← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38049

المشترك اللفظي في الحقل القرآني

عبد العال سالم مكرم

Полный текст (230 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

رابعا: في مجال الحروف إن- أن- إنّ تقع هذه الحروف على ستة أوجه: فوجه منها: إن بمعنى: إذ: قوله تعالى في سورة البقرة: اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. (١) كقوله تعالى في سورة آل عمران: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢) الثاني: إن بمعنى ما: قوله تعالى في سورة الأنبياء: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (٣) يعني: ما كنا فاعليه. كقوله في سورة الزّخرف: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٤) أي ما كان للرحمن ولد، كقوله تعالى في سورة تبارك: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٥) يعني: ما الكافرون إلّا في غرور». وكقوله في سورة يس: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً (٦) يعني ما كانت إلّا صيحة واحدة، وكذلك كل «إن» مخففّة مستقبلة: «إلّا».

стр. 177

الثالث: إن بمعنى: لقد: قوله تعالى في سورة الإسراء: إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١) كقوله تعالى في سورة الشعراء: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) يعني لقد كنّا، كقوله في سورة الصّافات: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٣) يعني لقد كدت، كقوله تعالى في سورة يونس: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٤)، كقوله تعالى في سورة الإسراء: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ (٥) يعني: ولقد كانوا الرابع: إن بمعنى: «لئلّا»: قوله تعالى في سورة النّساء: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا (٦) يعني: لئلّا تضلّوا، كقوله تعالى في سورة الملائكة: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا (٧) يعني لئلّا، كقوله تعالى في سورة الحجّ: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ (٨)

стр. 178

الخامس: أن بمعنى: ب «أن»: قوله تعالى في سورة الزّخرف: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ (١) يعني: بأن كنتم، كقوله تعالى في سورة الرّوم: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا (٢) يعني: بأن كذبوا «بآيات الله» السادس: إنّ بعينه: يعني قوله تعالى في سورة التوبة: إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، (٣) ونحو هذا ما كان مشدّدا، وكان أول الكلام (٤).

стр. 179

القسم الثاني: الكلمات المشتركة التي انفرد بها ١ - اللوح ومما انفرد به: «إصلاح الوجوه والنظائر مادّة اللوح» فلم تتناولها كتب الأشباه والنظائر حتى كتاب: «نزهة الأعين النواظر» واللوح يحمل أربعة أوجه: فوجه منها: الألواح الصحف. قوله تعالى في سورة الأعراف: وَأَلْقَى الْأَلْواحَ (١) يعني الصحف الثاني: اللّوح: هو اللّوح المحفوظ. قوله تعالى في سورة البروج: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢) الثالث: لواحة: يعني لفّاحة: قوله تعالى في سورة المدثر: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٣) تلفح الشخص، فتدعه أشدّ سوادا من اللّيل، ويقال شواهة لأبدانهم. الرابع: الألواح: العوارض التي في السّفن. قوله تعالى في سورة القمر: وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (٤) يعني ألواح السفينة. (٥)

стр. 180

٢ - العزم من المواد التي انفرد بها الدامغانيّ في كتابه: «إصلاح الوجوه». مادّة: «عزم»، وهي تحمل أربعة أوجه: فوجه منها: العزم: القصد. قوله تعالى في سورة آل عمران: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (١). الثاني: العزم: الصبر. قوله سبحانه في سورة طه: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (٢) يعني صبرا. كقوله في سورة الأحقاف: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (٣) وهم خمسة من الأنبياء: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد ﷺ عليهم أجمعين. الثالث: العزم: الحزم. قوله تعالى في سورة لقمان: إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤) يعني من حزم الأمور وحقائقها. الرابع: العزم: التحقيق. قوله تعالى في سورة البقرة:: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ (٥) يعني وإن حقّقوا الطلاق. (٦)

стр. 181

٣ - العصف ومما انفرد به الدامغاني مادة عصف، فلم يتحدّث عنها غيره وهي من الكلمات التي تحمل وجهين: فوجه منها: عاصف، أي قاصف شديد. قوله تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً (١)، يعني قاصفة شديدة الثاني: العصف: الورق. قوله تعالى في سورة الرحمن: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ (٢) يعني الورق. كقوله تعالى في سورة الفيل: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٣) يعني الورق.

стр. 182

٤ - السّؤال ومما انفرد به الدامغاني مادّة: «سأل» فذكر أنها تقع على سبعة أوجه: فوجه منها: السؤال: الاستفتاء: قوله تعالى في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ (١) يعني يستفتونك. مثلها في سورة الأنفال (٢) والنازعات (٣) وطه (٤) وفي كل موضع «يسألونك» على هذا المعنى. الثاني: السؤال: الاستمناح. قوله تعالى في سورة الضّحى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (٥) يعني المستمنح، فلا تنهر، كقوله تعالى في سورة البقرة: وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ (٦) ومثلها في سورة المعارج: لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٧) الثالث: السؤال: الدّعاء. قوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ (٨) يعني دعا داع. الرابع: السؤال: المراجعة في الكلام والاعتراض. قوله تعالى في سورة هود: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (٩) يعني لا تراجعني،

