← Фикх общий

Фикх общий · id 38056

الموسوعة الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 364 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٣٥] ٦ - الصيام كفارةٌ للذنوب والخطايا: ففي قصة عمر مع حذيفة ﵄ في الفتن التي أخبر بها الرسول ﷺ : ((فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفِّرها: الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي)). رواه البخاري (١)، وفي لفظ: ((والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)). رواه البخاري ومسلم (٢). ٧ - الصوم جُنةٌ وحِصنٌ من النار: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((الصيام جُنة)) (٣). وقد ذكر بعض العلماء أن الصوم إنما كان جُنةً من النار؛ لأنه إمساكٌ عن الشهوات والنار محفوفةٌ بالشهوات، فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساتراً له من النار في الآخرة (٤). ٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صام يوماً في سبيل الله، بعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)). أخرجه البخاري ومسلم (٥). وقوله: ((سبعين خريفاً)): أي سبعين سنة (٦). ورجح بعض أهل العلم أن المقصود بالصوم في سبيل الله: الصوم في الجهاد، ومنهم النووي (٧)، وابن دقيق العيد (٨)، وابن عثيمين (٩). ٨ - الصوم سببٌ لدخول الجنة: عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن في الجنة بابا يقال له: الريان (١٠)، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخل آخرهم أغلق، فلم يدخل منه أحد)). أخرجه البخاري ومسلم (١١). وفي رواية للبخاري: ((في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون)) (١٢). ٩ - للصائم فرحتان: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (( .. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)). أخرجه البخاري ومسلم (١٣).

стр. 282

قيل معناه: فرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم. وقيل أن فرحه بفطره من حيث أنه تمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه (١). وقوله: وإذا لقي ربه فرح بصومه، أي بجزائه وثوابه وقيل الفرح الذي عند لقاء ربه إما لسروره بربه أو بثواب ربه، على الاحتمالين (٢). ١٠ - خلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (( .. والَّذي نَفْسُ محمد بيده لخلوفُ (٣) فم الصَّائم أطيب عند الله من ريح المسك .. )). أخرجه البخاري ومسلم (٤). قال بعض أهل العلم في شرح ذلك: لأنها من آثار الصيام فكانت طيبة عند الله سبحانه ومحبوبة له, وهذا دليل على عظيم شأن الصيام عند الله (٥). ١١ - الصوم يزيل الأحقاد والضغائن: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وَحَرَ الصدر)) (٦). ووَحَرَ الصدر: أي غشه أو حقده أو غيظه أو نفاقه بحيث لا يبقى فيه رين أو العداوة أو أشد الغضب (٧). ١٢ - جعل الله تعالى الصيام من الكفارات لعظم أجره: وذلك مثل: كفارة فدية الأذى، قال تعالى: فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ .. [البقرة: ١٩٦] وكفارة القتل الخطأ، قال تعالى: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .. [النساء: ٩٢] وكفارة اليمين، قال تعالى: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .. [المائدة: ٨٩] ... إلى غير ذلك من الكفارات.

стр. 283

الفصل الرابع: أقسام الصيام تمهيد: ينقسم الصوم باعتبار كونه مأموراً به، أو منهياً عنه شرعاً، إلى قسمين: صوم مأمور به شرعاً. صوم منهي عنه شرعاً. المبحث الأول: الصوم المأمور به شرعاً وهو قسمان: صوم واجب. صوم مستحب. المطلب الأول: الصوم الواجب وهو على نوعين: واجب بأصل الشرع - أي بغير سبب من المكلَّف-: وهو صوم شهر رمضان (١). واجب بسبب من المكلَّف: وهو صوم النذر، والكفارات، والقضاء. المطلب الثاني: الصوم المستحب (صوم التطوع) وهو قسمان: صوم التطوع المطلق: وهو ما جاء في النصوص غير مقيد بزمن معين (٢). صوم التطوع المقيَّد: وهو ما جاء في النصوص مقيداً بزمن معين، كصوم الست من شوال، ويومي الاثنين والخميس، ويوم عرفة، ويومي تاسوعاء وعاشوراء. المبحث الثاني: الصوم المنهي عنه شرعاً وهو قسمان: صوم محرم: وذلك مثل صوم يومي العيدين، وصوم يوم الشك. صوم مكروه: وذلك مثل صوم الوصال (٣)، وصوم يوم عرفة للحاج.

стр. 284

تمهيد يجب الصوم أداءً على من جمع ستة أوصاف، وهي: ١ - الإسلام. ٢ - البلوغ. ٣ - العقل. ٤ - القدرة. ٥ - الإقامة. ٦ - عدم الحيض والنفاس.

стр. 285

المطلب الأول: الإسلام تمهيد يشترط لوجوب الصوم: الإسلام، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن حزم (١). والإسلام ضده الكفر؛ فالكافر لا يُلزَم بالصوم ولا يصح منه. الأدلة: ١ - قوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:٥٤] وجه الدلالة: أنه إذا كانت النفقات لا تقبل منهم لكفرهم مع أن نفعها متعدٍّ، فالعبادات الخاصة أولى ألَّا تقبل منهم، والصوم من العبادات الخاصة، فلا يُقبَل من كافر. ٢ - قوله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: ٢٣] أي قصدنا في ذلك إلى ما كان يعمله المجرمون من عمل برٍّ عند أنفسهم، فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً أي لا يُنتفَعُ به؛ حيث أبطلناه بالكفر (٢). الفرع الأول: إسلام الكافر الأصلي (غير المرتد) المسألة الأولى: إذا أسلم الكافر الأصلي، فهل عليه قضاء ما فاته من الصيام الواجب زمن كفره؟ إذا أسلم الكافر الأصلي (أي غير المرتد)، فلا يلزمه قضاء ما فاته من الصيام الواجب زمن كفره، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن تيمية (٣). الأدلة: أولا: من الكتاب: قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ (٤) [الأنفال: ٣٨] ثانيا: من السنة: ١ - عن عمرو بن العاص ﵁ قال: ((فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه. قال عمرو: فقبضت يدي. قال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط. قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يُغفر لي. قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟)). أخرجه مسلم (٥). ٢ - وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه كان لا يأمر من أسلم بقضاء ما فاته من الواجبات. المسألة الثانية: إذا أسلم الكافر أثناء شهر رمضان، فهل يلزمه قضاء الأيام الماضية من رمضان؟

