← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38032

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

محمد فاروق النبهان

Полный текст (279 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

العامل الرابع: تأكيد ما هو محفوظ في صدور الصحابة لما هو موضوع في الرقاع والعسب وقطع الأديم. ولما اكتمل الجهد، وتكامل الجمع، قال أبو بكر: سموه أو التمسوا له اسما، روى ابن شهاب قال: لما جمعوا القرآن فكتبوه على الورق قال أبو بكر: التمسوا له اسما، فقال بعضهم: السفر، وقال بعضهم: المصحف فإن الحبشة يسمونه المصحف، وكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه المصحف (١). واستقبل هذا المصحف الذي تم جمعه في عهد أبي بكر من الصحابة، بالتقدير والتنويه، اعترافا بعظمة هذا العمل، وتأكيدا على سلامة منهج الجمع الذي نال ثقة الصحابة، وحظي بموافقتهم، وأجمعوا على قبوله والإشادة به. المرحلة الثالثة: الجمع في عهد عثمان: في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وامتد سلطانها، وتباعدت أرجاؤها، واختلطت شعوبها، وتداخلت لغاتها، وتناثر ذلك الجمع المبارك من صحابة رسول الله ﷺ من حفاظ القرآن في تلك البقاع البعيدة، وأخذ كل إقليم يلتف حول رمز من رموز الإسلام من صحابة رسول الله ﷺ يتعلم منهم القرآن، ويسمع منهم ما حفظوه من السنة، وما اختزنوه في ذاكرتهم من أيام الإسلام الأولى في عصر النبوة. وكان من الطبيعي أن تتعدد القراءات وتتباعد اللهجات، ويقع الاختلاف في ترتيب الآيات والسور وبخاصة في ظل مصاحف مكتوبة، احتفظ بها أصحابها، لا تختلف من حيث الآيات عن مصحف أبي بكر، لأن ذلك مما وقع الإجماع عليه. ولم يكن من اليسير مراقبة تلك المصاحف الفردية، وتتبع ترتيبها، وضبط تلاوتها ورسمها، لتباعد الأمصار الإسلامية عن المدينة، وخشي بعض الصحابة أن تتسع دائرة الخلاف، ويقع الاختلاف في القرآن، وطلبوا من الخليفة وهو

стр. 107

المؤتمن على القرآن أن يتدارك الأمر قبل أن يستفحل، وأن يوحد المصحف، وأن يضع في كل بلد مصحفا معتمدا يرجع إليه عند الاختلاف، واستجاب عثمان لذلك الطلب، وحققت خطوته الموفقة أهدافها في توحيد المصحف، وكان هذا من توفيق الله وحفظه لكتابه. روى البخاري في صحيحه أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيا وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن ارسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق» (١). قال زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فألحقناها في سورتها في المصحف. قال ابن حجر: وكان ذلك سنة خمس وعشرين. وأخرج ابن أشتة عن أبي قلابة أن أنس بن مالك قال: «اختلفوا في القراءة على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمصلحون، فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فقال: عندي تكذبون به وتلحنون فيه، فمن نأى عني كان

стр. 108

أشد تكذيبا وأكثر لحنا، يا أصحاب محمد، اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما، فاجتمعوا فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا في آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله ﷺ فلانا، فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال له: كيف أقرأك رسول الله ﷺ آية كذا وكذا، فيقول: كذا وكذا، فيكتبونها، وقد تركوا لذلك مكانا» (١). قال ابن التين وغيره: «الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان، أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة، حتى قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش، محتجا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع قراءته بلغة غيرهم، رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على لغة واحدة» (٢). وقال القاضي أبو بكر الباقلاني صاحب الإعجاز في كتابه الانتصار: «لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي ﷺ ، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد» (٣).

стр. 109

وقال الحارث المحاسبي: «المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي نزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق» (١). وقال أبو الحسين بن فارس في المسائل الخمس: جمع القرآن على ضربين: أحدها: تأليف السور، كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين، فهذا الضرب هو الذي تولته الصحابة. وأما الجمع الآخر: وهو جمع الآيات في السور فهو توفيقي تولاه النبي ﷺ (٢). وهذه النصوص واضحة الدلالة على تتابع الجهد وتكامل العمل، في رحلة جمع القرآن، وتوثيقه وتوحيد المصحف، وحسم الخلاف، وجمع كلمة المسلمين على مصحف موحد معتمد موثق لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، معتمدين في ذلك على ما كتبه كتاب الوحي بين يدي رسول الله ﷺ ، وما حفظه الصحابة في صدورهم. ويلاحظ في جمع عثمان للقرآن ما يلي: أولا: اعتماده الكلي على مصحف أبي بكر الذي كان محفوظا لدى السيدة حفصة، ومصحف أبي بكر أعدته لجنة مختصة من حفاظ القرآن، ووقع الإجماع عليه، ولو وقع أي خلاف بين المصحفين لما ارتضاه المسلمون.

стр. 110

ثانيا: كلف عثمان لجنة رباعية أحد أفرادها زيد بن ثابت الذي قام بجمع القرآن في عهد أبي بكر. ثالثا: هناك إشارة إلى أن جمع عثمان للقرآن كان يستهدف كتابة القرآن ورسم القرآن وتوحيد القراءة، «فاكتبوه بلسان قريش» وهذا دليل على أن أي خلاف لا يمكن أن يتعلق بنص القرآن، وإنما يتعلق بلغة القرآن وكتابة القرآن، وحدد لهم عثمان أنه إذا وقع أي خلاف بينهم وبين زيد فليكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، وهذا يؤكد ما ذهب إليه الباقلاني من أن ما قصد إليه عثمان هو جمع المسلمين على القراءات الثابتة المعروفة، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير. وهكذا يتبين لنا أن جمع أبي بكر كان يستهدف جمع القرآن في مصحف واحد بعد أن كان مفرقا في الرقاع، وجمع عثمان كان يستهدف توحيد القراءة، لئلا يقع اختلاف بين القراء في قراءة القرآن، والأحاديث التي رواها البخاري في سبب الجمع الأول والجمع الثاني واضحة الدلالة على الأسباب التي دفعت أبا بكر للقيام بجمع القرآن، والأسباب التي دفعت عثمان للقيام بتوحيد القراءة القرآنية لكي تكون موافقة للغة قريش. ويبدو أن بعض المستشرقين هالهم هذا الجهد المحكم الذي قام به الصحابة في وقت مبكر من تاريخ الإسلام، منطلقين في ذلك من إيمانهم بالقرآن، مدركين واجبهم في حماية نصوصه، متطلعين لمرضاة الله، فانطلقوا كعادتهم في مثل هذه المواقف يشككون في كل رواية، ويلتمسون لأنفسهم عذرا في طعن مقدسات الإسلام، مفسرين الأحداث والمواقف تفسيرا مريبا، فتارة يكتشفون صراعا بين المكيين والمدنيين، وتارة يفسرون ظاهرة عادية بما يحقق أغراضهم من إثارة الشبهات. وأفضل رد على هؤلاء تجاهل ما يثيرونه من شبهات، وبخاصة تلك الشبهات التي لا يقوم عليها دليل، ولا تؤيدها حجة، لأن غايتهم الأولى من إثارة تلك الشبهات إشغال المسلمين بالرد عليها، وأنهاكهم بتتبعها، وإيصال صداها إلى المجتمعات الإسلامية لكي تكون في موطن النقاش والجدال.

стр. 111

والروايات التي نقلناها عن أئمة في العلم دالّة على وضوح مراحل الجمع، وسلامة تلك المراحل، وقبول الصحابة لذلك، وليس هناك ما يثير الشك والريبة في الجمع الأول والثاني، فالجمع الأول اعتمد على قرآن مكتوب في الرقاع والأكتاف والعسب، وأكد هذا الحارث المحاسبي «كتابة القرآن ليست محدثة» وأمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان»، وفسر السخاوي مهمة الشاهدين الذين اشترط أبو بكر على «زيد» ألا يقبل شيئا من القرآن إلا بعد شهادتهما بقوله: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله، والجمع الثاني كما أكدته الروايات المنقولة كان جمعا قصد به توحيد القراءات القرآنية، ومنع الاختلاف فيها، تأكيدا لوحدة لغة القرآن. واختلف العلماء في عدد مصاحف عثمان، ونقل «الزركشي في البرهان» عن أبي عمرو الداني في المقنع قال: «أكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية واحدا، الكوفة والبصرة والشام، وترك واحدا عنده، وقد قيل: إنه جعله سبع نسخ، وزاد: إلى مكة وإلى اليمن وإلى البحرين، قال: والأول أصح وعليه الأئمة» (١). وكانت مصاحف عثمان مجردة من كل ما هو خارج عن القرآن، لئلا يختلط القرآن بغيره، ويدخل بعض التفسير فيه، وكانت المصاحف التي كتبها بعض الصحابة قبل ذلك تشتمل على بعض الكلمات التفسيرية الموضحة لبعض معاني القرآن، وكان يمكن لتلك الكلمات مع مرور الزمن أن يقع الالتباس فيها، ويظن بأنها من القرآن، ولذلك أمر عثمان بإحراق المصاحف الفردية التي كانت موجودة لدى البعض، لئلا يقع الاختلاف في القرآن، وبخاصة في ظل كتابة قرآنية خالية من النقط والشكل، ويمكن أن تقرأ الكلمات المتشابهة في الرسم بألفاظ عدة. ولا شك أن إحراق المصاحف الفردية كان اجتهادا موفقا من خليفة المسلمين، ولقي ترحيبا من معظم الصحابة، لأنه أدى إلى توحيد المصحف،