стр. 183

مثلها في سورة الأنبياء: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (١) أي لا يعترض عليه فعله. الخامس: السؤال الطلب. قوله تعالى في سورة الرحمن: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢) يعني يطلب من في السموات، ومن في الأرض المغفرة. كقوله سبحانه في سورة سبأ: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ (٣) ونحوه كثير. السادس: السؤال: الحساب. قوله تعالى في سورة الأعراف: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ (٤) كقوله تعالى في سورة الحجر: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ (٥)، أي لنحاسبهم على ما كان منهم ... السابع: السّؤال: التّخاصم. قوله تعالى في سورة النبأ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ (٦)، يعني يتخاصمون (٧)

стр. 184

٥ - العظيم ومما أنفردت به مادّة: «عظم» أنّها تقع على عشرة أوجه: فوجه منها: العظيم الجليل. قوله تعالى في سورة البقرة: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (١)، يعني الجليل في قدره. ومثلها في سورة الحجر: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٢) وله نظائر. الثاني: العظيم: الشديد: قوله سبحانه في سورة البقرة: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣) يعني شديدا، ونحوه. الثالث: العظيم: المتقبّل: قوله تعالى في سورة الصّافات: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (٤) يعني متقبلا. الرابع: العظيم: الهائل. قوله في سورة المطففين: لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يعني هائلا ونحوه.

стр. 185

الخامس: العظيم: العامّ: قوله تعالى في سورة يوسف: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (١) يعني يصيب البرىء والسقيم. السادس: العظيم الثّقيل: قوله تعالى في سورة النور: هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (٢) أي ثقيل. السابع: العظيم و: الرئيس. قوله تعالى في سورة الزّخرف إخبارا عن قريش: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣) يعني الرئيس الكبير، قيل يعنون بذلك الوليد بن المغيرة، وأبا مسعود الثقفيّ. الثامن: العظيم: الحسن. قوله تعالى في سورة «ن»: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) يعني الخلق الحسن. التاسع: العظيم يعني: كبير الحجم. قوله : وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٥) أي كبير في حجمه، ونحوه كثير.

стр. 186

العاشر: العظيم: الشريف. قوله تعالى في سورة «ص»: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (١) يعني القرآن خبر شريف كريم كقوله تعالى في سورة النبأ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ أي (٢) الخبر الشريف (٣).

стр. 187

استوى ومما انفردت به مادّة الاستواء أنّها ستة أوجه: فوجه منها: استوى: بمعنى قصد وعمد. وقوله تعالى في سورة فصلت: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ (١) أي عمد ونحوه. الثاني: استوى: بمعنى استقر. قوله تعالى في سورة هود: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (٢) يعني استقرت السفينة على جبل الجودي. الثالث: استوى: أي ركب. قوله تعالى في سورة الزخرف: ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ (٣) يعني إذا ركبتم. وفي سورة المؤمنين: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ (٤) يعني ركبت السفينة. الرابع: استوى بمعنى: أشبه. قوله تعالى في سورة القصص: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى (٥) أي استوى خلقه أربعين سنة.

стр. 188

الخامس: استوى بمعنى: أشبه. قوله تعالى في سورة فاطر: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١) أي ما يشبهه. ونحوه كثير. السادس: الاستواء: بمعنى القهر والقدرة. قوله تعالى في سورة طه: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٢) أي قدر وقهر. (٣)

стр. 189

٧ - نزهة الأعين النواظر أولا: المؤلف ١ - المؤلف هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عليّ بن عبد الله ابن عبد الله البكريّ، من ولد الأمام أبي بكر الصّديق رضى الله عنه الإمام أبو الفرج بن الجوزيّ، البغدادي الحنبليّ الواعظ. قال الذهبيّ عنه كان مبرّزا في التفسير وفي الوعظ، وفي التاريخ ومتوسطا في المذهب، وفي الحديث له اطلاع تام على متونه. وأمّا الكلام على صحيحه وسقيمه فما له فيه ذوق المحدثين، ولا نقد الحفّاظ المبرزين. (١) وقال عن نفسه: «لا يكاد يذكر لي حديث إلّا ويمكنني أن أقول: صحيح أو حسن أو محال، ولقد أقدرني الله على أن أرتجل المجلس كله من غير ذكر محفوظ. (٢) وابن الجوزيّ: كتبه أكثر من أن تعدّ، يقال: إنه جمعت الكراريس التي كتبها، وقسمت الكراريس على مدّة عمره، فخص كل يوم تسع كراريس وهذا شىء عظيم، لا يكاد يقبله العقل» (٣) وابن الجوزيّ له ذكاء حاد، يدل على بديهة حاضرة، وعقل متيقظ فمن ذكائه: «أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السّنة والشيعة فرضى الكل بجواب الشيخ» وهو على الكرسيّ في مجلس وعظه،

