أولاً: أن النص جاء بتحريم حلق الرأس فقط، ولا يصح قياس غيره عليه؛ لأن حلق الرأس يتعلق به نسك وهو الحلق أو التقصير، فإن المحرم إذا حلق رأسه فإنه يُسقِط به نسكاً مشروعاً، وغيره لا يساويه في ذلك (١).
ثانياً: أن الأصل الإباحة والحل.
ثالثاً: أن المحرم ليس ممنوعاً من الترفه في الأكل، فله أن يأكل من الطيبات ما شاء، ولا من الترفه في اللباس، فله أن يلبس من الثياب التي تجوز في الإحرام ما يشاء، ولا من الترفه بإزالة الأوساخ فله أن يغتسل ويزيل الأوساخ (٢).
المطلب الثالث: ما يجب من الفدية في حلق شعر الرأس
يجب في حلق شعر الرأس فدية الأذى: ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين.
الأدلة
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦].
ثانياً: من السنة:
عن كعب بن عجرة ﵁ قال: ((أتى عليَّ النبيُّ ﷺ زمن الحديبية والقمل يتناثر على وجهي فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة)) (٣).
ثالث الإجماع:
نقله ابن المنذر (٤)، وابن عبدالبر (٥).
المطلب الرابع: متى تجب الفدية في حلق الشعر؟
تجب الفدية في حلق الشعر إذا حلق ما يحصل به إماطة الأذى (٦)، وهو مذهب المالكية (٧)، واختاره ابن حزم (٨)، وابن عبدالبر (٩)، وابن عثيمين (١٠).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
أنَّ حلق شعر الرأس من أذىً به، لا يكون إلا بمقدار ما يماط به الأذى (١١).
ثانياً: من السنة:
стр. 632
١ - عن كعب بن عجرة ﵁ قال: ((أتى عليَّ النبيُّ ﷺ زمن الحديبية والقمل يتناثر على وجهي، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟. قلت: نعم. قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة)) (١).
وجه الدلالة:
أن الكفارة إنما تجب في حلق الرأس في مثل ما أوجبه رسول الله ﷺ على كعب بن عجرة، وهو حلق ما يماط به الأذى (٢).
٢ - عن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ احتجم وهو محرمٌ في رأسه)) (٣).
وجه الدلالة:
أن الحجامة في الرأس من ضرورتها أن يُحلَق الشعر من مكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه افتدى؛ لأن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يماط به الأذى، فهو قليلٌ بالنسبة لبقية الشعر (٤).
الفرع الأول:
إذا أخذ شعراتٍ من رأسه فإنه يحرم عليه؛ لأن المحرم نُهِيَ عن حلق شعر رأسه، وهو يشمل القليل والكثير، والقاعدة أن امتثال الأمر لا يتم إلا بفعل جميعه، وامتثال النهي لا يتم إلا بترك جميعه، لكن الفدية لا تجب إلا بحلق ما يحصل به الترفه وزوال الأذى (٥).
الفرع الثاني:
إذا خرج في عينيه شعر، أو استرسل شعر حاجبيه على عينيه فغطاهما، فله إزالته، وكذلك إن قطع جلدة عليها شعر لم يكن عليه فدية؛ لأنه زال تبعاً لغيره والتابع لا يضمن كما لو قلع أشعار عيني إنسان فإنه لا يضمن أهدابهما (٦).
المطلب الخامس: غسل رأس المحرم وتخليله
стр. 633
لا بأس أن يغسل المحرم رأسه، ويخلله ويحكه برفق (١)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥)، وقول للمالكية (٦)، وهو قول جماعة من السلف (٧) , وبه قال ابن المنذر (٨)، واختاره النووي (٩)، وابن عثيمين (١٠).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن عبدالله بن حنين: ((أن عبدالله بن العباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال عبدالله بن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني عبدالله بن العباس إلى أبي أيوبٍ الأنصاري، فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبدالله بن حنين، أرسلني إليك عبدالله بن العباس أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم، فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسانٍ يصب عليه: اصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، وقال: هكذا رأيته ﷺ يفعل)) (١١).
٢ - عن عائشة ﵂ ((أنها حاضت ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة، فقالت: يا رسول الله، هذه ليلة عرفة وإنما كنت تمتعت بعمرة، فقال لها رسول الله ﷺ : انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن عمرتك)) (١٢).
وجه الدلالة:
أن رسول الله ﷺ أمرها بأن تنقض رأسها، وتمتشط وهي محرمة (١٣).
ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃:
- عن ابن عباس ﵄ قال: ((المحرم يدخل الحمام، وينزع ضرسه، وإذا انكسر ظفره طرحه ويقول: أميطوا عنكم الأذى فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئا)) (١٤).
- أنه قول ابن عباس، والمسور بن مخرمة، وأبي أيوب الأنصاري ﵃، كما تقدم ذكر ذلك عنهم في القصة التي جرت بينهم في الأبواء.
стр. 634
المبحث الثالث: تقليم الأظافر
المطلب الأول: حكم إزالة الأظفار للمحرم
لأهل العلم في قص المحرم ظفره قولان:
القول الأول: أن المحرم ممنوعٌ من إزالة أظفاره، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وحكى فيه الإجماع ابن المنذر (٥)، وابن قدامة (٦).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩] جاء عن بعض السلف في تفسيرها أنها تدل على منع المحرم من أخذ أظفاره (٧).
ثالثاً: من آثار الصحابة:
عن ابن عباس ﵄، أنه قال في تفسير آية الحج: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ: ((التفث: الرمي، والذبح، والحلق والتقصير، والأخذ من الشارب، والأظفار، واللحية)) (٨).
رابعا: أنه إزالة جزءٍ ينمو من بدنه، يقضي به تفثه، ويترفه بإزالته، أشبه الشعر (٩).
стр. 635
القول الثاني: أنه يجوز للمحرم أن يقص شعره وأظفاره، وهذا مذهب الظاهرية (١)، وجعله ابن مفلح احتمالا (٢)، وذلك للآتي:
١ - أنه لم يأت نص من كتاب ولا سنة في منعهما.
٢ - أنه دون الشعر في الترفه, فيمتنع الإلحاق (٣).
٣ - أن النبي ﷺ أخبر أن من الفطرة قص الأظفار، والفطرة سنة لا يجوز تعديها, ولم يخص ﵇ مُحْرماً من غيره: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤] (٤).
المطلب الثاني: ما تحصل به إزالة الأظافر:
إزالة الظفر كإزالة الشعر سواء قلمه أو كسره أو قطعه، وكل ذلك حرامٌ موجبٌ للفدية (٥).
المطلب الثالث: ما يجب من الفدية في تقليم الأظفار:
يجب في تقليم الأظافر فدية الأذى، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، وبه قال أكثر أهل العلم (١٠)؛ وذلك لأنه أزال ما مُنِعَ إزالته لأجل الترفه، فوجبت عليه الفدية كحلق الشعر، وعدم النص لا يمنع قياسه على المنصوص، كشعر البدن مع شعر الرأس (١١).
المطلب الرابع: قص ما انكسر من الظفر
إن انكسر ظفره فله قص ما انكسر منه، ولا شيء عليه.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥].
وانكسار الظفر يغلب في الأسفار، وهذا يوجب الرخصة فيه (١٢).
стр. 636
ثانياً: عن ابن عباس ﵄ قال: ((المسلم ينزع ضرسه، وإن انكسر ظفره طرحه، أميطوا عنكم الأذى؛ فإن الله تعالى لا يصنع بأذاكم شيئا)) (١).
وجه الدلالة:
أنه قول صحابي، ولا يُعرف له مخالفٌ من الصحابة ﵃ (٢).
ثالثاً: الإجماع:
نقله ابن المنذر (٣) وابن قدامة (٤).
رابعاً: أن بقاءه يؤلمه، أشبه الشعر النابت في عينه (٥).
خامساً: أنه إزالةٌ لأذاه، فلم يكن عليه فدية، كقتل الصيد الصائل (٦).
سادساً: أنه بعد الكسر لا ينمو، فهو كحطب شجر الحرم (٧).
стр. 637
المبحث الرابع: الطيب
المطلب الأول: حكم الطيب للمحرم
الطيب من محظورات الإحرام في البدن والثوب.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال فيما يجتنبه المحرم: ((ولا يلبس ثوباً مسه زعفران ولا وَرْس (١))) (٢).
وجه الدلالة:
أنه نهى المحرم عن الزعفران، والزعفران طيب.
٢ - عن ابن عباس ﵄: ((أن رجلاً وقصه بعيره ونحن مع النبي ﷺ وهو محرم، فقال النبي ﷺ : اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيباً، ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا)) (٣).
وجه الدلالة:
أنه لما منع الميت من الطيب لإحرامه؛ فالحي أولى (٤).
٣ - عن يعلى بن أمية ﵁ قال: ((بينما النبي ﷺ بالجِعرانة (٥)، ومعه نفرٌ من أصحابه، جاءه رجل فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجلٍ أحرم بعمرة، وهو مُتَضمِّخ (٦) بطيب؟ فسكت النبي ﷺ ساعة، فجاءه الوحي، ثم سُرِّي عنه، فقال: أين الذي سأل عن العمرة؟ فأُتِي برجل، فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك)) (٧) قلت لعطاء: أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم.
ثانيا الإجماع:
نقل ابن المنذر (٨)، وابن حزم (٩)، وابن عبدالبر (١٠)، وابن قدامة (١١)، والنووي (١٢).
المطلب الثاني: الحكمة من تحريم الطيب على المحرم
١ - أن ذلك يبعد المحرِم عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها، ويجتمع همه لمقاصد الآخرة، أما الطيب فإنه قد ينسيه ما هو فيه من العبادة؛ لما فيه من الترفه؛ بما يخالف مقصود الحج من التجرد من ذلك؛ فلذلك نهي عنه.
٢ - أن الطيب من أسباب دواعي الوطء، فتحريمه من باب سد الذريعة؛ فإن الطيب يعطي الإنسان نشوة؛ وربما يحرك شهوته؛ ويلهب غريزته؛ ويحصل بذلك فتنة له؛ والله تعالى يقول: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧] (١٣).
المطلب الثالث: الفدية في الطيب
стр. 638
إذا تطيب المحرم عمداً فعليه الفدية، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)؛ وذلك قياساً على الفدية في حلق الرأس؛ بجامع أنه ترفه باستعمال محظور.
المطلب الرابع: هل يشترط في الفدية تطييب العضو كاملاً؟
لا يشترط في لزوم الفدية بالطيب أن يطيب العضو كاملاً، وهو مذهب الجمهور من المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).
الأدلة:
أولاً: عموم الأدلة في الفدية، ولا فرق فيها بين القليل والكثير.
ثانياً: أنه معنًى حصل به الاستمتاع بالمحظور، فاعتبر بمجرد الفعل كالوطء.
ثالثاً: أن تقدير ما تجب به الفدية وما لا تجب به لا يكون إلا بتوقيفٍ من الشارع، ولا يوجد في الباب ما يدل على شيءٍ من ذلك، فوجب الوقوف على العمومات التي توجب الفدية على من ارتكب المحظور قليلاً كان أو كثيرا.
رابعاً: أن التطيب عادةً لا يكون لعضوٍ كامل (٨).
المطلب الرابع: حكم استعمال البخور
حكم البخور هو حكم استعمال الطيب، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١).
وذلك للآتي:
أولاً: عمومات الأدلة، والبخور من جملة أنواع الطيب الذي حظر استعماله على المحرم.
ثانياً: أن المقصود هو الاستمتاع برائحة الطيب، وهذا حاصلٌ بالبخور.
ثالثاً: أنه يصدق على من تبخَّر أنه تطيَّب.
المطلب الخامس: حكم استدامة الطيب الذي كان قبل الإحرام
لا حرج في استعمال الطيب الذي يبقى أثره بعد الإحرام، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١٢)، والشافعية (١٣)، والحنابلة (١٤)، وبه قال بعض السلف (١٥).
الدليل:
عن عائشة ﵂ قالت: ((كأني أنظر إلى وَبِيص الطيب في مَفرِق رسول الله ﷺ بعد أيام وهو محرِم)) (١٦). وقالت ﵂: ((كنتُ أطيِّب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت)) (١٧).
المطلب السادس: تطييب الحاج ثوب الإحرام قبل إحرامه
стр. 639
يُمنَع الحاج من تطييب ثوب الإحرام قبل إحرامه، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، واختيار ابن باز (٣) ابن عثيمين (٤).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
قوله ﷺ : ((لا تلبسوا شيئاً من الثياب مسه الزعفران أو الورس)) (٥).
ثانياً: أنَّ الطيب من محظورات الإحرام، ويصدق على من استدام الثوب بعد الإحرام، أنه ارتكب المحظور حال إحرامه.
