← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38049

المشترك اللفظي في الحقل القرآني

عبد العال سالم مكرم

Полный текст (230 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٤ - ظل تفسير «ظل» على وجهين: فوجه منهما: ظلوا: يعني مالوا، فذلك قوله في الحجر: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يعني مالوا فيه يَعْرُجُونَ. (١) كقوله في الشعراء: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٢). والوجه الثاني: ظلّ: يعني إقامة، فذلك قوله في «طه»: انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً (٣) يعني أقمت عليه عاكفا، يعني عابدا له كقوله في الشعراء: قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٤) يعني فنقيم لها عاكفين يعني عابدين. وقال في الواقعة: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٥) يعني فأقمتم تعجبون. وقال في النحل: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا (٦) يعني أقام، نظيرها في الزخرف. (٧)

стр. 72

ثالثا: في مجال الظروف حين: تفسير «حين» على أربعة وجوه: فوجه منها: حين: يعني سنة، فذلك قوله في إبراهيم: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها (١) يعني كل سنة بأمر ربها. والوجه الثاني: «حين» يعني منتهى الآجال، فذلك قوله في البقرة لآدم وحواء: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢) يعني إلى منتهى آجالكم، نظيرها في الأعراف، (٣) وقال في يونس: وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٤) يعني إلى منتهى آجالهم، وقال في النّحل: أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٥) يعني إلى حين تبلى الثياب. والوجه الثالث: حين يعني السّاعات فذلك قوله في الرّوم: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (٦) يعني صلوا لله مغرب الشمس- وحين تصبحون- صلاة الغداة (وعشيا) يعني لوقت العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ (٧) يعني ساعة تظهرون صلاة الأولى

стр. 73

والوجه الرابع: حين: زمان لم يؤقت، فذلك قول في «ص»: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (١) يعني بعد زمان وهو القتل ببدر ولم يبين ذلك الوقت، وقال في «الإنسان»: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (٢) يعني زمانا من الدّهر.

стр. 74

رابعا: في مجال الحروف ١ - أم تفسير «أم» على ثلاثة وجوه: فوجه منها: «أم» صلة في الكلام، فذلك قوله في الطّور: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ (١) يقول: أخلقوا من غير شىء؟ والميم ها هنا صلة، وكقوله: أَمْ لَهُ الْبَناتُ، (٢) والميم ها هنا صلة. والوجه الثاني: أم يعني «بل»، فذلك قوله في الرّعد: أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ (٣) يقول: بل بظاهر من القول، كقوله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ (٤) يقول: بل أنا خير، وكقوله في «اقتربت الساعة»: أَمْ يَقُولُونَ، يعني بل يقولون: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٥) والوجه الثالث:، أم استفهام موضعها موضع «أو» فذلك قوله في تبارك: أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ يعني: أو أمنتم من في السماء أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً، (٦) كقوله في بني إسرائيل: أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى (٧) يعني أو (٨).

стр. 75

٢ - ما تفسير «ما» على سبعة وجوه: فوجه منها «ما» يعني» «لا» فذلك قوله في «ص»: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني لا أسألكم عليه أجرا وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (١) يقول: ولا أنا الذي يكلفكم الأجر، كقوله في «حم السّجدة»: ما يُقالُ لَكَ (٢) يقول: لا يقال لك. وقوله في «البقرة»: أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ (٣)، وقال في آل عمران: ما كانَ لِبَشَرٍ يعني لا ينبغي لبشر أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي (٤). وقال في «عسق»: وَما كانَ لِبَشَرٍ (٥) يعني لا ينبغي لبشر. والوجه الثاني: ما، يعني «ليس، فذلك قوله في «هود»: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (٦) يقول: ليس لكم ربّ غيره. وقال أيضا وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (٧) يقول ليس لكم رب غيره.

стр. 76

والوجه الثالث: «ما» يعني «الذي» فذلك قوله: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (١) يعني والذي خلق الذكر والأنثى، وكقوله في المؤمنين: أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ يعني الذي يأت آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ. (٢) وقال في البقرة: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ (٣) يعني الذي أنزلنا، كقوله في سبأ: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ (٤) يعني الذي سألتكم من أجر فهو لكم، وقال: في الزّخرف: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (٥) يعني الذي تركبون، ونحوه كثير. والوجه الرابع: «ما» يعني «أي شيء» وهو استفهام، فذلك قوله في البقرة حيث قال يعقوب لبنيه: ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي (٦) يعني أي شىء تعبدون من بعدي؟ وقال أيضا لليهود: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (٧) يعني أي شىء جزاؤهم على عمل يدخل النار. وقال في عبس: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (٨) يعني أي شىء أكفره.