стр. 190

فسأله أحد: من أفضل البشر بعد نبينا محمد ﷺ ؟ فقال: من كانت ابنته تحته، ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك فرضى الكل، لأن ابنة أبي بكر رضى الله عنه تحت رسول الله ﷺ ، وابنة رسول الله ﷺ عند عليّ رضى الله عنه والكلام يحتملهما .. وهذا الجواب لو حصل بعد الفكر التام لكان في غاية الحسن فضلا عن البديهة» (١) ومن بديهته الحاضرة: «أنه سأله إنسان، فقال: مالنا نرى الكوز الجديد إذا صبّ فيه الماء يئن ويخرج منه صوت؟ فقال: ما لاقاه من حرّ النار» وسئل: أن الكوز إذا ملأناه لا يبرد، فإذا نقص برد، فقال: حتى تعلموا أن الهوى لا يدخل إلّا على ناقص» وسئل كيف نسب قتل الحسين إلى يزيد وهو بدمشق، فأنشد: سهم أصاب وراميه بذي سلم* من بالعراق، لقد أبعدت مرماك ويختم صاحب مفتاح السعادة حديثه عن ابن الجوزي بذكر ميلاده. فيقول: «ولد سنة ثمان أو عشر وخمسمائة. أخلاقه: يذكر سبطه أبو المظفر أن ابن الجوزي كان زاهدا في الدنيا متعلّلا منها وما مازح أحدا قط، ولا لعب مع صبيّ ولا أكل من جهة، لا يتيقن حلها، وما زال على ذلك الأسلوب إلى أن توفاه الله تعالى.

стр. 191

وقال عنه الموفق عبد اللطيف: كان ابن الجوزي لطيف الصوت، حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات، لذيذ المفاكهة ومن أبرز أخلاقه التقوى، ووعظ الناس إلى التحليّ بها فقد قال في آخر كتاب: «القصاص والمذكرين» له: مازلت أعظ الناس، وأحرّضهم على التوبة والتقوى، فقد تاب على يدي أكثر من مائة ألف رجل، وقد قطعت من شعور الصبيان والّلاهين أكثر من عشرة ألاف طائلة، وأسلم على يدي أكثر من مائة ألف» (١) وفاته: توفى ليلة الجمعة بين العشاءين من شهور رمضان، وكان في تموز، فأفطر بعض من حضر جنازته لشدّة الزحام والحرّ» (٢) ثانيا: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: من أهم مؤلفات ابن الجوزي المتعلقة بالدراسات القرآنية كتابه: «نزهة الأعين»، وقد حققه: محمد عبد الكريم كاظم الراضى طبع ونشر مؤسسة الرسالة ببيروت ١٩٨٥. طبعة ثانية. ٣ - منهج ابن الجوزي في كتابه: ابن الجوزي كان مجدّدا في منهجه، مخالفا مناهج مؤلفى الوجوه والنظائر قبله، ويقوم منهجه على ما يلي: ١ - اعتماد الحروف الأبجدية في ترتيب الكلمات المشتركة، ولا يهتم بالجذور أو الحروف الأصلية للكلمة كما تصنع ذلك المعاجم وإنما يهتم بالحرف الأول من الكلمة بإسقاط «أل» التعريفية سواء كان هذا

стр. 192

الحرف أصليا أو زائدا، ولا أدلّ على ذلك من وضعه باب التفصيل في باب التاء، وحقه أن يوضع في باب الفاء. (١) وكذلك وضع باب التأويل وحقه أن يوضع في باب الألف «(٢)، وباب» التولى «وضعه في باب التّاء وحقه أن يوضع في باب «ولى». (٣) ٢ - في ترتيبه للكلمات يبدأ بالأقل فالأكثر من كل باب عقده في كتابه ففي باب الألف يبدأ بما له وجهان، ثم بما له ثلاثة أوجه، وهكذا. ٣ - في غالب الأحيان يتناول المعاني المتعددة للكلمة المشتركة ويختم هذه المعاني بالمعنى الوضعيّ أو الحقيقي للكلمة، ففي باب «الإتيان مثلا» يتحدّث عن الإتيان في القرآن بأنه أتى على اثنى عشر وجها، ويعدّد هذه الوجوه، ثم يختمها بقوله: والثاني عشر: المجىء بعينه، ومنه قوله تعالى في مريم: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ (٤) وفي باب «الأمر» بعرض المعاني المتعددة لهذه الكلمة والتي بلغت ثمانية عشر معنى، ثم يختم هذه المعاني بالمعنى الحقيقي للأمر فيقول «والثامن عشر: الأمر الذي هو استدعاء الفعل، ومنه قوله تعالى في سورة النحل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ (٥). ٤ - والجديد في منهجه بالإضافة إلى ما سبق أنه يمّهد للكلمة المشتركة بالشرح اللغوي كما هي في المعاجم. وهو بهذا التمهيد مفسّر منطقيّ، إنه يريد أن يقدّم لمن يقرأ كتابه المعاني اللغوية التي تحتملها هذه الكلمة للمقارنة بين هذه المعاني والمعاني التي تحتملها في القرآن الكريم ليتضح في ذهن القارىء

стр. 193

المعاني الجديدة، والتي تعتبر من الغرائب تلك المعاني التي حملتها الكلمة القرآنية، ومن الأمثلة على ذلك قوله في باب «الإنسان» ما يأتي: «الإنسان واحد الناس، والجمع ناس، وأناس ولا يصرف. وقيل سمّى إنسان: لأنه يأنس بجنسه. وقال ابن قتيبة: سمّى الإنس إنسا لظهورهم وإدراك البصر إياهم، وهو من قولك: آنست كذا، أي أبصرته، قال الله : إِنِّي آنَسْتُ ناراً (١) أي أبصرت. وقد روى عن ابن عبّاس أنه قال: إنما سمّى الإنسان إنسانا، عهد إليه فنسى. وذهب إلى هذا قوم من المفسّرين من أهل اللغة واحتجّوا في ذلك بتصغير «إنسان»، وذلك أن العرب تصغّره على: «أنيسيان» بزيادة ياء، كأنّ مكبره: «إنسيان»: إفعلان، من النسيان، ثم تحذف الياء من مكبره استخفافا لكثرة ما يجري على اللسان، فإذا صغّر رجعت الياء، وردّ ذلك إلى أصله، لأنه لا يكثّر مصغرا كما يكثّر مكبّرا. والبصريون يجعلونه: «فعلان» على التفسير الأول. وقالوا: زيدت الياء في تصغيره كما زيدت في تصغير ليلة فقالوا: لييلة، كذا لفظ العرب به بزيادة» وبعد هذا البحث اللغويّ النحوي يبدأ في تفسير معنى الإنسان على هدى القرآن، فيقول:

