، ومنعوا من معارضته، وعدلت دواعيهم عنه، فكان يستغني عن إنزاله على نظمه البديع، وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب.
على أنه لو كان صرفوا لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف، لأنهم لم يتحدوا، ولم تلزمهم حجته، فلما لم يوجد في كلام من قبله علم أن ما ادعاه القائل بالصرفة ظاهر البطلان ... » (١).
وقد لخص السيوطي ردودهم على هذه الفرية، أو الزعم، بقوله:
«وهذا قول فاسد بدليل قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ...
الآية، فإنها تدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره.
والإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا وليس فيه صفة إعجاز، بل المعجز هو الله تعالى حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله.
وأيضا فيلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمن التحدّي، وخلو القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية، ولا معجزة له باقية سوى القرآن.
... ولو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون بالمنع معجزا، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه» (٢).
стр. 148
ثانيا- النظم القرآني:
لعل نظرية النظم القرآني، أو هذه الفكرة العميقة، والتي تتابع على تجليتها وإعطائها هذا البعد أو المعنى الناصع غير واحد من العلماء حتى استوت على سوقها عند الإمام عبد القاهر الجرجاني .. لعل هذه الفكرة أو النظرية أبرز ما قدمه القدماء من دراسات حول إعجاز القرآن، ولعل أحدا لم يقع قبل الجاحظ- ﵀ على هذه اللفظة ذاتها- نظم القرآن- سواء تردد مفهومها في أذهان هؤلاء الذين سبقوه أو فيما أثر عنهم أم لا.
وقد ألفت كتب متعددة تحمل هذا العنوان، بعد كتاب الجاحظ الذي وصفه هو في بعض كتبه، بما يشوق، ويحمل على الأسى أنه لم يصل إلينا (١)، مثل كتب أبي بكر السجستاني المتوفى سنة ٣١٦، وأبي زيد البلخي المتوفى سنة ٣٢٢، وأبي بكر أحمد بن علي (المعروف بابن الإخشيد) المتوفى سنة ٣٢٦. ولم يصل إلينا من جميع هذه الكتب، أو الرسائل شيء مع الأسف ...
ثم نجد أبا سليمان الخطابي المتوفى سنة ٣٨٨ يتحدث عن هذا الموضوع فيقول: «وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور: منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني والحوامل، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباطها بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله ثم يقول: «وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم. وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه. ولا
стр. 149
ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه. وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي إلى أعلى درجات الفضل في نعوتها وصفاتها» (١).
ثم يقول بعد كلام طويل: «وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنها لجام الألفاظ وزمام المعاني، وبه تنتظم أجزاء الكلام ويلتئم بعضه ببعض فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان».
(أ) الإمام عبد القاهر الجرجاني وفكرة النظم القرآني:
ثم جاء الإمام عبد القاهر (المتوفى سنة ٤٧١ أو ٤٧٤) فقطع شوطا بعيدا وهاما في إدراك الإعجاز، من خلال كتابه القيّم: «دلائل الإعجاز» الذي أعطى فيه لفكرة النظم القرآني صورتها الزاهية- ولعلها أزهى الصور في تاريخ الإعجاز- بل الذي أراد أن يؤسس فيه علما جديدا استدركه على من سبقه من الأئمة الذين كتبوا في «البلاغة» وفي «إعجاز القرآن» كما يلاحظ الأستاذ محمود شاكر- مدّ الله في عمره-. على الرغم من أن عمله- كما يقول الأستاذ شاكر- «كان مشوبا بحميّة جارفة لا تعرف الأناة في التبويب والتقسيم والتصنيف. وكأنّه كان في عجلة من أمره، وكأنّ منازعا كان ينازعه عند كل فكرة يريد أن يجلّيها ببراعته وذكائه وسرعة لمحه، وبقوة حجّته ومضاء رأيه» (٢).
وليس في وسعنا، ولا من مهمتنا في هذه العجالة، أن نلخص نظرية الإمام عبد القاهر هذه في النظم القرآني- وقد بسط فيها القول ودافع عنها في مئات الصفحات- وقد يكون بعض جوانبها، النظرية والتطبيقية، بحاجة إلى شرح لا إلى اختصار. ولهذا، فإننا سوف نكتفي بتقديم «تعريف» لهذه النظرية، أقرب ما يكون
стр. 150
إلى «تعريفات» العلوم! على النحو الذي كتبه عبد القاهر بقلمه- ﵀.
بالإضافة إلى تقديم طرف من نقده لبعض الآراء والأفكار الأخرى، بالقدر الذي يعين على إدراك ما يعنيه عبد القاهر بالنظم القرآني، وعلى وضعه في موضعه، وتقديره حق قدره!
يبدأ عبد القاهر، أو ينطلق من أمر مسلّم لا يتصور فيه خلاف، وهو أن الإعجاز، أو الوصف الذي صار به القرآن معجزا «ينبغي أن يكون وصفا قد تجدّد بالقرآن، وأمرا لم يوجد في غيره، ولم يعرف قبل نزوله» (١).
ثم ينفي أن يكون هذا الوصف في «الكلمات المفردة» أو في «ترتيب الحركات والسكنات» أو في «المقاطع والفواصل»، أو في «الاستعارة»؛ تمهيدا لبيان أن الإعجاز، أو هذا الوصف، قائم في «النظم القرآني»:
١ - أما الكلمات المفردة فأوضاع اللغة، وهي لذلك ملك للجميع، ينطق بها البلغاء وغيرهم! وينكر الإمام عبد القاهر أن تكون هذه الكلمات قد حدث في «مذاقة حروفها وأصدائها» - بحسب عبارته- أو في معانيها جميعا وصف أو وضع لم يكن لها قبل نزول القرآن.
يقول عبد القاهر: «لا يجوز أن يكون- الإعجاز أو الوصف المعجز- في الكلم المفردة، لأن تقدير كونه فيها يؤدي إلى المحال، وهو أن تكون الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، قد حدث في مذاقة حروفها وأصدائها أوصاف لم تكن لتكون تلك الأوصاف فيها قبل نزول القرآن، وتكون قد اختصّت في أنفسها بهيئات وصفات يسمعها السامعون عليها إذا كانت متلوّة في القرآن، لا يجدون لها تلك الهيئات والصفات خارج القرآن» (٢).
стр. 151
ويقول أيضا: «ولا يجوز أن تكون في «معاني الكلم المفردة» التي هي لها بوضع اللغة، لأنه يؤدي إلى أن يكون قد تجدّد في معنى «الحمد» و «الرب» ومعنى «العالمين» و «الملك» و «اليوم» و «الدين» وهكذا، وصف لم يكن قبل نزول القرآن.
وهذا ما لو كان هاهنا شيء أبعد من المحال وأشنع لكان إيّاه» (١).
٢ - وكذلك لا يمكن أن يكون هذا الوصف- المعجز- في «ترتيب الحركات والسكنات» في الجمل والآيات القرآنية «حتى كأنهم تحدّوا إلى أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليه في زنة كلمات القرآن» (٢) كما يقول عبد القاهر! لأن مسيلمة وغيره قد تعاطوه في بعض حماقاتهم التي عارضوا فيها القرآن، فلم ينتهوا إلى شيء .. سوى الدلالة على إعجاز القرآن، وسخافة ما جاءوا به!
