«بيانية» للإشارة إلى أن هذه الرسالة هي رسالة الإنسان ... حيث كان الإنسان، وفي أي زمان وجد! ...
«بل جعل دليل هذه المعجزة «الناطقة» شيئا زائدا في هذا البيان، بلغ حد التحدّي أن يأتي أحد بسورة منه، فلم يستطع ذلك أحد، ولن يستطيع ذلك أحد، إشارة أيضا إلى فضيلة «البيان» التي قد يتفاضل بها «الناطقون» على قدر تفاوتهم في رقة المشاعر، ورهافة الحس، وحساسية الوجدان ... ما دامت هذه الرسالة الإنسانية ستخاطب في الإنسان جميع ملكاته وإحساساته ومشاعره ...
«ولعل في ابتداء نزول القرآن الكريم بقوله تعالى (اقرأ) ما يشير إلى هذه «الطبيعة الإنسانية» لآخر رسالات الله تعالى إلى الإنسان: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [سورة العلق، الآيات ١ - ٥].
بل لعل في تخصيص الإنسان بالبيان في قوله تعالى: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) [سورة الرحمن، الآيات ١ - ٤]؛ ما يؤكد جميع هذه
المعاني، ويوحي بها كذلك؛ فبالبيان يمتاز الإنسان من سائر المخلوقات .. وبميزة البيان تمتاز رسالة الإسلام، وإن شئت قلت: رسالة الإنسان من سائر الرسالات.
ولم يكن البيان- بمعناه الأدق من «المنطق» كما توحي بذلك بعض الآيات القرآنية الأخرى- وقفا على لغة من اللغات، أو أمة من الأمم ... ولكن اختيار لغة العرب لينزل بها القرآن .. وليحمل بها إلى العالم رسالة الإنسان، يشير إلى فضيلة بيانية جامعة امتاز بها اللسان العربي على كل لسان.
ولأمر ما أسلم من أسلم من العرب بهذا البيان المعجز، وقال فيه من فصحاء العرب المشركين ما قال ... ولأمر ما يخشع أمام تلاوته من غير المسلمين والعرب من لم يسمع حرفا واحدا من لغة العرب في غابر الأزمان» (١).
стр. 177
الفصل الثالث الفاصلة القرآنية
لعلك لاحظت أن الجانب الصوتي- أو النظم الموسيقى- الذي جعله الرافعي مناط الإعجاز كما رأيت، بحاجة إلى مزيد من البيان. ويأتي الحديث هنا عن الفاصلة القرآنية (١) ليقدم شعاعا آخر يوضح هذا الجانب بالقدر الذي تتسع له هذه الصفحات.
وتمثل الفاصلة القرآنية- كما سنرى- التزاما بصيغ وحروف وكلمات روعيت في بناء الكثير من الجمل والآيات القرآنية. ويضاف هذا الالتزام إلى سائر ضروب الالتزام الأخرى المعهودة في القرآن الكريم، مثل السجع، وتكرار القصص والمتشابه اللفظي، وبعض وجوه الأحرف السبعة ... إلخ، والقرآن الكريم يتحدى مجاراته بسورة منه مع كل هذا التنويع، وتعدد طرق العرض، ومع إعفاء الثقلين جميعا الذين تحداهم القرآن من كل هذه الضروب والألوان! أو بعبارة أدق: مع عدم إلزامهم بما التزم به القرآن في هذه الأبواب .. بل في باب الحقائق والمضامين التي جاء بها القرآن الكريم، قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [سورة هود، الآية ١٣].
стр. 178
فإذا أثبتنا في هذه الصفحات، أو ثبت لنا أن الفاصلة القرآنية لم تقم- كالسجع وغيره كذلك- على اعتبارات شكلية! بل على العكس من ذلك ...
حيث أسهمت في إحكام المبنى والمعنى جميعا، بل أسهمت في تفسير معنى «الإحكام» الذي وصف الله تعالى به كتابه الكريم في قوله: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) [سورة هود، الآية ١].
إذا أثبتنا ذلك علمنا مدى أهمية الحديث عن الفاصلة والسجع، ومدى صلتهما بقضية الإعجاز الكبرى.
أولا- تعريف الفاصلة:
قال الزركشي: «هي كلمة آخر الآية، كقافية الشعر، وقرينة السجع» وقال الداني: «هي كلمة آخر الجملة» (١). والفرق بين التعريفين أن الأول ربط الفاصلة برءوس الآي، بينما ربطها الثاني بنهاية الجملة ولو لم تكن رأس آية. ولعل هذا هو ما قصد إلى بيانه أبو عمرو الداني حين فرّق بين الفواصل ورءوس الآي، فقال في الفاصلة: هي الكلام المنفصل من بعده. «والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس، وكذلك الفواصل يكنّ رءوس آي وغيرها. وكلّ رأس آية فاصلة، وليس كلّ فاصلة رأس آية؛ فالفاصلة تعمّ النوعين، وتجمع الضربين».
وعلى الرغم من هذا التفريق الواضح الذي ذهب إليه الإمام الداني؛ فإن من الملاحظ أن الذي يجري عليه معظم الدارسين والمدرّسين عند شرح النصوص القرآنية يقوم على تعريف الفاصلة بأنها الكلمة التي تختم بها الآية من القرآن. وهذا القدر على كل حال يجب ألا يكون فيه خلاف؛ وبخاصة إذا رجّحنا أن الفاصلة مأخوذة- كما يرى كثير من العلماء- من قوله تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) [سورة فصلت، الآية ٣].
стр. 179
قال الزركشي: «وتسمّى فواصل لأنه ينفصل عندها الكلامان؛ وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها» (١).
ولهذا لا يشترط في الفاصلة الموافقة في الإعراب لما قبلها- على تقدير عدم الوقوف- لأن الوقوف على رءوس الآي سنّة متّبعة؛ ولهذا صرح العلماء بأن «مبنى الفواصل على الوقف: ولهذا شاع مقابلة المرفوع بالمجرور والعكس، وكذا المفتوح والمنصوب غير المنوّن، ومنه قوله تعالى: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) مع تقدم قوله: عَذابٌ واصِبٌ (٩) وشِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)(٢) وكذا: بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وأَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)(٣).
ومع هذا، فإننا- في قضية تعريف الفاصلة- ندع الباب مفتوحا لدراسة أنواع من الفواصل- الأخرى- التي أشار إليها الداني، ونكتفي هنا بذكر بعض الشواهد القرآنية الموضحة في الوقت الذي نخصص فيه سائر هذا الفصل للكلام على الفاصلة- الكلمة- التي تختم بها الآية من القرآن.
يقول تعالى في سورة «يس» - السورة ٣٦ - وقد اخترنا جميع هذه الشواهد من هذه السورة: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ، فَهُمْ لا
يُؤْمِنُونَ
(٧) [الآيتان ٦ - ٧]. آباؤهم- أكثرهم. غافلون- لا يؤمنون.
وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) ثم قال تعالى:
لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) [الآيات ٧٤ - ٧٦]. نصرهم- قولهم ...
стр. 180
وقال تعالى:- في الآيتين التاليتين: ٧٧ - ٧٨ - : أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨).
وفي هذا، وشبهه من ضروب الفواصل الأخرى التي يمكن ملاحظتها في الآيات القرآنية، ما يدل على شدّة التحام أجزاء الكلام، وما توحي به آيات التنزيل من ضروب «الإيقاع» الخفية والظاهرة والمتماثلة والمتقاربة. وتدخل هنا قضية «الوقف والابتداء» - أو القطع والائتناف- كذلك، كواحدة من الأدلة على وقوع الفاصلة في الجملة، وليس في الآية فحسب، وبخاصة في الوقف اللازم، كما لاحظت في بعض الشواهد السابقة؛ حيث يجب الوقف على كلمة «قولهم» في الآية ٧٦ من السورة المذكورة.
ثانيا- دورها وموقعها:
إذا أردنا جلاء الدور الذي تؤديه «الكلمة» التي تختم بها الآية من القرآن- وهو أوضح لنا بطبيعة الحال من سائر الكلمات الأخرى التي قد لا تقلّ عنها أثرا في بناء الآية القرآنية، كما لاحظت من محاولة الرافعي التي أشرنا إليها- فلا بدّ لنا من الإشارة السريعة إلى البناء المجمل لهذه الآية: إنّ أدق ما يوصف به هذا البناء بأنه «محكم» وهو الوصف الذي جاء في القرآن الكريم نفسه: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) فالآية القرآنية بناء قد أحكمت لبناته أوثق الإحكام، لا تحس فيها بكلمة تضيق بمكانها، أو تنبو عن وضعها ... «وتأتي الفاصلة هنا متمكّنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة! يتعلّق معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما، بحيث لو طرحت اختلّ واضطرب الفهم» (١).