стр. 194

ذكر بعض المفسّرين أن «الإنسان» في القرآن على خمسة وعشرين وجها» (١) وبدأ يسرد هذه الوجوه. ومنهجه هذا المتمثل في التّقديم اللغويّ للكلمة القرآنية المشتركة لم يتخلف في معظم كتابه. ٤ - من منهجه الاستشهاد بالشعر، ولكنه لا يكثر منه، فالأبيات المستشهد بها في كتابه تعتبر قليلة ونادرة، وتعدّ على الأصابع، وهي أبيات متنوعة منها رجز، ومنها ما هو جاهلي، ومنها ما هو إسلامي: فمن الرجز الذي استشهد به قول الراجز في باب: «التلاوة» قد جعلت دلوى تستتليني* ولا أحبّ تبع القرين (٢) قال الزّجاج: التلاوة في اللغة: إتباع بعض الشىء بعضا وقد استتلاك الشىء: إذا جعلك تتبعه، قال الراجز، ثم ذكر البيتين (٣). واستدل من الشعر الجاهليّ بشعر الأعشى في قوله: ومنكوحة غير ممهورة* وأخرى يقال لها: فادها (٤) وذلك في باب النّكاح، قال المفضل: أصل النكاح: الجماع ثم كثر ذلك حتى قيل للعقد: النّكاح ... وقد سمّوا «الوطء» نفسه نكاحا من غير عقد قال الأعشى، واستدل بالبيت السابق (٥) واستدل من الشعر الإسلاميّ بشعر جرير في قوله: أبنى حنيفة أحكموا سفهاءكم* إني أخاف عليكم أن أغضبا (٦) وذلك في باب «الحكمة» حيث استدل بقول ابن فارس: أصل الحكم: المنع، وأحكمت السفيه وحكمته: أخذت على يده ثم ذكر قول جرير السابق. (٧)

стр. 195

٥ - ومن منهجه أنه في معظم كتابه يعزو الأقوال إلى أصحابها ففي باب «الحكمة» مثلا: (١) يقول: «وقال ابن قتيبة: الحكمة: العلم والعمل، لا يكون الرجل حكيما حتى يجمعهما. وقال ابن فارس: أصل الحكم المنع الخ «وقد سبق ذكره في باب «الخزي» (٢) بنقل عن ابن عباس: أن الخزي: الإهانة وينقل عن ابن السّكيت: أن الخزي: الوقوع في بليّة، وينقل عن ابن فارس: الخزي: الإبعاد والمقت. ٦ - وابن الجوزي لم يصنع كما صنع أسلافه الذين ألفوا في الكلمات المشتركة في القرآن الكريم من غير أن يرسموا منهجا يوضح اتجاهم التأليفي في هذه الظاهرة، إنه يختلف عنهم تماما في رسم المنهج، وفي الطريقة التي اتبعها لتحقيقه، ففي مقدّمته بيّن أصحاب التأليف في هذا الموضوع، فقال: «وقد نسب كتاب في: الوجوه والنظائر إلى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما، وكتاب آخر إلى عليّ بن طلحة عن ابن عباس. وممّن ألف كتب:؛ الوجوه والنظائر «الكلبيّ، وروى مطروح بن محمد بن شاكر عن عبد الله بن هارون الحجازي عن أبيه كتابا في: «الوجوه والنظائر»، وأبو بكر محمد بن الحسن النقاش، وأبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني، وأبو علي البناء من أصحابنا، وشيخنا أبو الحسن علي بن عبد الله الزاغوني، ولا أعلم أحدا جمع الوجوه والنظائر سوى هؤلاء.

стр. 196

٧ - دقته في منهجه حيث أزال الغموض عن عنوان مؤلفه بشرح معنى «الوجوه والنظائر» الذي سجلناه فيما سبق. ٨ - وقد وضع ابن الجوزي النقاط على الحروف في منهجه حيث ذكر أنه لم يبالغ في كثرة الوجوه والأبواب، وإنما التزم القصد بدون إفراط أو تفريط، يقول في مقدمته: «ولقد قصد أكثرهم الوجوه والأبواب فأتوا بالتّهافت العجاب مثل أن ترجم بعضهم فقال: باب الذريّة وذكر فيه: «ذرني»، وتذروة الرياح»، «ومثقال ذرة»، وترجم بعضهم باب الربا. وذكر فيه: «أخذة رابية» و «ريّيّون» و «ربائبكم» و «جنّة بربوة». ثم بيّن أنهم أغرقوا في مثل هذا الإطناب بدون سبب من الأسباب اللهم إلا التكثر والزيادة، فقال: «وتهافتهم إلى مثل هذا كثير يعجب منه ذو اللّب، إذا رآه» ولا ينسى بعد هذا النقد أن يبيّن أنه سلك مسلكا أخر، ونهج نهجا علميا حيث جمع في كتابه السّمين، وترك الغث، والجوهر وترك العرض، واللّب وترك القشر. يقول: «وجمعت في كتابي هذا أجود ما جمعوه ووضعت عنه كل وهم ثبّتوه في كتبهم ووضعوه» وفي نهاية مقدمته: ذكر أنه رتّبه، وهذبه حيث قال: «وقد رتبته على الحروف ترتيبا، وقرّبته إلى الاختصار المألوف تقريبا» (١)

