← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38049

المشترك اللفظي في الحقل القرآني

عبد العال سالم مكرم

Полный текст (230 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فقد جاء في تفسير قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا (١) من تفسيره ما يلي: «قال النضر: وسمعت أبا قلابة يقول لأيوب: يا أيوب: احفظ مني ثلاثا: لا تقاعد أهل الأهواء، ولا تستمع منهم ... » (٢) ونجد في تفسيره تأكيدا على التّوحيد، ومبالغة في ذم الشرك. روى عن يحيى عن سفيان الثوريّ أن رسول الله ﷺ سئل عن الموجبتين، فقال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن يشرك بالله دخل النار» ونجد في تفسيره أيضا: إشارة بالأعمال، وروى يحيى عن جعفر ابن برقان الجزري عن أبي الدرداء قال: «ويل لمن لا يعلم مرة، ويل لمن يعلم، ثم لا يعمل سبع مرّات» (٣) ففي هذه النصوص تأكيد على أن يحيى لم ينحرف عن منهج أهل السّنة، واتهامه بالإرجاء افتراء عليه هو منه براء.

стр. 107

ثانيا: معنى التّصاريف: التصاريف عند تحليلها لا تبتعد كثيرا عن معنى الوجوه، فإن اللفظ الواحد يتّجه إلى معان متعدّدة أو بعبارة أدّق إلى تصاريف منوّعة. ويبدو أن كلمة «تصاريف» تضيف إلى معنى الوجوه أنواعا أخرى من المعاني. وقد تناولت هذه التسمية في مقدمتها محققة الكتاب، وبينت أن معنى التصاريف هو الانتقال بها من حالة إلى أخرى، والابتعاد بها عن الاستقرار وتصريف الآيات يعني تبيينها» وقدمت لذلك مثالا وهو تفسير كلمة: «إظهار» فقالت: «ورد اللفظ في صورته الفعلية المجرّدة: «ظهر»، والمزيدة: «تظهرون» وفي مصادر متعدّدة: «الظهور»، و «الإظهار»، والتظاهر، وفي صورتين اسميتين: «ظاهر»، و «ظهري»، ولكل مشتق من هذه المشتقات معناه الخاص» (١) ثالثا: منهج «التصاريف» ليس هناك أدنى شك في أن منهج التصاريف لا يبتعد كثيرا عن منهج مقاتل أو هارون، فالطريقة واحدة، وتسلسل الكلمات تكاد تكون متقاربة إلا فيما ندر، فالبدء بكلمة: «هدى» وما بعدها واحد في الكتب الثلاثة.

стр. 108

وقد قامت الأستاذة المحققة بمقارنة بين كتابي مقاتل ويحيى من حيث الاتفاق، والاختلاف. أما من حيث الاتفاق فقد ذكرت أن التشابه كبير بين الكتابين» بالنسبة للكلمات المشتركة بينهما، وقد يصبح هذا التشابه في مواضع عديدة تطابقا بين الكتابين، فكأن المسألة عمليّة نسخ للكلمة، وفي طريقة تتاليها، وفي الآيات النظائر المذكورة في كل وجه، بل حتّى في تسلسل عدد كبير من الكلمات المفسّرة وأمّا أوجه الاختلاف فهي كما يلي: ١ - يشترك كتاب التصاريف مع كتاب مقاتل في حوالي سبع وسبعين كلمة لكن كتاب التصاريف ل «يحيي» تفرّد بقرابة أربعين كلمة لم ترد عند مقاتل. ٢ - اختلف الكتابان في عدد وجوه بعض الكلمات، فتفوقت الوجوه في كتاب التصاريف في أحد عشر موضعا، وتفوقت في كتاب مقاتل في ثلاثة مواضع» (١) والذي أضيفه إلى الاختلاف في المنهجين زيادة على ما سبق هو: ٣ - كتاب مقاتل لا يسند في معظم الوجوه التي يأتي بها للكلمات إلى رواة من التّابعين على حين يكثر ذلك في كتاب: يحيى والأدلة على ذلك ما يلي: أ- في تفسير «الخزي»، ذكر أن: «الخزي» يعني القتل والجلاء وذلك قوله في سورة البقرة ليهود المدينة حيث يقول:

стр. 109

فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (١) ويفسر الخزي بأنه قتل قريظة»، وإجلاء «النضير»، ثم قال الكلبي: فقتلت قريظة، ونفيت النّضير. وقال في تفسير سورة «الحج» في: «النضر بن الحارث»: «له في الدنيا خزي» يعني القتل يوم «بدر» قال: وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٢) وهو تفسير الكلبيّ» (٣) ٢ - وفي الوجه الثاني من تفسير «حسنا» من قوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (٤) يذكر أن «حسنا» في قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً (٥) يعني محتسبا، يعني احتسابا، ونظيرها في سورة الحديد [الآية: ١١]، وفي سورة التغابن [الآية: ١٧]، ومثل قوله جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً [النبأ: ٣٦] يعني الجنّة ثوابا من الله وعطية منه لأعمالهم التي عملوا في الدنيا احتسابا، وقال رسول الله: «لا عمل لمن لا نيّة له، ولا أجر لمن لا حسنة له» تفسير السّدي. فنراه في هذا الوجه يعتمد على الحديث في التفسير، وفي الوقت نفسه ينقل عن تفسير السدّي والكلبيّ.

стр. 110

٣ - وفي تفسير «أمة» التي تحمل تسعة وجوه يعتمد على الكلبي في الوجه الثاني وهو: «أمّة» بمعنى: ملّة، «وذلك قوله في سورة البقرة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [٢١٣] يعني على عهد آدم، وأهل سفينة نوح، «أمة واحدة» يعني على ملّة الإسلام وحدها، وهو قول الكلبيّ. وفي الوجه نفسه يذكر في الآية الكريمة من سورة الزخرف، وهي: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [الآية: ٣٣] يعني ملة واحدة، وهو قول الحسن. وفي الوجه الرابع من وجوه كلمة أمة على رأي قتادة ففي قوله تعالى من سورة النّحل: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ [آية: ٩٢] يعني أن يكون قوم أكثر من قوم، وهو قول قتادة. (١)

стр. 111

نماذج من تعاريف يحي أولا: في مجال الأسماء ١ - بعل: على وجهين: الوجه الأول: بعل يعني ربّا، وذلك قوله في الصافات: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١)، يعني ربّا. والوجه الثاني: «بعل» يعني زوجا، وذلك قوله في «البقرة»: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ (٢) يعني زوج المرأة، ثم ذكر عدّة آيات تحمل كلمة: «بعل» فيها معنى الزوج. (٣) ٢ - السماء: على ثلاثة وجوه: الوجه الأول: يعني السماء، وذلك قوله: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (٤) الوجه الثاني: السّماء يعني المطر، وذلك قول نوح لقومه: يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (٥) الوجه الثالث: السّماء «سقف البيت، وذلك قوله في سورة «الحج» فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ يعني سقف البيت، والسبب هنا حبل، فليمدد بحبل إلى سقف البيت ثُمَّ لْيَقْطَعْ (٦) يعني ثم ليختنق به حتى يموت. (٧)

стр. 112

٣ - حبل: على وجهين: الوجه الأول: «حبل» يعني دينا، وذلك قوله في آل عمران: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً (١) يعني بدين الله. والوجه الثاني: «حبل» يعني عهدا، وذلك قوله في آل عمران: أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ (٢) يعني بأمان وعهد من الله ومن الناس، وليس في القرآن غيرها. (٣) ٤ - الحنث: على وجهين: الوجه الأول: «الحنث» يعني الشّرك، وذلك قوله في الواقعة: وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤) يعني الذنب العظيم، وهو الشرك والوجه الثاني: الحنث يعني في اليمين، وذلك قوله في ص: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ (٥).

стр. 113

ثانيا: في مجال الأفعال باءوا تفسير باءوا على أربعة وجوه: الوجه الأول: باءوا يعني استوجبوا، وذلك قوله في سورة البقرة: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ (١) يعني استوجبوا. ونظيرها في سورة آل عمران قال: وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ (٢) يعني استوجبوا غضبا من الله، وقال أيضا: كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ (٣) يعني استوجب. وقال في سورة الأنفال: فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ (٤) يعني فقد استوجب غضبا من الله. والوجه الثاني: تبوء يعني ترجع، وذلك قوله في سورة المائدة: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ (٥) يعني ترجع بإثمي وإثمك. والوجه الثالث: تبوّىء يعني توطّىء، وذلك قوله في سورة آل عمران: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ (٦)، يعني توطّىء. وكقوله في سورة الحشر: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ (٧) يعني: وطّؤوا.

стр. 114

والوجه الرابع: يتبوّأ يعني ينزل، وذلك قوله في سورة يوسف: يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ (١). يقول: ينزل منها حيث يشاء. وكقوله في سورة الزّمر: الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ (٢) يعني ننزل منها حيث نشاء، يعني ننزل فيها حيث نشاء. وقال الحسن في سورة يونس: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ يعني أنزلنا بني إسرائيل مُبَوَّأَ صِدْقٍ (٣) يعني منزل صدق، يعني مصر ومثلها أيضا: أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً (٤)

стр. 115

ثالثا: في مجال الظروف أنّى تفسير «أنّى» على وجهين: الوجه الأول: أنّى يعني كيف، وذلك قوله في البقرة: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (١)، يقول: كيف شئتم في الفرج. وقال أيضا فيها: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها (٢) يقول: كيف يحي هذه الله بعد موتها؟ والوجه الثاني: أنّى يعني: من أين، وذلك قوله في آل عمران: أَنَّى لَكِ هذا (٣) يعني من أين لك هذا؟ وقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ (٤) يقول: من أين يكون لي ولد؟ وقوله: أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٥) يعني من أين يكذّبون؟ وقوله أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ (٦) من أين يكون لي غلام؟ ونحوه كثير. (٧)

стр. 116

رابعا: في مجال الحروف في تفسير «في» على سبعة وجوه: الوجه الأول: في يعني مع، وذلك قوله تعالى في الأعراف: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ يعني مع أمم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ (١). وكقوله في سورة الأحقاف: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ (٢) مع أمم. وكقول سليمان في النمل: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (٣) مع عبادك الصّالحين، وهم أهل الجنّة. وقال في سورة العنكبوت: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٤) يعني مع الصالحين، يعني أهل الجنّة. وكقوله في الفجر فَادْخُلِي فِي عِبادِي يعني مع عبادي وَادْخُلِي جَنَّتِي. (٥) وقال في النمل: فِي تِسْعِ آياتٍ (٦) مع تسع آيات. وقال في سورة نوح: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً (٧) يعني معهن نورا. والوجه الثاني: «في» يعني «على»، وذلك قوله في طه: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (٨) يعني على جذوع النّخل. وكقوله في الكهف:

стр. 117

فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها (١) يعني على ما أنفق عليها. وقال في طه: يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ (٢) يعني يمرّون على مساكنهم، يعني قراهم. والوجه الثالث: «في» يعني «إلى»، وذلك قوله في النّساء: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها (٣) يعني إليها، يعني إلى المدينة. والوجه الرابع: «في» يعني «عن»، وذلك قوله في بني إسرائيل: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى (٤) يعني عن هذه أعمى، يعني هذه النعماء الّتي ذكر الله في هذه الآية: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ (٥) إلى آخر الآية «أعمى»، قال: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ يعني فهو عمّا ذكر الله من أمر الآخرة أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا. (٦) والوجه الخامس: في يعني من، وذلك قوله في النّحل: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ (٧) يعني من كلّ أمّة «شهيدا» وهم الأنبياء.

стр. 118

والوجه السادس: «في» يعني «عند»، وذلك قوله في الشعراء: وَلَبِثْتَ فِينا يعني عندنا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ. (١) وقولهم لشعيب: إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً، (٢) يعني عندنا ضعيفا، وقولهم: يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا يعني عندنا، مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا (٣) والوجه السابع: «في» يعني: «لنا»، وذلك قوله في آخر الحجّ: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ، يعني: لله، يعني اعملوا لله. وقوله: حَقَّ جِهادِهِ (٤) يعني: حقّ عمله. وقال في العنكبوت: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا (٥) يعني عملوا لنا. (٦)

стр. 119

٤ - ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد للمبرّد ١ - المؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد المتوفي ٢٨٥ هـ والمبرّد حظى بدراسات متعدّدة، وترحمت له معظم كتب طبقات النحويين واللغويين. وسلسلة نسبه سجلها الزبيدي في طبقاته متكاملة، فهو: محمّد يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسّان بن سليم بن سعيد بن عبد الله بن يزيد بن مالك بن الحارث الخ (١). ويذكر السيّوطيّ في «البغية» أن الذي أطلق عليه لقب «المبرّد» هو المازنيّ، قال السيوطي: «ولمّا صنّف المازني كتاب «الألف واللام» سأل المبرد عن دقيقه وعويصه، فأجابه بأحسن جواب فقال له، فأنت المبرّد- بكسر الراء- أي المثبت للحقّ، فغيّره الكوفيون، وفتحوا الراء» (٢) وقد أثبت له السيّوطيّ في «البغية»، وغيره من مؤلفي كتب الطبقات أن من مؤلفاته كتاب: «ما اتّفق لفظه واختلف معناه (٣) وكتاب: ما اتفق لفظه واختلف معناه «صغير الحجم»، حققه زميلنا الدكتور أحمد محمد سليمان أبو رعد نشر وطبع وزارة الأوقاف بالكويت سنة ١٩٨٩. م، ويقع في ٨٦ صفحة من القطع المتوسط وعنوان هذا الكتاب يشير إلى أنه تناول ظواهر معدودة من المشترك اللفظي في القرآن الكريم.

стр. 120

وقد بيّنت سابقا أن المشترك اللفظي في القرآن الكريم، وضعت له مسمّيات أخرى، مثل الأشباه والنظائر، أو الوجوه والنظائر أو التصاريف، لأنه كما قدمت- لا نطلق على كلمات القرآن ألفاظا، لأن الألفاظ يرمى بها اللّسان، ويقذفها متى أراد، والقرآن الكريم لجلاله، وهيبته لا يرمى ولا يقذف، ولكن يقرأ ويتلى. ٢ - منهج المبرّد في كتابه: ١ - المبرد لم يلتزم بعنوان كتابه، لأنه بدأ كتابه بظاهرة الترادف الذي عبّر عنه بقوله: «اختلاف اللفظين والمعنى واحد وهذه ظاهرة أخرى تختلف عن ظاهرة المشترك اللفظيّ الذي سمّى كتابه به. والدليل على ذلك قوله: «فأما اختلاف اللفظين، والمعنى واحد فقولك: «ظننت، وحسبت» و «قعدت، وجلست» و «ذراع وساعد» و «أنف ومرسن». وتناول مع هذا أيضا ظاهرة اختلاف اللّفظين، واختلاف المعنيين حيث قال: «فأما اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين فنحو قولك: «ذهبت وجاء» و «قام وقعد» و «يد ورجل» و «رجل وفرس» ولم يكتف بهذا بل ضمّ ظاهرة أخرى متحدّثا عنها بالإضافة إلى ما سبق، وهي ظاهرة الأضداد، فحينما تناول كلمة «جلل» بين أنها تكون للصّغير إذ يقول: «وقولهم: أمر جلل كقوله: * كلّ شىء ما خلا الله جلل* (١) أي صغير.

стр. 121

وقال لبيد: وأرى أربد قد فارقني* ومن الرّزء كثير وجلل (١) ثم بين أن معنى جلل قد يكون للتعظيم فيقول: «ويكون للتعظيم كقول جميل: رسم دار وقفت في طلله* كدت أقضي الحياة من جلله (٢) أي من عظمه في عيني» ويضيف إلى هذا قوله: «ومن ذلك الجون: الأسود، وهو الأكثر ويستدل على ذلك بينت لعمرو بن شأس، والجون: الأبيض، ويستدل ببيت من الرجز. (٣) ويتناول ظاهرة المشترك اللفظي الذي يحمل كتابه معناه بقوله: «وأمّا اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين فنحو: وجدت شيئا: إذا أردت وجدان الضالّة، ووجدت على الرجل من الموجدة ووجدت زيدا كريما علمت» (٤) ٢ - ومن منهجه أنه في تناوله للظواهر اللغوية التي يأتي بها يستدلّ بالشعر ليوضّح التّفسير اللغوي الذي يراه للكلمة التي تعرّض لشرحها فالرجاء قد يخرج عن معناه اللّغوي الذي وضع له إلى معنى آخر وهو الخوف. يقول المبرّد: ومن ذلك الرجاء يكون في معنى الخوف، ويستدل على ذلك بقول أبي ذؤيب:

стр. 122

إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها* وخالفها في بيت نوب غوافل (١) ٣ - والمبرّد في كتابه يطالب بالدليل من يرى للكلمة معنى آخر غير المعنى الأصلي لها، فيقول: «وكل من أثر أن يقول ما يحتمل معنيين فواجب عليه أن يضع على ما يقصد له دليلا، لأن الكلام وضع للفائدة والبيان» (٢) ٤ - ومن منهجه اللجوء إلى النحو والإعراب في تناوله الكثير من الظواهر اللغوية. بيان ذلك أنه عند ما تناول كلمة: الظن «بأنها قد تأتي بمعناها اللغوي وهو الشّك، وقد تخرج عنه إلى معنى آخر، وهو اليقين نراه يرجع إلى التّخريج النّحوي، والتأويلات الإعرابية، والدليل على ذلك قوله: وقوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا (٣) فهو الشك. وللنحويين فيه قولان: أحدهما: أن تكون «إلّا» في غير موضعها فيكون التّقدير: إن نحن إلّا نظن ظنّا، لأن المصدر إذا وقع بعد فعله مستثنى لم تكن فيه فائدة إلّا أن يكون موصوفا أو زائدا على ما للفعل ولو قال قائل: ما ضربت إلّا ضربا لم يفد بقوله: «ضربا معنى لم يكن في «ضربت» فمن قال: «إلّا» في غير مرضعها فهو مثل: «ليس الطّيب إلّا المسك» مرفوعا، ولا وجه لهذا إلا على تقديم إلّا ليكون المعنى: ليس إلّا الطيب المسك، ليتحقق أنّ أصحّ الأشياء أن الطّيب المسك» واستدل المبّرد على ذلك بقول: الأعشى: أحلّ الشّيب أثقاله* وما اغتره الشّيب إلّا اغترارا (٤)

стр. 123

والقول الآخر سطره المبّرد بقوله: «وقوم يقولون: إن نظنّ إلا إنكم أيّها الداعون لنا تظنون أنّ الذي تدعونه إليه ظنّ منكم، وما نحن بمستيقنين أنكم على يقين» وعقب المبرّد على القولين بقوله: «وكلا القولين حسن، وأكثر التفسير على الأول، وقالوا في قوله: * وما اغترّه الشيب إلا اغترارا* أي إلّا لاغتراره، ونصبه للمصدر الذي هو مضاف إليه والفعل للشيب كما أن «نظن» ناصبة للمصدر المضاف إلى ما يخاطبونه» (١) ٥ - ومن منهج المبرّد أنه يعتمد الحديث الشريف في ما يريد الاستدلال عليه، ففي قوله تعالى: عند ذكر السّحاب والغيث: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ (٢)، وقال: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً (٣) وقال عند ذكر العذاب: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٤) وبعد سرد عدّة آيات ذكرت فيها الرّيح في مقام العذاب عقب المبرّد على ذلك بقوله: «هذا الذي ذكرنا مما هو للغيث أو العذاب ولأهل العناية فيه قولان: قال بعضهم: لا تلقح السّحاب بريح واحدة، ولكن تبدأ ريح، وتقابلها أخرى، وكذا إن جرت ثلاث من الرّياح. وقال رسول الله ﷺ إذا هبت الرّيح يقول:

стр. 124

«اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا». (١) ٦ - والمبرّد خرج عن منهجه في كتابه الموقوف على ما اتفق لفظه واختلف معناه حيث يتناول ظاهرة لغوية أخرى ليس لها علاقة بموضوع كتابه، كما أنها ليس لها علاقة بظاهرة التّرادف أو التضادّ هذه الظاهرة هي ظاهرة المجاز مع العلم بأن كتابه صغير الحجم لا يتّسع لمثل هذه الظواهر المتعدّدة فمن قوله في «المجاز» ما نصه: «قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ (٢) الآية، وقال: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ (٣) وقال: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا (٤) وقال: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (٥) فليس لقائل أن يقول من أهل القبلة: إن الشياطين دخلوا في هذا الإرسال، ولا أن قوله: أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ كقوله: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً، ولكن مجاز قوله: إنا أرسلنا الشّياطين على الكافرين أي خلينا بينهم وبينهم. كقول القائل: أرسلت حمارك على زرعي أي لم تحبسه، فسمّى التّخلية بالإرسال كقوله: فأرسلها العراك ولم يذدها* ولم يشفق على نغص الدّخال (٦) هذا لم يرسل الحمير لتعترك، ولكنه لم يحبسها. وكذلك قولهم: أرسلت الأمر من يديك: إنما هو لم تلزمه» (٧)

стр. 125

٦ - وإلى جانب المجاز تحدّث عن ظواهر بلاغية من علم المعاني حيث وضع لها أبوابا، ومن هذه الأبواب: قوله: «ومما جاء في القرآن على هيئتين في الاستفهام» (١) وباب: «المختصر في القرآن حيث يقول: «وفي القرآن مختصرات» (٢) ويعني بهذه المختصرات إيجاز الحذف، وهو فن بلاغيّ وباب من أبواب علم المعاني. على أية حال كانت نستطيع أن نقول: إن كتاب المبرّد كتاب لغوي نحويّ، بلاغي لم يتعرّض لظاهرة ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد إلا مختلطة مع الظواهر التي أشرت إليها سابقا، ولذلك فإنّ كتابه لا يعتبر كتابا مستقلا في هذا الموضوع، ونكتفي بهذا القدر من الحديث عنه، وتكفينا من نماذجه النماذج التي سقتها من خلال منهجه.

стр. 126

٥ - تحصيل نظائر القرآن الكريم للحكيم الترمذي أولا: المؤلف: ١ - مؤلف تحصيل النظائر هو: محمد بن علي بن الحسن بن بشير التّرمذي المؤذن المعروف بالحكيم أبو عبد الله» (١) ٢ - مكانته: قال عنه ابن النّجار في «ذيل تاريخ بغداد» كان إماما من أئمة المسلمين» (٢) ٣ - شيوخه: من شيوخه: والده، وقتيبة، وعلي بن حجر، وأبو عبيد، وابن أبي السفر، وعليّ بن خشرم، وصالح بن محمد الترمذي، ومحمد ابن علي الشفيقي، وسفيان بن وكيع، ويعقوب بن شيبة. (٣) ومن تلاميذه الذين رووا عنه وأخذوا منه: أبو الحسن عي بن كردين بن سال العكبري، وأبو الحسين محمد ابن محمد بن يعقوب الحجاجي الحافظ النيسابوريّ، وأحمد بن عيسى الجوزجاني وآخرون. ٤ - مكانته بين العلماء: من المؤرخين الذين ذكروه في مؤلفاتهم السّمعاني في كتابه «الأنساب» فحينما سرد علماء «ترمذ» ومشايخها ذكر من مشايخها محمد بن علي الحكيم، ولم يزد على ذلك شيئا ولم يقدّم له ترجمة كما

стр. 127

فعل مع علماء ترمذ. (١) ويبدو أن الترمذي لم يكن ذا باع طويل في العلم، لأن السمعانيّ صنفه من مشايخ «ترمذ»، ولم ينظمه في سلك علمائها، فبعد أن ذكر علماء «ترمذ» قال: ومن مشايخها محمد بن علي الترمذي ولم يزد على ذلك شيئا. ومن العجب أن ياقوت في كتابه: معجم البلدان لم يشر إليه فلم يذكر اسمه من بين علماء «ترمذ» حيثما تحدّث عن هذه المدينة (٢) ويظهر على ما يبدو أن الحكيم الترمذيّ لم يكن من العلماء الموثّقين الذين يهتّم بهم المؤرخون، ولا أدلّ على ذلك من أن ابن حجر ذكر في كتابه أنه لم يقف على ترجمة شافية له» (٣) على أن ابن حجر نقل نصا في كتابه «لسان الميزان» يذكر فيه أن القاضي كمال الدين بن العديم صاحب تاريخ حلب في جزء له سمّاه: «الملحة في الرّد على أبي طلحة «نقد فيه الحكيم الترمذي نقدا جريحا لاذعا، فمن نقده للحكيم الترمذي قوله: «وهذا الحكيم الترمذيّ لم يكن من أهل الحديث، ولا راوية له ولا أعلم له نظر فيه وصناعة، وإنما كان فيه الكلام على إشارات الصوفيّة، والطرائق، ودعوى الكشف عن الأمور الغامضة والحقائق حتى خرج في ذلك عن قاعدة الفقهاء، واستحق الطعن عليه بذلك والإزراء، وطعن عليه أئمة الفقهاء والصّوفية، وأخرجوه بذلك عن السّيرة المرضيّة. وقالوا: إنه أدخل في علم الشريعة ما فارق به الجماعة، وملأ كتبه الفظيعة، بالأحاديث الموضوعة، وحشاها بالأخبار التي ليست

стр. 128

بمرويّة ولا مسموعة ... الخ. وعلق ابن حجر على ذلك بقوله: قلت: ولعمري، لقد بالغ ابن العديم في ذلك، ولولا أنّ كلامه يتضمّن النّقل عن الأئمة أنهم طعنوا فيه لما ذكرته» (١) ومع هذا النّقد المرّ، فقد ذكره أبو نعيم في «الحلية» بخلاف ما ذكره كمال الدين بن العديم، فقد قال عنه: «صنف التصانيف الكثيرة في الحديث، وهو مستقيم الطريق، تابع للأثر، يردّ على المرجئة وغيرهم من المخالفين» (٢) ٥ - أخلاقه: يبدو أن اتجاهه الصوفيّ له تأثير كبير في مصنفاته، فهو إذا صنّف لا ينتظر الإشادة بتصانيفه، ولا يحسّ بالفخر بما كتب أو ألف فقد رووا عنه أنه قال: «ما وضعت حرفا على حرف لينقل عني ولا لينسب إلىّ شىء منه، ولكن كنت إذا اشتدّ علىّ وقتي أتسلّى بمصنفاتي» (٣) ٦ - مؤلفاته: أ- نوادر الأصول، وهو كتاب مشهور (٤) ويذكر المحقق في مقدمته لكتاب «تحصيل النظائر» أنه طبع في أستانبول سنة ١٢٩٣ م. ب- ختم الولاية، قال ابن حجر: إنه هجر بترمذ في آخر عمره بسبب تصنيفه كتاب:

стр. 129

«ختم الولاية، وعلل الشريعة» فحمل إلى «بلخ» فأكرموه لموافقته لهم في المذهب يعني الرأي. (١) ويذكر المحقق في مقدمته أنه طبع ببيروت ١٩٦٥ م ج- الحج وأسراره طبع في القاهرة ١٩٦٩ م. د- بيان الفرق بين الصدر والقلب، والفؤاد واللّب، طبع في القاهرة سنة ١٩٥٨ بتحقيق نقولا هير. هـ- حقيقه الآدميّة: طبع بالأسكندرية ١٩٤٦ م. والرّياضة وأدب النفس طبع في القاهرة ١٩٤٧ م. ز- تحصيل النظائر. وهو موضوع الدراسة، وقد قام بتحقيقه الأستاذ حسني نصر زيدان- كلية أصول الدين جامعة الأزهر. (٢) وفاته: ذكر ابن حجر أنه عاش إلى حدود العشرين وثلاثمائة وعاش نحوا من تسعين سنة، والله أعلم. (٣)

стр. 130

ثانيا: تحصيل نظائر القرآن الكريم يبدو أن الحكيم الترمذي اطلّع على المؤلفات التي سبقته في هذا الحقل مثل: الأشباه والنظائر «لمقاتل» والوجوه والنظائر لهارون، «والتصاريف» ل «يحيى بن سلام» وهذه المؤلفات سارت على نمط واحد، والتزمت منهجا معيّنا لم تحد عنه في معالجتها لظاهرة الكلمات المشتركة في القرآن الكريم، حيث إن بعض الكلمات القرآنية ذات دلالات مختلفة مع اتفاقها في الكلمة الواحدة. وهذه المنهج فرض نفسه على كل المؤلفين في الوجوه والنظائر سواء سبقوا الحكيم الترمذي أم جاءوا من بعده. ويبدو مرّة أخرى أن منهج الحكيم الترمذيّ منهج متميّز، لم يسبق إليه، ولم يحاول أن يقلد من سبقه في تناول الوجوه والنظائر في القرآن الكريم. ومنهجه يدور حول محور واحد، وهو أنه لا اشتراك في الكلمة القرآنية، فالكلمة القرآنية لها معنى واحد في الوضع اللغوي، فمهما ابتعدت عنه، واتجهت إلى معاني أخرى متنوعة، ولها دلالات متباينة، فإنها دائما مشدودة إلى المعنى اللغوي الذي وضع لها، لأنها لا تستطيع الفكاك عنه، والتهرّب منه، فهي منبثقة منه، منجذبة إليه، يطل بوجهه في كل معنى يبدو من أول وهلة أن الصلة بينه وبين المعنى اللغوي الوضعي مفقودة، ولكنه عند التحليل والتعمق، نجد أن هذا المعنى موتبط ارتباطا وثيقا بوضعه اللغوي الثابت الذي تمثله الكلمة القرآنية.

стр. 131

ومن أجل هذا نستطيع أن نقول: إن الحكيم التّرمذي يذهب مذهب من يمنع المشترك اللفظي في القرآن الكريم. وعند النّظرة الفاحصة إلى مذهب الحكيم الترمذي في منع المشترك اللفظي نجد أنّ الترمذي يذهب مذهب معاصره ابن درستويه المتوفي ٣٤٧ هـ على حين توفي الحكيم الترمذي على القول الراجح ٣١٨ هـ. فالرّجلان متعاصران، ولا ندري منّ الذي أثر في الآخر، كل الذي نعلمه أن ابن درستويه- كما سبق بيانه- كان يمنع وقوع المشترك اللفظي في اللغة لعدة أسباب منها: ١ - أنه ليس من الحكمة والصواب أن يقع المشترك اللفظي في كلام العرب لأنه يلبس. ٢ - لو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على المعنيين المختلفين كان ذلك تعمية وتغطية للغة التي يفترض فيها الإبانة والوضوح. ٣ - ويقدّم ابن درستويه مثالا لذلك مجىء: فعل وأفعل لمعنيين مختلفين، فمن لا يعرف العلل، ويتعمق في اللغة يحكم بأنهما مشتركان في اللفظ مختلفان في المعنى، مع أنهما في الحقيقة لمعنى واحد» (١) ومن الأدلة التي تشير في وضوح إلى إنكار الحكيم التّرمذي وقوع المشترك اللفظيّ في القرآن الكريم تناوله بعض الكلمات القرآنية التي تبدو في ظاهرها مشتركة، وعند التحليل والتدقيق يتبين أن بينها وبين الاشتراك بونا بعيدا. وقد نصّ على ذلك صراحة، إذ ذكر في مقدمة كتابه ما نصّه:

стр. 132

«وقد نظرنا في هذا الكتاب المؤلف في نظائر القرآن الكريم، (١) فوجدنا الكلمة الواحدة مفسّرة على وجوه، فتدبّرنا ذلك، فإذا التفسير الذي فسّره، إنما اختلفت الألفاظ في تفسيره، ومرجع ذلك إلى كلمة واحدة، وإنما انشعبت حتى اختلفت ألفاظها الظاهرة الأحوال، التي إنما نطق الكتاب بتلك الألفاظ من أجل الحادث في ذلك الوقت» (٢) ويقدم الحكيم الترمذي أمثلة لذلك، من هذه الأمثلة: ١ - كلمة الهدى: فقد جاءت على ثمانية عشر وجها، فالحاصل من هذه الكلمة: كلمة واحدة فقط، وذلك أن الهدى: هو الميل، ويقال في اللغة: رأيت فلانا يتهادى في مشيته، أي يتمايل، ومنه قوله تعالى: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ (٣) أي ملنا إليك، ومنه سميت الهديّة: هدية، لأنها تميل بالقلب إلى مهديها، وأن القلب أمير على الجوارح، فإذا هداه الله لنوره: أي أماله إليه لنوره: اهتدى أي: استمال، وقد قال في تنزيله يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (٤) فهذا أصل الكلمة، ثم وجدنا تفسير الهدى: ١ - البيان: فإنما صار الهدى بيانا في ذلك المكان، لآن البيان إذا وضح على القلب بنور العلم: مدّ ذلك النّور القلب إلى ذلك الشىء وأماله إليه. ٢ - الإسلام: وإنما صار الهدى في المكان الآخر «الإسلام»، لأنه إذا مال القلب بذلك النور إلى ذلك الشىء الذي تبين له: انقاد العبد وأسلم، ومدّ عنقا إلى قبوله.

стр. 133

٣ - التوحيد: وإنما صار الهدى التوحيد في المكان الآخر، لأنه إذا مال القلب إلى ذلك النور: سكن عن التردد، واطمأن إلى ربّه فوحّد. (١) وأخذ الحكيم الترمذي يسرد أقوال أصحاب الوجوه والنظائر في هذه الوجوه التي بلغت ثمانية عشر وجها، مبيّنا أن هذه الوجوه جميعا لا تحمل معاني مستقلة عن معناها اللغويّ الوضعي، لأنها كلها تنبع من منبع واحد وهو الميل كالجداول التي تنبع من النهر ومصدرها جميعا النهر، لأنها بدونه لا تكون جداول. ٢ - الإسلام: قال الحكيم الترمذي ما نصّه: وأما قوله «الإسلام»، على كذا وجه: فالإسلام مشتقّ من التّسليم، فالعبد إذا جاءه نور الهداية: عرف ربّه، واطمأن إليه، وسكنت نفسه واستقر قلبه بالمعرفة الواردة على قلبه، فانقاد له بأن يأتمر بكلّ ما يأمره به، فذاك من العبد تسليم النفس إلى ربه عبودة. ١ - الإيمان: وإنما سمى «مؤمنا» لاستسلام قلبه، وطمأنينة نفسه فالإيمان والإسلام من العبد في عقد واحد، لما عرفه استقر قلبه، واطمأنت نفسه، فلزمه اسم الإيمان لطمأنينته، وسلم نفسه لله عبودة بكل ما يأمر فلزمه اسم الإسلام، فهذان اسمان لزماه بهذا العقد الواحد الذي اعتقده بقلبه، ثم اقتضى الوفاء بهذا الإيمان والإسلام إلى يوم يموت فإن وفىّ: دخل الجنة بغير حساب، وإن وفيّ ببعض وضيّع بعضا: بقي في الموقف للحساب، فإنما وقع الحساب على الموحدين لهذا،

стр. 134

والعبد من ربه بين أمرين: أ- بين أمر حكم الله عليه به مثل: العز والذل، والغنى والفقر، والحب والكره، فاقتضى له الوفاء بأن يطمئن إلى حكمه كما اطمأن إليه فيرضى بما حكم، فإن جزع: حوسب، وإن رضى: أكرم وأثيب على وفائه. ب- وبين أمر أمره أن يفعله مثل الفرائض، واجتناب المحارم، فإذا وفى بهذا فهو مسلم، لأنه قد سلم نفسه إليه عند كل أمر ونهى، وما ضيع منه فالحساب لازم، وهو موقوف بين عفو أو عقوبة. (١) وهذه الوجوه التي ذكرها أصحاب الوجوه والنظائر بالنسبة لمعاني الإسلام أرجعها الحكيم الترمذي إلى وجه واحد، وهو التسليم أي تسليم المؤمن نفسه إلى ربه عبودة. والواقع أن الحكيم الترمذيّ في مذهبه الذي ذهب إليه ضيّق واسعا وحاول أن يحبس البحر المتلاطم من المعاني القرآنية في قمقم سليمان فالألفاظ محدودة، والمعاني غير متناهية، لأنها تتطّور باستمرار وتتلون بلون البيئة التي تعيش فيها. وقد بينت فيما سبق أن هناك كلمات قرآنية خرجت عن وضعها اللغوي الذي وضع لها في العصر الجاهليّ، وحوّلها القرآن الكريم إلى معاني مستقلة عن معناها اللغوي الذي وضع لها. وكما خالفه أصحاب الوجوه والنظائر قديما خالفه أصحاب اللغة المحدثون. فمن البدهي أن اللفظ في أول وضعه كان يدل على معنى واحد ثم

стр. 135

تولّد من هذا المعنى الواحد عدّة معان، وهذا التوالد هو ما نسميه تطوّر المعنى: «وهذا التطوّر يسير ببطء وتدرج، فتغير مدلول الكلمة مثلا لا يتمّ بشكل فجائي سريع، بل يستغرق وقتا طويلا، ويحدث عادة في صورة تدريجية، فينتقل إلى معنى آخر قريب منه، وهذا إلى ثالث متصل به وهكذا دواليك حتى تصل الكلمة أحيانا إلى معنى بعيد كل البعد عن معناها الأول» (١) هذه ناحية. وناحية أخرى تتضّح في مذهب الحكيم الترمذي وهي ظاهرة التكلف في كل الكلمات التي تناولها، فنحن لا نستطيع أن نعرف المعنى الأول الذي وضع للكلمة معرفة دقيقة، فقد يكون المعنى الأول هو المعنى المتطور عن المعنى الثاني، وهكذا، ثم إن الألفاظ يختلف بعضها من قبيلة إلى قبيلة ومن عصر إلى عصر. وناحية ثالثة: لو سرنا على مذهبه لتوقفت اللغة من قديم، وتحجّرت وأصبحت أثرا بعد عين، وتتحول إلى كائن ميت، وليس بكائن حي وهذا يخالف الواقع، فاللّغة ظاهرة اجتماعية عاشت في كل عصورها مرفوعة الرأس مهيبة الجانب، لأنها حيّة في تطوّر ألفاظها ونموّ معانيها، وإشعاع دلالتها مما جعلها لغة الخلود. على أية حال كانت، فنحن وإن كنا على خلاف مع الحكيم الترمذي في مذهبه أو رأيه إلّا أننا نرى أنها لفتة علميّة انفرد بها في ميدان الوجوه والنظائر، ولم يسبقه أحد إليها من قبل، ولم يحاول أن يقلده فيها أحد من بعد.

стр. 136

على أن الذي يدعو إلى العجب أيضا أن الحكيم الترمذي كما جار على المعاني المختلفة للفظة الواحدة فيما يسمّى المشترك اللفظيّ جار على الألفاظ المتعدّدة للمعنى الواحد فيما يسمّى الترادف، فقد بين محقق تحصيل النظائر أن له كتابا عنوانه «الفروق ومنع الترادف (١) حيث يرى أن اللفظ له وضع ثابت مهما تغيرت الأحوال، واختلفت المقامات وكتاب الفروق يذكر المحقق أنه تحت الطبع في القاهرة ويبدو أن أبا هلال العسكري الذي جاء بعده (٢) كان متأثرا به، وفكرة عدم الفروق بين الألفاظ لعله متأثر في مجالها بالحكيم الترمذي. بقي بعد هذا أن نشير في إيجاز إلى منهج الحكيم الترمذي في كتابه منهجه: ١ - تفسير الكلمة القرآنية على أساس وضعها أولا، ثم يتناول معانيها الأخرى، ليربطها بالمعنى اللغوي الوضعيّ لها: فكلمة «أحس» (٣) يفسّر معناها اللغوي، فيقول: «وأما قوله:» أحس «على كذا وجه: فالإحساس هو علم النفس وهو وجود النفس خبر الأشياء، وإنما سميت الحواس الخمس حواسا لأنهن يجلبن الخبر إلى النفس». ثم ينتقل بعد ذلك إلى معنى آخر ل «أحس» محاولا ربطه بمعناه اللغوي، فمن معاني أحسّ: عرف. يقول: «وإنما صار أحسّ في هذا المكان يعني: عرف، لأن النفس عرفت ما عاينت» (٤)

стр. 137

٢ - الاستشهاد بالقرآن الكريم، ليقوّي ما يرى، ويدعم ما يقول: فالظن تفسيره اللغوي هو: «الشىء الذي يتراءى للقلب، فيحسب أنه هكذا والتهمة مقرونة به لا يقين هناك، فإذا غلب على القلب حسن الظنّ صار علما، وإذا لم يغلب فهي محسّة مع التهمة» ثم يستدل بالقرآن بأن الظن قد يكون علما فيقول: «وإنما صار ها هنا الظن «علما» في هذا المكان حيث يقول: * وظن داود أنما فتنّاه* (١) أي علم، لأن الملائكة دخلت عليه المحراب بتلك الخصومة، فضربت له المثل حيث قال الله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ (٢) فمن ذلك المثل المضروب تراءى له سوء فعله، فصار، ما تراءى له ظنا. ثم يقول: «وإنما صار الظنّ ظنا في مكان آخر، لأنه لم يكن مع يقين، ولا انكشف له علم ذلك عن الغطاء فلذلك قال الله تعالى: وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣) ٣ - وإلى جانب الاستشهاد بالقرآن الكريم نجد أنه، يستشهد بالحديث الشريف وذلك عند تعرضه لكلمة «الذكر»، فمن الذكر التكبير وهو وصف الله تعالى بالكبرياء لقوله تعالى: وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٤) ومن أجل إثبات هذا المعنى، وتقريره في النفسّ يقول: وروى عن رسول ﷺ أنه قال: «يقول الله العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما ألقيته في النار» (٥)

стр. 138

٤ - ومن منهجه أنه تغلب عليه الصّوفية والوعظ، ولعلّ السبب في ذلك أنه اشتغل بالتّصوّف والفلسفة وله فيه مؤلفات أشرنا إليها من قبل، وهي: ١ - حقيقة الآدمية، ٢ - الرياضة وأدب النفس. ٣ - بيان الفرق بين الصدر، والقلب، والفؤاد واللب. ٤ - ختم الأولياء. ولهذا السبب نراه لا يسير على نمط واحد في كتابه، فبعض الكلمات مثل الأسباب (١) و «السّوي» (٢) لا تتجاوز نصوصها أربعة أسطر على حين نجد كلمة «الذكر» استوعبت من كتابه سبع عشرة صفحة. (٣) وبعد، فإن هذا الكتاب يعتبر تأليفا فريدا في الوجوه والنظائر اعتمد فيه الرجل على مذهب من لا يرى الاشتراك اللفظي في اللغة إلى جانب أن الصّوفية التي تدعو إلى تهذيب النفس، وتطهير القلب، وتصفية الروح حيث أطال فيها القول ويخاصة عند تعرّضه لكلمة: «الذكر» كانت مسيطرة عليه.

стр. 139

نماذج من: تحصيل النظائر أولا: في مجال الأسماء ١ - قانتون وأما قوله: «قانتون» (١) على كذا وجه، فالقنوت: المقابلة، وهو أن تقابل بوجهك وبدنك عظمته، فتقف بقلبك بين يدي عظمته، وتقابل ببدنك الوجهة التي وجّهت لها، وهي معلّمة، وهي: الكعبة، فذاك منه إعطام له، ولذلك قيل: القنوت «الطاعة» لأن الطاعة من الإعطاء. ويقال: أطاع وأعطى، فأطاع بقلبه وبدنه، فما كان بقلبه وبدنه يقال: أطاع، وما كان من ماله يقال: أعطى، ألا ترى أنه قال: أعطى من نفسه ما أردنا، وأعطى من قلبه ما أردنا، فتلك الطاعة، وأما المعصية التي هي ضد الطاعة، فامتناع النفس عندما دعيت ومدك الحق إليه. فإذا اشتد وامتنع: قيل عصى واعتصى، وتعيّص، أي: اشتد ولم ينقد ولم يلن، وإذا دعوته فأجاب، ومدّ الحق العنق إلى الدعوة فانقاد، قيل أطاع أي أعطى من نفسه ما أريد منه (٢).

стр. 140

٢ - الجبار وأما قوله «الجبار» (١) على كذا وجه: فالجبّار الذي يجبر الأشياء قهرا، ويحملهم على مشيئته، أحبّوا أو كرهوا، والجبر هو أن يجبر الشيء المكسور، فإنما قيل جبر، لأنه العظم على العظم حتى اتصل، وإنما قيل أجبره أي حمله على ذلك الشيء كرها حتى فعل وجبر. وهو متعد ولازم، وأجبر هو متعد فقط، وقيل في بعض الرجز: «قد جبر الدّين إلا له فجبر» (٢) أي أن الإله جبر الدّين فجبر الدّين بنفسه من فعل الله به. ١ - القتال على الغضب: وإنما صار الجبار «القتال على الغضب» الذي يضرب على الغضب، لأنه حمله ذلك على القتل والضرب. ٢ - المسلط: وإنما صار في مكان آخر «المسلط» لأنه يسلّط حتى يقهر، ويحملك على المكروه. ٣ - قوم عاد: وإنما صار في مكان آخر «قوم عاد» (٣) في طول قامتهم لأنهم كانوا يقهرون الخلق بما أعطوا من عظم الخلق، فمرجع ذلك كله إلى القهر (٤).

стр. 141

ثانيا: في مجال الأفعال اطمأن وأما قوله «اطمأن» على كذا وجه، فقوله اطمأن من الطّمو، يقال «طمّ على الشيء» إذا غطاه وقهره حتى سكن وذلّ، وطمى الماء إذا علا موجه وتياره وغلب على المياه حوله. فالنّون في قوله «اطمأن» زائدة في الكلمة لتقوية الكلمة. وكل شيء صيرت له قائمة، فقد قوّيته، وصيرت له قرارا، من أجل ذلك سمّى الحوت الذي عليه قرار الأرض (١) «نونا». ١ - السكّينة: فإنّما صار اطمأن في هذا المكان «السكّينة» (٢)، لأنه غطّاه وسكّنه. ٢ - الخبت، وإنما صار الاطمئنان في مكان آخر «الخبت» لأن الخبت، ما تطامن من الأرض، أي، اتّضع وانهبط ومنه قوله تعالى: ... الْمُخْبِتِينَ (٣).

стр. 142

فالمخبث المطمئن إلى ربه وقلبه متطامن، أي منحدر ليستقر فيه الشيء (١). ثالثا: في مجال الظروف أنّى «وأما قوله: «أنى» فإنها تقع على الصّفات على «كيف» (٢) «ومن أين» (٣)، ومن القائم كالاستفهام» (٤). رابعا: في مجال الحروف إن وأما قوله في تفسير إن: فإنّ «إن» حرفان من حروف المعجم، ففي الألف القوة، وفي النون القوام، لأن الأصل القوة فيها، فإن طلب طالب من أين هذا؟ قيل له: هذه الحكمة العليا، وهي حكمة الحكمة مستورة عن الخلق إلا أنبياء الله وأهل الصفوة من أوليائه المختصين بمشيئته: فاكتف بهذا القدر بينا، فإن العلوم كلها في حروف المعجم لأن مبتدأ العلم: أسماء الله، ومنها خرج الخلق والتدبير في أحكام الله حلاله وحرامه، والأسماء من الحروف ظهرت، وإلى الحروف رجعت فهذا مخزون من العلم، لا يعقله إلا أولياؤه الذين عقولهم عن الله عقلت، وقلوبهم بالله تعلقت، فولهت في أولوهيته، فهناك كشف الغطاء عن هذه الحروف، وعن الصفات- صفات الذات- فقوله «إن» إنما هو ألف ونون مخففة، فالألف عماد، والنون قوام، فربما احتاج أمر إلى قائمتين، فزيد نون أخرى، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فاشتدتا، فقيل «إنّ مشددة» وربما استغنى بإحداهما

стр. 143

عن الأخرى، كقوله «إن» مخففة، فما كانت مشددة فمن قوتها عملت في الأسماء فنصبتها، وما كانت مخففة لم تعمل في الأسماء وحلت محل «ما» كقوله تعالى: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (١) يقول: ما الكافرون إلا في غرور، وإذا اشتدت بأن صارت نونين نصبت الاسم، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٢). ونكتفي بهذا القدر من النماذج التي ظهرت لنا في وضوح أن الحكيم الترمذي مفسّر لغويّ لا يؤمن بالاشتراك اللفظيّ في كتاب الله، ويخلط تفسيره بالتّعبيرات الصّوفية التي نلمس فيها ألفاظ الوجد والحبّ والشّوق إلى الذات الإلهيّة، وتفسير الحروف الأبجدية تفسيرا صوفيا لا يدركه إلا أولياؤه الذين عقلوهم عن الله عقلت، وقلوبهم بالله تعلّقت، فولهت في ألوهيته، فهناك كشف الغطاء عن هذه الحروف (٣).

стр. 144

٥ - الأشباه والنظائر- في الألفاظ القرآنية التي ترادفت مبانيها وتنوعت معانيها للثعالبي . ١ - المؤلف: هو أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، وقد حقق هذا الكتاب الأستاذ محمد المصري نشر مكتبة سعد الدين بدمشق سنة ١٩٨٤ هـ. والثعالبي قال عنه ابن الأنباري: كان أديبا فاضلا، فصيحا بليغا (١) واختلف المؤرخون في سنة وفاته، وقد أشار إلى هذا الاختلاف المحقق في مقدمته حيث ذكر أنه توفي سنة ٤٢٩ هـ على رأى ابن خلكان وابن كثير وأبي الفداء، وعلى رأى ابن شاكر الكتبي، وابن قاضي شهبة وابن العماد الحنبلي ذكروا أنه توفي في حوادث سنة ٤٣٠ هـ (٢) وما يجدر ذكره أن محقق: «التمثيل والمحاضرة للثعالبي» ذكر في مقدمة تحقيقه أن ولد سنة ٣٥٠ وقد أجمع على ذلك كل من أرّخ له أو ذكره .... لأنه «كان من بيت يشتغل أهله بحرفة خياطة جلود الثعالب، فنسب إلى صناعته» (٣) ٢ - الشك في نسبة كتاب «الأشباه والنظائر للثعالبيّ لم يرد ذكر هذا الكتاب ضمن مؤلفات الثعالبيّ. وقد قام الأستاذ عبد الفتاح الحلو في مقدمة كتاب التمثيل والمحاضرة بإحصاء دقيق لمؤلفات الثعالبيّ في ضوء كتب الطبقات

стр. 145

والتاريخ، وقد استوعبت هذه المؤلفات التي أحصاها المحقق والتي بلغت ٨٤ مؤلفا، فلم أعثر على هذا الكتاب من بين هذه المؤلفات مما يدعو إلى الشك في نسبة هذا الكتاب إلى الثعالبي. (١) ولم يجزم محقق الأشباه والنظائر للثعالبي بأن الكتاب له، وإنما نسبه إليه ميلا إلى جانب الترجيح لا التحقيق. وبيان ذلك ما ذكره المحقق من أنه «جاء في مستهل مخطوطة هذا الكتاب ما يلي: قال وحيد دهره وفريد عصره رأس النبلاء، وتابع الفضلاء الثعالبيّ قدّس سرّه، وعلىّ ذكره ... ثم قال المحقق: «لم يذكر اسم مصنفه، ولا كنيته، ولا أي أمر آخر نهتدي به إلى معرفه أيّ ثعالبي هو، والثعالبة كثر» (٢) وحاول المحقق أن يثبت هذا الكتاب للثعالبي لأنه ليس هناك دليل فاصل في نسبة الكتاب إليه على وجه التحقيق والتأكيد ومن محاولته أنه ترجم للثعالبة من رجال القرن الثالث الهجري إلى القرن الحادي عشر. وقد أثبت في ضوء هذه التراجم أنه لا يوجد ثعلبي من هؤلاء الثعالب يستحق أن ينسب إليه هذا الكتاب. ومحاولة ثانية قام بها المحقق وهي أنه «اعتمد أقوال وآراء أعلم علماء اللغة في القرنين الثالث والرابع الهجريين .... وليس فيه نقول وآراء لعلماء متأخّرين البتّة»
следующие страницы →