٢ - عن يزيد بن يزيد بن جابر قال: سألت مجاهدا، عن المحرم يواقع امرأته، فقال: كان ذلك على عهد عمر بن الخطاب، فقال: ((يقضيان حجهما والله أعلم بحجهما، ثم يرجعان حلالا كل واحد منهما لصاحبه، فإذا كان من قابل حجا وأهديا وتفرقا من المكان الذي أصابهما)) (١)
وجه الدلالة:
أنه أمر الرجل والمرأة أن يهديا جميعا، فقال: ((وأهديا)).
ثانياً: أنها أحد المتجامعين من غير إكراه، فلزمتها بدنة كالرجل (٢).
ثالثاً: أن الأصل استواء الرجال والنساء في الأحكام إلا بدليل (٣).
ب- أدلة سقوط الهدي عنها إذا كانت مكرهة
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ [النحل: ١٠٦].
وجه الدلالة:
أن الكفر إذا كان يسقط موجبه بالإكراه، فما دونه من باب أولى.
ثانياً: من السنة:
عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول ﷺ : ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٤).
ثالثاً: أنه جماعٌ يوجب الكفارة، فلم تجب به حال الإكراه أكثر من كفارة واحدة، كما في الصيام (٥).
стр. 667
المبحث الثاني: مقدمات الجماع
المطلب الأول: حكم مباشرة النساء في النسك
تحرم مباشرة النساء في النسك (١)، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وحُكي فيه الإجماع (٦).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧].
والرفث فسره غير واحد من السلف وبعض أهل العلم بالجماع ومقدماته (٧)
ثانياً: أنه إذا حَرُم عليه عقد النكاح فلأن تحرم المباشرة وهي أدعى إلى الوطء أولى (٨).
المطلب الثاني: هل يفسد النسك بالمباشرة؟
مباشرة النساء من غير وطء لا تفسد النسك، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢).
وذلك للآتي:
أولا: أن فساد النسك تعلق بالجماع، ودواعي الجماع ليست مثل الجماع، فلا تلحق به (١٣).
ثانيا: أنه استمتاع محض فلم يفسد الحج، كالطيب (١٤).
المطلب الثالث: فدية من باشر فلم ينزل
من باشر ولم ينزل فعليه دم أو بدله من الإطعام أو الصيام، وهذا مذهب الشافعية (١٥)، والحنابلة (١٦)، وقال به طائفة من السلف (١٧) وهو اختيار ابن عثيمين (١٨).
الأدلة:
أولاً: من الآثار:
стр. 668
١ - عن علي رضى الله عنه أنه قال: ((من قبل امرأة وهو محرم فليهرق دما)) (١).
٢ - عن عبدالرحمن بن الحارث: ((أن عمر بن عبيد الله قَبَّل عائشة بنت طلحة محرما، فسأل، فأجمع له على أن يهريق دما)) (٢).
وجه الدلالة:
أن الظاهر أنه لم يكن أنزل؛ لأنه لم يُذكر (٣).
ثانيا: أنه استمتاع محض، عري عن الإنزال، فوجبت فيه الفدية، كالطيب (٤).
ثالثا: أنه فعل محرم في الإحرام، فوجبت فيه الكفارة، كالجماع (٥).
المطلب الرابع: حكم من باشر فأنزل
مَنْ باشر فأنزل لم يفسد نسكه، وحُكيِ الإجماع على عدم الفساد (٦)، وعليه فدية الأذى: دم أو بدله من الإطعام أو الصيام، وهو مذهب الحنفية (٧)، والشافعية (٨)، ورواية عن أحمد (٩)، وقال به طائفة من السلف (١٠)، واختاره ابن عثيمين (١١).
الأدلة:
أولاً: أدلة عدم فساد النسك
١ - أنه إنزال بغير وطء فلم يفسد به الحج، كالنظر.
٢ - أنه لا نص على فساد النسك به، ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ لأن الوطء في الفرج يجب بنوعه الحد، واللذة فيه فوق اللذة بالمباشرة، ولا يفترق فيه الحال بين الإنزال وعدمه، ويتعلق به اثنا عشر حكما (١٢).
أدلة وجوب فدية الأذى (الدم أو الإطعام أو الصيام) على من باشر فأنزل
أولاً: الآثار:
١ - عن علي رضى الله عنه أنه قال: ((من قبل امرأة وهو محرم فليهرق دما)) (١٣).
٢ - عن عبدالرحمن بن الحارث: ((أن عمر بن عبيد الله قَبَّل عائشة بنت طلحة محرما، فسأل، فأجمع له على أن يهريق دما)) (١٤).
وجه الدلالة:
أن الفدية إذا وجبت على من باشر ولم ينزل، فأولى أن تجب على من باشر فأنزل.
ثانياً: أنه استمتاع لا يفسد النسك، فكانت كفارته فدية الأذى، كالطيب (١٥).
ثالثاً: أنه فعل محرم في الإحرام، فوجبت فيه الكفارة، كالجماع (١٦).
стр. 669
المبحث الأول: تدارك الواجبات متى ما أمكن
ترك الواجبات لا يسقط بالنسيان والجهل والإكراه متى أمكن تداركه (١).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن أنس بن مالك قال: قال نبي الله ﷺ : ((من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها)) (٢).
وجه الدلالة:
أنه لم يسقط عنه الصلاة مع النسيان مع خروج وقتها؛ لأنه يمكن تداركه بالقضاء.
٢ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال للرجل المسيء صلاته: ((ارجع فصل، فإنك لم تصل)) (٣).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ لم يسقط الصلاة الحاضرة بالجهل، وإنما أمره بالإعادة مع أنه جاهل.
ثانياً: أنه ترك مأمورا، والمأمورات أمور إيجابية، يمكن تداركها بفعلها، بخلاف المنهيات فإنها مضت، ولا يمكن تداركها، لكن إذا كان في أثناء المنهي فيجب التدارك بقطعه (٤).
ثالثاً: أن تارك المأمور جاهلا أو ناسيا غير مؤاخذ بالترك، لكن عدم فعله إياه يقتضي إلزامه به متى زال العذر إبراء لذمته (٥).
стр. 670
المبحث الثاني: فدية ترك الواجب
يجب بترك الواجب دم، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
أن الدم وجب على المتمتع لتركه واجب الإحرام للحج من الميقات، وفي حكمه كل من ترك واجبا.
ثانياً: من السنة:
عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((من نسي شيئا من نسكه، أو تركه فليهرق دما)) (٥).
وجه الدلالة:
أن مثله لا يقال بالرأي فله حكم الرفع، ولا مخالف له من الصحابة ﵃، وعليه انعقدت فتاوى التابعين، وعامة الأمة (٦).
الفصل السادس: ما يحرم على المحرم، وما يباح له
المبحث الأول: التجارة والصناعة للمحرم
للمحرم أن يتجر ويصنع في الحج (٧).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
١ - قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ [البقرة: ١٩٨] (٨).
وجه الدلالة:
أنها نزلت في التجارة في الحج، فعن ابن عباس ﵄، قال: (كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ [البقرة: ١٩٨]. في مواسم الحج) (٩).
١ - قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِر ... لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج: ٢٧ - ٢٨].