стр. 77

والوجه الخامس: «ما» يعني «لم»، فذلك قوله في الأنعام: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (١) يعني لم نكن مشركين. وقال في الأعراف: وَما كُنَّا غائِبِينَ (٢) يعني لم نكن غائبين، كقوله في القصص: وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى يعني لم نكن مهلكي القرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٣) ونحوه كثير. والوجه السادس: «ما» صلة في الكلام، وليس له أصل في التفسير في القرآن فذلك قوله في البقرة: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً (٤) يعني لا يستحيي أن يضرب مثلا بعوضة، و «ما» صلة في الكلام. وقال في آل عمران: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (٥) يعني فبرحمة من الله، وما صلة في الكلام. وقال في النساء: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (٦) يعني فبنقضهم ميثاقهم، وما صلة في الكلام. وقال في المؤمنين: عَمَّا قَلِيلٍ (٧) يعني عن قليل و «ما» صلة في الكلام.

стр. 78

والوجه السابع: «ما» يعني «كما»، فذلك قوله في «يس»: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ (١) يقول كما أنذر اباؤهم، كقوله في هود: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ (٢) «أي» لأهل النار، ما داموا فيها أحياء، فأهل النّار لا يموتون فيها أبدا، والنار لا تنقطع عنهم أبدا إلا ما شاء ربك لأهل التوحيد الذين أدخلوا النار فلا يدومون في النار معهم، ولكن يخرجون إلى الجنّة، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ لأهل الدّنيا فلا يخرج أهلها منها، فكذلك تدوم الجنة لأهل الجنة ما داموا، فأهل الجنة لا يموتون أبدا والجنة لا تنقطع عنهم إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ (٣) يعني إلا ما نقص لأهل التوحيد الذين أخرجوا من النار فدخلوا الجنة بعد أوائلهم. (٤)

стр. 79

٢ - الوجوه والنظائر في القرآن الكريم عن هارون بن موسى أ- ترجمة موجزة للمؤلف: ترجم له الخطيب البغدادي، فذكر نسبه وأصله. أمّا نسبه فلم يذكر سلسلة نسبه غير أبيه، فقد ذكر عنه أنّه: هارون ابن موسى، وأبو عبد الله، وقيل: أبو موسى (١) وما ذكره البغداديّ ردّده القفطيّ في «الإنباه» حيث ذكر: أنه هارون ابن موسى وكنيته أبو عبد الله» (٢) وقد لقب بالأعور، ونسبوه إلى العتيك، فقالوا: العتكيّ نسبه إلى العتيك، وهو بطن من الأزد» (٣) ووصفوه بأنه قارىء نحويّ، وأنه من أهل البصرة (٤) ويذكر السيّوطيّ في: البغية أنه مات في حدود السّبعين ومائة. (٥) أساتذته: يسرد الخطيب البغداديّ أسماء الأساتذة الذي روى عنهم فقال: «سمع طاوسا اليماني، وشعيب بن الحبحاب، وثابت البناني، وداود ابن أبي هند، والزّبير بن الحريث، وبديل بن ميسرة، ويزيد الرّفاشي، وحميد الطّويل، وأبان بن ثعلب» (٦)

стр. 80

تلاميذه: أما تلاميذه الذين رووا عنه فهم كثرة. فقد روى عنه في البصرة: شعبة، وأبو عبيدة الحداد، ومسلم بن إبراهيم، وأبو الوليد الطّيالسيّ وهدبة بن خالد،، وشيبان بن فروخ، وذكر الخطيب البغداديّ أيضا: أنه لما قدم بغداد «روى عنه من أهلها شيابة بن سوار، ويونس بن محمد المؤدب، وبشير بن محمد السّكريّ، وعلي بن الجعد» (١) ويزيد السّيوطيّ في «البغية» أنه روى له البخاريّ ومسلم». (٢) لقد ظفر هارون بتقدير العلماء والرّواة، فلم يتهمه أحد في روايته، لأنه كان ثقه مأمونا، ولا أدلّ على ذلك من قول يحي بن معين: «هارون صاحب القراءة ثقة» (٣) ويكفي أن الأصمعيّ عميد الرواية في التّراث الإسلامي قال عنه فيما أخبر به أبو حاتم السّجستاني قال: «سألت الأصمعيّ عن هارون بن موسى النّحوي، مولى العتيك، فقال: كان ثقة مأمونا» (٤) وسئل عن هارون أبو داود فقال: «ثقة، ولو كان لي عليه سلطان لضربته وفي هامش تاريخ بغداد تعليق لطيف على كلمة أبي داود في هارون فظاهر الكلمة يبدو فيه التناقض، وهو إذا كان هارون ثقة في رأي أبي داود فلم يضربه إذا أتيحت له فرصة الضرب؟ وصاحب التعليق، وقف حائرا أمام هذا التناقض فقال العبارة المشهورة: «كذا في الأصول» ولم يقتنع بما في الأصول، بل عللّ

