المطلب الثاني: المرض الذي يضر الصائم ويَخاف معه الهلاك
إذا كان المرض يضر بالصائم، وخشي الهلاك بسببه، فالفطر عليه واجب، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وجزم به جماعةٌ من الحنابلة (٤).
الأدلة:
١ - قوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]
وجه الدلالة:
أنَّ النهي هنا يشمل ما فيه إزهاقٌ للنفس، وما فيه ضرر؛ بدليل احتجاج عمرو بن العاص ﵁ بهذه الآية على تركه الاغتسال في شدة البرد لمَّا أجنب؛ وإقرار النبي ﷺ له.
٢ - قوله تعالى: وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]
стр. 352
المبحث الرابع: قضاء المريض الذي يُرجى برؤه
إذا أفطر من كان به مرضٌ يُرجى بُرْؤُهُ ثم شُفي، وجب عليه قضاء ما أفطره من أيام.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:١٨٤].
ففي قوله سبحانه: فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ دليلٌ على وجوب القضاء عليه إذا شُفي.
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماعَ على ذلك ابن قدامة (١)، وابن حزم (٢).
стр. 353
المبحث الخامس: حكم المريض الذي لا يُرجى برؤه
إذا أفطر من كان به مرضٌ لا يُرجى بُرْؤُهُ، كأن يكون مرضه مزمناً، فإنه يُطعِمُ عن كل يومٍ مسكيناً، وهو قول جمهور أهل العلم (١)؛ وذلك إلحاقًا له بالشيخ الكبير والمرأة العجوز؛ لأنه في معناهما.
стр. 354
المبحث السادس: أحكام متفرقة
• المطلب الأول: حكم صوم المريض إذا تحامل على نفسه.
• المطلب الثاني: إذا أصبح المريض صائماً ثم برأ في النهار.
стр. 355
المطلب الأول: حكم صوم المريض إذا تحامل على نفسه
إذا تحامل المريض على نفسه فصام فإنه يُجزئهُ (١)، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن حزم (٢).
стр. 356
المطلب الثاني: إذا أصبح المريض صائماً ثم برأ في النهار
إذا أصبح المريض صائماً ثم برأ في النهار، فإنه لا يفطر ويلزمه الإتمام، وهذا مذهب جمهور أهل العلم (١)؛ وذلك لانتفاء ما يبيح له الفطر.
стр. 357
المبحث الأول: حكم فطر المسافر
يباح الفطر للمسافر، وذلك في الجملة.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:١٨٤].
ثانياً: من السنة:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((أتيت رسول الله ﷺ في إبلٍ كانت لي أخذت، فوافقته وهو يأكل، فدعاني إلى طعامه، فقلت: إني صائم، فقال: اُدْنُ أُخبِرُك عن ذلك، إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة)) (١).
ثالثاً: الإجماع:
حكى الإجماع على ذلك ابن قدامة (٢)، والنووي (٣)، وابن عبد البر (٤).
стр. 358
المبحث الثاني: حكم صوم المسافر
• المطلب الأول: حكم صوم المسافر الذي لا يشق عليه الصوم.
• المطلب الثاني: حكم صوم المسافر الذي يلحقه بالصوم مشقةٌ.
• المطلب الثالث: حكم صوم المسافر الذي يخاف الهلاك بصومه.
стр. 359
المطلب الأول: حكم صوم المسافر الذي لا يشق عليه الصوم
إذا لم يشق الصوم على المسافر، واستوى عنده الصوم والفطر، فاختلف أهل العلم في أيِّهما أفضل: الصوم أو الفطر، على قولين:
القول الأول: الصوم أفضل له (١)، وهو قول الجمهور من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
عموم قوله تعالى وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٨٤]
ثانياً: من السنة:
عن أبي الدرداء ﵁ قال: ((كنا مع النبي ﷺ في رمضان في يومٍ شديدِ الحر، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائمٌ إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة)). أخرجه البخاري ومسلم (٥).
وجه الدلالة:
فعلُ النبيِّ ﷺ ، حيث صام هذا اليوم وهو مسافر (٦)، وفعلُهُ ﵊ هو الأفضل (٧).