стр. 112

وقطع دابر أي خلاف في آياته، من حيث القراءة والرسم، ومن اليسير علينا نحن اليوم أن نكتشف عظمة هذا الإنجاز وعظيم أثره، ولو بقيت المصاحف الفردية قائمة بيد أصحابها لكان من اليسير أن يتعصب كل صاحب مصحف لما كتبه وجمعه، ولاعتبر مصحفه هو الأصح والأدق، ومن الصعب بعد ذلك ضبط الأمور وإعادة اللحمة إلى ما تفرق من الآراء، وبخاصة في ظل عصر بدأت معالم الفتنة تطل عليه من بعيد، منذرة متوعدة، ومن حسن الحظ أن خطوة توحيد المصحف قد اكتملت قبل أن تتفجر الأحداث، وأصبح في كل إقليم من أقاليم الدولة الإسلامية مصحفا معتمدا، هو الأساس لكل المصاحف، يوحد الكلمة، ويوحي بالثقة، ويجعل القرآن فوق كل الشبهات، مطوقا بحفظ الله ورعايته. ولو صح أن خلافا حقيقيا وقع في مصحف عثمان، أو نزاعا بين الصحابة نشب بسبب إحراق المصاحف لما خفي هذا الخلاف والنزاع، ولارتفعت أصوات المعارضين عالية محتجة رافضة منددة بما فعل «عثمان»، وبخاصة في أواخر عهده، حيث أخذت أصوات الاحتجاج تتعالى مدينة بعض جوانب سياسته وإدارته. وحاول بعض خصوم القرآن إثارة شكوك حول قطعية ثبوت النص القرآني، واعتمدوا في ذلك على روايات شاذة وحكايات موضوعة تؤكد ظنونهم، وتدعم ما أخذوا أنفسهم به من هدم هذا الصرح الكبير الذي أجمع المسلمون على صحته، وتكاتفوا في سبيل حفظه، ولا تخلو أية رواية من الروايات الشاذة من نقد واضح الدلالة على ضعفها وتهفتها، أو سوء تفسيرها، سواء تعلقت بشبهات حول سقوط شيء من القرآن بسبب نسيان، أو إضافة إليه. ولا نهاية لمثل هذا المنهج الذي يعتمد التشكيك في القرآن، ولا سبيل لإيقاف النفوس المريضة التي أخذت تتتبع ما سقط من الأقوال، وما نبذ من الروايات، إلا بتجاهل هذا المنهج ورفضه، وعدم الخوض فيه، فما أجمعت عليه الأمة، لا يمكن أن يكون في موطن الظن، وأن يخضع لمعايير نقدية أخذ بها من ران على قلبه مرض، أفقده الإحساس بحرارة الإيمان، وبإشراقة القرآن في النفس، فما تعهد الله بحفظه لا سبيل لبشر عليه، وكلام الله أسمى من أن يختلط بكلام البشر.

стр. 113

الفصل الثامن: فواتح السور القرآنية وخواتمها [فواتح السور] اهتم العلماء المتخصصون بعلوم القرآن والباحثون عن أوجه الإعجاز فيه بدراسة فواتح السور القرآنية في إطار دراستهم لكل ما يتعلق بالقرآن، من حيث قطعية ثبوته وأوجه دلالته. وجاء افتتاح السور القرآنية متعدد الأشكال مختلف الأساليب، واضح الدلالة على معاني دقيقة، بعضها واضح جلي، والبعض الآخر لا سبيل لمعرفته، وحرص العلماء على بيان رأيهم واجتهادهم فيه، ملتمسين أوجه الحكمة في ذلك، باحثين عن دلالات هذه الظاهرة التي تدخل ضمن مظاهر الإعجاز. وكتب ابن أبي الإصبع كتابا في هذا الموضوع سماه «الخواطر السوانح في أسرار الفواتح» (١)، حققه الدكتور حفني شرف، وطبع بمصر سنة ١٩٦٠. قال الزركشي في البرهان: «وقد افتتح كتابه العزيز بعشرة أنواع من الكلام، لا يخرج شيء من السور عنها» (٢). الأول: الاستفتاح بالثناء عليه ، وهو قسمان: ١ - إثبات لصفات المدح، كالتحميد «الحمد لله»، وجاء في خمس سور، الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر، و «تبارك» وجاءت في سورتي الفرقان والملك تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ، تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ. ٢ - تنزيه الله عن النقص: كالتسبيح، وجاء في سبع آيات، في الإسراء والحديد والحشر والأعلى والجمعة والتغابن، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، سَبَّحَ لِلَّهِ، يُسَبِّحُ لِلَّهِ.

стр. 114

وهذه أربع عشرة سورة، نصفها لإثبات صفات الكمال له، ونصفها لتنزيه الله عن النقص. الثاني: الاستفتاح بحروف التهجي: وجاء في تسع وعشرين سورة، الم، المص، المر، كهيعص، طه ... طس، طسم، حم، حم عسق، ق، ن، قال الزمخشري في الكشاف: «وإذا تأملت الحروف التي افتتح الله بها السور وجدتها نصف أسامي حروف المعجم، ثم تجدها مشتملة على أصناف أجناس الحروف، المهموسة والمجهورة والشديدة والمستعلية والمطبقة والمنخفضة وحروف القلقلة» وحاول العلماء إيجاد رابط بين أحرف الافتتاح وموضوع السورة، فسورة «ق» مناسبة لما في حرف القاف من شدة وجهر وقلقلة وانفتاح، وسورة «ص» اشتملت على خصومات متعددة وسورة «ن والقلم» جاءت فواصلها على الوزن من الألفاظ النونية. الثالث: الاستفتاح بالنداء: وجاء في عشر سور: - قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ وجاءت في الأحزاب والطلاق والتحريم. - وقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وجاءت في سورة المدثر. - وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وجاءت في المائدة والحجرات والممتحنة. - وقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ وجاءت في النساء والحج. - وقال: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ في سورة المزمل. الرابع: الاستفتاح بالجمل الخبرية: وجاء في ثلاث وعشرين سورة: - قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ، وبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ، أَتى أَمْرُ اللَّهِ، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ، قَدْ سَمِعَ اللَّهُ. الخامس: الاستفتاح بالقسم:

стр. 115

وجاء في خمس عشرة سورة: - قال تعالى: وَالصَّافَّاتِ، ووَ الذَّارِياتِ، وَالطُّورِ، وَالنَّجْمِ، وَالْمُرْسَلاتِ، وَالْفَجْرِ، وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ ... وهكذا. السادس: الاستفتاح بالشرط: وجاء في سبع سور: - قال تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ، إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... السابع: الاستفتاح بالأمر: وجاء في ست سور: قُلْ أُوحِيَ، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، قُلْ أَعُوذُ في سورتين. الثامن: الاستفتاح بالاستفهام: وجاء في ست سور: - قال تعالى: هَلْ أَتى، عَمَّ يَتَساءَلُونَ، هَلْ أَتاكَ، أَلَمْ نَشْرَحْ، أَلَمْ تَرَ، أَرَأَيْتَ. التاسع: الاستفتاح بالدعاء: وجاء في ثلاث سور: - قال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ، تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. العاشر: الاستفتاح بالتعليل: وجاء في سورة واحدة: - قال تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ. اختلاف العلماء في حروف التهجي:

стр. 116

اختلف العلماء في الحروف المقطعة في أوائل السور على قولين (١): القول الأول: هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به، وروي عن الصديق قوله: في كل كتاب سر، وسره في القرآن أوائل السور، وقال الشعبي: إنها من المتشابه، نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله . قال الرازي: وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا: لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق، لأن الله أمر بتدبره والاستنباط منه، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه. القول الثاني: المراد منها معلوم، وذكروا ما يزيد عن عشرين وجها، ومن أهم هذه الأوجه ما يلي: ١ - كل حرف من هذه الأحرف مأخوذ من اسم من أسماء الله، فالألف من الله، واللام من لطيف. ٢ - هذه الأحرف تدل على القسم بأن هذا الكتاب لا ريب فيه، كالقسم بالضحى والليل والطور والفجر. ٣ - كل حرف يدل على معنى: «الم» تفيد أنا الله أعلم. «المص» تفيد أنا الله أفصل. «الر» أنا الله أرى. ٤ - إنها أسماء للسور، ولتمييز بعضها عن بعض، وقال الرازي: هذا قول أكثر المتكلمين. ٥ - هذه الأحرف هي سر القرآن، ولا يعلم السر إلا الراسخون في العلم. ٦ - الغاية من هذه الأحرف صرف العرب عن اللغو إذا سمعوا القرآن، ودفعهم إلى التعجب من أسلوبه والإنصات له، لكي ترق قلوبهم إذا سمعوا القرآن.