٣ - أما «المقاطع والفواصل» فليست «أكثر من التعويل على مراعاة الوزن، وإنما الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر» قال عبد القاهر: «وقد علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو، فلو لم يكن التحدّي إلا في «فصول» من الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي، لم يعوزهم ذلك، ولم يتعذّر عليهم» (٣) أي أن العرب الذين جاءوا بروائع القصيد، عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثل القرآن، والفواصل هنا، كالقوافي هناك!
٤ - وأخيرا، يستبعد عبد القاهر أن يكون الإعجاز في الاستعارة والمجاز، لأن ذلك يؤدي إلى ن يكون الإعجاز في بعض القرآن دون بعض، والقرآن معجز كله! قال عبد القاهر: «فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن في شيء مما عدّدناه، لم يبق إلا أن يكون في النظم» و «الاستعارة». قال: «ولا يمكن أن تجعل الاستعارة الأصل في الإعجاز وأن يقصر عليها؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإعجاز في آي معدودة في مواضع من السّور الطوال مخصوصة، وإذا امتنع
стр. 152
ذلك فيها ... ثبت أنه في النظم والتأليف ... » (١).
(ب) تعريف النظم القرآني:
والآن، ما تعريف النظم القرآني، وماذا يريد منه هذا الإمام الحصيف؟
عرّف عبد القاهر «النظم» في مواضع كثيرة من كتابه، فقال: «ليس النظم شيئا غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم» (٢) وقال أيضا: «ليس النظم شيئا غير
توخّي معاني النحو فيما بين الكلم، وأنك ترتب المعاني أولا في نفسك، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك» (٣) وقال:
«اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه «علم النحو» وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخلّ بشيء منها» (٤) ... إلخ.
لقد اتسع كتاب «دلائل الإعجاز» كما قلنا لشرح هذه الفكرة والدفاع عنها، بكل ما يتطلبه ذلك من الموازنة والنقد والترجيح، والأمثلة والشواهد ... استمع إليه يقول في النص التالي، شارحا وموازنا:
«واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك، أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يعلّق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك. هذا ما لا يجهله عاقل، ولا يخفى على أحد من الناس.
«وإذا كان كذلك، فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها، ما معناه وما محصوله؟ وإذا نظرنا في ذلك، علمنا أن
стр. 153
لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلا لفعل أو مفعولا، أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبرا عن الآخر، أو تتبع الاسم اسما على أن يكون الثاني صفة للأول، أو تأكيدا له، أو بدلا منه، أو تجيء باسم بعد تمام كلامك على أن يكون صفة أو حالا أو تمييزا، أو تتوخّى في كلام هو لإثبات معنى، أن يصير نفيا أو استفهاما أو تمنّيا، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك، أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطا في الآخر، فتجيء بهما بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمّنت معنى ذلك الحرف. وعلى هذا القياس» (١).
هذه هي خلاصة ما يعنيه عبد القاهر بمسألة النظم. وفي وسع الدارس لكتابه أن يلاحظ كيف خرّج عليها، وناقش وانتقد من خلالها، جميع النقاط السابقة- وسواها- التي أنكر عبد القاهر أن تكون مناط الإعجاز.
ونسوق- فيما يلي- نقده أو تخريجه لمسألة الألفاظ أو الكلم المفردة، أولا من باب الشرح والتمثيل، وثانيا: لأنه أتبعه بشاهد قرآني جلّى من خلاله «النظم النحوي» الذي قعّده أو تحدث عنه في هذه الخلاصة.
يقول عبد القاهر: «إن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجرّدة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلافها، في ملاءمة معنى اللفظة المعنى التي تليها ... » (٢).
«وهل قالوا: لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافه: قلقة، ونابية، ومستكرهة، إلا وغرضهم أن يعبّروا بالتمكّن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما، وبالقلق والنّبوّ عن سوء التلاؤم ... » (٣).
стр. 154
ثم قدم الدليل على ذلك من قوله تعالى في سورة هود: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) [الآية ٤٤] فقال:
«إن شككت، فتأمّل: هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت لأدّت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ قل ابْلَعِي واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها.
وكيف بالشك في ذلك، ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم في أن كان النداء ب «يا» دون «أي» نحو «يا أيتها الأرض» ثم إضافة الماء إلى الكاف، دون أن يقال ابلعي الماء، ثم أن أتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها نداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها، ثم أن قيل وَغِيضَ الْماءُ فجعل الفعل على صيغة «فعل» الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر، وقدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور وهو: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ثم إضمار السفينة قبل الذّكر كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة قِيلَ في الخاتمة ب قِيلَ في الفاتحة؟ أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة، وتحضرك عند تصوّرها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها تعلقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق؟ أم كل ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتّساق العجيب» (١).
ويوضح عبد القاهر أن رفضه للاستعارة والمجاز، وللأبواب السابقة أن تكون مناط الإعجاز، لا يعني أكثر من إنكارها مفردة، أو خارج نطاق «النظم
стр. 155
النحوي» بمعنى أنه يقرّها ويعنى بها، ويتتبع أثرها- في الإعجاز- بوصفها جزءا من مقتضيات النظم ذاته قال- ﵀:
«فإن قيل: إن النظم يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز، وذلك لا مساغ له!
قال: ليس الأمر كما ظننت، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز، وذلك لأن هذه المعاني، التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وضروب المجاز من بعدها، من مقتضيات والنظم، وعنه يحدث، وبه يكون، لأنه لا يتصوّر أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخّ فيما بينها حكم من أحكام النحو، فلا يتصور أن يكون هاهنا فعل أو اسم قد دخلته الاستعارة من دون أن يكون قد ألّف مع غيره! أفلا ترى أنه إن قدّر في «اشتعل» من قوله تعالى:
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [سورة مريم، الآية ٤] ألا يكون «الرأس» فاعلا له، ويكون «شيبا» منصوبا على التمييز، لم يتصوّر أن يكون مستعارا؟ وهكذا السبيل في نظائر الاستعارة فاعرف ذلك» (١).
يقول بعض الأدباء النقّاد (٢):
«فأنت تراه قد قدّر مكان الاستعارة القرآنية وما هو بسبيلها من الصور الأدبية من دلائل الإعجاز، وإن رجع بها في ذكاء قادر إلى قضية النظم النحوي، ولكنه أغفل إغفالا تاما مكانة اللفظ ومكان المقطع والفاصلة، مدعيا أن شيئا من ذلك لا قيمة له ما لم يراع النظام النحوي في تركيبه، وفي ذلك بعض الغلوّ الذي ندفعه بما نملك من رأي، وشاهدنا على ذلك أن عبد القاهر حين تحدث عن الآية الكريمة: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) [سورة هود، الآية ٤٤] جعل مبدأ العظمة في أن
стр. 156
نوديت الأرض وكان النداء ب «يا»، ثم بإضافة الكاف إلى الماء، ثم بنداء السماء وأمرها بما يخصها، ثم بمجيء الفعل «غيض» على صيغة «فعل» الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر، ثم تأكيد ذلك بقوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور وهو: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ثم مقابلة «قيل» في الخاتمة ب «قيل» في الفاتحة: أجل، جعل الجرجاني ما سماه بمبدإ العظمة فيما أسلف من القول.
