← Фикх общий

Фикх общий · id 38056

الموسوعة الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 364 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وابن باز (١) وابن عثيمين (٢). الأدلة: الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أتاني الليلة آت من ربي ، فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة)) (٣) وجه الدلالة: أنه أمر أن يهل بعمرة في حج، وهذا إهلال القران، فدل على أنه ﷺ كان قارناً (٤). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: ((تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج)) (٥) وجه الدلالة: أن المراد بالتمتع هنا القران، فالصحابة كانوا يطلقون التمتع ويريدون به القران، ويدل له هنا أن ابن عمر ﵄ بيَّن إثر هذا الكلام صفة عمل النبي ﷺ ، فذكر أنه ﵇ بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فذكر صفة القران. الدليل الثالث: فعل ابن عمر ﵄ وأنه قَرَن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافا واحدا، ثم قال: ((هكذا فَعَلَ رسول الله ﷺ ) (٦) الدليل الرابع: عن حفصة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ : ((ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: إني قلدت هديي ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أحل من الحج)) (٧). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقرَّها على كونه معتمراً، وأخبرها أنه ساق الهدي، وأنه لن يحل من عمرته حتى يحل من الحج يوم النحر، وهذه صفة القران. الدليل الخامس: عن أنس ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ : ((يلبي بالحج والعمرة جميعاً)) قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: ((لبى بالحج وحده))، فلقيت أنساً فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تعدوننا إلا صبياناً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لبيك عمرة وحجاً)) (٨). المطلب الرابع: أفضل الأنساك

стр. 597

التمتع أفضل الأنساك الثلاثة لمن لم يسق الهدي، وهو مذهب الحنابلة (١)، وأحد قولي الشافعي (٢)، وبه قال طائفة من السلف (٣)، واختاره ابن حزم (٤)، وابن قدامة (٥)، والشوكاني (٦)، وابن باز (٧)، وابن عثيمين (٨). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أن التمتع منصوص عليه في كتاب الله تعالى دون سائر الأنساك (٩). ثانياً: من السنة: ١ - عن جابر بن عبدالله الأنصاري ﵄: ((أنه حج مع رسول الله ﷺ عام ساق الهدي معه، وقد أهلوا بالحج مفرداً، فقال رسول الله ﷺ : أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصروا، وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به، فإني لولا أني سقت الهدي، لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يحل مني حرام، حتى يبلغ الهدي محله. ففعلوا)) (١٠).

стр. 598

٢ - عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولحللت مع الناس حين حلوا)) (١). ٣ - عن ابن عباس ﵄: ((أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع، وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي)) (٢). وجه الدلالة من هذه النصوص من وجهين: الوجه الأول: أنه قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ ، أنه أمر أصحابه في حجة الوداع لما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي، والنبي ﷺ لا ينقلهم من الفاضل إلى المفضول، بل إنما يأمرهم بما هو أفضل لهم. الوجه الثاني: أنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، فلولا أن التمتع هو الأفضل لما تأسف عليه النبي ﷺ ، ولما تمنى أنه لم يسق الهدي حتى يحل مع الناس متمتعاً (٣). ٤ - عن عمران بن حصين ﵄، قال: ((أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ﷺ ، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال: رجل برأيه ما شاء)) (٤). ٥ - عن أبي نضرة، قال: ((كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبدالله، فقال: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فـ وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ [البقرة: ١٩٦]، كما أمركم الله)) (٥). ثالثاً: أن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج، مع كمالها وكمال أفعالها على وجه اليسر والسهولة، مع زيادة لنسك هو الدم، فكان ذلك هو الأولى (٦). رابعاً: أنه أسهل على المكلف غالباً لما فيه من التحلل بين العمرة والحج (٧). المطلب الخامس: تعيين أحد الأنساك يستحب أن يُعيِّن ما يحرم به من الأنساك عند أول إهلاله، نص على هذا جمهور الفقهاء من المالكية (٨)، والشافعية في الأصح (٩)، والحنابلة (١٠). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أتاني الليلة آت من ربي ، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)) (١١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أُمِرَ أن يُعيِّن نسكه. ٢ - أن النبي ﷺ أَمَرَ أصحابه بالاحرام بنسك معين فقال: ((من شاء منكم أن يهل بالحج أو عمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل)) (١٢). ثانياً: أن التعيين هو الأصل في العبادات (١٣).

стр. 599

ثالثاً: أن بتعيين النسك يعرف المحرم ما يدخل عليه، وهو أقرب إلى الإخلاص (١). المطلب السادس: الإحرام المبهم إذا أحرم ولم يعيِّن نسكه فإنه ينعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما شاء من أنواع النسك قبل شروعه في أفعال النسك، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((قدم علي بن أبي طالب ﵁، بسعايته، قال له النبي ﷺ : بم أهللت يا علي؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ ، قال: فأهد، وامكث حراماً كما أنت)) (٦). ٢ - عن أبي موسى ﵁ قال: ((قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟، فقلت: نعم، فقال: بم أهللت؟، قال قلت: لبيك، بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، قال: فقد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة، وأحل)) (٧). ثانياً: أنه صح الإهلال مبهما لتأكد الإحرام، وكونه لا يخرج منه بمحظوراته (٨). ثالثاً: أن هذا مثل ابتداء الإحرم بالنية مطلقاً، ثم تعيينه باللفظ بأي أنواع النسك شاء (٩). المطلب السابع: من لبى بغير ما نوى من لبى بغير ما نوى، كأن ينوي القران، ويجري على لسانه الإفراد، ونحو ذلك فإنه يكون مُحْرِماً بما نوى، لا بما جرى على لسانه (١٠). الأدلة: أولاً: من السنة: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١١). ثانياً: الإجماع: نقله ابن المنذر (١٢). ثالثاً: أن الواجب النية، وعليها الاعتماد، واللفظ لا عبرة به، فلم يؤثر، كما لا يؤثر اختلاف النية فيما يعتبر له اللفظ دون النية (١٣). المطلب الثامن: نسيان ما أحرم به مَنْ أحرم بشيء معين، ثم نسي ما أحرم به فإنه يلزمه حج وعمرة، ويعمل عمل القارن، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١٤)، والمالكية (١٥)، والشافعية (١٦). الأدلة:

стр. 600

أولاً: أنه تلبس بالإحرام يقيناً فلا يتحلل إلا بيقين الإتيان بالمشروع فيه (١). ثانياً: أنه أحوط لاشتماله على النسكين، فيتحقق بالإتيان بالنسكين الخروج عما شرع فيه، فتبرأ ذمته (٢). المطلب التاسع: الإحرام بما أحرم به فلان: من نوى الإحرام بما أحرم به فلان انعقد إحرامه بمثله، فإن كان لا يعلم ما أحرم به فإنه يقع مطلقاً ويصرفه إلى ما يشاء، نص على هذا جمهور الفقهاء من المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الأدلة: ١) عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((قدم علي بن أبي طالب ﵁، بسعايته، قال له النبي ﷺ : بم أهللت يا علي؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ ، قال: فأهد، وامكث حراماً كما أنت)) (٦). ٢) عن أبي موسى ﵁ قال: ((قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟، فقلت: نعم، فقال: بم أهللت؟، قال قلت: لبيك، بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، قال: فقد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة، وأحل)) (٧).