стр. 117

٧ - افتتح الله السور بهذه الأحرف للدلالة لكل حرف منها على معاني كثيرة، ويجوز أن يكون الافتتاح بهذه الأحرف لتحقيق هذه المعاني كلها، كالدلالة على أسماء الله، ولإثارة الانتباه إلى قراءة القرآن، وللإعجاز بها. ٨ - للدلالة على أن القرآن مؤلف من حروف، وإن هذا الأسلوب يدفع العرب للبحث عن أوجه الحكمة من هذا الافتتاح، وتلمس جوانب الإعجاز. وهذه بعض الأقوال، وهناك أقوال أخرى، والواضح في هذه الأقوال تلمس وجه الحكمة بكل المعاني والدلالات المحتملة، والأفضل في هذا الموطن أن ينظر فيه في إطار مظاهر الإعجاز البياني الذي تحدى الله به العرب، ولا يمكن معرفة وجه الحكمة، لأن ذلك مما يخرج عن إطار القدرة العقلية، فالقدرة العقلية تحكمها معايير مادية، ولا سبيل إلى معرفة الحكمة في القضايا التوقيفية، لعجز العقل عن إدراك الحقيقة، ولا تدرك الحقيقة إلا بالنقل، والنقل لا يثبت إلا بدليل، وتعدد الرأي في الأمر دليل على عدم وجود دليل نقلي عن النبي ﷺ يوضح هذه الحكمة، ويفسر هذه الظاهرة القرآنية. وما أجمل أن تظل مظاهر الإعجاز معجزة على الفهم، يقف المفسرون أمامها عاجزين لا يقدرون على شيء من فهمها، وتظل آراؤهم واجتهاداتهم قاصرة عن إدراك جوانب العظمة في القرآن الكريم، في فواتح السور وخواتمها، في حروف التهجي، في رسم القرآن، في كل متشابه، يؤكد عظمة الإعجاز، وسمو النص القرآني، وما أجمل أن تظل الم، المص، المر، حم، طسم، وطه، وق آيات محكمات معجزات، يدرك العقل عظمة الحرف في أداء معناه، وتدرك الفطرة ما لا يدركه العقل من جوانب الفهم، ويقف أصحاب القلوب اليقظة خاشعين ينصتون إلى صوت القارئ وهو يردد هذه الأحرف الناطقة، فيفهمون بقلوبهم وفطرتهم ما لا يفهمه العقلاء من العلماء الذين حجبهم علمهم عن إدراك كثير من الحقائق، وانصرفت هممهم إلى استنطاق الأحرف الصامتة، والأحرف لا تنطق، لأنها تخاطب القلوب ولا تخاطب العقول، وما أقسى حجاب العقول وهي تصرف الهمم عن الفهم الصحيح إلى استعمال أقيسة ضيقة الأفق، لا تلهم

стр. 118

ولا تخاطب ولا تنطق، وما أجمل آيات القرآن وهي تسري كالدماء في شرايين الجسد الإنساني، تحييه وتوقظه وتبعث فيه الدفء والنور والحياة. ولا نملك في موطن الحديث عن حروف التهجي في القرآن إلا أن نقف خاشعين أمام أسلوب القرآن المعجز. - ألم تؤد هذه الأحرف أغراضها في الخطاب القرآني؟ - ألم يجد المسلم في هذه الأحرف القرآنية قداسة القرآن وعظمة أسلوبه؟ - ألم يقف صحابة رسول الله ﷺ بأدب وخشوع أمام هذه الأسرار؟ فلم يتطاولوا على القرآن بفهم عقيم، ولم يحاولوا الجدل فيما لا طائل تحته ولا فائدة منه. فما أجدرنا أن نقف اليوم بخشوع أمام جلال القرآن، فلا نتخطاه ونتلقى الخطاب القرآني كما تلقاه أسلافنا، بفهم عميق وإدراك لأغراضه ومقاصده. خواتم السور: وتميزت خواتم السور كما تميزت فواتح السور بدلالات ومعاني وإشارات محققة أهدافها في مخاطبة البشر، مبينة لهم حكما، ومواعظ، داعية لهم بالهداية والاستقامة، مبشرة ومنذرة. انظر إلى ذلك الخطاب الرباني الملهم في آخر سورة البقرة: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. ما أجمل هذه الخاتمة، القرآن يعلمنا كيف ندعو الله، كيف نلتجئ إليه، ندعوه بألا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وندعوه بألا يحملنا ما لا طاقة لنا به. خاتمة رائعة، ما أجمل أن يقف المفسرون أمامها بخشوع وأدب، لا يفسرونها بالقواميس، ولا يشوهون لغتها بالمفردات اللغوية، ولا يعبثون بجمالها، ولا يحيطونها بمعاني جديدة، فهي أوضح من كل تفسير، وأجمل من كل تعبير وأدل على المراد من كل بيان.

стр. 119

وتأتي نهاية سورة آل عمران داعية المؤمنين إلى الصبر والمصابرة والمرابطة، وكأنها توقظ الأمل في نفوس المؤمنين، وتحثهم على مواجهة الشدائد، ثم تقول بعد ذلك لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ولا نهاية للفلاح، فالفلاح هو الأمل وهو النهار بعد ليل طويل ... وتأتي سورة النساء مبينة لأحكام الفرائض، لئلا يقع الظلم، والظلم ضلال، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وهذه هي الرقابة التي تضمن أن تنفذ الأحكام كما أرادها القرآن. ثم تأتي المائدة وبعدها الأنعام والأعراف والأنفال، وكل سورة تختم بخاتمة ملائمة، ناصحة أو موجهة أو معلمة أو محذرة أو داعية لصبر أو حاثة على الاعتماد على الله والتوكل عليه. قال السيوطي في خواتم السور: هي أيضا مثل الفواتح في الحسن، لأنها آخر ما يقرع الأسماع، فلهذا جاءت متضمنة للمعاني البديعة، مع إيذان السامع بانتهاء الكلام، حتى لا يبقى معه للنفوس تشوف إلى ما يذكر بعد، لأنها بين أدعية ووصايا وفرائض وتحميد وتهليل ومواعظ ووعد ووعيد إلى غير ذلك (١). فواصل الآيات: الفاصلة في اللغة هي الشيء الذي يفصل بين أمرين، وتطلق على الخرزة بين خرزتين، والفصل القضاء بين الحق والباطل، والتفصيل هو التبيين والتوضيح، وكتاب فصلناه أي بيناه ووضحناه. واستعملت الفاصلة في القراءات القرآنية كمصطلح دال على الكلمة التي تأتي في آخر الجملة. قال أبو عمرو الداني: الفاصلة: كلمة آخر الجملة، وفرق بين الفواصل ورءوس الآية، فالفاصلة هي الكلام المنفصل مما بعده، سواء كان رأس آية أو نهاية كلام، وتسمى بالاستراحة في مجال الخطاب، حيث يتوقف الكلام.

стр. 120

وقال أبو بكر الباقلاني: الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع، يقع بها إفهام المعاني. وقال الزركشي في البرهان: الفاصلة كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع (١). وقد ألف بعض العلماء في الفواصل، من هؤلاء، نجم الدين الطوفي المتوفى سنة ٧١٦ هـ الذي نسب إليه كتاب «بغية الواصل إلى معرفة الفواصل» وهو كتاب مفقود، وهناك كتاب آخر «القول الوجيز في فواصل الكتاب العزيز» لأبي عبد الله المخللاتي المتوفى سنة ١٣١١ هـ وهو موجود في الخزانة التيمورية (٢). وقال الجعبري صاحب شرح الشاطبية (٣): لمعرفة الفواصل طريقان: توقيفي وقياسي: أما التوقيفي فما ثبت أنه ﷺ وقف عليه دائما تحققنا أنه فاصلة، وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة، وما وقف عليه مرة، ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريف الفاصلة أو لتعريف الوقف التام أو للاستراحة. وأما القياسي: فهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب، ولا محذور في ذلك، لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان (٤). وقال بعض العلماء: «تقع الفاصلة عند الاستراحة بالخطاب لتحسين الكلام بها، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام، وتسمى فواصل، ولا يجوز تسميتها قوافي إجماعا، لأن الله تعالى لما سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضا لأنها منه».