وعلى قياسه نستطيع أن نقول: وقيل يا أرض اشربي ماءك ويا سماء امنعي، وأزيل الماء ونفّذ الأمر واستقرت على الجودي وقيل هلاكا للقوم الظالمين. فيتحقق بذلك كل ما جعله الجرجاني مبدأ العظمة وحده، ويوازي القول دون نقص».
ولكن مهلا، فإن اختيار لفظ البلع دون الشرب، وكلمة اقلعي دون امنعي، وفعل قضي المبني للمجهول، دون «نفذ» المبني للمجهول أيضا، واستوت على الجودي، دون استقرت. كلّ ذلك مما يرتفع بالآية إلى الإعجاز، وهو في صميمه راجع فيما يرجع إليه إلى اللفظ دون الإسناد.
«وما نقوله في ذلك نقوله في المقاطع والفواصل، وإن شئت فانظر مثلا قول الله : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) [سورة المدثّر، الآيات ١١ - ١٥] وحاول أن تقرأه على هذه الصورة: «ذرني ومن خلقت وحيدا، وجعلت به مالا مبسوطا، وبنين حاضرين، ومهدت له تمهيدا، ثم يطمع أن أكثر» فإنك إذا فعلت ذلك لم تخرج عن قضية النظم النحوي كما عناه عبد القاهر، ولكنك تغفل أثر المقطع والفاصلة، فتهبط بالكلام من مستوى إلى مستوى، وذلك ما كان ينبغي أن يلتفت إليه هذا الدارس الحصيف، وما أحراه أن يدخل اختيار اللفظ وجمال المقطع في ترتيب النظم بحيلة فكرية كما أدخل الاستعارة من قبل» (١).
стр. 157
ثالثا- التصوير الفني:
وعلينا أن نشير هنا إلى لونين آخرين من ألوان الإعجاز أو البيان القرآني التي ترفد نظرية عبد القاهر، وهما: التصوير الفني، والجانب الصوتي والنغم القرآني- أو ما دعاه الرافعي ب «النظم الموسيقى».
أما التصوير الفني فإن أول من تحدث عنه الأستاذ سيد قطب- ﵀ في كتابه القيم الذي خصّه بهذا الموضوع «التصوير الفني في القرآن». وفي ذلك يقول الأستاذ الدكتور صبحي الصالح رحمه الله تعالى:
«وقد نحا سيد قطب في دراسته للقرآن منحى آخر، فلم تكن مفردات القرآن وحدها شاغلة له بموسيقاها، ولا تراكيب القرآن مستأثرة باهتمامه بتناسقها وترابطها،
وإنما كان نظره مركزا في الأداة المفضلة للتعبير في كتاب الله، ولقد وجدها في التصوير، وراح يتحدث عنها بأسلوب شعري يستهوي النفوس، ويهديها بحق إلى جمال القرآن».
قال سيد قطب: «التصوير هو الأداة المفضّلة في أسلوب القرآن، فهو يعبّر بالصورة الحسية المتخيّلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية.
ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة مجسّمة مرئية.
فأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة، فيها الحياة، وفيها الحركة. فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل؛ فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر،
стр. 158
وتتجدد الحركات، وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى، ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض، وحادث يقع. فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الحوادث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة فتنمّ عن الأحاسيس المضمرة.
«إنها الحياة هنا، وليست حكاية الحياة!».
ثم يقول:- وهذا هو الأمر الذي ربط به سيد فكرته بقضية الإعجاز- «فإذا ذكرنا أن الأداة التي تصوّر المعنى الذهني والحالة النفسية، وتشخّص النموذج الإنساني أو الحادث المرئي، إنما هي ألفاظ جامدة، لا ألوان تصوّر، ولا شخوص تعبّر أدركنا موضع الإعجاز في تعبير القرآن» (١).
وقد تحدث سيد قطب- ﵀ عن آفاق هذا التصوير الفني في القرآن، فذكر «أنه تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالإيقاع ... » (٢)
وقال: «وكثيرا ما يشترك الوصف والحوار، وجرس الكلمات، ونغم العبارات، وموسيقى السياق، في إبراز صورة من الصورة، تتملاها العين والأذن، والحس والخيال، والفكر والوجدان»، ووصف هذا التصوير بأنه «تصوير حي منتزع من عالم الأحياء، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة. تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات بالمشاعر والوجدانات. فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية، أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة» (٣).
ونكتفي هنا ببعض النماذج على مسائل التصوير البارزة، أو الموضحة لهذه القاعدة الهامة:
стр. 159
(أ) من المعاني الذهنية، التي أخرجت في صورة حسية قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) [سورة الأعراف، الآية ٤٠]. والمعنى الذهني الذي تقرره الآية هو أن الكفار لن ينالوا القبول عند الله، وأنه يستحيل عليهم دخول الجنة! ولكن هذا المعنى المجرد يعرض بهذا الأسلوب التصويري ... فيدعك «ترسم بخيالك» صورة لتفتح أبواب السماء، وصورة أخرى لولوج الحبل الغليظ في سمّ الخياط، ويختار من أسماء الحبل الغليظ اسم «الجمل» خاصة في هذا المقام، ويدع للحسّ أن يتأثر عن طريق الخيال بالصورتين ما شاء له التأثر، ليستقر في النهاية معنى القبول ومعنى الاستحالة في أعماق النفس» (١).
(ب) وتأمّل هذا الشاهد في تصوير الحالات النفسية والمعنوية: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) [سورة الأنعام، الآية ٧١].
حيث «تبرز صورة هذا المخلوق التعيس الذي استهوته الشياطين في الأرض- ولفظ الاستهواء لفظ مصوّر لمدلوله- ويا ليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه، فيكون راحة ذي القصد الموحد، ولو في طريق الضلال! ولكن هناك من الجانب الآخر إخوان له يدعونه إلى الهدى، وينادونه: «ائتنا» وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء «حيران» موزع القلب، لا يدري أي الفريقين يجيب، ولا أي الطريقين يسلك، فهو قائم هناك شاخص متلفّت» (٢).
стр. 160
(ج) وأخيرا، هذا المشهد من مشاهد يوم القيامة، حيث كان للتصوير فيها نصيب وافر. قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) [سورة إبراهيم، الآيات ٤٢ - ٤٣].
أربع صور متتابعة متواكبة، أو أربعة مشاهد لموقف واحد، يتلو بعضها بعضا في الاستعراض، فتتم بها صورة شاخصة في الخيال، هي صورة فريدة للفزع والخجل، والرهبة والاستسلام، يجلّلها ظلّ كئيب ساهم يكمد الأنفاس! (١).
هذا وقد تحدث سيد- ﵀ بعد ذلك في أبرز فصول كتابه عن «التخييل الحسّي والتجسيم» وعن «التناسق الفني» وعن «القصة القرآنية» نظرا لغناها الواسع في مسألة النماذج الإنسانية والطبيعة البشرية التي أخرجت في القرآن الكريم على تلك الحالة من التصوير الدقيق. ونورد فيما يلي طرفا من بعض هذه الفصول، يشير إلى مدى إسهامها في موضوع الإعجاز:
١ - التخييل الحسّي والتجسيم:
أما ما أطلق عليه: التخييل الحسّي والتجسيم، بوصفه القاعدة الأساسية التي قام عليها التصوير الفني ... أو بوصفهما «الظاهرتين البارزتين في هذا التصوير» فإن التشبيه بمحسوس- وهو عماد تشبيهات القرآن- يمثل أبرز هذا التجسيم، غير أن سيد قطب لا يقصر التجسيم على التشبيه بمحسوس، وإنما يعني به «لونا جديدا هو تجسيم المعنويات، لا على وجه التشبيه والتمثيل، بل على التصيير والتحويل» (٢).