ثالثاً: أنَّ الرخصة إنما جاءت في البدن؛ فلا يتجاوز صورتها.
رابعاً: أن الطيب في الثوب لا يستهلك كما هو في البدن؛ فلا يصح القياس.
стр. 640
المبحث الخامس: تغطية الرأس للذكر
المطلب الأول: حكم تغطية الرأس للذكر
تغطية الرأس للذكر من محظورات الإحرام، مثل: الطاقية، والغترة، والعمامة، وما أشبه ذلك.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن ابن عباس ﵄: ((أن رجلاً وقصه بعيرُه ونحن مع النبي ﷺ وهو محرم، فقال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه؛ فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا)) (١).
وجه الدلالة:
أنه علَّل منع تخمير رأسه ببقائه على إحرامه، فعلم أن المحرم ممنوعٌ منه؛ فإن المحرِم الحي أولى من المحرِم الميت (٢).
٢ - عن عبدالله بن عمر ﵄ ((أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف ... )) (٣).
وجه الدلالة:
أن ذكر العمامة بعد ذكر البرانس دليلٌ على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بمعتاد اللباس، ولا بنادره (٤).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابنُ المنذر (٥)، وابن عبدالبر (٦)، وابن رشد (٧)، وابن القيم (٨).
المطلب الثاني: أقسام ستر الرأس
ستر الرأس على أقسام:
стр. 641
الأول: أن يغطيه بما يحمله على رأسه ولا يقصد به التغطية، فهذا جائز، باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) , وهو اختيار ابن حزم (٥)،وابن حجر (٦)، وابن باز (٧) وابن عثيمين (٨)؛ وذلك لأنه لا يقصد به الستر؛ ولا يستر بمثله عادةً.
الثاني: أن يستره بملاصق بما يلبس عادةً على الرأس، مثل الشماغ والعمامة والطاقية، والخوذة فهذا حرام.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن عبدالله بن عمر ﵄، ((أن رجلا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو ورس)) (٩)
وجه الدلالة:
أن ذكر العمامة بعد ذكر البرانس دليل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بمعتاد اللباس، ولا بنادره (١٠).
٢ - عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال في قصة الرجل الذي وقصته دابته: ((لا تخمِّروا رأسه)) (١١).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن حزم (١٢)،والنووي (١٣)، وابن القيم (١٤).
الثالث: أن يستظل بمنفصل عنه، غير تابع كالاستظلال بخيمة، أو شجرة، فهذا جائز.
стр. 642
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن جابر ﵁ أنه قال في حديث حجة النبي ﷺ : ((وأمر بقبة من شعر، فضربت له بنمرة، فأتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها ... )) (١).
٢ - عن أم الحصين: ((أن بلالا أو أسامة كان رافعا ثوبا يستر به النبي ﷺ من الحر)) (٢).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (٣)، وابن قدامة (٤)، والنووي (٥)، وابن القيم (٦).
стр. 643
الرابع: أن يُظلِّل رأسه بتابع له منفصل كالشمسية والسيارة، ومحمل البعير، وما أشبهه، فهذا يجوز، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، وبه قال طائفة من السلف (٤)، واختاره ابن المنذر (٥) وابن القيم (٦) , والشوكاني (٧) والشنقيطي (٨) وابن باز (٩) وابن عثيمين (١٠).والألباني (١١).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن جابر ﵁ قال: ((حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخِذ بخطام ناقة النبي ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة)) (١٢).
стр. 644
٢ - عن أم الحصين: ((أن بلالاً أو أسامة كان رافعا ثوبا يستر به النبي ﷺ من الحر)) (١).
ثانياً: القياس:
أن ذلك لا يقصد به الاستدامة، فلم يكن به بأس، كالاستظلال بالحائط (٢).
ثالثاً: استصحاب الأصل:
فما يحلُّ للحلال يحلُّ للمحرم، إلا ما قام على تحريمه دليل (٣).
المطلب الثاني: الفدية في تغطية الرأس
تجب في تغطية الرأس الفدية بذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).
الدليل على ذلك:
القياس على الفدية في حلق الرأس، بجامع أنه استمتاع محض، وترفه باستعمال محظور (٨).
المطلب الثالث: مقدار تغطية الرأس الذي تجب فيه الفدية
لا يشترط لوجوب الفدية ستر جميع الرأس، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١).
الأدلة:
أولاً: عموم الأدلة في الفدية، ولا فرق فيها بين القليل والكثير.
ثانياً: أنه معنًى حصل به الاستمتاع بالمحظور، فاعتبر بمجرد الفعل كالوطء.
ثالثاً: أن تقدير ما تجب به الفدية وما لا تجب به لا يكون إلا بتوقيف من الشارع، ولا يوجد في الباب شيء، فوجب الوقوف على العمومات التي توجب الفدية على من ارتكب المحظور قليلا كان أو كثيرا.
رابعاً: أن الانتفاع بتغطية الرأس يحصل في البعض، فتجب الفدية بذلك.
خامساً: القياس على عدم اشتراط حلق جميع شعر الرأس لوجوب الفدية (١٢).
المطلب الرابع: حكم تغطية الوجه للمحرم
تغطية الوجه للمحرم مباح، وهو مذهب الشافعية (١٣) والحنابلة (١٤)، وبه قال جماعة من السلف (١٥) , وابن حزم (١٦)، واختاره ابن عثيمين (١٧).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: ((ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا)) (١٨).
وجه الدلالة:
стр. 645
أن النص خص الرأس بالنهي عن التغطية، فمفهومه يقتضي جواز تغطية غيره، أما ما جاء من تغطية الوجه فهو شاذ ضعيف (١).
ثانيا: أقوال الصحابة:
١ - عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه: ((أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم)) (٢).
٢ - عن عبدالله بن عامر بن ربيعة قال: ((رأيت عثمان بالعَرْج (٣) وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أُرْجُوان (٤))) (٥).
ولا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف منهم (٦).
ثالثا: أن الأصل هو الإباحة (٧).
стр. 646
المبحث السادس: لبس المخيط
تمهيد: تعريف المخيط
المخيط: هو المفصَّل على قدر البدن أو العضو، بحيث يحيط به، ويستمسك عليه بنفسه، سواء كان بخياطة أو غيرها، مثل: القميص، والسراويل، ونحو ذلك (١).