стр. 121

وذهب الرماني في إعجاز القرآن، والباقلاني أيضا إلى عدم وجود سجع في القرآن، وفرقوا بين الفاصلة والسجع، فالفاصلة بلاغة والسجع عين، وذهب غيرهم إلى إثبات السجع في القرآن، لأن ذلك مما يتبين فيه فضل الكلام، وإنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفات (١). وهذا الخلاف بين من قال بإثبات السجع في القرآن، ونفيه عنه هو الرغبة في تنزيه القرآن عما لا يليق به من الأوصاف، فمن نفى السجع اعتبر أن السجع تكلف وتصنع، والقرآن لا تكلف فيه، ومن أثبت السجع في القرآن نظر إلى كلام فصحاء العرب، واعتبر أن بعض السجع فضيلة، وهو دليل فصاحة (٢). وقال بعضهم: «وكيف يعاب السجع على الإطلاق، وإنما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب، فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلام العرب، وإنما لم يجئ على أسلوب واحد، لأنه لا يحسن في الكلام جميعا أن يكون مستمرا على نمط واحد لما فيه من التكلف، ولما في الطبع من الملل عليه، ولأن الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد، فلهذا وردت بعض آي القرآن متماثلة المقاطع وبعضها غير متماثل» (٣). وهذا الخلاف- على ما يبدو- ظاهري، فهو يناقش الفواصل القرآنية، ثم يقف أمام التسمية متسائلا: هل هذا النسق في النظم القرآني يعتبر سجعا، أم أنه نوع جديد من أنواع البلاغة القرآنية، فمن أنكر إنما أنكر التسمية، فكلمة «السجع» كانت تستخدم في كلام الكهان، وهي تدل على تصنع وتكلف، والقرآن منزه عن ذلك، ولو قيل بإثبات السجع في القرآن لكان الأسلوب القرآني غير خارج عن أساليب العرب، وهذا ينافي الإعجاز القرآني، الذي يؤكد تميّز القرآن عن أساليب العرب، وفضلا عن هذا فإن السجع تحكمه أوزان ولا يمكن للسجع أن يخرج عن أوزانه المعتادة، وإلا اعتبر ذلك السجع خارجا عن نطاق السجع المستحب والممدوح.

стр. 122

ومن أثبت السجع في القرآن، فإنه لم يعتبر أن السجع عيب في القرآن، وبخاصة إذا كان ذلك السجع خاليا من تكلف أو تصنع، ولا يمكن لسجع القرآن إلا أن يكون في أعلى درجات الفصاحة، والنهي مقتصر على سجع الكهان، لما يتصف به ذلك السجع من زيف وباطل. ولذلك فإن الخلاف ظاهري، وهو خلاف مصطلح وتسمية، ولا يترتب عليه أي أثر، ولا شك أن أسلوب القرآن متميز، ولو وقع الالتزام بالمصطلحات القرآنية لكان أفضل، ولابتعدنا عن كثير من المزالق، فالفاصلة القرآنية ذات خصوصيات أسلوبية، وذات صيغ متعددة، وذات تعبيرات إعجازية قد تدلك بدرجات متفاوتة، فما يدركه البعض من مظاهر الإعجاز والجمال قد لا يدركه البعض الآخر. ولا شك أن القرآن راعى المناسبة بين الفواصل، وهو أمر مألوف في اللغة، ومحمود في الأسلوب، ومؤثر في جمال العبارة، وقال شمس الدين بن الصائغ المعروف بابن أبي الفرس المتوفى سنة ٧٧٦ هـ، في كتابه «إحكام الرأي من أحكام الآي»: بأن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول، وتتبع ذلك في القرآن، وعثر على أكثر من أربعين حكما، نورد منها أمثلة (١): ١ - زيادة حرف كإلحاق الألف في قوله: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا. ٢ - حذف همزة أو حرف كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ. ٣ - تأخير ما أصله أن يقدم: كقوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى، وقوله: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ فأخر الفاعل لأجل الفاصلة. ٤ - إفراد ما أصله أن يجمع، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ والأصل «الأنهار».

стр. 123

٥ - جمع ما أصله أن يفرد، كقوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ والأصل ولا خلة بالإفراد. ٦ - تثنية ما أصله أن يفرد، كقوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وأنكر ابن قتيبة أن الغاية من التثنية هنا مراعاة الفاصلة، ومعه حق في إنكاره، لأن مراعاة الفاصلة فيما لا يضيف معنى، كزيادة حرف لا يضيف معنى. ٧ - تأنيث ما أصله أن يذكر، كقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ. ٨ - صرف ما أصله ألا ينصرف: كقوله تعالى: قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ فنوّن الكلمتين لأجل التناسب مع الفواصل وَأَغْلالًا وَسَعِيراً. ٩ - إمالة ما أصله ألا يمال: كقوله تعالى: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها، وجَلَّاها وغشاها. ١٠ - العدول عن صيغة الماضي إلى الاستقبال، كقوله تعالى: فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ، ولم يقل: «وفريقا قتلتم». ١١ - إيراد أحد القسمين غير مطابق للآخر: كقوله تعالى: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ. ١٢ - حذف المفعول كقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى. ١٣ - إثبات هاء السكت: كقوله تعالى: مالِيَهْ/ سُلْطانِيَهْ/ ما هِيَهْ. قال الزمخشري: «لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء المعاني على سردها، على المنهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه، فأما أن تهمل المعاني ويهتم بتحسين اللفظ وحده غير منظوم فيه إلى مؤداه، فليس من قبيل البلاغة، وبني على ذلك أن التقديم في وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ليس لمجرد الفاصلة بل لرعاية الاختصاص» (١).

стр. 124

ويلاحظ أن فواصل القرآن إما أن تكون متماثلة أو متقاربة، فالفواصل المتماثلة دالة على حسن البيان ما لم تكن متكلفة، كقوله تعالى: وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ [الطور: ١ - ٥]، وقوله أيضا: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً [العاديات: ١ - ٥]، وقوله أيضا: وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [الفجر: ١ - ٤]. أما الفواصل المتقاربة فلا تعتبر من السجع عند من يقول بإطلاق السجع في القرآن، لانعدام التماثل في الحروف، كقوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (١).

стр. 125

الفصل التاسع: ترتيب السور والآيات اختلف العلماء في ترتيب القرآن، وتعددت آراؤهم وتباعدت، وذلك بسبب ما ورد من روايات مأثورة، احتج بها كل فريق على ما ذهب إليه في ترتيب القرآن من حيث هو توقيفي أو اجتهادي. والأرجح أن الأمر يختلف بين الآيات والسور، والأصل أن كل ما يتعلق بالقرآن من حيث الترتيب لا بد فيه من دليل، لأن من الصعب الاتفاق على أمر اجتهادي، ولا يمكن للاجتهاد أن يتوصل إلى معايير دقيقة للترتيب يقع عليها الإجماع، ولا بد في هذه الحالة من دليل يعتمد عليه، ويحتكم إليه. وهناك أدلة تؤكد أن النبي ﷺ كان يأمر كتاب الوحي بأن يضعوا كل آية في الموطن الذي يحدده لهم، ولو كان الأمر خاضعا للاجتهاد لجاءت السور متساوية في عدد الآيات، ولما كانت هناك سور طويلة وقصيرة، وكيف يتصور وجود سورة كسورة البقرة إلى جانب سور أخرى قصيرة لا تتجاوز بضع آيات، مما يؤكد وجود أدلة واضحة ثابتة حددت مواطن الآيات والسور، بالطريقة التي جاءت في القرآن. ويبدو أن العلماء فرقوا بين الآيات والسور من حيث الحكم، لوضوح الأمر بالنسبة ل ترتيب الآيات ، وتعدد الروايات بالنسبة لترتيب السور. ترتيب الآيات: أجمع العلماء على أن ترتيب الآيات توقيفي، لوضوح الأدلة في ذلك، وثبت أن جبريل ﵇ كان يرشد رسول الله ﷺ عند ما ينزل عليه بالوحي أن يضع كل آية في موقعها من السورة، ولا تتصور تلاوة القرآن إلا في ظل وضوح ترتيب الآيات ومراعاة هذا الترتيب أثناء الحفظ. روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ ، إذ شخص ببصره ثم صوبه، ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني

стр. 126

أن أضع هذه الآية هذا الموضع من السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى» إلى آخرها. وروى مسلم عن عمر قال: ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: «تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء». قال السيوطي في الإتقان: «الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين» (١). وقال الزركشي في البرهان (٢): «وأما ما يتعلق بترتيبه، فأما الآيات في كل سورة ووضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها». وقال القاضي أبو بكر: «ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا. وجاء في كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد: قيل لابن مسعود: إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا، فقال: ذلك منكوس القلب». وهذه الأدلة واضحة كل الوضوح ومؤكدة كل التأكيد أن ترتيب الآيات توقيفي، ولا مجال للاجتهاد في ذلك، بل لا يتصور الاجتهاد في مجال ترتيب الآيات لوضوح النصوص المؤكدة للتوقيف.

