١ - شُرِعَ السعي؛ تخليداً لذكرى إبراهيم وزوجته هاجر وابنهما إسماعيل ﵈؛ وتشريفًا لهم (١).
٢ - استشعار العبد بأن حاجته وفقره إلى خالقه ورازقه كحاجة وفقر تلك المرأة في ذلك الكرب العظيم إلى خالقها ورازقها، وليتذكر أن من كان يطيع الله كإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا يضيعه، ولا يخيب دعاءه (٢).
стр. 702
الفصل الثالث: حكم السعي والتطوع به
المبحث الأول: حكم السعي
السعي بين الصفا والمروة ركنٌ من أركان الحج والعمرة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو قول عائشة وابن عمر ﵄، وطائفة من السلف (٤).
الأدلة:
أولاً من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨].
وجه الدلالة:
أن تصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله، يدل على أن السعي بينهما أمرٌ حتمٌ لا بد منه؛ لأنه لا يمكن أن تكون شعيرةً، ثم لا تكون لازمةً في النسك؛ فإن شعائر الله عظيمة، لا يجوز التهاون بها، وقد قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ الآية [المائدة: ٢]، وقال: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ الآية (٥) [الحج: ٣٢].
ثانياً: من السنة:
١ - أن طواف النبي ﷺ بين الصفا والمروة، بيانٌ لنصٍّ مجملٍ في كتاب الله، وهو قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ [١٥٨]، وقد قرأها ﵊ لما صعد إلى الصفا، وقال: ((نبدأ بما بدأ الله به)) (٦) وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي ﷺ ، إذا كان لبيان نصٍّ مجملٍ من كتاب الله؛ فإن ذلك الفعل يكون لازما (٧).
стр. 703
٢ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (١)، وقد طاف بين الصفا والمروة سبعاً، فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك (٢).
٣ - عن حبيبة بنت أبي تجراة، عن النبي ﷺ أنه قال: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)) (٣).
٤ - عن أبي موسى ﵁ قال: ((قدمتٌ على رسول الله ﷺ وهو منيخٌ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟ فقلت: نعم، فقال: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، فقال: فقد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة)) (٤).
فهذا أمرٌ صريحٌ دل على الوجوب، ولم يأت صارفٌ له (٥).
٥ - قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: ((يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة، عن حجك وعمرتك)) (٦).
وجه الدلالة:
أنه يُفهم من الحديث أنها لو لم تطف بينهما لم يحصل لها إجزاءٌ عن حجها وعمرتها (٧).
ثالثاً: من أقوال الصحابة:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: ((ما أتم الله حج امرئٍ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة)) (٨).
٢ - عن عروة قال: قلت لعائشة زوج النبي ﷺ : ((ما أرى على أحدٍ لم يطف بين الصفا والمروة، شيئاً، وما أبالي أن لا أطوف بينهما، قالت: بئس ما قلت، يا ابن أختي! طاف رسول الله ﷺ ، وطاف المسلمون؛ فكانت سنة، وإنما كان من أهلَّ لمناة الطاغية، التي بالمشَلَّل (٩)، لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإسلام سألنا النبي ﷺ عن ذلك؟ فأنزل الله : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨]. ولو كانت كما تقول لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)) (١٠).
وفي رواية: سألت عائشة، وساق الحديث بنحوه، وقال في الحديث: ((فلما سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فقالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة؛ فأنزل الله : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨]، قالت عائشة: قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما؛ فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بهما)) (١١).
رابعا: أنه نسكٌ في الحج والعمرة فكان ركناً فيهما كالطواف بالبيت (١٢).
المبحث الثاني: التطوع بالسعي بين الصفا والمروة
لا يشرع التطوع بالسعي بين الصفا والمروة لغير الحاج والمعتمر.
الدليل:
الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن حجر (١٣)، والشنقيطي (١٤).
стр. 704
الفصل الرابع: الموالاة بين السعي والطواف
لا تجب الموالاة بين الطواف والسعي وإن كانت مستحبة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والشافعية (٢) والحنابلة (٣)، وبه قال طائفةٌ من السلف (٤).