стр. 601

المبحث الثاني: الإفراد في الحج الإفراد بالحج أن يحرم بالحج مفرداً، فيقول: «لبيك اللهم حجاً»، ثم يمضي في عمل حجه حتى يتمه، فليس عليه إلا طواف واحد، وهو طواف الإفاضة (١)، وليس عليه إلا سعي واحد، وهو سعي الحج، ولا يحل إلا يوم النحر، وليس عليه دم، وإن كان يستحب له ذلك (٢).

стр. 602

المبحث الثالث: القران في الحج المطلب الأول: تعريف القران أن يحرم بالعمرة والحج معاً في نسك واحد، فيقول: لبيك اللهم عمرة في حجة (١). المطلب الثاني: إطلاق التمتع على القران يطلق التمتع على القران في عرف السلف، قرر ذلك ابن عبدالبر (٢)، والنووي (٣)، وابن تيمية (٤)، وابن حجر (٥)، والكمال ابن الهمام (٦)، والشنقيطي (٧)، وغيرهم (٨). الأدلة: أولاً: من الكتاب:

стр. 603

قال الله : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أن القارن متمتع بجمع النسكين في نسك واحد، ومتمتع بسقوط أحد السفرين عنه، فلم يحرم لكل نسك من ميقاته، فيدخل بذلك في عموم الآية في مسمى التمتع (١). ثانياً: أن إطلاق الصحابة ﵃ التمتع على نسك النبي ﷺ ، وإنما كان نسكه القران (٢): ١. عن عمران بن حصين ﵁ قال: ((تمتع نبي الله وتمتعنا معه)) (٣). ٢. عن ابن عمر ﵄ قال: ((تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج)) (٤). ٣. عن سعيد بن المسيب قال: ((اختلف علي وعثمان ﵄ وهما بعسفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ ، فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعاً)) (٥). ثالثاَ: عن ابن عمر ﵄ قال: ((إنما جعل القران لأهل الآفاق وتلا: ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٦]، فمن كان من حاضري المسجد الحرام وتمتع أو قرن لم يكن عليه دم قران ولا تمتع ومن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وقرن أو تمتع فعليه دم)). وجه الدلالة: أنه أدرج القران في مسمى التمتع في الآية، وذلك بلزوم الدم إن كان من أهل الآفاق، وعدم لزومه إن كان من حاضري المسجد الحرام (٦). رابعاً: أن كلا النسكين فيه تمتع لغة ; لأن التمتع من المتاع أو المتعة، وهو الانتفاع أو النفع، وكل من القارن والمتمتع، انتفع بإسقاط أحد السفرين وانتفع القارن باندراج أعمال العمرة في الحج (٧). المطلب الثالث: صور القران: للقران ثلاث صور: الصورة الأولى: صورة القران الأصلية: أن يحرم بالعمرة والحج معا، فيجمع بينهما في إحرامه، فيقول: لبيك عمرة وحجا، أو لبيك حجا وعمرة (٨). الأدلة: أولاً: من السنة: ١. أن النبي ﷺ جاءه جبريل ﵇ وقال: ((صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، أو قال: عمرة وحجة)) (٩). ٢. عن عائشة ﵂ قالت: ((فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، ومنا من أهل بحج وعمرة)) (١٠). ثانياً: هذه الصورة هي نسك النبي ﷺ ، ولا خلاف بين الفقهاء في صحتها، وإنما اختلفوا في المفاضلة بينها وبين غيرها من أنواع النسك، وقد نقل الإجماع على جوازها ابن عبدالبر (١١)، والمباركفوري (١٢). الصورة الثانية: إدخال الحج على العمرة:

стр. 604

أن يحرم بالعمرة، ثم يُدخِل عليها الحج قبل الشروع في الطواف، وهذا جائز مطلقاً، وقد يضطر إلى ذلك بسبب عدم قدرته على إتمام نسك العمرة قبل دخول الحج، أو من أتاها الحيض قبل أن تطوف. الأدلة: أولاً: من السنة: عن عائشة قالت: ((خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل علي النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟. قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نفست؟. قلت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جوَّز لعائشة ﵂ إدخال الحج على العمرة. ثانياً: عن نافع: ((أن ابن عمر ﵄ أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال، وإنا نخاف أن يصدوك. فقال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] إذا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ ، إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة. ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجاً مع عمرتي. وأهدى هدياً اشتراه بقديد ولم يزد على ذلك، فلم ينحر، ولم يحل من شيء حرم منه، ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابن عمر ﵄: كذلك فعل رسول الله ﷺ ) (٢). رابعاً: الإجماع:

стр. 605

نقل الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة: ابن المنذر (١)، وابن عبدالبر (٢)، وابن قدامة (٣)، وابن أخيه ابن أبي عمر (٤)، والقرطبي (٥)، والرملي (٦)، ووصف ابن عبدالبر والنووي القول بعدم الصحة أنه شذوذ (٧). مسألة: يشترط في إدخال الحج على العمرة أن يكون قبل الطواف، وهو مذهب الشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، وهو قول أشهب من المالكية (١٠)، وبه قال أبو ثور (١١)، واختاره ابن عبدالبر (١٢). دليل ذلك:

стр. 606

أنه إذا طاف فيكون حينئذ قد اشتغل بمعظم أعمال العمرة، وشرع في سبب التحلل، ففات بذلك إدخال الحج على العمرة (١). الصورة الثالثة: إدخال العمرة على الحج اختلف أهل العلم في حكم إدخال العمرة على الحج، وذلك بأن يحرم بالحج مفرداً، ثم يدخل عليها العمرة ليكون قارناً، وذلك على قولين: القول الأول: لا يصح إدخال العمرة على الحج، فإن فعل لم يلزمه، ويتمادى على حجه مفرداً، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (٢)، والشافعية في الأصح (٣)، والحنابلة (٤)، وبه قال طائفة من السلف (٥)، وابن المنذر (٦)، واختاره المباركفوري (٧). الأدلة: أولاً: من السنة: عن جابر بن عبدالله الأنصاري ﵄: ((أنه حج مع رسول الله ﷺ عام ساق الهدي معه، وقد أهلوا بالحج مفرداً، فقال رسول الله ﷺ : أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصروا، وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة)). وجه الدلالة: أن أمرهم بفسخ الحج إلى عمرة إنما كان بغرض إعلامهم بجواز العمرة في أشهر الحج لإبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من عدم الجواز، فلو كان يجوز إدخال العمرة على الحج لأمرهم بذلك، ولما احتاج أن يأمرهم بفسخ الحج (٨). ثانياً: أن أفعال العمرة من الطواف والسعي والحلق استحقت بالإحرام بالحج، فلم يبق في إدخال الإحرام بها فائدة بخلاف العكس من إدخال الحج على العمرة، فإنه يستفيد به الوقوف والرمي والمبيت (٩). رابعاً: أن التداخل على خلاف الأصل، ولا يصار إليه إلا بدليل، لاسيما أن فيه إدخال الأصغر على الأكبر، وهو لا يصح (١٠). خامساً: أن العمرة أضعف من الحج، فلم يجز أن تزاحم ما هو أقوى منها بالدخول عليها، وجاز للحج مزاحمتها لأنه أقوى منها (١١).