стр. 286

إذا أسلم الكافر أثناء شهر رمضان فلا يلزمه قضاء الأيام الماضية من رمضان (١)، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة (٢): الحنفية (٣)، والمالكية (٤) والأصح عند الشافعية (٥)، ومذهب الحنابلة (٦)، (٧). الدليل: قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] المسألة الثالثة: إذا أسلم الكافر أثناء شهر رمضان، فعليه أن يصوم ما بقي من الشهر إذا أسلم الكافر في أثناء شهر رمضان، فعليه أن يصوم ما بقي من الشهر، بغير خلاف (٨). وذلك لأنه صار من أهل الوجوب، فيلزمه الصوم (٩) المسألة الرابعة: إذا أسلم الكافر أثناء يوم من رمضان، فإنه يلزمه إمساك بقية اليوم

стр. 287

إذا أسلم الكافر أثناء يوم من رمضان، فإنه يلزمه إمساك بقية اليوم (١)، ولا يجب عليه قضاؤه (٢)، (٣)، وهو مذهب الحنفية (٤)، واختاره ابن عثيمين (٥). الأدلة: أولاً: من الكتاب: عموم قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] وجه الدلالة: أن الكافر بإسلامه صار من أهل الشهادة للشهر، فوجب عليه الإمساك. ثانياً: من السنة: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: ((أمر النبي ﷺ رجلاً من أسلم أنْ أذِّن في الناس أنَّ من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء)). أخرجه البخاري ومسلم (٦). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر الصحابة ﵃ بالإمساك نهاراً، ولم يأمرهم بالقضاء، وذلك لما أوجب الله صوم يوم عاشوراء في أول الأمر. الفرع الثاني: إسلام الكافر المرتد المسألة الأولى: إذا أسلم المرتد فليس عليه قضاء ما تركه من الصوم زمن ردته إذا أسلم المرتد فليس عليه قضاء ما تركه من الصوم زمن ردته (٧)، وهو قول الجمهور من الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والحنابلة (١٠). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] فإن الآية تتناول كل كافر سواء كان أصليًّا أم مرتدًّا (١١). ثانياً: من السنة:

стр. 288

١ - عن عمرو بن العاص ﵁ قال: ((فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه. قال عمرو: فقبضت يدي. قال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط. قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يُغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟)). أخرجه مسلم (١). ثالثاً: فعل الصحابة ﵃: فالصحابة ﵃ لم يأمروا من أسلم من المرتدين في زمن أبي بكر الصديق ﵁، بقضاء ما تركوا من الصوم، وهم أعلم الناس بشريعة الله بعد نبيهم ﵊. المسألة الثانية: إذا أسلم المرتد، وعليه صوم قبل ردته، فهل يلزمه قضاؤه إذا أسلم المرتد، وعليه صوم قبل ردته، فقد اختلف أهل العلم هل يلزمه قضاؤه أم لا؟ على قولين: القول الأول: يجب عليه القضاء (٢)، وهو قول الجمهور من الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الدليل: قوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ... [البقرة: ٢١٧] وجه الدلالة: أنه جعل الموت على الكفر شرطاً في حبوط العمل (٦) القول الثاني: لا يجب عليه القضاء، وهو قول المالكية (٧). الدليل: حديث عمرو بن العاص ﵁، وفيه أن الرسول ﷺ قال: ((الإسلام يهدم ما كان قبله)). أخرجه مسلم (٨). وجه الدلالة: أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وهو بتوبته قد أسقط ما قبل الردة، فلا يطالبُ بقضائه. المسألة الثالثة: حكم من ارتد أثناء صومه من ارتد في أثناء الصوم، بطل صومه، وعليه القضاء إذا أسلم (٩). الدليل: الإجماع: حكى الإجماع على ذلك ابن قدامة (١٠)، والنووي (١١).

стр. 289

المطلب الثاني: البلوغ الفرع الأول: اشتراط البلوغ يشترط لوجوب الصوم: البلوغ (١). الأدلة: أولاً: من السنة: عن عليٍّ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل)) (٢). ثانياً: الإجماع: حكى الإجماع على ذلك ابن حزم (٣)، والنووي (٤). الفرع الثاني: أمرُ الصبي بالصوم إذا كان الصبي يطيق الصيام دون وقوع ضرر عليه، فعلى وليه أن يأمره بالصوم ليتمرَّن ويتعوَّد عليه. وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (٥)، والشافعية (٦) والحنابلة (٧)، وهو قولٌ عند المالكية (٨)، وبه قال طائفةٌ من السلف (٩). الدليل: عن الرُّبيِّع بنت معوذ ﵂ قالت: ((أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن)). أخرجه البخاري (١٠). وفي لفظ: (( ... ونصنع لهم اللعبة من العهن، فنذهب به معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم)). أخرجه مسلم (١١). الفرع الثالث: حكم قضاء ما سبق إذا بلغ الصبي أثناء شهر رمضان إذا بلغ الصبي أثناء شهر رمضان، فإنه يصوم بقية الشهر ولا يلزمه قضاء ما سبق، سواء كان قد صامه أم أفطره، وهو قول أكثر العلماء (١٢)؛ وذلك لأنه زمنٌ مضى في حال صباه فلم يلزمه قضاء الصوم فيه كما لو بلغ بعد انسلاخ رمضان (١٣). الفرع الرابع: حكم القضاء والإمساك إذا بلغ الصبي أثناء نهار رمضان وهو مفطر إذا بلغ الصبي أثناء نهار رمضان وهو مفطر، فإنه يمسك بقية يومه، ولا قضاء عليه، وهو مذهب الحنفية (١٤)، والشافعية (١٥)، وهي ورواية عن أحمد (١٦)، اختارها ابن تيمية (١٧). فيلزمه الإمساك؛ وذلك لأنه صار من أهل الوجوب حين بلوغه؛ فيمسك تشبهاً بالصائمين وقضاءً لحق الوقت. ولا يلزمه قضاؤه؛ لانعدام أهلية العبادة في أول النهار؛ حيث لم يكن من أهل الوجوب. كما أن الصوم لا يتجزأ، فإذا لم يجب البعض لم يجب الباقي، فما دام أنه في أول النهار ليس أهلاً للوجوب فليس أهلاً للوجوب في آخره، فلا يجب القضاء.