القول الثاني: الفطر أفضل، وهو مذهب الحنابلة (٨)، وطائفةٍ من السلف (٩)، وهو قول ابن تيمية (١٠)، وابن باز (١١).
الدليل:
عموم ما جاء عن جابر بن عبد الله ﵁ حيث قال: ((كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر)). أخرجه البخاري ومسلم (١٢)
стр. 360
المطلب الثاني: حكم صوم المسافر الذي يلحقه بالصوم مشقةٌ
إذا شقَّ الصوم على المسافر، بحيث يكون الفطر أرفق به، فالفطر في حقه أفضل؛ وذلك لأن ارتكاب المشقة مع وجود الرخصة يشعر بالعدول عن رخصة الله .
وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 361
المطلب الثالث: حكم صوم المسافر الذي يخاف الهلاك بصومه
إذا خاف المسافر الهلاك بصومه، فإنه يجب عليه الفطر.
وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
الدليل:
عموم قوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]
стр. 362
المبحث الثالث: المسافة التي يباح فيها الإفطار
يجوز الفطر للمسافر إذا بلغ سفره مسافة القصر (١)، وهو قول جمهور أهل العلم من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)؛ وذلك لأن مسافة القصر المذكورة تعتبر سفراً عرفاً، بخلاف ما دونها.
стр. 363
المبحث الرابع: متى يفطر المسافر
لا يباح للمسافر الفطر حتى يجاوز البيوت وراء ظهره ويخرج من بين بنيانها، وهو قول عامة أهل العلم، ومنهم المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، ورجحه ابن المنذر (٥)، بل حكى ابنُ المنذر الإجماع في ذلك عن كل من يحفظه من أهل العلم (٦)، كما حكى ابن عبد البر إجماع الفقهاء على ذلك (٧).
الدليل:
قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:١٨٥].
وجه الدلالة:
أن المسافر الذي لم يجاوز البيوت شاهد، ولا يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين؛ ولذلك لا يقصر الصلاة.
стр. 364
المبحث الخامس: إقامة المسافر التي يفطر فيها
إذا أقام المسافر في مكانٍ فوق أربعة أيام فلا يُباح له الفطر، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
الدليل:
عن العلاء بن الحضرمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً)). أخرجه مسلم (٤).
وجه الدلالة:
أن المهاجرين حرمت عليهم الإقامة بمكة قبل فتحها، فلما صارت دار إسلام، تحرَّج المسلمون من الإقامة فيها؛ ليكونوا على هجرتهم، وكانوا لا يدخلونها إلا لقضاء نسك، فلما أذن لهم النبي ﷺ في الإقامة فيها ثلاثة أيام، دل ذلك على أنها في حكم السفر، وما زاد على الثلاث فهو في حكم الإقامة.
стр. 365
المبحث السادس: حكم صوم من سفره شِبْه دائم
يباح الفطر لمن كان سفره شِبْه دائم كسائقي الطائرات والقطارات والشاحنات ونحوهم إذا كان له بلدٌ يأوي إليه، وهذا اختيار ابن تيمية (١) وابن عثيمين (٢).
الدليل:
قوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٤]
وجه الدلالة:
أنَّ الله أطلق إباحة الترخص بالسفر ولم يقيده بشيء.
стр. 366
المبحث السابع: أحكام متفرقة
المطلب الأول: قضاء المسافر الأيام التي أفطرها
إذا أفطر المسافر وجب عليه قضاء ما أفطره من أيام، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن حزم (١).
الدليل:
قوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:١٨٤]
في قوله سبحانه: فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ دليلٌ على وجوب القضاء عليه إذا أفطر.
المطلب الثاني: حكم فطر المسافر إذا دخل عليه شهرُ رمضان في سفره
إذا دخل على المسافر شهرُ رمضان وهو في سفره فله الفطر، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن قدامة (٢).
المطلب الثالث: إذا سافر أثناء الشهر ليلاً
إذا سافر أثناء الشهر ليلاً، فله الفطر في صبيحة الليلة التي يخرج فيها وما بعدها (٣)، في قول عامة أهل العلم (٤).
الدليل:
قوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيَّام أُخَرَ [البقرة:١٨٤]
المطلب الرابع: حكم فطر المسافر إذا سافر أثناء نهار رمضان
إذا سافر أثناء نهار رمضان فله أن يفطر، وهو مذهب الشافعية (٥) والحنابلة (٦)، وهو قول طائفة من السلف (٧)، واختاره ابن المنذر (٨) وابن حجر (٩)، وابن عثيمين (١٠).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
عموم قوله تعالى: وَمَن كَانَ مرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٥]
وجه الدلالة:
١ - أن من كان مريضاً أو على سفر فأفطر، فعدةٌ من أيام أخر، وهذا قد صار على سفر فيصدق عليه أنه ممن رخص له بالفطر فيفطر.
٢ - كما أن السفر أحد الأمرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر بهما، فكما يبيح المرض الفطر أثناء النهار، فكذلك السفر.
ثانياً: من السنة:
عن عبيد بن جبر قال: ((كنت مع أبي بصرة الغفاري صاحب النبي ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان فرفع ثم قرب غداه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة قال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ قال جعفر - أحد رواة هذا الحديث -: فأكل)) (١١).
المطلب الخامس: حكم إمساك بقية اليوم إذا قدم المسافر أثناء النهار مفطرًا
стр. 367
إذا قدم المسافر أثناء النهار مفطراً، فقد اختلف أهل العلم هل عليه إمساك بقية اليوم أم لا؟ على قولين:
القول الأول: لا يجب عليه إمساك بقية النهار، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، وذلك لأنه أبيح له الفطر في أول النهار ظاهراً وباطناً، فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النهار كما لو دام العذر.
ولكن لا يُعلِن أكله ولا شربه لخفاء سبب الفطر كيلا يُساء به الظن أو يُقتدَى به (٣).
وذلك لأنه لا دليل على وجوب الإمساك.
كما أنه لا يستفيد من هذا الإمساك شيئاً لوجوب القضاء عليه.
ولأن حرمة الزمن قد زالت بفطره المباح له أول النهار ظاهراً وباطناً.
القول الثاني: يلزمه الإمساك، وهو قول الحنفية (٤)، والحنابلة (٥)، وطائفة من السلف (٦)، وهو اختيار ابن باز (٧).
وذلك لأن المسافر صار من أهل الوجوب حين قدومه؛ فيمسك تشبهاً بالصائمين وقضاءً لحق الوقت.
المطلب السادس: حكم فطر المسافر إذا كان سفره بوسائل النقل المريحة
يباح الإفطار للمسافر ولو كان سفره بوسائل النقل المريحة، سواء وجد مشقة أو لم يجدها، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن تيمية (٨)؛ وذلك لأن علة الفطر هي وجود السفر دون التقيد بشيء آخر.
стр. 368
المبحث الأول: حكم صوم الرجل الكبير والمرأة العجوز
يباح الفطر للشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذين لا يطيقان الصوم.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة: ١٨٤]
قال ابن عباس ﵄: ((رُخِّص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا أو يطعما كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك في هذه الآية: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَلْيَصُمْهُ، وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينا)) (١).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٢)، وابن حزم (٣)، وابن عبد البر (٤).
стр. 369
المبحث الثاني: ما يلزم الكبير والعجوز إذا أفطرا
إذا أفطر الرجل الكبير والمرأة العجوز فعليهما أن يطعما عن كل يومٍ مسكيناً (١)، وهو قول الجمهور من الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واستحبه المالكية (٥).
الدليل:
قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة: ١٨٤]
عن ابن عباس ﵄ قال: ((رُخِّص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا، أو يطعما كل يومٍ مسكيناً ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك في هذه الآية: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَلْيَصُمْهُ، وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا، وأطعمتا كل يوم مسكينا)) (٦).
стр. 370
الفصل الرابع: الحامل والمرضع
• المبحث الأول: حكم صوم الحامل والمرضع.
• المبحث الثاني: ما يلزم الحامل والمرضع إذا أفطرتا.
стр. 371
المبحث الأول: حكم صوم الحامل والمرضع
يباح للحامل والمرضع الفطر في رمضان، سواء خافتا على نفسيهما أو على ولديهما، وهو قول عامة أهل العلم، ومنهم المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
الدليل:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إن الله ﵎ وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام)) (٥).