стр. 607

القول الثاني: يجوز إدخال العمرة على الحج، ويكون قارناً، وهذا مذهب الحنفية (١)، وهو قول الشافعي القديم (٢)، واللخمي من المالكية (٣)، وبه قال عطاء، والأوزاعي (٤)، وقواه ابن عثيمين (٥). الأدلة: أولاً: من السنة: عن عائشة ﵂: ((أهل رسول الله ﷺ بالحج، ثم جاءه جبريل ﵇، وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، أو عمرة وحجة)) (٦). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أُمِرَ أن يُدخل العمرة على الحج، وهذا يدل على جواز إدخال العمرة على الحج (٧). ثانياً: عن سراقة بن مالك ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)) (٨). ثالثاً: أنه يستفيد بذلك أن يأتي بنسكين بدل نسك واحد (٩). رابعاً: قياساً على إدخال الحج على العمرة؛ لأنه أحد النسكين. المطلب الرابع: أعمال القارن الفرع الأول: أعمال القارن

стр. 608

عمل القارن والمفرد واحد، فالقارن يكفيه إحرام واحد، وطواف واحد، وسعي واحد، ولا يحل إلا يوم النحر، ويقتصر على أفعال الحج، وتندرج أفعال العمرة كلها في أفعال الحج، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وبه قال أكثر السلف (٤)، واختاره ابن عبدالبر (٥)، وابن حجر (٦)، والشنقيطي (٧)،والمباركفوري (٨) وابن عثيمين (٩). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا)) (١٠). ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً)) (١١). وجه الدلالة: أن الحديث نص صريح على اكتفاء القارن بطواف واحد لحجه وعمرته (١٢). ٣ - عن عائشة ﵂: أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ : ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) (١٣). وجه الدلالة: أن هذا الحديث الصحيح صريح في أن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد (١٤).

стр. 609

٤ - عن جابر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: ((دخلت العمرة في الحج، مرتين)) (١). وجه الدلالة: أن تصريحه ﷺ بدخولها فيه يدل على دخول أعمالها في أعماله حالة القران (٢). ثانياً: الآثار: ١ - عن سلمة بن كهيل قال: ((حلف طاوس: ما طاف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لحجه وعمرته إلا طوافاً واحداً)) (٣). ٢ - عن نافع: ((أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال وإنا نخاف إن يصدوك، فقال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] إذًا أصنع كما صنع رسول الله عليه وسلم، إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت حجًا مع عمرتي وأهدى هديًا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك فلم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله ﷺ ) (٤) وجه الدلالة: أن في هذه الرواية التصريح من ابن عمر باكتفاء القارن بطواف واحد، وهو الذي طافه يوم النحر للإفاضة، وأن النبي ﷺ كذلك فعل (٥). ٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: ((من قرن بين حجه وعمرته أجزأه لهما طواف واحد))، وفي لفظ: ((من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما حتى يحل منهما)) (٦). الفرع الثاني: وجوب الهدي على القارن: يجب الهدي على القارن، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، وبه قال أكثر الفقهاء (١١). الأدلة: أولاً: أن القارن داخل في مسمى التمتع في عرف الصحابة ﵃، ويدل على ذلك ما يلي: - عن عمران بن حصين ﵁ قال: ((تمتع نبي الله وتمتعنا معه)) (١٢). وجه الدلالة: أنه وصف نسكَ النبيَّ ﷺ بالتمتع مع كونه ﷺ كان قارناً. - عن سعيد بن المسيب، قال: ((اختلف علي وعثمان ﵄ وهما بعسفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ ، فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعاً)) (١٣). ثالثا: أن الهدي إذا كان واجباً على المتمتع؛ لأنه تمتع بسقوط سفره الثاني من بلده، فلأن يجب على القارن أولى؛ لأنه جمع بين النسكين في إحرام واحد، وقد اندرجت جميع أفعال العمرة في أفعال الحج (١٤) .. رابعاً: أن إيجاب الهدي على القارن هو إجماع من يعتد به من أهل العلم، نقله الشنقيطي (١٥)، ووصف ابن حجر قول ابن حزم بعدم الوجوب بالشذوذ (١٦).

стр. 610

المبحث الرابع: التمتع في الحج المطلب الأول: تعريف التمتع التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يحل منها، ثم يحرم بالحج من عامه (١). المطلب الثاني: سبب تسمية النسك بالتمتع السبب الأول: أن المتمتع يتمتع بإسقاط أحد السفرين عنه، فشأن كل واحد من النسكين أن يحرم به من الميقات، وأن يرحل إليه من قطره، فإذا تمتع بالنسكين في سفرة واحدة، فإنه يكون قد سقط أحدهما، فجعل الشرعُ الدمَ جابراً لما فاته، ولذلك وجب الدم أيضاً على القارن، وكل يوصف بالتمتع في عرف الصحابة لهذا المعنى، ولذلك أيضاً لم يجب الدم على المكي متمتعاً كان أو قارناً؛ لأنه ليس من شأنه الميقات ولا السفر. السبب الثاني: أن المتمتع يتمتع بين العمرة والحج بالنساء والطيب، وبكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت الحج، وهذا يدل عليه الغاية في قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦]، فإن ذلك يدل على أن ثمة تمتعا بين العمرة والحج، ويدل عليه أيضاً لفظ التمتع فإنه في اللغة بمعنى التلذذ والانتفاع بالشيء. السبب الثالث: أن التمتع سُمِّي بذلك لانتفاعه بالتقرب إلى الله تعالى بالعبادتين. السبب الرابع: أن التمتع سمي بذلك لتمتعه بالحياة حتى أدرك إحرام الحجة. والسببان الأولان: هما المشهوران عند أهل العلم (٢). المطلب الثالث: صور التمتع التمتع له صورتان: الصورة الأصلية: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يحرم بالحج بعد فراغه من العمرة، وهذه الصورة صحيحة بالإجماع، ونقله ابن المنذر (٣)، وابن عبدالبر (٤)، والقرطبي (٥). الصورة الطارئة: فسخ الحج إلى عمرة