стр. 181
أي إن الفاصلة تقوم بدورها في «إحكام» بناء الآية في الشكل والمضمون، أو في المبنى والمعنى على حد سواء؛ لأن منهج الآية في التقديم والتأخير، والحذف والزيادة، والفصل والوصل، لا يقوم على اعتبارات شكلية محضة، بل يتبع كذلك المعنى فيسهم في «إحكامه» أيضا على أوثق وجوه الإحكام. وهذا هو ما أشار إليه الزمخشري في «كشافه» القديم (١).
أما الإحكام اللفظي، أو النظم الموسيقى فإن دور الفاصلة فيه شديد الوضوح .. حتى إن هذه الفواصل أكثر ما تنتهي بالنون والميم، وحروف المدّ واللين .. وتلك هي الحروف الطبيعية في الموسيقى نفسها؛ قال سيبويه- ﵀: «أما إذا ترنّموا- أي العرب- فإنهم يلحقون الألف والواو والياء؛ ما ينوّن وما لا ينوّن؛ لأنهم أرادوا مدّ الصوت». قال: «وإذا أنشدوا ولم يترنموا: فأهل الحجاز يدعون القوافي على حالها في الترنّم: وناس من بني تميم يبدلون مكان المدة النون» (٢).
أما «إحكام» المعنى فيجب النظر فيه في سياق الآية أو الآيات ذاتها. ونحن هنا نقطع بأن إحكام المعنى هنا قرين إحكام اللفظ، حتى ولو لاحظنا أن «إيقاع المناسبة في مقاطع الفواصل» - بحسب تعبير الزركشي- كان بتأخير ما أصله أن يقدّم، أو إفراد ما أصله أن يجمع، أو جمع ما أصله أن يفرد، أو تثنية ما أصله أن يفرد ... إلى آخر هذه الأسباب التي عددها الزركشي في باب إيقاع المناسبة هذا!! لأننا لا نفهم هذا «الأصل» الذي يشير إليه- ولا ندري كيف صار أصلا- إلا من زاوية ذلك الإحكام الدقيق في المبنى والمعنى جميعا ... والذي لم تسهم فيه الفاصلة فحسب، بل توّجته وأوضحته وجلّته تمام الجلاء! وقبل أن أورد لك بعض
стр. 182
الشواهد التي توضح ما نقول، أورد لك من باب «إيقاع المناسبة» ذاك بعض الشواهد:
(أ) قال تعالى:* ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) [سورة الكهف، الآية ٥١]: والفواصل السابقة: «موعدا، أحدا، بدلا» ... - قال ابن سيده: أي أعضادا، وإنما أفرد ليعدل رءوس الآي بالإفراد. والعضد: المعين.
ولا ننقض هذا القول بما في كلمة «أعضادا» من نبوّ وثقل؛ لأن هذا ليس هو موضوع الرد الأساسي؛ ولكن إذا كانت «عضدا» هي الأليق من هذه الجهة، ومن جهة الالتحام مع
سائر الفواصل ... فإنها كذلك هي الأحكم من حيث المعنى؛ لأن المضلّين جميعا هم من الهوان والعجز في الموضع الذي يستغني الخلاق العليم عن معونتهم .. واحدهم في ذلك كجميعهم، وجميعهم كواحدهم .. ولهذا «العدول» - ولا أدري لم كان عدولا، ولم كان الجمع هو الأصل- أسباب وفوائد أخرى على كل حال.
(ب) وقال تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) [سورة إبراهيم، الآية ٣١]:
والفواصل السابقة: «البوار، النار». قال الزركشي: «فإن المراد: «ولا خلّة» بدليل الآية الأخرى، لكن جمعه لأجل مناسبة رءوس الآي»!!
والآية الأخرى التي يشير إليها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) [سورة البقرة، الآية ٢٥٤].
ونحن ننفي أن يكون (المراد: ولا خلّة) بل المراد: ولا خلال!! لأن ورودها بصيغة المفرد في آية لا يعني ضرورة أن تأتي بهذه الصيغة في آية أخرى .. بل لعل
стр. 183
العكس أقرب إلى الصواب؛ وذلك في ضوء ما أشرنا إليه في المتشابه اللفظي وفي صدر هذا الفصل.
وفي وسعنا أن نثبت هنا- بتعليق عابر- أن «الأصل» في آية سورة إبراهيم «ولا خلال» - والحديث هنا: من حيث المعنى، بالطبع- وفي آية سورة البقرة:
«ولا خلّة». والخلّة هي المودة والصداقة، فآية الجمع- ولا خلال- جاءت في سياق الأمر بإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، سرا، وعلانية ... قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا تنفع فيه المودّات والصّداقات ... وبعض الناس كما هو معلوم يتهاون بأمر الصلاة في الدنيا خجلا أو مراعاة لبعض هذه الصداقات ..
وبعضهم ينفق مما رزقه الله على حال دون حال من السر أو العلانية بحسب الأغراض والنيات، أو بحسب الظروف والأحوال .. كل هذا- وغيره كثير- يناسبه: «ولا خلال» تنفع هنا أو هناك!.
أما الآية الثانية فقد وردت في سياق واحد هو الأمر بالإنفاق، أو مجرد الأمر بالإنفاق مما «رزقناكم» دون ذكر كذلك لحالتي السر والعلن، فقد يكون ناسبه لذلك الإفراد .. ثم إن هذه «الخلّة» قد عطف عليها بالشفاعة .. فعاد «الجمع» الذي تحدث عنه الزركشي .. لأن الشفاعة أعلى من المودّة والصداقة .. وهذا على مذهب من يرى في مثل هاتين الآيتين أن الجمع هو الأصل، على عكس ما أشار إليه الزركشي! .. ولا «أصل» هنا أو هناك سوى مراعاة النظم، وملاحظة الدور الذي أدّته الفاصلة في المكان الذي جاءت فيه من حيث إحكام المبنى والمعنى جميعا.
(ج) وأختم لك هذه الأمثلة بشاهد ثالث لا أعلّق عليه بشيء ... وإنما أدع فيه المناقشة والرد- على إيجازه- لابن قتيبة- ﵀، قال تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) [سورة الرحمن، الآية ٦٤].
قال الفرّاء: «هذا باب مذهب العرب في تثنية البقعة الواحدة وجمعها»،
стр. 184
كقوله: «ديار لها بالرّقمتين» وقوله: «بطن المكّتين». قال: «وأشير بذلك إلى نواحيها (١)، أو للإشعار بأن لها وجهين، وأنك إذا وصلتها ونظرت إليها يمينا وشمالا رأيت في الناحيتين ما يملأ عينيك قرّة، وصدرك مسرّة». ثم قال: «وإنما ثنّاهما هنا لأجل الفاصلة؛ رعاية للتي بعدها على هذا الوزن. والقوافي تحتمل في الزيادة والنقصان ما لا يحتمله سائر الكلام».
قال الزركشي (٢): «وأنكر ذلك ابن قتيبة عليه، وأغلظ- قلت: وحقّ له ذلك- وقال: «إنما يجوز في رءوس الآية زيادة هاء السكت أو الألف، أو حذف همزة (٣)، فأما أن يكون الله وعد جنّتين فنجعلهما جنّة واحدة من أجل رءوس الآي فمعاذ الله! وكيف هذا وهو يصفهما بصفات الاثنين، قال: ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) ثم قال فيهما: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠).
ثم قال ابن قتيبة في تعقيب أخير لطيف: «ولو أن قائلا قال في خزنة النار:
إنهم عشرون! وإنما جعلهم الله تسعة عشر لرأس الآية؛ ما كان هذا القول إلا كقول الفرّاء!!».
وإذا كان في هذه الشواهد- التي جاءت في سياق الرد والتصويب- ما يوضح دور الفاصلة الهائل في إحكام المبنى والمعنى جميعا، بما يغني عن مزيد من العرض، في سياق الإثبات وإقامة الدليل، إلا أننا نورد هنا شاهدا، أو شاهدين؛ مكتفين بالإشارة إلى أن الطريقة السابقة التي نقلها أو لجأ إليها الزركشي قد هدتنا إلى جوانب إيجابية واسعة في هذا الباب نرجو أن نفصل فيها القول في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى:
стр. 185
(أ) قال الله تعالى في سورة عبس: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ... الآيات.