стр. 81

قوله: «ولعله يريد، لأنه ترك التّحديث، واشتغل بعلم النّحو، أو لأنه قدريّ» (١) علمه بالتفسير والقراءات والحديث والنحو: لقد اقتحم هارون هذه الميادين، ففسّر، وقرأ، وحدّث، واشتغل بالنحو. وذكر السيّوطيّ: أنه أول من تتبّع وجوه القرآن (٢) وألّفها، وتتبع الشاذّ منها، وبحث عن إسناده» (٣) إسلامه: لم يلد هارون في أسرة مسلمة، بل ولد في أسرة يهوديّة، ولعلّ هذا هو السّبب في أنّ الرّواة لم يتعرّفوا أجداده، واكتفوا بذكر أبيه وكنيته. ولمّا كبر، واستوى على سوقه أسلم وحسن إسلامه بدليل ما ذكره البغداديّ أن «عبد الله بن سليمان الأشعث قال: سمعت أبي يقول: كان هارون الأعور يهوديا فأسلم وحسن إسلامه. حفظ القرآن وضبطه، وحفظ النحو، فناظره إنسان يوما في مسألة، فغلبه هارون، فلم يدر المغلوب ما يصنع؟ فقال له: أنت كنت يهوديا فأسلمت! فقال له هارون: بئس ما صنعت! قال: فغلبه أيضا في هذا» (٤) ملحوظة جديرة بالاهتمام: قد يخلط بعض العلماء بين شخصية هارون بن موسى القارىء

стр. 82

النحوي العتكيّ وبين هارون بن موسى بن شريك، فكلاهما ابن موسى. ولكنهما يختلفان من ناحية الجدّ، فشريك جد لموسى على حين صاحب الترجمة ليس له جد يذكره الرواة، ويتفقان أيضا في الكنية فكلاهما: أبو عبد الله وفي واقع الأمر أن هارون بن موسى توفي سنة ٢٩٢ على حين توفي هارون الأعور في حدود مائة وسبعين وهارون الأعور من أهل البصرة، وهارون بن موسى بن شريك من أهل الشام. والذي حدا بي إلى ذكر هذه الملحوظة أنّ من مصادر ترجمة هارون الأعور في هامش كتاب «الإنباه» [٣/ ٣٦١] وكتاب معجم الأدباء ١٩/ ٢٦٣، والترجمة في هذين الموضوعين لهارون بن موسى بن شريك وليست لهارون الأعور، لأن ياقوت لم يترجم له في كتابه. هذا، ومن أهم المؤلفات القرآنية لهارون الأعور كتاب «الوجوه والنظائر في القرآن الكريم» وسنخصّه بمزيد من البحث في الفصل التالي.

стр. 83

ب - الوجوه والنظائر في القرآن الكريم لهارون منهج المؤلف: القارىء لكتاب الأشباه والنظائر ل «مقاتل بن سليمان»، والقارىء لكتاب هارون بن موسى يجد أنّ هارون اقتفى أثر مقاتل، وسار في دربه، كرر كلماته، ورتب في كثير من كتابه الكلمات المشتركة، وفق ما رتبه مقاتل، فمقاتل بدأ بشرح: «الهدى، ثم الكفر، ثم الشرك» وكذلك سار على هذا النهج هارون بن موسى. وفي كثير من الأحوال يختم مقاتل وجوهه بقوله: «ونحوه كثير» وكذلك يفعل هارون، إذ نجد عبارة: «ونحوه كثير» تختم الوجوه التى ذكرها، ومن ناحية الأسلوب نجد أن الأسلوبين في الألفاظ، والترتيب والتنسيق متساويان في معظم النصوص، وإن اختلفا في القليل النادر، وهو اختلاف عند التمعن نجد أن منشأه النسخ، فقد يزيد الناسخ كلمة أو ينقص من النّص كلمة، لكنّ المعنى موحّد في جملة الكتابين لهذا، فإني أشك في أن كتاب هارون كتاب مستقل، وإنما هو صورة تكاد تكون طبق الأصل من كتاب مقاتل. حقا، إن هارون التزم الإيجاز في كثير من تفسيره، ولكنه اختصار لكتاب مقاتل، وإذا كان مقاتل توفي بالبصرة سنة ١٥٠ هـ، وهارون توفي بها سنة ١٧٠ هـ تقريبا، فالرّجلان متعاصران في الزمان والمكان وإن كان مقاتل أسبق زمنا. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل هما أخذا من مصدر واحد

стр. 84

فجاء كتاباهما متفقين، أو بعبارة أدقّ متقاربين، وأن هارون أخذ عن مقاتل، ونقل عنه كتابه؟ تلك قضية تحتاج إلى نقاش طويل، لا تتسع له مساحة البحث. غير أن هناك إشارة نقلها زميلنا الدكتور حاتم الضامن محقق هذا الكتاب في مقدمته نقلها عن تاريخ بغداد ١٤/ ٥، وهي أن راوي هذا الكتاب هو أبو نصر مطروح بن محمد بن شاكر القضاعى المصري المتوفي بالأسكندرية سنة ٢٧١ عن عبد الله بن هارون، وهو ابن المؤلف. (١) ولا شك أن هذه الإشارة تلقي ضوءا كاشفا يتضح من خلاله أن هارون لم يؤلف هذا الكتاب، وإنما كان راويا لموادّه، وحافظا لها، وتولى ابنه رواية هذه الوجوه عن أبيه ثم روى عن أبنه أبو نصر مطروح بن محمد، فهذه المدّة الطويلة التي بقيت فيها مادّة كتابه محفوظة في الصدور لا بد أن تتغير صيغها، وأساليبها، من راو إلى راو، ومن ناقل إلى ناقل. وأرجح أن الأشباه والنظائر لمقاتل كان مؤلفا منسوخا في عصر تداولته الأيدي، ونقلت عنه، ولم لا يكون ذلك كذلك فإن مقاتل قد نسبت إليه مؤلفات أخرى، وهي: ١ - التفسير الكبير، وهو تفسير كامل للقرآن. ٢ - نوادر التفسير. ٣ - الناسخ والمنسوخ. ٤ - الردّ على القدرية. (٢)