وذلك للآتي:
أولاً: أن السعي عبادةٌ مستقلة، فإذا فُصِل بينها وبين غيرها بشيءٍ فلا يضر (٥).
ثانياً: أن الموالاة إذا لم تجب في نفس السعي، ففيما بينه وبين الطواف أولى (٦).
стр. 705
الفصل الخامس: شروط السعي
الشرط الأول: استيعاب ما بين الصفا والمروة
يشترط في صحة كل شوطٍ من أشواط السعي، قطع جميع المسافة بين الصفا والمروة (١)، فإن لم يقطعها كلها لم يصح، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
الأدلة:
أولاً: فعل النبي ﷺ ، وقد قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (٦)(٧).
ثانياً: أن المسافة للسعي محددةٌ من قبل الشرع، والنقص عن الحد مبطل (٨).
الشرط الثاني: الترتيب بأن يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة
يشترط أن يبدأ سعيه بالصفا، وينتهي بالمروة، حتى يختم سعيه بالمروة، فإن بدأ بالمروة، ألغى هذا الشوط، وهذا باتفاق المذهبة الأربعة: الحنفية (٩) والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢)(١٣).
الأدلة:
стр. 706
١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ أنه قال في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((فبدأ بالصفا، فرقي عليه ... ثم نزل إلى المروة)) (١)، وقد قال ((لتأخذوا مناسككم)) (٢)(٣).
٢ - أن النبي ﷺ قال ((أبدأ بما بدأ الله به)) (٤)، وقد بدأ الله بالصفا فقال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ (٥) [البقرة: ١٥٨].
الشرط الثالث: أن يكون سبعة أشواط
стр. 707
يشترط في صحة السعي بين الصفا والمروة، أن يكون سبعة أشواط، ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط، وهذا قول الجمهور (١): المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر ﵄ عن رجلٍ طاف بالبيت في عمرة، ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته؟ فقال: ((قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، فطاف بين الصفا والمروة سبعاً لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١])) (٦).
فهذا فعل النبي ﷺ ، وقد قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (٧)(٨).
стр. 708
ثانياً: أن عدد أشواط السعي محددةٌ من قبل الشرع، والنقص عن الحد مبطل، كما أن النقص عن عدد كل صلاةٍ عمداً مبطلٌ لها (١).
ثالثاً: أن عليه عمل الناس، كما نقل ذلك النووي (٢).
الشرط الرابع: أن يكون بعد الطواف
اختلف أهل العلم في اشتراط تقدم الطواف على السعي على قولين:
القول الأول: يشترط في صحة السعي أن يقع بعد الطواف، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن ابن عمر ﵄: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم، سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة)) (٧).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ كان يقدِّم الطواف على السعي بدلالة كلمة (ثم) وقد قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (٨)، وفعلُهُ في المناسك يفيد الوجوب.
٢ - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((حاضت عائشة ﵂، فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت، قالت: يا رسول الله، تنطلقون بحجةٍ وعمرة، وأنطلق بحج! فأمر عبدالرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج)) (٩)، وفي روايةٍ عن عائشة ﵂: ((فقدمتُ مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة)) (١٠).
وجه الدلالة:
أنه لولا اشتراط تقدم الطواف على السعي؛ لفعلت في السعي مثل ما فعلت في غيره من المناسك؛ فإنه يجوز لها السعي من غير طهارة (١١).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك السرخسي (١٢)، والماوردي (١٣)، وأقره النووي (١٤).
стр. 709
ثالثاً: أن السعي تابعٌ للطواف ومتممٌ له، وتابعُ الشيء لا يتقدم عليه (١).
القول الثاني: لا يشترط لصحة السعي أن يسبقه طواف، وهذا مذهب الظاهرية (٢)، وروايةٌ عن أحمد (٣)، وبه قال بعض السلف (٤)، واختاره ابن باز (٥)، وابن عثيمين (٦).