نزلت هذه الآيات الكريمة في عتاب النبيّ ﷺ حين أعرض عن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى وقد جاءه يطلب سماع القرآن، وأن يعلّمه النبيّ شيئا مما علّمه الله سبحانه ... وكان النبيّ ﷺ مشغولا بنفر من كبار قريش يعرض عليهم الإسلام، يطمع في دخولهم فيه، وما يتبع ذلك من هداية من وراءهم ...
فعبس ﷺ في وجه عبد الله وأعرض عنه؛ فنزلت الآيات مبيّنة أن ميزان الله هو الميزان، وأنه ليس للنبيّ الكريم أن يعرض عن رجل هو في ميزان الله فوق أولئك الرؤساء والزعماء، أصحاب الجاه الواسع، والمكانة العالية، والثراء العريض ..
حتى ولو كان النبيّ ﷺ مشغولا معهم بأمر يخصّ الدعوة والإسلام لا بأمر شخصي أو له علاقة بالنبيّ نفسه- ﵊ ...
ونقف أولا عند الفاصلتين الأولى والثانية. إن دور هاتين الفاصلتين من حيث إحكام اللفظ، والنسق والموسيقى مع سائر الفواصل الأخرى واضح لا يحتاج إلى تعليل .. ولكن نقول: إن وراء هذا الإحكام إحكاما آخر كذلك من حيث المعنى والفحوى: فكلمة «تولّى» صوّرت إعراض النبيّ النفسي أو الداخلي إذا ما قارنتها بكلمة «عبس» التي صورت حالة النبيّ ﷺ التي ارتسمت على وجهه الشريف. ومعنى ذلك أن هاتين الكلمتين استقلتا بتصوير حالة الإعراض التي ألمّت بالنبيّ الكريم من حيث الظاهر والباطن ... واذكر مع هذا أن العبوس الذي صوّرته «عدسة» الآيات القرآنية عن الوجه الشريف لم يره عبد الله الذي عبس النبيّ في وجهه لأنه كان أعمى!! واذكر كذلك أن «التولي» الذي سجّلته الآية أو الكلمة القرآنية، والذي تعجز عن تسجيله العدسات وسائر أدوات الالتقاط والتصوير ...
هو حالة نفسية داخلية .. وأنها لا يراها البصير .. فقد يكون أحدنا مقبلا على
стр. 186
الآخر بحديثه من حيث الظاهر ولكنه معرض عنه من الداخل أو من الناحية النفسية الشعورية لأي سبب من الأسباب.
أقول: العبوس لم يره الأعمى، والتولّي قد لا يراه البصير، ثم كانت المقابلة الهائلة والتلخيص الدقيق بكلمتين اثنتين: عبس وتولى. ولا داعي للإشارة بعد ذلك إلى أن تقديم «عبس» على «تولّى» أو تأخير الثانية عن الأولى، هو الأصل من حيث ترتيب المعاني من حيث الظهور والخفاء .. وأنه هو الذي أسهم كذلك في بناء الفواصل على النسق الذي رأيت ...
يضاف إلى ذلك أن الذي هيأ ومكّن لهذه الفاصلة التي رأيت هو مجيء الآيتين الأولى والثانية بصيغة الغائب، أو الشخص الثالث كما يقال: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) ولم يقل الله : «عبست وتوليت»! ولو حصل ذلك لكان مفسدا لأمر الفاصلة والنظم الموسيقى؛ ولكان فيه كذلك إيحاش لقلب النبيّ الكريم حين يفاجأ بصيغة الخطاب تلك .. أو لكانت نبرة العتاب أقسى من أن يخاطب بها الله سبحانه نبيّه الكريم أو يبتدئه بها- ﵊ ...
وهذا كما هو واضح: من حيث المعنى، أو من حيث أدق المعاني النفسية والشعورية ... ولولا أن الكلام في الآيات الكريمة استوى إلى وضعه الأصلي- الخطاب- في الآية الثالثة: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) لما علمنا ابتداء أن الآيات نزلت في شأن النبيّ الكريم- عليه صلوات الله وسلامه- مع بعض الصحابة في واقعة بعينها.
ونشير أخيرا إلى أن الفاصلة في الآية الثانية، وهي كلمة «الأعمى» جاءت بوصف الصحابي دون اسمه؛ كأنها تومئ أو تشير إلى سبب الإعراض عنه، أو تحمل في مدلولها العام والقريب إشارة إلى أن هذه العاهة يجب ألا تحمل أحدا إلى يوم الدين أن يعرض عن أعمى في أي موقف قريب أو مماثل! وفي هذا إخراج للنص القرآني من أن تراد به حالة «تاريخية» خاصة .. وقد فهم منها بعض
стр. 187
المفسّرين أنها تحمل- في إشارة أخرى- اعتذارا عن عبد الله بن أمّ مكتوم الذي اقتحم على النبيّ مجلسه مع القوم!
وهذا كلّه من حيث المعنى، أما من حيث دور هذه الكلمة في بناء الفواصل مع كلمة «تولّى» ثم مع سائر فواصل الآيات الكريمة «يزّكّى، الذّكرى، استغنى ... » فأوضح من أن يشار إليه ...
ونكتفي بالحديث عن هاتين الفاصلتين، تاركين الكلام في سائرها إلى موضعه من باب التفسير إن شاء الله. وإذا أردت أن تتابع بنفسك نمطا من هذا القبيل- في ضوء ما تقف عليه من كتب التفسير- فإني أحيطك علما بأن في وسعك أن تكتب في كلمتي «يسعى، يخشى» قريبا مما كتبت لك؛ لأن سعي الأعمى في طرقات المدينة صوّر حالته الجسمية، وهو أمر ليس بالقليل في ميزان الله، ولأن كلمة «يخشى» صوّرت حالته الإيمانية الداخلية التي دفعته إلى ذلك السعي الذي لا يستوي فيه مع البصير!! وسبحان ذلك المقام الذي كانت تتنزّل منه هذه الآيات البيّنات ...
(ب) الشاهد الثاني: قال الله تعالى في سورة الحاقة في وصف القرآن الكريم: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) [الآيتان ٤١ - ٤٢].
ونقف هنا، سريعا، أمام الفاصلة موضوع البحث، وهي الكلمة التي تختم بها الآية، دون الفاصلة الأخرى الواضحة في هاتين الآيتين .. جاءت فاصلة الآية الأولى: «تؤمنون» وفاصلة الآية الثانية «تذكّرون» فتم بهما التنويع والتلوين في النغم والنظم الموسيقى، وكانت الآية الأولى يناسبها من حيث المعنى أن تختم بما ختمت به لأن انفصال القرآن ومخالفته لنظم الشعر أمر واضح بيّن؛ فمن نسب القرآن إلى الشعر فقد قال ما قال كفرا وعنادا خالصا ... أو: لم يحمله على ذلك القول إلا الكفر والعناد، فناسب ذلك أن تختم الآية بقوله: «قليلا ما تؤمنون»!! أما
стр. 188
مخالفة القرآن الكريم لسجع الكهان، وكلاهما نثر، وفي القرآن الكريم عدد غير قليل من الآيات المسجوعة ... فليست من الوضوح لكل أحد كمخالفة الشعر ...
وقد لا تظهر لبعض الناس إلا بتدبّر القرآن والوقوف على أسباب بلاغته وفصاحته .. ومخالفة أسلوبه لكلام الكهان، فختمت الآية الثانية لذلك بقوله:
«قليلا ما تذكّرون»!.
(أ) اختلاف الفواصل في آيات متماثلة:
وأخيرا، فإننا تأكيدا لما ذكرناه في هذه الفقرة من أن «إحكام» المعنى الذي تؤدّيه الفاصلة القرآنية يجب البحث عنه في سياق الآية أو الآيات .. نختم الكلام هنا بشاهد قرآني اختلفت فيه الفواصل القرآنية في آيات متماثلة، وهو ما أسماه الزركشي: «اختلاف الفاصلتين في موضع، والمحدّث عنه واحد»: قال الله تعالى:
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) [سورة إبراهيم، الآية ٣٤].
ثم قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) [سورة النحل، الآية ١٨].
قال ابن المنيّر المالكي: «كأنه يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت آخذها، وأنا معطيها؛ فحصل لك عند أخذها وصفان: كونك ظلوما، وكونك كفّارا. ولي عند إعطائها وصفان، وهما أنّي غفور رحيم؛ أقابل ظلمك بغفراني، وكفرك برحمتي، فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاءك إلا بالوفاء».