وجه الدلالة:
стр. 671
أنه لم يخصص شيئاً من المنافع دون غيرها فهو عام في جميعها من منافع الدنيا والآخرة (١).
٢ - قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥].
وجه الدلالة:
أنه لم يخصص منه حال الحج، فيبقى البيع على أصل الإباحة (٢).
ثانياً: عن أبى أمامة التيمي قال: ((كنت رجلا أكري في هذا الوجه وإن ناسا يقولون ليس لك حج، فقال ابن عمر: أليس يحرم ويلبي ويطوف بالبيت ويفضى من عرفات ويرمي الجمار؟ قلت: بلى، قال: فإن لك حجا، جاء رجل الي النبي ﷺ فسأله عما سألتني عنه فسكت رسول الله ﷺ فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ [البقرة: ١٩٨]، فأرسل إليه رسول الله ﷺ ، وقرأ عليه هذه الآية، وقال: لك حج)) (٣).
ثالثاً: الإجماع:
نقل الإجماع على جواز ذلك ابن قدامة (٤)، والنووي (٥)، والشنقيطي (٦)، والجصاص، ووصف القول بسواه بالشذوذ (٧).
مسألة:
استحب أهل العلم أن تكون يده فارغة من التجارة ليكون قلبه مشغولا بما هو بصدده، متعريا عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بها، إلا أن ذلك لا يقدح في صحة حجه ولا يأثم به، ولا يخرج المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، ونقل النووي الإجماع على ذلك (٨).
المبحث الثاني: ما يجب على المحرم توقيه
يجب على المحرم أن يتوقى ما يلي:
أولاً: الفحش من القول والفعل (٩)، وذلك منهي عنه في الإحرام وغير الإحرام إلا أن الحظر في الإحرام أشد لحرمة العبادة.
ثانياً: الفسوق: وهو جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام (١٠).
ثالثاً: الجدال في الحج: وهو المخاصمة في الباطل، لاسيما مع الرفقاء والخدم، أو الجدل فيما لا فائدة فيه؛ لأن ذلك يثير الشر ويوقع العداوة ويشغل عن ذكر الله، أما الجدال بالتي هي أحسن لإظهار الحق ورد الباطل فلا بأس به (١١)
стр. 672
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
١ - قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧].
وجه الدلالة:
أن هذا نهي بصيغة النفي، وهو آكد ما يكون من النهي، كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (١).
٢ - قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥] (٢).
ثانياً: من السنة:
١ - عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه)) (٣)
٢ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) (٤).
وجه الدلالة:
أن من جملة ما فُسِّر به الحج المبرور: أنه الحج الذي لم يخالطه شيء من المأثم (٥).
стр. 673
الفصل الأول تعريف الطواف ومشروعيته وفضائله
المبحث الأول: تعريف الطواف
الطواف لغةً: دوران الشيء على الشيء (١).
الطواف اصطلاحاً:
هو التعبد لله ، بالدوران حول الكعبة على صفةٍ مخصوصة (٢).
المبحث الثاني: مشروعية الطواف
الطواف بالبيت عبادة مشروعة
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
١ - قوله تعالى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة: ١٢٥].
٢ - قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: ٢٦].
وجه الدلالة:
أن هاتين الآيتين تدلان على مشروعية الطواف بالبيت, وأنه من العبادات التي يتعبدالله بها منذ القدم.
٣ - قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩].
وجه الدلالة:
في هذه الآية أمر واضح وصريح من الله لعباده القاصدين بيته أن يطوفوا بالبيت الحرام, وفي هذا دليلٌ على مشروعية الطواف.
ثانياً: من السنة:
١ - حديث جابر الطويل في صفة حج رسول الله ﷺ قال: ((حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ... )) الحديث. أخرجه مسلم (٣).
٢ - عن ابن عمر ﵄: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة ثم سجد سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة)) أخرجه البخاري ومسلم (٤).
٣ - عن عائشة ﵂ قالت: ((أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ أنه توضأ، ثم طاف)) أخرجه البخاري ومسلم (٥).
المبحث الثالث: فضائل الطواف
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه، كان كعتق رقبة، لا يضع قدما، ولا يرفع أخرى، إلا حط الله عنه بها خطيئة، وكَتَبَ له بها حسنة)) (٦).
المبحث الرابع: من حكم مشروعية الطواف
الطواف كغيره من العبادات تنضوي تحته حكمة عامة عظيمة هي طاعة الله ﵎ فيما أمر به في كتابه أو أمر به على لسان رسوله ﷺ , إلا أن للطواف حكمة خاصة ذكرها رسول الله ﷺ في الحديث الذي روته عائشة ﵂ حيث قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)) (٧) , فعلم من هذا الحديث أن الحكمة التي من أجلها شرع الطواف هي ذكر الله ﵎, والتقرب إليه بهذه العبادة العظيمة.
стр. 674
الفصل الثاني: أنواع الطواف
المبحث الأول: طواف القدوم
المطلب الأول: أسماء طواف القدوم
يسمَّى طواف القادم، وطواف الورود، وطواف الوارد، وطواف التحية، وطواف اللقاء (١).
المطلب الثاني: حكم طواف القدوم
طواف القدوم سنة للقارن والمفرد القادمين من خارج مكة (٢)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩].
وجه الدلالة:
أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وقد تعين أن المقصود بهذا الطواف طواف الإفاضة بالإجماع، فلا يكون غيره كذلك. (٦)
ثانياً: من السنة:
١ - عن محمد بن عبدالرحمن بن نوفل القرشي، أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي ﷺ ، فأخبرتني عائشة ﵂: ((أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة)). ثم حج أبو بكر ﵁ فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة ثم عمر ﵁ مثل ذلك ثم حج عثمان ﵁، فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم معاوية، وعبدالله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها عمرة، وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى، ما كانوا يبدءون بشيء حتى يضعوا أقدامهم من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان، لا تبتدئان بشيء أول من البيت، تطوفان به، ثم إنهما لا تحلان)) (٧).
٢ - حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ وفيه: ((حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً)) (٨).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ كان قارنا، وكان طوافه أول ما قدم للقدوم.
ثالثاً: أن الله سبحانه لم يأمر بذلك الطواف ولا رسوله، ولا اتفق الجميع على وجوبه، وإنما اتفقوا على أنه من شعائر الحج ونسكه، وهذا اليقين، فلا يخرج عنه إلا ببرهان (٩).
رابعاً: سقوط هذا الطواف عن الحائض، وعن المراهق الذي لم يدرك إلا الوقوف بعرفة، فلو كان واجبا لوجب قضاؤه وتداركه، أو جبره بدم.
خامساً: القياس على تحية المسجد، فإنها ليست واجبة، ولاعلى من تركها شيء، فكذلك طواف القدوم فإنه تحية البيت (١٠).
المطلب الثالث: وقت طواف القدوم
стр. 675
يبدأ وقت طواف القدوم حين دخول مكة، وينتهي بالوقوف بعرفة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهو قول للحنابلة (٤)، واختاره ابن قدامة (٥)، وابن تيمية (٦)، وصححه ابن رجب (٧).