قال تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ
стр. 161
حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) [سورة غافر، الآية ١٨]. فالقلوب كأنما تفارق مواضعها وتبلغ الحناجر من شدة الضيق!
وقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ [سورة النساء، الآية ٩٠] أي ضاقت صدورهم من الحيرة والحرج بين أن يقاتلوكم انتصارا لقومهم، أو يقاتلوا قومهم انتصارا لكم.
ومنه التعبير عن عدم الهداية والانتفاع بالسماع بأن هناك حواجز مادية- مجسّمة- تفصل بينهم وبين الهدى والسماع: جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [سورة الكهف، الآية ٥٧].
وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [سورة، محمد، الآية ٢٤].
وقال عزّ من قائل: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) [سورة يس، الآيتان ٨ - ٩].
ومعنى: أكنّة: أغطية. والوقر: الصمم، وأصله: الثقل، والمقمحون:
المرفوعو الرأس اضطرارا.
وانظر إلى الشواهد التالية التي اجتمع فيها التخييل والتجسيم حيث صورت الآيات الأمور المعنوية جسما محسوسا، وخيّلت حركة لهذا الجسم أو حوله من إشعاع التعبير.
قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وقال تعالى:
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ. وقال تعالى: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.
وقال: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ.
стр. 162
«فكأنما الحق قذيفة خاطفة تصيب الباطل فتزهقه، وكأنما الرعب قذيفة سريعة تنفذ في القلوب لفورها، وكأنما العداوة والبغضاء مادة ثقيلة، تلقى بينهم فتبقى إلى يوم القيامة، وكأنما السكينة مادة مثبتة تنزل على رسول الله وعلى المؤمنين. وكأنما للذل جناح يخفض من الرحمة بالوالدين» (١).
٢ - التناسق الفني:
أما التناسق الفني فهو الذي يبلغ الذورة في تصوير القرآن ... وفي بيان القرآن، فإننا نشير هنا إلى طرف من خطوطه العامة:
(أ) فهنالك التناسق الناشئ عن المقابلات الدقيقة بين الصور التي ترسمها التعبيرات «والتقابل: طريقة من طرق التصوير، وطريقة من طرق التلحين، كما يقول سيد قطب» من ذلك هاتان الصورتان اللتان يعرضهما لإماتة الأحياء، وإحياء الموتى في قوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) [سورة السجدة، الآيتان ٢٦ - ٢٧].
«ففي ومضة عين نقلهم من القرى المهلكة الداثرة بعد الحياة والعمران، إلى الأرض الممرعة بعد الموت والإجداب. هذه المقابلة تكاد تطّرد في صور النعيم والعذاب في الآخرة».
وهنالك أيضا المقابلة النفسية بين الكافرين والمؤمنين، والتقابل بين صورة حاضرة الآن، وأخرى ماضية في سابق العهد والأوان: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) [سورة النحل، الآية ٤].
وقال تعالى: وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)
стр. 163
لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) [سورة الواقعة، الآيات ٤١ - ٤٦].
فالسّموم والحميم، والظل الذي ليس له من الظل إلا اسمه لأنه «من يحموم» «لا بارد ولا كريم» ... صورة هذا الشظف تقابل صورة الترف: «إنهم كانوا قبل ذلك مترفين»!
يقول سيد قطب- ﵀ بعد ذلك في التعقيب على هذه الآية- وهو تعقيب جدير بالتدبّر والتأمّل ... والإفادة منه في فهم نصوص وصور قرآنية أخرى كثيرة في كتاب الله يقول: «وهنا موضع تأمل لطيف في هذا التصوير وفيما يماثله: فهؤلاء المتحدّث عنهم يعيشون في الدنيا الحاضرة، وصورة الترف هي الصورة القريبة، أما ما ينتظرهم من السموم والحميم والشظف فهو الصورة البعيدة. ولكن التصوير هنا لفرط حيويته يخيل للقارئ أن الدنيا طويت، وأنهم الآن هناك، وأن صورة الترف قد طويت كذلك، وصورة الشظف قد عرضت.
وأنهم يذكّرون في وسط السموم والحميم بأنهم «كانوا قبل ذلك مترفين»! ...
وذلك من قوة الإحياء حتى لينسى المشاهد أن هذا مثل يضرب، ويحسّ بأنه حاضر يشهد!» (١).
(ب) وهنالك تناسق بين أجزاء الصورة القرآنية المعروضة، من حيث ما يسمّى بوحدة الرسم، أي عدم التنافر بين جزئيات الصورة، ثم توزيع تلك الأجزاء على الرقعة بنسب معيّنة يزحم بعضها بعضا، ولا يطغى في ذلك بعضها على بعض، ويأتي أخيرا دور اللون الذي ترسم به، والتدرج في الظلال بما يحقق الجو العام المتسق مع الفكرة والموضوع (٢).
стр. 164
يقول الأستاذ سيد- ﵀: «خذ سورة من السور القصيرة التي ربما يحسب البعض أنها شبيهة بسجع الكهان ... خذ سورة الفلق. فما الجو المراد إطلاقه فيها؟ إنه جو التعويذة، بما فيه من خفاء وهيمنة وغموض وإبهام، فاسمع:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥).
فما الفلق الذي يستعيذ بربه؟ نختار من معانيه الكثيرة معنى الفجر ... لأنه أنسب في الاستعاذة به من ظلام سيأتي.
يعوذ برب الفجر «من شر ما خلق» هكذا بالتنكير، وب «ما» الموصولة الشاملة. وفي هذا التنكير يتحقق الغموض والظلام المعنوي في العموم، و «من شر غاسق إذا وقب»: الليل حين يدخل ظلامه إلى كل شيء ويمسي مرهوبا مخوفا.
«ومن شر النفاثات في العقد» وجو النفث في العقد من الساحرات والكواهن كله رهبة وخفاء وظلام، بل هنّ لا ينفثن غالبا إلا في الظلام. «ومن شر حاسد إذا حسد» والحسد انفعال باطني مطمور في ظلام النفس، غامض كذلك مرهوب.
الجو كله ظلام ورهبة، وخفاء وغموض وهو يستعيذ من هذا الظلام بالله، والله رب كل شيء، فلم خصصه هنا «برب الفلق»؟ لينسجم مع جو الصورة كلها، ويشترك فيه. ولقد كان من المتبادر أن يعوذ من الظلام بربّ النور، ولكن الذهن هنا ليس المحكم، إنما المحكّم هو حاسة التصوير الدقيقة، فالنور يكشف الغموض المرهوب، ولا يتسق مع جو الغسق والنفث في العقد، ولا مع جو الحسد، و «الفلق» يؤدي معنى النور من الوجهة الذهنية، ثم يتسق مع الجو العام من الوجهة التصويرية، وهو مرحلة قبل سطوع النور، تجمع بين النور والظلمة، ولها جوها الغامض المسحور.
ثم ما هي أجزاء الصورة هنا أو محتويات المشهد؟.
стр. 165
هي من ناحية «الفلق والغاسق» مشهدان من مشاهد الطبيعة، ومن ناحية «النفاثات في العقد» و «حاسد إذا حسد» مخلوقان آدميان.