стр. 611

أن يحرم بالحج، ثم قبل طوافه، يفسخ حجه إلى عمرة، فإذا فرغ من العمرة وحل منها، أحرم بالحج، وهذه الصورة تصح عند الحنابلة (١)، والظاهرية (٢)، وبه قال طائفة من السلف (٣)، واختاره ابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥)، والشنقيطي (٦)، وابن باز (٧)، ابن عثيمين (٨). الأدلة: أولاً: من السنة: - عن ابن عباس ﵄ قال: ((كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفى الأثر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر، فقدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل قال: الحل كله)) (٩). - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: ((اجعلوها عمرة، فأحل الناس إلا من كان معه الهدي)) (١٠). عن جابر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين لا، بل لأبد أبد)) (١١). وجه الدلالة:

стр. 612

أن النبي ﷺ نص على أن هذه العمرة التي وقع السؤال عنها، وكانت عمرة فسخ، هي لأبد الأبد، لا تختص بقرن دون قرن (١). ثانياً: أن فسخ الحج إلى عمرة ليتمتع بها، هو من باب الانتقال من الأدنى من الأعلى، وهو جائز، وقد أمر النبي ﷺ من نذر أن يصلي ركعتين في بيت المقدس أن يصليها في الحرم، فعن جابر بن عبدالله ﵄، ((أن رجلا، قام يوم الفتح، فقال: يا رسول الله، إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: صل هاهنا، ثم أعاد عليه، فقال: صل هاهنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذن)). مسألة: لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز فسخ الحج إلى عمرة مفردة لا يأتي بعدها بالحج (٢). المطلب الرابع: شروط المتمتع الفرع الأول: ما يشترط للتمتع الشرط الأول: الإحرام بالعمرة في أشهر الحج يشترط للتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. الأدلة: أولاً: الإجماع: نقله ابن حزم (٣)، وابن عبدالبر (٤)، وابن قدامة (٥)، وابن أخيه ابن أبي عمر (٦). ثانياً: أن شهور الحج أحق بالحج من العمرة؛ لأن العمرة جائزة في السنة كلها والحج إنما موضعه شهور معلومة، فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج ولم يأت في ذلك العام بحج فقد جعلها في موضع كان الحج أولى به (٧). ثالثاً: أنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، فلم تحصل صورة التمتع، فهو كالمفرد (٨). الشرط الثاني: أن يحج من عامه أن يحرم بالحج في عامه، فإن اعتمر في أشهر الحج فلم يحج ذلك العام، بل حج في العام القابل فليس بمتمتع. الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أن هذا يقتضي الموالاة بين العمرة والحج (٩). ثانياً: عن سعيد ابن المسيب قال: ((كان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا)) (١٠). ثالثاً: الإجماع:

стр. 613

نقله ابن حزم (١)، وابن قدامة، ووصف القول بسواه أنه شذوذ (٢). رابعاً: أن الدم إنما يجب لترك الإحرام بالحج من الميقات، وهذا لم يترك الإحرام بالحج من الميقات، فإنه إن أقام بمكة صارت مكة ميقاته، وإن رجع إلى بلده وعاد فقد أحرم من الميقات (٣). خامساً: أنهم إذا أجمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع، فهذا أولى؛ لأن التباعد بينهما أكثر (٤). الشرط الثالث: عدم السفر يشترط للتمتع أن لا يسافر بين العمرة والحج، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، وبه قال طائفة من السلف (٩)،وهو قول عامة أهل العلم (١٠). الأدلة: أولاً: قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة:

стр. 614

أنه لا فرق بين حاضري المسجد الحرام في عدم وجوب الدم عليهم، وبين الآفاقيين في وجوب الدم عليهم، إلا أن الآفاقيين ترفهوا بإسقاط أحد السفرين عنهم، وإذا كان الأمر كذلك فإذا سافروا بين الحج والعمرة فلا يكونون قد ترفهوا بترك أحد السفرين، فزال عنهم اسم التمتع وسببه (١). ثانياً: عن عمر ﵄ قال: ((إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع فإن خرج ورجع فليس بمتمتع))، وعن ابن عمر نحو ذلك (٢). الشرط الرابع: أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج: أن يفرغ من العمرة بالطواف والسعي والتقصير، قبل إحرامه بالحج، فإن أدخل الحج على العمرة قبل حله منها، فإنه يصير قارناً (٣). الأدلة: أولاً: عن عائشة ﵂ قالت: ((خرجنا مع النبي ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة، قالت: ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبدالرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال: هذه عمرة مكان عمرتك)) (٤). وجه الدلالة: أن عائشة ﵂ لم تتمكن من الفراغ من العمرة قبل الحج بسبب حيضها، فأمرها النبي ﷺ أن تعُدَّ عمرتها في حجها، لتكون بذلك قارنة، فدل ذلك على أن شرط التمتع الفراغ من العمرة قبل الدخول في الحج. ثانياً: أن صورة التمتع لا تتحقق إلا بالحل بين العمرة والحج، فإذا أدخل أعمال الحج قبل الفراغ من العمرة كان ذلك قراناً بإجماع أهل العلم (٥). الشرط الخامس: نية المتمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها. اختلف أهل العلم في اشتراط نية المتمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها على قولين:

стр. 615

القول الأول: لا تشترط نية التمتع، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية في الأصح (٣)، واختاره ابن قدامة (٤)، والشنقيطي (٥). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: عموم الآية، فإنه لم يشترط فيها نية التمتع، وتخصيصه بها هو تخصيص للقرآن بغير دليل (٦). ثانياً: أنه لا يحتاج إلى النية؛ لأن الدم يتعلق بترك الإحرام بالحج من الميقات، وذلك يوجد من غير نية (٧). القول الثاني: يشترط نية التمتع (٨)، وهذا مذهب الحنابلة (٩)، ووجهٌ للشافعية (١٠)، واختاره ابن عثيمين (١١). دليل ذلك: أنه جمع بين عبادتين في وقت إحداهما، فافتقر إلى نية الجمع كالجمع بين الصلاتين (١٢). الفرع الثاني: ما لا يشترط للتمتع المسألة الأولى: لا يشترط كون الحج والعمرة عن شخص واحد لا يشترط كون الحج والعمرة عن شخص واحد (١٣)، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (١٤)، والمالكية (١٥)، والشافعية (١٦)، والحنابلة (١٧). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة:

стр. 616

أنه عموم، وليس فيه اشتراط كون النسكين عن شخص واحد ثانياً: أن مؤدِّي النسكين شخص واحد (١). المسألة الثانية: لا يشترط للتمتع ألا يكون من حاضري المسجد الحرام لحاضري المسجد الحرام التمتع والقرآن، مثلهم مثل الآفاقي، لكن يسقط عنهم الدم، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختاره الشنقيطي (٥)، وابن عثيمين (٦). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أن الآية أثبتت التمتع لحاضري المسجد الحرام، وإنما نفت وجوب الدم عليهم (٧). ثانياً: أن حقيقة التمتع والقران موجودة في حاضري المسجد الحرام، كالآفاقين، ولا فرق، وإنما يقع الخلاف بينهم في وجوب الدم على الآفاقين دون حاضري المسجد الحرام، بسبب ما حصل للآفاقيين من الترفه بسقوط أحد السفرين عنهم (٨). ثالثاً: أن ما كان من النسك قربة وطاعة في حق غير حاضري المسجد الحرام كان قربة وطاعة في حق حاضري المسجد الحرام، كالإفراد (٩). المسألة الثانية: من هم حاضرو المسجد الحرام؟ اختلف الفقهاء في حاضري المسجد الحرام الذين لا يجب عليهم دم التمتع والقران إلى أقوال منها: القول الأول: حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة وأهل الحرم ومن كان من الحرم دون مسافة القصر، وهو مذهب الشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)، واختاره الطبري (١٢). الأدلة: أولاً: لأن الشارع حد الحاضر بدون مسافة القصر، بنفي أحكام المسافرين عنه، فالاعتبار به أولى من الاعتبار بالنسك؛ لوجود لفظ الحضور في الآية (١٣).