стр. 85

وإذا كان لمقاتل هذا الرّصيد من العلم المسّجل، فبدون شك كان هذا العلم في زمن مبكر مصدرا لكل المعارف القرآنية، ومن جاءوا بعده عيال عليه، ومن هؤلاء هارون بن موسى. على أية حال كانت اتفق مع الدكتور حاتم الضامن في أنه: «ليس للكتاب منهج واضح، إذ لم يرتب الألفاظ حسب حروف الهجاء ومنهجه يتفق اتفاقا تاما قريبا مع منهج مقاتل بن سليمان إلا أنه يزيد على كتاب مقاتل أربعا وعشرين لفظة إذ عددها عند مقاتل ست وأربع وثمانون لفظة. (١) وقبل أن أنهى الحديث عن المنهج هناك ملحوظة، أسوقها للزميلين المحققين لهذين الكتابين: فالدكتور عبد الله شحاتة محقق كتاب مقاتل، فهرس الكتاب أبجديّا على حسب جذور الكلمة، فكلمة التصاريف مثلا جعلها تحت حرف الصاد بدون نظر إلى حروف الزيادة، والدكتور حاتم محقق كتاب هارون رتب الكلمات على حسب الحرف الأول بغض النظر عن أن يكون أصليا أو زائدا، فجعل كلمة: «التصريف» تحت حرف التاء مع أنها من حروف الزيادة هذه ناحية، ولذلك تعثرت المقابلة بين الكتابين لمن يريد أن يقابل. وناحية أخرى كنت أودّ من الدكتور حاتم أن يفهرس لنا الكلمات التي زادها هارون على مقاتل لنتبيّن مواضعها في الكتاب.

стр. 86

نماذج من كتاب هارون بن موسى أولا: في مجال الأسماء ١ - الرحمة: على أحد عشر وجها: فوجه منها: الرحمة يعني دين الإسلام، فذلك قوله : في: «هل أتى»: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ (١) يعني في دينه الإسلام نظيرها في «حم عسق»: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ (٢) يعني في دينه. وقوله في «البقرة» وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ (٣) يعني دينه الإسلام، نظيرها في آل عمران. (٤) الوجه الثاني: الرحمة يعني الجنّة، فذلك قوله في آل عمران: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ (٥)، يعني ففي الجنة، نظيرها في النّساء: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ (٦) يعني الجنّة، وقوله في «الجاثية» فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ (٧) أي جنته، وقال في البقرة: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ (٨) أي جنة الله،

стр. 87

وقوله في «العنكبوت»: أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي (١) يعني جنتي. الوجه الثالث: الرّحمة، يعني: المطر، فذلك قوله في الأعراف: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (٢) يعني: قدام المطر ... وقال في «حم عسق»: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ (٣) أي المطر. وقال في الروم: ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً (٤) يعني المطر. الوجه الرابع: الرّحمة يعني النّبوّة، فذلك في «ص»: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ (٥) يعني مفاتيح النّبوة، نظيرها في «الزّخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ (٦) يعني النّبوة، الوجه الخامس: يعني النّعمة، فذلك قوله في «النساء»: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ (٧) يعني نعمته، ونحوه كثير. الوجه السادس: الرّحمة، يعني القرآن، وقال في «يونس»: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ (٨) يعني القرآن.

стр. 88

وقال في «آل عمران»: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ يعني القرآن، وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. (١) الوجه السابع: الرّحمة يعني الرّزق، فذلك قوله في بني إسرائيل قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي، يعني مفاتيح الرزق: إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ (٢) ... الخ. الوجه الثامن: الرحمة، يعني النّصر، فذلك قوله في «الأحزاب» قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إلى قوله: أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً يعني: (٣) خيرا، وهو النّصر والفتح. الوجه التاسع: «الرّحمة»، يعني: العافية، فذلك قوله في «الزّمر» أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ يعني بعافية: هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ (٤) يعني عافيتة. الوجه العاشر: «الرّحمة» يعني: المودّة، فذلك قوله في الحديد»: وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً (٥) يعني مودّة، وقوله في الفتح: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (٦) يعني متوادّين.