стр. 290

المطلب الثالث: العقل تمهيد يشترط لوجوب الصوم: العقل، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن حزم (١). الدليل: عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل)) (٢). الفرع الأول: زوال العقل بالجنون المسألة الأولى: حكم الصوم على المجنون لا يجب الصوم على المجنون، ولا يصح منه. الأدلة: أولا: من السنة: عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل)) (٣). ثانيا: الإجماع: حكى الإجماع على ذلك النووي (٤)، وابن تيمية (٥). المسألة الثانية: من كان جنونه مُطْبِقاً إذا كان الجنون مُطْبِقاً، وذلك بأن يستمر إلى أن يستغرق كل شهر رمضان، فإن الصوم يسقط عنه؛ ولا قضاء عليه وهذا مذهب جمهور أهل العلم: الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، واختاره ابن حزم (٩)، وابن عبد البر (١٠). وذلك لأن صاحب الجنون المطبق ليس أهلاً للوجوب؛ وذلك لفقدان شرط من شروطه وهو العقل؛ فلذا يرتفع عنه التكليف؛ ولا يُطالَب بالقضاء. المسألة الثالثة: حكم صوم المجنون إذا أفاق في نهار رمضان

стр. 291

إن أفاق المجنون أثناء نهار رمضان، فعليه أن يمسك بقية اليوم، ولا قضاء عليه، وهو قول الحنفية (١)، ورواية عن أحمد (٢)، واختارها ابن تيمية (٣). فيلزمه الإمساك؛ لأنه صار من أهل الوجوب حين إفاقته؛ فيمسك تشبُّهاً بالصائمين وقضاءً لحق الوقت. ولا يلزمه قضاؤه؛ لانعدام أهلية العبادة في أول النهار؛ حيث لم يكن من أهل الوجوب. كما أن الصوم لا يتجزأ، فإذا لم يجب البعض لم يجب الباقي، فما دام أنه في أول النهار ليس أهلاً للوجوب فليس أهلاً للوجوب في آخره، فلا يجب عليه القضاء. المسألة الرابعة: حكم قضاء ما سبق من أيام رمضان زمن الجنون إن أفاق المجنون فليس عليه قضاء ما سبق من أيام رمضان، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). وذلك لانعدام أهلية الوجوب، حيث لم يكن مُخاطَباً بوجوب الصوم عليه حال جنونه. المسألة الخامسة: حكم قضاء من كان صائماً فأصابه الجنون من كان صائماً فأصابه الجنون، فلا قضاء عليه، وهو قول الحنفية (٧)، والحنابلة (٨)، وهو اختيار ابن حزم (٩). وذلك لأنه قد أدى ما عليه وهو صحيح مكلف، ثم رفع عنه التكليف بالجنون فلا يطالب بقضاء ما لم يكن مكلفاً به. المسألة السادسة: صوم من كان يُجنُّ أحياناً ويُفيق أحياناً من كان يُجَنُّ أحياناً ويُفيق أحياناً، فعليه أن يصوم في حال إفاقته، ولا يلزمه حال جنونه (١٠) وذلك لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ففي الأوقات التي يكون فيها عاقلاً يجب عليه الصوم، وفي الأوقات التي يكون فيها مجنوناً لا صوم عليه. الفرع الثاني: العَتَه أولا: تعريف العته - العَتَه لغةً: نقصان العقل من غير جنون أو دهش (١١). - العته اصطلاحاً: آفة ناشئة عن الذات توجب خللاً في العقل، فيصير صاحبه مختلط العقل، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء، وبعضه كلام المجانين (١٢). ثانيا: حكم صوم المعتوه: المعتوه الذي أصيب بعقله على وجهٍ لم يبلغ حد الجنون، لا صوم عليه، وليس عليه قضاء، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك (١٣) (١٤). الدليل:

стр. 292

عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه أو قال المجنون حتى يعقل)) (١). الفرع الثالث: الخرف أولا: تعريف الخرف: الخرف لغةً واصطلاحاً: فساد العقل من الكبر (٢) ثانيا: حكم صوم المخرف: ليس على المخرِّف صومٌ ولا قضاء، وهو اختيار ابن باز (٣)، وابن عثيمين (٤). الدليل: عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه أو قال المجنون حتى يعقل)) (٥). وجه الدلالة: أن المخرِّف لما اختل وزال شعوره، صار من جنس المجانين، والمعتوهين، ولا تمييز لديه بسبب الهرم؛ ولذا فلا شيء عليه. الفرع الرابع: زوال العقل بالإغماء المسألة الأولى: حكم من نوى الصوم ثم أصيب بإغماء في رمضان من نوى الصوم ثم أصيب بإغماء في رمضان، فلا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن يستوعب الإغماءُ جميع النهار، أي يغمى عليه قبل الفجر ولا يفيق إلا بعد غروب الشمس، فهذا لا يصح صومه (٦)، وعليه قضاء هذا اليوم (٧)، وهو قول جمهور أهل العلم من المالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠). الدليل على وجوب القضاء عليه: عموم قول الله تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:١٨٥]. الحال الثانية: أن يفيق جزءاً من النهار، ولو للحظة، فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه، وهو مذهب الشافعية (١١)، والحنابلة (١٢). وذلك لأن الصوم إمساك عن المفطرات مع النية، وما دام أنه قد أفاق جزءاً من النهار، فقد وجد منه النية والإمساك عن المفطرات؛ ولذا فصومه صحيح. المسألة الثانية: حكم من زال عقله وفقد وعيه بسبب التخدير بالبنج