وهي من ناحية: «الفلق» و «الغاسق» مشهدان متقابلان في الزمان. ومن ناحية: «النفاثات» و «الحاسد» جنسان متقابلان في الإنسان.
وهذه الأجزاء موزعة على الرقعة توزيعا متناسقا، متقابلة في اللوحة ذلك التقابل الدقيق، ذات لون واحد، فهي أشياء غامضة مرهوبة، يلفّها الغموض والظلام، والجو العام قائم على أساس هذه الوحدة في الأجزاء والألوان» (١).
وتأمل هنا- بلمحة خاطفة- وحدة الصورة، أو اللوحة القرآنية، التي رسمت في الآيات التالية من سورة الرعد بخطوطها العريضة: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) [الآية ٢].
ثم قال تعالى في الآية التالية- وما تزال تعرض تلك الخطوط العريضة فحسب. ولكن لاحظ كيف ينزل الخط التصويري إلى الأرض-: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها
رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
(٣) [الآية ٣].
وتأمل على سبيل التذكير: الخطوط المتقابلة في هذه الصورة: الرواسي والأنهار ... وزوجان اثنان من كل الثمرات ... والتي رسمت على الرقعة الممتدة: «وهو الذي مدّ الأرض ... » إلخ الآية الكريمة.
أما الآية الثالثة من السورة فقد صورت «لقطة» من صورة الأرض هذه ...
فيها خطوط أكثر تفصيلا ... وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ... [الآية ٤].
стр. 166
ولاحظ في هذه اللوحة التناسق في اللون والشكل، وأثر ذلك في ملء فراغات اللوحة كما يقال: بين جنّات الكروم المعروشة ... والزرع المنبسط، والنخيل السامق!! ... (١)
وانظر أخيرا إلى هذه اللوحة الطبيعية التي رسمت ببضع لمسات عريضة، قال تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) [سورة الغاشية، الآيات ١٧ - ٢٠].
إنها لوحة قاعدتاها: السماء والأرض: اتجاهان أفقيان. بينهما في الاتجاه الرأسي: الجبال والجمال ... أبرز الأشكال والأحجام على الأرض في عالم الجماد وعالم الحيوان ... والجمل هو الحيوان المناسب في الاتجاه الرأسي على كل حال ... بالإضافة إلى أنه أليف الصحراء الفسيحة التي تحدها السماء والجبال!! ...
وانظر كذلك هذه الدعوة إلى النظر والتأمل كيف بدأت بالإبل ... تلك المخلوقات البارزة على الأرض التي يقف عليها الإنسان، ثم انتقلت به من تلك النقطة الرأسية إلى السماء في اتجاه الصعود إلى فوق ... ثم كيف نزل ذلك الخط التصويري بالناظر المتأمل من السماء إلى الجبال إلى الأرض ... حيث مواقع أقدامه، مرة أخرى (٢).
وفي سورة الغاشية لوحات بلغ فيها التناسق الفني هذا أوجه كذلك ... وفي وسع القارئ أن يقف في كتاب التصوير الفني وفي الظلال على ألوان أخرى من التناسق ... وبخاصة ذلك التناسق الذي تستقل برسمه كلمة واحدة
стр. 167
في بعض الأحيان ... والتناسق الناشئ عن المدة المقررة لبقاء المشهد أو الصورة معروضة على الأنظار في النفس والخيال ... علّنا ندرك الأبعاد الكاملة، أو شيئا غير قليل من هذه الكلمة التي ختم بها الأستاذ سيد قطب- ﵀ بحثه الدقيق والواسع في التناسق والتصوير عند ما قال:
«وهكذا تتكشف للناظر في القرآن آفاق وراء آفاق من التناسق والاتّساق:
فمن نظم فصيح، إلى سرد عذب، إلى معنى مترابط، إلى نسق متسلسل، إلى لفظ معبّر، إلى تعبير مصوّر، إلى تصوير مشخّص، إلى تخييل مجسّم، إلى موسيقى منغّمة، إلى اتساق في الأجزاء، إلى تناسق في الإطار، إلى توافق في الموسيقى، إلى تفنّن في الإخراج.
وبهذا كله يتم الإبداع، ويتحقق الإعجاز».
يقول الأستاذ الدكتور صبحي الصالح: «ولعل الغاية التي انتهى إليها سيد قطب من فهم الأسلوب القرآني أن تكون أصدق ترجمة لمفهومنا الحديث لإعجاز القرآن لأنها تساعد جيلنا الجديد على استرواح الجمال الفني الخالص في كتاب الله، وتمكن الدارسين من استخلاص ذلك بأنفسهم، والاستمتاع به بوجدانهم وشعورهم» (١).
قلت: ولعل الأمر الذي انتهى إليه سيد في شأن الإعجاز بالتصوير- إن صح هذا التعبير- يوضح بعض جوانب نظرية عبد القاهر الجرجاني، ويضيف إليها؛ لا أنه يليغها ويعفّي عليها (٢) .. كما أن هذه الملاحظات الدقيقة بشأن دور الألفاظ في مسألة التصوير لعلها أن تكون قد انتهت إلى سيد، حيث أوضحها ووضعها في
стр. 168
موضعها، من الدراسة العميقة- والمتكلفة في بعض الأحيان- التي قدّمها الرافعي في كتابه الذي خصّه بالحديث عن القرآن والبلاغة النبوية.
وهي الدراسة التي سنعرض لفكرتها الرئيسة من خلال هذا المظهر الأخير، أو النظرية التي نعرض لها الآن في مسألة إعجاز القرآن، وهي: النظم الموسيقى، أو إعجاز النظم الموسيقى، كما دعاه الرافعي نفسه.
رابعا- النظم الموسيقى:
انطلق الرافعي في حديثه عن الإعجاز من الحروف وأصواتها، ثم من الحركة الصرفية واللغوية للألفاظ القرآنية المشتملة على تلك الحروف .. حتى ليمكن القول: إن عماد
حديثه عن إعجاز النظم الموسيقى يعتمد بالدرجة الأولى على الألفاظ، وعلى الجانب الصوتي منها على وجه الخصوص .. يقول الرافعي- بعد تمهيد كاشف-: «وحسبك بهذا اعتبارا في إعجاز النظم الموسيقى في القرآن، وأنه مما لا يتعلق به أحد، ولا يتفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه؛ لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر، والشدة والرخاوة، والتفخيم والترقيق، والتفشي والتكرار ... » (١).
ويقول بعد ذلك: «ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيّئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن تجدها إلا مؤلفة مع أصوات الحروف، مساوقة لها في النظم الموسيقى، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذب ولا تساغ، وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحرف والحركة، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت
стр. 169
لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقى، حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة» (١).
ثم يضرب لذلك أمثلة يوضح بها ما ذهب إليه، فيقول: «من ذلك لفظة «النّذر» جمع نذير؛ فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا، فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوّه عن اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام؛ فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس، وانتفى من طبيعته في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) [سورة القمر، الآية ٣٦].
فتأمل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمّله، وتذوّق مواقع الحروف، وأجر حركاتها في حس السمع، وتأمل مواضع القلقلة في دال «لقد»، وفي الطاء من «بطشتنا»، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو «تماروا»، مع الفصل بالمدّ كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمّة عليه مستخفا بعد، ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها؛ كما تكون الأحماض في الأطعمة. ثم ردّد نظرك في الراء من «تماروا» فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء «النّذر» حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تجف عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه، ثم اعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون «أنذرهم» وفي ميمها، وللغنّة الأخرى التي سبقت الذال في «النّذر».