стр. 89

الوجه الحادي عشر: «الرّحمة» بمعنى «الإيمان»، فذلك قوله في «هود»،: إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً (١) يعني نعمة وهو الإيمان ... (٢) ٢ - يسير: على ثلاثة وجوه: فوجه منها «يسير»، يعني «هيّنا»، فذلك قوله في الحج: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي (٣) هين ذلك العلم في كتاب الله. وقال في «الحديد»: وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ: «المصيبات» في اللوح المحفوظ: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٤) يعني هيّنا. وقال: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٥)، يقول: هين، وليس عليه شديدا. والوجه الثاني: يسير يعني سريعا، لا لبس فيه. (٦) والوجه الثالث: «يسير» يعني: خفيا، فذلك في قوله: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٧) يعني خفيّا (٨).

стр. 90

٣ - برهان على وجهين: فوجه منهما يعني حجة، فذلك قوله في الأنبياء: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ (١) يعني حجتكم بأن الله معه الهة. الوجه الثاني: «برهان» بمعنى «آية»، فذلك قوله: فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ، (٢) وقال: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ (٣) يعني آية من ربه. (٤)

стр. 91

٤ - أمة تفسير «أمة» على ثمانية وجوه: فوجه منها: يعني عصبة، فذلك قوله في البقرة: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (١) يعني عصبة مسلمة لك. وقوله : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ. (٢) وقوله في آل عمران: أُمَّةٌ قائِمَةٌ (٣) يقول: عصبة. وقوله في المائدة: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ (٤) يعني عصبة، وفي الأعراف: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ (٥) يعني عصبة. الوجه الثاني: أمة يعني ملّة، فذلك قوله في البقرة: كانَ النَّاسُ على عهد آدم وأهل سفينة نوح، ﵇، أُمَّةً واحِدَةً (٦) يعني ملّة واحدة، يعني ملّة الإسلام وحدها. وقال في: «قد أفلح»: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً (٧) يعني ملتكم ملة الإسلام ملة واحدة. نظيرها في الأنبياء (٨) وقال في النّحل: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً (٩) يعني ملة الإسلام وحدها.

стр. 92

الوجه الثالث: أمة يعني سنين، فذلك قوله في «هود»: وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ (١). نظيرها في «يوسف» حيث يقول: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ (٢) يعني بعد سنين. ليس في غيرها. الوجه الرابع: أمة. قوم، فذلك قوله في النّحل: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ (٣) يقول: أن يكون قوم أكرم من قوم. قال في الحج: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً (٤) يقول لكل قوم. الوجه الخامس: أمة يعني الإمام فذلك قوله في النحل: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً (٥) يعني إماما يقتدى به في الخير. الوجه السادس: أمة يعني الأمم الخالية وغيرهم من الكفار فذلك قوله في «يونس»: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ (٦) يعني الأمم الخالية، وكذلك هذه الأمة، وقال في الحجر: ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها (٧) يعني الأمم الخالية وكذلك في هذه الأمة.

стр. 93

وقال في الملائكة: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ (١) يعني الأمم الخالية. الوجه السابع: يعني أمّة محمد، ﷺ ، المسلمين خاصة فذلك قوله في «آل عمران»: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ (٢) يعني المسلمين خاصة. الوجه الثامن: أمة يعني أمة محمد ﷺ يعني الكفار منهم خاصة، فذلك قوله في الرعد: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ (٣) يعني الكفار خاصة (٤).

стр. 94

٥ - الماء تفسير «الماء» على ثلاثة وجوه: فوجه منها: ماء يعني: المطر، فذلك قوله في الحجر: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً (١) يعني: المطر. وقوله في «الفرقان»: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٢) يعني: المطر. وفي «الأنفال»: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (٣) يعني المطر، وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ (٤) يعني: المطر الوجه الثاني: ماء. يعني النّطفة، فذلك قوله في الفرقان: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً (٥) يعني النّطفة، إنسانا. وقال في السجدة: مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٦) يعني: النطفة. وقال في النّور: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ (٧) يعني النطفة. الوجه الثالث: الماء. يعني: القرآن، فذلك قوله في [النحل] وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً (٨) يعني: القرآن، وهو مثل ضربه الله كما أن الماء حياة الأنفس، القرآن حياة لمن آمن به نظيرها في البقرة. (٩)

стр. 95

ثانيا: في مجال الأفعال ١ - اطمأنّ تفسير «اطمأن» على ثلاثة وجوه: فوجه منها: تطمئن. يعني تسكن، فذلك قوله في البقرة: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (١) يعني ليسكن قلبي إذا نظرت إليه. وقال في المائدة: وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا (٢) يعني تسكن قلوبنا إذا رأينا المائدة وقال في الرّعد: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٣) يعني تسكن القلوب. وقال في آل عمران: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ يعني الملائكة يوم أحد وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ (٤) يعني تسكن قلوبكم. وقال في الأنفال: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى يعني مدد الملائكة يوم بدر وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ (٥) يعني: تسكن به قلوبكم الوجه الثاني: اطمأنّ. يعني رضي، فذلك قوله في الحج: فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ (٦) يعني: رضي به. وقال في النحل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ (٧) يعني: رضي بالإيمان.