وهذا حسن، كما قال الزركشي، ولكن السؤال محل البحث: لماذا خصّت آية سورة النحل بوصف المنعم، وآية سورة إبراهيم بوصف المنعم عليه؟ قال الزركشي: «والجواب أن سياق الآية في سورة إبراهيم في وصف الإنسان وما جبل عليه؛ فناسب ذكر ذلك عقيب أوصافه. قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي
стр. 189
الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) [سورة إبراهيم، الآية ٣٢ - ٣٤].
«وأمّا آية النحل فسيقت في وصف الله تعالى، وإثبات ألوهيته؛ وتحقيق صفاته؛ فناسب ذكر وصفه سبحانه» (راجع الآيات من أول سورة النحل).
قال: «فتأمل هذه التراكيب، ما أرقاها في درجة البلاغة»! (١).
(ب) التصدير والتوشيح:
وقد تحدث علماء البلاغة عما يكون في الآية مما يشير إلى الفاصلة ويمهد لها .. ويسمون ذلك تصديرا وتوشيحا. أما التصدير فهو أن تكون الكلمة أو «اللفظة» قد تقدمت «مادّتها» في الآية- ويسمّونه-: ردّ العجز على الصّدر- كقوله تعالى: قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) [سورة طه، الآية ٦١] ومعنى: يسحتكم: يستأصلكم بالإهلاك.
وكقوله تعالى: فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) [سورة التوبة، الآية ٧٠].
وقوله تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) [سورة الأنعام، الآية ٣١].
وفي ذلك وشبهه ما يدل على التحام الفاصلة بالآية التحاما تاما كما هو واضح: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) [سورة الأنعام، الآية ١٠].
ويلاحظ هنا بعض المفسّرين والبلاغيين أن الآية القرآنية تهيّئ في بعض الأحيان لفاصلة بعينها .. ولكن سرعان ما تجد الآية قد ختمت بغيرها .. لا في
стр. 190
سبيل مراعاة سائر الفواصل السابقة واللاحقة في النص القرآني، ليتم له بذلك موسيقاه الخاصة ... لا في سبيل ذلك فحسب، ولكن في سبيل إحكام المعنى كذلك، أو بعبارة أخرى: يأتي القرآن الكريم بغير تلك الفاصلة إيثارا لما هو ألصق بالمعنى، وأشد وفاء بالمراد، قال الله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) [سورة البقرة، الآية ٦٧].
فقد يقع في النفس أن تأتي الفاصلة يستعيذ فيها موسى- ﵇ من أن يكون من المستهزئين .. ولكن عدل إلى مادة «الجهل» إشارة إلى أن الاستهزاء بالناس جهل وسفه لا يليق أن يصدر من صاحب خلق ودين، بالإضافة إلى أن الفواصل السابقة هي: «الخاسرين، خاسئين، للمتقين ... ».
أما التوشيح فهو أن يكون «معنى» الآية مشيرا إلى هذه الفاصلة؛ كقوله تعالى:* إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) [سورة آل عمران، الآية ٣٣].
«فإن معنى اصطفاء المذكورين يعلم منه الفاصلة؛ إذ المذكورون نوع من جنس العالمين» (١).
ومثّلوا له كذلك بقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) [سورة يس، الآية ٣٧].
ثالثا- لمحة عن أنواع الفاصلة:
تبيّن لك من خلال الشواهد التي عرضنا لها في هذا الفصل مدى إسهامها في النظم الموسيقى في القرآن. وقد يشتد هذا التقارب الموسيقى في الفواصل، حتى تتحد الفاصلتان- أو الفواصل- في الوزن والقافية، كما في قوله تعالى:
стр. 191
وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) [سورة الطور، الآيات ١ - ٤]. وقوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) [سورة الغاشية، الآيتان ١٣ - ١٤]. وقوله تعالى في ختامها: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) [سورة الغاشية، الآيتان ٢٥ - ٦٢].
وقد تختلفان في الوزن، ولكنهما تتفقان في حروف السجع، كقوله تعالى:
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) [سورة نوح، الآيتان ١٣ - ١٤].
وقد تتساوى الفاصلتان في الوزن دون التقفية كقوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) [سورة الغاشية، الآيتان ١٥ - ١٦].
وقوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) [سورة الصافات، الآيتان ١١٧ - ١١٨].
وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨) [سورة المعارج، الآيات ١٥ - ١٨].
وهذا النوع في القرآن كثير، وفي المفصّل خاصة في قصاره (١).
وأخيرا، قد تختلفان وزنا وقافية، ولكنهما تتقاربان كقوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) [سورة الفاتحة، الآيتان ٣ - ٤].
وقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) [سورة ق، الآيات ١ - ٢].
وهذا لا يسمّى سجعا لأن السجع ما تماثلت حروفه.
ويمكن أن نعود بهذه الأنواع إلى قسمين: ما تماثلت حروفه في المقاطع، أي
стр. 192
الفواصل المتفقة في الحرف الأخير، وتسمى: متماثلة. والقسم الثاني: ما عداها وتدعى متقاربة، وهي التي تقاربت حروفه في المقاطع ولم تتماثل. ولا تخرج الفواصل عن هذين النوعين.
هذا، وقد تتفق الفاصلتان لا في الحرف الأخير فحسب، ولكن في حرف قبله أو أكثر .. حيث يبلغ النظم الموسيقى وسائر ضروب الإيقاع قمة السلاسة واللين والجمال؛ على عكس ما تراه في السجع المتكلّف عند الأدباء والكتّاب.
مثال التزام حرف- أي قبل الحرف الأخير- قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) [سورة الشرح، الآيات ١ - ٤].
وقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) [سورة الضحى، الآيتان ٩ - ١٠].
ومثال ما اتفقا في حرفين قوله تعالى: وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) [سورة القيامة، الآيتان ٢٧ - ٢٨].
وقوله تعالى: وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) [سورة الطور، الآيتان ١ - ٢].
وفيها أيضا: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) [سورة الطور، الآيتان ٧ - ٨].
ومثال التزام ثلاثة أحرف: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) [سورة الأعراف، الآيات ٢٠١ - ٢٠٢].
رابعا- بين الفاصلة والسجع والشعر:
يظهر من هذا أن الفواصل تفترق عن الأسجاع عند ما تكون هذه الفواصل متقاربة أو متماثلة. أما الفواصل المتماثلة فكلها مسجوعة بالطبع، ولهذا قال ابن
стр. 193
سنان في تعريف الأسجاع إنها «حروف متماثلة في مقاطع الفواصل» قال: «وأظن أن الذي دعاهم إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل، ولم يسمّوا ما تماثلت حروفه سجعا: رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المرويّ عن الكهنة وغيرهم!».
ونحن لا نرى مانعا من تسمية ما تماثلت حروفه سجعا على كل حال.
وإذا كانت الفاصلة في الآية كالقافية في الشعر، فقد رأينا كذلك بعض ما تختلف فيه الفاصلة عن القافية؛ حينما تتقارب الفواصل ولا تتماثل. ولكن القوافي في واقع الأمر فواصل لأنها تفصل آخر الكلام، وخصت فواصل الشعر باسم القوافي لأن الشاعر يقفوها، أي يتّبعها في شعره لا يخرج عنها. قال الزركشي:
«ويمتنع استعمال القافية في كلام الله تعالى لأن الشرع لما سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه لأنها منه، وخاصة به في الاصطلاح. وكما يمتنع استعمال القافية في القرآن؛ لا تطلق الفاصلة في الشعر لأنها صفة لكتاب الله لا تتعداه» (١).
والأمر البلاغي، أو النقدي، الذي تفترق فيه الفاصلة القرآنية من القافية الشعرية أن من المعيب في الشعر أن تتكرر القافية قبل سبعة أبيات، وليس ذلك بعيب في الفاصلة؛ اقرأ إن شئت قوله تعالى في آخر سورة مريم: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) [سورة مريم، الآيات ٨٨ - ٩٥] وانظر الآيات الثلاث المتبقية من السورة الكريمة.
ولكن يجب البحث عن سرّ هذا التكرار في سياق الآيات ذاتها التي تكررت
стр. 194
فيها هذه الفاصلة ... وقد حاولنا ذلك في بعض المواطن القرآنية ... والذي يمكن قوله في الشاهد السابق- على سبيل المثال- أن هذا التكرار جاء في معرض الرد على هذه الدعوى الكاذبة، فناسبها أن تردّ هي عينها ... وبحروفها، دون أدنى زيادة أو نقصان، إلى جانب ما تحمله من دلالة أخرى واضحة كذلك، وهي التي مهّد لها بقوله: «وما ينبغي» وهي أن مقام الألوهية أعلى من أن ينفعل لمثل هذه الفرية الكاذبة، وهذا التطاول الأرعن ... فلم تزد الآية الكريمة على أن ردّت عليهم قولهم- كما هو- بقوله تعالى: وَما يَنْبَغِي ... وهذا هو طابع الكبرياء والعظمة الذي يطالعه القارئ لكتاب الله، يتراءى له أو يقف عليه في هذا السياق القرآني، جليا دقيقا، من خلال هذا التكرار للفاصلة القرآنية!