ثم يعقّب على هذه الآية بقوله: «وما من حرف أو حركة في الآية إلا وأنت مصيب من كل ذلك عجبا في موقعه والقصد به، حتى ما تشك أن الجهة واحدة في
стр. 170
نظم الجملة والكلمة والحرف والحركة، ليس منها إلا ما يشبه في الرأي أن يكون قد تقدم في النظر وأحكمته الرويّة وراضه اللسان، وليس منها إلا متخيّر مقصود إليه من بين الكلم ومن بين الحروف ومن بين الحركات» (١).
وقد يكون في حديثنا القادم عن الفاصلة القرآنية، والسجع القرآني، ما يوضح بعض الجوانب التي قصد إليها الرافعي في حديثه، أو في كتابه الذي يأخذ بعضه برقاب بعض، وإن كان- هو- لم يفته أن يشير بالطبع إلى هذه الفواصل، ويجعلها من جملة الأمور التي أعطت للنظم الموسيقى أبعاده الأخيرة؛ قال: «وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صور تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيبا، يلائم نوع الصوت، والوجه الذي يساق عليه بما ليس وراءه في العجب مذهب»!.
ولهذا كان النص القرآني قابلا للتلاوة، على طريقة الترتيل، وعلى طريقة الألحان والأوزان، ولم تكن قطعة من نثر فصحاء العرب أو غيرهم قابلة لذلك (٢).
وقد ردّ الأستاذ قطب هذه الظاهرة إلى أن القرآن الكريم جمع بين مزايا النثر والشعر جميعا، «فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحدة، والتفعيلات التامة، فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة. وأخذ في الوقت ذاته من الشعر الموسيقى الداخلية، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل، والتقفية التي تغني عن القوافي، وضم ذلك إلى الخصائص التي ذكرناها، فشأى النثر والنظم جميعا» (٣).
وقد تحدث الاستاذ الدكتور صبحي الصالح عن هذه الموسيقى الداخلية،
стр. 171
ورأى فيها- في ضوء ما قدّمه الرافعي كذلك فيما يبدو- لونا من ألوان الإعجاز سمّاه: «الإعجاز في نغم القرآن» وقال فيه:
«إن هذا القرآن- في كل سورة منه وآية، وفي كل مقطع منه وفقرة، وفي كل مشهد منه وقصة، وفي كل مطلع منه وختام- يمتاز بأسلوب إيقاعي غني بالموسيقى مملوء نغما، حتى ليكون من الخطأ الشديد في هذا الباب أن نفاضل فيه بين سورة وأخرى، أو نوازن بين مقطع ومقطع، لكننا حين نومئ إلى تفرد سورة منه بنسق خاص إنما نقرر ظاهرة أسلوبية بارزة نؤيدها بالدليل، وندعمها بالشاهد؛ مؤكدين أن القرآن نسيج واحد في بلاغته وسحر بيانه، إلا أنه متنوع تنوع موسيقى الوجود في أنغامه وألحانه» (١)!
وقد لاحظ الدكتور الصالح أن هذه الموسيقى الداخلية تنبعث في القرآن حتى من اللفظة الواحدة، فضلا عن الآية التي تتناسق في جوها الكلمات، أو في السورة التي تنسجم حول فكرتها جميع الآيات.
فاللفظة المفردة «تكاد تستقل- بجرسها ونغمها- بتصوير لوحة كاملة فيها اللون زاهيا أو شاحبا، وفيها الظل شفيفا أو كثيفا ... فحين تتسمع همس السين المكررة تكاد تستشف نعومة ظلها، مثلما تستريح إلى خفة وقعها في قوله تعالى:
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) [سورة التكوير، الآيات ١٥ - ١٨]. بينما تقع الرهبة في صدرك وأنت تسمع لاهثا مكروبا صوت الدال المنذرة المتوعدة، مسبوقة بالياء المشبعة المديدة في لفظة «تحيد» بدلا من تنحرف أو تبتعد في قوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) [سورة ق، الآية ١٩].
وتقرأ قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [سورة آل
стр. 172
عمران، الآية ١٨٥]. فلا ترى في المعجم كلمة غير «زحزح» تصور مشهد الإبعاد والتنحية بكل ما يقع في هذا المشهد من أصوات، وما يصاحبه من ذعر الذي يمر بحسيس النار ويسمعه ويكاد يصلاه!
ولا أحسبك إلا مستشعرا عنف لفظ الكبكبة في قوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) [سورة الشعراء، الآيتان ٩٤ - ٩٥] حتى لتكاد تتصور أولئك المجرمين يكبون على وجوههم أو على مناخرهم، ويلقون إلقاء المهملين، فلا يقيم أحد لهم وزنا» (١)!
أما الحديث عن هذا الإعجاز في النغم والموسيقى الداخلية في الآية الواحدة أو السورة الكاملة فيمكن أن يعرض له عند الحديث عن الفاصلة والسجع وبعض الملامح الفنية الخاصة عند شرح الآيات وتفسير النصوص.
وأخيرا فقد لخص بعض الباحثين ما قيل حول الإعجاز، أو النظم الموسيقى، بوصفه واحدة من مزايا أسلوب القرآن بوجه عام، وبغض النظر عن القدر الذي يفسره من قضية الإعجاز الكبرى أو الأساسية؛ لخصه بأنه يتجلى في:
نظام القرآن الصوتي، وجماله اللغوي.
(أ) أما نظام القرآن الصوتي، فقد عنى به: «اتساق القرآن الكريم، وائتلافه في حركاته وسكناته، ومدّاته وغنّاته، واتصالاته وسكتاته، اتساقا عجيبا. وائتلافا رائعا يسترعي الأسماع ويستهوي النفوس، بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم ومنثور. وبيان ذلك أن من ألقي إلى سمعه مجموعة القرآن الصوتية الساذجة المؤلفة من تلك المدّات والغنّات، والحركات والسكنات، والاتصالات والسكتات ... يشعر من نفسه حتى لو كان أعجميا لا يعرف العربية- بأنه أمام لحن غريب وتوقيع عجيب، يفوق في حسنه وجماله كل ما عرف من توقيع
стр. 173
الموسيقى وترنيم الشعر، لأن الموسيقى تتشابه أجراسها وتتقارب أنغامها فلا يفتأ السمع أن يملها ... ولأن الشعر تتحد منه الأوزان وتتشابه القوافي في القصيدة الواحدة غالبا، وإذا طالت على نمط يورث سامعه السأم والملل، بينما سامع لحن القرآن لا يسأم ولا يمل، لأنه ينتقل فيه دائما بين ألحان متنوعة، وأنغام متجددة! ... » (١).