стр. 96

وقال في الفجر: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (١) يعني الراضية بقول الله . الوجه الثالث: اطمأنّ. يعني إقامة، فذلك قوله في النساء: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (٢) يعني: فأتموا الصلاة. وقال في بني إسرائيل: لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ (٣) يقول: مقيمين (٤).

стр. 97

٢ - جعلوا تفسير «وجعلوا» على وجهين: فوجه منهما: وجعلوا. يعني: وصفوا لله، فذلك قوله في الأنعام: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ (١) يعني: وصفوا لله شركاء. وفي الزخرف: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ (٢) يقول: وصفوا لله من عباده شركاء. وقوله في النّحل: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ (٣) يعني ويصفون لله. وقوله في الزخرف: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ يعني: وصفوا الملائكة الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً. (٤) الوجه الثاني: وجعلوا. يقول: قد فعلوا بالفعل، فدلك قوله في الأنعام: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً (٥) يعني: قد فعلوا ذلك. وفي يونس: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ يعني: الحرث والأنعام فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا (٦).

стр. 98

٣ - أنشأ تفسير أنشأ على ثلاثة وجوه: فوجه منها: أنشأ، يقول: خلق، فذلك قوله تعالى: وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: خلقنا بعدهم قَرْناً آخَرِينَ. (١) وفي الواقعة: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٢) يعني: خلقناهن خلقا من بعد الخلق الأول. وفي تبارك: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ (٣) يعني خلقكم. وفي الأنعام: كَما أَنْشَأَكُمْ (٤) يعني خلقكم. وقوله: وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ، (٥) يعني: كما خلقكم. الوجه الثاني: أنشأ، يعني شبّ، فذلك قوله في الزخرف: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ (٦) يعني يشب. الوجه الثالث: نشأ، يعني: قام، فذلك قوله في المزمل: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ (٧) يعني: قيام الليل. (٨)

стр. 99

ثالثا: في مجال الظروف الحين تفسير «الحين» على أربعة وجوه: فوجه منها: «حين» يعني: سنة وذلك قوله في «إبراهيم»: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ، يعني كل سنة بِإِذْنِ رَبِّها (١) الوجه الثاني: «حين» يعني: «منتهى الآجال فذلك قوله في «البقرة: لأدم وحواء- صلى الله عليهما-: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ، (٢) يعني إلى منتهى آجالكم. نظيرها في «الأعراف». (٣) وقال في «يونس»: وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٤) يعني إلى حين تبلى الثياب الوجه الثالث: «حين» يعني: «الساعة» فذلك قوله في «الروم»: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، يعني: صلّوا لله حين تغرب الشمس وَحِينَ تُصْبِحُونَ، يعني: ساعة تصبحون صلاة الغداة، وَحِينَ تُظْهِرُونَ (٥) صلاة الأولى.

стр. 100

الوجه الرابع: «حين»: «زمان» فذلك قوله في «ص»: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ، (١) يعني بعد زمان وهو القتل ببدر، ولم يبين على ذلك الوقت. وقال في «هل أتى»: حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، (٢) يعني: زمانا من الدهر. وقال أبو الحسن: «بلغنا أن» حين «أربعون سنة». (٣)

стр. 101

رابعا: في مجال الحروف اللام المكسورة تفسير «اللام المكسورة» على ثلاثة وجوه: فوجه منها: اللام المكسورة: لكي، فذلك قوله : لِتُنْذِرَ قَوْماً يعني: لكي ينذر قوما ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ، (١) وفي «يس» مثلها. (٢) وقال أيضا في يونس: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (٣) يعني: لكي. الوجه الثاني: اللام المكسورة: أن، فذلك قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (٤) يعني: وما كان الله أن يطلعكم على الغيب. وقال في الأنفال: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ يقول: وما كان الله أن يعذّبهم وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٥)

стр. 102

وقال: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (١) يعني: أن تزول منه. الوجه الثالث: اللام المكسورة: لئلّا، فذلك قوله في النّحل: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ (٢) يعني: لئلا يكفروا. مثلها في العنكبوت. (٣) وفي الرّوم. (٤)

стр. 103

٣ - التّعاريف ل «يحي بن سلام» أولا: المؤلف: هو يحي بن سلام بن أبي ثعلبة، وكنيته أبو زكريّا» (١) وهو منسوب إلى البصرة، فيقولون: ابن سلام البصريّ وبعض الرّواة ينسبه إلى تميم، لأنه مولى لهم. (٢) رحلاته: ذهب إلى المغرب فحدّث عن سعيد بن أبي عروبة، ومالك وجماعة (٣) وقدم إلى مصر، وحجّ منها، وتوفي بمصر بعد رجوعه من الحجّ لأربع بقين من صفر سنة مائتين، (٤) مصنفاته: قال أبو عرب في طبقات القيروان: كان مفسّرا، وكان له قدره ومصنّفاته في فنون العلم، (٥) ويذكر ابن الجزري أن له كتابا في التفسير وليس لأحد من المتقدمين مثله، وله كتاب يسمى: الجامع (٦). روايته: ذكر المؤرخون أنه روى الحروف عن الحسن البصري عن الحسن ابن دينار وغيره، وروى أيضا عن حماد بن سلمة، وهمام بن يحيى وسعيد بن أبي عروبة. ويضيف الدّاني رأيا بالنسبة لمن روي لهم، وأخذ عنهم، فيقول: «ويقال: إنه أدرك من التابعين نحوا من عشرين رجلا، وسمع منهم وروى عنهم» (٧)