стр. 197

٩ - ويبدو أن ابن الجوزي كان يشعر في داخل نفسه أن المعاني المتعددة للكلمة القرآنية المشتركة ليست هذه المعاني منفصلة بعضها عن بعض، فهناك خيط دقيق يربط بينها، وكأنه بهذا يرى رأى ابن درستويه في إنكار المشترك اللفظي، والذي جاراه في هذا الإنكار بعض العلماء المحدثين أمثال الدكتور إبراهيم أنيس الذي ناقشنا رأيه فيما سبق. ومع ذلك فإن ابن الجوزي لم يرد أن يخرج عن الخط الذي سار عليه أسلافه فحذا حذوهم، وسار في دربهم حتى لا تتعطل وجوه المعاني القرآنية للكلمة القرآنية، يقول في آخر كتابه ما نصّه: «فهذا آخر ما انتخبت من كتب الوجوه والنظائر التي رتبها المتقدّمون، ورفضت منها ما لا يصلح ذكره، وزدت فيها من التفاسير المنقولة ما لا بأس به. وقد تساهلت في ذكر كلمات نقلتها عن المفسّرين، لو ناقش قائلها محقق لجمع بين كثير من الوجوه في وجه واحد. ولو فعلنا ذلك لتعطّل أكثر الوجوه، ولكنا تساهلنا في ذكر ما لا بأس بذكره من أقوال المتقدمين، فليعذرنا المدقّق في البحث» (١) وقبل أن ننهي الحديث عن هذا المؤلف، نقدّم نماذج منه كما فعلنا ذلك من قبل، لتتضح خطوط منهجه، كما اتضحت خطوط المناهج السابقة.

стр. 198

٤ - نماذج من نزهة الأعين النواظر أولا في مجال الأسماء ١ - الاستغفار: استفعال من طلب الغفران. والغفران: تغطية الذنب بالعفو عنه، والغفر السّتر. ويقال: «اصبغ ثوبك فهو أغفر للوسخ. وغفر الخزّ والصوف: ما علا فوق الثوب منهما كالزّئبر: (١) سمّى غفرا، لأنه يستر الثوب. ويقال لجنّة الرأس: مغفر، لأنها تستر الرأس. وقال أبو سليمان الخطابيّ: وحكى بعض أهل اللغة: أن المغفرة مأخوذة من المغفر، وهو نبت يداوى به الجراح، يقال: إنه إذا ذرّ عليها دملها وأبرأها. وذكر بعض المفسّرين أن الاستغفار في القرآن على وجهين: أحدهما: الاستغفار نفسه، وهو طلب الغفران، ومنه قوله تعالى في هود: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ (٢) وفي يوسف: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، (٣) وفي نوح: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (٤) وهو كثير في القرآن.

стр. 199

والثاني: الصّلاة، ومنه قوله تعالى في آل عمران: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ، (١) وفي الأنفال: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٢)، وفي الذّاريات: وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣) وقد عدّ بعضهم الآية التي في «يوسف» من قسم الاستغفار، وجعل التي في «هود»، وفي نوح بمعنى التوحيد، فيكون الباب على قوله من أقسام الثلاثة. ٢ - الاستحياء ذكر أهل التّفسير أن الاستحياء في القرآن على ثلاثة أوجه، ولم يفرقوا بين المقصور والممدود: أحدها: الاستيفاء، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ (٤) والثاني: التّرك:، ومنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها (٥) والثالث: من الحياء، ومنه قوله تعالى في «الأحزاب»: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ (٦)

стр. 200

٣ - الرّوح قال ابن قتيبة: الرّوح، والرّوح، والرّيح من أصل واحد اكتنفته معان تقاربت، فبني لكل معنى اسم من ذلك الأصل، وخولف بينها في حركة البناء. والنار والنّور من أصل واحد كما قالوا: الميل، والميل، وهما جميعا من أمال «، فجعلوا الميل بفتح الياء فيما كان خلقة، فقالوا: في عنقه ميل، وفي الشجرة ميل. وجعلوا الميل بسكون الياء فيما كان فعلا، فقالوا: مال عن الحق ميلا. وقالوا اللّسن، واللّسن، واللّسن، وكله من اللسان، فاللّسن: جودة اللسان، واللّسن: العدل واللومّ، يقال: لسنت فلانا لسنا، أي: عدلته، وأخذته بلساني. واللّسن: اللّغة، يقال: لكل قوم لسن. وقالوا حمل المرأة بفتح الحاء، وقالوا لما كان على الظهر: حمل، والأصل واحد. ويقال للنّفخ: روح، لأنه ريح خرج عن الرّوح، قال ذو الرّمة يذكر نارا قدحها: فلمّا بدت كفّنتها وهي طفلة* بطلساء لم تكمل ذراعا ولا شبرا فقلت له: ارفعها إليك وأحيها* بروحك واقتته لها قبتة قدرا وظاهر لها من يابس الشّخت واستعن* عليها الصّبا واجعل يديك لها سترا فلما جرت في الجزل جزيا كأنه* سنا البرق أحدثنا لخالقها شكرا (١)