وأخيرا: تحسن الإشارة هنا إلى مجيء بعض الفواصل المفردة، وبخاصة في نهاية بعض السور القرآنية، وإن كانت قد وردت كذلك في ثنايا بعض السور- وكل هذا مما يجعلها مغايرة للسجع والشعر-.
وحينما تنتهي السورة بفاصلة منفردة تكون لها كالمقطع- أو اللحن- الأخير. ويمكن لنا هنا أن نتذكر ما قدمناه، في الطرف المقابل، من الدلالة الفنية- أو الموسيقية- والدور الاستهلالي لفواتح السور. قال تعالى في ختام سورة الضحى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) [سورة الضحى، الآيات ٩ - ١١].
وقال تعالى في ختام سورة العلق: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [سورة العلق، الآيات ١٥ - ١٩].
ولهذه الفواصل كذلك دلالات أخرى لا مجال للإفاضة فيها، ولمن شاء أن يطلبها في سياق الآيات كما هو معلوم. ونقول مثل ذلك في الفواصل المفردة التي توسطت بعض السور- راجع سورة عبس، وسورتي البلد والانشقاق- والتي تشير
стр. 195
في بعض الأحيان إلى الموضوع الرئيس الذي تدور حوله السورة، أو إلى أمر بارز يجدر بالقارئ ألا يدغمه في سائر ألحان النص الأخرى المتقاربة أو المتماثلة- وهذا الأمر كما لاحظنا يحمل طابع التفرد على وجه العموم بغض النظر عن مكان ورود هذه الفاصلة- وغالبا ما يكون «فاصلا» بين نوعين من أنواع فواصل النص وألحانه ... غير مقطوع الصلة باللحن الأول .. وممهدا في الوقت ذاته للحن الثاني الذي يليه ... والله تعالى أعلم.
стр. 196
الباب الرّابع لمحة عن نشأة التفسير وتطوّره
* الفصل الأول: حول نشأة التفسير.
* الفصل الثاني: معالم التفسير البياني.
* الفصل الثالث: التفسير «العلمي» لآيات الكون والطبيعة.
* الفصل الرابع: تعريف بظلال القرآن.
* الفصل الخامس: من ألوان التفسير المعاصر.
стр. 197
الفصل الأول حول نشأة التفسير
نزل القرآن بلغة العرب، وعلى أساليبهم في الكلام، قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) [سورة يوسف، الآية ٢].
وقال تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [سورة الشعراء، الآية ١٩٥].
والآيات التي تتحدث عن «لغة» القرآن وتؤكد أنها «عربية» كثيرة. وما يذكره بعض المفسرين من «القسطاس» و «سجيل» وكلمات أخرى من أنها رومية أو حبشية، فالمراد أن لغة العرب وافقت فيها لغة الروم- ولهذا كانوا يقولون في شرح هذه الكلمات: معناها في الفارسية أو الحبشية كذا- أو أن العرب أخذت هذه الكلمات وهضمتها وأجرت عليها قوانينها، فكأنّ الحديث إنما هو عن «أصل» هذه الكلمات- على طريقة جميع اللغات الأخرى- لا عن أنها غير عربية، وأن القرآن فيه ما ليس بعربي؛ قال الطبري: «ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن إنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطيّة أو نحو ذلك: إنما اتفق فيه توارد اللغات؛ فتكلّمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد».
والمعلوم أن النبيّ ﷺ كان يتلو عليهم هذه الآيات، فلو كان فيه لغة غريبة لردوا عليه! والذي يؤكد أن هذه الكلمات كانت العرب قد أخذتها في الجاهلية فعرّبتها أنّ لأكثرها تصرفا واشتقاقا، على القانون العربي.
стр. 198
ونزل القرآن كذلك على أساليب العرب في كلامها، ففيه الحقيقة وفيه المجاز، وفيه الصريح والكناية، وفيه المتشابه والمجمل ... إلخ، على نمط العرب في حقيقتهم ومجازهم وسائر ضروب كلامهم.
قال ابن خلدون: «اعلم أن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه ... » (١).
أولا- بين التفسير والتأويل:
وقبل أن نوجز تاريخ التفسير بأقل قدر ممكن من «الكلمات» نوضح الفرق بين «التفسير» و «التأويل»:
١ - التفسير في اللغة: الاستبانة والكشف، وفسّر الشيء يفسّره وفسّره:
أبانه، قال تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) [سورة الفرقان، الآية ٣٣] أي بيانا، ولم ترد لفظة «تفسير» في القرآن في غير هذا الموضع، وانظر الآيات السابقة.
ولم يختلف المفسرون في أن المراد من «تفسير القرآن» - على تعدد تعريفاتهم للتفسير اصطلاحا (٢) - بيان معانيه على أي وجه من وجوه البيان؛ قال
стр. 199
بعضهم: «والتفسير هو علم بمعاني القرآن، وناسخه ومنسوخه، ومجمله ومبينه، ومتشابهه ومحكمه».
٢ - التأويل في اللغة: مصدر أوّل يؤوّل تأويلا، وهو من آل الشيء إلى كذا أي رجع إليه، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: «التأويل: التفسير والمرجع والمصير وقال أبو جعفر الطبري: «وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسير والمرجع والمصير ... وقد قيل: إن قوله تعالى: وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا* أي جزاء، وذلك أن الجزاء هو الذي آل إليه أمر القوم وصار إليه» (١).
فالتأويل في اللغة يراد به- إذن- «التفسير» كما يراد به «المرجع والمصير» لأن أحدهما مغاير للآخر- وإن كان اشتقاق الكلمة يرجح أن يراد من التفسير ما يحتاج منه إلى النظر والفكر ليصح معنى الرجوع؛ ولهذا ورد لفظ التأويل في القرآن الكريم في مواطن دقيقة يحتاج فيها المعنى إلى مثل ذلك، كما في آية المتشابه- الآية ٧ من سورة آل عمران (٢) - وكما في الآيات ٦، ٢١، ١٠١ - وكقوله تعالى في سورة يوسف على لسان الملأ: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ [سورة يوسف، الآية ٤٤].
وكقوله حاكيا عن يوسف- ﵇: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ [سورة يوسف، الآية ١٠٠].
وكقوله في سورة الكهف: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨) [الآية ٧٨] سواء في ذلك استعملت في تأويل الكلام والمعنى كما في آية المتشابه؛ أم في تأويل الرؤى والأحلام كما في قصة يوسف- ﵇، أو تأويل الأعمال كما في قصة موسى- ﵇ مع الرجل الصالح.
стр. 200
هذا وقد جرى استعمال الطبري وأكثر المتقدمين «للتأويل» على أنه مرادف للتفسير، وقد جرت عادة الطبري في تفسيره باستعمال عبارة: (القول في تأويل قوله تعالى
كذا ... ) وعبارة: (واختلف أهل التأويل في هذه الآية) وإنما يعني بذلك التفسير كما هو معلوم.
أما التأويل في الاصطلاح فهو: «إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب من التجوز، من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقاربه ... أو غير ذلك من الأشياء التي تعورفت في أصناف الكلام المجازي» (١) ويقرب من هذا التعريف الذي ذكره ابن رشد ما عقّب به الغزالي على تعريفه هو للتأويل حين قال: «ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا للّفظ عن الحقيقة إلى المجاز».
وكأن الحاجة إلى التأويل تظهر بعد «تفسير» الألفاظ الواردة من النص لمعرفة ما يدل عليه ظاهره، فيحمل دليل ما- عقلي أو نقلي أو عرفي- على أن المراد بالكلام غير ظاهره» وأنه يجب حمله على المجاز فيؤول؛ أي فيحمل على المجاز دون الحقيقة.
وبذلك يكون التأويل خطوة تالية لخطوة التفسير، كما عبر بعض الباحثين.
أما الراغب الأصبهاني فقد جعل التفسير أعم من التأويل لأن أكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، والتأويل في المعاني، قال في شرح قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) [سورة الفجر، الآية ١٤] تفسيره: إنه من الرصد، يقال: رصدته:
رقبته، والمرصاد مفعال منه. وتأويله: التحذير من التهاون بأمر الله والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه، (٢).
