← Фикх общий

Фикх общий · id 38056

الموسوعة الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 364 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الفصل الأول: مواقيت الحج الزمانية المبحث الأول: أشهر الحج اختلف أهل العلم في تحديد مواقيت الحج الزمانية على أقوال، أشهرها: القول الأول: أن وقت الإحرام بالحج: شوال وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وهذا مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وبه قال طائفة من السلف (٣)، واختاره الطبري (٤)، وابن تيمية (٥)، وابن باز (٦)، واللجنة الدائمة (٧). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن ابن عمر ﵄: ((أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج، فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر، قال: هذا يوم الحج الأكبر)) (٨). وجه الدلالة: أنه نص أن يوم النحر يوم الحج الأكبر، ولا يجوز أن يكون يوم الحج الأكبر ليس من أشهره (٩). ٢ - عن أبي هريرة ﵁، قال: ((بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان)) رواه البخاري، ومسلم (١٠). وجه الدلالة: أن ذلك كان امتثالاً لقوله تعالى: وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ ... [التوبة: ٣]، وإذا كان يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، فتعين أن يكون من أشهر الحج. ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃: ١ - عن ابن عمر ﵄ أنه قال: ((أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة)). ٢ - عن عبدالله ابن مسعود ﵁ قال: ((شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة)) (١١). ٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((هن: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، جعلهن الله سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج، والعمرة يحرم بها في كل شهر)) (١٢). ثالثاً: أن يوم النحر فيه ركن الحج، وهو طواف الزيارة، وفيه كثير من أفعال الحج الواجبة، منها: رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق، والطواف، والسعي، والرجوع إلى منى، ومستبعد أن يوضع لأداء ركن العبادة وواجباتها وقت ليس وقتها، ولا هو منه (١٣).

стр. 562

القول الثاني: أن وقت الحج شوال وذو القعدة وشهر ذي الحجة إلى آخره، وهذا مذهب المالكية (١)، ونُقِلَ عن الشافعي في القديم (٢)، وبه قال طائفة من السلف (٣)، واختاره ابن حزم (٤)، والوزير ابن هبيرة (٥)، والشوكاني (٦)، وابن عثيمين (٧). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧]. وجه الدلالة: أن الآية عبرت بالجمع (أشهر)، وأقل الجمع ثلاث، فلا بد من دخول ذي الحجة بكماله (٨). ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃: عن ابن جريج، قال: قلت لنافع: أسمعت ابن عمر يسمي أشهر الحج؟ قال: نعم، كان يسمي شوالاً، وذا القعدة، وذا الحجة (٩)، وصح عن ابن عباس ﵄ نحوه (١٠). ثالثاً: أن من أيام الحج اليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر، يفعل فيها من أعمال الحج: الرمي، والمبيت، فكيف نخرجها من أشهر الحج وهي أوقات لأعمال الحج؟! (١١). رابعاً: أن طواف الإفاضة من فرائض الحج، ويجوز أن يكون في ذي الحجة كله بلا خلاف منهم; فصح أنها ثلاثة أشهر (١٢). المبحث الثاني: الإحرام قبل أشهر الحج اختلف أهل العلم في حكم الإحرام بالحج قبل أشهره على أقوال منها: القول الأول: يصح الإحرام بالحج وينعقد قبل أشهر الحج، لكن مع الكراهة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١٣)، والمالكية (١٤)، والحنابلة (١٥). واختيار ابن باز (١٦) الأدلة: أولاً: من الكتاب: ١ - قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ [البقرة: ١٩٧]. وجه الدلالة: أن معنى الآية: الحج (حج) أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها، وإن كان ذاك صحيحاً.

стр. 563

٢ - قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقر: ١٩٦]. وجه الدلالة: أنه متى أحرم انعقد إحرامه؛ لأنه مأمور بالإتمام (١). ٣ - قوله تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩]. وجه الدلالة: أن الألف واللام في الأهلة للعموم، فيقتضي أن سائر الأهلة ميقات للحج (٢). ثانياً: عن ابن عباس ﵄ قال: ((من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج)) (٣). ثالثاً: أن التوقيت ضربان: توقيت مكان وزمان، وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح، فكذا لو تقدم على ميقات الزمان (٤). رابعاً: أن الإحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه، وهو شوال، فعلم أنه لا يختص بزمان (٥). القول الثاني: أنه لا ينعقد إحرامه بالحج قبل أشهره، وينعقد عمرة، وهذا مذهب الشافعية (٦)، وقولٌ للمالكية (٧)، ورواية عن أحمد (٨)، وبه قال طائفةٌ من السلف (٩)، واختاره ابن عثيمين (١٠). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ [البقرة: ١٩٧]. وجه الدلالة: أن ظاهر الآية أن ميقات الحج في أشهره، فيجب انحصار الحج فيه، فلا يصح قبله، ولو كان يجوز الإحرام للحج في سائر شهور السنة لم يكن للآية فائدة (١١). ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃: ١ - عن أبي الزبير قال: ((سئل جابر: أهل بالحج في غير أشهر الحج، قال: لا)) (١٢). ٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((لا يحرم بالحج إلا في أشهره، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج)) (١٣). ثالثاً: أن الإحرام نسك من مناسك الحج، فكان مؤقتاً، كالوقوف بعرفة والطواف. رابعاً: أنه ميقات للعبادة فلا يصح قبله، كما لا تصح الصلاة قبل ميقاتها (١٤). خامساً: أن من التزم عبادة في وقت نظيرتها انقلبت إلى النظير مثل أن يصوم نذراً في أيام رمضان، أو يصلي الفرض قبل وقته، فإنه ينقلب تطوعاً (١٥).

стр. 564

تمهيد أصناف الناس باعتبار موضع الإحرام ثلاثة: الصنف الأول: الآفاقي: من كان خارج المواقيت. الصنف الثاني: الميقاتي: من كان بين المواقيت والحرم. الصنف الثالث: المكي: أهل مكة أو أهل الحرم.

стр. 565

المبحث الأول: ميقات الآفاقي المطلب الأول: مواقيت الآفاقي أولاً: تعريف الآفاقي: هو من كان منزله خارج منطقة المواقيت (١). ثانياً: مواقيت الآفاقي: تتنوع مواقيت الآفاق باعتبار جهتها من الحرم، فلكل جهة ميقات معيَّن، ويرجع كلام أهل العلم في المواقيت إلى ستة مواقيت: الميقات الأول: ذو الحُليفة: ميقات أهل المدينة، ومن مر بها من غير أهلها، وهو موضع معروف في أول طريق المدينة إلى مكة، بينه وبين المدينة نحو ستة أميال (١٣ كيلو متر تقريبا)، وبينه وبين مكة عشرة مراحل (٢)، نحو مائتي ميل تقريباً (٤٠٨ كيلو متر تقريبا)، فهو أبعد المواقيت من مكة (٣)، وتسمى الآن (آبار علي) (٤)، ومنها أحرم رسول الله ﷺ لحجة الوداع (٥). الميقات الثاني: الجُحْفة: ميقات أهل الشام، ومن جاء من قبلها من مصر، والمغرب، ومن وراءهم من أهل الأندلس ويقال لها مَهْيَعة، وهي قرية كبيرة على نحو خمس مراحل من مكة (١٨٦ كيلو متر تقريبا)، وعلى نحو ثمان مراحل من المدينة، سميت جحفة؛ لأن السيل جحفها في الزمن الماضي، وحَمَلَ أهلها (٦)، وهي التي دعا النبي ﷺ أن ينقل إليها حمى المدينة، وكانت يومئذ دار اليهود، ولم يكن بها مسلم، ويقال إنه لا يدخلها أحد إلا حم، وقد اندثرت، ولا يكاد يعرفها أحد، ويحرم الحجاج الآن من (رابغ)، وهي تقع قبل الجحفة بيسير إلى جهة البحر، فالمحرم من (رابغ) محرم قبل الميقات، وقيل إن الإحرام منها أحوط لعدم التيقن بمكان الجحفة (٧).

стр. 566

الميقات الثالث: قَرْن المنازل (١) (السيل الكبير): ميقات أهل نجد (٢)، و (قرن) جبل مطل على عرفات، ويقال له قرن المبارك، بينه وبين مكة مرحلتان، نحو أربعين ميلاً (٧٨ كيلو متر تقريباً)، وهو أقرب المواقيت إلى مكة، وتسمى الآن (السيل) (٣). الميقات الرابع: يلملم: ميقات أهل اليمن وتهامة، والهند، ويلملم جبل من جبال تهامة، جنوب مكة، وتقع على مرحلتين من مكة (٤) (١٢٠كيلو متر تقريباً). الميقات الخامس: ذات عِرق: ميقات أهل العراق، وسائر أهل المشرق، وهي قرية على مرحلتين من مكة، بينهما اثنان وأربعون ميلاً، (١٠٠ كيلو متر تقريبا) وقد خربت (٥). أدلة تحديد هذه المواقيت الخمسة: أولاً: من السنة: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((إن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن؛ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة)) (٦). ٢ - عن عبدالله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. قال عبدالله - يعني ابن عمر - وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: ويهل أهل اليمن من يلملم)) (٧). ٣ - عن ابن عمر ﵄: ((أن النبي ﷺ أُتيَ وهو في معرسه من ذي الحليفة في بطن الوادي، فقيل: إنك ببطحاء مباركة، قال موسى: وقد أناخ بنا سالم بالمناخ من المسجد الذي كان عبدالله ينيخ به، يتحرى معرس رسول الله ﷺ ، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، بينه وبين القبلة، وسطاً من ذلك)) (٨). ٤ - عن عمر ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: ((أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)) (٩). ثانياً: الإجماع:

стр. 567

حكى الإجماع على ذلك: ابن المنذر (١)، وابن حزم (٢)، وابن عبدالبر (٣)، وابن رشد (٤)، وابن قدامة (٥)، والنووي (٦). الميقات السادس: العقيق: العقيق: واد وراء ذات عرق مما يلي المشرق، عن يسار الذاهب من ناحية العراق إلى مكة، ويشرف عليها جبل عرق (٧). اختلف أهل العلم في الإحرام منه على قولين:

стр. 568

القول الأول: الاقتصار على استحباب الإحرام من ذات عرق، وهو يقع بعد العقيق، وهذا مذهب الجمهور (١)، ومنهم الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤). الأدلة: ١ - نصوص أحاديث المواقيت، وليس في شيء منها العقيق. ٢ - إجماع الناس على أنهم إذا جاوزوا العقيق إلى ذات عرق أنه لا دم عليهم، ولو كان ميقاتاً لوجب الدم بتركه (٥). ٣ - إجماع الناس على ما فعله عمر ﵁ من توقيت ذات عرق، وهو بعد العقيق (٦). القول الثاني: استحباب الإحرام من العقيق لأهل المشرق، وهذا مذهب الشافعية (٧)، وبعض الحنفية (٨)، وبه قال بعض السلف (٩)، واستحسنه ابن المنذر, وابن عبدالبر (١٠). الأدلة: أولاً: عن أنس ﵁: ((أنه كان يحرم من العقيق)) (١١).

стр. 569

ثانياً: أن الإحرام من العقيق فيه من الاحتياط، والسلامة من الالتباس بذات عرق؛ لأن ذات عرق قرية خربت، وحول بناؤها إلى جهة مكة، فالاحتياط الإحرام قبل موضع بنائها، فينبغي على من أتى من جهة العراق أن يتحرى ويطلب آثار القرية العتيقة، ويحرم حين ينتهي إليها، ومن علاماتها المقابر القديمة، فإذا انتهى إليها أحرم (١). المطلب الثاني: الإحرام من الميقات لمن مرَّ منه قاصداً النسك: يجب الإحرام من الميقات لمن مر منه قاصداً أحد النسكين: الحج أو العمرة. الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((إن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن؛ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة)) (٢). ٢ - عن عبدالله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. قال عبدالله - يعني ابن عمر - وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: ويهل أهل اليمن من يلملم)) (٣). وجه الدلالة من هذين الحديثين: أنه ﷺ وقت المواقيت، فقال: ((هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج أو العمرة)) (٤)، وفائدة التأقيت المنع من تأخير الإحرام عنها، وعلى ذلك جرى عمل المسلمين (٥). ٣ - عن عمر ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: ((أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)) (٦). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أحرم من الميقات، والأصل في دلالة الأمر الوجوب، ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم تجاوزوها بغير إحرام (٧). ثانياً: من الإجماع: نقل الإجماع على ذلك النووي (٨)، والزيلعي (٩). المطلب الثالث: من سلك طريقاً ليس فيه ميقات معين، برًّا أو بحراً أو جوًّا:

стр. 570

من سلك طريقاً ليس فيه ميقات معين، برًّا أو بحراً أو جوًّا اجتهد وأحرم إذا حاذى ميقاتاً من المواقيت. وذلك باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي (٥). الدليل: عن عمر بن الخطاب ﵁ جاءه أهل العراق وقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي ﷺ وقت لأهل نجد قرناً، وإنها جور عن طريقنا- يعني فيها ميول وبعد عن طريقنا- فقال ﵁: ((انظروا إلى حذوها من طريقكم)) (٦). مسألة: من سلك طريقاً ليس فيه ميقات معين، برًّا أو بحراً أو جوًّا، فاشتبه عليه ما يحاذي المواقيت ولم يجد من يرشده إلى المحاذاة وجب عليه أن يحتاط ويحرم قبل ذلك بوقت يغلب على ظنه أنه أحرم فيه قبل المحاذاة؛ وليس له أن يؤخر الإحرام، وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي (٧)، وبه أفتى ابن باز (٨). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]. وجه الدلالة: أن الله سبحانه أوجب على عباده أن يتقوه ما استطاعوا، وهذا هو المستطاع في حق من لم يمر على نفس الميقات (٩). ثانياً: أن الإحرام قبل الميقات جائز مع الكراهة ومنعقد، ومع التحرى والاحتياط خوفًا من تجاوز الميقات بغير إحرام تزول الكراهة؛ لأنه لا كراهة في أداء الواجب (١٠). المطلب الرابع: هل جدة ميقات؟

стр. 571

جدة ليست ميقاتاً، ولا يجوز لأحد أن يتجاوز ميقاته ويحرم من جدة، إلا أن لا يحاذي ميقاتاً قبلها فإنه يحرم منها، كمن قدم إليها عن طريق البحر من الجزء المحاذي لها من السودان؛ لأنه لا يصادف ميقاتاً قبلها، وهذا اختيار ابن باز (١)، وابن عثيمين (٢)، وبه صدرت فتوى اللجنة الدائمة (٣)، وقرار هيئة كبار العلماء (٤)، والمجمع الفقهي الإسلامي (٥). الأدلة: أولا من السنة: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها)) (٦). وجه الدلالة: أن الحديث دل على وجوب إحرام من مرَّ على هذه المواقيت حتى لو كان من غير أهلها، ولم يذكر جدة من بينها، وعليه فلا يجوز له تأخير الإحرام إلى جدة أو غيرها مما يلي الميقات الذي مر عليه. ٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: ((لما فتح هذان المصران أي الكوفة والبصرة أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرناً، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرناً شق علينا فقال: انظروا حذوها من طريقكم فحدّ لهم ذات عرق)) (٧). وجه الدلالة: أن الإحرام يكون في الميقات أو حذوه، وجدة ليست ميقاتاً وليست محاذية لأحد المواقيت. ثانيا: أنه بالرغم من أن جدة كانت موجودة في عهد النبي ﷺ إلا أنه لم يتخذها ميقاتاً مع أهمية موقعها وقربه، ولو كانت من المواقيت لنص عليه النبي ﷺ . فرع:

стр. 572

من لم يحمل معه ملابس الإحرام في الطائرة، فليس له أن يؤخر إحرامه إلى جدة، بل الواجب عليه أن يحرم في السراويل، وعليه كشف رأسه، فإذا وصل إلى جدة اشترى إزاراً وخلع القميص، وعليه عن لبسه القميص كفارة، وهي إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من تمر أو أرز أو غيرهما من قوت البلد أو صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة، وهذا قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي (١). المطلب الخامس: حكم تجاوز الميقات للمحرم بدون إحرام الفرع الأول: من تجاوز الميقات بغير إحرام ولم يرجع للإحرام من الميقات: من كان مريداً لنسك الحج أو العمرة، وتجاوز الميقات بغير إحرام، فإنه يجب العود إليه، والإحرام منه، فإن لم يرجع أَثِم (٢) ووجب عليه الدم، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٣)، والمالكية (٤) والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وحكى ابن عبدالبر الإجماع على ذلك (٧). الأدلة: دليل وجوب الرجوع: أنه نسك واجب أمكنه فعله، فلزمه الإتيان به كسائر الواجبات (٨). دليل وجوب الدم عليه: عن ابن عباس ﵄ قال: ((من ترك شيئاً من نسكه فليهرق دماً)) (٩). مسألة:

стр. 573

من تجاوز الميقات بدون إحرام ليدخل مكة لعدم حمله التصريح فحجه صحيح لكنه يأثم بارتدائه المخيط، وتجب عليه الفدية، وبه قال ابن عثيمين (١) (٢). الفرع الثاني: من تجاوز الميقات بغير إحرام ثم رجع إلى الميقات فأحرم منه من تجاوز الميقات بغير إحرام ثم رجع إلى الميقات فأحرم منه، فلا دم عليه (٣). الأدلة: أولا: الإجماع: نقل الإجماع على ذلك الكاساني (٤) وشمس الدين ابن قدامة (٥). ثانياً: لأنه أحرم من الميقات الذي أُمر بالإحرام منه، فلم يلزمه شيء؛ لأنه أتى بالواجب عليه، كما لو لم يجاوزه ابتداء (٦). ثالثاً: لأنه لم يترك الإحرام من الميقات ولم يهتكه، فلم يجب عليه شيء (٧). الفرع الثالث: من أحرم بعد الميقات، ثم رجع إلى الميقات

стр. 574

من أحرم بعد الميقات، ثم رجع إلى الميقات؛ فإنه لا يسقط عنه الدم، وهذا مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢)، وبه قال زفر من الحنفية (٣)، وهو قول ابن المبارك (٤) , واختيار الشنقيطي (٥) , وابن باز (٦) , وابن عثيمين (٧). الأدلة: أولاً: عن ابن عباس ﵄ قال: ((من ترك شيئاً من نسكه فليهرق دماً)) (٨). ثانياً: أن الدم استقر عليه بترك واجب الإحرام من الميقات، ولا يزول هذا برجوعه، أما إذا رجع قبل إحرامه منه فإنه لم يترك الإحرام منه، ولم يهتكه (٩). الفرع الرابع: إذا جاوز الميقات غير مريد نسكاً ثم أراده إذا جاوز الميقات غير مريد نسكاً، ثم أراده فإنه يحرم من موضعه، وهو مذهب المالكية (١٠)، والشافعية (١١)، وبه قال ابن حجر (١٢)، والشوكاني (١٣)، واختاره ابن عثيمين (١٤). الأدلة: أولاً: من السنة:

стр. 575

عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في حديث المواقيت: ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة)) (١)، وهذا أنشأ النية من دون المواقيت، فميقاته من حيث أنشأ. ثانياً: عن ابن عمر ﵄: ((أنه أحرم من الفُرْع)) (٢)، والفُرْع بلاد بين ذي الحليفة وبين مكة، فتكون دون ميقات المدني، وابن عمر ﵄ مدني، وتأويله أنه خرج من المدينة إلى الفرع لحاجة، ولم يقصد مكة، ثم أراد النسك فكان ميقاته مكانه (٣). ثالثاً: أن من وصل إلى مكان على وجه مشروع، صار حكمه حكم أهله (٤). الفرع الخامس: المرور من الميقات لحاجة غير النسك: مسألة: حكم الإحرام لمن جاوز الميقات إلى الحل لحاجة غير النسك من جاوز الميقات لا يريد نسكاً، ولا يريد دخول الحرم فلا يجب عليه الإحرام. الأدلة: أولاً: من السنة: قوله ﵊: ((هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد حجاً أو عمرة)). وجه الدلالة: أنَّ مفهوم الحديث يدل على أنَّ من لم يرد الحج والعمرة، يجوز له أن يتجاوز الميقات بغير إحرام. ثانياً: الإجماع: نقل الإجماع على ذلك ابن قدامة (٥). مسألة: حكم الإحرام لمن جاوز الميقات إلى مكة لحاجة غير النسك

стр. 576

من جاوز الميقات – ممن لا يجب عليه النسك - بقصد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، فإنه يستحب له الإحرام ولا يجب وهو مذهب الشافعية (١)، والظاهرية (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣)، وبه قال طائفة من السلف (٤)، وهو ظاهر تبويب البخاري (٥)، واختاره النووي (٦)،وابن القيم (٧) , وابن مفلح (٨)، والزركشي (٩)، والصنعاني (١٠)، والشنقيطي (١١)، وابن باز (١٢)، وابن عثيمين (١٣). الأدلة: أولاً: من السنة:

стр. 577

عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال في شأن المواقيت: ((هنَّ لهنَّ، ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ ممن كان يريد حجا أو عمرة)) رواه البخاري، ومسلم (١). وجه الدلالة: أنَّ مفهوم الحديث يدل على أنَّ من لم يرد الحج والعمرة، يجوز له أن يتجاوز الميقات بغير إحرام، ولو وجب بمجرد الدخول لما علقه على الإرادة (٢). ٢ - عن جابر ﵁: ((أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير احرام)) رواه مسلم (٣)، وعن أنس ﵁: ((أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه مغفر)) رواه مسلم (٤). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح حلالاً غير محرم، وكذا أصحابه، فدل على عدم لزوم الإحرام لمن دخل مكة (٥). ثانياً: أن الله تعالى لم يأمر قط, ولا رسوله عليه الصلاة السلام بأن لا يدخل مكة إلا بإحرام، فهو إلزام ما لم يأت في الشرع إلزامه (٦). ثالثاً: أنه قد ثبت بالاتفاق أن الحج والعمرة عند من أوجبها إنما تجب مرة واحدة، فلو أوجبنا على كل من دخل مكة أو الحرم أن يحج أو يعتمر لوجب أكثر من مرة (٧). رابعاً: أنه تحية لبقعة فلم تجب كتحية المسجد (٨). مسألة المرور بميقاتين: لا يجوز لمريد النسك أن يتجاوز أول ميقات يمر عليه إلى ميقات آخر، سواء كان أقرب إلى مكة أو أبعد، مثل أن يترك أهل المدينة الإحرام من ذي الحليفة حتى يحرموا من الجحفة، أو أن يترك أهل الشام الإحرام من الجحفة إلى ذي الحليفة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٩) والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)، وهو قول طائفة من السلف (١٢)، واختاره النووي (١٣)، وابن حجر (١٤)، والصنعاني (١٥)،وابن عثيمين احتياطاً (١٦). الأدلة: أولاً: من السنة:

стр. 578

عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال في المواقيت: ((هنَّ لهنَّ، ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ ممن كان يريد حجا أو عمرة)) رواه البخاري، ومسلم (١). وجه الدلالة: أن الحديث يدل بعمومه على أن من مر بميقات فهو ميقاته، فالشامي مثلاً إذا أتى ذا الحليفة فهو ميقاته، يجب عليه أن يحرم منه. ولا يجوز له أن يجاوزه غير محرم. ثانياً: أن هذه المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم، فكل من مرّ بجانب من جوانبه لزمه تعظيم حرمته، وإن كان بعض جوانبه أبعد من بعض (٢). المطلب السادس: حكم التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية: التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية جائز بالإجماع، فيما نقله ابن المنذر (٣)، والمرغيناني (٤)، والنووي (٥)، لكنه يكره، وهو مذهب المالكية (٦)، والحنابلة (٧)، واختاره ابن باز (٨) وابن عثيمين (٩). الأدلة: أولاً: أن النبي ﷺ أحرم من الميقات، وهذا مجمع عليه، ولا يفعل إلا الأفضل، وقد حج مرة، واعتمر مراراً، وقد ترك النبي صلى الله عليه سلم الإحرام من مسجده الذي الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وأحرم من الميقات، فلا يبقى بعد هذا شك في أن الإحرام من الميقات أفضل (١٠). ثانياً: أنه لو كان الأفضل الإحرام من قبل الميقات لكان أصحاب النبي ﷺ وخلفاؤه يحرمون من بيوتهم، ولما تواطؤوا على ترك الأفضل، واختيار الأدنى، وهم أهل التقوى والفضل، وأفضل الخلق، ولهم من الحرص على الفضائل والدرجات ما لهم (١١). ثالثاً: إنكار عمر وعثمان ﵄ الإحرام قبل المواقيت:

стр. 579

١. عن الحسن ((أن عمران بن الحصين أحرم من البصرة فلما قدم على عمر وقد كان بلغه ذلك أغلظ له وقال: يتحدث الناس أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ أحرم من مصر من الأمصار)) (١). ٢. ((أحرم عبدالله بن عامر من خراسان، فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع، وكرهه له)) (٢). خامساً: أنه تغرير بالإحرام وتعرض لفعل محظوراته، وفيه مشقة على النفس، فكره كالوصال في الصوم، قال عطاء: انظروا هذه المواقيت التي وقتت لكم، فخذوا برخصة الله فيها، فإنه عسى أن يصيب أحدكم ذنباً في إحرامه، فيكون أعظم لوزره، فإن الذنب في الإحرام أعظم من ذلك (٣). سادساً: القياس على كراهة الإحرام قبل أشهر الحج. المطلب السابع: الحيض والنفاس لا يمنع من إحرام المرأة من الميقات المرأة التي تريد الحج أو العمرة لا يجوز لها مجاوزة الميقات، بلا إحرام، حتى لو كانت حائضاً فإنها تحرم وهي حائض، وينعقد إحرامها ويصح. الأدلة: أولاً: من السنة: عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: (( ... فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري (٤) بثوب وأحرمي)) (٥). وجه الدلالة: أنه أمر النفساء بالاغتسال والإحرام، ولا فرق في ذلك بينها وبين الحائض، فالنفاس أقوى من الحيض لامتداده وكثرة دمه، ففي الحيض أولى (٦). ثانياً: الإجماع: نقل الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (٧)، والنووي (٨)، وابن رجب (٩).

стр. 580

المبحث الثاني: ميقات الميقاتي المطلب الأول: تعريف الميقاتي هو من كان يسكن بين المواقيت والحرم كأهل جدة، وقديد، وعسفان، ومر الظهران، وبحرة، وأم السَّلَم (١). المطلب الثاني: موضع إحرام الميقاتي من كان ساكناً أو نازلاً بين المواقيت والحرم فإن ميقاته موضعه، فإن جاوزه أثم ووجب عليه الدم، فإن عاد إليه سقط الدم، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). الدليل: - عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في حديث المواقيت: ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة))، وفي رواية: ((فمن كان دونهن فمن أهله)) (٥) (٦).

стр. 581

المبحث الثالث: ميقات المكي (الحرمي) للعمرة المطلب الأول: تعريف المكي المكي هو: من كان داخل الحرم عند إرادة الإحرام، سواء كان من أهلها أو عابر سبيل (١). المطلب الثاني: ميقات المكي للحج من كان منزله في مكة أو الحرم، فإنه يحرم من منزله سواء كان مستوطنا أو نازلاً. الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في حديث المواقيت: ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة)) (٢). وجه الدلالة: أن نص الحديث يقتضي أن أهل مكة يحرمون منها (٣). ٢ - عن جابر ﵁ قال: ((أمرنا النبي ﷺ لما أحللنا، أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح)) رواه مسلم (٤). وجه الدلالة: أن الصحابة ﵃ الذين حلوا من إحرامهم مع الرسول ﷺ أحرموا من الأبطح، وهو موضع بمكة (٥). ثانياً: الإجماع: نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٦)، وابن حزم (٧)، والقرطبي (٨)، والنووي (٩).

стр. 582

الفصل الأول: تعريف الإحرام، وحكمه، والحكمة منه المبحث الأول: تعريف الإحرام لغةً واصطلاحاً الإحرام لغةً: هو الدخول في الحرمة، يقال: أحرم الرجل إذا دخل في حرمة عهد أو ميثاق؛ فيمتنع عليه ما كان حلالاً له (١). الإحرام اصطلاحاً: هو نية الدخول في النسك (٢)، وهذا قول جمهور الفقهاء، من المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). المبحث الثاني: حِكَم تشريع الإحرام من حكم مشروعية الإحرام: ١ - استشعار تعظيم الله ٢ - تلبية أمره بأداء النسك الذي يريده المحرم ٣ - استشعار إرادة تحقيق العبودية ٤ - الامتثال لله ﵎ (٦). المبحث الثالث: حُكم الإحرام الإحرام من فرائض النسك، حجًّا كان أو عمرة. الأدلة: أولاً: من السنة: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إنما الأعمال بالنية)). أخرجه البخاري ومسلم (٧). وجه الدلالة: أنَّه لا يصح العمل ولا ويثبت إلا بوقوع النية، والإحرام هو نية الدخول في النسك؛ فلا يصح وقوع النسك إلا بنية وهي الإحرام. ثانياً: الإجماع: فقد نقل الإجماع على ذلك، ابن حزم (٨).

стр. 583

المبحث الأول: الاغتسال المطلب الأول: حكم الاغتسال للمحرم يُسنُّ الاغتسال للإحرام، وهو باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وحكى فيه النووي الإجماع (٥). الأدلة: ١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((أتينا ذا الحليفة. فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر. فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي)) أخرجه مسلم (٦). وجه الدلالة: أنه إذا كانت الحائض أو النفساء لا تنتفع من غسلها في استباحة العبادة كالصلاة، ومع ذلك أمرها النبي ﷺ بالاغتسال؛ فاغتسال المحرم الطاهر من باب أولى، وكان للسنية، وليس للوجوب؛ لأن الأصل هو براءة الذمة، حتى يثبت الوجوب بأمرٍ لا مدفع فيه (٧). ٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: ((إن من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم، وإذا أراد أن يدخل مكة)) (٨). المطلب الثاني: حكم اغتسال الحائض والنفساء

стр. 584

يُسنُّ للحائض والنفساء الغسل للإحرام، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة (١): الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الأدلة: أولاً: من السنة: عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: (( ... فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة. فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر. فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي)) أخرجه مسلم (٦). وجه الدلالة: أن قوله: ((اغتسلي))، أمرٌ لها بأن تغتسل مع أنها نفساء لا تستبيح باغتسالها هذا الصلاة، ولا غيرها مما تُشترَط له الطهارة. ثانياً: أنه غسلٌ يُراد به النسك؛ فاستوى فيه الحائض والطاهرة (٧). المطلب الثالث: استحباب تلبيد الرأس يستحب للمحرمُ بعد غسل الإحرام أن يلبد (٨) رأسه، وذلك لمن يطول مكثه في أعمال الحج (٩)، وهذا مذهب الشافعية (١٠)، وقول للحنفية (١١)، وقول للمالكية (١٢)، واختاره المباركفوري (١٣). وحكى النووي فيه الإجماع (١٤). الأدلة: أولاً: من السنة:

стр. 585

١. عن ابن عمر قال: ((سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبدا)) رواه البخاري، ومسلم (١) فيه استحباب تلبيد الرأس قبل الإحرام (٢). ٢. وعن حفصة ﵂: ((أن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع قالت: فقلت: ما يمنعك أن تحل؟ فقال: إنى لبدت رأسي، وقلدت هديى، فلا أحل حتى انحر هديى)) رواه البخاري، ومسلم (٣). فيه دليل على استحباب تلبيد شعر الرأس عند الإحرام (٤). ٣. عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال في المحرم الذى خر من بعيره ميتاً: ((اغسلوه بماء سدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبدا)) (٥). فيه استحباب التلبيد، وتقليد الهدى ثانياً: أن ذلك أرفق به، لكونه يسكن شعره، ويجمعه، فلا يتولد فيه القمل، ولا يقع فيه الدبيب، ولا يتخلله الغبار، ولا يتشعث، ولا ينتفش في مدة الاحرام (٦).

стр. 586

المبحث الثاني: الإحرام في إزار ورداء يستحب الإحرام في إزار ورداء (١). الدليل: الإجماع: نقل الإجماع على ذلك النووي (٢)، وابن تيمية (٣). مسألة: إذا لم يجد المحرم إزاراً أو لم يجد نعلاً إن لم يجد المحرم إزاراً، لبس السراويل، وإن لم يجد نعلين، لبس الخفين. الأدلة: أولاً: من السنة: ١. عن ابن عباس ﵄ قال: ((سمعت النبيَّ ﷺ يخطب بعرفات، يقول: من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل)). ٢. عن عبدالله بن عمر ﵄: ((أن رجلاً سأللأل رسول الله ﷺ فقال: ما يلبس المحرم؟ فقال: لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا ثوباً مسه الزعفران، ولا ورس، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين)). ٣. عن جابر ﵄ قال: ((من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل)) رواه مسلم. ثانياً: الإجماع: نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٤)، وابن قدامة (٥).

стр. 587

المبحث الثالث: التطيب المطلب الأول: حكم الطيب قبل الإحرام التطيب في البدن لا في الثياب، مسنونٌ قبل الدخول في الإحرام؛ استعداداً له، ولو بقي جرمه بعد الإحرام، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وبه قال طائفة من السلف (٤). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: ((كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت)) (٥). ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: ((كأني أنظر إلى وبيص الطيب (٦) في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم)) (٧). ٣ - عن عائشة ﵂ قالت: ((كنا نضمِّخ (٨) وجوهنا بالمسك المطيَّب قبل أن نحرم، ثم نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله ﷺ فلا ينهانا)) (٩). ثانياً: أن الطيب معنىً يراد للاستدامة فلم يمنع الإحرام من استدامته كالنكاح (١٠). ثالثاً: أن المقصود من استنانه حصول الارتفاق به حالة المنع منه كالسحور للصوم (١١). المطلب الثاني: التطيب في ثوب الإحرام يمنع المحرم من تطييب ثوبه قبل الإحرام وبعده، وهو مذهب الحنفية (١٢)، والمالكية (١٣)، وقول للشافعية (١٤)، وقولٌ للحنابلة اختاره الآجري (١٥)، وصححه ابن عثيمين (١٦). الأدلة: أولاً: من السنة: عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال في المحرم: ((لا يلبس ثوباً مسه ورس ولا زعفران)). ثانياً: أن الطيب يبقى في الثوب ولا يستهلك بخلاف البَدَن، فلا يقاس عليه (١٧).

стр. 588

المبحث الرابع: الإحرام عقب صلاة اختلف أهل العلم فيها على قولين: القول الأول: تُسن صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقد حكى النووي الإجماع على ذلك (٥). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: ((أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)) (٦). ٢ - عن ابن عمر ﵄ ((أنه كان يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي ركعتين ثم يركب، فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ ) (٧). القول الثاني: ليس للإحرام صلاة تخصه، فإن كان في وقت فريضة استحب أن يحرم عقيب الصلاة المكتوبة، وهو روايةٌ عن أحمد (٨)،واختيار ابن تيمية (٩)، والألباني (١٠) وابن عثيمين وزاد: أو عقب صلاة مشروعة من عادته أنه يصليها (١١). الدليل: أنه لم يرد عن النبي ﷺ صلاة خاصة بالإحرام، وأنه ﷺ إنما أحرم عقب الفريضة (١٢).

стр. 589

المبحث الخامس: التلبية المطلب الأول: تعريف التلبية التلبية لغةً: إجابة المنادي، وتطلق على الإقامة على الطاعة (١) (٢). التلبية اصطلاحاً (٣): هي قول المحرم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك (٤). المطلب الثاني: حكم التلبية التلبية سنةٌ في الإحرام، وهذا مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وقول ابن باز (٧)، وابن عثيمين (٨). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه ﵁ قال: ((سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبداً يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. لا يزيد على هؤلاء الكلمات. وإن عبدالله بن عمر رضى الله عنهما كان يقول: كان رسول الله ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد الحليفة، أهلَّ بهؤلاء الكلمات)) أخرجه مسلم (٩).

стр. 590

٢ - عن عبدالله بن مسعود ﵁ أنه قال بجمع: ((سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ههنا يقول: لبيك اللهم لبيك ... )). أخرجه مسلم (١). (٢). وجه الدلالة من الحديثين: أن هذا فعل النبي ﷺ وهو يفيد الاستحباب (٣). ثانيا: لأن التلبية ذكر فلم تجب في الحج والعمرة كسائر الأذكار فيهما (٤). المطلب الثالث: رفع الصوت بالتلبية يُسنُّ للرجل أن يرفع صوته بالتلبية (٥). حكى النووي الإجماع على ذلك (٦). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن السائب بن خلاد الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((أتاني جبريل ﷺ فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو قال بالتلبية يريد أحدهما)) (٧). ٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ ، نصرخ بالحج صراخاً)) أخرجه مسلم (٨). المطلب الرابع: كيفية تلبية المرأة

стр. 591

المرأة لا ترفع صوتها، وإنما تلبي سرًّا بالقدر الذي تُسمِع به نفسها. ذهب إلى ذلك جماهير أهل العلم (١) وحكاه ابن عبدالبر إجماعا (٢). وذلك لما يُخشى من رفع صوتها من الفتنة (٣). المطلب الخامس: وقت التلبية الفرع الأول: ابتداء وقت التلبية يستحب أن يبتدئ المحرم بالتلبية، إذا ركب دابته وابتدأ السير وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، وروايةٌ عند الحنابلة (٦)، وهو اختيار الشنقيطي (٧)، وابن باز (٨)، وابن عثيمين (٩). الأدلة: من السنة: ١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((صلى النبي ﷺ بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهلَّ)) (١٠). ٢ - عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: ((رأيت رسول الله ﷺ ركب راحلته بذي الحليفة، ثم يهل حين تستوي به قائمة)) (١١). ٢ - عن سالم بن عبدالله أنه سمع أباه يقول: ((ما أهلَّ رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره)) (١٢). ٤ - عن نافع قال: ((كان ابن عمر ﵄ إذا أراد الخروج إلى مكة ادَّهن بدهنٍ، ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد الحليفة، فيصلي ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل)) (١٣).

стр. 592

٥ - عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: ((وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته (١))) (٢). (٣). قال النووي: هذه أحاديث صحيحة قاطعة بترجح الإحرام عند ابتداء السير (٤). الفرع الثاني: انتهاء وقت التلبية في الحج: تنتهي التلبية في الحج عند ابتداء رمي جمرة العقبة يوم النحر، ولا فرق في ذلك بين المفرد، والقارن، والمتمتع (٥)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، وبه قال طائفة من السلف (٩). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ أردف الفضل، فأخبر الفضل: أنه لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة)) (١٠). وجه الدلالة: أن الحديث نص في انتهاء التلبية عند رمي جمرة العقبة، وقد جاء من رواية الفضل بن العباس ﵄، وقد كان رديفه يومئذ، وهو أعلم بحاله من غيره (١١). ٢ - عن عبدالله بن سخبرة , قال: ((لبى عبدالله وهو متوجه إلى عرفات، فقال أناس: من هذا الأعرابي، فالتفت إلي عبدالله، فقال: أضل الناس أم نسوا؟ والله ما زال رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة إلا أن يخلط ذلك بتهليل أو بتكبير)) (١٢). ثانياً: أن التلبية للإحرام، فإذا رمى فقد شرع في التحلل، فلا معنى للتلبية (١٣).

стр. 593

المبحث الأول: أحكام الأنساك الثلاثة المطلب الأول: أنواع الأنساك الثلاثة النوع الأول: الإفراد: وهو أن يحرم بالحج مفرداً. النوع الثاني: القران: وهو أن يحرم بالعمرة والحج معاً في نسك واحد. النوع الثالث: التمتع: وهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يحل منها، ثم يحرم بالحج من عامه (١). المطلب الثاني: جواز الأنساك الثلاثة يجوز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة: الإفراد، أو القران، أوالتمتع، وكلها شريعة صحيحة، وسنة ثابتة (٢). الأدلة: أولاً: من السنة: عن عائشة ﵂، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فقال: ((من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة، فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة، فليهل)) (٣) قالت عائشة ﵂: ((فأهل رسول الله ﷺ بحج، وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة)) (٤)، وفي رواية: ((منا من أهل بالحج مفرداً، ومنا من قرن، ومنا من تمتع)) (٥) وجه الدلالة: أنها ذكرت إحرام الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ على أحد هذه الأنساك الثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد (٦). ثانياً: الإجماع:

стр. 594

نقل الإجماع على جواز الأنساك الثلاثة: الماوردي (١)، وابن عبدالبر (٢)، والبغوي (٣)، وابن هبيرة (٤)، وابنُ قدامة (٥)، والقرطبي (٦)، والنوويُّ (٧)، وابن باز (٨)، وأثبت آخرون الخلاف في المسألة (٩).

стр. 595

المطلب الثالث: نسك النبي ﷺ : النسك الذي أحرم به النبي ﷺ هو القران، وهذا مذهب أبي حنيفة (١)، وأحمد في المنصوص عنه (٢)، وهو قول أئمة الحديث، كإسحاق بن راهويه، وابن المنذر (٣)، واختاره ابن حزم (٤)، والنووي (٥)، وابن تيمية (٦)، وابن القيم (٧)، وابن حجر (٨)، والكمال ابن الهمام (٩)، والشوكاني (١٠)، والشنقيطي (١١)

стр. 596

وابن باز (١) وابن عثيمين (٢). الأدلة: الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أتاني الليلة آت من ربي ، فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة)) (٣) وجه الدلالة: أنه أمر أن يهل بعمرة في حج، وهذا إهلال القران، فدل على أنه ﷺ كان قارناً (٤). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: ((تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج)) (٥) وجه الدلالة: أن المراد بالتمتع هنا القران، فالصحابة كانوا يطلقون التمتع ويريدون به القران، ويدل له هنا أن ابن عمر ﵄ بيَّن إثر هذا الكلام صفة عمل النبي ﷺ ، فذكر أنه ﵇ بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فذكر صفة القران. الدليل الثالث: فعل ابن عمر ﵄ وأنه قَرَن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافا واحدا، ثم قال: ((هكذا فَعَلَ رسول الله ﷺ ) (٦) الدليل الرابع: عن حفصة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ : ((ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: إني قلدت هديي ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أحل من الحج)) (٧). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقرَّها على كونه معتمراً، وأخبرها أنه ساق الهدي، وأنه لن يحل من عمرته حتى يحل من الحج يوم النحر، وهذه صفة القران. الدليل الخامس: عن أنس ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ : ((يلبي بالحج والعمرة جميعاً)) قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: ((لبى بالحج وحده))، فلقيت أنساً فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تعدوننا إلا صبياناً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لبيك عمرة وحجاً)) (٨). المطلب الرابع: أفضل الأنساك

стр. 597

التمتع أفضل الأنساك الثلاثة لمن لم يسق الهدي، وهو مذهب الحنابلة (١)، وأحد قولي الشافعي (٢)، وبه قال طائفة من السلف (٣)، واختاره ابن حزم (٤)، وابن قدامة (٥)، والشوكاني (٦)، وابن باز (٧)، وابن عثيمين (٨). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أن التمتع منصوص عليه في كتاب الله تعالى دون سائر الأنساك (٩). ثانياً: من السنة: ١ - عن جابر بن عبدالله الأنصاري ﵄: ((أنه حج مع رسول الله ﷺ عام ساق الهدي معه، وقد أهلوا بالحج مفرداً، فقال رسول الله ﷺ : أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصروا، وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به، فإني لولا أني سقت الهدي، لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يحل مني حرام، حتى يبلغ الهدي محله. ففعلوا)) (١٠).

стр. 598

٢ - عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولحللت مع الناس حين حلوا)) (١). ٣ - عن ابن عباس ﵄: ((أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع، وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي)) (٢). وجه الدلالة من هذه النصوص من وجهين: الوجه الأول: أنه قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ ، أنه أمر أصحابه في حجة الوداع لما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي، والنبي ﷺ لا ينقلهم من الفاضل إلى المفضول، بل إنما يأمرهم بما هو أفضل لهم. الوجه الثاني: أنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، فلولا أن التمتع هو الأفضل لما تأسف عليه النبي ﷺ ، ولما تمنى أنه لم يسق الهدي حتى يحل مع الناس متمتعاً (٣). ٤ - عن عمران بن حصين ﵄، قال: ((أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ﷺ ، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال: رجل برأيه ما شاء)) (٤). ٥ - عن أبي نضرة، قال: ((كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبدالله، فقال: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فـ وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ [البقرة: ١٩٦]، كما أمركم الله)) (٥). ثالثاً: أن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج، مع كمالها وكمال أفعالها على وجه اليسر والسهولة، مع زيادة لنسك هو الدم، فكان ذلك هو الأولى (٦). رابعاً: أنه أسهل على المكلف غالباً لما فيه من التحلل بين العمرة والحج (٧). المطلب الخامس: تعيين أحد الأنساك يستحب أن يُعيِّن ما يحرم به من الأنساك عند أول إهلاله، نص على هذا جمهور الفقهاء من المالكية (٨)، والشافعية في الأصح (٩)، والحنابلة (١٠). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أتاني الليلة آت من ربي ، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)) (١١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أُمِرَ أن يُعيِّن نسكه. ٢ - أن النبي ﷺ أَمَرَ أصحابه بالاحرام بنسك معين فقال: ((من شاء منكم أن يهل بالحج أو عمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل)) (١٢). ثانياً: أن التعيين هو الأصل في العبادات (١٣).

стр. 599

ثالثاً: أن بتعيين النسك يعرف المحرم ما يدخل عليه، وهو أقرب إلى الإخلاص (١). المطلب السادس: الإحرام المبهم إذا أحرم ولم يعيِّن نسكه فإنه ينعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما شاء من أنواع النسك قبل شروعه في أفعال النسك، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((قدم علي بن أبي طالب ﵁، بسعايته، قال له النبي ﷺ : بم أهللت يا علي؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ ، قال: فأهد، وامكث حراماً كما أنت)) (٦). ٢ - عن أبي موسى ﵁ قال: ((قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟، فقلت: نعم، فقال: بم أهللت؟، قال قلت: لبيك، بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، قال: فقد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة، وأحل)) (٧). ثانياً: أنه صح الإهلال مبهما لتأكد الإحرام، وكونه لا يخرج منه بمحظوراته (٨). ثالثاً: أن هذا مثل ابتداء الإحرم بالنية مطلقاً، ثم تعيينه باللفظ بأي أنواع النسك شاء (٩). المطلب السابع: من لبى بغير ما نوى من لبى بغير ما نوى، كأن ينوي القران، ويجري على لسانه الإفراد، ونحو ذلك فإنه يكون مُحْرِماً بما نوى، لا بما جرى على لسانه (١٠). الأدلة: أولاً: من السنة: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١١). ثانياً: الإجماع: نقله ابن المنذر (١٢). ثالثاً: أن الواجب النية، وعليها الاعتماد، واللفظ لا عبرة به، فلم يؤثر، كما لا يؤثر اختلاف النية فيما يعتبر له اللفظ دون النية (١٣). المطلب الثامن: نسيان ما أحرم به مَنْ أحرم بشيء معين، ثم نسي ما أحرم به فإنه يلزمه حج وعمرة، ويعمل عمل القارن، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١٤)، والمالكية (١٥)، والشافعية (١٦). الأدلة:

стр. 600

أولاً: أنه تلبس بالإحرام يقيناً فلا يتحلل إلا بيقين الإتيان بالمشروع فيه (١). ثانياً: أنه أحوط لاشتماله على النسكين، فيتحقق بالإتيان بالنسكين الخروج عما شرع فيه، فتبرأ ذمته (٢). المطلب التاسع: الإحرام بما أحرم به فلان: من نوى الإحرام بما أحرم به فلان انعقد إحرامه بمثله، فإن كان لا يعلم ما أحرم به فإنه يقع مطلقاً ويصرفه إلى ما يشاء، نص على هذا جمهور الفقهاء من المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الأدلة: ١) عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((قدم علي بن أبي طالب ﵁، بسعايته، قال له النبي ﷺ : بم أهللت يا علي؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ ، قال: فأهد، وامكث حراماً كما أنت)) (٦). ٢) عن أبي موسى ﵁ قال: ((قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟، فقلت: نعم، فقال: بم أهللت؟، قال قلت: لبيك، بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، قال: فقد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة، وأحل)) (٧).
следующие страницы →