стр. 127

وجاءت كلمة «الآية» في اللغة دالة على معاني عدة: الأول: الجماعة: تقول العرب: خرج العرب بآيتهم أي بجماعتهم. الثاني: للدلالة على التفوق والإعجاب: فلان آية في الجمال. وتفيد معنى الإعجاز كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ. الثالث: العلامة: قال تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي علامة ملكه. الرابع: العبرة: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي عبرة، وجاءت في القرآن الكريم بمعنى البرهان، في قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. واستعملت في القرآن دالة على مقاطع مستقلة من السور القرآنية، بحيث تنقسم السورة إلى آيات، كل آية دالة على معنى مستقل، وبفضل هذا التقسيم أصبحت قراءة القرآن ميسرة، ومعانيه واضحة، فضلا عما تمثله كل آية من مظاهر الإعجاز البياني. وحاول بعض علماء اللغة تعريف معنى الآية، قال بعضهم: هي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها ليس بينها شبه بما سواها، وقال آخرون: الصحيح أنها إنما تعلم بتوقيف من الشارع لا مجال للقياس فيه لمعرفة السورة، فالآية طائفة حروف من القرآن علم بالتوقيف انقطاعها معنى عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن، وعن الكلام الذي قبلها في آخر القرآن (١). وقال الزمخشري: الآيات علم توقيف لا مجال للقياس فيه: واستشهد بما ذهب إليه العلماء من اعتبار «الم» آية حيث وقعت من السورة المفتتح بها، وكذلك «المص» و «المر» و «الر» ليست بآية، وليست هناك قاعدة قياسية للحروف الواردة في القرآن، ولو كان الأمر خاضعا للاجتهاد لكانت المعايير قياسية وموحدة.

стр. 128

ترتيب السور: تختلف السورة عن الآية، فالسورة تطلق على طائفة من الآيات المتصلة ذات بداية ونهاية، ووفق ترتيب محكم دقيق، وكلمة السورة مأخوذة من سور البناء المكون من قطع متلاحقة، أو من سور المدينة الذي يحيط بأبنيتها المجتمعة، أو من السوار لإحاطته بالساعد. قال ابن جني: «إنما سميت سورة لارتفاع قدرها، لأنها كلام الله تعالى، وفيها معرفة الحلال والحرام، ومنه رجل سوار أي معربد، لأنه يعلو بفعله ويشتط، ويقال: أصلها من السورة وهي الوثبة». قال الجعبري: «حد السورة قرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات، فإن قيل: فما الحكمة في تقطيع القرآن سورا؟ قلت: هي الحكمة في تقطيع السور معدودات، لكل آية حد ومطلع، حتى تكون كل سورة بل كل آية فنا مستقلا وقرآنا معتبرا». وقال الزمخشري: «الفوائد في تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة، وكذلك أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور، وما أوحاه إلى أنبيائه سورة، وبوب المصنفون في كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم، منها أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخر من أن يكون بابا واحدا، ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر، كان أنشط له، وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله». واختلف العلماء في ترتيب السور هل هو توقيفي أو اجتهادي (١)، قال ابن فارس: «جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذي تولته الصحابة، وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات في السور، فهو توقيفي تولاه النبي ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه». وقال أبو بكر بن الأنباري: «أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرقه في

стр. 129

بضع وعشرين، فأنساق السور كأنساق الآيات والحروف، كله عن النبي ﷺ ، فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن». وقال الكرماني في البرهان: «ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب». وقال الطيبي: «أنزل القرآن أولا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا على حسب المصالح، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ». وذهب الزركشي في البرهان إلى أن العلماء اختلفوا في ترتيب السور على ما هو عليه هل هو توقيف أو من فعل الصحابة إلى ثلاثة أقوال (١): القول الأول: ترتيب السور اجتهادي، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء ومنهم مالك والقاضي أبو بكر بن الطيب، وقالوا: إن النبي ﷺ فوض الأمر إلى أمته. القول الثاني: ترتيب السور توقيفي: واعتبر الزركشي أن الخلاف بين القول الأول والثاني يرجع إلى اللفظ، لأن الصحابة ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ ، وهذا ما قاله مالك فمن قال بالاجتهاد اعترف بأن الصحابة ألفوا القرآن بحسب ما سمعوه، والخلاف بين التوقيف القولي أو الاستناد الفعلي كما يقول الزركشي. القول الثالث: التفصيل: فبعض القرآن علم ترتيب سوره في حياته ﷺ كالسبع الطوال والحواميم والبعض الآخر فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده. وقال أبو جعفر النحاس: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ . ويلاحظ أن الخلاف لفظي وظاهري كما قال الزركشي، بين من قال بالتوقيف والاجتهاد، فمن قال بالاجتهاد اعترف أن الصحابة راعوا في الترتيب ما

стр. 130

كان عليه الأمر في عهده ﷺ من حيث وضوح الترتيب بالنسبة لمعظم القرآن، وربما وقع الاجتهاد في بعض السور التي لم يتضح فيها الترتيب، وكان لا بد من الاجتهاد في الأمر، والاجتهاد ليس في الترتيب، وإنما في ترجيح ما كان عليه الأمر في عهد النبوة، ولهذا اختلف ترتيب مصحف عثمان عن ترتيب مصحف ابن مسعود، الذي جعل سورة النساء مقدمة على سورة آل عمران، ويبدو أن اللجنة الرباعية التي أعدت مصحف عثمان رجحت تقديم سورة آل عمران على النساء، ورأت أن ذلك الترتيب هو الأرجح في ثبوته عن النبي ﷺ . ومما يؤكد التوقيف في كل ما يتعلق بالقرآن أن الصحابة التزموا بما ثبت عن النبي ﷺ وعدم الاجتهاد في أي أمر يتعلق بالقرآن، والتوقف عند حدود النقل الثابت، ويؤكد هذه الحقيقة أن الصحابة لم يضيفوا البسملة إلى أول سورة «براءة» ولم يكن يحق لهم ذلك، ولم يجتهدوا في الأمر، حتى إن بعضهم ظن أن سورة براءة هي جزء من سورة الأنفال السابقة لها، لولا أن النبي ﷺ أمرهم بالتفريق بين السورتين، ولم يضف إليها البسملة، واختلفوا في تفسير سقوط البسملة في «سورة براءة» وقال بعضهم: السبب في ذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أرادوا نقض عهد لم يكتبوا البسملة في كتاب النقض، ونزلت براءة بنقض العهد الذي كان للكفار، ولما قرئت خلت من البسملة، إيذانا لهم بما اعتادوه في مثل هذه المواقف. عدد سور القرآن: أجمع العلماء على أن عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وقيل: مائة وثلاث عشرة سورة عند من جعل الأنفال وبراءة سورة واحدة. وطلب الحجاج بن يوسف من قراء البصرة أن يحصوا له كلمات القرآن وحروفه، فمكثوا أربعة أشهر يعدون الكلمات والحروف بالشعير، وأجمعوا على أن كلمات القرآن سبع وسبعون ألفا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة، وحروف القرآن ثلاث مائة وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا (١).

стр. 131

وأما عدد الآيات فهو ستة آلاف آية، واختلفوا فيما زاد على ذلك، مائتان وأربع آيات، أو مائتان وتسع عشرة آية، أو مائتان وخمس وعشرون، أو مائتان وست وثلاثون: وأطول سورة في القرآن هي البقرة وأقصر سورة هي الكوثر، وأطول آية هي آية الدين، وأقصر آية هي «والضحى». وتعلم الآية بتوقيف من الشارع الحكيم، كما هو الشأن بالنسبة للسور القرآنية، ولا شك أن النبي ﷺ كان يأمر كتاب الوحي بمراعاة ذلك، ولولا ذلك التوقيف الشرعي لما أمكن بالاجتهاد أن تكون هناك آيات طويلة أو قصيرة، لصعوبة وضع معيار ثابت لذلك، فبعض الآيات كلمة واحدة، وبعضها آيات طوال. وأكد الزمخشري ذلك بقوله: الآيات علم توقيفي لا مجال للقياس فيه، والأرجح أن نقول إن كل ما يتعلق بالقرآن توقيفي، وبخاصة ما يتعلق بالرسم والترتيب والآيات والسور، والاجتهاد قليل، وهو معتمد على نقل أو رواية راجحة أو قرينة ثابتة يستعان بها في معرفة التوقيف. وحاول بعض العلماء ذكر الفائدة من معرفة الآيات والفواصل، وأن ذلك ضروري في بعض الأحكام الفقهية، في قراءة آية كاملة في خطبة الجمعة، وفي صلاة من جهل فاتحة الكتاب وفي معرفة مواطن الوقف، وقال البخاري: «لا أعلم لعدد الكلمات والحروف من فائدة»، وبخاصة وإن من الصعب ضبط الكلمات والحروف لاختلاف مفهوم الكلمة من حيث الحقيقة والمجاز. وإذا انتفت الفائدة من بعض ما انصرف العلماء إليه من بيان الكلمات والحروف، فإن ذلك مؤشر واضح الدلالة على عظمة الجهود التي بذلها العلماء في ضبط كل ما يتعلق بالقرآن، رسما وترتيبا وجمعا ورواية. تأكيدا لمكانة هذا القرآن العظيم في نفوس المسلمين، وحرصا منهم على صيانته من أي عبث يسيء إليه.