стр. 201
ثانيا- مصادر التفسير ومراحله:
قلنا إن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم. وينبغي على هذا أن يكون مأخذ تفسير القرآن من اللغة، أو بعبارة أخرى: أن تكون اللغة العربية طريق معرفة القرآن، قال تعالى: حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) [سورة فصّلت، الآيات ١ - ٣].
دلّت هذه الآيات على أن العالم باللغة محجوج بالقرآن، ويدل قوله: (لقوم يعلمون) على أن التفسير لمن عرف اللغة جائز. ومن هنا جاء قول ابن خلدون:
«فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه وتراكيبه» علما بأن الصحابة كانوا متفاوتين في هذا العلم، وربما ندّ عن بعضهم مدلولات بعض الألفاظ، أو المراد من بعض العبارات.
ولكن لا خلاف على كل حال على أن آيات القرآن الكريم واضحة المعنى، وبخاصّة تلك التي تتعلق بأصول الدين وأصول الأحكام، وهذا النوع من الآيات يستطيع فهمه جمهور الناس، ولا سيما من كانوا عربا بسليقتهم. وفيه إلى جانب ذلك آيات مبهمة أو متشابهة، يصعب فهمها على العامة، ولا يقف على معناها إلا الخاصة، وفي هذا أيضا يأتي القرآن على قواعد العرب وعادتهم في الكلام؛ قال ابن قتيبة: «إن القرآن الكريم نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار والإطالة والتوكيد، والحقيقة والمجاز، وإغماض بعض المعاني وإظهار بعضها ... إلخ». وقال أيضا: «ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا، حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة، وماتت الخواطر .. ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة» (١).
стр. 202
وغني عن البيان أن الصحابة- الذين عاصروا التنزيل وشاهدوه- كانوا أقدر الناس على فهم القرآن على الرغم من قلة ما روي عنهم في التفسير، الذي اختلفوا فيه اختلاف تنوّع لا اختلاف تضادّ، كما شرحه ابن تيمية في رسالته «مقدمة في أصول التفسير» (١).
ويعود السبب في هذا الاختلاف إلى تفاوت حظهم من المعرفة بالأدب الجاهلي وغريبه، وإلى تفاوتهم في ملازمة النبيّ ﷺ والوقوف على أسباب نزول الآيات. بالإضافة إلى اختلافهم في معرفة عادات العرب في أفعالهم وأقوالهم، ونحو ذلك من الأسباب.
والمهم هنا أن المؤرخين للتفسير والمشتغلين بعلوم القرآن اصطلحوا على تسمية تفسير القرآن بالقرآن، والتفسير المرفوع إلى النبيّ، والمنقول عن الصحابة ب «التفسير المأثور» فقد قالوا في تعريفه «هو ما جاء في القرآن والسنّة وكلام الصحابة بيانا لمراد الله تعالى من كتابه».
أما تفسير القرآن بالقرآن فهو من أولى خطوات المنهج السليم في تفسير القرآن كما سنشير إلى ذلك في صفحة قادمة، وإن كانت تسميته تفسيرا «بالمأثور» فيها نظر. أما المرفوع إلى النبيّ ﷺ الذي أنيطت به مهمة البيان عملا بقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [سورة النحل، الآية ٤٤]- فهو لبّ التفسير بالمأثور، وإن كان مقداره ليس كبيرا إلى جانب التفسير الاجتهادي. أما المنقول عن الصحابة فهو عندنا تفسير «بالمأثور» إن كان فيما لا مجال فيه للرأي- كسبب النزول ونحوه- وإلا فهو داخل في حدود «الاجتهاد» في تفسير القرآن، بحسب المعرفة باللغة وبشروط التفسير الأخرى؛ لأن المصدر
стр. 203
الثاني للتفسير عندهم بعد «المأثور»: الرأي أو الاجتهاد، وعليه أن يعرف مع ذلك الألفاظ العربية ومعانيها بالوقوف على ما ورد في مثله من الشعر الجاهلي ونحوه، ويقف على ما صح عنده من أسباب النزول، وقواعد الترجيح ... يقدم المفسر مستعينا بهذه الأدوات ويفسر القرآن بحسب ما أداه إليه اجتهاده. والواقع أن كثيرا من الصحابة كان يفسر الآيات من القرآن بهذا الطريق.
ويبدو أن هذين الاصطلاحين (التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي) لم يدلّا على منهجين متميزين في التفسير إلا في آخر هذه الخطوات التي تلخص تاريخ التفسير وتدوينه على حد سواء، والتي نوجزها فيما يلي:
١ - اتخذ التفسير في مرحلته الأولى شكل الحديث، بل كان جزءا منه وبابا من أبوابه. ومن المعلوم أن الحديث كان هو المادة الواسعة التي شملت جميع المعارف الدينية تقريبا، لأنه كان يقوم على الرواية، التي هي الأصل في نقل جميع العلوم الدينية واللغوية والأدبية ...
وفي هذه المرحلة أخذ المؤلفون في آخر العصر الأموي وأول العباسي يجمعون «الأحاديث» المتشابهة المتعلقة بموضوع واحد، كما فعل الإمام مالك في «الموطأ» ومحمد بن إسحاق في كتاب «السيرة النبوية».
ويلاحظ في هذه المرحلة أن ما روي عن الصحابة في تفسير القرآن كان قليلا وأن أكثر الصحابة قولا في التفسير: ابن عباس، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وعلي بن أبي طالب. كما يلاحظ أن «طبقات المفسرين» بدأت تتضخم شيئا فشيئا، لأن «التابعين» «رووا» كل ما ذكره الصحابة- نقلا أو اجتهادا- ومنهم من «فسر» أيضا، ثم جاءت الطبقة التي تلتهم ففعلت مثل ذلك. وكان لبعض رجال هذه الطبقات اتصال ببعض رجال أهل الكتاب- اليهود- الذين دخلوا في الإسلام، وكان هذا مبدأ دخول «الإسرائيليات» في كتب التفسير، وإن كان عدم التزام المنهج العلمي والموقف الذي أمر النبيّ باتخاذه من رواياتهم- كما فصله
стр. 204
ابن تيمية بدقة في مقدمته في أصول التفسير- قد أدى في المراحل القادمة إلى نتائج سيئة!! حيث ألحقت تشويها ببعض كتب التراث، أو ببعض صفحاته على الأقل. وقد قال النبيّ ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم.
إمّا أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه». قال ذلك في الوقت الذي سمح بالتحديث عن بني إسرائيل ... إشارة إلى أننا نملك أداة الحكم على مروياتهم وكتبهم ... من خلال المقياس الذي لا يلحقه خلل ولا نقص ولا تشويه، وهو القرآن الكريم ... ولكن ولع بعض المفسرين بالغرائب أو بتفصيلات وفرعيات لا طائل تحتها ... أوقعهم في كثير من المحاذير، حتى صعب على بعض الناس في بعض الصور- جهلا أو رغبة في الإساءة والتشويه- أن يفرقوا بين فهم المفسر للقرآن، وبين النص القرآني نفسه ... وأوضح ما كان ذلك في الإسرائيليات التي دارت حول الكون والطبيعة، وحول قصص الأنبياء وحياتهم (١) ...
стр. 205
٢ - وفي الخطوة- أو المرحلة- الثانية تم تجريد ما ورد في الحديث المرفوع والموقوف من «التفسير». وقد عني بذلك قوم من التابعين حيث تخصص- اولا- كل جماعة بجمع تفسير عالم مصرهم، ثم جاءت طبقة جمعت كل أقوال الصحابة والتابعين في الأمصار المختلفة، شأنهم في ذلك شأن المحدّثين، كسفيان بن عيينة (ت ١٩٨)، ووكيع بن الجراح (ت ١٩٦)، وإسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨)، الذين كانوا من أئمة الحديث، فكان جمعهم للتفسير جمعا لباب من أبوابه.
٣ - ثم تم بعد هذا الجمع الخاص الشامل: اعتبار التفسير علما قائما بنفسه بعيدا عن الحديث، ووضع التفسير لكل آية من القرآن بحسب ترتيب المصحف، كما فعل بقيّ بن مخلد الأندلسي (ت ٢٧٦) والإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (المتوفى سنة ٣١٠).