المطلب الأول: حكم لبس المخيط للذَّكَر
لبس المخيط للذكر من محظورات الإحرام.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن يعلى بن أمية ﵁ قال: ((بينما النبي ﷺ بالجعرانة، ومعه نفر من أصحابه، جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، وهو مُتَضَمِّخ بطيب، فسكت النبي ﷺ ساعة، فجاءه الوحي، ثم سُرِّي عنه، فقال: أين الذي سأل عن العمرة؟ فأتي برجل، فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك)) (٢).
وجه الدلالة:
أنه لما عَلِمَ أنه محرم أمره بأن ينزع عنه الجبة، فدل على أن لبس الجبة ونحوها من المخيط المحظور على المحرم.
٢ - عن ابن عمر ﵄: ((أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف)) (٣).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ نهى عن خمسة أنواع من اللباس تشمل جميع ما يحرم، وقد أوتي جوامع الكَلِم، وذلك أن اللباس إما أن يصنَع للبدن فقط فهو القميص، وما في معناه، أو للرأس فقط وهو العمامة وما في معناه، أو لهما وهو البُرْنُس وما في معناه، أو للفخذين والساق وهو السراويل وما في معناه، أو للرِّجلين وهو الخف ونحوه (٤).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٥)، وابن حزم (٦)، وابن عبدالبر (٧)، وابن رشد (٨).
المسألة الأولى: من أحرم بالمخيط أو لبسه بعد إحرامه لعدم حمله التصريح
стр. 647
من أحرم بالمخيط أو لبسه بعد إحرامه ليدخل به مكة لعدم حمله التصريح فحجه صحيح لكنه يأثم بارتدائه المخيط، وتجب عليه الفدية، وبه قال ابن عثيمين (١)(٢).
المسألة الثانية: لبس المرأة المخيط لغير الوجه والكفين
يجوز للمرأة المحرمة أن تلبس المخيط لغير الوجه والكفين.
الدليل::
نقل الإجماع على ذلك: ابن المنذر (٣) وابن عبدالبر (٤) وابن رشد (٥).
المسألة الثالثة: لبس الخفاف للمحرم الذكر
لبس الخف (٦) حرام على الرجل المحرِم، سواء كان الخف صحيحا أو مخرَّقاً، إلا لمن لم يجد النعلين.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن ابن عمر: ((إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفلَ من الكعبين)) (٧).
٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبي ﷺ يَخْطُبُ بعَرَفَاتٍ: ((من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل)) (٨).
٣ - عن جابر ﵄ قال: ((من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل)) (٩).
ثانياً: الإجماع:
стр. 648
نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (١)، والنووي (٢).
المسألة الرابعة: هل يجب قطع الخفين لمن لم يجد نعلين؟
من لم يجد نعلين فلبس خفين، لا يجب عليه قطعهما، وهو مذهب الحنابلة (٣)، وبه قال طائفة من السلف (٤)، واختاره ابن تيمية (٥)، وابن القيم (٦)، وابن باز (٧)، وابن عثيمين (٨).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن عبدالله بن عباس ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يخطب بعرفات: ((من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل)) (٩).
٢ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل)) (١٠).
وجه الدلالة من الحديثين:
أنه أطلق لبس الخفين، ولم يقيِّده بقطعهما.
المطلب الثاني: لبس المحرم للخاتم
يجوز للمحرم لبس الخاتم بلا خلاف بين أهل العلم (١١).
المطلب الثالث: لبس المحرم للساعة أو النظارة أو سماعة الأذن أو تركيبة الأسنان
يجوز للمحرم لبس الساعة، أو النظارة، أو سماعة الأذن، أو تركيبة الأسنان (١٢)؛ وذلك لأنها كلها ليست في معنى ما نهى النبي ﷺ المحرم عن لبسه من أنواع الألبسة (١٣).
المطلب الرابع: لبس الهِمْيان (وعاء النفقة).
стр. 649
يجوز للمحرم لبس الهِمْيان (١)، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦)، وبه قال أكثر العلماء (٧).
الأدلة:
أولاً: أنه ورد عن طائفة من الصحابة، كعائشة، وابن عباس، وابن عمر ﵃، حتى حُكي في ذلك إجماعهم (٨).
ثانياً: أن الهميان ليس في معنى ما جاء النهي عنه من الألبسة للمحرم في النصوص، فيبقى على أصل الإباحة.
ثالثاً: أن شد الهميان في الوسط هو ضرورة حفظ النفقة، ومما تدعو الحاجة إليه؛ فجاز كعقد الإزار (٩).
مسألة: عقد الرداء
يجوز عقد الرداء عند الحاجة، وهو قول طائفةٍ من الشافعية (١٠)، واختاره الجويني والغزالي (١١) وابن حزم (١٢) وابن تيمية (١٣)، وابن عثيمين (١٤).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
سُئِلَ النبي ﷺ عما يلبس المحرم فقال: ((لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف)) (١٥).
وجه الدلالة:
стр. 650
أن إجابته ﷺ بما لا يلبس عن السؤال عما يلبس، دليلٌ على أن كل ما عدا هذه المذكورات مما يلبسه المحرم (١).
ثانياً: أنه لم يرد في ذلك منعٌ عن النبي ﷺ ، وليس هو في معنى المنصوص على منعه.
ثالثاً: أنَّ الرداء وإن عُقِد، لا يخرج عن كونه رداء (٢).
مسألة: عقد الإزار للمحرم
يجوز عقد الإزار للمحرم إذا لم يثبت ويستمسك إلا بذلك، وهو مذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤)، واختاره ابن حزم (٥)، وابن تيمية (٦)، وابن باز (٧)، وابن عثيمين (٨).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
سُئِلَ النبي ﷺ عما يلبس المحرم فقال: ((لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف)) (٩).
وجه الدلالة:
أن إجابته ﷺ بما لا يلبس عن السؤال عما يلبس، دليلٌ على أن كل ما عدا هذه المذكورات مما يلبسه المحرم (١٠).
ثانياً: أنه لم يرد في ذلك منعٌ عن النبي ﷺ ، وليس هو في معنى المنصوص على منعه.
ثالثاً: من آثار الصحابة:
قال طاوس: رأيت ابن عمر يطوف بالبيت، وعليه عمامة قد شدَّها على وسطه، فأدخلها هكذا.
رابعاً: أنَّ فيه مصلحة له، وهو أن يثبت عليه (١١).
خامساً: أنه يُحتاج إليه لستر العورة فيباح، كاللباس للمرأة (١٢).