стр. 132

ومن العبث إثارة شبهات حول القرآن، ومحاولة الرد عليها، لأن ذلك مما أصبح متجاوزا، وليست هناك فائدة من إثارة تلك الشبهات التي رد عليها العلماء ردّا موضوعيا بالأدلة العلمية، ومن حق المسلم أن يرفض كل جديد فيما يتعلق بالجدل المرتبط بقطعية القرآن، ولا وسيلة لإرضاء خصوم القرآن إلا بعد التسليم بكل ما يثيرونه من شبهات، وهذا مطلب يأباه المسلم ويرفضه، ويجب أن تقتصر الدراسات القرآنية على بيان تاريخ القرآن، ومراحل جمعه وتوثيقه، وأن ينصرف الاهتمام إلى ما يساعد الباحثين على معرفة جوانب الإعجاز في القرآن واكتشاف الجديد من معانيه وحكمه وأحكامه، وهذا باب كبير وعالم فسيح ولا نهاية له، لأن التفسير القرآني متواصل ومتجدد مع تجدد الخطاب القرآني، والبشر متكافئون في قدراتهم الذهنية، والأجيال مطالبة بأن تسهم في خدمة القرآن وفي استنباط أحكامه وحكمه. مناسبة الآيات والسور: المناسبة في اللغة المقاربة، يقال: فلان يناسب فلانا أي يقرب منه ويشاكله، ومنه النسيب وهو القريب، ومنه المناسبة في العلة في باب القياس، والعقول البشرية تدرك أهمية المناسبة بين الأشياء المتجاورة والمتجانسة، ولا يمكن إغفال أهمية التقارب بين الأشياء، فهناك على وجه التأكيد علاقات بين الأضداد والنظائر، وأحيانا تدرك تلك العلاقات إذا قام دليل يؤكدها أو يشير إليها، وأحيانا لا تدرك تلك العلاقات، لخفائها أو لعجز العقل عن إدراكها، والعقول البشرية ليست متساوية في إمكاناتها، فما يمكن إدراكه لدى البعض لا يمكن إدراكه لدى البعض الآخر، للتفاوت في القدرات. ومن هذا المنطلق حاول بعض العلماء البحث عن أوجه المناسبة بين الآيات والسور، من حيث التجاور والتتابع، أو من حيث تسمية أسماء السور، والمناسبة ليست أمرا محددا، ولهذا تحتاج إلى قدرة وبديهة وحسن تأمل. وأشاد بعض علماء القرآن والتفسير بأهمية التناسب بين الآيات، واعتبروا ذلك علما مستقلا جديرا بالعناية والتأمل (١).

стр. 133

وقال الزركشي في البرهان: «وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم، المتلائم الأجزاء» (١). وقال العز بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٦٠ هـ: «المناسبة علم حسن، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط، ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث فضلا عن أحسنه» (٢). وقال الإمام الرازي في تفسيره: ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة، وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته (٣). وقال أيضا: «أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط». وقال أبو بكر بن العربي في سراج المريدين: «ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني، علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله عز وجل لنا فيه، فلما لم نجد له حملة، ورأينا الخلق بأوصاف البطلة، ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه». وقال أبو الحسن الشهراباني: «أول من أظهر ببغداد علم المناسبة، ولم نكن سمعناه من غيره، هو الشيخ

стр. 134

الإمام أبو بكر النيسابوري، وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول على الكرسي إذا قرئ عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة، وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة (١). وقد ألف عدد من العلماء في علم المناسبة، منهم أبو جعفر بن الزبير شيخ أبي حيان في كتابه البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن، وبرهان الدين البقاعي في كتابه: «نظم الدرر في تناسب الآي والسور» والسيوطي في كتابه: «تناسق الدرر في تناسب السور». المناسبة مظهر من مظاهر الإعجاز: والمناسبة تؤكد التوقيف بالنسبة لترتيب الآيات والسور، وهي مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني الذي يؤكد الترابط بين الآيات والحكمة في تسلسل المعاني، وإلحاق فكرة بأخرى، وربط حكم بآخر، مما يؤكد وجود نسق قرآني مترابط متلاحم يسعى بعضه في تأكيد البعض الآخر وتوضيحه، للوصول إلى معنى مقصود وحكمة مبتغاة، وغاية مرجوة ... والمناسبة تؤكد الترابط والتكامل في الآيات والسور، ولا يمكن تصور انفكاك الآيات عن بعضها، لأن ذلك يخل بالنسق القرآني المعجز، وعجز البشر عن إدراك وجه المناسبة لا يعني انعدام الترابط، ولهذا تتفاوت قدرات المفسرين في تلمس المناسبة المؤدية إلى غاية، ويحتاج علم المناسبة إلى إشراقة روحية تعين المفسر على تلمس عظمة الترتيب القرآني، ومهما بلغ العقل في درجة إدراكه، فإنه يعجز أحيانا عن إدراك أوجه للتقارب والتجانس تحتاج إلى صفاء نفسي وروحي، يوقظ قدرات القلب على الفهم والإدراك. وعلم المناسبة علم ذاتي لا يخضع لمعايير مادية، فما كان واضح التقارب والتماثل كما هو الشأن في النظائر والأضداد واقتران المسببات بالأسباب

стр. 135

والمعلولات بالعلل لا يحتاج إلى كثير جهد لوضوح أوجه العلاقة والترابط، وما كان ظاهر الانقطاع والانفصال بين الآيات يحتاج إلى عمق نظر وحسن تأمل، لإدراك وجه العلاقة واكتشاف ما غمض من أوجه الترابط. ومن العوامل الأساسية في فهم أوجه المناسبة بين الآيات والسور أن يحيط المفسر بالقرآن، وأن يستوعب مقاصده وغاياته، وأن يفهم أغراضه وأساليبه، وأن ينظر للقرآن نظرة شمولية متكاملة، بحيث تكتشف التوجهات القرآنية، وتعلم أساليب القرآن في التربية والتوجيه. ارتباط علم المناسبة بأسباب النزول: ويرتبط علم المناسبة ارتباطا واضحا بأسباب نزول القرآن، وبالبيئة التي نزل بها القرآن، وبطبيعة المخاطبين بالخطاب القرآني، ولا بد من معرفة المكي والمدني من الآيات، لأن علم المناسبة يتطلب الإحاطة بكل ما يتعلق بالخطاب. ولا بد من توفر شروط أهمها: - معرفة جيدة بالقرآن، لأن ذلك هو الأساس في إدراك أوجه الترابط بين الآيات والسور. - معرفة بأساليب اللغة العربية، لأن القرآن نزل بلغة العرب، وراعى ما كان سائدا عندهم من أوجه البيان والتعبير. - معرفة السيرة النبوية، لأنها هي الأساس في تفسير القرآن، وفي فهم ما ورد فيه من أحكام، وما اشتمل عليه من معان وتوجيهات. - قدرة ذاتية على التماس أوجه التشابه والترابط والتناسب بين الآيات، وهذه القدرة تحتاج لاستعداد ذاتي. وفسر السيوطي في الإتقان والزركشي في البرهان معنى المناسبة بين الآيات بأن ذكر الآية بعد الأخرى إما أن يكون ظاهر الارتباط لتعلق الكلم بعضه على بعض على وجه التفسير والتأكيد، وإما ألا يكون ظاهر الارتباط، فعندئذ لا يخلو الأمر من وجود عطف مؤكد لوجود جهة جامعة أو لا يكون هناك عطف، وعندئذ

стр. 136

لا بد من البحث عن قرائن معنوية تؤكد، وتعلم بوجود رابط بين الآيات، ومن أهم القرائن ما يلي: أولا: التنظير: لأن إلحاق النظير بالنظير من شأن العقلاء. ثانيا: المضادة: وهو اتباع آية الحديث عن المؤمنين بآية تصف حالة الكافرين، لبيان أوجه التضاد، وهو أسلوب واضح في التشويق. ثالثا: الاستطراد: والحكمة منه الانتقال من ذكر حال إلى بيان حكم أو حكمة مناسبة للمقام، ثم العودة إلى الموضوع الأول، وهذا الاستطراد يؤدي غايته في بيان ما قصد إليه القرآن من الإشارة إلى حكمة أو عبرة أو لفت نظر إلى مقاربة أو إقرار حقيقة أو تذكير بأمر. وأفاض العلماء في ذكر أمثلة من القرآن الكريم، وبينوا وجه المناسبة في اقتران الآيات والسور، ملتمسين استكشاف أوجه التشابه والتقارب، باحثين عن القرائن التي يمكن أن تفيدهم في معرفة ذلك. ولعل كلمة الإمام الرازي هي أوضح كلمة وأدلها تعبيرا عن عظمة علم المناسبة، وإن «أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط».