(ب) جمال القرآن اللغوي: قال الزرقاني: «ونريد بجمال القرآن اللغوي:
تلك الظاهرة العجيبة التي امتاز بها القرآن في رصف حروفه وترتيب كلماته، ترتيبا دونه كل ترتيب ونظام تعاطاه الناس في كلامهم» فإذا علمنا أن حروف الهجاء في لغة العرب موزعة بين حروف الإخفاء وحروف الإظهار والحروف المهموسة والحروف الجهرية، وحروف المد، وحروف الاستعلاء، وحروف القلقلة، وحروف التفخيم والترقيق، إلى آخر هذه التقسيمات المعروفة في فقه اللغة وفي علم التجويد ... أدركنا طرفا من جمال القرآن اللغوي حين رصف هذه الحروف بعضها بجانب بعض في الكلمات والآيات «وحين خرج إلى الناس في هذه المجموعة المختلفة المؤتلفة، الجامعة بين اللين والشدة، والخشونة والرقة، والجهر والخفية، على وجه دقيق محكم ... امتزجت فيه جزالة البداوة برقة الحضارة، وتلاقت عندها أذواق القبائل العربية على اختلافها بكل يسر وسهولة» (٢).
خامسا- تعقيب عام: البيان .. والإنسان:
وقد يقال في خاتمة المطاف: إن قضية الإعجاز البياني تضعنا أمام مشكلتين رئيستين، واجهت عصورا قبلنا، كما تواجهنا نحن اليوم. وهما: كيف يتم فهم هذه القضية أمام انحدار السليقة العربية، أو أمام اختلافنا عن جيل التنزيل بوجه عام
стр. 174
في باب اللغة والبيان، والمشكلة الثانية: كيف يؤمن غير العرب، والإسلام عام لجميع الناس؟
والذين يتحدثون عن هاتين المشكلتين اليوم يريدون إلجاءنا إلى الكلام عما يسمونه «الإعجاز العلمي» أو «الإعجاز التشريعي»، وهي الأنواع التي تحل اليوم- في قضية الدعوة إلى القرآن بالقرآن- مشكلة العرب والعجم جميعا!.
ونحن لم ننكر أن تكون مضامين القرآن من أهم وسائل تعميمه والدعوة إليه.
وأن تكون براهين أو دلائل على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد. ولكن أنكرنا أن تكون مناط الإعجاز الذي وقع به التحدّي، ومن شاء أن يسمّيها «إعجازا» من باب التجوّز فليفعل، على ما يعود من عمله هذا على القضية الأساسية من بعد وإساءة، أو خلط وتمييع، ولو عن غير قصد.
(أ) أما المشكلة الأولى فقد أجاب عنها بعض العلماء السابقين بأن هذا الإعجاز إذا كان لزم الأوائل- وهم من هم في باب البلاغة والفصاحة والبيان- فلأن يلزم سائر الأجيال من بعدهم من باب أولى!
ونحن نخشى أن يكون في هذا الرأي لون من ألوان الخدش لمسألة البعد التاريخي للقرآن التي أشرنا إليها في موضع سابق من هذا البحث. ولكن نذكّر بأن «حقيقة» الإعجاز واقعة على كل حال، وإن عجزت بعض الأجيال عن إدراك سببه أو وجهه. ونحن نقول من وجه آخر- ونرجو ألا يكون في ذلك حيف أو تجاوز-: إن جيلنا اليوم قد يكون أقدر من أجيال سابقة كثيرة على إدراك بعض مناحي الإعجاز- أي البلاغي- وما بين يدينا اليوم من تراث نقدي وأدبي، في لغة العرب وسائر لغات العالم، ينهض بنا إلى هذا المقام، أو يقوم على الأقل مقام تلك السليقة المطبوعة والبيان الموروث ... فنظرية النظم- التي ألمحنا إلى فحواها، أو إلى فكرتها الأساسية- لم تكن إلا في عصر التصنيف، أو في العصر الذي استوت فيه العلوم والمعارف الأدبية على سوقها. كما أن الحديث اليوم عن
стр. 175
التصوير والنظم اللغوي أو الموسيقى كان من بعض وجوهه صدى لتيارات أدبية ونقدية مترجمة أو منقولة ... ولعلنا نملك أن نقول: إن التراث النقدي والأدبي الذي نملكه الآن، ونملك من خلاله أن نقوم النصوص الأدبية ... يفوق ما كان عليه الوليد بن المغيرة وغيره ممن بهرهم القرآن .. فآمن بعضهم .. ولج في العداوة والمكابرة والبغضاء بعضهم الآخر ... ولن ينقطع هذا الخيط على كل حال، والتحدّي بالقرآن قائم إلى يوم الدين.
ولكن يبقى علينا أن نضع المسألة في إطارها الصحيح. كما أريد لها أن تكون، ولهذا فلسفته التي سنعرض لها بعد قليل.
(ب) أما مشكلة غير العرب .. فلا أدري هل ينتظر بعض الناس أن ينزل القرآن بكل لغات الأرض! ما كان منها، وما سيكون إلى يوم الدين؟ وهل يتساوق هذا مع طبيعة الأشياء، ومع طبيعة الإيمان الذي أراده الله تعالى من الإنسان؟
أليس في لغات العالم لغة هي مثال اللغات ينزل بها كتاب الله تعالى إلى الإنسان. وشعب هو، من حيث الفطرة والموهبة والاستعداد هو مثال الشعوب ينهض بحمل أعباء هذه الرسالة ويذيعها في العالمين؟ البحث هنا واسع، وقد أشرنا إلى طرف منه في الفصل الأول من فصول هذا الكتاب. ولكن لنقل: يسع العجم ما وسع العرب، كما قال علماؤنا الأوائل. ولنقل: إن بعض وجوه الإعجاز- أي البياني- تلزم حتى غير العرب. ولنقل إن من حق- أو واجب- جميع الناس أن تعمّهم «اللغة المثال» ما دام القرآن الكريم نازلا بلغة واحدة من لغات الأرض ...
إلخ، ولقد قلنا أكثر من مرة: إن في وسعنا أن نقيم الدليل لهؤلاء على أن هذا الكتاب الخالد هو كلام الله ... من وجوه كثيرة على كل حال.
ولكن علينا أن نبقي الإعجاز الذي وقع به التحدّي في إطاره الصحيح لا نخرج به عنه. ولنذكر في نهاية المطاف ما سبق لنا أن قلناه:
«إن الكلام والبيان هو ما امتاز به الإنسان ... فجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم
стр. 176
«بيانية» للإشارة إلى أن هذه الرسالة هي رسالة الإنسان ... حيث كان الإنسان، وفي أي زمان وجد! ...
«بل جعل دليل هذه المعجزة «الناطقة» شيئا زائدا في هذا البيان، بلغ حد التحدّي أن يأتي أحد بسورة منه، فلم يستطع ذلك أحد، ولن يستطيع ذلك أحد، إشارة أيضا إلى فضيلة «البيان» التي قد يتفاضل بها «الناطقون» على قدر تفاوتهم في رقة المشاعر، ورهافة الحس، وحساسية الوجدان ... ما دامت هذه الرسالة الإنسانية ستخاطب في الإنسان جميع ملكاته وإحساساته ومشاعره ...
«ولعل في ابتداء نزول القرآن الكريم بقوله تعالى (اقرأ) ما يشير إلى هذه «الطبيعة الإنسانية» لآخر رسالات الله تعالى إلى الإنسان: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [سورة العلق، الآيات ١ - ٥].
بل لعل في تخصيص الإنسان بالبيان في قوله تعالى: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) [سورة الرحمن، الآيات ١ - ٤]؛ ما يؤكد جميع هذه
المعاني، ويوحي بها كذلك؛ فبالبيان يمتاز الإنسان من سائر المخلوقات .. وبميزة البيان تمتاز رسالة الإسلام، وإن شئت قلت: رسالة الإنسان من سائر الرسالات.