فرع: حكم تشبيك الرداء بمشبك
يجوز للمحرم تشبيك ردائه بمشبك ونحوه؛ لأنه لا يعد لبساً (١٣)
المطلب الخامس: ستر المحرمة وجهها
الفرع الأول: ستر المحرمة وجهها بالنقاب
أولا: تعريف النقاب
النقاب هو: لباس الوجه؛ وهو أن تستر المرأة وجهها، وتفتح لعينيها بقدر ما تنظر منه (١٤).
ثانيا حكم النقاب للمحرمة:
стр. 651
النقاب من محظورات الإحرام على المرأة، وهو مذهب الجمهور من المالكية (١) والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وبه قال طائفة من السلف (٤).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: ((ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين)) (٥).
ثانياً: أنه قولٌ ثابتٌ عن طائفةٍ من الصحابة ﵃، ولا مخالف لهم (٦).
الفرع الثاني: ستر المحرمة وجهها بغير النقاب
اختلف أهل العلم في تغطية المحرمة وجهها بغير النقاب على قولين:
القول الأول: لا يجوز تغطية المحرمة وجهها إلا لحاجة، كمرور الأجانب، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، وهو قول طائفة من السلف (١١)، واختاره ابن دقيق العيد (١٢)، والشنقيطي (١٣).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١. عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: ((ولا تتنقب المحرمة)) (١٤).
٢. عن ابن عباس ﵄ قال: ((كان الفضل رديف النبي ﷺ ، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع)) (١٥).
وفيه دليل على أن إحرام المرأة في وجهها (١٦).
ثانيا: الإجماع:
стр. 652
نقل الإجماع على أنه يحرم على المرأة أن تغطي وجهها إلا لحاجة، ابن عبدالبر (١)، وابن قدامة (٢)، وابن رشد (٣).
ثالثاً: عن ابن عمر ﵄ قال: ((إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه)) (٤).
رابعاً: القياس: فالوجه من المرأة يجب كشفه، كالرأس من الرَّجُل (٥).
стр. 653
القول الثاني: يجوز للمحرمة تغطية وجهها، وهو قولٌ في مذهب الحنابلة (١)، واختاره ابن حزم (٢)، وابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، والصنعاني (٥)، والشوكاني (٦)،وابن باز (٧)، وابن عثيمين (٨).
الأدلة:
أولاً: أقوال الصحابة ﵃
١ - عن معاذة عن عائشة ﵂ قالت: ((المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت)) (٩).
قال ابن القيم: نساؤه ﷺ أعلم الأمة بهذه المسألة (١٠).
стр. 654
٢ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: ((كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمشط قبل ذلك في الإحرام)) (١).
٣ - عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: ((كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق)) (٢).
ثانياً: أنه لم يَرِد عن النبي ﷺ أنه حرَّم على المحرمة تغطية وجهها، وإنما هذا قول بعض السلف (٣).
ثالثاً: القياس:
فكما يجوز تغطية الكف من غير لبس القفازين، فيجوز كذلك تغطية الوجه من غير لبس النقاب، وقد قرن النبي ﷺ بينهما، وهما كبدن الرجل، يجوز تغطيته، ولا يجوز لبس شيء مفصلٍ عليه.
رابعاً: أن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها، فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة (٤).
خامساً: أن النهي إنما جاء عن النقاب فقط، والنقاب أخص من تغطية الوجه، والنهي عن الأخص لا يقتضي النهي عن الأعم؛ وإنما جاء النهي عن النقاب لأنه لبس مفصلٌ على العضو، صنع لستر الوجه، كالقفاز المصنوع لستر اليد، والقميص المصنوع لستر البدن، وقد اتفق الأئمة على أن للمحرم أن يستر يديه ورجليه مع أنه نهي عن لبس القميص والخف (٥).
الفرع الثالث: هل يشترط في تغطية المحرمة وجهها ألا يمس الوجه؟
стр. 655
لا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه لا بعود ولا بيد ولا غير ذلك، فيجوز أن تستر وجهها للحاجة كالستر عن أعين الناس، بثوب تسدله من فوق رأسها، وهذا مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢)، واختاره ابن قدامة (٣)، وابن تيمية (٤).
الأدلة:
أولاً: من أقوال الصحابة
١ - عن عائشة ﵂ قالت: ((المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت)) (٥).
٢ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: ((كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمشط قبل ذلك في الإحرام)) (٦).
٣ - عن فاطمة بنت المنذر قالت: ((كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق .. )) (٧).
وجه الدلالة:
أن أزواج النبي ﷺ ، ونساء الصحابة ﵅ كن يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة (٨).
ثانياً: أن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطا لبيَّن، وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما، مما يعد لستر الوجه (٩).
المطلب السادس: لبس القفازين للمحرمة
تمهيد: تعريف القفازين
стр. 656
القفَّازان: شيء يعمل لليدين يغطي الأصابع مع الكف (١).
الفرع الأول: حكم لبس القفازين للمحرمة
يحرم على المحرمة لبس القفَّازين، وهو مذهب الجمهور من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وبه قال طائفة من السلف (٥).
الدليل:
عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين)) (٦).
الفرع الثاني: حكم لبس القفازين للرجل
يحرم على الرجل لبس القفازين
الدليل:
نقل الإجماع على ذلك النووي (٧)، وابن قدامة (٨)، والشنقيطي (٩).
المطلب السابع: الفدية في لبس المخيط
يجب في لبس المحرم المخيط، فدية الأذى: ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١٠)، والمالكية (١١)، والشافعية (١٢)، والحنابلة (١٣).
الدليل: على ذلك:
القياس على الفدية في حلق الرأس، بجامع أنه استمتاع محض، وترفه باستعمال محظور.
المطلب الثامن: متى تجب الفدية بلبس المخيط؟
تجب الفدية بمجرد اللبس ولو لم يستمر زمنا، وهو مذهب الشافعية (١٤)، والحنابلة (١٥)؛ وذلك لأنه استمتاع يحصل بمجرد الفعل، كالوطء في الفرج (١٦).
стр. 657
المبحث الأول: حكم عقد النكاح للمحرم
يحرم عقد النكاح على المحرم، ولا يصح، سواء كان المحرم الولي، أو الزوج، أو الزوجة، ولا فدية فيه، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، وهو قول طوائف من السلف (٥).
الأدلة:
أ- أدلة تحريم النكاح وعدم صحته
أولاً: من السنة:
عن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لايَنكِح المحرِم، ولا يُنكِح، ولا يخطُب)) (٦).
وجه الدلالة:
أنه منهيٌّ عنه لهذا الحديث الصحيح، والنهي يقتضي الفساد (٧).
ثانياً: أقوال الصحابة ﵃:
١ - عن أبي غطفان بن طريف المري ((أن أباه طريفا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب نكاحه)) (٨).
٢ - عن قتيبة بن وهب: ((أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان ليحضر ذلك وهما محرمان، فأنكر ذلك عليه أبان، وقال سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب)) (٩).
وروي ذلك: عن علي وابن عمر ﵃، وليس يعرف لهما من الصحابة مخالف (١٠).
ثالثاً: إجماع أهل المدينة
عن سعيد بن المسيب: ((أن رجلاً تزوج وهو محرم، فأجمع أهل المدينة على أن يفرَّق بينهما)) (١١).
رابعاً: أن الإحرام معنىً يمنع من الوطء ودواعيه، فوجب أن يمنع من النكاح، كالطيب (١٢).
خامساً: أنه عقد يمنع الإحرام من مقصوده وهو الوطء، فمنع أصله، كشراء الصيد (١٣).
ب- أدلة عدم وجوب الفدية فيه
أولاً: عدم الدليل على وجوب الفدية، والأصل براءة الذمة (١٤).
ثانياً: أنه وسيلة لم يترتب عليها الانتفاع بالمقصد المحرم، والذي يجبر إنما هو المقاصد (١٥).
ثالثاً: أنه فَسَدَ لأجل الإحرام، فلم يجب به فدية، كشراء الصيد (١٦).
стр. 658
المبحث الثاني: الخطبة للمحرم
لأهل العلم في خطبة المحرم قولان:
القول الأول: تكره الخطبة للمحرم، والمحرمة، ويكره للمحرم أن يخطب للمحلين، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، واختيار ابن قدامة (٣).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن عثمان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب)) (٤).
ثانياً: أقوال الصحابة:
عن عبدالله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: ((لا ينكح المحرم، ولا يخطب على نفسه ولا على غيره)) (٥).
ثالثاً: أن النكاح لا يجوز للمحرم، فكرهت الخطبة له (٦).
رابعاً: أنه تسبب إلى الحرام، فأشبه الإشارة إلى الصيد (٧).
стр. 659
القول الثاني: أنه تحرم خطبة المحرم وهو مذهب المالكية (١)، واختيار ابن حزم (٢) وابن تيمية (٣) والصنعاني (٤)، والشنقيطي (٥)، وابن باز (٦) وابن عثيمين (٧).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن عثمان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب)) (٨).
فالنبي ﷺ نهى عن الجميع نهيا واحدا ولم يفصل وموجب النهي التحريم وليس لنا ما يعارض ذلك من أثر ولا نظر (٩)
ثانياً: عن عبدالله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: ((لا ينكح المحرم، ولا يخطب على نفسه ولا على غيره)) (١٠).
стр. 660
ثالثاً: أن الخطبة مقدمة النكاح وسبب إليه كما أن العقد سبب للوط، والشرع قد منع من ذلك كله حسما للمادة.
رابعاً: أن الخطبة كلام في النكاح وذكر له وربما طال فيه الكلام وحصل بها أنواع من ذكر النساء والمحرِم ممنوع من ذلك كله.
خامساً: أن الخطبة توجب تعلق القلب بالمخطوبة واستثقال الإحرام والتعجل إلى انقضائه لتحصيل مقصود الخطبة كما يقتضي العقد تعلق القلب بالمنكوحة (١).
مسألة: الشهادة على عقد النكاح
لا تأثير للإحرام على الشهادة على عقد النكاح، وقد نصَّ على ذلك فقهاء الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وإليه ذهب الشنقيطي (٤)، وابن عثيمين (٥).
الدليل:
عن عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب)) (٦)
وجه الدلالة:
أن الشاهد لا يدخل في ذلك، فإن عقد النكاح بالإيجاب والقبول والشاهد لا صنع له في ذلك (٧).
стр. 661
المبحث الأول: الجماع في النسك
المطلب الأول: حكم الجماع للمحرم في النسك
الوطء في الفرج حرامٌ على المحرم، ومفسدٌ لنسكه.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧].
وجه الدلالة:
أن الرَّفَث: هو الجماع عند أكثر العلماء، (١)، ولم يختلف العلماء في قول الله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة: ١٨٧] أنه الجماع، فكذلك هاهنا (٢).
ثانياً: أقوال الصحابة ﵃
١ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال في رجل وقع على امرأته وهو محرم: ((اقضيا نسككما، وارجعا إلى بلدكما، فإذا كان عام قابل فاخرجا حاجين، فإذا أحرمتما فتفرقا، ولا تلتقيا حتى تقضيا نسككما واهديا هدياً)) (٣).
٢ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ((أن رجلا أتى عبدالله بن عمرو، فسأله عن محرم وقع بامرأته، فأشار إلى عبدالله بن عمر، فقال: اذهب إلى ذلك واسأله، قال شعيب: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه، فسأل ابن عمر، فقال: بطل حجك، فقال الرجل: أفأقعد؟ قال: لا، بل تخرج مع الناس، وتصنع ما يصنعون، فإذا أدركت قابلا فحج، وأهد، فرجع إلى عبدالله بن عمرو، فأخبره، ثم قال: اذهب إلى ابن عباس فاسأله، قال شعيب: فذهبت معه، فسأله، فقال له مثل ما قال ابن عمر، فرجع إلى عبدالله بن عمرو، فأخبره، ثم قال: ما تقول أنت؟ قال: أقول مثل ما قالا)) (٤).
وجه الدلالة من هذه الآثار:
أنه قول طائفة من الصحابة ﵃، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم (٥).
ثالثاً: الإجماع:
стр. 662
نقل الإجماع على تحريم الوطء حال الإحرام: ابن عبدالبر (١)، وابن رشد (٢)، والنووي (٣)،ونقل الإجماع على فساد النسك بالوطء: ابن المنذر (٤)، وابن حزم (٥)،والشربيني (٦)، وابن مفلح (٧) والشنقيطي (٨).
المطلب الثاني: متى يَفسد الحج بالجماع؟
لا يخلو الجماع في الحج من ثلاث أحوال:
الحال الأولى: من جامع قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه بالإجماع، نقله ابن المنذر (٩)، وابن حزم (١٠)، وابن عبدالبر (١١)، وابن رشد (١٢)، والزيلعي (١٣)، والشربيني (١٤)، والشنقيطي (١٥).