الأدلة:
أولاً: عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: ((وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر، فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: اذبح، ولا حرج، ثم جاءه رجل آخر، فقال: يا رسول الله، لم أشعر؛ فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: ارم، ولا حرج، قال: فما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل، ولا حرج)) (٧).
وجه الدلالة:
عموم قوله: ((ما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل، ولا حرج)) (٨)، فيندرج فيه تقديم السعي على الطواف (٩).
ثانياً: عن أسامة بن شَريك ﵁ قال: ((خرجتُ مع النبي ﷺ حاجًّا، فكان الناسُ يأتونه، فمن قال: يا رسول الله، سعيتُ قبل أن أطوف، أو قدمتُ شيئا، أو أخرتُ شيئا، فكان يقول: لا حرج، لا حرج، إلا على رجلٍ اقترض (١٠) عِرْضَ رجلٍ مسلم وهو ظالمٌ له، فذلك الذي حَرَجَ وهلك)) (١١).
ثالثاً: عن عائشة ﵂: ((أنها حاضت، وهي في طريقها إلى الحج، فقال لها النبيُّ ﷺ : افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)) (١٢).
وجه الدلالة:
أنه نهاها عن الطواف بالبيت، وأمرها بأن تقضي المناسك كلها، ويدخل في هذا العموم، السعي بين الصفا والمروة (١٣).
الشرط الخامس: الموالاة بين أشواط السعي
اختلف أهل العلم في اشتراط الموالاة بين أشواط السعي على قولين
стр. 710
القول الأول: لا تشترط الموالاة بين أشواط السعي، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وروايةٌ عن أحمد (٣)، واختاره ابن قدامة (٤)، وابن باز (٥).
وذلك للآتي:
أولاً: أن مسمى السعي يحصل بالسعي بين الصفا والمروة سبع مرات، سواء كانت الأشواط متواليةً أو متفرقة.
ثانياً: أنه نسكٌ لا يتعلق بالبيت فلم تُشترَط له الموالاة، كالرمي والحلق (٦).
القول الثاني: تُشترَط الموالاة بين أشواطه، وهو مذهب المالكية (٧) والحنابلة (٨)، واختاره ابن عثيمين (٩).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
أن النبي ﷺ سعى سعياً متوالياً، وقد قال ﵊: ((لتأخذوا مناسككم)) (١٠).
ثانياً: أن السعي عبادةٌ واحدة، فاشتُرِط فيه الموالاة كالصلاة والطواف (١١).
مسألة:
لو أقيمت الصلاة أثناء السعي، قطع السعي وصلى، ثم أتمَّ الأشواط الباقية، وهو مذهب الجمهور: الحنفية (١٢)، والشافعية (١٣)، والحنابلة (١٤)، وعليه أكثر أهل العلم (١٥).
الأدلة:
أولاً: أن النبي ﷺ قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (١٦) والطواف صلاة؛ فيدخل تحت عموم الخبر.
إذا ثبت ذلك في الطواف بالبيت مع تأكده؛ ففي السعي بين الصفا والمروة من باب أولى (١٧).
ثانياً: أن ما سبق بني على أساسٍ صحيح، وبمقتضى إذنٍ شرعي، فلا يمكن أن يكون باطلاً إلا بدليلٍ شرعي (١٨).
ثالثاً: أنه فرضٌ يخاف فوته، فأشبه خروج المعتكف لصلاة الجمعة (١٩).
стр. 711
الفصل السادس: ما لا يشترط في السعي
المبحث الأول: النية
لا تشترط النية في السعي عند جمهور أهل العلم من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
وذلك للآتي:
أولاً: أنَّ السعي يعتبر جزءاً من عدة أجزاء من عبادةٍ واحدة، والنية في أولها كافيةٌ عن النية في بقية أجزائها؛ لأن الحج عبادةٌ مركبةٌ من هذه الأجزاء، فإذا نوى في أولها أجزأ عن الجميع، كما لو نوى الصلاة من أولها فلا يحتاج في كل ركوعٍ وسجودٍ من الصلاة إلى نيةٍ تخصه (٤).