٤ - وهنا نصل إلى تميز المنهجين السابقين، حين وجد أن ما نقل عن النبيّ والصحابة في تفسير القرآن لم يكن يشمل جميع القرآن، وإنما كان تفسيرا لما غمض أو لما كان من «غريب» القرآن بالنسبة لهم أو لبعضهم. وكانت الحاجة إلى التفسير تزداد يوما بعد يوم، كلما بعد الناس عن عصر النبيّ والصحابة. وكلما اتسعت الفتوح وكثر اختلاط العرب بالعجم والموالي، فاجتهد المجتهدون وقامت حركة التفسير، ونشطت، واستوت على سوقها، وآتت ثمراتها ... حيث ولدت مدرستان كما حصل في الفقه والتشريع «مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الحديث، فتعمقت فكرة التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي».
٥ - ولما دوّنت علوم اللغة والنحو والفقه، وأثيرت مسائل الفلسفة
стр. 206
والكلام وبحثت في العصر العباسي أثّرت في علم التفسير أثرا كبيرا، وبخاصة إذا ذكرنا أن القرآن الكريم هو عماد الأمة والمجتمع والدولة ... وأن عقيدة المسلمين كانت نابعة منه، وراجعة إليه، فإذا كانت حركة البدء والانطلاق والتكوين منه وفي رحابه، فإن أي أمر طارئ كذلك لا بد من أن يحكم هو فيه، لأن هذا الأمر الطارئ- كما حصل أيام الترجمة- لا يكون مقبولا، ولن تكتب له الحياة إلا بمقدار موافقته. فكتب النحاة في «إعراب القرآن» والفقهاء في «تفسير آيات الأحكام» ودخل المتكلمون- وعلى رأسهم المعتزلة- باب «التأويل» لطائفة معينة من الآيات، واصطدموا مع المحدّثين، وأسسوا ما دعي بالمنهج العقلي في تفسير القرآن، الذي يدخل إلى تفسير النص القرآني بمقدمات عقلية ومقررات فكرية مسبقة! كما حاول الصوفية أن يجدوا مواجيدهم ومذاويقهم في ظلال النصوص القرآنية بإشارات بعيدة أو قريبة فولد «التفسير الإشاري».- وقد تعرضنا لنقد هذه المناهج في مقدمتنا لرسالة ابن تيمية في اصول التفسير، وفي بعض كتبنا الأخرى- وبحسبنا هنا بمناسبة هذه الإشارة إلى التفسير الإشاري أن نفرّق فيه بين صنفين: صنف اخترعته الزنادقة ليعطلوا أحكام الشريعة، أو ليقلبوا حكمة القرآن إلى معان سخيفة- كما يقول محمد الخضر حسين- ﵀ وهذا باطل ببداهة العقول، وهذا الصنف يعرف عادة بالتفسير الباطني، أو تفسير أهل الباطن.
وصنف ينسب إلى الصوفية، وهو الذي يدعى عادة بالتفسير الإشاري. والفرق بين هذا التفسير وتفسير الباطنية: «أن الباطنية يفسّرون الآيات بتلك المعاني المنبوذة على أنها هي المقصود من القرآن، أما أصحاب الإشارة فيسلّمون أن المراد من القرآن تلك المعاني التي يذكرها أهل العلم بالتفسير، غير أنهم يذكرون عند تفسير الآية معاني تخطر أذهانهم عند التلاوة وإن لم تدل عليها الآية بطريق من طرق الدلالات المعروفة في الاستعمال العربي» (١).
стр. 207
يقول الشيخ محمد الخضر حسين- ﵀: «ومع هذا الفرق الواضح بين صنفي التفسير بالباطن، فإن الاقتصار في تفسير ألفاظ القرآن على ما يقتضيه استعمالها العربي، يكفي لتقويم العقول، وتزكية النفوس وإرشادها إلى وجوه الإصلاح الذي تدرك به السعادة في الآخرة والأولى» (١).
ونضيف إلى ذلك أن السماح بالخروج عن الاستعمال العربي، وعن المواضعات اللغوية طريق محفوف بالمخاطر، كما رأينا ذلك في بعض التفاسير الصوفية المتداولة، والتي عرف أصحابها فيما نعلم بنزاهة القصد، وصحة العقيدة، ولا يزكّى على الله أحد، والله تعالى أعلم (٢).
стр. 208
الفصل الثاني معالم التفسير البياني
أما معالم «التفسير البياني» للقرآن، فقد وزعت بين كتب الإعجاز وكتب البلاغة، وفي كثير من الصفحات المتقاربة في كتب التفسير- على اختلاف ألوانها- وفي بعض الصفحات المتباعدة في كتب الأدب والثقافة العامة، وبخاصة كتب الأمالي. وقد اشتهرت بعض التفاسير بعنايتها بإظهار مواطن البلاغة والإعجاز في النص القرآني، مثل كتاب «الكشاف» للزمخشري.
وفيه تحدث العلّامة عبد الرحمن بن خلدون- ﵀ عن هذا اللون من ألوان التفسير مع الصنف الثاني من صنفي التفسير: الأول: «النقلي المسند إلى الآثار المنقولة عن السلف» - على ما وجه إليه من نقد بسبب التساهل في قبول الأخبار والروايات (١) - «والصنف الآخر: هو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة في تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب»، ولم يفته
стр. 209
- ﵀ أن يلاحظ أن هذا الصنف من التفسير قلّ أن ينفرد عن الأول، ولكن «إنما جاء هذا بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة» قال: «نعم، قد يكون في بعض
التفاسير غالبا. ومن أحسن ما اشتمل على هذا الفن من التفاسير كتاب (الكشاف) للزمخشري من أهل خوارزم العراق» (١).
وهذا الغالب هو ما نودّ هنا أن نشير إلى منهجه الخاص، أو قواعده التي يسير عليها ... والتي يمكن من خلالها- مرة أخرى- التمييز بين أصناف، أو «ألوان» من هذا التفسير الأدبي نفسه.
والأصل في منهج التفسير الأدبي أو البياني: أن يقدم الدارس على دراسة النص القرآني وتحليله على نحو ما يفعل في سائر النصوص الأدبية العالية من منظوم ومنثور- وإن كان لا سبيل إلى مقارنتها بالقرآن الكريم في إعجازه البياني كما رأيت- وليس في هذا ما يخرجنا من نطاق «التفسير» إلى نطاق «الأدب» من كل وجه، لأن التحليل الأدبي للقرآن لا يستغني عن بعض قواعد التفسير، حتى لا يخطئ الدارس في فهم المعنى المراد، ويضيع عليه، من ثم، فهم المفردات والتراكيب ونواحي البيان.
ويمكن إجمال هذه القواعد بالأمور التالية:
١ - ضرورة الوقوف على سبب النزول، لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبّب؛ ولهذا فإن سبب النزول يعين على فهم أدق وأحكم للنص القرآني وربما حجز المفسّر عن الوقوع في الخطأ أو اللبس في فهم الآية أو الآيات في بعض الأحيان.
стр. 210
وغني عن البيان أن سبب النزول كان موضع عناية المشتغلين بالتفسير المأثور، بوصفه واقعة تاريخية أو أمرا وقع في عصر التنزيل، وأن سبيل معرفته- لذلك- تتوقف على الرواية والنقل الصحيح. بل كان كذلك موضع عناية المشتغلين بالتفسير بالرأي إلى حد كبير «لأنه طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز». كما قال أبو القاسم القشيري (١). والواقع أنه لا بد من العناية به والوقوف عنده في جميع الأحوال؛ وبخاصة إذا كان مرويا في كتب السنّة التي تلقّتها الأمة بالقبول.
ولكن يجري عليه التأكيد هنا في التفسير البياني- ونحن أمام كلام معجز- لأن الوقوف عليه أولى من معرفة المناسبة التي قيلت فيها القصيدة من الشعر، أو النص النثري البليغ من كلام العرب، ومعلوم أن الجهل بهذه المناسبة يفوّت علينا الكثير من أغراض النص وآفاقه ومراميه. بل يمكن القول: إن سبب النزول يقوم مقام معرفة المناسبة وحال المتكلم والمخاطب- في دراسة النصوص الأدبية الأخرى- بل لعلّه يغني كذلك عن دراسة البيئة ونحو ذلك من العوامل المساعدة في شرح هذه النصوص وتحليلها.
٢ - أن يهتدي الدارس بمألوف استعمال القرآن نفسه للألفاظ والأساليب، ولا يتم ذلك إلا بتعاهد نصوصه المكية والمدنية، والوقوف- مهما أمكن- على المعاني التي تدور عليها اللفظة الواحدة في استعمالاتها المختلفة، كما يتضح ذلك في ألفاظ «الهداية» و «الضلال» وبعض الألفاظ الأخرى على سبيل المثال (٢).