الحال الثانية: من جامع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول فسد حجه عند جمهور الفقهاء من المالكية في المشهور (١٦)، والشافعية (١٧)، والحنابلة (١٨)، واختاره ابن باز (١٩).
الأدلة:
أولاً: آثار الصحابة
стр. 663
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ((أن رجلا أتى عبدالله بن عمرو، فسأله عن محرم وقع بامرأته، فأشار إلى عبدالله بن عمر، فقال: اذهب إلى ذلك واسأله، قال شعيب: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه، فسأل ابن عمر، فقال: بطل حجك، فقال الرجل: أفأقعد؟ قال: لا، بل تخرج مع الناس، وتصنع ما يصنعون، فإذا أدركت قابلا فحج، وأهد، فرجع إلى عبدالله بن عمرو، فأخبره، ثم قال: اذهب إلى ابن عباس فاسأله، قال شعيب: فذهبت معه، فسأله، فقال له مثل ما قال ابن عمر، فرجع إلى عبدالله بن عمرو، فأخبره، ثم قال: ما تقول أنت؟ قال: أقول مثل ما قالا)) (١).
وجه الدلالة:
أنه قول هؤلاء الصحابة، ولم يفرقوا بين ما قبل الوقوف وبعده، ويدل عليه أنهم لم يستفصلوا السائل (٢).
ثانياً: القياس على فساد النسك بالجماع قبل الوقوف بعرفة، والجامع أن كلا منهما وطءٌ صادف إحراما تاما قبل التحلل (٣).
الحال الثالثة: من جامع بعد التحلل الأول فلا يفسد نسكه باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة (٤): الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، وبه قال طائفة من السلف (٩).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن عروة بن مضرس الطائي قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجُّه وقضى تفثه)) (١٠).
وجه الدلالة:
أنه إذا تم حجه يوم النحر فلا وجه لإبطاله بعد ذلك.
ثانياً: عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً أصاب من أهله قبل أن يطوف بالبيت يوم النحر فقال: ((ينحران جزوراً بينهما، وليس عليهما الحج من قابل)) (١١).
وجه الدلالة:
أنه قول ابن عباس ﵄، ولا يعرف له مخالف من الصحابة (١٢).
ثالثاً: أن إحرامه بعد تحلله الأول غير تام، وإنما عليه بقيةٌ من إحرام، هو حرمة الوطء، وهذا لا يجوز أن يفسِد ما مضى من عبادته (١٣).
стр. 664
رابعاً: أن الحج عبادة لها تحللان، فوجود المفسد بعد تحللها الأول لا يفسدها، كوجود المفسد بعد التسليمة الأولى في الصلاة لا يفسدها (١).
المطلب الثالث: ما يترتب على الجماع في النسك
يترتب على الجماع في الحج خمسة أشياء:
أولاً: الإثم.
ثانياً: فساد النسك.
وهذان الأمران سبق بحثهما.
ثالثاً: وجوب المضي في فاسده، وعلى ذلك أكثر العلماء (٢).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
أنه أمر بإتمام الحج والعمرة، وأطلق، ولم يُفرِّق بين صحيحها وفاسدها (٣).
ثانياً: أفتى بذلك جمع من الصحابة ﵃، ولا يعرف لهم مخالف (٤).
رابعاً: وجوب القضاء
الأدلة:
أولاً: أفتى بذلك جمعٌ من الصحابة ﵃، ولا يعرف لهم مخالف (٥).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على وجوب القضاء ابن المنذر (٦)، والنووي (٧)، والشربيني (٨).
ثالثاً: أن النسك يلزم بالشروع فيه فصار فرضا بخلاف باقي العبادات (٩).
خامساً: الفدية
стр. 665
تجب الفدية على من أفسد النسك بالجماع، وقد اتفق أهل العلم على ذلك (١)، والواجب في ذلك في الحج بدنة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وبه قال طوائف من السلف (٥)، واختاره ابن باز (٦).
الأدلة:
أولاً:
١ - عن عكرمة: ((أن رجلا قال لابن عباس: أصبت أهلي، فقال ابن عباس: أما حجكما هذا فقد بطل فحجا عاما قابلا ثم أهلا من حيث أهللتما، وحيث وقعت عليها ففارقها فلا تراك ولا تراها حتي ترميا الجمرة وأهد ناقة ولتهد ناقة))، وعنه أيضاً: ((إذا جامع فعلى كل واحد منهما بدنة)) (٧).
٢ - وروي عن عمر نحوه (٨).
ثانياً: أنه وطءٌ صادف إحراما تاما، فأوجب البدنة (٩).
ثالثاً: أن ما يفسد الحج، الجناية به أعظم، فكفارته يجب أن تكون أغلظ (١٠).
مسألة:
يفسد نسك المرأة بالجماع مطلقا (١١)، فإن كانت مطاوعة فعليها بدنة كالرجل، فإن كانت مكرهة فإنه لا يجب عليها هدي، وهذا مذهب المالكية (١٢)، والحنابلة (١٣)، وبه قال طائفة من السلف (١٤).
أدلة وجوب البدنة على المرأة إذا كانت مطاوعة
أولاً: الآثار عن الصحابة ﵃:
١ - عن عكرمة مولى ابن عباس: ((أن رجلا وامرأته من قريش لقيا ابن عباس بطريق المدينة, فقال: أصبت أهلي, فقال ابن عباس: أما حجكما هذا فقد بطل فحجا عاما قابلا, ثم أهلا من حيث أهللتما حتى إذا بلغتما حيث وقعت عليها ففارقها فلا تراك ولا تراها حتى ترميا الجمرة وأهد ناقة, ولتهد ناقة)) (١٥).
стр. 666
٢ - عن يزيد بن يزيد بن جابر قال: سألت مجاهدا، عن المحرم يواقع امرأته، فقال: كان ذلك على عهد عمر بن الخطاب، فقال: ((يقضيان حجهما والله أعلم بحجهما، ثم يرجعان حلالا كل واحد منهما لصاحبه، فإذا كان من قابل حجا وأهديا وتفرقا من المكان الذي أصابهما)) (١)
وجه الدلالة:
أنه أمر الرجل والمرأة أن يهديا جميعا، فقال: ((وأهديا)).
ثانياً: أنها أحد المتجامعين من غير إكراه، فلزمتها بدنة كالرجل (٢).
ثالثاً: أن الأصل استواء الرجال والنساء في الأحكام إلا بدليل (٣).