стр. 104

تلاميذه: وأما الذين رووا عنه فذكر ابن حجر أنه روى عنه بحر بن نصر (١) ويزيد على ذلك ابن الجزريّ أنه سمع منه بمصر عبد الله بن وهب، ومثله من الأئمة. (٢) آراء العلماء في توثيقه: قال عنه ابن الجزري: كان ثقة ثبتا، ذا علم بالكتاب والسنّة ومعرفة اللغة، والعربيّة» (٣) وقال عنه أبو حاتم الرازي: كان شيخا بصريا وقع إلى مصر، وهو صدوق «(٤) وقال عنه أبو العرب في طبقات القيروان: كان من الحفاظ، ومن خير خلق الله» (٥) على أن هناك من وجّه إليه نقدا في رواياته، ورماه بالكذب والوهم ومن الأحاديث التي رويت له، ووصفها العلماء بالضّعف، بل قالوا: إنها منكرة جدا الحديث الذي رواه جماعة عن بحر ابن نصر حيث قال: حدثنا يحي بن سلام حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه أي الشجرة أبعد من الخاذف؟ (٦) قالوا: فرعها، قال: فكذلك الصّف المقدّم هو أحصنها من الشيطان» قال نقاد الحديث تعقيبا على هذا الحديث الذي رواه يحيى: «هذا منكر جدا» (٧) هذا، ومن الأحاديث التي انفرد بها يحيى ولم ترد عن طريق آخر غيره: حدثنا يحي بن سلام عن سفيان الثوريّ عن ابن الزبير عن جابر ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: ما من أيّام

стр. 105

أعظم عند الله من عشر ذي الحجّة، إذا كان عشية عرفة نزل الله إلى السّماء الدّنيا، وحفت به الملائكة، فيباهي بهم الملائكة، ويقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا ضاجّين من كل فجّ عميق، ولم يروا رحمتي ولا عذابي، قال: فلم ير يوم أكثر عتيقا من يوم عرفة «قال ابن حجر معقبا: وهذا مما انفرد به يحيى» (١) اتهام يحيى بالإرجاء: اتّهم يحيى بأنه من المرجئة، والمرجئة هم حزب سياسيّ، لا يريد أن يغمس يده في الفتن التي كانت بين الشيعة والخوارج، ولا يحكم بتخطئة فريق، وتصويب آخر. «وكلمة المرجئة مأخوذة من أرجأ بمعنى أمهل وآخّر، سمّوا المرجئة لأنهم يرجئون أمر هؤلاء المختلفين الذين سفكوا الدّماء إلى يوم القيامة فلا يقضون بحكم على هؤلاء ولا على هؤلاء ... وقيل: سمّوا مرجئة، لأن اسمهم مشتق: «من أرجأ بمعنى بعث الرجاء، لأنهم كانوا يقولون: لا تضرّ الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، فهم يؤملون كل مؤمن عاص» (٢) وقد تناولت الدكتورة هند شلبي محققة كتاب «التصاريف» ل «يحيى» هذه التّهمة، وفنّدتها. ومن الأدلة الدامغة للدّفاع عن يحيى، والتي تثبت أنه لم يكن من المرجئة هو أنه يذم أهل الأهواء والبدع، ويدعو إلى اتّباع السّنة

стр. 106

فقد جاء في تفسير قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا (١) من تفسيره ما يلي: «قال النضر: وسمعت أبا قلابة يقول لأيوب: يا أيوب: احفظ مني ثلاثا: لا تقاعد أهل الأهواء، ولا تستمع منهم ... » (٢) ونجد في تفسيره تأكيدا على التّوحيد، ومبالغة في ذم الشرك. روى عن يحيى عن سفيان الثوريّ أن رسول الله ﷺ سئل عن الموجبتين، فقال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن يشرك بالله دخل النار» ونجد في تفسيره أيضا: إشارة بالأعمال، وروى يحيى عن جعفر ابن برقان الجزري عن أبي الدرداء قال: «ويل لمن لا يعلم مرة، ويل لمن يعلم، ثم لا يعمل سبع مرّات» (٣) ففي هذه النصوص تأكيد على أن يحيى لم ينحرف عن منهج أهل السّنة، واتهامه بالإرجاء افتراء عليه هو منه براء.