стр. 201

والطلساء: خرقة وسخة، وهي الحرّاق، والرّوح: النفخ. واقتته: أي اجعل النفخ قوتا لا يكون قويا ولا ضعيفا. والشّخت: دقائق الحطب، والجزل: الحطب الغليظ. وذكر أهل التفسير: أن الروح في القرآن على ثمانية أوجه: أحدها: روح الحيوانت، ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (١) وفي تنزيل «السجدة»: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ (٢) والثاني: جبرائيل ﵇، ومنه قوله تعالى في «النحل»: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ (٣) وفي «مريم»: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا (٤) وفي الشعراء: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (٥) وفي «القدر»: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها (٦) الثالث: ملك عظيم من الملائكة، ومنه قوله تعالى في «عمّ يتساءلون»: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا (٧) الرابع: الوحي، ومنه قوله تعالى في «النحل»: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ (٨). وفي «عسق»:

стр. 202

وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا (١) والخامس: الرحمة، ومنه قوله تعالى في «المجادلة»: وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (٢) والسادس: الأمر، ومنه قوله تعالى في سورة «النساء»: أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ (٣) والسابع: الرّيح التي تكون عن النفخ، ومنه قوله تعالى في «التحريم» الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا (٤) وهي نفخة جبرائيل في درعها. والثامن: الحياة، ومنه قوله تعالى في «الواقعة»: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ (٥) على قراءة من ضم الراء (٦). قال أبو عبيدة: فروح، أي حياة وبقاء لا موت فيه. وقال ابن قتيبة، فروح أي فرحمة» (٧)

стр. 203

ثانيا: في مجال الأفعال ضرب بعد أن بين أن الأصل في الضرب الجلد ذكر أن من معانيه السيّر، يقال: ضرب في الأرض، أي سار، وأضرب فلان عن الأمر: كفّ الخ. ثم تناول هذه المادّة في ضوء القرآن الكريم، فقال: «ذكر أهل التفسير أن الضرب في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: السيّر، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (١) .. وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ (٢) وفي المزمّل: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ (٣) والثاني: الضرب باليد وبالآلة المستعملة باليد، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: وَاضْرِبُوهُنَّ، (٤) وفي الأنفال: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (٥)، وفي سورة محمد ﵇: فَضَرْبَ الرِّقابِ (٦). والثالث: الوصف، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها (٧)،

стр. 204

وفي إبراهيم: وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (١) وفي النحل: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ (٢) أي لا تصفوه بصفات غيره ولا تشبّهوا به غيره، وفيها: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً (٣) وفيها: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ (٤)

стр. 205

ثالثا: في مجال الظروف وراء قال ابن الجوزيّ: «ذكر بعض المفسّرين أن الوراء في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: الخلف، ومنه قوله تعالى في آل عمران: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ (١)، وفي هود: وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا (٢) وهذا على سبيل المثال. الثاني: الدنيا، ومنه قوله تعالى في الحديد: ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً. (٣) الثالث: القدّام، ومنه قوله تعالى في الكهف وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ (٤) وفي إبراهيم: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ (٥) الرابع: بمعنى سوى، ومنه قوله تعالى في النساء: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (٦) وفي المؤمنين: فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧)

стр. 206

الخامس: بمعنى: بعد، ومنه قوله تعالى في البقرة: وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ (١) وفي مريم: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي (٢) أي بعدي، يعني بعد موتي .. وفي البروج،: وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٣) أي من بعد أعمالهم محيط بهم، للانتقام منهم.

стр. 207

رابعا: في مجال الحروف باب «لا» و «لا» حرف موضوع للنفي، وقد يكون بمعنى «لم» وأنشدوا من ذلك إن تغفر اللهم فاغفر جمّا وأي عبد لك لا ألمّا (١) أي: لم يلمّ. وذكر بعض المفسرين أن «لا» في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها بمعنى النّفي. ومنه قوله في آل عمران: لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ (٢) وفي الأعلى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٣) وله نظائر كثيرة. والثاني: بمعنى النهى: ومنه قوله تعالى في البقرة: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ (٤)، وفيها: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ (٥) وفي القصص: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا (٦) والثالث: بمعنى «لم» ومنه قوله تعالى: في سورة القيامة: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٧) أي: لم يصدّق ولم يصل، قاله ابن قتيبة (٨).