стр. 137

الفصل العاشر: علم الناسخ والمنسوخ اهتم العلماء بدراسة النسخ في القرآن الكريم، وصنفوا فيه، وأفردوا له مؤلفات خاصة، وكشفوا النقاب عن مواطنه، وأزالوا الشبهات التي أحيطت بموضوع النسخ، ومن أبرز من ألف في النسخ كل من ابن الجوزي الفقيه الحنبلي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ في كتابه: «أخبار الرسوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ» وهو مطبوع مع كتاب مراتب المدلسين لابن حجر، وأبي جعفر النحاس محمد بن أحمد المرادي المتوفى سنة ٣٣٨ هـ في كتابه: «الناسخ والمنسوخ»، وهو مطبوع بهامش كتاب أسباب النزول للواحدي، ومكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة ٣١٣ هـ في كتابه: «الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه»، وكتابه: «الإيجاز في ناسخ القرآن ومنسوخه»، وكتب في الناسخ والمنسوخ كل من: قتادة بن دعامة من تابعي البصرة، وأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي داود السجستاني، وأبي بكر بن الأنباري وأبي بكر بن العربي المعافري (١). واعتبر علماء القرآن علم الناسخ والمنسوخ من أهم علوم القرآن والتفسير، وهو عمدة العلوم، لأنه لا يمكن تفسير القرآن إلا بعد معرفة علم الناسخ والمنسوخ، وهو العلم الذي يبين مراحل نزول التشريع وتدرجه ويوضح منهج التشريع في إقرار الأحكام، وحكمته في خطاب المكلفين. ونظرا لأهميته، فقد انصرف اهتمام علماء التفسير لدراسة هذا العلم، وناقشوا فكرة النسخ في القرآن، وأوضحوا مواطن النسخ، ودرسوا الروايات التي أشارت إلى وجود النسخ. معنى النسخ: يطلق النسخ في اللغة على معنيين: المعنى الأول: إزالة الشيء وإعدامه ومنه قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ

стр. 138

مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: ٥٢] ويفيد معنى الإبطال، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته، ونسخت هذا الكلام أي أبطلته ومعنى الإزالة واضح في النسخ. المعنى الثاني: النقل والتبديل والتحويل: يقال: نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه حاكيا لفظه وخطه، ويأتي بمعنى التبديل، وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [النحل: ١١٠] واستعملت كلمة النسخ في المصطلح الفقهي بمعنى التحويل، كتناسخ المواريث أي تحويل الميراث من واحد إلى آخر. وجاءت لفظة «النسخ» في الاصطلاح بمعنى: «رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي» وكلمة «الرفع» دقيقة المعنى، لأنها تعبر عن المعنى الحقيقي لمعنى النسخ والغاية منه، وكلمة الرفع أدق من كلمة الإزالة والتبديل والنقل والتحويل، فالنسخ هو رفع حكم شرعي بدليل، وكلمة النسخ أدق من كل كلمة تفسيرية، إذ لا يمكن لأية كلمة أن تفيد المعنى المطلوب، وعلم الناسخ والمنسوخ هو العلم الذي يبحث في ظاهرة رفع الأحكام الشرعية السابقة بأحكام شرعية لا حقة. وهنا نتوقف قليلا عند مفهوم النسخ، فقد يكون النسخ الظاهر بيانا لا حقا للحكم الشرعي الأول، وبخاصة في حالات عدم وجود تعارض حقيقي في الأحكام المتعاقبة المتلاحقة ولا مجال للقول بوجود النسخ مع وجود البيان المتمم للحكم، إذ لا يمكن القول بوجود نسخ في قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ، عن طريق اصطناع فصل بين أجزاء الآية، فالكلام متصل ومتكافل وواضح، ولا يتضح الحكم بعد أن يكتمل الخطاب. ولا يمكن تصور النسخ إلا في حالات محدودة، حيث يبرز النسخ كحقيقة لا يمكن إنكارها، كما في حالات نسخ التلاوة، وهذا نسخ حقيقي، لا مجال لإنكاره، وهناك نسخ حكم سابق بحكم لاحق، إذا تعذر الجمع بين الحكمين، ولا أظن أن توسيع دائرة النسخ في القرآن من الأمور المطلوبة، فالأصل أن يكون كل ما في القرآن خطابا للمكلفين، إلا ما ثبت نسخ حكمه.

стр. 139

ولا فائدة في مناقشة ما أثاره العلماء في موضوع النسخ من استحالة البداء على الله، لأنه يتضمن ظهورا بعد خفاء وتغييرا في الرأي، وذلك جدل غير مفيد، وأمر النسخ واضح الحكمة، جلي الفائدة، وهو منهج تشريعي، لا بد منه، لمواكبة سير الدعوة، وإقرار أحكام تحقق المصلحة، وتنسجم مع المرحلة الزمنية، وإذا سلمنا بمبدإ الإيمان بالله، وبما جاء من عند الله وجدنا أنفسنا في حلّ من تفسير ظاهرة النسخ وكثير من الظواهر المتعلقة بالرسالة والقرآن تفسيرا عقليا يخل في معظم الأحيان بقدسية المعاني الإيمانية، ويجعل المؤمن في موقف التساؤل والوصاية على ما لا يجوز أن يتدخل فيه أو يناقشه من أمور دينه وعقيدته. إن منهجا جديدا في دراسات الفكر الإسلامي يعتمد على طرح ذلك المنهج الجدلي المكرر والمحفوظ جدير بأن يسهم في تطور فكرنا الإسلامي، فلا نناقش فيه ما قاله اليهود والنصارى، وكأنهم أوصياء على فكرنا، ولا نضيع وقتنا في جدل مع علماء الكلام في قضايا تجاوزها منهج السلف ولم يقف عندها، لأن الحوار فيها لا يؤدي إلى نتيجة، وربما يثير قضايا جديدة، تشغل العلماء بما هو غير مفيد من أنواع الحوار. أنواع النسخ: قسم علماء القرآن النسخ إلى أنواع: النوع الأول: ما نسخت تلاوته وحكمه معا: قال أبو بكر الرازي: نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف، فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى «ولا يعرف منها اليوم شيء» (١). وأورد السيوطي ما روته عائشة: «كان فيما أنزل «عشر رضعات معلومات

стр. 140

فنسخن بخمس رضعات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن» رواه الشيخان، وقد تكلموا في قولها: وهي مما يقرأ: «مما يفيد بقاء التلاوة، وأجيب بأن المراد أن النسخ تم قبل الوفاة، ولم يبلغ كل الناس بذلك، فتوفي رسول الله ﷺ وبعض الناس يقرؤها» (١). النوع الثاني: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته: وهذا النوع هو الذي وقع الاهتمام به، وألّفت المؤلفات فيه، وانصرف إليه العلماء، وكتب ابن العربي المعافري كتابه: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم في هذا النوع من النسخ، نظرا لاختلاف مدلوله، وتعدد الآراء فيه، وسبب الاختلاف في هذا النوع من النسخ أن القراءة باقية، ولم تنسخ، فتوسع العلماء في فهم معنى النسخ وشموله، والتبس عليهم الأمر بين التخصيص والنسخ، فاعتبروا التخصيص نسخا، وهذا تجاوز. ومما ذهب إليه بعض العلماء في هذا المجال أنهم اعتبروا آيات القتال ناسخة لكل الآيات الواردة في القرآن التي تتضمن العفو والصفح والصبر، وأن تلك الآيات الداعية إلى قتال المشركين عامة وشاملة، فلا مجال بعدها للمهادنة أو المجادلة أو الصبر أو الصفح أو الإمهال، وذكر ابن العربي في كتابه الناسخ والمنسوخ أكثر من سبعين آية منسوخة بآيات القتال، كما ذكر الآيات التي نسخ حكمها وبقيت تلاوتها. وأورد ابن العربي الآيات التي نسخ حكمها، وبقيت تلاوتها، ومن هذه الآيات ما يلي: الآية الأولى: قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: ١٨٠]. قال ابن العربي في هذه الآية: «قال علماؤنا وابن القاسم عن مالك: هذه الآية نزلت قبل الفرائض ثم