стр. 293

من زال عقله وفقد وعيه بسبب التخدير بالبنج، فحكمه حكم الإغماء على ما سبق بيانه (١). (انظر: زوال العقل بالإغماء). الفرع الخامس: النوم النائم الذي نوى الصيام صومه صحيح، ولا قضاء عليه، ولو نام جميع النهار. وستأتي المسألة في الباب الرابع آخر المطلب الخامس من الفصل الأول. الفرع السادس: فقد الذاكرة من أصيب بفقدان الذاكرة، فلا يجب عليه الصوم (٢). الدليل: قياساً على الصبي الذي لا يميز، لحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل)) (٣).

стр. 294

المطلب الرابع: الإقامة يشترط لوجوب الصوم: الإقامة، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن حزم (١)

стр. 295

المطلب الخامس: الطهارة من الحيض والنفاس تمهيد يشترط لوجوب الصوم على المرأة طهارتها من دم الحيض والنفاس. الدليل: الإجماع: فقد أجمع العلماء على ذلك، وممن نقل الإجماع ابن حزم (١)، والنووي (٢)، والشوكاني (٣). الفرع الأول: حكم صوم الحائض والنفساء يحرم الصوم، فرضه ونفله، على الحائض والنفساء، ولا يصح صومهما، وعليهما القضاء. الدليل: الإجماع: أجمع العلماء على ذلك، وممن نقل الإجماع ابن رشد (٤)، والنووي (٥)، وابن تيمية (٦). الفرع الثاني: حكم إمساك بقية اليوم إذا طهرت الحائض أو النفساء أثناء نهار رمضان إذا طهرت الحائض أو النفساء أثناء نهار رمضان، فهل يلزمهما الإمساك، اختلف أهل العلم على قولين: القول الأول: لا يلزمهما إمساك بقية اليوم، وهو قول المالكية (٧)، والشافعية (٨)، ورواية عن أحمد (٩)، وهو اختيار ابن عثيمين (١٠). وذلك لأنه لا دليل على وجوب الإمساك. ولأنه لا فائدة من هذا الإمساك، وذلك لوجوب القضاء عليهما. كما أن حرمة الزمن قد زالت بفطرهما الواجب أول النهار. القول الثاني: يلزمهما الإمساك، وهو قول الحنفية (١١)، والحنابلة (١٢)، وهو اختيار ابن باز (١٣). وذلك لأن الحائض والنفساء صارا من أهل الوجوب حين طهارتهما؛ فيمسكان تشبُّهاً بالصائمين وقضاءً لحق الوقت. الفرع الثالث: حكم صوم الحائض أو النفساء إذا طهرتا قبل الفجر إذا طهرت الحائض أو النفساء قبل الفجر، وجب عليهما الصوم، وإن لم يغتسلا إلا بعد الفجر، وهذا قول عامة أهل العلم (١٤). الدليل: قياساً على الجنب، فالجنب له أن يصوم وإن تأخر اغتساله إلى دخول الفجر، فكذلك الحائض والنفساء.

стр. 296

فعن سليمان بن يسار ((أنه سأل أم سلمة ﵂ عن الرجل يصبح جنباً أيصوم؟ قالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً من غير احتلام ثم يصوم)). أخرجه مسلم (١). الفرع الرابع: حكم تناول المرأة حبوب منع الحيض من أجل أن تصوم الشهر كاملاً دون انقطاع إذا ثبت أن لحبوب منع الحمل أو الحيض أضراراً على المرأة، فإن عليها اجتناب تناولها سواء كان ذلك في رمضان من أجل أن تصوم الشهر كاملاً مع الناس، أو في غيره من الأوقات، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة (٢)، وقطاع الإفتاء بالكويت (٣)، وأفتى به ابن باز (٤)، وابن عثيمين (٥).

стр. 297

المطلب السادس: القدرة على الصوم تمهيد يشترط لوجوب الصوم: القدرة والاستطاعة عليه. الأدلة: أولاً: من الكتاب: ١ - قوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا (١) [البقرة: ٢٨٦]. ٢ - قوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]. ثانياً: الإجماع: حكى الإجماع على ذلك ابن حزم (٢)، وابن تيمية (٣). الفرع الأول: أقسام العجز عن الصوم وحكم كل نوع ضد القدرة: العجز، والعجز عن الصيام ينقسم إلى قسمين: ١ - عجز طارئ. ٢ - عجز دائم. ١ - العجز الطارئ أو العارض: وهو الذي يرجى زواله، كالعجز عن الصوم لمرض يُرجَى برؤه، فهذا لا يلزمه الصوم أداء، ولكن عليه القضاء، بعد زوال عجزه. الدليل: قول الله تعالى: وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٤] ٢ - العجز المستمر أو الدائم: وهو الذي لا يرجى زواله، مثل الكبير الذي لا يستطيع الصوم، والمريض الذي لا يرجى برؤه، فهذا عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينا (٤). الأدلة: أولا: من الكتاب: قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة: ١٨٤] قال ابن عباس ﵄: ((هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كل يوم مسكيناً)). أخرجه البخاري (٥). ثانيا: الإجماع: ١ - الإجماع على جواز الفطر للشيخ الكبير: حكى ذلك ابن المنذر (٦)، وابن حزم (٧). ٢ - الإجماع على جواز الفطر للمريض الذي لا يرجى برؤه: وقد حكى ذلك ابن قدامة (٨). الفرع الثاني: صوم أصحاب المهن الشاقة