стр. 211
ولو أن دارسا لنص قرآني دراسة أدبية حمل قوله تعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) - في سورة الأعلى- على غير الهداية العامة التي تشمل جميع المخلوقات لذهب بمعنى الآية ونظم السورة جميعا! يقول الشيخ محمد عبده:
«فعلى المحقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملته من الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه».
٣ - ثم يقول الأستاذ الإمام- ﵀: «إن القرآن يفسّر بعضه بعضا، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ:
- موافقته لما سبق من القول.
- واتفاقه مع جملة المعنى.
- وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته!» (١).
ومعنى ذلك أنه لا بد للدارس هنا أن يراعي التناسب بين السابق واللاحق:
بين فقرات الآية الواحدة، وبين الآيات بعضها وبعض، أي إن وجه هذا الارتباط بين الآية الواحدة، وبينها وبين سائر الآيات، يجب ألا يهمل على الإطلاق للمفسر بوجه عام، ولعل الخلافات الشديدة التي قامت بين المتكلمين وبين الفقهاء في فهم الآيات كان مصدرها- أو أحد مصادرها الأساسية- عدم مراعاة هذا الارتباط وهدم فكرة النظم- كما تدعى في بعض الأحيان- أو وحدة الموضوع!
إن الواقف على الصورة الأدبية للقرآن، الملم بإعجازه وأسلوبه، لا يقبل أن
стр. 212
يقدّر في أسلوب القرآن تلك التقادير البعيدة والمجازات المعقدة التي تجوز على شعر الشمّاخ والطّرمّاح، كما يقول أبو حيان في مقدمة تفسيره الواسع: «البحر المحيط» (١). ولهذا فهو أولى «المفسرين» بمراعاة ذلك التناسب، وهو في نفس الوقت أقدرهم على الكشف عنه من أقرب طريق ... ومن هنا صحّ لبعض الدارسين المحدثين ما نادى به من ضرورة تقدم «الدراسة الأدبية للقرآن» لأية دراسة أخرى لهذا الكتاب الكريم (٢)،- سواء أخرجتنا هذه الدراسة من نطاق «التفسير» إلى نطاق الأدب من جميع الوجوه، أم من وجه دون وجه- تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن: «إن الدراسة الأدبية لأثر عظيم كهذا القرآن هي ما يجب أن يتقدم كل دراسة أخرى فيه، لا لأنه كتاب العربية الأكبر فحسب، ولكن- كذلك- لأن الذين يعنون بدراسة نواح أخرى فيه، والتماس مقاصد بعينها فيه، لا يستطيعون أن يبلغوا من تلك المقاصد شيئا دون أن يفقهوا أسلوبه الفذ ويهتدوا إلى أسراره البيانية، كيلا يختلط عليهم الأمر أو يغيب عنهم شيء من مدلول اللفظ القرآني وإيحاء التعبير به. فسواء أكان الدارس يريد أن يستخرج من القرآن أحكامه الفقهية، أو يستبين موقفه من القضايا الاجتماعية أو اللغوية أو البلاغية، أم كان يريد أن يفسر آيات الذكر الحكيم تفسيرا عاما على النحو الذي ألفناه في كتب التفسير، فهو مطالب بأن يتهيأ أولا لما يريد، ويعدّ لمقصده عدته: من فهم مفردات القرآن وأساليبه، فهما يقوم على الدرس الأدبي المتذوق، المدرك لأقصى ما يستطيع من إيحاء التعبير» (٣).
стр. 213
٤ - وأخيرا، فإن الوقوف على القيم والمبادئ التي نزل بها القرآن، ومعرفة طرف من قيمتها الحقيقية، تحتم على الدارس أن يكون ملما بالحالة التي كان عليها العرب في الجاهلية وفي عصر التنزيل- مع الإلمام بأحوال الجاهليات الأخرى كذلك- حتى يدرك معنى الجديد، الإنساني والعالمي، الذي جاء به القرآن، ومدى الأثر و «التأثير» الذي أحدثه في النفس العربية ... وفي العالم! وليقف على البعد الاجتماعي لهذا الكتاب الخالد! ... وقد روي عن عمر بن الخطاب في ذلك كله كلمة بعيدة الدلالة حين قال: «إن جهل الناس بأحوال الجاهلية هو الذي يخشى أن ينقض عرى الإسلام عروة عروة!» لأن من جهل تلك الأحوال يجهل معاني القرآن ويجهل أثره ... ويجهل جديده الذي جعله الله مغيرا لأحوال الناس ... هذا، وإن ميزة الوقوف على أحوال الجاهلية العربية أوضح بطبيعة الحال من أجل فهم اللغة العربية ومدلولاتها.
ونؤكد أخيرا، أو مرة ثانية، على القول: إن سبيل التفسير- أيا كان لونه- لا يتم بدون معرفة رسالة القرآن الأساسية ووجهه الأول، وهو أنه «كتاب هداية وتشريع، ودستور جامع للحياة الإنسانية المثلى» على ما احتوى عليه من حقائق كثيرة وإشارات متنوعة عن النفس والطبيعة والسنن الكونية والحضارة والتاريخ والاجتماع؛ لأن هذه الحقائق وتلك الإشارات إنما جاءت في معرض الدلالة والعظة والتفكر والاعتبار، ويجب أن تفهم و «تفسر» في ظل الرسالة السابقة والوجه الأول، بحيث ننزّه النص القرآني عن «الفروض» العلمية، والآراء «النظرية»! ونخرجه عن أن يصبح كتابا في «تاريخ العلم» أو تاريخ الأحياء ...
على نحو ما فعل بعض «المفسرين» في أسوأ حالات «الجزر النفسي» الذي عانت منه الأمة الإسلامية في وقت ليس ببعيد! (١).
إن الإشارات العلمية التي وردت في القرآن الكريم- في أبواب العلم
стр. 214
المختلفة- جاءت كإطار أو حوافز للعقل الإنساني، أو كتطبيق على المنهج العلمي الذي جاء به القرآن، ورسم خطواته. ولم يرد لهذه الإشارات، التي يتم فهمها أو الوقوف عليها خلال العصور، أو مع ارتقاء الإنسان في الكشف عملا بذلك المنهج، لم يرد لها أن تكون بديلا عن العقل أو التجربة الإنسانية! لأن هذا على الضدّ مما دلّ عليه القرآن، أو مما قصده وحثّ الإنسان عليه!
ولهذا، فإن ما يزعمه البعض من أن القرآن الكريم انطوى على حقائق العلم وسنن الكون أو الطبيعة، أو ما يسمّى النظريات العلمية، جميعها ... لا يعدو أن يكون تبريرا لواقع الكسل والجمود، ونكوصا عن الامتثال لأوامر القرآن بالنظر والملاحظة والتجربة ... ولا يجوز الاحتجاج بقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: الآية ٣٨] لأن هذه الآية الكريمة يجب أن تفسّر أو تفهم في ضوء قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: الآية ٩].
وفي ضوء رسالة القرآن التي جاء بها أو نزل من أجلها ... وهي رسالة الهداية والتوحيد، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ قال تعالى في مطلع سورة إبراهيم: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) [الآيتان ١ - ٢].
وفي الفصل التالي مزيد من البيان.
стр. 215
الفصل الثالث التفسير «العلمي» لآيات الكون والطبيعة
أولا- معنى التفسير العلمي وأسباب ظهوره:
يعد التفسير العلمي أحد فروع أو ألوان التفسير المعاصر. ويراد به: الاستناد إلى حقائق العلم التجريبي- ونظرياته- في شرح آيات الطبيعة والإنسان- آدم وبنيه- والتي وردت في القرآن الكريم في سياقات شتى، ومواضع متعددة.
لقد عني بعض المشتغلين بالتفسير، وبعض الباحثين والكتّاب المسلمين بهذا الضرب من ضروب التفسير، أو بهذا النوع من آيات الكتاب العزيز، في ضوء الأسباب التالية:
١ - الكشوف العلمية، التي امتاز بها العصر الحديث، والتي تناولت الطبيعة في مظاهرها وفروعها المتعددة: «النبات، الحيوان، الفلك، الجغرافية ...
الفيزياء ... إلخ» وكذلك الإنسان في مراحل خلقه المختلفة وفي جوانبه المادية أو العضوية. فإذا علمنا أن القرآن الكريم أشار إلى بعض هذه الجوانب والمراحل، وأشار كذلك إلى الكثير من مظاهر الطبيعة تلك؛ أدركنا السبب في اتجاه بعض الباحثين والمفسّرين نحو هذه الكشوف يستعينون بها في التفسير، أو يحاولون فهم الآيات الكريمة في ضوئها أو انطلاقا منها. ساعدهم على ذلك- أو دفعهم إليه