ثانياً: القياس على الوقوف بعرفة، فإنه لو وقف بها ناسياً أجزأه بالإجماع (٥).
المبحث الثاني: الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر
لا تشترط الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر في السعي بين الصفا والمروة، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، وهو قول أكثر أهل العلم (١٠).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - قول النبي ﷺ لعائشة ﵂ وقد حاضت: ((افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت)) (١١).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أمرها أن تصنع كل ما يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت خاصة، فدل على أن السعي لا تشترط له الطهارة (١٢).
٢ - عن جابر بن عبدالله ﵄: ((أن عائشة ﵂ حاضت فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت)) (١٣).
ثانياً: أن السعي عبادةٌ لا تتعلق بالبيت؛ فأشبهت الوقوف بعرفة (١٤).
المبحث الثالث: ستر العورة:
لا يُشترط ستر العورة لصحة السعي، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (١٥)، والمالكية (١٦)، والشافعية (١٧)، والحنابلة (١٨)؛ وذلك لأنه إذا لم تُشترط الطهارة للسعي مع كونها آكد؛ فغيرها أولى (١٩).
стр. 712
الفصل السابع: سنن السعي
المبحث الأول: الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر عليهما وبينهما
يشرع إذا دنا من الصفا أن يقرأ قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ (١) [البقرة: ١٥٨]، ويقول: ((أبدأ بما بدأ الله به)) (٢)، ويقتصر في قوله هذا على الصفا في المرة الأولى فقط، ويرتقي على الصفا حتى يرى الكعبة (٣) ويستقبلها، ويكبر ثلاثاً (٤): الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ويقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد (٥)، وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده (٦)، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم يدعو بما تيسر، رافعاً يديه، ويكرر ذلك (ثلاث مرات) (٧)، ويقول ويفعل على المروة كما قال، وفعل على الصفا في الأشواط السبعة، ما عدا قراءة الآية، وقوله (نبدأ بما بدأ الله به) (٨).
ويكثر من الدعاء والذكر في سعيه، ومن ذلك: رب اغفر وارحم، إنك أنت الأعز الأكرم (٩).
الأدلة:
стр. 713
١ - عن جابر ﵁ أنه قال في صفة حجة النبي ﷺ : ((ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به. فبدأ بالصفا فرقى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحَّد الله، وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبَّت قدماه (١) في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا (٢)، مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا)) (٣)(٤).
٢ - عن مسروق أن ابن مسعود لما هبط إلى الوادي سعى فقال: ((اللهم اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم)) (٥). وكذلك جاء عن ابن عمر أنه كان يقوله (٦)، وكان ابن عمر يدعو فيقول: ((اللهم إنك قلت ادعوني أستجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم)) (٧).
المبحث الثاني: السعي الشديد بين العلامتين الخضراوين
يسن المشي بين الصفا والمروة إلا ما كان بين العلامتين الخضراوين (٨)، فإنه يسن للرجال السعي الشديد بينهما (٩)، وذلك في الأشواط السبعة (١٠).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - ((عن ابن عمر ﵄ أنه كان ﷺ يسعى بطن المسيل (١١) إذا طاف بين الصفا والمروة)) (١٢).
стр. 714
٢ - عن جابر ﵁ قال: (( ... حتى إذا انصبت قدماه (١) في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا (٢) مشى)) (٣).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على استحبابه ابن عبدالبر (٤) والنووي (٥).
المبحث الثالث: المشي بين الصفا والمروة للقادر عليه
المشي بين الصفا والمروة أفضل من الركوب إلا لمن كان له عذر.
الدليل:
الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك النووي (٦) وابن قدامة (٧)
مسألة: من سعى بين الصفا والمروة راكبا فله حالان:
الحال الأولى: أن يكون لعذر، فهذا جائز.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((طاف النبي ﷺ على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم ليسألوه فإن الناس غشوه)) (٨).
٢ - عن أم سلمة ﵂ قالت: ((شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة)) (٩).