стр. 298

أصحاب المهن الشاقة داخلون في عموم المكلفين، وليسوا في معنى المرضى والمسافرين، فيجب عليهم تبييت نية صوم رمضان، وأن يصبحوا صائمين، لكن من كان يعمل بأحد المهن الشاقة وكان يضره ترك عمله، وخشي على نفسه التلف أثناء النهار، أو لحوق مشقة عظيمة فإنه يُفطر على قدر حاجته بما يدفع المشقة فقط، ثم يمسك بقية يومه إلى الغروب ويفطر مع الناس، وعليه القضاء (١). الدليل: عموم قوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] الفرع الثالث: حكم قضاء العاجز إذا زال مرضه أثناء النهار إذا زال مرض العاجز أثناء النهار، فعليه القضاء، واختلف أهل العلم في إمساكه بقية اليوم على قولين: القول الأول: لا يلزمه إمساك بقية اليوم، وهو قول المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤)، وهو اختيار ابن عثيمين (٥). وذلك لأنه لا دليل على وجوب الإمساك. ولأنه لا فائدة من هذا الإمساك، وذلك لوجوب القضاء عليه. كما أن حرمة الزمن قد زالت بفطره أول النهار. القول الثاني: يلزمه الإمساك، وهو قول الحنفية (٦)، والحنابلة (٧)، ووجه عند الشافعية (٨)، وهو قول طائفة من السلف (٩). وذلك لأن المريض صار من أهل الوجوب حين زوال مرضه؛ فيمسك تشبُّهاً بالصائمين وقضاءً لحق الوقت.

стр. 299

المبحث الثاني: النية في الصوم • المطلب الأول: حكم النية في الصوم. • المطلب الثاني: وقت النية في الصوم. • المطلب الثالث: الجزم في نية الصوم. • المطلب الرابع: استمرار النية.

стр. 300

المطلب الأول: حكم النية في الصوم النية شرط في صحة الصوم كسائر العبادات (١)، وذهب إلى ذلك أكثر أهل العلم (٢). وقد حكى الإجماع على ذلك ابن قدامة (٣). الدليل: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) أخرجه البخاري ومسلم (٤).

стр. 301

المطلب الثاني: وقت النية في الصوم الفرع الأول: وقت النية في صوم الفرض المسألة الأولى: حكم تبييت النية يجب تبييت النية من الليل قبل طلوع الفجر (١)، وهو قول جمهور أهل العلم: المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). الأدلة: ١ - عن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)) (٥). ٢ - وفي رواية عن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)) (٦). المسألة الثانية: حكم تجديد النية في كل يوم من رمضان هل يشترط تجديد النية في كل يوم من رمضان، اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: يشترط تجديد النية لكل يوم من رمضان، وهو قول الجمهور: الحنفية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، (١٠)، وهو قول ابن المنذر (١١)، واختيار ابن حزم (١٢)، وابن باز (١٣). الأدلة: أولاً: من السنة: عموم حديث حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)) (١٤).

стр. 302

وفي رواية عن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)) (١). ثانياً: القياس: وذلك أن شهر رمضان كصلوات اليوم والليلة ولا بد لكل صلاة من نية فكذلك لا بد لكل يوم في صومه من نية. القول الثاني: أَنَّ ما يشترط فيه التتابع تكفي النية في أوله، فإذا انقطع التتابع لعذر يبيحه، ثم عاد إلى الصوم فإنَّ عليه أن يجدد النية، وهو مذهب المالكية (٢)، وقول زفر من الحنفية (٣)، واختاره ابن عثيمين (٤). وذلك لأن الصوم المتتابع كالعبادة الواحدة من حيث ارتباط بعضها ببعض وعدم جواز التفريق، ولذا تكفي النية الواحدة. كما أنَّ النية إذا لم تقع في كل ليلة حقيقة، فهي واقعة حكماً؛ لأن الأصل عدم قطع النية. الفرع الثاني: وقت النية في صوم النفل المسألة الأولى: حكم تبييت النية من الليل في صيام التطوع لا يشترط في صيام التطوع تبييت النية من الليل عند جمهور أهل العلم من الحنفية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧). ويجوز أن ينوي أثناء النهار، سواء قبل الزوال أو بعده، إذا لم يتناول شيئاً من المفطرات بعد الفجر (٨)، وهذا مذهب الحنابلة (٩)، وقولٌ عند الشافعية (١٠)، وقول طائفة من السلف (١١) واختاره ابن تيمية (١٢)، وابن عثيمين (١٣). الأدلة: ١ - عموم حديث عائشة أم المؤمنين ﵂، حيث قالت: ((دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا. قال: فإني إذاً صائم)). أخرجه مسلم (١٤). ٢ - ما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومنهم أبو الدرداء، فعن أم الدرداء قالت: ((كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا، قال: فإني صائمٌ يومي هذا)) (١٥). وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة رضي الله تعالى عنهم (١٦). المسألة الثانية: من أنشأ نية الصوم أثناء النهار فهل يكتب له ثواب صيام يوم كامل؟ من أنشأ نية الصوم أثناء النهار، فإنه يكتب له ثواب ما صامه من حين نوى الصيام، وهذا مذهب الحنابلة (١٧)، وهو اختيار ابن تيمية (١٨)، وابن باز (١٩)، وابن عثيمين (٢٠). الدليل: عموم حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) أخرجه البخاري ومسلم (٢١). وجه الدلالة: أن الإمساك كان في أول النهار بغير نية، وإنما لكل امرئ ما نوى، فكيف يثاب على إمساك لم يقصده ولم ينوه؟ وإنما يثاب فيما ابتغى به وجه الله تعالى.

стр. 303

المطلب الثالث: الجزم في نية الصوم الفرع الأول: حكم صوم المتردد في نية الصوم الواجب من تردد في نية الصوم الواجب، هل يصوم غدا أو لا يصوم، واستمر هذا التردد إلى الغد، ثم صامه، فصومه غير صحيح، وعليه قضاء هذا اليوم، وهذا قول جمهور أهل العلم من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو قول بعض الحنفية (٤)، واختاره ابن عثيمين (٥). ومثل ذلك ما لو قال: إن شاء الله متردداً، لا يدري هل يصوم أو لا يصوم. وذلك لأن هذا مخالف لشرط من شروط صحة الصوم وهو النية، التي هي عقد القلب على فعل الشيء، والتردد ينافي ذلك، ومتى اختل هذا الشرط فسد الصوم، ووجب القضاء. الفرع الثاني: حكم من علق الصوم، فقال مثلاً: إن كان غداً رمضان فهو فرضي، أو سأصوم الفرض إذا نوى الإنسان أنه إن كان غداً رمضان فهو فرضي، أو سأصوم الفرض، فتبين أنه رمضان فصومه صحيح، وهو رواية عن أحمد (٦)، وإليه ذهب ابن تيمية (٧)، وابن عثيمين (٨). وذلك لأن هذا الرجل علق الصوم؛ لأنه لا يعلم أن غداً من رمضان، فتردده مبني على التردد في ثبوت الشهر، لا على التردد في النية، وهل يصوم أو لا يصوم، فهو هاهنا قد علق الصوم على ثبوت الشهر، فلو لم يثبت الشهر لم يصم.

стр. 304

المطلب الرابع: استمرار النية الفرع الأول: حكم صوم من نوى في يوم من رمضان قطْعَ صومه من نوى في يوم من رمضان قطْعَ صومه، فإن صومه ينقطع، ولا يصح منه، وعليه القضاء وإمساك بقية اليوم إن كان ممن لا يباح لهم الفطر، فإن كان ممن يباح لهم الفطر كالمريض والمسافر، فعليه القضاء فقط، وهو قول المالكية (١)، والحنابلة (٢)، واختيار ابن عثيمين (٣). الدليل: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)). أخرجه البخاري ومسلم (٤). فهذا الرجل لما نوى قطعه انقطع. الفرع الثاني: حكم صوم من تردد في قطع نية الصوم من تردد في قطع نية الصوم، فإن صومه لا يبطل ما دام لم يجزم بقطعها، وهو مذهب الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٧)،اختاره ابن عثيمين (٨). وذلك لأن الأصل بقاء النية حتى يعزم على قطعها وإزالتها.

стр. 305

المطلب الأول: تعجيل الفطر تمهيد يسن للصائم تعجيل الفطر إذا تحقق من غروب الشمس (١). الأدلة: ١ - عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)). أخرجه البخاري ومسلم (٢). ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون)) (٣). ٣ - وقد نقل الاتفاق على استحباب تعجيل الفطر: ابن دقيق العيد (٤). الفرع الأول: حكم الفطر بغلبة الظن يجوز الفطر بغلبة الظن، وهو قول جمهور أهل العلم (٥). الدليل: عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: ((أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم ثم طلعت الشمس)). أخرجه البخاري (٦). وجه الدلالة: أنَّ الصحابة أفطروا بناءً على اجتهادٍ منهم حيث غلب على ظنهم أن الشمس قد غربت وكانوا في يوم غيمٍ مع أنها في نفس الأمر لم تغرب ولم يُنكر عليهم ما فعلوه من العمل بالظن الغالب. وغلبة الظن إنما تكون عند وجود علامات ودلائل تدل على غروب الشمس بحيث يغلب على ظن الصائم دخول وقت الإفطار. الفرع الثاني: حكم قضاء الصائم الذي أفطر في صومٍ واجبٍ، ظانًّا أن الشمس قد غربت إذا أفطر الصائم في صومٍ واجب، ظاناً أن الشمس قد غربت، ثم تبين له أنها لم تغرب، فإن عامة أهل العلم على أنه يلزمه الإمساك (٧). واختلفوا في قضائه على قولين:

стр. 306

القول الأول: يلزمه القضاء، وهو قول أكثر أهل العلم (١). الدليل: عموم قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ [البقرة: ١٨٧] وجه الدلالة: أن الصائم مأمورٌ بإتمام صومه إلى الليل، والصائم في هذه المسألة قد أكل في النهار. القول الثاني: لا قضاء عليه، وهو قول طائفة من السلف (٢)، واختاره ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤). الأدلة: أولاً: من الكتاب: عموم قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] وجه الدلالة: أن هذا من الخطأ الذي قد عفا الله عنه؛ ولا قضاء على من أفطر مخطئاً (٥). ثانياً: من السنة: عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: ((أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس)). أخرجه البخاري (٦). وجه الدلالة: أنه لم يُنقَل أن الصحابة أُمِرُوا بالقضاء، ولو كان واجباً لنُقِل. الفرع الثالث: حكم الفطر مع الشك في غروب الشمس لا يجوز الفطر مع الشك في غروب الشمس، فمن أكل شاكًّا في غروب الشمس ولم يتبين له بعد ذلك هل غربت أم لا، أو تبين أنها لم تغرب، فإنه يأثم، ويجب عليه القضاء في الحالتين، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة (٧). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧] وجه الدلالة: أنه لا بد أن يتم الصائم صومه إلى الليل، أي: إلى غروب الشمس. ثانياً: من السنة: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم)). أخرجه البخاري ومسلم (٨). فلا بد أن تغرب الشمس، والأصل بقاء النهار حتى يُتيَقَّن، أو يغلب على الظن غروب الشمس، فمن أكل وهو شاكٌّ فقد تجاوز حده، وفعل ما لم يُؤذَن له فيه.

стр. 307

المطلب الثاني: ما يفطر عليه الصائم الفرع الأول: ما يستحب أن يفطر عليه الصائم يستحب الإفطار على رطب، فإن لم يوجد فتمر، فإن لم يوجد فماء، وهو قول عامة أهل العلم (١). الدليل: عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات، حسا حسوات (٢) من ماء)) (٣). الفرع الثاني: من لم يجد رطباً ولا تمراً ولا ماء من لم يجد رطباً ولا تمراً ولا ماء، فليفطر على ما تيسر من مأكول أو مشروب (٤). الفرع الثالث: من لم يجد شيئا يفطر عليه من مأكول أو مشروب من لم يجد شيئا يفطر عليه من مأكول أو مشروب، فإنه ينوي الفطر بقلبه (٥) ولا يمص إصبعه، أو يجمع ريقه ويبلعه كما يفعل البعض (٦).

стр. 308

المطلب الثالث: ما يقال عند الإفطار عن ابن عمر أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: ((ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر (١) إن شاء الله)) (٢).

стр. 309

المطلب الأول: تعريف السحور لغة واصطلاحاً أولاً: تعريف السحور لغةً: السَّحُور بالفتح: طعامُ السَّحَرِ وشرابُه، وبالضم: أكل هذا الطعام. فهو بالفتح اسم ما يُتَسَحَّر به، وبالضم المصدر والفعل نفسه (١). ثانياً: تعريف السحور اصطلاحاً: السَّحور هو: كلُّ طعام أو شراب يتغذَّى به آخر الليل من أراد الصيام (٢).

стр. 310

المطلب الثاني: حكم السحور السحور سنةٌ في حق من يريد الصيام. الأدلة: أولاً من السنة: ثبت ذلك عن النبي ﷺ بالسنة القولية والفعلية. ١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((تسحروا فإن في السَّحور بركة (١))). أخرجه البخاري ومسلم (٢). ٢ - وعن أنس ﵁ أن زيد بن بن ثابت ﵁ حدثه: ((أنهم تسحروا مع النبي ﷺ ، ثم قاموا إلى الصلاة ... (٣))). أخرجه البخاري ومسلم (٤). ثانياً: الإجماع: وممن نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٥)، وابن قدامة (٦)، والنووي (٧).

стр. 311

المطلب الثالث: فضائل السحور السحور بركة (١) الدليل: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((تسحروا فإن في السَّحور بركة)). أخرجه البخاري ومسلم (٢). والبركة في السحور تحصل بجهات متعددة، منها: اتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام (٣).

стр. 312

المطلب الرابع: الحكمة من السحور من حكم السحور ومقاصده: ١ - أنه معونة على العبادة، فإنه يعين الإنسان على الصيام. ٢ - وفيه مخالفة أهل الكتاب فإنهم لا يتسحرون. الدليل: عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السَّحَر)) أخرجه مسلم (١). معناه: الفارقُ والمميزُ بين صيامنا وصيامهم: السحور؛ فإنهم لا يتسحرون، ونحن يستحب لنا السحور. وأَكلة السَّحَر هي: السحور (٢).

стр. 313

المطلب الخامس: وقت السحور واستحباب تأخيره الفرع الأول: وقت السحور وقت السحور يكون في آخر الليل (١). الفرع الثاني: تأخير السحور المسألة الأولى: حكم تأخير السحور يستحب تأخير السحور إلى قرب طلوع الفجر، ما لم يخش طلوعه، فإن خشي طلوعه فليبادر إلى التسحر (٢). وقد اتفق الفقهاء على أن تأخير السحور من السنة (٣). الدليل: عن أنس ﵁ أن زيد بن ثابت ﵁ حدَّثه ((أنهم تسحروا مع النبي ﷺ ثم قاموا إلى الصلاة، قلت - أي أنس -: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين آية (٤))). أخرجه البخاري ومسلم (٥). ففي الحديث: بيان هدي النبي ﷺ في تأخير السحور إلى قبيل الفجر (٦). المسألة الثانية: حكم قضاء من تسحر معتقداً أنه ليل، فتبين له دخول وقت الفجر من تسحر معتقداً أنه ليل، فتبين له أن الفجر قد دخل وقته، فقد اختلف أهل العلم هل عليه القضاء أم لا؟ على قولين: القول الأول: صومه صحيح، ولا قضاء عليه، وهو قول طائفة من السلف (٧): واختاره ابن تيمية (٨)، وابن عثيمين (٩). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قول الله : فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧] وجه الدلالة:

стр. 314

أنَّ الأصل بقاء الليل حتى يتبين دخول الفجر, وضد التبين: الشك والظن، ومن القواعد الفقهية المقررة أن اليقين لا يزول بالشك، فما دمنا لم نتبين الفجر، فلنا أن نأكل ونشرب. ١ - قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] وجه الدلالة: أن من أكل أو شرب جاهلاً بدخول وقت الفجر فهو مخطئ، والخطأ معفوٌّ عنه. ثانياً: من السنة: حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ حيث قالت: ((أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم ثم طلعت الشمس)). أخرجه البخاري (١). ولم ينقل أنهم أمروا بالقضاء، وإذا كان هذا في آخر النهار فأوله من باب أولى؛ لأن أوله مأذون له بالأكل والشرب فيه حتى يتبين له الفجر (٢). القول الثاني: عليه القضاء، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦). الدليل: قول الله : فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧] وتبيُّنُ طلوع الفجر قد حصل في هذه الحالة، فلزمه القضاء (٧). المسألة الثالثة: حكم تناول السحور أثناء الأذان - إن كان المؤذن ثقة لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر، وجب الإمساك بمجرد سماع أذانه. - وإن كان المؤذن يؤذِّن قبل طلوع الفجر لم يجب الإمساك وجاز الأكل والشرب حتى يتبين الفجر، كما لو عرف أن المؤذن يتعمد تقديم الأذان قبل الوقت، أو كأن يكون في برية ويمكنه مشاهدة الفجر، فإنه لا يلزمه الإمساك إذا لم يطلع الفجر، ولو سمع الأذان. - وإن كان لا يعلم حال المؤذن، هل أذَّن قبل الفجر أو بعد الفجر، فإنه يمسك أيضاً فإن الأصل أن المؤذن لا يؤذِّن إلا إذا دخل الوقت، وهذا أضبط في الفتوى وعليه عمل الناس. الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٧] وجه الدلالة:

стр. 315

أن الله قد علَّق الحكم بتبين طلوع الفجر، أي تيقن دخول وقته. ثانياً: من السنة: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)). أخرجه البخاري ومسلم (١). فعلق ﷺ أذان ابن أم مكتوم ﵁ بدخول وقت الفجر الثاني، فالعبرةُ بذلك، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فمتى دخل وقت الفجر وجب الإمساك، وإن لم يُؤذَّن للصلاة، ومتى لم يدخل وقت الفجر لم يجب الإمساك وإن أُذِّن للصلاة. أدلة الإمساك عملاً بالأحوط كما في بعض الحالات السابقة: ١ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهة فمن ترك ما شُبِّه عليه من الإثم كان لما استبان أترك ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان ... )) أخرجه البخاري ومسلم (٢). ٢ - عن الحسن بن علي ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : ((دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك)) (٣) المسألة الرابعة: من طلع عليه الفجر وفي فمه طعام اتفق أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة على أن من طلع عليه الفجر وفي فمه طعام أن يلفظه ويتم صومه، فإن ابتلعه بعد علمه بالفجر بطل صومه (٤)؛ وذلك لأنه ابتلع طعاماً باختياره مع أنه يمكنه لفظه فأفطر بذلك. واستثنى بعض أهل العلم (٥) من سمع الأذان وفي يده إناء، أن يتناول منه، واستشهدوا بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه)) (٦).

стр. 316

المطلب السادس: ما يحصل به السحور الفرع الأول: ما يحصل به السحور يحصل السحور بكل مطعوم أو مشروب (١) ولو كان قليلاً (٢). الدليل: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((السحور أكله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء .. )) (٣). الفرع الثاني: ما يسن التسحر به يسن التسحر بالتمر. الدليل: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((نِعْمَ سحور المؤمن التمر)) (٤).

стр. 317

المبحث الثالث: اجتناب الصائم للمحرمات إن ثمرة الصيام الأساسية هي أن يكون حافزاً للصائم على تقوى الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣] أي: من أجل أن تتقوا الله وتجتنبوا محارمه. ولا يريد الله سبحانه من عباده أن يضيق عليهم بترك الأكل والشرب والجماع ولكن يريد أن يمتثلوا أمره. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه (١))). أخرجه البخاري (٢). فالصيام مدرسة عظيمة، فيها يكتسب الصائمون فضائل جليلة، ويتخلَّصون من خصال ذميمة، يتعودون على ترك المحرمات، ويقلعون عن مقارفة السيئات. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث (٣)، ولا يصخب (٤) فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم)). أخرجه البخاري ومسلم (٥). وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ أيضا أن النبي ﷺ قال: ((إذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل (٦) فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم)). أخرجه البخاري ومسلم (٧). فيجب على الصائم خاصة، الحذر من المعاصي واجتنابها، فهي تجرح الصوم، وتُنقِصُ الأجر (٨)، وذلك مثل الغيبة، والنميمة، والكذب، والغش، والسخرية من الآخرين، وسماع الأغاني، والمعازف، والنظر إلى المحرمات، وغير ذلك من أنواع المعاصي والمنكرات.

стр. 318

المبحث الرابع: اشتغال الصائم بالطاعات دلت الأدلة الشرعية على أن الحسنات تُضاعَف أضعافاً كثيرةً في الزمان الفاضل، كرمضان وغيره (١). فحريٌّ بالصائم الذي امتنع عن المباحات من المفطرات، وابتعد عن جميع المحرمات، أن يكون ديدنه الاشتغال بالطاعات، على كثرة أنواعها، وتنوع أصنافها، كقراءة القرآن الكريم، وكثرة الذكر، والدعاء، والإحسان إلى الآخرين، والتعاون على البر والتقوى، ومن ذلك تفطير الصائمين. فعن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فطَّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً (٢))) (٣). فينبغي للإنسان أن يحرص على تفطير الصائمين بقدر المستطاع، لاسيما إذا كان الصائم فقيراً محتاجاً، أو عاجزاً.

стр. 319

المبحث الخامس: ما يقوله الصائم إن سابَّه أحد أو شاتمه أو قاتله ينبغي للصائم إن سابه أحد أو شاتمه أو قاتله أن يقول جهراً (١): إني صائم. الدليل: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم)). أخرجه البخاري ومسلم (٢). وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا أصبح أحدكم يوماً صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم (٣))). أخرجه البخاري ومسلم (٤).

стр. 320

المبحث السادس: ما يفعله الصائم إذا دعي إلى طعام ينبغي للصائم إذا دعي إلى طعام أن يقول: إني صائم، سواء كان صوم فرض أو نفل. فإن كان يشق على صاحب الطعام صومُه، استُحِبَّ له الفطر وإلا فلا، هذا إذا كان صوم تطوع، فإن كان صوماً واجباً حرُمَ الفطر (١). الأدلة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم)). أخرجه مسلم (٢). ٢ - عن أنس ﵁ قال: ((دخل النبي ﷺ على أم سليم فأتته بتمر وسمن، قال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم. ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها (٣))). أخرجه البخاري ومسلم (٤). وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، وإن لم يسمح وطالبه بالحضور لزمه الحضور ولا يلزمه الأكل (٥). ومن أهل العلم من فرَّق بين الفرض والنفل في مسألة الحضور، فإن كان صومه فرضا فليس عليه أن يحضر؛ لأن الداعي سيعذره، وإن كان نفلا فيُنظر إن كان الداعي ممن له حق عليه لقرابة أو صداقة ويخشى إن اعتذر أن يكون في قلبه شيء، فالأفضل أن يحضر ولا يعتذر (٦). - ومن حضر وهو صائم، ولم يفطر، فليدعُ لصاحب الطعام (٧). الدليل: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليصل (٨)، وإن كان مفطرا فليطعم)). أخرجه مسلم (٩). وفي رواية عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليدعُ)) (١٠).
следующие страницы →