стр. 208

٨ - كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر لابن العماد أ- المؤلف: نسبه: هو محمد بن علي بن محمد الشمس ... البلبيسي القاهريّ الشافعيّ، ويعرف بابن العماد، وهو لقب جدّ والده. أسرته: أسرة ابن العماد اشتهرت بالعلم والفضل، والجاه والجلال فقد قال عنها السّخاويّ ما نصه: «هو من بيت لهم جلالة ووجاهة ببلدهم، وجدّه عن سمع على التّاج ابن النعمان، وجمال الأسيوطيّ بمكّة. ولادته ونشأته: ولد قبل الزّوال من يوم الجمعة رابع عشر صفر ٨٢٥ هـ ببلبيس. ونشأ بها فحفظ القرآن، والعمدة والتبريزيّ، والجرجانيّة، وربع المنهاج عند فقيه بلده البرهان الفاقوسي، وعرض بعضها على الجلال ابن الملقن، والشمس البيشي عالم بلده وغيرها ... ولما بلغ أشدّه أثبت عدالته، وخطب أشهرا بجامع بلده، ثم ترك». (١) شيوخه: ذكر السخاويّ شيوخه فقال: «صحب الشيخ القمري، وتلقّن منه»

стр. 209

- ولقى ابن رسلان وقرأ عليه، وتهذّب بهديه، وعادت عليه بركته» - أخذ عن الشهاب الزواويّ وآخرين في الفقه وغيره» «وأخذ عن الزين خلد المنوفي في العربيّة» ولازم إمام الكامليّة فلم ينفكّ عنه إلّا نادرا، واغتبط كل منهما بالآخر وسافر معه لمكة والمدينة، وبيت المقدس والخليل، والمحلة وغيرها» رحلاته: رحل إلى مكة، وتكررت رحلاته إليها، وزيارته لها» وجاور بالمدينة، وتكسّب بالنساخة فيها» كما زار بيت المقدس والخليل كما ذكرنا سابقا. مصنفاته: ذكر السخاويّ أنه اختصر تفسير البيضاوي مع زيادات فأحسن وكتب على المنهاج إلى الزكاة». (١) وقد نصّ صاحب هدية العارفين (٢) على أن له: مختصر أنوار التنزيل «للبيضاوي مع زيادات». أخلاقه وصفاته وتديّنه: قال عنه السّخاويّ: «كان فاضلا جيّد الفهم والإدراك، بديع التّصوّر، صحيح العقيدة، تام العقل، خبيرا بالأمور، زائد الورع، والزهد، والقناعة، متين التحرّي والعفّة، شريف النفس، حسن العشرة، نيّر الهيئة، علىّ الهمّة، كثير التفضل على أحبابه، والتودّد إليهم، والسعي فيما يمكنه من مصالحهم، ووصول البرّ إليهم، بحيث جرت على يديه لأهل الحرمين وغيرهما صدقات جمّة، كثير الصوم

стр. 210

والتهجّد، والاشتغال بوظائف العبادة ... ولم يزل منذ عرفناه في ازدياد من الخير إلى أن مات» (١) وفاته: يذكر السخاويّ أنه لحق بربه قبيل ظهر يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وثمانمائة بالقاهرة، وصلى عليه في مشهد حافل جدا، ثم دفن بجوار أبيه بتربة سعيد السعداء وكثر الثناء عليه، والتأسف على فقده» (٢) ويذكر إسماعيل باشا البغدادي في كتابه: «هدية العارفين» أنه توفي بالمدينة المنوّرة سنة ٨٨٧» (٣) وفي رأيي أن السخاويّ كان معاصرا لابن العماد، فروايته أقوى وآكد. ومن خير ما ألف ابن العماد كتاب: «كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر، وهذا ما سنتناوله في الفصل الآتي:

стр. 211

ب- كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر ١ - حقق هذا الكتاب الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد، ونشر لأول مرّة بمؤسسة شباب الجامعة بالأسكندرية. ٢ - هدف ابن العماد من تأليف الكتاب: في ضوء مقدمته نستطيع أن نلمس الدوافع التي حملته على هذا التأليف. أولا: الاشتغال بالقرآن، وبركة من اشتغل به قال في المقدّمة: «إن أفضل العلوم وأجلّها وأعظمها، وأنفسها كتاب الله العظيم الذي جعله الله تبيانا لكل شىء حوى. به تهدى القلوب، ونكشف الكروب، وتغفر الذنوب، ومن عمل به وتدبّر معناه نال القرب والرضا من مولاه ... فالسعيد من عمل به، وتدبّر معانيه» ثانيا: بيان ما في الآيات الكريمة لمعرفة ما فيها من الوجوه والأشباه قال: «وقد استخرت الله تعالى في تأليف كتاب أجمع فيه ما جاء من آيات. وما فيه من الوجوه والأشباه» ثالثا: الاعتماد على كتب التفاسير، وكتب اللغة لفهم ما غمض من المعاني، وكشف الأسرار عنها، قال: «أجمعه من كتب التفاسير واللغة وغيرها، وسميّيته: كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر» (١)

стр. 212

منهجه: ١ - على الرغم من ابن العماد يعتبر من المتأخرين بالنسبة للعلماء السابقين الذين ألفوا في هذا الموضوع فإنه لم يخرج عن الطريق الذي سلكوه، والمنهج الذي طرقوه، فقد سار على خطاهم، وتتبع آثارهم من غير أن يجدّد في المنهج، أو يبتكر في العرض. ٢ - غير أنه في كتابه يميل إلى حشوه بكثير من القصص والأخبار التي تعتبر استطرادا لا يدعو إليه البحث، ويبدو أن الرجل كان صالحا تقيا داعية واعظا خطيبا، فتسرب إلى كتابه الكثير من ميوله الدينية التي ينتهز لها الفرص لعرضها بمناسبة أو بدون مناسبة. مثال ذلك حديثه عن «الشرك» فالشرك بين معناه كما بيّنه من سبقه، وأنه على ثلاثة أوجه، ومن هذه الأوجه «الرياء» وعند تناوله للرياء أفاض واستطرد، وزاد وأكثر، ولعل الذي حدا به إلى ذلك أن هذه الصفة ابتلى بها أبناء عصره، فانتهز فرصة الحديث عنه لكي يبين عواره، ويظهر خطره، ويبغض الناس فيه، ولا أدل على ذلك من قوله: «وجه يكون بمعنى: الشرك في الأعمال: الرياء كقوله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً، وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١) من خلقه، لا يريد بذلك غير الله، وفي ذلك أمر بتصفية الأعمال من الكدران كالرياء، فإن في الصحيح:

стр. 213

«يقول الله تعالى يوم القيامة: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملا ليشرك فيه معي غيري تركته وشركه). وبعد عرض آيات أخرى ساقها لتبين أن العبادة لله وحده والعمل له وحده، عرض للآفة التي انتشرت في زمنه بين أبناء وطنه، فقال: «وكثير من الناس في هذا الزمان من يقول: فعلت في ليلتي هذه أن صليت مائة ركعة، وسبّحت ألف تسبيحة وقرأت ختمة، وقطعت من الأعمال الصالحة كذا، يريد بذلك أن تعتقده الناس، ويجعل نفسه صالحا، ويجب أن يقبّل الناس يده، ويقوم إليه الناس، وهذا حرام بالكتاب والسّنة» وظل ابن العماد يسرد أقولا من السّنة، وأخبارا من أقوال العلماء في الرياء استغرق ثماني صفحات من كتابه: حول الرّياء. ٣ - ومع أنه كثير الاستطراد فيما يتعلق بالمعنى الذي له صلة بمعالجة (١) النفس، فإن الكلمات التي تناولها قليلة بالنسبة للكلمات التي تناولها العلماء السابقون من قبل، فقد بلغت الكلمات القرآنية التي تناولها بالتفسير ١١١ كلمة. ٤ - لا يتعرض لتوضيح المعاني في ضوء اللغة والمعاجم كما فعل ذلك ابن الجوزيّ صاحب «نزهة الأعين النواظر». وفي القليل النادر نجد أنه يتعرض لبعض الكلمات من الناحية اللغوية وسرعان ما يحوّل تفسيرها إلى تفسير وعظيّ صوفيّ، ففي كلمة: «الطهور» مثلا يبين أنه على عشرة أوجه. ثم يختم تفسيره لمعنى

стр. 214

الطهور بقوله: «واعلم أن: «طهور» على وزن فعول: والطهارة على ثلاثة أقسام: لغوية، وشرعية، ومعنوية. ثم تناول الطهارة في الصّلاة وما يتعلق بها من وضوء وطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، فإذا فرغ من ذلك كله بدأ يعرض لنا نصوصا من كتاب: «اللطائف» للشيخ أبي محمد النيسابوري ليوضح لنا أن الطهارة على عشرة أقسام: ١ - طهارة الفؤاد، وهي صرفه عمّا دون الله تعالى. ٢ - طهارة السّرّ: وهي رؤية المشاهدة. ٣ - طهارة الصدر: وهي الرّضا بالقضاء. ٤ - طهارة الروح، وهي الحياء والهيبة. ٥ - طهارة البطن، وهي أكل الحلال، والعفة عن أكل الحرام، وهي ترك الشهوات. ٦ - طهارة اليدين: وهي الورع والاجتهاد. ٧ - طهارة المعصية: وهي الحسرة والندامة. ٨ - طهارة اللسان: وهي الذكر والاستغفار. الخ. ثم ختم عظاته بأن طلب من عبد الله أن يعتبر ويتعظ. فقال: «فاعتبر يا عبد الله بقصة برصصا العابد، كونه عبد الله خمسمائة عام، ومع ذلك ختم له بالشقاوة، وأيضا بقصة «بلعام»، وأيضا بعبادة التعيس التكيس كيف عبد الله ثمانين ألف عام، وكان من خزّان الجنّة، وأكثر الملائكة عبادة ومع ذلك شقى لغيره، وأبليس، وطرد، وغيرت صورته، وأيس من رحمة الله» (١)

стр. 215

وأنحى ابن العماد في هذا الموقف باللائمة على الناس في زمانه فقد ولعوا «بحب الرياسة، ومجالسة الأمراء، والسلاطين، ويكونون عندهم كالخدم، يفعلون ما يؤمرون به، ويأكلون على موائدهم .. ونختم الحديث عن منهج ابن العماد بأنه تناول بعض الكلمات القرآنية ذات الوجوه والنظائر، ولكنه خلط منهجه بكثير من القصص، وألوان من الأخبار، ومجموعة من الأحاديث من أجل أن ينير الطريق أمام السائرين في الظلمات، فطابعه الوعظى الإرشادي طغى على منهجه في تفسير الوجوه والنظائر. وفي الوقت نفسه لم يأت بجديد زيادة على الذين سبقوه في هذا المضمار اللهم إلّا التوجيه والوعظ، والإرشاد، والدعوة إلى الله.
следующие страницы →