стр. 617

ثانياً: أن حاضر الشيء من دنا منه، ومن دون مسافة القصر قريب في حكم الحاضر؛ بدليل أنه إذا قصده لا يترخص رخص السفر، فيكون من حاضريه (١). القول الثاني: هم أهل الحرم، وهو قول طائفة من السلف (٢) وقدمه صاحب الفروع (٣) واستظهره ابن حجر (٤)، وأفتت به اللجنة الدائمة (٥) واختاره ابن عثيمين (٦). الدليل من أقوال الصحابة: قال ابن عباس حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٦] هم: أهل الحرم (٧). المطلب الخامس: أعمال المتمتع الفرع الأول: طواف المتمتع وسعيه يجب على المتمتع طوافان وسعيان، فيبدأ أولاً بعمرة تامة: فيطوف ويسعى، ثم يحلق أو يقصر، ويتحلل منها، ثم يحرم بالحج، ويأتي بطواف للحج وسعي له، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)، وبه قال طائفة من السلف (١٢). وحكى ابن رشد الإجماع على أن المتمتع عليه طوافان: طواف لعمرته، وطواف لحجه (١٣). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: ((فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا)) (١٤). وجه الدلالة: أنه يدل على الفرق بين القارن والمتمتع، وأن القارن يفعل كفعل المفرد والمتمتع يطوف لعمرته ويطوف لحجه (١٥). ٢ - عن ابن عباس ﵄: ((أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي)).

стр. 618

وفيه أن طواف المتمتع وسعيه مرتان: مرة لعمرته، ومرة لحجه (١). الفرع الثاني: الهدي يجب على المتمتع دم نسك إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام، فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٦]. ثانياً: من السنة: عن ابن ﵄ قال: ((تمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله ﷺ قال للناس، من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة, وليقصر, ثم ليهل بالحج ويهدي, فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)). ثالثاً: عن أبي حمزة قال: ((سألت ابن عباس عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي: فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شرك في دم)). رابعاً: الإجماع: يجب الدم على المتمتع بالإجماع: نقله ابن المنذر (٢)، وابن رشد (٣)، والقرطبي (٤)، وابن قدامة (٥) وابن مفلح (٦). والشوكاني (٧). خامساً: أن حاضر المسجد الحرام ميقاته مكة، ولا يحصل له الترفه بترك أحد السفرين، فهو أحرم من ميقاته، فأشبه المفرد (٨).

стр. 619

المبحث الخامس الاشتراط في الحج والعمرة المطلب الأول حكم الاشتراط في الحج والعمرة يصح الاشتراط في الحج والعمرة، وهذا مذهب الشافعية (١) والحنابلة (٢)، والظاهرية (٣)، وبه قال طائفة من السلف (٤)، واختاره البيهقي (٥)، وابن قدامة (٦)، والنووي (٧)، وابن تيمية (٨)، وابن القيم (٩)، وابن باز (١٠)، وابن عثيمين (١١). الأدلة: أولاً: من السنة:

стр. 620

عن عائشة ﵂ قالت: ((دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية؟ فقال النبي ﷺ : حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني)) أخرجه البخاري ومسلم (١). ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃: ١ - عن سويد بن غَفَلة، قال: ((قال لي عمر ابن الخطاب: يا أبا أمية حج واشترط فإن لك ما اشترطت ولله عليك ما اشترطت)) (٢). ٢ - عن ابن مسعود ﵁ قال: ((حج واشترط وقل: اللهم الحج أردت ولك عمدت فإن تيسر وإلا فعمرة)) (٣). ٣ - عن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة: ((هل تستثني إذا حججت؟ فقال: ماذا أقول قالت: قل: اللهم الحج أردت وله عمدت فإن يسرته فهو الحج وإن حبسني حابس فهو عمرة)) (٤). ثالثاً: أنه لو نذر صوم يوم أو أيام بشرط أن يخرج منه بعذر صح الشرط وجاز الخروج منه بذلك العذر بلا خلاف، فكذا الاشتراط في النسك (٥). رابعا: أن للشرط تأثيراً في العبادات بدليل قوله: إن شفى الله مريضي صمت شهراً ونحوه (٦). المطلب الثاني: متى يشرع الاشتراط؟

стр. 621

يشرع الاشتراط إذا خاف المانع من إتمام النسك، وهذا اختيار ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، وابن باز (٣)، وابن عثيمين (٤). الأدلة: أولاً: عن عائشة ﵂ قالت: ((دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية؟ فقال النبي ﷺ : حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني)) أخرجه البخاري ومسلم (٥). وجه الدلالة: أنه إنما أشار إليها بالاشتراط لما رآها شاكية تخاف المانع من إتمام النسك (٦).

стр. 622

ثانياً: أن الرسول ﷺ أحرم بعمره كلها، حتى في الحديبية أحرم، ولم يقل: إن حبسني حابس، وكذلك في عمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، وحجة الوداع، ولم ينقل عنه أنه قال: وإن حبسني حابس، ولا أمر به أصحابه أمراً مطلقاً، بل أمر به من جاءت تستفتي؛ لأنها مريضة تخشى أن يشتد بها المرض فلا تكمل النسك (١). المطلب الثالث صيغة الاشتراط: أن يهل بالنسك الذي يريده من عمرة أو حجة مفرداً أو قارناً، أو متمتعاً، ثم يقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، نص على هذا فقهاء الحنابلة (٢)، أو يقول: اللهم محلي حيث حبستني، نص على هذا فقهاء الشافعية (٣)، وورد عن السلف صيغ أخرى (٤). لذا لا يلزم الاشتراط بصيغة معينة (٥). دليل ذلك: عن عائشة ﵂ قالت: ((دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية؟ فقال النبي ﷺ : حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني)) أخرجه البخاري ومسلم (٦). فرع: إن قال إن مرضت ونحوه فأنا حلال. فمتى وجد الشرط حل بوجوده، أما إن قال فلي أن أحل، أو محلي حيث حبستني فهو مخير بين البقاء على إحرامه وبين التحلل، لأنه شرط صحيح فكان على ما شرط، وهذا مذهب الشافعية في الأصح (٧)، والحنابلة (٨)، وقرره ابن عثيمين (٩). فرع:

стр. 623

فائدة الاشتراط: أنه إذا حبس عن النسك بعذر فإنه يحل منه وليس عليه هدي ولا صوم ولا قضاء ولا غيره، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، واختاره ابن حزم (٣)، وابن القيم (٤)، وابن عثيمين (٥). فرع: إن شرط قلب حجه عمرة بالمرض أو نحوه جاز، وتجزئه عن عمرة الإسلام، نص على هذا فقهاء الشافعية (٦). الأدلة: أولاً: الآثار عن الصحابة ﵃: ١ - عن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة ((هل تستثني إذا حججت فقال ماذا أقول قالت قل: اللهم الحج أردت وله عمدت فإن يسرته فهو الحج وإن حبسني حابس فهو عمرة)) (٧). ٢ - عن ابن مسعود ﵁ قال: ((حج واشترط وقل: اللهم الحج أردت ولك عمدت فإن تيسر وإلا فعمرة)) (٨). ثانياً: أنه كما لو شرط التحلل به بل أولى (٩). فرع: لا يصح أن يقال: لي أن أحل متى شئت، نص على هذا فقهاء الشافعية (١٠)، والحنابلة (١١) (١٢). ودليل ذلك ما يلي: - أنه ينافي مقتضى الإحرام (١٣).

стр. 624

الفصل الأول: تعريف المحظورات، والفدية، وأنواعهما المبحث الأول: معنى محظورات الإحرام والفدية المطلب الأول: معنى محظورات الإحرام المحظورات: جمع محظور، وهو الممنوع (١)، وهو من مرادفات الحرام (٢). ومحظورات الإحرام: هي الممنوعات التي يجب على المحرم اجتنابها؛ بسبب إحرامه ودخوله في النسك (٣). المطلب الثاني: معنى الفدية الفدية: أصل الفدية لغةً أن يُجعل شيءٌ مكان شيءٍ حمىً له، ومنه فدية الأسير، واستنقاذه بمال (٤). والفدية اصطلاحاً: هي ما يجب لفعل محظورٍ أو ترك واجب، وسميت فدية؛ لقوله تعالى: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦] (٥). المبحث الثاني: عدد محظورات الإحرام · عدد المحظورات: محظورات الإحرام التي تعم الرجال والنساء سبعة: ١ - حلق الشعر. ٢ - تقليم الأظافر. ٣ - الطيب. ٤ - الصيد. ٥ - عقد النكاح. ٦ - الجماع. ٧ - مباشرة النساء. المحظورات التي تختص بالرجال اثنتان: ١ - لبس المخيط. ٢ - تغطية الرأس. المحظورات التي تختص بالنساء اثنتان: ١ - النقاب. ٢ - لبس القفازين (٦). المبحث الثالث: أقسام محظورات الإحرام باعتبار الفدية تنقسم محظورات الإحرام باعتبار الفدية إلى أربعة أقسام: القسم الأول: ما فديته فدية أذى (فدية الأذى هي الدم أو الإطعام أو الصيام) القسم الثاني: ما فديته الجزاء بمثله: وهو الصيد القسم الثالث: ما لا فدية فيه: وهو عقد النكاح القسم الرابع: ما فديته مغلَّظة: وهو الجماع

стр. 625

المبحث الأول: أنواع محظورات الترفه، وما يجب فيها المطلب الأول: أنواع محظورات الترفه تشمل محظورات الترفه خمسة محظورات المحظور الأول: حلق الشعر المحظور الثاني: تقليم الأظافر المحظور الثالث: الطيب المحظور الرابع: تغطية الرأس المحظور الخامس: لبس المخيط المطلب الثاني: ما يجب على من ارتكب شيئاً من محظورات الترفه مَن حلق أو قلَّم أظفاره أو غطى رأسه أو تطيب أو لبس مخيطاً لعذر، فإنه يجب عليه في كل ذلك فدية الأذى، فيُخيَّر بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين- لكل مسكينٍ نصف صاع - أو ذبح شاة، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وبه قال أكثر الفقهاء (٥). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (٦) [البقرة:١٩٦]. ثانياً: من السنة: عن عبدالله بن معقل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁، فسألته عن الفدية، فقال: ((نزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة، حُمِلتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى - أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى - تجد شاة؟ فقلت: لا، فقال: فصم ثلاثة أيامٍ، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكينٍ نصف صاع)) (٧). المطلب الثالث: توزيع الصدقة على مساكين الحرم يشترط أن توزَّع الصدقة على مساكين الحرم، وهو مذهب الشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، واختاره الشنقيطي (١٠)، وابن باز (١١)، وابن عثيمين (١٢). الدليل:

стр. 626

قوله تعالى: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥]. وجه الدلالة: أنَّ في حكم الهدي ما كان بدلاً عنه من الإطعام، فيجب أن يكون كذلك بالغ الكعبة (١). المطلب الرابع: موضع الصيام وصفته يجوز الصيام في أي موضعٍ مفرَّقاً أو متتابعاً (٢). الأدلة: أولًا: من الكتاب: قوله تعالى: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [المائدة: ٩٥] وجه الدلالة: أنه أطلق الصيام، ولم يقيده بشيء، والواجب البقاء على إطلاقات النصوص، وعدم التصرف بتقييدها من غير دليل (٣). ثانياً: الإجماع: نقل النووي الإجماع على جواز تفريق الصيام (٤)، وحكى الشنقيطي الإجماع على أنه يصام في أي مكان (٥). ثالثاً: أن الصيام لا يتعدى نفعه لأحد؛ لذا لا يقتصر على مكانٍ بعينه. المطلب الخامس: ارتكاب محظورات فدية الأذى عمداً لا فرق في التخيير في فدية الأذى بين من ارتكب المحظور بعذر، أو كان عمداً، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، واختاره الشنقيطي (٩)؛ وذلك لأن الله تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذىً به وهو معذور، فكان ذلك تنبيهاً على وجوبها على غير المعذور (١٠). المطلب السادس: فعل المحظورات نسياناً أو جهلاً أو إكراهاً مَن فَعَلَ شيئاً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه، سواء كان صيداً أو جماعاً أو غيرهما، وسواء كان فيه إتلاف أو لم يكن، وهو مذهب الظاهرية (١١)، وروي عن ابن عباس ﵄ (١٢)، وهو قول إسحاق وابن المنذر وطائفةٍ من السلف (١٣)، واختاره ابن عثيمين (١٤). الأدلة: أولاً: من الكتاب: ١ - قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله: ((قد فعلت)). ٢ - قوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب: ٥].