ولم يكن البيان- بمعناه الأدق من «المنطق» كما توحي بذلك بعض الآيات القرآنية الأخرى- وقفا على لغة من اللغات، أو أمة من الأمم ... ولكن اختيار لغة العرب لينزل بها القرآن .. وليحمل بها إلى العالم رسالة الإنسان، يشير إلى فضيلة بيانية جامعة امتاز بها اللسان العربي على كل لسان.
ولأمر ما أسلم من أسلم من العرب بهذا البيان المعجز، وقال فيه من فصحاء العرب المشركين ما قال ... ولأمر ما يخشع أمام تلاوته من غير المسلمين والعرب من لم يسمع حرفا واحدا من لغة العرب في غابر الأزمان» (١).
стр. 177
الفصل الثالث الفاصلة القرآنية
لعلك لاحظت أن الجانب الصوتي- أو النظم الموسيقى- الذي جعله الرافعي مناط الإعجاز كما رأيت، بحاجة إلى مزيد من البيان. ويأتي الحديث هنا عن الفاصلة القرآنية (١) ليقدم شعاعا آخر يوضح هذا الجانب بالقدر الذي تتسع له هذه الصفحات.
وتمثل الفاصلة القرآنية- كما سنرى- التزاما بصيغ وحروف وكلمات روعيت في بناء الكثير من الجمل والآيات القرآنية. ويضاف هذا الالتزام إلى سائر ضروب الالتزام الأخرى المعهودة في القرآن الكريم، مثل السجع، وتكرار القصص والمتشابه اللفظي، وبعض وجوه الأحرف السبعة ... إلخ، والقرآن الكريم يتحدى مجاراته بسورة منه مع كل هذا التنويع، وتعدد طرق العرض، ومع إعفاء الثقلين جميعا الذين تحداهم القرآن من كل هذه الضروب والألوان! أو بعبارة أدق: مع عدم إلزامهم بما التزم به القرآن في هذه الأبواب .. بل في باب الحقائق والمضامين التي جاء بها القرآن الكريم، قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [سورة هود، الآية ١٣].
стр. 178
فإذا أثبتنا في هذه الصفحات، أو ثبت لنا أن الفاصلة القرآنية لم تقم- كالسجع وغيره كذلك- على اعتبارات شكلية! بل على العكس من ذلك ...
حيث أسهمت في إحكام المبنى والمعنى جميعا، بل أسهمت في تفسير معنى «الإحكام» الذي وصف الله تعالى به كتابه الكريم في قوله: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) [سورة هود، الآية ١].
إذا أثبتنا ذلك علمنا مدى أهمية الحديث عن الفاصلة والسجع، ومدى صلتهما بقضية الإعجاز الكبرى.
أولا- تعريف الفاصلة:
قال الزركشي: «هي كلمة آخر الآية، كقافية الشعر، وقرينة السجع» وقال الداني: «هي كلمة آخر الجملة» (١). والفرق بين التعريفين أن الأول ربط الفاصلة برءوس الآي، بينما ربطها الثاني بنهاية الجملة ولو لم تكن رأس آية. ولعل هذا هو ما قصد إلى بيانه أبو عمرو الداني حين فرّق بين الفواصل ورءوس الآي، فقال في الفاصلة: هي الكلام المنفصل من بعده. «والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس، وكذلك الفواصل يكنّ رءوس آي وغيرها. وكلّ رأس آية فاصلة، وليس كلّ فاصلة رأس آية؛ فالفاصلة تعمّ النوعين، وتجمع الضربين».
وعلى الرغم من هذا التفريق الواضح الذي ذهب إليه الإمام الداني؛ فإن من الملاحظ أن الذي يجري عليه معظم الدارسين والمدرّسين عند شرح النصوص القرآنية يقوم على تعريف الفاصلة بأنها الكلمة التي تختم بها الآية من القرآن. وهذا القدر على كل حال يجب ألا يكون فيه خلاف؛ وبخاصة إذا رجّحنا أن الفاصلة مأخوذة- كما يرى كثير من العلماء- من قوله تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) [سورة فصلت، الآية ٣].
стр. 179
قال الزركشي: «وتسمّى فواصل لأنه ينفصل عندها الكلامان؛ وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها» (١).
ولهذا لا يشترط في الفاصلة الموافقة في الإعراب لما قبلها- على تقدير عدم الوقوف- لأن الوقوف على رءوس الآي سنّة متّبعة؛ ولهذا صرح العلماء بأن «مبنى الفواصل على الوقف: ولهذا شاع مقابلة المرفوع بالمجرور والعكس، وكذا المفتوح والمنصوب غير المنوّن، ومنه قوله تعالى: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) مع تقدم قوله: عَذابٌ واصِبٌ (٩) وشِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)(٢) وكذا: بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وأَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)(٣).
ومع هذا، فإننا- في قضية تعريف الفاصلة- ندع الباب مفتوحا لدراسة أنواع من الفواصل- الأخرى- التي أشار إليها الداني، ونكتفي هنا بذكر بعض الشواهد القرآنية الموضحة في الوقت الذي نخصص فيه سائر هذا الفصل للكلام على الفاصلة- الكلمة- التي تختم بها الآية من القرآن.
يقول تعالى في سورة «يس» - السورة ٣٦ - وقد اخترنا جميع هذه الشواهد من هذه السورة: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ، فَهُمْ لا
يُؤْمِنُونَ
(٧) [الآيتان ٦ - ٧]. آباؤهم- أكثرهم. غافلون- لا يؤمنون.
وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) ثم قال تعالى:
لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) [الآيات ٧٤ - ٧٦]. نصرهم- قولهم ...
стр. 180
وقال تعالى:- في الآيتين التاليتين: ٧٧ - ٧٨ - : أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨).
وفي هذا، وشبهه من ضروب الفواصل الأخرى التي يمكن ملاحظتها في الآيات القرآنية، ما يدل على شدّة التحام أجزاء الكلام، وما توحي به آيات التنزيل من ضروب «الإيقاع» الخفية والظاهرة والمتماثلة والمتقاربة. وتدخل هنا قضية «الوقف والابتداء» - أو القطع والائتناف- كذلك، كواحدة من الأدلة على وقوع الفاصلة في الجملة، وليس في الآية فحسب، وبخاصة في الوقف اللازم، كما لاحظت في بعض الشواهد السابقة؛ حيث يجب الوقف على كلمة «قولهم» في الآية ٧٦ من السورة المذكورة.
ثانيا- دورها وموقعها:
إذا أردنا جلاء الدور الذي تؤديه «الكلمة» التي تختم بها الآية من القرآن- وهو أوضح لنا بطبيعة الحال من سائر الكلمات الأخرى التي قد لا تقلّ عنها أثرا في بناء الآية القرآنية، كما لاحظت من محاولة الرافعي التي أشرنا إليها- فلا بدّ لنا من الإشارة السريعة إلى البناء المجمل لهذه الآية: إنّ أدق ما يوصف به هذا البناء بأنه «محكم» وهو الوصف الذي جاء في القرآن الكريم نفسه: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) فالآية القرآنية بناء قد أحكمت لبناته أوثق الإحكام، لا تحس فيها بكلمة تضيق بمكانها، أو تنبو عن وضعها ... «وتأتي الفاصلة هنا متمكّنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة! يتعلّق معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما، بحيث لو طرحت اختلّ واضطرب الفهم» (١).