стр. 141

أنزل الله الفرائض في المواريث، فنسخت الوصية للوالدين ولكل وارث إلا أن تأذن الورثة في شيء فيجوز» واتفق الكل على أنها منسوخة واختلفوا في ناسخها على أربعة أقوال (١): الأول: إن ناسخها آية المواريث. الثاني: إن ناسخها قوله تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً [النساء: ٨]. الثالث: إنه نسخها أن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه ولا وصية لوارث. الرابع: إنه نسخها بإجماع الأمة على إبطالها وأن الوصية لا تجوز لأحد ممن سمى الله له فرضا معروفا أو جعل النبي ﷺ له حقا مفروضا. وقد ناقش ابن العربي هذه الأقوال الأربعة وردها، ولم يعتبرها ناسخة للآية الأولى، فآية المواريث لا تتعارض مع آية الوصية، ومن شروط النسخ التعارض، ولا يعرف المتقدم والمتأخر من الآيتين، وآية القسمة لا تصلح لنسخ آية الوصية لعدم التعارض أيضا، ولا يصلح الخبر «لا وصية لوارث» لنسخ الآية، لأن الآية أقوى من هذا الخبر من حيث الصحة، ولا بد في النسخ من التماثل بين الناسخ والمنسوخ، أما الإجماع فلا يصلح لنسخ الآية، لأن الإجماع لا ينسخ أصلا لأنه ينعقد بعد موت النبي ﷺ ، وفرق بين الإجماع الذي ينعقد على نظر، والإجماع الذي ينعقد على أثر، فما انعقد على نظر لا يصلح للنسخ، وما انعقد على أثر جاز أن يكون ناسخا، ويكون الناسخ الخبر الذي انبنى عليه الإجماع، وعندئذ تكون الأمة قد أجمعت على إسقاط الوصية للوالدين لقول النبي ﷺ : «لا وصية لوارث» (٢). الآية الثانية: قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ

стр. 142

[البقرة: ١٨٤] وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥]. وأورد ابن العربي الأقوال التي وردت في بيان هذه الآية، وأقوال الفقهاء في حكم الإطعام، فالصوم واجب على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام على من لم يطق الصيام إذا فطر من كبر (١). الآية الثالثة: قال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ إلى قوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [البقرة: ١٨٧]. وهذه الآية ناسخة للآية التي قبلها وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣]، ونقل ابن العربي عن المفسرين أن المراد بالآية نسخ ما كان عليه العمل لدى الأمم السابقة، من تحريم الوطء بعد النوم في ليلة الصيام، وكان صوم المسلمين في بداية الأمر كصوم الأمم السابقة، ثم نسخ هذا الحكم، وأصبح الوطء جائزا خلال الليل، وكان بعض الصحابة لا يصبر على الامتناع عن الوطء عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ، فرخص الله لهم في هذا الأمر وأباح لهم ما كان محرما عليهم فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ (٢). وهذه أمثلة من الآيات التي نسخ حكمها وبقيت تلاوتها، واعتمدنا في ذلك على ما كتبه ابن العربي المعافري في كتابه الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، وهو كتاب قيم عرض فيه للنسخ في القرآن، وذكر الآيات المنسوخة في كل سورة في سور القرآن. وتساءل السيوطي عن الحكم من نسخ الحكم وبقاء التلاوة، وأجاب من وجهين: - أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيتلى لكونه كلام الله فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة.

стр. 143

- والثاني: أن النسخ غالبا ما يكون لتخفيف، فبقيت التلاوة تذكيرا للنعمة ورفع المشقة (١). النوع الثالث: ما نسخ تلاوته دون حكمه: أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبيّ بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب توازي سورة النور، فكان فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، وقال عمر: «لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي» رواه البخاري في صحيحه معلقا، ولو كانت التلاوة باقية ولم تنسخ لبادر عمر إلى كتابتها في المصحف، ولم يعرج على مقال الناس (٢). وروى مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري: إنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أني أحفظ منها «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (٣). وهنا طرح الزركشي في البرهان سؤالا وهو أن يقال: «ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم، وهلا أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها، ونقل جواب ابن الجوزي صاحب كتاب فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن على هذا التساؤل بقوله: إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي» (٤). ومما لا شك فيه أن النسخ وقع في القرآن الكريم، والأدلة النقلية تؤكد وقوع النسخ، والنسخ دليل صحة، وهو ظاهرة عظيمة الدلالة على عظمة منهج الإسلام في التشريع، إلا أنه يجب أن تحدد مواطن النسخ في القرآن، فيما لا يمكن إيجاد

стр. 144

طريقة للجمع بين الناسخ والمنسوخ، وبالرغم مما كتب في موضوع النسخ في القرآن، فإن الأمر يحتاج إلى تدقيق، فمعظم ما كتب في النسخ لا يدل على وجود النسخ فيه، ولا تصادم ولا تناقض فيما ورد من آيات ذات دلالات متباعدة، ولكل نص دلالته وحكمه وحكمته. ولا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي، لأن النسخ رفع حكم شرعي بدليل، والحكم لا يتصور إلا في مجال الأمر والنهي، أما الأخبار فلا يتصور النسخ فيها، لانعدام الفائدة من نسخها، ما لم يتضمن الخبر حكما، وفي هذه الحالة ينسخ الحكم وليس الخبر، وبناء على هذه القاعدة لا يتصور وقوع النسخ في كثير من السور، التي جاءت مبينة لأركان العقيدة مدافعة عن فكرة الإيمان، مجادلة المشركين فيما أخذوا أنفسهم به من عبادة الأصنام، وهناك أكثر من أربعين سورة لم يقع فيها ناسخ أو منسوخ، ومعظمها السور القصيرة التي لا تتضمن أمرا أو نهيا، ووقع النسخ كثيرا في السور المدنية الطويلة، لأن هذه السور جاءت بالأمر والنهي (١). وتوسع بعض العلماء في مفهوم النسخ، وتفاوتت آراؤهم حول عدد آيات النسخ في القرآن، وقام بعض العلماء المعاصرين الذين درسوا موضوع النسخ في القرآن الكريم بإحصاءات بيانية أوضحوا فيها ما قاله العلماء في آيات النسخ، فالمكثرون أدخلوا في الناسخ والمنسوخ ما ليس منه. رأي السيوطي في المكثرين في النسخ: أشار السيوطي إلى ظاهرة الإكثار من آيات النسخ، ووصف العلماء المكثرين من آيات النسخ بأنهم أدخلوا أقساما في النسخ ليست منه، وأهم هذه الأقسام (٢): الأول: قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص، ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه، وذلك مثل قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وقالوا: إنه

стр. 145

منسوخ بآية الزكاة، وليس كذلك بل هو باق ... وكذلك القول بأن قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ، مما نسخ بآية السيف، لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا، وهذا الكلام لا يقبل النسخ. الثاني: قسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ، وقد اعتنى ابن العربي بتحرير هذا القسم وأجاد فيه، ويشمل هذا القسم الآيات التي خصت باستثناء أو غاية، كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ. الثالث: قسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا أو في أول الإسلام، ولم ينزل فيه قرآن، كإبطال نكاح نساء الآباء، ومشروعية القصاص والدية وحصر الطلاق في الثلاث، والراجح عند العلماء عدم اعتبار هذا من النسخ، لأن الأحكام الشرعية كلها رافعة لما كان عليه العمل في الجاهلية، والنسخ هو نسخ آية بأخرى أو رفع حكم ثبت بدليل بحكم لاحق يثبت بدليل أيضا. واعتبر ابن العربي المعافري عدد الآيات المنسوخة لا تتجاوز مائة آية، خمس وسبعون آية منها منسوخة بآيات القتال، وذهب ابن حزم في كتابه معرفة الناسخ والمنسوخ أن آيات النسخ تبلغ مائتين وأربع عشرة آية، وذهب أبو جعفر النحاس في كتابه: «الناسخ والمنسوخ» إلى أنها تبلغ مائة وأربعا وثلاثين آية، وأوصلها ابن سلامة الضرير إلى مائتين وثلاث عشرة آية، وقصرها عبد القاهر البغدادي في كتابه الناسخ والمنسوخ إلى ست وستين آية (١). قواعد النسخ عند ابن العربي: استخرج الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري ثلاثين قاعدة من قواعد النسخ من كتاب الناسخ والمنسوخ لابن العربي المعافري، وسجلها في معرض دراسته وتحقيقه لهذا الكتاب، وأهم هذه القواعد ما يلي (٢):
следующие страницы →