стр. 627

٣ - قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ [النحل: ١٠٦] وجه الدلالة: أن الكفر إذا كان يسقط موجبه بالإكراه، فما دونه من باب أولى. ٤ - قوله تعالى في قتل الصيد: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: ٩٥]. وجه الدلالة: أن قوله: مُتَعَمِّدًا وصفٌ مناسبٌ للحكم، فوجب أن يكون معتبراً؛ لأن الأوصاف التي عُلِّقت بها الأحكام إذا تبين مناسبتها لها صارت علةً موجبة، يوجد الحكم بوجودها، وينتفي بانتفائها، وإلا لم يكن للوصف فائدة. ثانياً: من السنة: ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعاً: ((أين الذي سأل عن العمرة؟ فأتي بالرجل، فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك، قلت لعطاء: أراد الإنقاء، حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم)) رواه البخاري (١). وجه الدلالة: أنه لم يأمر الرجل الذي لبس الجبة وتضمخ بالطيب بالكفارة؛ وذلك بسبب جهله بالحكم، واكتفى بأمره أن ينزع الجبة، وأن يغسل عنه أثر الطيب. ٢ - عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٢). ثالثاً: من الآثار: عن قبيصة بن جابر الأسدي: ((أنه سمع عمر بن الخطاب, ومعه عبدالرحمن بن عوف, وعمر يسأل رجلا قتل ظبياً وهو محرم فقال له عمر: عمداً قتلته أم خطأ؟ فقال له الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله, فقال له عمر: ما أراك إلا أشركت بين العمد والخطأ; اعمد إلى شاةٍ فاذبحها، فتصدق بلحمها وأسق (٣) إهابها)) (٤). وجه الدلالة: أنه لو كان العمد والخطأ في ذلك سواء عند عمر؛ لما سأله أعمداً قتلته أم خطأ، وكان ذلك فضولاً من السؤال لا معنى له (٥). رابعاً: أن الكفارة إنما تجب إذا وقعت الجناية بارتكاب المحظور؛ لفداء النفس من المخالفة وللتكفير عن الذنب، ومع الجهل أو النسيان أو الإكراه لا جناية؛ لأنهم لم يتعمدوا المخالفة فلا معنى للكفارة (٦). خامساً: القياس على الأكل أو الشرب ناسياً في نهار رمضان، فإنه لا يفسد الصوم ولا قضاء فيه. سادساً: أن ما سوى هذا القول ظاهر الفساد والتناقض، فما يرخص به أحدهم في حال، يمنعه الآخر (٧). المطلب السابع: تكرار المحظور تكرار المحظور له ثلاث أحوال:

стр. 628

الحال الأولى: إذا كرر محظوراً من جنسٍ واحد، كلبس قميص، ولبس سراويل، ولم يفد فإنه يفدي مرةً واحدة، وهو مذهب الحنابلة (١)، وبه قال محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية (٢)، وهو قول الشافعي في القديم (٣)، واختاره ابن باز (٤)، وابن عثيمين (٥). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أن الله تعالى أوجب لحلق الرأس فديةً واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعةٍ أو دفعات، ثم إن الحلق لا يكون إلا شيئاً بعد شيء، فهو ارتكاب محظوراتٍ متتاليةٍ من جنسٍ واحد، ومع ذلك لم يوجب فيه إلا فدية واحدة (٦). ثانياً: أن ما تداخل متتابعاً، كحلق شعرات، تداخل متفرقاً، كالأحداث والحدود (٧). أدلة أنه إن كفر عن الأول ثم ارتكب المحظور أنه يلزمه فديةٌ أخرى: ١ - أنه بالمحظور الثاني صادف إحراماً؛ فوجبت فيه الفدية، كما وجبت على المحظور الأول، وقياساً على الحدود والأيمان (٨). ٢ - أنه لما كفر للأول فقد التحق المحظور الأول بالعدم؛ فيعتبر الثاني محظوراً آخر مبتدأ، كما إذا جامع في يومين من شهر رمضان (٩). الحال الثانية: أن يكون المحظور من أجناسٍ مختلفة، كطيبٍ ولبس مخيطٍ، فإنه يفدي لكل محظور، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعةربعةأربعة: الحنفية (١٠)، والمالكية (١١)، والشافعية (١٢)، والحنابلة (١٣). الأدلة: أولاً: أنها محظوراتٌ مختلفة الأجناس، فلم تتداخل أجزاؤها كالحدود المختلفة (١٤). ثانياً: أن السبب الموجب للكفارة الثانية غير عين السبب الموجب للكفارة الأولى، أشبه ما لو حلف ثم حنث وكفر، ثم حلف وحنث (١٥).

стр. 629

الحال الثالثة: أن يكون المحظور صيداً، فإن الفدية تتعدد بتعدد الصيد (١)، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: ٩٥]. وجه الدلالة: أن الآية تدل على أن من قتل صيداً لزمه مثله, ومن قتل أكثر لزمه مثل ذلك (٦). ثانياً: أنه لو قتل أكثر معًا تعدَّد الجزاء, فمتفرقاً أولى؛ لأن حال التفريق ليس أنقص كسائر المحظورات (٧). ثالثاً: أنها كفارة قتل, كقتل الآدمي, أو بدل متلف, كبدل مال الآدمي؛ فتتعدد (٨).

стр. 630

المبحث الثاني: حلق الشعر المطلب الأول: حلق شعر الرأس حلق شعر الرأس من محظورات الإحرام. الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦]. ثانياً: من السنة: عن عبدالله بن معقل، قال: ((جلست إلى كعب بن عجرة ﵁، فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة، حُمِلتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى - أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى - تجد شاة؟ فقلت: لا، فقال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكينٍ نصف صاع)) رواه البخاري ومسلم (١). وجه الدلالة: أنه رتب فدية الأذى على حلق الرأس مع كونه للعذر، فدل على أنه من محظورات الإحرام. ثالثا من الإجماع: نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٢) , والنووي (٣). المطلب الثاني: حلق شعر غير الرأس اختلف أهل العلم في كون حلق شعر غير الرأس من محظورات الإحرام على قولين: القول الأول: أنه محظور، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، وحكى ابن عبدالبر فيه الإجماع (٨). الأدلة: أولاً: أثر عن ابن عباس ﵄، ((أنه قال في قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [الحج: ٢٩]: (التفث: الرمي، والذبح، والحلق والتقصير، والأخذ من الشارب، والأظفار، واللحية)) (٩). ثانياً: القياس على شعر الرأس: قياس شعر الجسد على شعر الرأس؛ بجامع أن الكل يحصل بحلقه الترفه، والتنظف، وهو ينافي الإحرام لكون المحرم أشعث أغبر (١٠). القول الثاني: أنه لا يحظر حلق غير شعر الرأس، وهذا مذهب أهل الظاهر (١١)، وقوَّاه ابن عثيمين (١٢). الأدلة:

стр. 631

أولاً: أن النص جاء بتحريم حلق الرأس فقط، ولا يصح قياس غيره عليه؛ لأن حلق الرأس يتعلق به نسك وهو الحلق أو التقصير، فإن المحرم إذا حلق رأسه فإنه يُسقِط به نسكاً مشروعاً، وغيره لا يساويه في ذلك (١). ثانياً: أن الأصل الإباحة والحل. ثالثاً: أن المحرم ليس ممنوعاً من الترفه في الأكل، فله أن يأكل من الطيبات ما شاء، ولا من الترفه في اللباس، فله أن يلبس من الثياب التي تجوز في الإحرام ما يشاء، ولا من الترفه بإزالة الأوساخ فله أن يغتسل ويزيل الأوساخ (٢). المطلب الثالث: ما يجب من الفدية في حلق شعر الرأس يجب في حلق شعر الرأس فدية الأذى: ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين. الأدلة أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦]. ثانياً: من السنة: عن كعب بن عجرة ﵁ قال: ((أتى عليَّ النبيُّ ﷺ زمن الحديبية والقمل يتناثر على وجهي فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة)) (٣). ثالث الإجماع: نقله ابن المنذر (٤)، وابن عبدالبر (٥). المطلب الرابع: متى تجب الفدية في حلق الشعر؟ تجب الفدية في حلق الشعر إذا حلق ما يحصل به إماطة الأذى (٦)، وهو مذهب المالكية (٧)، واختاره ابن حزم (٨)، وابن عبدالبر (٩)، وابن عثيمين (١٠). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أنَّ حلق شعر الرأس من أذىً به، لا يكون إلا بمقدار ما يماط به الأذى (١١). ثانياً: من السنة:

стр. 632

١ - عن كعب بن عجرة ﵁ قال: ((أتى عليَّ النبيُّ ﷺ زمن الحديبية والقمل يتناثر على وجهي، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟. قلت: نعم. قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة)) (١). وجه الدلالة: أن الكفارة إنما تجب في حلق الرأس في مثل ما أوجبه رسول الله ﷺ على كعب بن عجرة، وهو حلق ما يماط به الأذى (٢). ٢ - عن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ احتجم وهو محرمٌ في رأسه)) (٣). وجه الدلالة: أن الحجامة في الرأس من ضرورتها أن يُحلَق الشعر من مكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه افتدى؛ لأن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يماط به الأذى، فهو قليلٌ بالنسبة لبقية الشعر (٤). الفرع الأول: إذا أخذ شعراتٍ من رأسه فإنه يحرم عليه؛ لأن المحرم نُهِيَ عن حلق شعر رأسه، وهو يشمل القليل والكثير، والقاعدة أن امتثال الأمر لا يتم إلا بفعل جميعه، وامتثال النهي لا يتم إلا بترك جميعه، لكن الفدية لا تجب إلا بحلق ما يحصل به الترفه وزوال الأذى (٥). الفرع الثاني: إذا خرج في عينيه شعر، أو استرسل شعر حاجبيه على عينيه فغطاهما، فله إزالته، وكذلك إن قطع جلدة عليها شعر لم يكن عليه فدية؛ لأنه زال تبعاً لغيره والتابع لا يضمن كما لو قلع أشعار عيني إنسان فإنه لا يضمن أهدابهما (٦). المطلب الخامس: غسل رأس المحرم وتخليله

стр. 633

لا بأس أن يغسل المحرم رأسه، ويخلله ويحكه برفق (١)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥)، وقول للمالكية (٦)، وهو قول جماعة من السلف (٧) , وبه قال ابن المنذر (٨)، واختاره النووي (٩)، وابن عثيمين (١٠). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن عبدالله بن حنين: ((أن عبدالله بن العباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال عبدالله بن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني عبدالله بن العباس إلى أبي أيوبٍ الأنصاري، فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبدالله بن حنين، أرسلني إليك عبدالله بن العباس أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم، فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسانٍ يصب عليه: اصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، وقال: هكذا رأيته ﷺ يفعل)) (١١). ٢ - عن عائشة ﵂ ((أنها حاضت ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة، فقالت: يا رسول الله، هذه ليلة عرفة وإنما كنت تمتعت بعمرة، فقال لها رسول الله ﷺ : انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن عمرتك)) (١٢). وجه الدلالة: أن رسول الله ﷺ أمرها بأن تنقض رأسها، وتمتشط وهي محرمة (١٣). ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃: - عن ابن عباس ﵄ قال: ((المحرم يدخل الحمام، وينزع ضرسه، وإذا انكسر ظفره طرحه ويقول: أميطوا عنكم الأذى فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئا)) (١٤). - أنه قول ابن عباس، والمسور بن مخرمة، وأبي أيوب الأنصاري ﵃، كما تقدم ذكر ذلك عنهم في القصة التي جرت بينهم في الأبواء.

стр. 634

المبحث الثالث: تقليم الأظافر المطلب الأول: حكم إزالة الأظفار للمحرم لأهل العلم في قص المحرم ظفره قولان: القول الأول: أن المحرم ممنوعٌ من إزالة أظفاره، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وحكى فيه الإجماع ابن المنذر (٥)، وابن قدامة (٦). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩] جاء عن بعض السلف في تفسيرها أنها تدل على منع المحرم من أخذ أظفاره (٧). ثالثاً: من آثار الصحابة: عن ابن عباس ﵄، أنه قال في تفسير آية الحج: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ: ((التفث: الرمي، والذبح، والحلق والتقصير، والأخذ من الشارب، والأظفار، واللحية)) (٨). رابعا: أنه إزالة جزءٍ ينمو من بدنه، يقضي به تفثه، ويترفه بإزالته، أشبه الشعر (٩).

стр. 635

القول الثاني: أنه يجوز للمحرم أن يقص شعره وأظفاره، وهذا مذهب الظاهرية (١)، وجعله ابن مفلح احتمالا (٢)، وذلك للآتي: ١ - أنه لم يأت نص من كتاب ولا سنة في منعهما. ٢ - أنه دون الشعر في الترفه, فيمتنع الإلحاق (٣). ٣ - أن النبي ﷺ أخبر أن من الفطرة قص الأظفار، والفطرة سنة لا يجوز تعديها, ولم يخص ﵇ مُحْرماً من غيره: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤] (٤). المطلب الثاني: ما تحصل به إزالة الأظافر: إزالة الظفر كإزالة الشعر سواء قلمه أو كسره أو قطعه، وكل ذلك حرامٌ موجبٌ للفدية (٥). المطلب الثالث: ما يجب من الفدية في تقليم الأظفار: يجب في تقليم الأظافر فدية الأذى، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، وبه قال أكثر أهل العلم (١٠)؛ وذلك لأنه أزال ما مُنِعَ إزالته لأجل الترفه، فوجبت عليه الفدية كحلق الشعر، وعدم النص لا يمنع قياسه على المنصوص، كشعر البدن مع شعر الرأس (١١). المطلب الرابع: قص ما انكسر من الظفر إن انكسر ظفره فله قص ما انكسر منه، ولا شيء عليه. الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥]. وانكسار الظفر يغلب في الأسفار، وهذا يوجب الرخصة فيه (١٢).
следующие страницы →