الأدلة:
أدلة أن طواف القدوم يكون عند أول القدوم إلى مكة
أولاً: من السنة:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: ((إن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ مكة أنه توضأ ثم طاف)) (٨).
٢ - عن جابر ﵄، في صفة حجة النبي ﷺ : ((حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا)) (٩).
ثانياً: أنه تحية البيت العتيق، والتحية إنما تكون في أول شيء.
أدلة أن وقت طواف القدوم ينتهي بالوقوف بعرفة
أولاً: من السنة:
عن عائشة رضي الله قالت: ((فطاف الذين أهلوا بالعمرة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر، بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا)) (١٠).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ وأصحابه إنما طافوا بعد يوم عرفة طواف الإفاضة، ومنهم من كان متمتعا لم يطف إلا طواف عمرته، ومنهم من لم يدرك الحج إلا يوم عرفة، فعلم أن طواف القدوم إنما يشرع لمن أتى البيت قبل الوقوف بعرفة (١١).
ثانياً: أن المحرم بعد الوقوف بعرفة مطالب بطواف الفرض، وهو طواف الزيارة.
ثالثاً: أن طواف الإفاضة يغني عن طواف القدوم لمن لم يقدم البيت إلا بعد يوم عرفة، كالصلاة الفرض تغني عن تحية المسجد (١٢).
رابعاً: أن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب، لشرع في حق المعتمر طواف للقدوم مع طواف العمرة؛ لأنه أول قدومه إلى البيت، فهو به أولى من المتمتع، الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به (١٣).
خامساً: أن طواف القدوم شُرِعَ في ابتداء الحج على وجه يترتب عليه سائر الأفعال فلا يكون الإتيان به على غير ذلك الوجه سنة (١٤).
المطلب الرابع: متى يسقط طواف القدوم؟
يسقط طواف القدوم عن أربعة أصناف:
أ – الحائض: وفي حكمها النفساء، وذلك إذا استمر دمهما إلى يوم عرفة (١٥).
دليل ذلك:
стр. 676
عن عائشة ﵂، قالت: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سرف فطمثت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: والله، لوددت أني لم أكن خرجت العام، قال: ما لك؟ لعلك نفست؟ قلت: نعم، قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري .. قالت: فلما كان يوم النحر طهرت، فأمرني رسول الله ﷺ فأفضت)) (١).
وجه الدلالة:
أن عائشة ﵂ لم تطف للقدوم، وذلك أنها حاضت قبل القدوم إلى مكة، فأمرها النبي ﷺ أن تفعل ما يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت، فلم تطهر إلا يوم النحر، فطافت للإفاضة.
ب- المكي: وفي حُكمهالآفاقي إذا أحرم من مكة (٢).
دليل ذلك:
أن طواف القدوم شرع للقدوم، والقدوم في حق المكي غير موجود.
ج - المعتمر والمتمتع
دليل ذلك:
أن طواف القدوم يندرج في طواف العمرة، كالصلاة الفرض تغني عن تحية المسجد.
د - من قصد عرفة رأسا للوقوف يسقط عنه طواف القدوم (٣)
دليل ذلك:
أن محل طواف القدوم المسنون قبل وقوف عرفة، وقد فات.
стр. 677
المبحث الأول: صفة الطواف
صفة الطواف بالبيت هي أن يبتدئ طوافه من الركن الذي فيه الحجر الأسود، فيستقبله، ويستلمه، ويقبله إن لم يؤذ الناس بالمزاحمة، فيحاذي بجميع بدنه جميع الحجر، ثم يبتدئ طوافه جاعلا يساره إلى جهة البيت، ثم يمشي طائفا بالبيت، ثم يمر وراء الحِجْر، ويدور بالبيت، فيمر على الركن اليماني، ثم ينتهي إلى ركن الحجر الأسود، وهو المحل الذي بدأ منه طوافه، فتتم له بهذا طوافة واحدة، ثم يفعل كذلك، حتى يتمم سبعا (١).
стр. 678
المبحث الثاني: شروط الطواف
المطلب الأول: النية
يشترط نية أصل الطواف، وهذا مذهب جمهور الفقهاء (١): الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١. عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما الأعمال بالنيات)) (٥).
٢. عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل لكم فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير)) (٦).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ سمى الطواف صلاة، والصلاة لا تصح إلا بالنية اتفاقا (٧).
ثانياً: الطواف عبادة مقصودة؛ ولهذا يتنفل به، فلا بد من اشتراط النية فيه (٨).
مسألة: هل يشترط تعيين نية الطواف إذا كان في نسك من حج أو عمرة؟
стр. 679
لا يشترط تعيين نوع الطواف إذا كان في نسك من حج أو عمرة, فلو طاف ناسيا أو ساهياً عن نوع الطواف أجزأه عن الطواف المشروع في وقته، ما دام أنه قد نوى النسك الذي هو فيه: العمرة أو الحج، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١) , والمالكية (٢)، والشافعية في الأصح (٣) , واختاره الشنقيطي (٤) ,وابن عثيمين (٥).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابه في حجة الوداع بعدما دخلوا معه وطافوا وسعوا أن يفسخوا حجهم ويجعلوه عمرة، وكان منهم القارن والمفرد، وإنما كان طوافهم عند قدومهم طواف القدوم، وليس بفرض، وقد أمرهم أن يجعلوه طواف عمرة، وهو فرض (٦).
٢ - أن النبي ﷺ لم يكن يعلن لأصحابه، أو يأمرهم بإعلام الطائفين بأن هذا طواف للقدوم، وذلك طواف للإفاضة، بل كان يؤدي المناسك ويقول: ((لتأخذوا مناسككم)) (٧)، ولا شك أن كثيرا ممن حج معه ﷺ لم يكن مستحضرا أن الطواف بعد الوقوف بعرفة، هو طواف الزيارة، وهو الطواف الركن، وإنما كانوا يتابعون النبي ﷺ في مناسكه (٨).
ثانياً: أنَّ نية النسك تشمل أعمال المناسك كلها بما فيها الطواف بأنواعه، فلا يحتاج إلى نية، كما أن الصلاة تشمل جميع أفعالها، ولا يحتاج إلى النية في ركوع ولا غيره (٩).
ثالثاً: أن أركان الحج والعمرة لا تحتاج إلى تعيين النية، كالوقوف بعرفة، والإحرام، والسعي، والطواف ركن في النسك بالإجماع، فلا يفتقر إلى تعيين النية (١٠).
стр. 680
رابعاً: أن نية الطواف في وقته يقع بها عن المشروع في ذلك الوقت دون الحاجة إلى تعيين النية، فإن خصوص ذلك الوقت إنما يستحق خصوص ذلك الطواف بسبب أنه في إحرام عبادة اقتضت وقوعه في ذلك الوقت فلا يشرع غيره (١).
خامساً: أن القول باشتراط تعيين النية فيه حرج كبير؛ إذ إن أكثر الحجاج على جهل كبير بمناسك الحج ومعرفة الواجب فيه (٢).
المطلب الثاني: ستر العورة
ستر العورة شرطٌ لا يصح الطواف بدونه، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وحكي الإجماع على وجوبه (٦).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١].