стр. 107

ثانيا: معنى التّصاريف: التصاريف عند تحليلها لا تبتعد كثيرا عن معنى الوجوه، فإن اللفظ الواحد يتّجه إلى معان متعدّدة أو بعبارة أدّق إلى تصاريف منوّعة. ويبدو أن كلمة «تصاريف» تضيف إلى معنى الوجوه أنواعا أخرى من المعاني. وقد تناولت هذه التسمية في مقدمتها محققة الكتاب، وبينت أن معنى التصاريف هو الانتقال بها من حالة إلى أخرى، والابتعاد بها عن الاستقرار وتصريف الآيات يعني تبيينها» وقدمت لذلك مثالا وهو تفسير كلمة: «إظهار» فقالت: «ورد اللفظ في صورته الفعلية المجرّدة: «ظهر»، والمزيدة: «تظهرون» وفي مصادر متعدّدة: «الظهور»، و «الإظهار»، والتظاهر، وفي صورتين اسميتين: «ظاهر»، و «ظهري»، ولكل مشتق من هذه المشتقات معناه الخاص» (١) ثالثا: منهج «التصاريف» ليس هناك أدنى شك في أن منهج التصاريف لا يبتعد كثيرا عن منهج مقاتل أو هارون، فالطريقة واحدة، وتسلسل الكلمات تكاد تكون متقاربة إلا فيما ندر، فالبدء بكلمة: «هدى» وما بعدها واحد في الكتب الثلاثة.

стр. 108

وقد قامت الأستاذة المحققة بمقارنة بين كتابي مقاتل ويحيى من حيث الاتفاق، والاختلاف. أما من حيث الاتفاق فقد ذكرت أن التشابه كبير بين الكتابين» بالنسبة للكلمات المشتركة بينهما، وقد يصبح هذا التشابه في مواضع عديدة تطابقا بين الكتابين، فكأن المسألة عمليّة نسخ للكلمة، وفي طريقة تتاليها، وفي الآيات النظائر المذكورة في كل وجه، بل حتّى في تسلسل عدد كبير من الكلمات المفسّرة وأمّا أوجه الاختلاف فهي كما يلي: ١ - يشترك كتاب التصاريف مع كتاب مقاتل في حوالي سبع وسبعين كلمة لكن كتاب التصاريف ل «يحيي» تفرّد بقرابة أربعين كلمة لم ترد عند مقاتل. ٢ - اختلف الكتابان في عدد وجوه بعض الكلمات، فتفوقت الوجوه في كتاب التصاريف في أحد عشر موضعا، وتفوقت في كتاب مقاتل في ثلاثة مواضع» (١) والذي أضيفه إلى الاختلاف في المنهجين زيادة على ما سبق هو: ٣ - كتاب مقاتل لا يسند في معظم الوجوه التي يأتي بها للكلمات إلى رواة من التّابعين على حين يكثر ذلك في كتاب: يحيى والأدلة على ذلك ما يلي: أ- في تفسير «الخزي»، ذكر أن: «الخزي» يعني القتل والجلاء وذلك قوله في سورة البقرة ليهود المدينة حيث يقول:

стр. 109

فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (١) ويفسر الخزي بأنه قتل قريظة»، وإجلاء «النضير»، ثم قال الكلبي: فقتلت قريظة، ونفيت النّضير. وقال في تفسير سورة «الحج» في: «النضر بن الحارث»: «له في الدنيا خزي» يعني القتل يوم «بدر» قال: وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٢) وهو تفسير الكلبيّ» (٣) ٢ - وفي الوجه الثاني من تفسير «حسنا» من قوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (٤) يذكر أن «حسنا» في قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً (٥) يعني محتسبا، يعني احتسابا، ونظيرها في سورة الحديد [الآية: ١١]، وفي سورة التغابن [الآية: ١٧]، ومثل قوله جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً [النبأ: ٣٦] يعني الجنّة ثوابا من الله وعطية منه لأعمالهم التي عملوا في الدنيا احتسابا، وقال رسول الله: «لا عمل لمن لا نيّة له، ولا أجر لمن لا حسنة له» تفسير السّدي. فنراه في هذا الوجه يعتمد على الحديث في التفسير، وفي الوقت نفسه ينقل عن تفسير السدّي والكلبيّ.

стр. 110

٣ - وفي تفسير «أمة» التي تحمل تسعة وجوه يعتمد على الكلبي في الوجه الثاني وهو: «أمّة» بمعنى: ملّة، «وذلك قوله في سورة البقرة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [٢١٣] يعني على عهد آدم، وأهل سفينة نوح، «أمة واحدة» يعني على ملّة الإسلام وحدها، وهو قول الكلبيّ. وفي الوجه نفسه يذكر في الآية الكريمة من سورة الزخرف، وهي: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [الآية: ٣٣] يعني ملة واحدة، وهو قول الحسن. وفي الوجه الرابع من وجوه كلمة أمة على رأي قتادة ففي قوله تعالى من سورة النّحل: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ [آية: ٩٢] يعني أن يكون قوم أكثر من قوم، وهو قول قتادة. (١)
следующие страницы →