ثانيا: الإجماع:
نقل الإجماع على جواز ذلك ابن عبدالبر (١٠) وابن قدامة (١١) وابن القيم (١٢).
الحال الثانية: من سعى بين الصفا راكباً بدون عذر فلأهل العلم فيه قولان:
стр. 715
القول الأول: يجوز السعي راكباً، ولا شيء عليه، وهذا مذهب الشافعية (١)، وهو قول طائفةٍ من السلف (٢)، واختاره ابن حزم (٣)، وابن قدامة (٤)، والشنقيطي (٥)، وابن باز (٦).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - ((أن النبي ﷺ طاف راكباً وسعى راكباً)) (٧)، وهو ﷺ لا يفعل إلا ما يسوغ فعله (٨).
٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((إن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد. حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه ركب، والمشي والسعي أفضل)) (٩).
ثانياً: أن الله تعالى أمر بالسعي مطلقاً، فكيفما أتى به أجزأه، ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل.
القول الثاني: لا يجوز السعي راكباً من غير عذر، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١٠)، والمالكية (١١)، والحنابلة (١٢)، وبه قال الليث ابن سعد وأبو ثور (١٣)، وابن عثيمين (١٤).
الأدلة:
أولاً: أن السعي بين الصفا والمروة فرض، فالقياس أن يجب المشي فيه إلا لعذر (١٥).
ثانياً: أنه لا دليل على جواز السعي راكباً، وما ورد عن النبي ﷺ ، فإنما كان لعذرٍ فلا يلحق به من لا عذر له.
стр. 716
الفصل الثامن: أنواع السعي في الحج
المبحث الأول: سعي المفرد والقارن
على المفرد والقارن سعي واحد للنسك، يقع بعد طواف القدوم، ولهما تأخيره إلى بعد طواف الإفاضة (١)
المبحث الثاني: سعي المتمتع
على المتمتع سعيان: سعي لعمرته، وسعي لحجته بعد طواف الإفاضة: يبدأ أولاً بعمرة تامة في أشهر الحج: فيطوف ويسعى، ثم يحلق أو يقصر، ويتحلل منها، ثم يحرم بالحج، وبعد الوقوف بعرفة يأتي بطواف للحج وسعي له (٢).
مسألة:
بعد انتهاء المتمتع من الطواف والسعي فإنه يحلق أو يقصر، والتقصير أفضل إن كان قريبا من زمن الحج، ثم يحل بذلك له التحلل كله حتى جماع النساء، أما المفرد والقارن فيبقيان على إحرامهما بعد سعي الحج، ولا يتحللون إلا يوم النحر: وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
٣ - عن ابن عمر ﵄، قال: ((تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيءٍ حرم منه، حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي، فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل)) (٧).
٤ - عن ابن عباس ﵄: ((أنه سُئِلَ عن متعة الحج فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله ﷺ : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلَّد الهدي، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلَّد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك، جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي)) (٨).
٥ - عن جابر بن عبدالله ﵄: ((أنه حج مع رسول الله ﷺ عام ساق الهدي معه، وقد أهلوا بالحج مفردا، فقال رسول الله ﷺ : أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصروا، وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به، فإني لولا أني سقت الهدي، لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يحل مني حرام، حتى يبلغ الهدي محله)) (٩).
٦ - عن نافع: ((أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائنٌ بينهم قتال، وإنا نخاف إن يصدوك، فقال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] إذًا أصنع كما صنع رسول الله عليه وسلم، إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجًا مع عمرتي، وأهدى هديًا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك، فلم ينحر ولم يحل من شيءٍ حرم منه، ولم يحلق، ولم يقصر، حتى كان يوم النحر، فنحر، وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله ﷺ ) (١٠).
ثانياً: أن سعي المتمتع هو سعيٌ لعمرته، فتعلق الحلق والتحلل بالانتهاء منها، أما سعي المفرد والقارن فإنما هو سعي الحج، وهو لا يتحلل به، وإنما يتحلَّل بأعمال يوم النحر، فلا معنى للحلق أو التحلُّل بعد هذا السعي (١١).
стр. 717
تمهيد: التعريف بيوم التروية
يوم التروية (بفتح التاء المثناة) هو اليوم الثامن من ذي الحجة؛ وسمي بذلك لأنهم كانوا يتروون يتزودون بحمل الماء معهم من مكة إلى عرفات، ويسقون، ويستقون (١)، وقيل غير ذلك (٢).
ويسمى أيضاً يوم النقلة؛ لأن الناس ينقلون فيه من مكة إلى منى (٣).
стр. 718
الفصل الأول: الإحرام في يوم التروية لمن كان حلالاً
يُستحَبُّ لمن كان بمكة متمتعاً واجداً الهدي أو كان من أهل مكة، أن يُحرم يوم التروية ويهل بالحج، ويفعل كما فعل عند الإحرام من الميقات؛ من الاغتسال والتطيب ولبس الإزار وغير ذلك، وهو قول الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وابن حزم من الظاهرية (٤)، وهو قول طائفة من السلف (٥).
الأدلة:
١ - عن جابر بن عبدالله ﵁ قال: ((فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج)) (٦)
٢ - وعنه ﵁ قال: ((أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فما ندري أشيءٌ بلغه من السماء أم شيءٌ من قبل الناس؟ فقال: أيها الناس أحلوا فلولا الهدي الذي معي فعلت كما فعلتم، قال فأحللنا حتى وطئنا النساء، وفعلنا ما يفعل الحلال، حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج)) (٧).
٣ - ثبت عن ابن عمر ﵄ ((أنه إذا كان بمكة يحرم بالحج يوم التروية، فقال له عبيد بن جريح في ذلك، فقال: إني لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته)) (٨).
стр. 719
الفصل الثاني: الذهاب إلى منى
المبحث الأول: حكم الذهاب إلى منى في يوم التروية
يسن للحاج أن يخرج من مكة إلى منى يوم التروية بعد طلوع الشمس، فيصلي خمس صلوات وهي: الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم التاسع.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
حديث جابر ﵁ قال: ((فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى وأهلوا بالحج، وركب النبي ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبةٍ من شعر تضرب له بنمرة)) (١)
ثانيا: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك: ابن المنذر (٢)، وابن قدامة (٣)، والنووي (٤)، وابن رشد (٥).
المبحث الثاني: السنة أن يصلوا كل صلاة في وقتها قصرا بلا جمع
حكى ابن رشد الإجماع على ذلك (٦).
الدليل:
عن ابن عمر ﵄، قال: ((صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدراً من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعد أربعاً)) (٧).
المبحث الثالث: هل يقصر أهل مكة بمنى؟
اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:
القول الأول: يقصر أهل مكة بمنى، وهذا مذهب المالكية (٨)، وهو اختيار ابن تيمية (٩)، وابن باز (١٠).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
стр. 720
١ - عن ابن عمر ﵄، قال: ((صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدراً من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعد أربعا)) (١).
٢ - عن عبدالرحمن بن يزيد، قال: صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل: ذلك لعبدالله بن مسعود ﵁، فاسترجع، ثم قال: ((صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق ﵁ بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان)) (٢).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ صلى بالناس من أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة قصراً، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام، ولو كان واجباً عليهم لبينه لهم (٣).
القول الثاني: يتم أهل مكة بمنى، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، واختاره ابن عثيمين احتياطاً (٧).
الأدلة:
أولاً: عن ابن عمر ﵄، قال: ((صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدراً من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعد أربعاً)) (٨).
وجه الدلالة:
أن من أوجه تفسير سبب إتمام عثمان ﵁ بمنى أنه تأهل بمكة، فلم يكن مسافراً، فصلى صلاة المقيم، فدل على أن أهل مكة يتمون بمنى ولا يقصرون (٩).
ثانياً: أن المكي غير مسافر، فحكمه حكم المقيم، فيتم الصلاة، ولا يقصر، وإنما يقصر من كان سفره سفراً تقصر في مثله الصلاة (١٠).
стр. 721
الفصل الثالث: حكم المبيت بمنى ليلة عرفة
يسن أن يبيت الحاج بمنى ليلة عرفة، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
الأدلة:
أولا: من السنة:
عن جابر ﵁ قال: ((ثم مكث طويلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبةٍ من شعر تضرب له بنمرة)) (٥)
ثانيا: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك النووي (٦)، وابن عبدالبر (٧).
стр. 722
الفصل الأول: التعريف بيوم عرفة والفرق بينه وبين عرفات وسبب التسمية به
المبحث الأول: تعريف يوم عرفة:
يوم عرفة: هو التاسع من ذي الحجة.
وعرفة أو عرفات: موقف الحاج ذلك اليوم، وهي على نحو (٢٠ كيلو متر تقريبا) (١).
المبحث الثاني: الفرق بين عرفة وعرفات:
قال النيسابوري: عرفات جمع عرفة.
وقال الطبرسي: عرفات: اسمٌ للبقعة المعروفة التي يجب الوقوف بها، ويوم عرفة يوم الوقوف بها (٢).
المبحث الثالث: سبب تسمية عرفات:
قيل: سميت بذلك لأن آدم ﵇ عرف حواء فيها.
وقيل: لأن جبريل ﵇ عرَّف إبراهيم ﵇ فيها المناسك.
وقيل: لتعارف الناس فيها (٣).
وقيل: هي مأخوذة من العَرْف وهو الطيب؛ لأنها مقدسة (٤).
стр. 723
الفصل الثاني: فضل يوم عرفة
المبحث الأول: فضل يوم عرفة للحاج
أولا: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من يومٍ أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟)) (١).
ثانيا: عن عمر بن الخطاب، أن رجلاً من اليهود قال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أي آية؟ قال: اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣] قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ ، وهو قائمٌ بعرفة يوم جمعة (٢).
المبحث الثاني: فضل يوم عرفة لغير الحاج:
أولا: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده)) (٣).
ثانيا: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه))، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ((ولا الجهاد، إلا رجلٌ خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)) (٤).
وجه الدلالة:
أن يوم عرفة هو اليوم التاسع من هذه الأيام العشر فيشمله ذلك الفضل.
стр. 724
الفصل الثالث: حكم الوقوف بعرفة
المبحث الأول: حكم الوقوف بعرفة
الوقوف بعرفة ركنٌ من أركان الحج، ولا يصح الحج إلا به، ومن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج.
الأدلة:
أولا: من القرآن
قال الله تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨].
وجه الدلالة:
أن قوله: فَإِذَا أَفَضْتُمْ يدل على أن الوقوف بعرفة لا بد منه، وأنه أمرٌ مسلَّم وأن الوقوف بالمزدلفة إنما يكون بعد الوقوف بعرفة (١).
ثانيا: من السنة:
١ - عن عبدالرحمن بن يعمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الحج عرفة)) (٢).
٢ - عن عروة بن مضرس الطائي قال: ((أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبلٍ إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد أتم حجه وقضى تفثه)) (٣).
ثالثا: الإجماع:
نقل الإجماع على ركنيته: ابن عبدالبر (٤)، وابن المنذر (٥)، وابن قدامة (٦).
المبحث الثاني: ما المراد بالوقوف؟
المراد بالوقوف بعرفة: المكث فيها، لا الوقوف على القدمين (٧)
الدليل:
أولا: من السنة:
أن النبي ﷺ وقف بعرفة راكبًا، ومعلومٌ أن الراكب على البعير جالسٌ عليها وليس واقفاً عليها (٨).
ثانيا: أن الوقوف قد يراد به السكون لا القيام (٩).
стр. 725
الفصل الرابع: شروط الوقوف بعرفة
المبحث الأول: أن يكون الوقوف في أرض عرفات
تمهيد
يشترط أن يكون الوقوف في أرض عرفات لا في غيرها، وعرفة كلها موقف (١).
الدليل:
أولا: من السنة:
١ - فعله ﷺ ، وقوله: ((لتأخذوا مناسككم)) (٢).