أي وضع عنهما لزوم الصيام في أيام الحمل والرضاعة.
стр. 372
المبحث الثاني: ما يلزم الحامل والمرضع إذا أفطرتا
إذا أفطرت الحامل والمرضع خوفاً على نفسيهما أو على ولديهما، فعليهما القضاء فقط (١).
- فإذا كان الفطر خوفاً على نفسيهما، فهو بالإجماع، وقد حكاه ابن قدامة (٢)، والنووي (٣).
- وأما إذا كان خوفاً على ولديهما فهو مذهب الحنفية (٤)، ووافقهم المالكية في الحامل (٥).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إن الله ﵎ وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام)) (٦).
وجه الدلالة:
أن رسول الله ﷺ قرن الحامل والمرضع بالمسافر، وجعلهما معاً في معنى واحد، فصار حكمهما كحكمه، وليس على المسافر إلا القضاء لا يعدوه إلى غيره.
ثانياً: القياس:
قياساً على المريض الخائف على نفسه (٧).
стр. 373
الفصل الخامس: أسباب أخرى مبيحة للفطر
• المبحث الأول: المهن الشاقة.
• المبحث الثاني: إرهاق الجوع والعطش.
• المبحث الثالث: الإكراه.
• المبحث الرابع: الجهاد في سبيل الله.
стр. 374
المبحث الأول: المهن الشاقة
أصحاب المهن الشاقة داخلون في عموم المكلفين، وليسوا في معنى المرضى والمسافرين، فيجب عليهم تبييت نية صوم رمضان، وأن يصبحوا صائمين، لكن من كان يعمل بأحد المهن الشاقة وكان يضره ترك عمله، وخشي على نفسه التلف أثناء النهار، أو لحوق مشقة عظيمة فإنه يُفطر على قدر حاجته بما يدفع المشقة فقط، ثم يمسك يقية يومه إلى الغروب ويفطر مع الناس، وعليه القضاء (١).
стр. 375
المبحث الثاني: إرهاق الجوع والعطش
من أرهقه جوع أو عطش شديد يخاف منه الهلاك فإنه يجب عليه الفطر، وعليه القضاء، ونص على ذلك المالكية (١) والشافعية (٢).
الأدلة:
أولا: من الكتاب:
١ - قوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: ٢٩]
٢ - قوله تعالى: وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]
ثانيا: القياس:
قياساً على المريض.
стр. 376
المبحث الثالث: الإكراه
• مطلب: حكم المستكرَه على الإفطار.
стр. 377
مطلب: حكم المستكرَه على الإفطار
الفرع الأول: إذا أكره الصائم على الفطر فأفطر بغير فعلٍ منه
من أُكرِهَ على الإفطار بغير فعلٍ منه بأن صُبَّ في حلقه ماء مثلاً، فلا يفطر بذلك (١)، وهذا مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
الدليل:
أولا: من الكتاب:
قوله تعالى: إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ [النحل:١٠٦]
فاللهُ رفع حكم الكفر عمن أُكْرِهَ عليه، فما دونه من باب أولى.
ثانيا: من السنة:
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكْرِهُوا عليه)) (٤).
الفرع الثاني: إذا أكره الصائم على الفطر فأفطر بنفسه
إذا أُكره (٥) الصائم على الفطر فأفطر فلا إثم عليه، وصومه صحيح، وهو قول الشافعية (٦)، والحنابلة (٧).
الدليل:
أولا: من الكتاب:
قوله تعالى: إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ [النحل:١٠٦]
فاللهُ رفع حكم الكفر عمن أُكْرِهَ عليه، فما دونه من باب أولى.
ثانيا: من السنة:
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)) (٨).
стр. 378
المبحث الرابع: الجهاد في سبيل الله
يباح الفطر للمجاهد في سبيل الله، وهو قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، وبه أفتى ابنُ تيمية العساكرَ الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق، ونصره ابن القيم (٤).
الدليل:
عن أبي سعيد ﵁ قال: ((سافرنا مع رسول الله ﵌ إلى مكة ونحن صيام، قال فنزلنا منزلاً فقال رسول الله ﵌: إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر،
فقال: إنكم مُصبِّحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزمة، فأفطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله ﵌ في السفر)) أخرجه مسلم (٥). (٦).
стр. 379
تمهيد
لا يُحكم بفساد صوم من ارتكب شيئاً من المفطرات إلا بشروطٍ ثلاثة:
الأول: أن يكون عالماً بالحكم الشرعي، وعالماً بالوقت، فإن كان جاهلاً بالحكم الشرعي أو بالوقت فصيامه صحيح (١).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: (( ... فأنزل الله تعالى لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] قال - أي الله : قد فعلت)). أخرجه مسلم (٢)
٢ - قوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب:٥]
ثانياً: من السنة:
١ - عن عديِّ بن حاتم ﵁ ((أنه لما نزل قوله تعالى: وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة:١٨٧] جعل تحت وسادته عقالين أبيض وأسود، وجعل ينظر إليهما، فلما تبين له الأبيض من الأسود، أمسك، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ وأخبره بما صنع، فقال النبي ﷺ : إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل)). أخرجه البخاري ومسلم (٣)
ولم يأمره النبي ﷺ بالقضاء؛ لأنه كان غير عالمٍ بالحكم، حيث فهم الآية على غير المراد بها.
٢ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: ((أفطرنا في عهد النبي ﷺ في يوم غيم، ثم طلعت الشمس)). أخرجه البخاري (٤)
ولم يُنقَل أن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء.
الثاني: أن يكون ذاكرا، والذكر ضده النسيان، فمن تناول شيئاً من المفطرات ناسياً فصيامه صحيح، وهو قول أكثر أهل العلم (٥)، لكن متى تَذكَّر، أو ذُكِّر وجب عليه الإمساك.
الأدلة:
أولا: من الكتاب:
١ - قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:٢٨٦]
стр. 380
٢ - قوله تعالى: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة:٢٢٥]
والنسيان ليس من كسب القلب (١).
ثانيا: من السنة:
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)). أخرجه البخاري ومسلم (٢).
الثالث: أن يكون قاصداً مختاراً، فمن حصل له شيء من المفطرات بلا قصد، فصومه صحيحٌ ولا إثم عليه، وضد الاختيار الإكراه، فمن أكره على شيءٍ من المفطرات فلا إثم عليه، وصيامه صحيح (٣).
الأدلة:
أولا: من الكتاب:
١ - قوله تعالى: ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب:٥]
٢– قوله تعالى: إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ [النحل:١٠٦]
فاللهُ رفع حكم الكفر عمن أُكْرِهَ عليه، فما دونه من باب أولى.
ثانيا من السنة:
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٤).
وهو حديثٌ تشهد له النصوص.
المطلب الأول: تناول الطعام والشراب
الفرع الأول: تناول الطعام والشراب عمداً
المسألة الأولى: حكم تناول الطعام والشراب للصائم
من أكل أو شرب مما يتغذى به متعمداً، وهو ذاكرٌ لصومه فإن صومه يبطل.
الأدلة:
أولا: من الكتاب:
قوله تعالى: وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ [البقرة:١٨٧]
فأباح الله تعالى الأكل والشرب إلى طلوع الفجر، ثم أمر بإتمام الصيام إلى الليل، وهذا معناه ترك الأكل والشرب في هذا الوقت.
ثانيا: من السنة:
ما جاء عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه: ((يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)). أخرجه البخاري ومسلم (١).
ثالثا الإجماع:
حكى الإجماع على ذلك ابن حزم (٢)، وابن قدامة (٣).
المسألة الثانية: ما يترتب على الإفطار عمدا بطعام أو شراب
١ - القضاء
يلزم من أفطر متعمدا بتناول الطعام أو الشراب، القضاء، وعلى هذا عامة أهل العلم، أما الكفارة فلا تجب عليه في أرجح قولي أهل العلم، وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، ورجحه ابن المنذر (٦)، والنووي (٧).
الأدلة:
أما القضاء فقياساً على المريض والمسافر الذين أوجب الله عليهما القضاء مع وجود العذر، فلأن يجب مع عدم العذر أولى.
وأما عدم وجوب الكفارة فدليله:
١ - عدم ورود نص من الكتاب أو السنة يوجب ذلك، والأصل براءة الذمة.
٢ - عدم صحة القياس على الجماع في نهار رمضان، فقد ورد النص في الجماع وما سواه ليس في معناه؛ لأن الجماع أغلظ.
٢ - الإمساك
стр. 383
يلزم من أفطر بالأكل والشرب متعمداً الإمساك بقية يومه، وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم (١)؛ واجتمعت عليه كلمة المذاهب الفقهية: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦)؛ وذلك لأنه أفطر بدون عذر فلزمه إمساك بقية النهار، وفطرُهُ عمداً لم يُسقِط عنه ما وجب عليه من إتمام الإمساك.
الفرع الثاني: تناول الطعام والشراب نسيانا
من أكل أو شرب ناسياً، فلا شيء عليه ويتم صومه، ذهب إلى ذلك جمهور أهل العلم من الحنفية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).
الأدلة:
أولا: من الكتاب:
стр. 384
عن ابن عباس ﵄ قال: (( ... فأنزل الله تعالى لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] قال - أي الله : قد فعلت)). أخرجه مسلم (١)
ثانيا: من السنة:
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)). أخرجه البخاري ومسلم (٢)
الفرع الثالث: حكم من ابتلع ما بين أسنانه وهو صائم
من ابتلع ما بين أسنانه وهو صائم وكان يسيراً لا يمكن لفظه مما يجري مع الريق فصومه صحيح؛ وذلك لأنه لا يمكن التحرز منه فأشبه الريق، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر (٣).
أما إن كان يمكنه لفظه فابتلعه فإنه يفطر، وقد ذهب إلى ذلك أكثر أهل العلم (٤)؛ وذلك لأنه بلع طعاما يمكنه لفظه باختياره ذاكرا لصومه فأفطر به، كما لو ابتدأ الأكل.
الفرع الرابع: حكم ابتلاع الصائم ما لا يؤكل في العادة
إذا ابتلع الصائم ما لا يُؤكَلُ في العادة كدرهمٍ أو حصاةٍ أو حشيشٍ أو حديدٍ أو خيطٍ أو غير ذلك أفطر (٥)، وقد ذهب إلى ذلك جماهير العلماء من السلف والخلف (٦).
الدليل:
١ - أنه في حكم الأكل؛ فإنه يقال: أكل حصاة، فيكون حكمه حكم الأكل.
٢ - قول ابن عباس ﵄: الفطر مما دخل وليس مما خرج (٧).
الفرع الخامس: حكم شرب الدخان أثناء الصوم
شرب الدخان المعروف أثناء الصوم يفسد الصيام، وهذا باتفاق الفقهاء (٨)؛ وذلك لأن الدخان له جرمٌ ينفذ إلى الجوف، فهو جسمٌ يدخل إلى الجوف، فيكون مفطراً كالماء؛ ولأنه يسمَّى شرباً عرفاً وصاحبه يتعمد إدخاله في جوفه من منفذ الأكل والشرب فيكون مفطرا.
стр. 385
المطلب الثاني: خروج المني
الفرع الأول: الاستمناء في نهار رمضان
أولاً: تعريف الاستمناء
الاستمناء لغة: مصدر استمنى، أي: طلب خروج المني (١).
الاستمناء اصطلاحاً: إخراج المني؛ استدعاءً لشهوةٍ بغير جماع، سواء أخرجه بيده، أو بيد زوجته (٢).
ثانياً: حكم من استمنى فى نهار رمضان
من استمنى فقد فسد صومه، وعليه القضاء، وهذا قول عامة الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
الأدلة:
١ - من السنة:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يقول الله : الصوم لي وأنا أجزي به يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي)). أخرجه البخاري ومسلم (٦).
واستدعاءُ المني شهوةٌ بلا شك.
٢ - من القياس:
فقد جاءت السنة بفطر الصائم بالاستقاء إذا قاء، وهو يضعف البدن، فخروج الطعام يضعف البدن؛ لأن المعدة تبقى خالية فيجوع الإنسان ويعطش سريعاً. وخروج المني يحصل به ذلك فيفتر البدن بلا شك؛ ولهذا أمر بالاغتسال ليعود النشاط إلى البدن، فيكون هذا قياساً على من استقاء عمداً.
- ولا كفارة فيه؛ لأن النص إنما ورد في الجماع، والاستمناء ليس مثله.
الفرع الثاني: حكم من باشر أو قبل أو لمس فأنزل
من أنزل المني بمباشرة دون الفرج أو بتقبيل أو لمس، فإنه يفطر بذلك، وعليه القضاء فقط.
الدليل:
الإجماع:
فقد حكى الإجماع على ذلك ابن قدامة (٧)، والماوردي (٨).
ولا كفارة عليه كما هو مذهب الحنفية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)؛ وذلك لأن النص إنما ورد في الجماع فقط، وما سواه ليس في معناه؛ لأن الجماع أغلظ.
الفرع الثالث: حكم من كرر النظر حتى أنزل
من كرَّر النظر حتى أنزل، فقد ذهب الحنابلة، وبعض أهل العلم (١٢)، إلى أنه يفطر ولا كفارة عليه (١٣)
وذلك لأن النظرة الواحدة لا تفسد؛ لقوله ﷺ : ((لك الأولى وليست لك الآخرة)) (١٤). والإنسان لا يستطيع اجتناب هذا، بخلاف تكرار النظر؛ فإن فيه استدعاء المني، فيكون حكمه حكم الاستمناء.
ولا كفارة فيه؛ لأن النص إنما ورد في الجماع، وتكرار النظر ليس مثله.
стр. 386
الفرع الرابع: حكم من أنزل بتفكير مجرد عن العمل
من أنزل بتفكيرٍ مجردٍ عن العمل فلا يفطر، سواء كان تفكيراً مستداماً أو غير مستدام (١)، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور من الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
الدليل:
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم)). أخرجه البخاري ومسلم (٥).
والفكر من حديث النفس.
الفرع اخامس: حكم من نام فاحتلم في نهار رمضان
من نام فاحتلم في نهار رمضان فصومه صحيح (٦).
الدليل:
الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر (٧)، والنووي (٨)، وابن تيمية (٩).
الفرع السادس: حكم خروج المذي من الصائم
خروج المذي من الصائم لا ينقض صومه، وقد ذهب إلى ذلك الحنفية (١٠)، والشافعية (١١)، وهي إحدى الروايتين عن أحمد (١٢)، واختاره ابن المنذر (١٣) والصنعاني (١٤)؛ وابن عثيمين (١٥)، وذلك لأنه خارجٌ لا يوجب الغسل فأشبه البول، وقياسه على المني لا يصح لمخالفته في الأحكام فهو قياسٌ مع الفارق، ولأن الشهوة لا تنكسر به مثل المني؛ وأيضا لعدم ورود النص على كونه مفطرا، والأصل صحة الصوم؛ وكذلك لأن الشرع أباح التقبيل والمباشرة لمن يملك نفسه، والتي يكون حاصلها المذي.
стр. 387
المطلب الثالث: الاستقاء
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن من استقاء متعمدا، فقد أفطر (١)، ويلزمه القضاء ولا كفارة عليه (٢)، وأجمعوا على أنَّ من غلبه القيء فلا شيء عليه (٣).
واستشهدوا بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء)) (٤).
стр. 388
المطلب الرابع: خروج دم الحيض والنفاس
الفرع الأول: حكم صوم من حاضت أو نفست أثناء نهار رمضان
من حاضت أو نفست أثناء نهار رمضان، فقد فسد صومها، ويلزمها قضاؤه (١).
الأدلة:
أولا: من السنة:
١ - عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (( ... أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم)). أخرجه البخاري ومسلم (٢).
٢ - قول عائشة ﵂ لما سُئلت: ((ما بال الحائضِ تقضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة؟ قالت: كان يُصيبُنا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصَّوم، ولا نؤمر بقضاء الصَّلاة)). أخرجه البخاري ومسلم (٣).
ثانيا: الإجماع:
أجمع أهل العلم على ذلك، وممن نقله ابن حزم (٤)، والنووي (٥)، وابن تيمية (٦).
الفرع الثاني: حكم إمساك بقية اليوم لمن فسد صومها بخروج دم الحيض أو النفاس
من فسد صومها بخروج دم الحيض أو النفاس فإنه لا يلزمها إمساك باقي اليوم، ذهب إلى ذلك الجمهور من الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، ورجحه ابن المنذر (١٠)؛ وذلك لأنها ليست بأهل للصوم، والتشبُّهُ بأهل العبادة لا يصح من غير الأهل؛ ولأن الحيض لو كان موجودا في أول النهار لم تؤمر بالصيام.
стр. 389
المطلب الخامس: الجنون والإغماء
الفرع الأول: حكم صوم من نوى الصيام بالليل ثم أصيب بالجنون ولم يفق إلا بعد غروب الشمس
من نوى الصيام بالليل ثم أصيب بالجنون ولم يفق إلا بعد غروب الشمس، فإن صومه يبطل (١)، وقد ذهب إلى ذلك جمهور أهل العلم: المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
الدليل:
عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة ... ))، وذكر منهم: ((المجنون حتى يفيق)) (٥)
الفرع الثاني: حكم القضاء على المجنون
لا يلزم المجنون القضاء (٦) عند الشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، واختاره ابن حزم (٩)، والألباني (١٠).
الدليل:
أن المجنون رفع عنه التكليف؛ لحديث ((رفع القلم عن ثلاثة)) وذكر منهم ((المجنون حتى يفيق)) (١١). وما لم يُكلَّف به لا يجب عليه أداؤه ولا قضاؤه.
الفرع الثالث: حكم من نوى الصيام بالليل ثم أغمي عليه ولم يفق إلا بعد غروب الشمس
من نوى الصيام بالليل ثم أغمي عليه ولم يفق إلا بعد غروب الشمس، فإن صومه لا يصح (١٢)، ويلزمه القضاء (١٣)، وقد ذهب إلى ذلك جمهور أهل العلم: المالكية (١٤)، والشافعية (١٥)، والحنابلة (١٦).
الدليل:
قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:١٨٤]
والإغماء مرض.
الفرع الرابع: حكم من نوى الصيام بالليل ثم أغمي عليه ثم أفاق في النهار
من نوى الصيام بالليل ثم أغمي عليه ثم أفاق في النهار ولو جزءاً منه، فإن صومه صحيح، وهو المذهب عند الشافعية (١٧)، والحنابلة (١٨)، وقولٌ للمالكية (١٩)؛ وذلك لأنه قصد الإمساك في جزءٍ من النهار فصح صومه كما لو نام بقية يومه.
الفرع الخامس: حكم من نام جميع النهار
من نام جميع النهار، فصومه صحيحٌ عند عامة أهل العلم (٢٠)؛ وذلك لأنه عادة ولا يزيل الإحساس بالكلية؛ ولأنه إذا نُبِّه انتبه، فهو كذاهلٍ وساهٍ.
стр. 390
المطلب السادس: الردة
الفرع الأول: حكم صوم من ارتد عن الإسلام
من ارتد عن الإسلام فسد صومه (١)،وقد حكى ابن قدامة الإجماع على ذلك (٢)
الدليل:
قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:٦٥].
الفرع الثاني: حكم قضاء من ارتد أثناء صيامه
يلزم من ارتد أثناء صيامه أن يقضي هذا اليوم، وقد حكى ابن قدامة الإجماع على ذلك (٣)؛ وذلك لأن الصوم عبادة من شرطها النية فأبطلتها الردة كالصلاة والحج؛ ولأنه عبادة محضة فنافاها الكفر كالصلاة.
الفرع الثالث: حكم قضاء ما تركه المرتد من صيامٍ في زمن ردته
من ارتد لا يلزمه قضاء ما تركه زمن الردة من صيام (٤)، وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والحنابلة (٧).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قول الله سبحانه: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:٣٨]
تناولت الآية كل كافر سواء كان أصليًّا أم مرتداً (٨)
ثانياً: من السنة:
عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((الإسلام يهدم ما كان قبله)). أخرجه مسلم (٩)