ب- أدلة سقوط الهدي عنها إذا كانت مكرهة
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ [النحل: ١٠٦].
وجه الدلالة:
أن الكفر إذا كان يسقط موجبه بالإكراه، فما دونه من باب أولى.
ثانياً: من السنة:
عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول ﷺ : ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٤).
ثالثاً: أنه جماعٌ يوجب الكفارة، فلم تجب به حال الإكراه أكثر من كفارة واحدة، كما في الصيام (٥).
стр. 667
المبحث الثاني: مقدمات الجماع
المطلب الأول: حكم مباشرة النساء في النسك
تحرم مباشرة النساء في النسك (١)، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وحُكي فيه الإجماع (٦).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧].
والرفث فسره غير واحد من السلف وبعض أهل العلم بالجماع ومقدماته (٧)
ثانياً: أنه إذا حَرُم عليه عقد النكاح فلأن تحرم المباشرة وهي أدعى إلى الوطء أولى (٨).
المطلب الثاني: هل يفسد النسك بالمباشرة؟
مباشرة النساء من غير وطء لا تفسد النسك، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢).
وذلك للآتي:
أولا: أن فساد النسك تعلق بالجماع، ودواعي الجماع ليست مثل الجماع، فلا تلحق به (١٣).
ثانيا: أنه استمتاع محض فلم يفسد الحج، كالطيب (١٤).
المطلب الثالث: فدية من باشر فلم ينزل
من باشر ولم ينزل فعليه دم أو بدله من الإطعام أو الصيام، وهذا مذهب الشافعية (١٥)، والحنابلة (١٦)، وقال به طائفة من السلف (١٧) وهو اختيار ابن عثيمين (١٨).
الأدلة:
أولاً: من الآثار:
стр. 668
١ - عن علي رضى الله عنه أنه قال: ((من قبل امرأة وهو محرم فليهرق دما)) (١).
٢ - عن عبدالرحمن بن الحارث: ((أن عمر بن عبيد الله قَبَّل عائشة بنت طلحة محرما، فسأل، فأجمع له على أن يهريق دما)) (٢).
وجه الدلالة:
أن الظاهر أنه لم يكن أنزل؛ لأنه لم يُذكر (٣).
ثانيا: أنه استمتاع محض، عري عن الإنزال، فوجبت فيه الفدية، كالطيب (٤).
ثالثا: أنه فعل محرم في الإحرام، فوجبت فيه الكفارة، كالجماع (٥).
المطلب الرابع: حكم من باشر فأنزل
مَنْ باشر فأنزل لم يفسد نسكه، وحُكيِ الإجماع على عدم الفساد (٦)، وعليه فدية الأذى: دم أو بدله من الإطعام أو الصيام، وهو مذهب الحنفية (٧)، والشافعية (٨)، ورواية عن أحمد (٩)، وقال به طائفة من السلف (١٠)، واختاره ابن عثيمين (١١).
الأدلة:
أولاً: أدلة عدم فساد النسك
١ - أنه إنزال بغير وطء فلم يفسد به الحج، كالنظر.
٢ - أنه لا نص على فساد النسك به، ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ لأن الوطء في الفرج يجب بنوعه الحد، واللذة فيه فوق اللذة بالمباشرة، ولا يفترق فيه الحال بين الإنزال وعدمه، ويتعلق به اثنا عشر حكما (١٢).
أدلة وجوب فدية الأذى (الدم أو الإطعام أو الصيام) على من باشر فأنزل
أولاً: الآثار:
١ - عن علي رضى الله عنه أنه قال: ((من قبل امرأة وهو محرم فليهرق دما)) (١٣).
٢ - عن عبدالرحمن بن الحارث: ((أن عمر بن عبيد الله قَبَّل عائشة بنت طلحة محرما، فسأل، فأجمع له على أن يهريق دما)) (١٤).
وجه الدلالة:
أن الفدية إذا وجبت على من باشر ولم ينزل، فأولى أن تجب على من باشر فأنزل.
ثانياً: أنه استمتاع لا يفسد النسك، فكانت كفارته فدية الأذى، كالطيب (١٥).
ثالثاً: أنه فعل محرم في الإحرام، فوجبت فيه الكفارة، كالجماع (١٦).
стр. 669
المبحث الأول: تدارك الواجبات متى ما أمكن
ترك الواجبات لا يسقط بالنسيان والجهل والإكراه متى أمكن تداركه (١).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن أنس بن مالك قال: قال نبي الله ﷺ : ((من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها)) (٢).
وجه الدلالة:
أنه لم يسقط عنه الصلاة مع النسيان مع خروج وقتها؛ لأنه يمكن تداركه بالقضاء.
٢ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال للرجل المسيء صلاته: ((ارجع فصل، فإنك لم تصل)) (٣).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ لم يسقط الصلاة الحاضرة بالجهل، وإنما أمره بالإعادة مع أنه جاهل.
ثانياً: أنه ترك مأمورا، والمأمورات أمور إيجابية، يمكن تداركها بفعلها، بخلاف المنهيات فإنها مضت، ولا يمكن تداركها، لكن إذا كان في أثناء المنهي فيجب التدارك بقطعه (٤).
ثالثاً: أن تارك المأمور جاهلا أو ناسيا غير مؤاخذ بالترك، لكن عدم فعله إياه يقتضي إلزامه به متى زال العذر إبراء لذمته (٥).
стр. 670
المبحث الثاني: فدية ترك الواجب
يجب بترك الواجب دم، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
أن الدم وجب على المتمتع لتركه واجب الإحرام للحج من الميقات، وفي حكمه كل من ترك واجبا.
ثانياً: من السنة:
عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((من نسي شيئا من نسكه، أو تركه فليهرق دما)) (٥).
وجه الدلالة:
أن مثله لا يقال بالرأي فله حكم الرفع، ولا مخالف له من الصحابة ﵃، وعليه انعقدت فتاوى التابعين، وعامة الأمة (٦).
الفصل السادس: ما يحرم على المحرم، وما يباح له
المبحث الأول: التجارة والصناعة للمحرم
للمحرم أن يتجر ويصنع في الحج (٧).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
١ - قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ [البقرة: ١٩٨] (٨).
وجه الدلالة:
أنها نزلت في التجارة في الحج، فعن ابن عباس ﵄، قال: (كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ [البقرة: ١٩٨]. في مواسم الحج) (٩).
١ - قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِر ... لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج: ٢٧ - ٢٨].
وجه الدلالة: