← Фикх общий

Фикх общий · id 38056

الموسوعة الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 364 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المطلب الأول: قضاء الاعتكاف المنذور إذا فات أو فسد من نذر اعتكاف يومٍ أو عدة أيامٍ معينةٍ ففاتته أو بطل اعتكافه فيها بأحد مفسداته، فعليه قضاء اليوم أو الأيام التي فاتته، أو بطل اعتكافه فيها، وهذا قول الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وذلك لأن الوفاء بالنذر واجب، فإذا فسد اعتكافه المنذور فإن النذر لا يزال باقياً، فهو دينٌ في ذمته، وعليه قضاؤه.

стр. 527

المطلب الثاني: قضاء الاعتكاف الواجب عن الميت من مات وقد نذر قبل موته الاعتكاف فلم يعتكف، فقد اختلف أهل العلم هل يستحب لوليه أن يقضي هذا الاعتكاف عنه أو لا، على قولين: القول الأول: لا يستحب لوليه أن يقضيه عنه، ويطعم عنه إن أوصى، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). الأدلة: ١ - عموم قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى [النجم:٣٩] ٢ - عموم قوله تعالى: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:١٥] القول الثاني: يستحب لوليه أن يقضي هذا الاعتكاف عنه، وهو المذهب عند الحنابلة (٤)، وقولٌ للشافعي (٥)، وذهب إليه ابن عثيمين (٦) الأدلة: أولاً: من السنة: عموم الأحاديث التالية: ١ - عن ابن عباس ﵄، ((أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر. فقال: اقضه عنها)). أخرجه البخاري ومسلم (٧) ٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: ((جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دينٌ، أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يُقضَى)). أخرجه البخاري ومسلم (٨) فقوله ﷺ : ((فدين الله أحق أن يقضى)) يشمل نذر الاعتكاف؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثانياً: القياس: فقضاء الاعتكاف عن الميت قياساً على الصوم؛ لأن كلاًّ منهما كفٌّ ومنع (٩).

стр. 528

المطلب الأول: أفضل الاعتكاف زمناً أفضل الاعتكاف زمناً هو في رمضان، وآكده في العشر الأواخر منه، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، (٥) الأدلة: ١ - عن عائشة ﵂: ((أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)). أخرجه البخاري ومسلم (٦) ٢ - عن عائشة ﵂: ((أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله ﷺ : آلبر أردن بهذا؟! ما أنا بمعتكف. فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال)). أخرجه البخاري ومسلم (٧)

стр. 529

المطلب الثاني: أفضل الاعتكاف مكاناً أفضل الاعتكاف مكاناً هو المسجد الحرام ثم يليه المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، ثم المسجد الجامع، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، (٥) وذلك لأن هذه المساجد الثلاثة قد خصها الله تعالى بمزيدٍ من التشريف على غيرها، فهي أعظم مساجد الله ، وأفضل مساجد الله سبحانه (٦). ولأن كل ما عظُم من المساجد وكثُر أهله فهو أفضل. ولأن الاعتكاف قد يتخلله يوم جمعةٍ، فإن لم يكن اعتكافه في مسجد جمعةٍ اضطر إلى الخروج لأدائها.

стр. 530

المطلب الأول: اشتغال المعتكف بالعبادات المختصة به يستحب للمعتكف أن يشتغل بالقرب والعبادات المختصة به كقراءة القرآن، والذكر، والصلاة في غير وقت النهي، وما أشبه ذلك، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)؛ وذلك لأن الاعتكاف إنما شُرِعَ للتفرغ لعبادة الله ، وجمع القلب بكلِّيَّتِهِ على الله . وكره بعض المالكية والحنابلة للمعتكف الاشتغال بتدريس العلم والمناظرة وكتابة الحديث ومجالسة العلماء ونحو ذلك من العبادات التي لا يختص نفعها به (٥).

стр. 531

المطلب الثاني: حكم الصمت عن الكلام مطلقاً يحرم الصمت على المعتكف إن فعله قربةً وتديناً، ونص على ذلك فقهاء الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وقد حكى ابن تيمية الإجماع على بدعيَّة ذلك (٣). الأدلة: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجلٍ قائمٍ، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي ﷺ : مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه)). أخرجه البخاري (٤) وجه الدلالة: أمرُهُ ﷺ للرجل أن يتكلم مع أنه نذر الصمت، فتركُ الصمت لمن لم ينذره من باب أولى. ٢ - عن قيس بن أبي حازم قال: ((دخل أبو بكر على امرأةٍ من أحمس يقال لها: زينب. فرآها لا تكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة. قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت ... )). أخرجه البخاري (٥)

стр. 532

المطلب الثالث: هل للمعتكف أن يعقد النكاح سواء كان له أو لغيره ؟ يجوز للمعتكف عقد النكاح في المسجد، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤)، بل حكى النووي الإجماع على هذا (٥). وذلك لأن النكاح طاعةٌ، وحضوره قربةٌ، كما أنَّ مدته لا تتطاول، فلا يحصل التشاغل به عن الاعتكاف؛ ولذا لم يُكره فيه.

стр. 533

٦ - الحج والعمرة الباب الأول: حكم الحج وفضله وحِكَمه الفصل الأول: تعريف الحج وفضله المبحث الأول: تعريف الحج لغةً واصطلاحاً الحج لغةً: الحج لغة: هو القصد (١). الحج اصطلاحاً: هو قصد المشاعر المقدسة لإقامة المناسك تعبداً لله (٢). المبحث الثاني: من فضائل الحج ١ - الحج من أفضل الأعمال عند الله تعالى: عن أبي هريرة ﵁ قال: ((سئل النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال جهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌ مبرور)). أخرجه البخاري ومسلم (٣). ٢ - الحج من أسباب مغفرة الذنوب: عن أبي هريرة ﵁ قال: سَمِعْتُ النبي ﷺ يقول: ((من حجَّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)). أخرجه البخاري ومسلم (٤). ٣ - الحج المبرور (٥) جزاؤه الجنة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)). أخرجه البخاري ومسلم (٦). ٤ - الحج يهدم ما كان قبله: عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال: رسول الله ﷺ : قال ((أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله)) أخرجه مسلم (٧). ٥ - ينفي الفقر والذنوب: عن عبدالله بن مسعود قال: ((قال رسول الله ﷺ تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة)).

стр. 534

الفصل الثاني: من حِكَم مشروعية الحج ١ - تحقيق توحيد الله تعالى: - قال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (١) [الحج: ٢٦ - ٢٧]. - عن جابر ﵁، أنه قال في بيان حجته ﵊: ((فأهلَّ بالتوحيد (٢): لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك (٣))) أخرجه مسلم (٤). ٢ - إظهار الافتقار إلى الله سبحانه: فالحاج يبتعد عن الترفه والتزين، ويلبس ثياب الإحرام متجرداً عن الدنيا وزينتها، فيُظهر عجزه، ومسكنته، ويكون في أثناء المناسك، ضارعا لربه ، مفتقرا إليه، ذليلا بين يديه، منقادا بطواعية لأوامره، مجتنبا لنواهيه سبحانه، سواء علم حكمتها أم لم يعلم (٥). ٣ - تحقيق التقوى لله تعالى:

стр. 535

قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١) [البقرة: ١٩٧]. ومما تتحقق به التقوى في الحج، الإبتعاد عن محظورات الإحرام. ٤ - إقامة ذكر الله : قال تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة: ١٩٨ – ٢٠٠]. ٥ - تهذيب النفس البشرية، بتطهيرها من فعل السيئات، ومبادرتها إلى القيام بالطاعات: قال تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ (٢) [البقرة: ١٩٧]. عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: ((من حج لله، فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه)) (٣). ٦ - في الحج تذكير بالآخرة، ووقوف العباد بين يدي الله تعالى يوم القيامة: فالمشاعر تجمع الناس من مختلف الأجناس في زيٍ واحد، مكشوفي الرؤوس، يلبون دعوة الخالق ، وهذا المشهد يشبه وقوفهم بين يديه سبحانه يوم القيامة في صعيدٍ واحدٍ حفاةً عراةً غرلاً خائفين وجلين مشفقين؛ وذلك مما يبعث في نفس الحاج خوف الله ومراقبته والإخلاص له في العمل (٤). ٧ - تربية الأمة على معاني الوحدة الصحيحة: ففي الحج تختفي الفوارق بين الناس من الغنى والفقر والجنس واللون وغير ذلك، وتتوحد وجهتهم نحو خالقٍ واحد، وبلباسٍ واحد، يؤدون نفس الأعمال في زمنٍ واحد ومكانٍ واحد، بالإضافة إلى ما يكون بين الحجيج من مظاهر التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر (٥). ٨ - أن أداء فريضة الحج فيه شكرٌ لنعمة المال وسلامة البدن: ففي الحج شكر هاتين النعمتين العظيمتين، حيث يجهد الإنسان نفسه، وينفق ماله في التقرب إلى الله ﵎ (٦). إلى غير ذلك من الحكم والفوائد والمنافع (٧).

стр. 536

الفصل الثالث: حكم الحج وهل هو على الفور أم التراخي المبحث الأول حكم الحج: الحج ركنٌ من أركان الإسلام، وفرضٌ من فروضه. الأدلة: أولاً: من الكتاب قوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (١) [آل عمران: ٩٧]. ثانياً: من السنة: عن ابن عمر ﵄ قال: ((سمعت رسول الله ﷺ يقول: بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)) (٢). ثالثاً: الإجماع: فقد نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٣)، وابن حزم (٤)، والكاساني (٥). المبحث الثاني: هل الحج واجبٌ على الفور أو على التراخي؟ الحج واجبٌ على الفور عند تحقق شروطه، ويأثم المرء بتأخيره، وهذا مذهب جمهور الفقهاء (٦)، وهو أصح الروايتين عن أبي حنيفة (٧)، ومنقول عن مالك (٨) وهو قول أحمد (٩)، واختيار الشوكاني (١٠)، والشنقيطي (١١)، وابن باز (١٢)، وابن عثيمين (١٣). الأدلة: أولاً: من الكتاب ١ - قوله تعالى: وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ [البقرة: ١٩٦] والأمر على الفور (١٤). ٢ - قوله تعالى: فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ [البقرة: ١٤٨]. وجه الدلالة: أنَّ الله سبحانه قد أمر بالاستباق إلى الخيرات، والتأخير خلاف ما أمر الله تعالى به. ثانياً: من السنة: ١ - عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: ((أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا)) (١٥) والأصل في الأمر أن يكون على الفور، ولهذا غضب النبي ﷺ في غزوة الحديبية حين أمرهم بالإحلال وتباطؤوا (١٦). ثالثاً: أنَّ الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يطرأ عليه العجز عن القيام بأوامر الله، ولو أخَّر الحج عن السنة الأولى فقد يمتد به العمر، وقد يموت فيفوت الفرض، وتفويت الفرض حرام (١٧).

стр. 537

تمهيد: تنقسم شروط الحج إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شروط وجوب، وصحة، وإجزاء (الإسلام، العقل) القسم الثاني: شروط وجوب، وإجزاء فقط (البلوغ، الحرية) القسم الثالث: شرط وجوب فقط (الاستطاعة)

стр. 538

الفصل الأول: شروط وجوب، وصحة، وإجزاء المبحث الأول: الإسلام المطلب الأول: حكم حج الكافر لا يصح الحج من الكافر، ولا يجب عليه (١)، ولا يجزئ عنه إن وقع منه (٢). الأدلة: أولاً: من الكتاب ١ - قال الله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة: ٥٤]. وجه الدلالة: أنه إذا كانت النفقات لا تقبل منهم لكفرهم مع أن نفعها متعدٍّ، فالعبادات الخاصة أولى ألَّا تقبل منهم، والحج من العبادات الخاصة، فلا يُقبَل من كافر. ٢ - وقال تعالى: قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ [الأنفال ٣٨]. ثانياً: من السنة: عن عمرو بن العاص ﵁، أن النبي ﷺ قال له: ((أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟)) أخرجه مسلم (٣). وجه الدلالة: أن الحديث صحيح صريح في قطع النظر عما قبل الاسلام (٤). ثالثاً: الإجماع: أجمع أهل العلم على أن الحج إنما يتعلق فرضه بالمسلم، نقله ابن حزم (٥)، وابن قدامة (٦)، والشربيني (٧). المطلب الثاني: من حج الفريضة، ثم ارتد ثم تاب وأسلم فهل يجب عليه الحج من جديد؟

стр. 539

لا تجب عليه حجة الإسلام مجددا بعد التوبة عن الردة، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢) وقول ابن حزم (٣) واختاره ابن عثيمين (٤) وبه أفتت اللجنة الدائمة (٥). الأدلة: أولا من الكتاب: قال الله تعالى: وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢١٧]. وجه الدلالة: أن الآية دلت على أن إحباط الردة للعمل مشروط بالموت كافرا (٦). ثانياً: من السنة: قول النبي لحكيم بن حزام: ((أسلمت على ما أسلفت عليه من خير)) أخرجه مسلم (٧). وجه الدلالة:

стр. 540

أن النبي ﷺ قد أثبت له ثواب ما قدم من أعمال صالحة حال كفره، بعد أن أسلم، فمن باب أولى ثبوت الأعمال التي قدمها المرء حال إسلامه قبل ارتداده إذا عاد إلى الإسلام (١). المبحث الثاني: العقل العقل شرطٌ في وجوب الحج وإجزائه، فلا يجب على المجنون، ولا تجزئ عن حجة الإسلام إن وقعت منه. أولاً: من السنة: عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)) (٢). ثانياً: الإجماع: أجمع أهل العلم على عدم وجوب الحج على المجنون، نقل ذلك ابنُ قدامة (٣)، والنوويُّ (٤)، والمرداوي (٥)، وأجمعوا كذلك على أنه لو حج فإنه لا يجزئه عن حجة الفريضة، نقل ذلك ابن المنذر (٦). ثالثاً: أن المجنون ليس من أهل العبادات، فلا يتعلق التكليف به كالصبي (٧). رابعاً: أن الحج لابد فيه من نية وقصد، ولا يمكن وجود ذلك في المجنون (٨). مسألة: هل العقل شرط صحة؟ اختلف أهلُ العلم في صحة حج المجنون على قولين: القول الأول: يصح الحج من المجنون بإحرام وليه عنه، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (٩)، والمالكية في المشهور (١٠)، والشافعية (١١). دليل ذلك: القياس على صحة حج الصبي الذى لا يميز في العبادات (١٢). القول الثاني: لا يصح الحج من المجنون ولو أحرم عنه وليه وهو مذهب الحنابلة (١٣)، وقول للحنفية (١٤)، وقول للمالكية (١٥)، ووجه للشافعية (١٦)، واختاره ابن عثيمين (١٧). الأدلة: أولاً: من السنة:

стр. 541

عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)) (١). وجه الدلالة: أن المراد برفع القلم عدم تكليفهم، فدل ذلك على أن المجنون ليس من أهل التكليف، وعلى عدم صحة العبادة منه (٢). ثانياً: أن العقل مناط التكليف، وبه تحصل أهلية العبادة، والمجنون ليس أهلا لذلك، فلا معنى ولا فائدة في نسكه، أشبه العجماوات (٣). ثالثاً: أن الحج عبادة من شرطها النية، وهي لا تصح من المجنون (٤). رابعاً: الإجماع على أن المجنون لو أحرم بنفسه لم ينعقد إحرامه؛ وقد حكى المرداوي الإجماع على ذلك، فكذلك إذا أحرم عنه غيره (٥).

стр. 542

الفصل الثاني: شروط وجوب وإجزاء المبحث الأول: الحرية المطلب الأول: الحرية شرط وجوب الحرية شرط في وجوب الحج فلا يجب على العبد، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وحكى الإجماع على ذلك ابن قدامة (٥)، والنووي (٦)، والشربيني (٧)، والشنقيطي (٨) (٩) الأدلة: أولاً: من السنة: عن ابن عباس ﵄ قال: ((أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام)) (١٠). وجه الدلالة: أن الحج لو كان واجبا على العبد في حال كونه مملوكا لأجزأه ذلك عن حجة الإسلام، وقد دل الحديث أنه لا يجزئه، وأنه إذا أعتق بعد ذلك لزمته حجة الإسلام (١١). ثانياً: أن الحج عبادة تطول مدتها، وتتعلق بقطع مسافة، والعبد مستغرق في خدمة سيده، ومنافعه مستحقة له، فلو وجب الحج عليه لضاعت حقوق سيده المتعلقة به، فلم يجب عليه كالجهاد (١٢). ثالثاً: أن الاستطاعة شرط في الحج، وهي لا تتحقق إلا بملك الزاد والراحلة، والعبد لا يتملك شيئا (١٣). المطلب الثاني: الحرية شرط إجزاء الحرية شرط في الإجزاء عن حج الفريضة، فإذا حج العبد لم يجزئه عن حج الفريضة، ولزمه إذا أعتق، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (١٤)، والمالكية (١٥)، والشافعية (١٦)، والحنابلة (١٧). أولاً: من السنة:

стр. 543

عن ابن عباس ﵄: ((من حج، ثم عتق فعليه حجة أخرى، ومن حج وهو صغير ثم بلغ فعليه حجة أخرى)) (١). ثانياً: الإجماع: نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٢)، وابن عبدالبر (٣). ثالثاً: أن الرقيق فعل ذلك قبل وجوبه عليه، فلم يجزئه إذا صار من أهله، كالصغير (٤). المبحث الثاني: البلوغ المطلب الأول: حكم حج الصبي البلوغ ليس شرطاً لصحة الحج، فيصح من الصبي، فإن كان مميزا (٥) أحرم بنفسه، وإن لم يكن مميزا أحرم عنه وليُّه، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، وبعض الحنفية (٩)، وجماهير العلماء من السلف والخلف (١٠). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ لقي ركبا بالروحاء، فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله، فرفعت إليه امرأة صبيا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر))، وفي رواية: ((فأخذت بعضد صبي فأخرجته من محفتها)) رواه مسلم (١١). وجه الدلالة: أن الصبي الذي يحمل بعضده، ويخرج من المحفة لا تمييز له (١٢). ٢ - عن السائب ابن زيد ﵁ قال: ((حُجَّ بي مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين)) رواه البخاري (١٣). ثانياً: الإجماع:

стр. 544

نقل الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (١)، والقاضي عياض (٢). ثالثاً: أنه يصح من الولي عقد النكاح عنه والبيع والشراء بماله، فيصح إحرامه عنه إذا كان غير مميز (٣). المطلب الثاني: البلوغ شرطُ وجوبٍ وشرط إجزاءٍ البلوغ شرط وجوبٍ وشرط إجزاء، فلا يجب الحج على الصبي، فإن حج لم يجزئه عن حجة الإسلام، وتجب عليه حجة أخرى إذا بلغ (٤). الأدلة: أولاً: من السنة: عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)) (٥). وجه الدلالة: أن في قول رسول الله ﷺ : ((رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم)) دليل واضح على أن حج الصبي تطوع، ولم يؤد به فرضا؛ لأنه محال أن يؤدي فرضا من لم يجب عليه الفرض (٦). ثانياً: الإجماع: نقل الإجماع على عدم وجوب الحج إلا بالبلوغ: ابن المنذر (٧)، وابن جُزي (٨)، والشربيني (٩)، ونقل الإجماع على عدم إجزاء الحج إلا بالبلوغ: الترمذي (١٠) وابن المنذر (١١)، وابن عبدالبر (١٢)، والقاضي عياض (١٣). ثالثاً: أن من لم يبلغ ليس مكلفاً فلا يتعلق به التكليف (١٤). المطلب الثالث: ما يفعله الصبيُّ بنفسه وما يفعله عنه وليه ما يفعله الصبيُّ من أعمال الحج على قسمين: القسم الأول: ما يقدر عليه الصبي بنفسه، كالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى، فإنه يلزمه فعله، ولا تجوز فيه النيابة، ومعنى لزوم فعله أنه لا يصح أن يفعل عنه؛ لعدم الحاجة إليه لا بمعنى أنه يأثم بتركه؛ لأنه غير مكلف. القسم الثاني: ما لا يقدر عليه؛ فإنه يفعله عنه وليه (١٥). الأدلة: أولاً: الآثار عن الصحابة: عن أبي بكر ﵁: ((أنه طاف بابن الزبير في خرقة)) (١٦). وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: ((كنا نحج بصبياننا فمن استطاع منهم رمى ومن لم يستطع رمي عنه)). ثانياً: الإجماع: نقله ابن المنذر (١٧).

стр. 545

المبحث الأول: تعريف الاستطاعة لغة: هي الطاقة والقدرة على الشَّيء (١). واصطلاحا: المستطيع هو القادر في ماله وبدنه، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس واختلاف عوائدهم، وضابطه: أن يمكنه الركوب، ويجد زادا وراحلة صالحين لمثله بعد قضاء الواجبات، والنفقات، والحاجات الأصلية (٢).

стр. 546

المبحث الثاني: حكم الاستطاعة المطلب الأول: اشتراط الاستطاعة في وجوب الحج الاستطاعة شرطٌ في وجوب الحج. الأدلة: أولاً: من الكتاب: ١ - قال الله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: ٩٧] (١). وجه الدلالة: أن الله تعالى خص المستطيع بالإيجاب عليه، فيختص بالوجوب، وغير المستطيع لا يجب عليه (٢). ٢ - قال الله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]. ثانياً: الإجماع: أجمع العلماء على أن الاستطاعة شرطٌ في وجوب الحج، نقله ابن حزم (٣)، وابن قدامة (٤)، والقرطبي (٥)، والنووي (٦). ثالثاً: انتفاء تكليف ما لا يطاق شرعاً وعقلاً (٧). المطلب الثاني: هل الاستطاعة شرط إجزاءٍ في الحج؟ الاستطاعة ليست شرط إجزاء في الحج، فإذا تجشم غير المستطيع المشقة، فحج بغير زاد وراحلة، فإن حجه يقع صحيحاً مجزئاً عن حج الفريضة، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١). ويدل لذلك ما يلي: ١ - أن خلقاً من الصحابة ﵃ حجوا ولا شيء لهم، ولم يؤمر أحدٌ منهم بالإعادة (١٢). ٢ - أن الاستطاعة إنما شُرِطت للوصول إلى الحج، فإذا وَصَلَ وفَعَلَ أجزأه (١٣). ٣ - أن سقوط الوجوب عن غير المستطيع إنما كان لدفع الحرج، فإذا تحمله وقع عن حجة الإسلام، كما لو تكلف القيام في الصلاة والصيام مَنْ يسقط عنه، وكما لو تكلف المريض حضور الجمعة، أو الغني خطر الطريق وحج، فإنه يجزئ عنهم جميعاً (١٤). المطلب الثالث: إذن الوالدين في حج الفريضة

стр. 547

ليس للوالدين منع الولد المكلف من الحج الواجب، ولا تحليله من إحرامه، وليس للولد طاعتهما في تركه، وإن كان يستحب له استئذانهما، نص على هذا فقهاء الحنفية (١) , والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو أحد القولين للمالكية (٤). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله : وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان: ١٥]. ثانياً: من السنة: ١ - عن علي ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا طاعة في معصية الله, إنما الطاعة في المعروف)) رواه البخاري، ومسلم (٥) ٢ - عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: ((سألت رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها، قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)) رواه البخاري، ومسلم (٦). وجه الدلالة: أن فيه تقديم الصلاة على ميقاتها على بر الوالدين، فدل على أن فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله تقدم على فروض الأعيان التي هي من حقوق العباد، فيقدم حج الفريضة على بر الوالدين (٧). ثالثاً: القياس على الصلاة المكتوبة بجامع الفرضية في كل منهما، فكما أن الوالدين لا يستطيعان أن يمنعا الولد من الصلاة المكتوبة فكذلك حج الفريضة. رابعاً: أن طاعة الوالدين إنما تلزم في غير المعصية (٨). المطلب الرابع: إذن الوالدين في حج النافلة للأبوين منع ولديهما من الحج التطوع، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢). وذلك للآتي: أولاً: أنه يلزم طاعة الوالدين في غير معصية, ولو كانا فاسقين لعموم الأوامر ببرهما والإحسان إليهما (١٣). ثانياً: أن للوالدين منعه من الجهاد، وهو من فروض الكفايات، فالتطوع أولى (١٤). المطلب الخامس: إذن صاحب العمل

стр. 548

من أراد حج الفريضة وكان بينه وبين غيره عقد يُلزمه بالعمل في أيام الحج أو بعضها، فإنه يستأذن منه, فإن أذن له وإلا وجب عليه الوفاء بالعقد، وهذه فتوى ابن باز (١) , وابن عثيمين (٢)، واللجنة الدائمة (٣). الأدلة: أولاً: من الكتاب: ١ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]. ٢ - قوله تعالى: وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً [الإسراء: ٣٤]. ثانياً: من السنة: قوله ﷺ : ((المسلمون على شروطهم)) وجه الدلالة: أن العقد الذي جرى بين الموظف وموظِّفِه عهد يجب الوفاء بشروطه حسبما يقتضي العقد (٤).

стр. 549

المبحث الثالث: أقسام الاستطاعة أقسام الاستطاعة في الحج والعمرة أربعة: القسم الأول: أن يكون قادراً ببدنه وماله: فهذا يلزمه الحج والعمرة بنفسه بإجماع أهل العلم (١). القسم الثاني: أن يكون عاجزاً بماله وبدنه: فهذا يسقط عنه الحج والعمرة بإجماع أهل العلم (٢). القسم الثالث: أن يكون قادراً ببدنه عاجزاً بماله: فلا يلزمه الحج والعمرة بلا خلاف (٣) , إلا إذا كان لا يتوقف أداؤهما على المال، مثل أن يكون من أهل مكة لا يشق عليه الخروج إلى المشاعر (٤). القسم الرابع:.أن يكون قادراً بماله عاجزاً ببدنه عجزاً لا يرجى زواله: فيجب عليه الحج والعمرة بالإنابة، وهذا مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 550

المبحث الرابع: شروط الاستطاعة المطلب الأول: شروط الاستطاعة العامة للرجال والنساء الشرط الأول: الاستطاعة البدنية: وتشمل صحة البدن، والقدرة على السير والركوب. الشرط الثاني: الاستطاعة المالية: وتشمل الزاد والراحلة، والنفقة فاضلاً عن دَينه, ونفقته, وحاجاته الأصلية. الشرط الثالث: الاستطاعة الأمنية: والمراد بها أمن الطريق. المطلب الثاني: شروط الاستطاعة الخاصة بالنساء الشرط الأول: المحرم. الشرط الثاني: عدم العدة.

стр. 551

المبحث الخامس: الاستطاعة البدنية المطلب الأول: من لا يستطيع أن يثبت على الآلة أو الراحلة من لا يستطيع أن يثبت على الآلة، أو ليس له قوة أن يستمسك على الراحلة فهذا لا يجب عليه أن يؤدي بنفسه فريضة الحج باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) (٥). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: ٩٧]. وجه الدلالة: أن من لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أو يستمسك بها فهو غير مستطيع, فلا يجب عليه الحج، لأنه إنما وجب على من استطاع إليه سبيلاً. ثانياً: من السنة: عن عبدالله بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : ((أنه جاءته امرأة من خثعم تستفتيه، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم)) رواه البخاري ومسلم (٦)، وفي رواية لمسلم: ((قالت: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير، عليه فريضة الله في الحج، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، فقال ﷺ : فحجي عنه)) رواه مسلم (٧). ثالثاً: الإجماع: نقل القرطبي الإجماع على عدم وجوب الحج على من لم يستطع أن يثبت على الراحلة (٨). المطلب الثاني: صحة البدن؛ هل هي شرط لأصل الوجوب، أو شرط للأداء بالنفس؟

стр. 552

صحة البدن ليست شرطاً للوجوب، بل هي شرط للزوم الأداء بالنفس، فمن كان قادراً بماله عاجزاً ببدنه فإنه يجب عليه الحج، بإرسال من ينوب عنه، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وهو قول للحنفية (٣)، واختاره ابن حزم (٤)، وابن عثيمين (٥). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: ٩٧]. وجه الدلالة: أن الاستطاعة هي الزاد والراحلة، فمن وجد الزاد والراحلة فقد وجب الحج في حقه، فإن كان عاجزاً عن الحج ببدنه لزمه أن يقيم غيره مقامه. ثانياً: من السنة: عن عبدالله بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : ((أنه جاءته امرأة من خثعم تستفتيه، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم)) (٦). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقرَّ المرأة على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة، مع عجزه عنه ببدنه، ولو لم يجب عليه لم يقرها الرسول ﷺ ؛ لأنه لا يمكن أن يقر على خطأ، فدل على أن العاجز ببدنه القادر بماله يجب عليه أن ينيب (٧).

стр. 553

المبحث السادس: الاستطاعة المالية المطلب الأول: اشتراط الزاد والراحلة: يشترط في وجوب الحج القدرة على نفقة الزاد والراحلة (١)، فاضلاً عن دَينه، ونفقته، وحوائجه الأصلية (٢)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وهو قول سحنون, وابن حبيب من المالكية (٦)، وبه قال أكثر الفقهاء (٧) (٨). الأدلة: أولاً: من الكتاب: ١ - قال الله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: ٩٧] .. وجه الدلالة: أن الله لما قال: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً علمنا أنها استطاعة غير القوة بالجسم; إذ لو كان تعالى أراد قوة الجسم لما احتاج إلى ذكرها; لأننا قد علمنا أن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها (٩). ٢ - قال الله تعالى: إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ [النحل: ٧]. وجه الدلالة: أن الآية تفيد أن الرحلة لا تبلغ إلا بشق الأنفس بالضرورة، ولا يكلفنا الله تعالى ذلك لقوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] (١٠)، فتعين اشتراط الزاد والراحلة لتحقيق الاستطاعة في الحج. ٣ - قال الله تعالى: وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى البقرة: ١٩٧ [.] عن ابن عباس ﵄ قال: ((كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة، سألوا الناس، فأنزل الله : وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)). ثانياً: أنه قول طائفة من الصحابة ﵃ ولا مخالف لهم: ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال في استطاعة السبيل إلى الحج: ((زاد وراحلة)). ٢ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال في ذلك أيضاً: ((زاد, وبعير)). ٣ - عن أنس ﵁: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً قال: ((زاد, وراحلة)). ٤ - عن ابن عمر قال: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً قال: ((ملء بطنه, وراحلة يركبها)) (١١). المطلب الثاني:

стр. 554

اشتراط الراحلة خاص بالبعيد عن مكة الذي بينه وبينها مسافة قصر، أما القريب الذي يمكنه المشي، فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه، إلا مع عجز، كشيخ كبير لا يمكنه المشي، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وذلك لما يلي: - أنها مسافة قريبة، يمكنه المشي إليها، فلزمه، كالسعي إلى الجمعة (٤). - أنه لا تلحقهم مشقة زائدة في الأداء مشياً على الأقدام فلم تشترط الراحلة (٥). المطلب الثالث: الحاجات الأصلية التي يشترط أن تفضل عن الزاد والراحلة: الحاجة الأول: نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه. الحاجة الثانية: ما يحتاج إليه هو وأهله من مسكن، ومما لا بد لمثله كالخادم وأثاث البيت وثيابه بقدر الاعتدال المناسب له في ذلك. الحاجة الثالثة: قضاء الدين الذي عليه، لأن الدين من حقوق العباد، وهو من حوائجه الأصلية، فهو آكد، وسواء كان الدين لآدمي أو لحق الله تعالى كزكاة في ذمته أو كفارات ونحوها (٦). المطلب الرابع: من وجب عليه الحج وأراد أن يتزوج وليس عنده من المال إلا ما يكفي لأحدهما من وجب عليه الحج وأراد أن يتزوج وليس عنده من المال إلا ما يكفي لأحدهما، فعلى حالين: الحال الأولى: أن يكون في حالة توقان نفسه والخوف من الزنا، فهذا يكون الزواج في حقه مقدماً على الحج.

стр. 555

الحال الثانية: أن يكون في حال اعتدال الشهوة، فإنه يقدم الحج على الزواج، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره ابن تيمية (٤)، وابن باز (٥)، وابن عثيمين (٦). الأدلة: أدلة وجوب تقديم النكاح في حال توقان الشهوة: أولاً: اتفاق العلماء على ذلك: نقله شيخي زادة (٧)، وابن كمال باشا (٨) , وحكاه المجد إجماعاً (٩). ثانياً: أن من اشتدت حاجته إلى الزواج وجبت عليه المبادرة به قبل الحج؛ لأنه في هذه الحال لا يسمى مستطيعاً (١٠). ثالثاً: أن في التزويج تحصين النفس الواجب، ولا غنى به عنه، كنفقته، والاشتغال بالحج يفوته (١١). رابعاً: أن في تركه النكاح ترك أمرين: ترك الفرض، وهو النكاح الواجب، والوقوع في المحرم، وهو الزنا (١٢). دليل تقديم الحج على النكاح في حال اعتدال الشهوة: أن الحج واجب على الفور على من استطاع إليه سبيلاً، فيقدم على المسنون؛ لأنه لا تعارض بين واجب ومسنون (١٣). فرع: ليس من الحوائج الأصلية ما جرت به العادة المحدثة لرسم الهدية للأقارب والأصحاب، فلا يعذر بترك الحج لعجزه عن ذلك. (١٤)

стр. 556

المبحث السابع: اشتراط أمن الطرق لتحقيق الاستطاعة المطلب الأول: المراد بأمن الطريق المقصود بأمن الطريق أن يكون الغالب في طريقه السلامة آمناً على نفسه وماله من وقت خروج الناس للحج، إلى رجوعه إلى بلده؛ لأن الاستطاعة لا تثبت دونه (١). المطلب الثاني: هل أمن الطريق شرط أداء بالنفس أو شرط صحة؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أنه شرط وجوب, فمن استوفى شروط الحج وخاف الطريق فإنه لا يجب عليه الحج، ولا يتعلق في ذمته، وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهو رواية عن أبي حنيفة (٤)، وأحمد (٥). دليل ذلك: أن الوصول إلى البيت بدونه لا يتصور إلا بمشقة عظيمة فصار من جملة الاستطاعة (٦). القول الثاني: أنه شرط أداء بالنفس، فمن استوفى شروط الحج وخاف الطريق فإن الحج يتعلق في ذمته ويسقط عنه الأداء، وهذا مذهب الحنفية في الأصح (٧)، والحنابلة. (٨) الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: ٩٧]. وجه الدلالة: أن من استطاع الحج فإنه يجب عليه، فإن كان الطريق مخوفاً فإن ذلك يسقط عنه الأداء حالاً، مع تعلق وجوب الحج في ذمته لاستيفائه شروط وجوبه. ثانياً: أن إمكان الأداء ليس شرطاً في وجوب العبادة بدليل ما لو زال المانع ولم يبق من وقت الصلاة ما يمكن الأداء فيه (٩). ثالثاً: أنه مع خوف الطريق يتعذر الأداء دون تعذر القضاء، كالمرض المرجو برؤه، أما عدم الزاد والراحلة فإنه يتعذر معه الجميع (١٠).

стр. 557

المبحث الثامن: اشتراط المحرم المطلب الأول: من هو المحرم؟ مَحْرَم المرأة هو زوجها أو من يحرم عليها بالتأبيد بسبب قرابة، أو رضاع، أو صهرية، ويكون مسلماً بالغاً عاقلاً ثقة مأموناً؛ فإن المقصود من المحرم حماية المرأة وصيانتها والقيام بشأنها (١). المطلب الثاني: اشتراط المحرم في حج الفريضة: يشترط لوجوب أداء الفريضة للمرأة رفقة المحرم، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره ابن باز (٤)، وابن عثيمين (٥)، وبه صدرت فتوى اللجنة الدائمة (٦). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: ٩٧]. وجه الدلالة: أن وجود المحرم داخل في الاستطاعة التي اشترطها الله لوجوب الحج؛ فإن المرأة لا تقدر على الركوب والنزول وحدها عادة، فتحتاج إلى من يركبها وينزلها من المحارم أو الزوج، فعند عدمهم لا تكون مستطيعة (٧). ثانياً: من السنة: ١ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو محرم)) رواه مسلم (٨). ٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: ((لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: انطلق فحج مع امرأتك)) رواه البخاري، ومسلم (٩). ثالثاً: أن المرأة يخاف عليها من السفر وحدها الفتنة (١٠). المطلب الثالث: اشتراط إذن الزوج في حج النفل ليس للمرأة الإحرام نفلاً إلا بإذن زوج. الأدلة: أولاً: الإجماع:

стр. 558

أجمع أهل العلم على اشتراط إذن الزوج في جواز إحرام المرأة في النفل، نقله ابن المنذر (١)، وابن قدامة (٢). ثانياً: أنه تطوع يفوت حق زوجها، فكان لزوجها منعها منه، كالاعتكاف (٣). ثالثاً: أن طاعة الزوج فرض عليها فيما لا معصية لله تعالى فيه, وليس في ترك الحج التطوع معصية (٤). المطلب الرابع: إذا وجدت المرأة محرماً في الفرض فهل يشترط إذن زوجها؟ ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض إذا استكملت شروط الحج، ووجدت محرماً، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والحنابلة (٧)، وقولٌ للشافعية (٨)، وهو قول أكثر أهل العلم (٩). الأدلة: أولاً: من السنة: عن علي ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف)) رواه البخاري، ومسلم (١٠) ثانياً: أن حق الزوج لا يقدم على فرائض العين، كالصلاة المفروضة، وصوم رمضان، فليس للزوج منع زوجته منه، لأنه فرض عين عليها. ثالثاً: أن حق الزوج مستمر على الدوام، فلو ملك منعها في هذا العام لملكه في كل عام، فيفضي إلى إسقاط أحد أركان الإسلام (١١).

стр. 559

المبحث التاسع: الشرط الثاني الخاص بالمرأة عدم العدة يشترط لوجوب الحج على المرأة ألا تكون المرأة معتدة في مدة إمكان السير للحج، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقال به طائفة من السلف (٥). الأدلة: أولاً: من الكتاب: ١ - قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤]. وجه الدلالة: أن المتوفى عنها زوجها لا يجوز لها أن تخرج من بيتها وتسافر للحج، حتى تقضي العدة، لأنها في هذه الحال غير مستطيعة، لأنه يجب عليها أن تتربص في البيت (٦). ٢ - قوله تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ [الطلاق: ١]. وجه الدلالة: أن الله تعالى نهى المعتدات عن الخروج من بيوتهن (٧). ثانياً: عن سعيد بن المسيب: ((أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء، يمنعهن الحج)). ثالثاً: أن العدة في المنزل تفوت، ولا بدل لها، والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام، فلا يفوت بالتأخير، فلا تلزم بأدائه وهي في العدة (٨).

стр. 560

تمهيد: تعريف المواقيت المواقيت في اللغة: جمع ميقات، وهو الوقت المضروب للفعل والموضع، ثم استعير للمكان، ومنه مواقيت الحج لمواضع الإحرام يقال: هذا ميقات أهل الشام: للموضع الذي يحرمون منه (١). المواقيت في الاصطلاح: زمان النسك وموضع الإحرام له (٢).

стр. 561

الفصل الأول: مواقيت الحج الزمانية المبحث الأول: أشهر الحج اختلف أهل العلم في تحديد مواقيت الحج الزمانية على أقوال، أشهرها: القول الأول: أن وقت الإحرام بالحج: شوال وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وهذا مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وبه قال طائفة من السلف (٣)، واختاره الطبري (٤)، وابن تيمية (٥)، وابن باز (٦)، واللجنة الدائمة (٧). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن ابن عمر ﵄: ((أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج، فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر، قال: هذا يوم الحج الأكبر)) (٨). وجه الدلالة: أنه نص أن يوم النحر يوم الحج الأكبر، ولا يجوز أن يكون يوم الحج الأكبر ليس من أشهره (٩). ٢ - عن أبي هريرة ﵁، قال: ((بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان)) رواه البخاري، ومسلم (١٠). وجه الدلالة: أن ذلك كان امتثالاً لقوله تعالى: وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ ... [التوبة: ٣]، وإذا كان يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، فتعين أن يكون من أشهر الحج. ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃: ١ - عن ابن عمر ﵄ أنه قال: ((أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة)). ٢ - عن عبدالله ابن مسعود ﵁ قال: ((شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة)) (١١). ٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((هن: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، جعلهن الله سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج، والعمرة يحرم بها في كل شهر)) (١٢). ثالثاً: أن يوم النحر فيه ركن الحج، وهو طواف الزيارة، وفيه كثير من أفعال الحج الواجبة، منها: رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق، والطواف، والسعي، والرجوع إلى منى، ومستبعد أن يوضع لأداء ركن العبادة وواجباتها وقت ليس وقتها، ولا هو منه (١٣).

стр. 562

القول الثاني: أن وقت الحج شوال وذو القعدة وشهر ذي الحجة إلى آخره، وهذا مذهب المالكية (١)، ونُقِلَ عن الشافعي في القديم (٢)، وبه قال طائفة من السلف (٣)، واختاره ابن حزم (٤)، والوزير ابن هبيرة (٥)، والشوكاني (٦)، وابن عثيمين (٧). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧]. وجه الدلالة: أن الآية عبرت بالجمع (أشهر)، وأقل الجمع ثلاث، فلا بد من دخول ذي الحجة بكماله (٨). ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃: عن ابن جريج، قال: قلت لنافع: أسمعت ابن عمر يسمي أشهر الحج؟ قال: نعم، كان يسمي شوالاً، وذا القعدة، وذا الحجة (٩)، وصح عن ابن عباس ﵄ نحوه (١٠). ثالثاً: أن من أيام الحج اليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر، يفعل فيها من أعمال الحج: الرمي، والمبيت، فكيف نخرجها من أشهر الحج وهي أوقات لأعمال الحج؟! (١١). رابعاً: أن طواف الإفاضة من فرائض الحج، ويجوز أن يكون في ذي الحجة كله بلا خلاف منهم; فصح أنها ثلاثة أشهر (١٢). المبحث الثاني: الإحرام قبل أشهر الحج اختلف أهل العلم في حكم الإحرام بالحج قبل أشهره على أقوال منها: القول الأول: يصح الإحرام بالحج وينعقد قبل أشهر الحج، لكن مع الكراهة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١٣)، والمالكية (١٤)، والحنابلة (١٥). واختيار ابن باز (١٦) الأدلة: أولاً: من الكتاب: ١ - قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ [البقرة: ١٩٧]. وجه الدلالة: أن معنى الآية: الحج (حج) أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها، وإن كان ذاك صحيحاً.

стр. 563

٢ - قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقر: ١٩٦]. وجه الدلالة: أنه متى أحرم انعقد إحرامه؛ لأنه مأمور بالإتمام (١). ٣ - قوله تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩]. وجه الدلالة: أن الألف واللام في الأهلة للعموم، فيقتضي أن سائر الأهلة ميقات للحج (٢). ثانياً: عن ابن عباس ﵄ قال: ((من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج)) (٣). ثالثاً: أن التوقيت ضربان: توقيت مكان وزمان، وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح، فكذا لو تقدم على ميقات الزمان (٤). رابعاً: أن الإحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه، وهو شوال، فعلم أنه لا يختص بزمان (٥). القول الثاني: أنه لا ينعقد إحرامه بالحج قبل أشهره، وينعقد عمرة، وهذا مذهب الشافعية (٦)، وقولٌ للمالكية (٧)، ورواية عن أحمد (٨)، وبه قال طائفةٌ من السلف (٩)، واختاره ابن عثيمين (١٠). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ [البقرة: ١٩٧]. وجه الدلالة: أن ظاهر الآية أن ميقات الحج في أشهره، فيجب انحصار الحج فيه، فلا يصح قبله، ولو كان يجوز الإحرام للحج في سائر شهور السنة لم يكن للآية فائدة (١١). ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃: ١ - عن أبي الزبير قال: ((سئل جابر: أهل بالحج في غير أشهر الحج، قال: لا)) (١٢). ٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((لا يحرم بالحج إلا في أشهره، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج)) (١٣). ثالثاً: أن الإحرام نسك من مناسك الحج، فكان مؤقتاً، كالوقوف بعرفة والطواف. رابعاً: أنه ميقات للعبادة فلا يصح قبله، كما لا تصح الصلاة قبل ميقاتها (١٤). خامساً: أن من التزم عبادة في وقت نظيرتها انقلبت إلى النظير مثل أن يصوم نذراً في أيام رمضان، أو يصلي الفرض قبل وقته، فإنه ينقلب تطوعاً (١٥).

стр. 564

تمهيد أصناف الناس باعتبار موضع الإحرام ثلاثة: الصنف الأول: الآفاقي: من كان خارج المواقيت. الصنف الثاني: الميقاتي: من كان بين المواقيت والحرم. الصنف الثالث: المكي: أهل مكة أو أهل الحرم.

стр. 565

المبحث الأول: ميقات الآفاقي المطلب الأول: مواقيت الآفاقي أولاً: تعريف الآفاقي: هو من كان منزله خارج منطقة المواقيت (١). ثانياً: مواقيت الآفاقي: تتنوع مواقيت الآفاق باعتبار جهتها من الحرم، فلكل جهة ميقات معيَّن، ويرجع كلام أهل العلم في المواقيت إلى ستة مواقيت: الميقات الأول: ذو الحُليفة: ميقات أهل المدينة، ومن مر بها من غير أهلها، وهو موضع معروف في أول طريق المدينة إلى مكة، بينه وبين المدينة نحو ستة أميال (١٣ كيلو متر تقريبا)، وبينه وبين مكة عشرة مراحل (٢)، نحو مائتي ميل تقريباً (٤٠٨ كيلو متر تقريبا)، فهو أبعد المواقيت من مكة (٣)، وتسمى الآن (آبار علي) (٤)، ومنها أحرم رسول الله ﷺ لحجة الوداع (٥). الميقات الثاني: الجُحْفة: ميقات أهل الشام، ومن جاء من قبلها من مصر، والمغرب، ومن وراءهم من أهل الأندلس ويقال لها مَهْيَعة، وهي قرية كبيرة على نحو خمس مراحل من مكة (١٨٦ كيلو متر تقريبا)، وعلى نحو ثمان مراحل من المدينة، سميت جحفة؛ لأن السيل جحفها في الزمن الماضي، وحَمَلَ أهلها (٦)، وهي التي دعا النبي ﷺ أن ينقل إليها حمى المدينة، وكانت يومئذ دار اليهود، ولم يكن بها مسلم، ويقال إنه لا يدخلها أحد إلا حم، وقد اندثرت، ولا يكاد يعرفها أحد، ويحرم الحجاج الآن من (رابغ)، وهي تقع قبل الجحفة بيسير إلى جهة البحر، فالمحرم من (رابغ) محرم قبل الميقات، وقيل إن الإحرام منها أحوط لعدم التيقن بمكان الجحفة (٧).
следующие страницы →