وجه الدلالة
أن سبب نزول الآية أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، وكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فنزلت هذه الآية، وقد ثبت هذا التفسير عن ابن عباس ﵄، وعلى ذلك جماهير علماء التفسير، وصورة سبب النزول قطعية الدخول عند أكثر الأصوليين (٧).
ثانياً: من السنة:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: ((بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمَّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع في رهط، يؤذنون في الناس يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان)) أخرجه البخاري ومسلم (٨).
وجه الدلالة:
أن الحديث يدل على أن علة المنع من الطواف كونه عريانا، وهو دليل على اشتراط ستر العورة للطواف (٩).
٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الطواف بالبيت صلاة)) (١٠)
وجه الدلالة
أن قوله: ((الطواف صلاة)) يدل على أنه يشترط في الطواف ما يشترط في الصلاة، إلا ما أخرجه دليل خاص كالمشي فيه، والانحراف عن القبلة، والكلام، ونحو ذلك، ولماكان من شروط الصلاة المجمع عليها عند أهل العلم ستر العورة كان شرطاً أيضاً لصحة الطواف (١١).
المطلب الثالث: الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر في الطواف
الفرع الأول: طواف الحائض لغير عذر
يحرم طواف الحائض لغير عذر.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
стр. 681
١ - عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال لها حين حاضت وهي محرمة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري))، وفي رواية: ((حتى تغتسلي)) (١).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ نهى عائشة ﵂ أن تطوف بالبيت وهي حائض، والنهي في العبادات يقتضي الفساد وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته (٢).
٢ - عن عائشة ﵂: ((أن صفية حاضت فقال رسول الله ﷺ : وإنها لحابستنا، فقالوا: يا رسول الله، قد زارت يوم النحر، قال: فلتنفر معكم)) (٣).
وجه الدلالة:
أن هذا الحديث يدل على أن الحائض تنتظر حتى تطهر ثم تطوف، وهذا يدل على اشتراط الطهارة (٤).
ثانياً: الإجماع:
أجمع العلماء على تحريم طواف الحائض، نقله النووي (٥)، وأقره الصنعاني (٦)، وعامتهم على عدم صحته (٧).
الفرع الثاني: طواف الحائض عند الضرورة
إذا اضطرت المرأة الحائض إلى طواف الإفاضة، كأن تكون مع رفقة لا ينتظرونها، كان ذلك جائزا، لكن تتوقى ما يخشى منه تنجيس المسجد بأن تستثفر، فتجعل ما يحفظ فرجها؛ لئلا يسيل الدم فيلوث المسجد، وهذا اختيار ابن تيمية (٨)، وابن عثيمين (٩).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
ثانياً: من السنة:
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (١٠).
وجه الدلالة:
أن الحائض إذا اضطرت إلى الطواف لا تستطيع إلا هذا.
ثالثاً: أن الصلاة أعظم من الطواف، ولو عجز المصلي عن شرائطها من الطهارة أو ستر العورة أو استقبال القبلة فإنه يصلي على حسب حاله، فالطواف أولى بذلك؛ فإن أصول الشريعة مبنية على أن ما عجز عنه العبد من شروط العبادات يسقط عنه، وكما لو عجز الطائف أن يطوف بنفسه راكبا وراجلا فإنه يحمل ويطاف به (١١).
الفرع الثالث: اشتراط الطهارة من الحدث في الطواف
أجمع أهل العلم على مشروعية الطهارة في الطواف (١٢)، ثم اختلفوا في لزومها على ثلاثة أقوال:
стр. 682
القول الأول: أنَّ الطهارة من الحدث شرط في صحة الطواف، وهذا قول جمهور الفقهاء (١) من المالكية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤) , وهو اختيار ابن باز (٥).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن عائشة ﵂ ((أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ وطاف بالبيت)) (٦).
وجه الدلالة:
أن فعل النبي ﷺ إذا كان لبيان نصٍّ من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم، فدل ذلك على اشتراط الطهارة للطواف؛ ولأن النبي ﷺ بينه بفعله وقال: خذوا عني مناسككم، ولم يرد دليل يخالف ذلك؛ فثبت أن الطهارة للطواف شرط (٧).
٢ - قول النبي ﷺ لعائشة ﵂ حين حاضت وهي محرمة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) وفي رواية ((حتى تغتسلي)) (٨).
وجه الدلالة:
أن الرسول ﷺ رخص لعائشة ﵂ أن تفعل وهي حائض كل ما يفعله الحاج غير الطواف، فإنه جعله مقيدا باغتسالها وطهارتها من الحيض، فدل على اشتراط الطهارة للطواف، وفي معنى الحائض: الجنب والمحدث (٩).
٣ - عن عائشة ﵂: ((أن صفية حاضت، فقال رسول الله ﷺ : إنها لحابستنا، فقالوا: يا رسول الله، قد زارت يوم النحر، قال: فلتنفر معكم)) (١٠).
وجه الدلالة:
أن هذا الحديث يدل على أن الحائض تنتظر حتى تطهر ثم تطوف، وهذا يدل على اشتراط الطهارة (١١).
ثانياً: عن ابن عباس ﵄ قال: ((الطواف بالبيت صلاة ... )) (١٢).
وجه الدلالة:
أنه شبه الطواف بالصلاة, فدل ذلك على أن للطواف جميع أحكام الصلاة إلا ما دل الدليل على استثنائه كالمشي والكلام وغيره, ومن ذلك الطهارة لقوله ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) (١٣).
стр. 683
القول الثاني: أن الطهارة واجبة في الطواف، فيعيد متى ما كان في مكة، فإن عاد إلى بلده جبره بدم، وهذا مذهب الحنفية (١)، ورواية عن أحمد (٢).
الدليل:
قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩].
وجه الدلالة:
أن الأمر بالطواف مطلق لم يقيده الشارع بشرط الطهارة، وهذا نص قطعي يجب العمل به، وما ورد في السنة فإنه يدل على الوجوب فقط لا على الشرطية (٣).
القول الثالث: أن الطهارة سنة في الطواف، وهذا قول عند الحنفية (٤)، ورواية عن أحمد (٥)، واختاره ابن حزم (٦)، وابن تيمية (٧)، وابن القيم (٨)، وابن عثيمين (٩).
وذلك للآتي:
أولاً: أنه لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر الطائفين بالوضوء، ولا باجتناب النجاسة، لا في عمره ولا في حجته مع كثرة من حج معه واعتمر ويمتنع أن يكون ذلك واجبا ولا يبينه للأمة وتأخير البيان عن وقته ممتنع (١٠).
ثانياً: قياسا على أركان الحج وواجباته فإنه لا يشترط لهما الطهارة، فكذلك الطواف لا يشترط له الطهارة (١١).
المطلب الرابع: ابتداء الطواف من الحجر الأسود
стр. 684
ابتداء الطواف من الحجر الأسود شرط لصحة الطواف، فلا يعتد بالشوط الذي بدأه بعد الحجر الأسود، وهو مذهب الشافعية (١) , والحنابلة (٢) , ورواية عند الحنفية (٣)، وقول عند المالكية (٤).
الأدلة:
١ - عن ابن عمر ﵄ قال: ((رأيتُ رسول الله ﷺ حين يقدم مكة، إذا استلم الركن الأسود، أول ما يطوف: يخب ثلاثة أطواف من السبع)) أخرجه البخاري ومسلم (٥).
٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: ((رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا)) أخرجه مسلم (٦).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ واظب على ابتداء الطواف من الحجر الأسود, ومواظبته دليل على فرضية الابتداء به؛ لأنها بيان لإجمال القرآن في قوله تعالى: ((وليطوفوا بالبيت العتيق))، وقد قال ﷺ : ((لتأخذوا مناسككم)) (٧).
المطلب الخامس: أن يجعل البيت عن يساره
يشترط أن يجعل البيت عن يساره، وهو قول الجمهور (٨) من المالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١).
دليل ذلك:
عن جابر بن عبدالله ﵄: ((أن رسول الله ﷺ ، لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا)) أخرجه مسلم (١٢)، وقد قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (١٣).
المطلب السادس: دخول الحِجْر (١٤) ضمن الطواف
الطواف من وراء الحطيم فرض، من تركه لم يعتد بطوافه، حتى لو مشى على جداره لم يجزئه، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (١٥) , والشافعية (١٦) , والحنابلة (١٧).
الأدلة:
стр. 685
١ - عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال لها: ((ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت، فقال عبدالله بن عمر ﵄: لئن كانت عائشة ﵂ سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم وعنها، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: نعم)). أخرجه البخاري ومسلم (١).
٢ - عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: ((لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال بكفر -؛ لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله؛ ولجعلت بابها بالأرض؛ ولأدخلت فيها من الحِجر)) أخرجه مسلم (٢).
وجه الدلالة من الحديثين:
أن الحِجْر جزء من الكعبة؛ فيجب أن يكون الطواف من ورائه، فإن لم يطف من ورائه لم يتحقق الطواف حول الكعبة.
٣ - مواظبة النبي ﷺ على الطواف من وراء الحجر، وفعله بيان للقرآن الكريم، فيلتحق به؛ فيكون فرضا.
المطلب السابع: أن يقع الطواف في المكان الخاص وهو داخل المسجد الحرام
يشترط أن يكون مكان الطواف حول الكعبة المشرفة داخل المسجد الحرام، قريبا من البيت أو بعيدا عنه، وهذا شرط متفق عليه بين المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة (٦)، وحكى النووي الإجماع على عدم صحة الطواف خارج المسجد الحرام (٧)
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩].
وجه الدلالة:
أن الله ، أمر بالطواف بالبيت، فمن طاف خارج البيت لم يكن طائفا به.
ثانياً: من السنة:
فعله ﷺ , فقد طاف ﵊ داخل المسجد الحرام، وقال: ((لتأخذوا مناسككم)) (٨).
ثالثاً: أنه إذا طاف خارج المسجد لم يكن طائفا بالبيت، وإنما طاف حول المسجد (٩).
المطلب الثامن: الطواف بالبيت سبعاً
يشترط أن يطوف بالبيت سبعاً ولا يجزئ أقل منها، وهو قول الجمهور من المالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢)، وبه قال عطاء وإسحاق (١٣)، واختاره ابن المنذر (١٤)، والكمال ابن الهمام من الحنفية (١٥).
الأدلة:
стр. 686
١ - عن ابن عمر ﵄ قال: ((قدم النبيُّ ﷺ ، فطاف بالبيت سبعا)) (١)، وقد قال ﷺ : ((لتأخذوا مناسككم)) (٢).
٢ - عن جابر بن عبدالله ﵄ أنه قال في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثا، ومشى أربعا)) (٣).
فرع: الشك في عدد الأشواط
لو شكَّ في أثناء الطواف في عدد الأشواط التي طافها فإنه يبني على اليقين، وهو الأقل، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٤)، والشافعية (٥) والحنابلة (٦)، واستثنى المالكية من ذلك المستنكح (٧)، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك (٨)، واختاره ابن باز (٩)، وابن عثيمين (١٠).
دليل ذلك من السنة:
عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان)) رواه مسلم.
وجه الدلالة:
أنه أمر باطراح الشك والبناء على اليقين، وهو الأقل، وفي حكم الصلاة: الطواف (١١).
المطلب التاسع: الموالاة بين الأشواط
تجب الموالاة بين الأشواط، وهذا مذهب المالكية (١٢)، والحنابلة (١٣)، واختاره ابن عثيمين (١٤).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
أن النبي ﷺ والى بين أشواط طوافه، وقد قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (١٥).
ثانياً: أن الطواف كالصلاة؛ فيُشترط له الموالاة كسائر الصلوات، أو أنه عبادةٌ متعلقة بالبيت؛ فاشتُرِطت لها الموالاة كالصلاة (١٦).
فرع: ماذا يفعل إذا أقيمت صلاة الفريضة في أثناء الطواف؟
стр. 687
إذا أقيمت صلاة الفريضة، فإنه يقطع الطواف بنية الرجوع إليه بعد الصلاة، فإذا قُضيت الصلاة يبدأ من حيث وقف، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وبه قال أكثر أهل العلم (٤)، واختاره ابن حزم (٥)، وابن عثيمين (٦).
الأدلة:
دليل قطع الصلاة:
عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (٧).
وجه الدلالة:
أن الطواف صلاة، فيدخل في عموم الخبر، بوجوب المبادرة إلى الصلاة، وقطع طوافه (٨).
دليل البناء على ما سبق:
أن ما سبق بني على أساسٍ صحيحٍ وبمقتضى إذنٍ شرعي؛ فلا يمكن أن يكون باطلاً إلا بدليلٍ شرعي (٩).
المطلب العاشر: المشي للقادر عليه
إذا كان قادرا على المشي، فيجب عليه أن يطوف ماشياً، وهذا مذهب الحنفية (١٠)، والحنابلة (١١)، واختاره ابن عثيمين (١٢)، وأوجبه المالكية في الطواف الواجب فقط (١٣).
الأدلة:
١ - عن أم سلمة ﵂ قالت: ((شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، قال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفتُ ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت، يقرأ بالطور وكتابٍ مسطور)) أخرجه البخاري ومسلم (١٤).
وجه الدلالة:
أن الترخيص لها بالطواف راكبة بسبب العذر، يدل أن العزيمة بخلاف ذلك، وأن الأصل أن يطوف ماشياً.
стр. 688
٢ - عن جابر ﵁ قال: ((طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه؛ فإن الناس غشوه)) أخرجه مسلم (١).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ ما طاف راكباً إلا لعذر، وهو أن يراه الناس ليتأسوا به (٢).
فرع: إذا كان عاجزاً عن المشي، وطاف محمولاً، فلا فداء ولا إثم عليه.
الأدلة:
أولاً من السنة:
١ - عن أم سلمة ﵂ قالت: ((شكوتُ إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، قال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفتُ ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت، يقرأ بالطور وكتاب مسطور)) أخرجه البخاري ومسلم (٣).
وجه الدلالة:
أنه رخص لها الطواف راكبة للعذر.
٢ - عن جابر ﵁ قال: ((طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه؛ فإن الناس غشوه)) أخرجه مسلم (٤).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ طاف راكباً للعذر، وهو أن يراه الناس ليتأسوا به (٥).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (٦)، وابن تيمية (٧).
стр. 689
الفصل الرابع: سنن الطواف
المبحث الأول: الاضطباع
المطلب الأول: تعريف الاضطباع
الاضطباع لغةً: مشتق من الضَبْع, بمعنى: العضد؛ سمي بذلك لإبداء أحد الضبعين (١).
الاضطباع اصطلاحاً: أن يتوشَّح بردائه ويخرجه من تحت إبطه الأيمن، ويلقيه على منكبه الأيسر، ويغطيه، ويبدي منكبه الأيمن (٢).
المطلب الثاني: حكم الاضطباع
الاضطباع سنةٌ من سنن الطواف، وهو للرجال دون النساء, وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة (٥).
الأدلة:
١ - عن يعلى بن أمية ﵁: ((أن النبي ﷺ طاف مضطبعاً)) (٦).
٢ - عن ابن عباس ﵄: ((أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى)) (٧).
٣ - عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ((فيم الرملان اليوم والكشف عن المناكب، وقد أطأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، مع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ) (٨).
المطلب الثالث: متى يُسن الاضطباع؟
стр. 690
الاضطباع مشروعٌ في طواف القدوم, وطواف العمرة فقط، وهو مذهب الحنابلة (١) , وقولٌ عند الشافعية (٢) , واختاره ابن باز (٣) , وابن عثيمين (٤).
الأدلة:
١ - عن يعلى بن أمية ﵁: ((أن النبي ﷺ طاف مضطبعاً)) (٥).
٢ - عن ابن عباس ﵄: ((أن رسول الله ﷺ وأصحابه، اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى)) (٦).
الدلالة:
تدل هذه الأحاديث أن النبي ﷺ إنما اضطبع في طوافه أول مقدمه، ولم يُروَ عنه الاضطباع في غير ذلك.
المبحث الثاني: الرمل
المطلب الأول: تعريف الرمل
لغةً: الهرولة, يقال: رمل: إذا أسرع في المشي، وهزَّ منكبيه (٧).
اصطلاحاً: هو الإسراع في المشي، مع تقارب الخطى وتحريك المنكبين, وهو دون الوثوب والعدو، ويسمى أيضاً الخبب (٨).
المطلب الثاني: حكم الرمل
стр. 691
الرمل سنةٌ للمحرم، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤).
الأدلة:
١ - عن ابن عمر ﵄: ((أن النبي ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف ويمشي أربعة وأنه كان يسعى بطن المسيل، إذا طاف بين الصفا والمروة)) أخرجه البخاري ومسلم (٥).
٢ - حديث جابر الطويل في حجة الوداع قال: ((فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً)) أخرجه مسلم (٦).
٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدا، قومٌ قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين؛ ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا)) أخرجه البخاري ومسلم (٧).
٤ - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((رأيتُ رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف)) أخرجه مسلم (٨).
٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: ((أن النبي ﷺ رمل من الحجر إلى الحجر)) أخرجه مسلم (٩).
المطلب الثالث: الرمل في الأشواط الثلاثة
الرمل يكون في الثلاثة الأشواط الأُوَل من الطواف.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن ابن عمر ﵄: ((أن النبي ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول، يخب ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة، وأنه كان يسعى بطن المسيل، إذا طاف بين الصفا والمروة) أخرجه البخاري ومسلم (١٠).
٢ - حديث جابر الطويل في حجة الوداع قال: ((فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً)) أخرجه مسلم (١١).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (١٢)، وابن قدامة (١٣) , والنووي (١٤).
المطلب الرابع: الرمل خاصٌ بطواف القدوم وبطواف المعتمر فقط
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - حديث جابر الطويل في حجة الوداع قال: ((فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً)) أخرجه مسلم (١٥).
وجه الدلالة:
أن هذا الرمل كان في طواف القدوم.
стр. 692
٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدا، قومٌ قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين؛ ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا)) أخرجه البخاري ومسلم (١).
وجه الدلالة:
أن هذا الرمل كان في طواف العمرة.
الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (٢)، وابن قدامة (٣).
المبحث الثالث: استلام الحجر الأسود وتقبيله
المطلب الأول: استلام الحجر الأسود وتقبيله
يسن استلام الحجر الأسود وتقبيله، في ابتداء الطواف، وفي كل شوط، وبعد ركعتي الطواف.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للركن: ((أمَا والله، إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ استلمك ما استلمتك، فاستلمه، ثم قال: فما لنا وللرمل، إنما كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله؟ ثم قال: شيءٌ صنعه النبي ﷺ ، فلا نحب أن نتركه)) أخرجه البخاري ومسلم (٤)، وفي رواية: ((أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: «إني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك)) (٥).
٢ - عن سويد بن غفلة، قال: ((رأيت عمر قبَّل الحجر والتزمه، وقال: رأيت رسول الله ﷺ بك حفيا)) (٦).
٣ - عن الزبير بن عربي، قال: ((سأل رجل ابن عمر ﵄ عن استلام الحجر، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله، قال: قلت: أرأيت إن زحمت؟ أرأيت إن غلبت؟ قال: اجعل أرأيت باليمن، رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله)) (٧).
٤ - عن جابر بن عبدالله ﵁ أنه قال في صفة حجة النبي ﷺ : ((أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً)) أخرجه مسلم (٨).
ثانيا: الإجماع:
стр. 693
نقل الإجماع على سنية استلام الحجر الأسود في الطواف: ابن حزم (١)، وابن عبدالبر (٢)، وابن رشد (٣) والنووي (٤).
المطلب الثاني: استلام الحجر عند الزحام
إذا وجد الطائف زحاماً فيجتنب الإيذاء، ويكتفي بالإشارة إلى الحجر الأسود بيده؛ وذلك لأن الزحام يؤذيه؛ ويؤذي غيره؛ وربما يحصل به الضرر؛ ويذهب الخشوع، ويخرج بالطواف عما شُرِع من أجله من التعبد لله؛ وربما حصل به لغوٌ وجدال ومقاتلة (٥).
المطلب الثالث: كيفية الإشارة إلى الحجر الأسود
إذا لم يستلم الحجر الأسود ويقبله، فله أن يستلمه ويقبل يده، وله أن يستلمه بشيءٍ يكون معه، ويقبله، وله أن يشير إليه بيده من غير تقبيل.
الأدلة:
١ - عن نافع، قال: ((رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله)) (٦).
٢ - عن أبي الطفيل ﵁ قال: ((رأيتُ رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجنٍ معه ويقبِّل المحجن)) (٧).
٣ - عن جابر بن عبدالله ﵄، قال: ((طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه، لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه؛ فإن الناس غشوه)) (٨).
المبحث الرابع: استلام الركن اليماني
يُستحبُّ استلام الركن اليماني، وهو الركن الواقع قبل ركن الحجر الأسود, ولا يقبله، ولا يقبل ما استلم به.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن ابن عمر ﵄ قال: ((ما تركت استلام هذين الركنين: اليماني والحجر، مُذْ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما، في شدةٍ ولا رخاء)) أخرجه البخاري ومسلم (٩).
٢ - عن عبدالله بن عمر ﵄ أنه قال: ((لم أر رسول الله ﷺ يمسح من البيت، إلا الركنين اليمانيين)) أخرجه البخاري ومسلم (١٠).
٣ - عن سالم عن أبيه أنه قال: ((لم يكن رسول الله ﷺ يستلم من أركان البيت إلا الركن الأسود، والذي يليه، من نحو دور الجمحيين)) أخرجه مسلم (١١).
ثانياً: الإجماع:
стр. 694
نقل الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (١)، وابن رشد (٢).
مطلب: استلام غير الركنين اليمانيين:
لا يسن استلام غير الركنين اليمانيين
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: ((لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين)) (٣).
٢ - عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال لها: ((ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت، فقال عبدالله بن عمر ﵄: لئن كانت عائشة ﵂ سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. وعنها، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: نعم)) أخرجه البخاري ومسلم (٤).
ثانياً: أن الركن الذي فيه الحجر الأسود فيه فضيلتان: كون الحجر فيه، وكونه على قواعد إبراهيم ﵇، والركن اليماني فيه فضيلة واحدة: وهي كونه على قواعد أبينا إبراهيم ﵇، وأما الشاميان فليس لهما شيء من الفضيلتين؛ ولذا لم يشرع استلامهما.
المبحث الخامس: الذكر والدعاء في الطواف
стр. 695
يستحب للطائف أن يكثر من الذكر والدعاء في طوافه, وله أن يدعو الله بما شاء من خيري الدنيا والآخرة؛ إذ لم يرد عن رسول الله ﷺ ذكرٌ أو دعاءٌ خاصٌّ بالطواف (١)، إلا ما بين الركنين اليمانيين فإنه يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) (٢). (٣).
المبحث السادس: قراءة القرآن في الطواف
لأهل العلم في قراءة القرآن في الطواف قولان:
القول الأول: استحبابه مع تفضيل الذكر المأثور عليه، وهو مذهب الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، وإحدى الروايتين عن أحمد (٦)، وروي عن طائفةٍ من السلف (٧)، واختاره ابن المنذر (٨).
وذلك للآتي:
أولاً: أن الطواف صلاة، ولا تكره القراءة في الصلاة (٩).
ثانياً: أن الموضع موضع ذكر، والقرآن أفضل الذكر (١٠).
ثالثاً: أن قراءة القرآن مندوبٌ إليها في جميع الأحوال إلا في حال الجنابة والحيض (١١).
стр. 696
القول الثاني: كراهته، وهو مذهب المالكية (١)، وقولٌ للحنفية (٢)، وهو روايةٌ عن أحمد (٣)، وبه قال طائفةٌ من السلف (٤).
وذلك للآتي:
أولاً: أن هدي النبي ﷺ هو الأفضل، والمشروع في الطواف مجرد ذكر الله تعالى، ولم يثبت عنه في الطواف قراءة قرآن، بل الذكر، وهو المتوارث من السلف والمجمَع عليه، فكان أولى (٥).
ثانياً: أن ما ما ورد من الذكر مختصًّا بمكانٍ أو زمانٍ أو حال، فالاشتغال به أفضل من الاشتغال بالتلاوة (٦).
المبحث السابع: الدنو من البيت
يستحب للطائف أن يدنو من البيت, وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٧) , والمالكية (٨) , والشافعية (٩) , والحنابلة (١٠).
وذلك للآتي:
أولاً: لشرف البيت، وأنه هو المقصود.
ثانياً: أنه أيسر في الاستلام والتقبيل.
المبحث الثامن: صلاة ركعتين خلف المقام بعد الطواف
المطلب الأول: حكم صلاة ركعتين خلف المقام بعد الطواف
صلاة ركعتين خلف المقام بعد الطواف، سنةٌ مؤكدة, وهو مذهب الشافعية في الأصح (١١)، والحنابلة (١٢) , واختاره ابن حزم (١٣)، وابن باز (١٤) , وابن عثيمين (١٥).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥].
ثانياً: من السنة:
١ - حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ وفيه: ((حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت ... الحديث)) (١٦).
٢ - عن عبدالله بن أبي أوفى قال: ((اعتمر رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت، وصلى خلف المقام ركعتين)) (١٧).
стр. 697
٣ - حديث الأعرابي الذي جاء يسأل رسول الله ﷺ عن الإسلام وما يجب عليه، وفيه: ((خمس صلوات في اليوم والليلة)) فقال: هل علي غيرهن؟ قال: ((لا، إلا أن تطوع)) ... الحديث (١).
وجه الدلالة:
أنَّ رسول الله ﷺ صرَّح بأنه لا يجب شيءٌ من الصلاة، إلا الصلوات الخمس المكتوبات.
٤ - عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((خمس صلواتٍ كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن؛ كان له عند الله عهدٌ أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذَّبه، وإن شاء أدخله الجنة)) (٢).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ ، أخبر أن الصلوات التي فرضها الله على عباده، هي الصلوات الخمس فقط, وفي هذا دليلٌ على أن ركعتي الطواف غير واجبة.
٥ - عن ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من طاف بالبيت، وصلى ركعتين كان كعتق رقبة)) (٣).
وجه الدلالة:
كون رسول الله ﷺ أخرج الحديث مخرج الفضل، وجعل لركعتي الطواف أجراً محدوداً؛ فإنه دليلٌ على أنها ليست بواجبة؛ إذ إن الواجب غير محدَّد الأجر والثواب.
المطلب الثاني: مكان أدائهما
أداء ركعتي الطواف يكون خلف المقام إن تيسر له ذلك.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥].
ثانياً: من السنة:
١ - حديث جابر بن عبدالله ﵄ في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه: ((حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت ... الحديث)) (٤).
٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: ((قدم النبي ﷺ ، فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين) (٥).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك، النووي (٦)، وابن تيمية (٧).
المطلب الثالث: إذا لم يتيسر للطائف أداؤها خلف المقام بسبب الزحام أو غيره
стр. 698
إذا لم يتيسر للطائف أداؤها خلف المقام بسبب الزحام أو غيره، فإنه يصليها في أي مكانٍ تيسر في المسجد (١)، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية (٤) والحنابلة (٥)(٦).
المبحث التاسع: استلام الحجر بعد الانتهاء من الطواف
يسن لمن انتهى من طوافه وصلى ركعتي الطواف أن يعود إلى الحجر فيستلمه، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٧) , والمالكية (٨) , والشافعية (٩) , والحنابلة (١٠).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ وفيه: ((ثم رجع إلى الركن فاستلمه)).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن قدامة (١١) وابن عبدالبر (١٢).
مسألة: الكلام في الطواف:
يكره الكلام في الطواف لغير حاجة، وهو قول الجمهور من الحنفية (١٣)، والمالكية (١٤)، والحنابلة (١٥).
الأدلة:
١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى قد أحل فيه النطق فمن نطق فلا ينطق فيه إلا بخير)) (١٦).
٢ - عن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ مر وهو يطوف بالكعبة، بإنسانٍ ربط يده إلى إنسان بسير، أو بخيط، أو بشيءٍ غير ذلك، فقطعه النبي ﷺ بيده، ثم قال: قده بيده)) (١٧).
وجه الدلالة:
أنه لولا كراهة الكلام لما احتاج النبي ﷺ أن يشير إليه بيده.
стр. 699
الفصل الأول: تعريف السعي بين الصفا والمروة
١ - (السعي) لغةً: المشي، والعدو من غير شد (١).
٢ - (الصفا) لغةً: جمع صفاة، وهي الحجر الصلد الضخم الذي لا ينبت شيئا؛ وقيل: هي الصخرة الملساء (٢).
واصطلاحاً: مكانٌ مرتفع من جبل أبي قبيس، ومنه ابتداء السعي، ويقع في طرف المسعى الجنوبي (٣).
٣ - (المروة) لغةً: حجارةٌ بيض برَّاقة، والجمع مرو (٤).
واصطلاحاً: جبلٌ بمكة، وإليه انتهاء السعي، وهو في أصل جبل قعيقعان، ويقع في طرف المسعى الشمالي (٥).
فالسعي اصطلاحاً: هو قطع المسافة الكائنة بين الصفا والمروة، سبع مرات في نسك حجٍّ أو عمرة (٦).
стр. 700
الفصل الثاني: مشروعية السعي وأصله وحكمته
المبحث الأول: مشروعية السعي
السعي بين الصفا والمروة مشروع في الحج والعمرة
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨].
ثانياً: من السنة:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: ((طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون، يعني بين الصفا والمروة، فكانت سنة)) (١).
٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: ((رأينا رسول الله ﷺ أحرم بالحج، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة)) (٢).
المبحث الثاني: أصل السعي
أصل مشروعية السعي هو سعي هاجر ﵍، عندما تركها إبراهيم مع ابنهما إسماعيل ﵉ بمكة، ونفد ما معها من طعام وشراب، وبدأت تشعر هي وابنها بالعطش؛ فسعت بين الصفا والمروة سبع مرات طلباً للماء، يقول ابن عباس: وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى- أو قال: يتلبط (٣) - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى إذا جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس قال النبي ﷺ ((فذلك سعي الناس بينهما)) (٤) رواه البخاري (٥).
المبحث الثالث: حكمة السعي (٦)
стр. 701
١ - شُرِعَ السعي؛ تخليداً لذكرى إبراهيم وزوجته هاجر وابنهما إسماعيل ﵈؛ وتشريفًا لهم (١).
٢ - استشعار العبد بأن حاجته وفقره إلى خالقه ورازقه كحاجة وفقر تلك المرأة في ذلك الكرب العظيم إلى خالقها ورازقها، وليتذكر أن من كان يطيع الله كإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا يضيعه، ولا يخيب دعاءه (٢).
стр. 702
الفصل الثالث: حكم السعي والتطوع به
المبحث الأول: حكم السعي
السعي بين الصفا والمروة ركنٌ من أركان الحج والعمرة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو قول عائشة وابن عمر ﵄، وطائفة من السلف (٤).
الأدلة:
أولاً من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨].
وجه الدلالة:
أن تصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله، يدل على أن السعي بينهما أمرٌ حتمٌ لا بد منه؛ لأنه لا يمكن أن تكون شعيرةً، ثم لا تكون لازمةً في النسك؛ فإن شعائر الله عظيمة، لا يجوز التهاون بها، وقد قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ الآية [المائدة: ٢]، وقال: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ الآية (٥) [الحج: ٣٢].
ثانياً: من السنة:
١ - أن طواف النبي ﷺ بين الصفا والمروة، بيانٌ لنصٍّ مجملٍ في كتاب الله، وهو قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ [١٥٨]، وقد قرأها ﵊ لما صعد إلى الصفا، وقال: ((نبدأ بما بدأ الله به)) (٦) وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي ﷺ ، إذا كان لبيان نصٍّ مجملٍ من كتاب الله؛ فإن ذلك الفعل يكون لازما (٧).
стр. 703
٢ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (١)، وقد طاف بين الصفا والمروة سبعاً، فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك (٢).
٣ - عن حبيبة بنت أبي تجراة، عن النبي ﷺ أنه قال: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)) (٣).
٤ - عن أبي موسى ﵁ قال: ((قدمتٌ على رسول الله ﷺ وهو منيخٌ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟ فقلت: نعم، فقال: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، فقال: فقد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة)) (٤).
فهذا أمرٌ صريحٌ دل على الوجوب، ولم يأت صارفٌ له (٥).
٥ - قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: ((يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة، عن حجك وعمرتك)) (٦).
وجه الدلالة:
أنه يُفهم من الحديث أنها لو لم تطف بينهما لم يحصل لها إجزاءٌ عن حجها وعمرتها (٧).
ثالثاً: من أقوال الصحابة:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: ((ما أتم الله حج امرئٍ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة)) (٨).
٢ - عن عروة قال: قلت لعائشة زوج النبي ﷺ : ((ما أرى على أحدٍ لم يطف بين الصفا والمروة، شيئاً، وما أبالي أن لا أطوف بينهما، قالت: بئس ما قلت، يا ابن أختي! طاف رسول الله ﷺ ، وطاف المسلمون؛ فكانت سنة، وإنما كان من أهلَّ لمناة الطاغية، التي بالمشَلَّل (٩)، لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإسلام سألنا النبي ﷺ عن ذلك؟ فأنزل الله : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨]. ولو كانت كما تقول لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)) (١٠).
وفي رواية: سألت عائشة، وساق الحديث بنحوه، وقال في الحديث: ((فلما سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فقالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة؛ فأنزل الله : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨]، قالت عائشة: قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما؛ فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بهما)) (١١).
رابعا: أنه نسكٌ في الحج والعمرة فكان ركناً فيهما كالطواف بالبيت (١٢).
المبحث الثاني: التطوع بالسعي بين الصفا والمروة
لا يشرع التطوع بالسعي بين الصفا والمروة لغير الحاج والمعتمر.
الدليل:
الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن حجر (١٣)، والشنقيطي (١٤).
стр. 704
الفصل الرابع: الموالاة بين السعي والطواف
لا تجب الموالاة بين الطواف والسعي وإن كانت مستحبة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والشافعية (٢) والحنابلة (٣)، وبه قال طائفةٌ من السلف (٤).
وذلك للآتي:
أولاً: أن السعي عبادةٌ مستقلة، فإذا فُصِل بينها وبين غيرها بشيءٍ فلا يضر (٥).
ثانياً: أن الموالاة إذا لم تجب في نفس السعي، ففيما بينه وبين الطواف أولى (٦).
стр. 705
الفصل الخامس: شروط السعي
الشرط الأول: استيعاب ما بين الصفا والمروة
يشترط في صحة كل شوطٍ من أشواط السعي، قطع جميع المسافة بين الصفا والمروة (١)، فإن لم يقطعها كلها لم يصح، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
الأدلة:
أولاً: فعل النبي ﷺ ، وقد قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (٦)(٧).
ثانياً: أن المسافة للسعي محددةٌ من قبل الشرع، والنقص عن الحد مبطل (٨).
الشرط الثاني: الترتيب بأن يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة
يشترط أن يبدأ سعيه بالصفا، وينتهي بالمروة، حتى يختم سعيه بالمروة، فإن بدأ بالمروة، ألغى هذا الشوط، وهذا باتفاق المذهبة الأربعة: الحنفية (٩) والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢)(١٣).
الأدلة: