← Фикх общий

Фикх общий · id 38056

الموسوعة الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 364 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المطلب السادس: ما يحصل به السحور الفرع الأول: ما يحصل به السحور يحصل السحور بكل مطعوم أو مشروب (١) ولو كان قليلاً (٢). الدليل: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((السحور أكله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء .. )) (٣). الفرع الثاني: ما يسن التسحر به يسن التسحر بالتمر. الدليل: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((نِعْمَ سحور المؤمن التمر)) (٤).

стр. 317

المبحث الثالث: اجتناب الصائم للمحرمات إن ثمرة الصيام الأساسية هي أن يكون حافزاً للصائم على تقوى الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣] أي: من أجل أن تتقوا الله وتجتنبوا محارمه. ولا يريد الله سبحانه من عباده أن يضيق عليهم بترك الأكل والشرب والجماع ولكن يريد أن يمتثلوا أمره. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه (١))). أخرجه البخاري (٢). فالصيام مدرسة عظيمة، فيها يكتسب الصائمون فضائل جليلة، ويتخلَّصون من خصال ذميمة، يتعودون على ترك المحرمات، ويقلعون عن مقارفة السيئات. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث (٣)، ولا يصخب (٤) فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم)). أخرجه البخاري ومسلم (٥). وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ أيضا أن النبي ﷺ قال: ((إذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل (٦) فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم)). أخرجه البخاري ومسلم (٧). فيجب على الصائم خاصة، الحذر من المعاصي واجتنابها، فهي تجرح الصوم، وتُنقِصُ الأجر (٨)، وذلك مثل الغيبة، والنميمة، والكذب، والغش، والسخرية من الآخرين، وسماع الأغاني، والمعازف، والنظر إلى المحرمات، وغير ذلك من أنواع المعاصي والمنكرات.

стр. 318

المبحث الرابع: اشتغال الصائم بالطاعات دلت الأدلة الشرعية على أن الحسنات تُضاعَف أضعافاً كثيرةً في الزمان الفاضل، كرمضان وغيره (١). فحريٌّ بالصائم الذي امتنع عن المباحات من المفطرات، وابتعد عن جميع المحرمات، أن يكون ديدنه الاشتغال بالطاعات، على كثرة أنواعها، وتنوع أصنافها، كقراءة القرآن الكريم، وكثرة الذكر، والدعاء، والإحسان إلى الآخرين، والتعاون على البر والتقوى، ومن ذلك تفطير الصائمين. فعن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فطَّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً (٢))) (٣). فينبغي للإنسان أن يحرص على تفطير الصائمين بقدر المستطاع، لاسيما إذا كان الصائم فقيراً محتاجاً، أو عاجزاً.

стр. 319

المبحث الخامس: ما يقوله الصائم إن سابَّه أحد أو شاتمه أو قاتله ينبغي للصائم إن سابه أحد أو شاتمه أو قاتله أن يقول جهراً (١): إني صائم. الدليل: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم)). أخرجه البخاري ومسلم (٢). وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا أصبح أحدكم يوماً صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم (٣))). أخرجه البخاري ومسلم (٤).

стр. 320

المبحث السادس: ما يفعله الصائم إذا دعي إلى طعام ينبغي للصائم إذا دعي إلى طعام أن يقول: إني صائم، سواء كان صوم فرض أو نفل. فإن كان يشق على صاحب الطعام صومُه، استُحِبَّ له الفطر وإلا فلا، هذا إذا كان صوم تطوع، فإن كان صوماً واجباً حرُمَ الفطر (١). الأدلة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم)). أخرجه مسلم (٢). ٢ - عن أنس ﵁ قال: ((دخل النبي ﷺ على أم سليم فأتته بتمر وسمن، قال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم. ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها (٣))). أخرجه البخاري ومسلم (٤). وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، وإن لم يسمح وطالبه بالحضور لزمه الحضور ولا يلزمه الأكل (٥). ومن أهل العلم من فرَّق بين الفرض والنفل في مسألة الحضور، فإن كان صومه فرضا فليس عليه أن يحضر؛ لأن الداعي سيعذره، وإن كان نفلا فيُنظر إن كان الداعي ممن له حق عليه لقرابة أو صداقة ويخشى إن اعتذر أن يكون في قلبه شيء، فالأفضل أن يحضر ولا يعتذر (٦). - ومن حضر وهو صائم، ولم يفطر، فليدعُ لصاحب الطعام (٧). الدليل: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليصل (٨)، وإن كان مفطرا فليطعم)). أخرجه مسلم (٩). وفي رواية عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليدعُ)) (١٠).

стр. 321

الباب الثاني: شهر رمضان فضائله، خصائصه، حكم صومه، طرق إثبات دخوله وخروجه • الفصل الأول: فضائل شهر رمضان. • الفصل الثاني: خصائص شهر رمضان وليلة القدر. • الفصل الثالث: حكم صوم شهر رمضان، وحكم تاركه. • الفصل الرابع: إثبات دخول شهر رمضان وخروجه.

стр. 322

الفصل الأول: فضائل شهر رمضان ١ - تُكفَّر به الخطايا: الدليل: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان (١) إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر)). أخرجه مسلم (٢). ٢ - تُغفَر فيه الذنوب: الأدلة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه)). أخرجه البخاري ومسلم (٣). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (( .. ورغم أنف رجلٍ دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يُغفرَ له .. )) (٤). ٣ - صيام رمضان من أسباب دخول الجنة: الدليل: عن جابر ﵁ ((أن رجلا سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا، أأدخل الجنة؟ فقال النبي ﷺ : نعم)). أخرجه مسلم (٥).

стр. 323

المبحث الأول: خصائص شهر رمضان ١. فيه أُنزل القرآن: الدليل: قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة: ١٨٥] وكان هذا في ليلة القدر من رمضان، قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] وقال سبحانه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ [الدخان: ٣] ٢. فيه أُنزلت الكتب الإلهية الأخرى: الدليل: عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أنزلت صحف إبراهيم أول ليلةٍ من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لستٍّ مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربعٍ وعشرين خلت من رمضان)) (١). ٣. فيه تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين: الدليل: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين)). أخرجه البخاري ومسلم (٢). ٤. العمرة فيه تعدل حجة: الدليل: عن ابن عباس ﵄، قال: ((قال رسول الله ﷺ لامرأةٍ من الأنصار: ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت: لم يكن لنا إلا ناضحان، فحج أبو ولدها وابنها على ناضح وترك لنا ناضحاً ننضح عليه. قال: فإذا جاء رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة)). أخرجه البخاري ومسلم (٣). وفي روايةٍ عن ابن عباس ﵄، قال: ((لما رجع النبي ﷺ من حجته قال لأم سنان الأنصارية: ما منعك من الحج؟ قالت: أبو فلان - تعني زوجها - كان له ناضحان حج على أحدهما والآخر يسقي أرضاً لنا. قال: فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي)). أخرجه البخاري ومسلم (٤). - وهذا الفضل ليس مختصًّا بهذه المرأة وحدها، بل هو عامٌّ لجميع المسلمين (٥)، (٦). - وكان السلف ﵏ يسمون العمرة في رمضان: الحج الأصغر (٧)؛ لأن المعتمر في رمضان إن عاد إلى بلده فقد أتى بسفرٍ كاملٍ للعمرة ذهاباً وإياباً في شهر رمضان، فاجتمع له حرمة شهر رمضان وحرمة العمرة، وصار ما في ذلك من شرف الزمان والمكان، يناسب أن يُعدَلَ بما في الحج من شرف الزمان - وهو أشهر الحج - وشرف المكان (٨). - كما أن هذه العمرة لا تغني عن حجة الإسلام الواجبة، بإجماع أهل العلم (٩)، فلا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون مجزئاً عنه، فهو يعادله في الثواب لا في الإجزاء عنه (١٠).

стр. 324

المبحث الثاني: ليلة القدر أ- تعريف ليلة القدر، وإثبات وجودها · تعريف ليلة القدر ليلة القدر مركبة من كلمتين: الأولى: ليلة وهي لغة: ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ويقابلها النهار. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي لها عن المعنى اللغوي. والثانية: القدر، ومعناه لغة: الشرف والوقار، ومن معانيه أيضاً: الحكم والقضاء والتضييق. واختلف العلماء في المراد به على عدة أقوال منها: - التعظيم والتشريف، ومنه قوله تعالى: وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:٩١] والمعنى: أنها ليلة ذات قدر وشرف؛ لنزول القرآن فيها، وغير ذلك، أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر وشرف. - التضييق ومنه قوله تعالى: وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق:٧]. ومعنى التضييق فيها: إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة. - القدْر بمعنى القدَر - بفتح الدال - بمعنى الحكم والفصل والقضاء، قال العلماء: سميت ليلة القدر بذلك لما تكتب فيها الملائكة من الأرزاق والآجال وغير ذلك مما سيقع في هذه السنة بأمرٍ من الله سبحانه لهم بذلك، ويدل عليه قول الله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (١) [الدخان: ٣ - ٥]. · هل ليلة القدر موجودة أم رفعت؟ ليلة القدر موجودةٌ لم ترفع، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وهذا مذهب عامة أهل العلم (٢). الأدلة: الأحاديث الكثيرة التي تحث المسلم على طلبها والاجتهاد في إدراكها، ومنها: - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)). أخرجه البخاري ومسلم (٣). - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)). أخرجه البخاري ومسلم (٤). ب- فضل ليلة القدر وقيامها · فضل ليلة القدر - أنزل فيها القرآن: قال تعالى: إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١]. - يقدر الله فيها كل ما هو كائنٌ في السنة: قال تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: ٤، ٥]. وهو تقديرٌ ثانٍ، إذ إن الله قدر كل شيء قبل أن يخلق الخلائق بخمسين ألف سنة. ففي تلك الليلة يقدر الله مقادير الخلائق على مدار العام، ويكتب فيها الأحياء والأموات والناجون والهالكون، والسعداء والأشقياء، والعزيز والذليل، وكل ما أراده الله في السنة المقبلة، يُكتَبُ في ليلة القدر هذه. (٥) - أنها ليلة مباركة: قال تعالى إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان: ٣]. - العبادة فيها تفضل العبادة في ألف شهر: قال تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر: ٣].

стр. 325

فالعبادة فيها أفضل عند الله من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وألف شهر أي: ثلاث وثمانين سنة وثلاثة أشهر تقريباً. - ينزل فيها جبريل والملائكة بالخير والبركة: قال تعالى: تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٤]. فتنزل الملائكة فيها إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة والمغفرة. - ليلة القدر سلامٌ: قال تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر: ٥] فهي ليلةٌ خاليةٌ من الشر والأذى، وتكثر فيها الطاعة وأعمال الخير والبر، وتكثر فيها السلامة من العذاب، فهي سلامٌ كلها. · فضل قيامها عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)). أخرجه البخاري ومسلم (١). ج- ما يشرع في ليلة القدر · القيام: يشرع في هذه الليلة الشريفة قيام ليلها بالصلاة. الدليل: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)). أخرجه البخاري ومسلم (٢) · الاعتكاف: يشرع في ليلة القدر الاعتكاف، فقد كان رسول الله ﷺ يعتكف في العشر الأواخر التماساً لليلة القدر. الدليل: عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر، وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر)). أخرجه البخاري ومسلم (٣) · الدعاء: يشرع الدعاء فيها والتقرب به إلى الله ﵎. الدليل: عن عائشة ﵂ قالت: ((قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني)) (٤). · العمل الصالح: قال الله تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر: ٣] قال كثير من المفسرين: أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، ففي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر (٥). د- وقت ليلة القدر وعلامتها وقت ليلة القدر

стр. 326

ثبتت الأحاديث أنها في العشر الأواخر من رمضان، وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره ابن تيمية (٤) والصنعاني (٥)، وابن باز (٦)، وابن عثيمين (٧). الأدلة: - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)). أخرجه البخاري ومسلم (٨) - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى)). أخرجه البخاري (٩). - عن ابن عمر ﵄، ((أنَّ رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر)). أخرجه البخاري ومسلم (١٠). - عن ابن عمر ﵄ قال: ((رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، فقال النبي ﷺ : أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها)). أخرجه البخاري ومسلم (١١) هل ليلة القدر تتنقل أم هي ثابتة؟

стр. 327

لا تختص ليلة القدر بليلة معينة في جميع الأعوام، بل تتنقل في ليالي العشر الأواخر من رمضان، وهو قول أبي حنيفة (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)، واختاره ابن عبدالبر (٤)، والنووي (٥) وابن حجر (٦)، وابن باز (٧)، وابن عثيمين (٨). فتكون في عامٍ ليلة سبع وعشرين مثلاً، وفي عامٍ آخر ليلة خمس وعشرين تبعاً لمشيئة الله تعالى وحكمته. الدليل: - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((كنت أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وقد أريت هذه الليلة، ثم أنسيتها، فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين. فاستهلت السماء في تلك الليلة فأمطرت، فوكف المسجد في مصلى النبي ﷺ ليلة إحدى وعشرين، فبصرت عيني رسول الله ﷺ ونظرت إليه انصرف من الصبح ووجهه ممتلئ طيناً وماءً)). أخرجه البخاري ومسلم (٩). - عن عبد الله بن أنيس أن رسول الله ﷺ قال: ((أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، وأُراني صبحَها أسجد في ماء وطين، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله، فانصرف، وإنّ أثر الماء والطين على جبهته وأنفه)). أخرجه البخاري ومسلم (١٠). سبب إخفاء ليلة القدر عن العباد - أخفى سبحانه علمها على العباد رحمة بهم؛ ليكثر عملهم في طلبها في تلك الليالي الفاضلة بالصلاة والذكر والدعاء؛ فيزدادوا قربة من الله وثواباً. - أخفاها اختباراً لهم أيضاً ليتبين بذلك من كان جادًّا في طلبها حريصاً عليها ممن كان كسلان متهاوناً، فإن من حرص على شيء جدَّ في طلبه، وهان عليه التعب في سبيل الوصول إليه والظفر به. علامة ليلة القدر أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، صافية ليست كعادتها في بقية الأيام. الدليل: عن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: (( ... أخبرنا رسولُ الله ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها)). أخرجه مسلم (١١) وفي لفظ آخر لمسلم عن أبي بن كعب ﵁: ((وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها)). أخرجه مسلم (١٢).

стр. 328

الفصل الثالث: حكم صوم شهر رمضان، وحكم تاركه • المبحث الأول: حكم صوم شهر رمضان. • المبحث الثاني: حكم ترك صوم شهر رمضان.

стр. 329

المبحث الأول: حكم صوم شهر رمضان يجب صوم شهر رمضان وهو فريضة، وركنٌ من أركان الإسلام. الأدلة: أولاً: من الكتاب: ١ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣] ٢ - قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] ثانياً: من السنة: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)). أخرجه البخاري ومسلم (١). ثالثاً: الإجماع: أجمع أهل العلم على فرضية صوم شهر رمضان، وأنه من مباني الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، وممن نقل الإجماع على فرضيته: ابن قدامة (٢)، والنووي (٣)، وابن تيمية (٤).

стр. 330

المطلب الأول: حكم من ترك صوم شهر رمضان جاحداً لفرضيته من ترك صوم شهر رمضان جاحداً لفرضيته فهو كافرٌ بإجماع أهل العلم إلا أن يكون قريب العهد بالإسلام، أو نشأ بباديةٍ بعيدة من المسلمين، بحيث يعقل أن يخفى عليه وجوبها (١).

стр. 331

المطلب الثاني: حكم من ترك صوم شهر رمضان متعمداً كسلاً وتهاوناً من ترك صوم شهر رمضان متعمداً كسلاً وتهاوناً ولو يوماً واحداً منه، بحيث إنه لم ينو صومه من الأصل، فقد أتى كبيرةً من كبائر الذنوب، وتجب عليه التوبة، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم (١)، واختلفوا هل عليه القضاء أم لا؟ على قولين: القول الأول: عليه القضاء (٢)، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك (٣)، وبه أفتى ابن باز (٤). القول الثاني: لا يلزمه القضاء، وهو مذهب الظاهرية (٥)، واختاره ابن تيمية (٦)، وابن عثيمين (٧). الأدلة: أولاً: من الكتاب: عموم قول الله تعالى: وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٢٩] وجه الدلالة: أنَّ ترْكَ صوم رمضان من تعدي حدود الله ، وتعدي حدود الله تعالى ظلم، والظالم لا يُقبل منه. ثانياً: من السنة: عموم حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)). أخرجه البخاري ومسلم (٨) فالقاعدة أن كل عبادة مؤقتة بوقت معين لا تقبل من صاحبها، إذا أخرت عن ذلك الوقت المعين بلا عذر، وعليه فمن ترك صوم رمضان لا يقبل منه لو صامه قضاء. ثالثاً: القياس: فكما لو أنه قدم هذه العبادة على وقتها - أي فعلها قبل دخول الوقت - لم تقبل منه، فكذلك إذا فعلها بعده لم تقبل منه إلا أن يكون معذوراً.

стр. 332

الفصل الرابع: إثبات دخول شهر رمضان وخروجه • المبحث الأول: طرق إثبات دخول شهر رمضان. • المبحث الثاني: طرق إثبات خروج شهر رمضان.

стр. 333

المبحث الأول: طرق إثبات دخول شهر رمضان • المطلب الأول: رؤية الهلال. • المطلب الثاني: إكمال شعبان ثلاثين يوماً. • المطلب الثالث: الحساب الفلكي.

стр. 334

المطلب الأول: رؤية الهلال الفرع الأول: طلب رؤية الهلال يشرع ترائي الهلال في اليوم التاسع والعشرين ليلة الثلاثين (١)، ومن أهل العلم من يعبر باستحباب ذلك (٢) ومنهم من يعبر بأنه فرض كفاية (٣). الأدلة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)). أخرجه البخاري ومسلم (٤) ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحصوا هلال شعبان لرمضان)) (٥). ٣ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: ((كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام)) (٦). ٤ - وقد حرص أصحاب النبي ﷺ في حياته وبعد وفاته على رؤية هلال رمضان فكانوا يتراءونه (٧): ١ - فعن ابن عمر ﵄ قال: ((تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصامه، وأمر الناس بصيامه)) (٨). ٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلاً حديد البصر، فرأيته وليس أحدٌ يزعم أنه رآه غيري - قال - فجعلت أقول لعمر أما تراه؟ فجعل لا يراه - قال - يقول عمر: سأراه وأنا مستلقٍ على فراشي)). أخرجه مسلم (٩). الفرع الثاني: العدد المعتبر في الرؤية

стр. 335

يكفي في ثبوت دخول رمضان شهادة عدلٍ واحد، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وطائفةٍ من السلف (٣)، وهو اختيار ابن باز (٤)، وابن عثيمين (٥). الأدلة: أولاً: من السنة: عن ابن عمر ﵄ قال: ((تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصامه، وأمر الناس بصيامه)) (٦). ثانياً: القياس قياساً على الأذان، فالناس يفطرون بأذان الواحد، ويمسكون بأذان الواحد، كما قال النبي ﷺ : ((إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)). أخرجه البخاري ومسلم (٧). الفرع الثالث: اشتراط قوة البصر مع العدالة يُشترَطُ في الرائي مع عدالته، قوةُ بصره (٨). الأدلة: ١ - عموم قوله تعالى حكايةً عن إحدى ابنتي صاحب مدين: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص: ٢٦] ٢ - عموم قوله تعالى: قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩] وجه الدلالة من الآيتين: أن القوة والأمانة شرطان أساسيان في العمل، ومن ذلك الشهادة، إذ لابد فيها من الأمانة التي تقتضيها العدالة، ولابد فيها من القوة التي يحصل بها إدراك المشهود به. الفرع الرابع: من رأى هلال رمضان وحده ولم يشهد برؤيته، أو شهد ولم تقبل شهادته المسألة الأولى: حكم من رأى الهلال وحده من رأى هلال رمضان وحده، ولم يشهد برؤيته، أو شهد ولم تقبل شهادته، فقد اختلف فيه أهل العلم هل يصوم وحده أم لا؟ على قولين:

стр. 336

القول الأول: يصوم مع الناس (١)، إذا صاموا، ولا يبني على رؤيته، وهذا قولٌ لبعض السلف (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، واختيار ابن تيمية (٤)، وابن باز (٥). الدليل: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) (٦). وجه الدلالة: أن المعتبر في الصيام أو الإفطار هو الذي يثبت عند الناس، والشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته، لا يكون هذا صوماً له، كما لم يكن للناس. القول الثاني: يصوم بناءً على رؤيته (٧)، وهو قول أكثر أهل العلم (٨) واتفقت عليه المذاهب الفقهية: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢)، والظاهرية (١٣)، وهو اختيار ابن عثيمين (١٤). الأدلة: أولا: من الكتاب: عموم قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ..... [البقرة: ١٨٥]. ثانيا: من السنة: عموم حديث أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا .. )). أخرجه مسلم (١٥). وجه الدلالة: أنه قد أمر بالصيام عند رؤية الهلال، ومن رآه لوحده داخلٌ في عموم الأمر بذلك. المسألة الثانية: من رأى هلال رمضان وحده وهو في مكان ناءٍ ليس فيه أحد من رأى هلال رمضان وحده وهو في مكانٍ ناءٍ ليس فيه أحد، فإنه يصوم، ويبني على رؤيته، ولا يرد عليه الخلاف السابق، ونص عليه ابن تيمية (١٦)، وابن باز (١٧)، وابن عثيمين (١٨). الأدلة: أولاً: من الكتاب: عموم قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ..... [البقرة: ١٨٥] ثانياً: من السنة:

стр. 337

عموم حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا .. )). أخرجه مسلم (١) فمن رآه لوحده داخلٌ في عموم الأمر بذلك. الفرع الخامس: اتفاق المطالع واختلافها إذا رأى أهل بلدٍ الهلال، فقد اختلف أهل العلم هل يلزم الناس بالصوم بناءً على رؤية هذا البلد، أم أن لكل بلدٍ رؤية مستقلة؟ على أقوال، منها: القول الأول: يجب الصوم على الجميع مطلقاً، وهو قول الجمهور من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو اختيار ابن تيمية (٥)، وابن باز (٦)، والألباني (٧)، وصدر على وَفقه قرار المجمع الفقهي (٨). الأدلة: أولاً: من الكتاب: عموم قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ..... [البقرة: ١٨٥] وجه الدلالة: أن الخطاب يشمل جميع الأمة، فإذا ثبت دخول الشهر في بلد، وجب على الجميع صومه. ثانياً: من السنة: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته)). أخرجه البخاري ومسلم (٩). وجه الدلالة: أن الحديث قد أوجب الصوم بمطلق الرؤية لجميع المسلمين، دون تحديد ذلك بمكانٍ معين. القول الثاني: لا يجب الصوم على الجميع مع اختلاف المطالع، وإنما يجب على من رآه أو كان في حكمهم بأن توافقت مطالع الهلال، وهذا قول الشافعية (١٠)، وهو قول طائفةٍ من السلف (١١)، واختاره الصنعاني (١٢)، وابن عثيمين (١٣). الأدلة: أولاً: من الكتاب: عموم قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ..... [البقرة: ١٨٥] وجه الدلالة: أن الذين لا يوافقون في المطالع من شاهده، لا يُقال إنهم شاهدوه حقيقة ولا حكماً، والله تعالى أوجب الصوم على من شاهده. ثانياً: من السنة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)). أخرجه البخاري ومسلم (١٤). وجه الدلالة:

стр. 338

أن النبي ﷺ علَّل الأمر في الصوم بالرؤية، ومن يخالف من رآه في المطالع، لا يقال إنه رآه لا حقيقةً ولا حكماً. ٢ - عن كريب ((أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس ﵄، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي - شك يحيى بن يحيى، أحد رواة الحديث، في نكتفي أو تكتفي - برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ). أخرجه مسلم (١). ثالثاً: القياس: فهناك اختلافٌ في التوقيت اليومي بين المسلمين بالنص والإجماع، فإذا طلع الفجر في المشرق، فلا يلزم أهل المغرب أن يمسكوا، ولو غابت الشمس في المشرق، فليس لأهل المغرب الفطر. فكما أن المسلمين مختلفون في الإفطار والإمساك اليومي، فلا بد أن يختلفوا كذلك في الإمساك والإفطار الشهري. الفرع السادس: الرؤية عبر الوسائل الحديثة المسألة الأولى: حكم الاعتماد على الأقمار الصناعية في رؤية الهلال لا يجوز الاعتماد على الأقمار الصناعية في رؤية الهلال؛ وذلك لأن الأقمار الصناعية تكون مرتفعةً عن الأرض التي هي محل ترائي الهلال (٢). المسألة الثانية: حكم استعمال المراصد الفلكية لرؤية الهلال يجوز استعمال المراصد الفلكية لرؤية الهلال كالدربيل وهو المنظار المقرِّب، ولكنه ليس بواجب (٣)، فلو رأى الهلال عبرها من يُوثَقُ به فإنه يُعمل بهذه الرؤية، وهو اختيار ابن باز (٤)، وابن عثيمين (٥)، وبه صدر قرار هيئة كبار العلماء (٦)، وهو قرار مجمع الفقه الإسلامي (٧). الدليل: عموم ما جاء عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (( .. فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)). أخرجه مسلم (٨) وجه الدلالة: أن هذه الرؤية تحصل باستعمال المراصد الفلكية. الفرع السابع: من اشتبهت عليه الأشهر المسألة الأولى: ما يلزم الأسير ونحوه من الاجتهاد والحالات المترتبة على اجتهاده

стр. 339

من عمي عليه خبر الهلال والشهور، كالسجين والأسير بدار الحرب وغيرهما، فإنه يجتهد ويتحرى الهلال (١)، ويصوم شهراً، وهذا قول عامة الفقهاء (٢)، فهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤). والشافعية (٥)، والحنابلة (٦) (٧)، وقد حكى الماوردي إجماع السلف على ذلك (٨). - فإن صام مجتهداً بما غلب على ظنه، فله أربع حالات: ١ - أن يتبين له أن صومه وافق شهر رمضان، فصومه صحيح، ولا إعادة عليه؛ قياساً على من اجتهد في القبلة، وصلى وبان له صواب الاجتهاد، فإنه يجزئه، فكذلك الحال في الصوم إذا أدى هذه العبادة باجتهاد، فوجب إذا بان له صواب اجتهاده، أن يجزيه. ٢ - أن يستمر الإشكال عليه، فلا يعلم هل وافق الشهر أو تقدمه أو تأخره، فيجزئه ولا إعادة عليه؛ وذلك لأن الظاهر من الاجتهاد صحة الأداء، ما لم يتيقن الخطأ، وقد أدى ما عليه. ٣ - أن يتيبن له أن صومه كان قبل رمضان، فعليه الإعادة، وهو قول أكثر الفقهاء (٩)؛ وذلك لأنه تعين له يقين الخطأ، فوجب أن يلزمه القضاء، كما لو بان له أداء الصلاة قبل الوقت، فإنه تلزمه الإعادة. ٤ - أن يتبين له أنه صام بعد نهاية شهر رمضان، فهذا يجزئه، ولا إعادة عليه (١٠) إلا فيما لا يصح صيامه كالعيدين (١١)، فإن عليه أن يعيد الأيام التي لا يصح صيامها، وهو قول عامة الفقهاء (١٢)؛ وذلك لأن القضاء قد استقر في ذمته بفوات الشهر، ثم وافق صومه زمان القضاء. المسألة الثانية: حكم صوم الأسير ونحوه من غير اجتهاد إن صام الأسير ونحوه من غير اجتهاد، فلا يصح صومه، وعليه الإعادة، حتى وإن تبين له أن صومه وافق رمضان (١٣)، وهو قول الشافعية (١٤)؛ وذلك لأنه شرع في العبادة شاكًّا من غير مستند شرعي، فتعدى حدود الله تعالى، وفعل ما لم يُؤذَن له فيه.

стр. 340

المطلب الثاني: إكمال شعبان ثلاثين يوماً الفرع الأول: إذا لم تثبت الرؤية في التاسع والعشرين إذا لم تثبت رؤية هلال رمضان في التاسع والعشرين من شعبان، فإننا نكمل شعبان ثلاثين يوماً، سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة، وهو قول عامة أهل العلم (١). الدليل: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)). أخرجه البخاري ومسلم (٢) الفرع الثاني: حكم صوم يوم الثلاثين من شعبان احتياطاً لرمضان

стр. 341

لا يجوز لأحدٍ صوم يوم الثلاثين من شعبان (١)، احتياطاً لرمضان، إلا إن وافق صوماً كان يصومه (٢)، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عن أحمد (٥)، وهو قول الجصاص (٦)، وابن حزم (٧)، وابن عبد البر (٨)، وابن باز (٩)، وابن عثيمين (١٠)، (١١). الأدلة: أولاً: من الكتاب: عموم قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ..... [البقرة: ١٨٥] وهذا لم يشهد الشهر وصامه، فهو متعدٍّ لحدود الله . ثانياً: من السنة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه)). أخرجه البخاري ومسلم (١٢). ٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((الشهر تسعٌ وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)). أخرجه البخاري ومسلم (١٣). وجه الدلالة: أن هذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، فإذا وجب إكمال شعبان ثلاثين يوماً، حرم صوم يوم الشك. ٣ - عن عمار ﵁ أنه قال: ((من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ ). أخرجه البخاري معلقاً (١٤).

стр. 342

المطلب الثالث: الحساب الفلكي لا يجوز العمل بالحساب الفلكي، ولا الاعتماد عليه في إثبات دخول رمضان (١). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)). أخرجه البخاري ومسلم (٢) ٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له)). أخرجه البخاري ومسلم (٣) أوجه الدلالة: ١ - أن رسول الله ﷺ جعل الحكم بالهلال معلَّقاً على الرؤية وحدها؛ فهي الأمر الطبيعي الظاهر الذي يستطيعه عامة الناس، فلا يحصل لبس على أحد في أمر دينه، كما جاء عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((إنا أمة أمية لا نكتب، ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا)) يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين، أخرجه البخاري ومسلم (٤). ٢ - أن النبي ﷺ أمر المسلمين إذا كان هناك غيم ليلة الثلاثين أن يكملوا العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى علماء الفلك، وقد جرى العمل في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة ﵃ على ذلك، ولم يرجعوا إلى علماء النجوم في التوقيت، ولو كان قولهم هو الأصل وحده، أو أصلاً آخر مع الرؤية في إثبات الشهر لبين ذلك، فلما لم يُنقَل ذلك، بل نُقِلَ ما يخالفه، دل على أنه لا اعتبار شرعاً لما سوى الرؤية، أو إكمال العدة ثلاثين في إثبات الشهر، وأن هذا شرع مستمر إلى يوم القيامة. ٣ - الرؤية في الحديث متعدية إلى مفعول واحد، فكانت بصرية لا علمية. ٤ - كما أن الصحابة فهموا أنها رؤية بالعين، وهم أعلم باللغة ومقاصد الشريعة من غيرهم. ثانياً: الإجماع: أجمع أهل العلم على ذلك، وممن نقل الإجماع الجصاص (٥)، وابن رشد (٦)، والقرطبي (٧) وابن تيمية (٨). (٩)

стр. 343

المبحث الثاني: طرق إثبات خروج شهر رمضان • المطلب الأول: رؤية هلال شوال. • المطلب الثاني: إكمال رمضان ثلاثين يوماً.

стр. 344

المطلب الأول: رؤية هلال شوال الفرع الأول: العدد المعتبر في الرؤية لا بد من إخبار شاهدين عدلين برؤية هلال شوال، وهو قول أكثر العلماء (١). الأدلة: ١ - عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ((أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا)) (٢). المراد بقوله: ((وأفطروا)): أي خروج شهر الصوم، ودخول شوال. ومفهوم الحديث: عدم قبول شهادة الواحد على رؤية هلال شوال. ٢ - ما رواه رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: ((اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ بالله لأهل الهلال أمس عشية، فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا، وأن يغدوا إلى مصلاهم)) (٣). الفرع الثاني: حكم من رأى هلال شوال وحده من رأى هلال شوال لوحده فإنه لا يفطر حتى يفطر الناس (٤)، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (٥)، والمالكية والحنابلة، (٦)، وهو اختيار ابن تيمية (٧)، وابن باز (٨)، وابن عثيمين (٩). الدليل: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (( .. والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) (١٠). فإذا لم يفطر الناس وجب أن لا يفطر.

стр. 345

المطلب الثاني: إكمال رمضان ثلاثين يوماً إذا لم يَرَ هلال شوال شاهدان عدلان، وجب إكمال شهر رمضان ثلاثين يوماً، وقد حكى ابن تيمية اتفاق الأئمة على ذلك (١). الدليل: عن عبد الله بن عمر، ﵄ ((أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له (٢))). أخرجه البخاري ومسلم (٣). والمراد بقوله: ((فاقدروا له)) أي: أكملوا العدة، كما فُسِّر في روايةٍ أخرى. وهذا النص يعم شعبان ويعم رمضان.

стр. 346

الباب الثالث: من يُباح لهم الفطر • الفصل الأول: المريض. • الفصل الثاني: المسافر. • الفصل الثالث: الكبير والعجوز. • الفصل الرابع: الحامل والمرضع. • الفصل الخامس: أسباب أخرى مبيحة للفطر.

стр. 347

الفصل الأول: المريض • المبحث الأول: تعريف المرض. • المبحث الثاني: حكم فطر المريض. • المبحث الثالث: حد المرض الذي يبيح الفطر. • المبحث الرابع: قضاء المريض الذي يُرجى برؤه. • المبحث الخامس: حكم المريض الذي لا يُرجى برؤه. • المبحث السادس: أحكام متفرقة.

стр. 348

المبحث الأول: تعريف المرض المرض: نقيض الصحة، وهو السُّقم، وذلك بخروج البدن عن حدِّ الاعتدال والاعتياد (١).

стр. 349

المبحث الثاني: حكم فطر المريض يباح للمريض الفطر في رمضان، وذلك في الجملة. الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أخَرَ [البقرة:١٨٤]. ثانياً: الإجماع: نقل الإجماع على ذلك ابن حزم (١)، وابن قدامة (٢)، والنووي (٣).

стр. 350

المطلب الأول: المرض اليسير من مرض مرضاً لا يؤثر فيه الصوم ولا يتأذى به، مثل الزكام أو الصداع اليسيرين، أو وجع الضرس، وما أشبه ذلك، فلا يحل له أن يفطر، ذهب إلى ذلك عامة أهل العلم، ومنهم المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)؛ وذلك لأن المريض إذا لم يتأذَّ بالصوم كان كالصحيح فيلزمه الصيام؛ ولأن المرض لما كان منه ما يضر ومنه ما لا يضر، اُعتُبِرَت حكمته وهي ما يُخاف منه الضرر.

стр. 351

المطلب الثاني: المرض الذي يضر الصائم ويَخاف معه الهلاك إذا كان المرض يضر بالصائم، وخشي الهلاك بسببه، فالفطر عليه واجب، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وجزم به جماعةٌ من الحنابلة (٤). الأدلة: ١ - قوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] وجه الدلالة: أنَّ النهي هنا يشمل ما فيه إزهاقٌ للنفس، وما فيه ضرر؛ بدليل احتجاج عمرو بن العاص ﵁ بهذه الآية على تركه الاغتسال في شدة البرد لمَّا أجنب؛ وإقرار النبي ﷺ له. ٢ - قوله تعالى: وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]

стр. 352

المبحث الرابع: قضاء المريض الذي يُرجى برؤه إذا أفطر من كان به مرضٌ يُرجى بُرْؤُهُ ثم شُفي، وجب عليه قضاء ما أفطره من أيام. الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:١٨٤]. ففي قوله سبحانه: فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ دليلٌ على وجوب القضاء عليه إذا شُفي. ثانياً: الإجماع: نقل الإجماعَ على ذلك ابن قدامة (١)، وابن حزم (٢).

стр. 353

المبحث الخامس: حكم المريض الذي لا يُرجى برؤه إذا أفطر من كان به مرضٌ لا يُرجى بُرْؤُهُ، كأن يكون مرضه مزمناً، فإنه يُطعِمُ عن كل يومٍ مسكيناً، وهو قول جمهور أهل العلم (١)؛ وذلك إلحاقًا له بالشيخ الكبير والمرأة العجوز؛ لأنه في معناهما.

стр. 354

المبحث السادس: أحكام متفرقة • المطلب الأول: حكم صوم المريض إذا تحامل على نفسه. • المطلب الثاني: إذا أصبح المريض صائماً ثم برأ في النهار.

стр. 355

المطلب الأول: حكم صوم المريض إذا تحامل على نفسه إذا تحامل المريض على نفسه فصام فإنه يُجزئهُ (١)، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن حزم (٢).
следующие страницы →