٢ - حديث جابر وفيه: (( ... وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف)) (٣).
ثانيا: فعل الصحابة ﵃، ولم يثبت أن أحدًا منهم وقف خارج عرفات.
المطلب الأول: ما هي حدود عرفات؟
لعرفات أربعة حدود:
أحدها: ينتهي إلى حافة طريق المشرق.
والثاني: إلى حافات الجبل الذي وراء أرض عرفات.
والثالث: إلى البساتين التي تلي قرية عرفات، وهذه القرية على يسار مستقبل الكعبة إذا وَقَفَ بأرضِ عرفات.
والرابع: ينتهي إلى وادي عرنة. (٤).
وقد وُضِعَت الآن علاماتٌ حول أرض عرفة تبين حدودها، ويجب على الحاج أن يتنبه لها؛ لئلا يقع وقوفه خارج عرفة، فيفوته الحج (٥).
المطلب الثاني: حكم الوقوف بوادي عرنة (٦).
لا يصح الوقوف بوادي عرنة، ولا المسجد المسمَّى: مسجد إبراهيم (٧)، ويقال له أيضاً: مسجد عرنة، بل هذه المواضع خارجة عن عرفات، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٨)، والمالكية في المشهور (٩)، والشافعية (١٠) والحنابلة (١١) وحكى الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (١٢)، والقاضي عياض (١٣)، وسند (١٤)، والزيلعي (١٥).
الدليل:
стр. 726
حديث: ((ارفعوا عن بطن عرنة)) (١)، فلا يجزيه أن يقف بمكان أمر رسول الله ﷺ أن لا يقف به (٢).
المطلب الثالث: هل نمرة من عرفة؟
نَمِرة (٣) ليست من عرفة، ولا من الحرم، وإنما يُستحبُّ النزول بها بعد طلوع الشمس قبل النزول بعرفة (٤).
الدليل:
عن جابر بن عبدالله ﵄ أنه قال في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس)) (٥).
وجه الدلالة:
أن فيه استحباب النزول بنمرة اذا ذهبوا من منى؛ لأن السنة أن لا يدخلوا عرفات، إلا بعد زوال الشمس وبعد صلاتي الظهر والعصر جمعاً (٦).
مسألة:
مسجد نمرة والذي كان يسمى مسجد إبراهيم، يقع مقدمته في عرنة خارج عرفات، والتي فيها محل الخطبة والصلاة، ويقع آخره في عرفة، وقد ميز بينهما بعلامات، وقد كان قديما يميز بينهما بصخراتٍ كبارٍ فرشت هناك (٧).
المطلب الرابع: حكم من وقف بعرفة وهو لا يعلم أنه عرفة
стр. 727
من وقف بعرفة محرماً في زمن الوقوف وهو لا يعلم أنه بعرفة، فإنه يجزئه باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
الأدلة:
أولاً: عموم قوله ﷺ : ((وقد أتى عرفات، قبل ذلك ليلاً أو نهاراً)) (٥)
ثانياً: أنه لا تشترط النية لصحة الوقوف بعرفة (٦).
ثالثاً: أن الركن قد حصل وهو الوقوف ولا يمتنع ذلك بالإغماء والنوم كركن الصوم (٧).
رابعاً: أنه وقف بها في زمن الوقوف وهو مكلف، فأشبه إذا علم أنها عرفة (٨).
المطلب الخامس: حكم من وقف بغير أرض عرفات:
إن غلط الناس فوقفوا في غير أرض عرفات، يظنونها عرفات لم يجزئهم، ويلزمهم القضاء سواء كانوا جمعاً كثيراً أو قليلاً.
الأدلة:
أولاً: الإجماع:
نقله النووي (٩).
ثانياً: أن الوقوف بأرض عرفات شرطٌ من شروط صحة الوقوف.
ثالثاً: لتفريطهم (١٠).
المبحث الثاني: أن يكون الوقوف في زمان الوقوف
تمهيد:
يشترط لصحة الوقوف بعرفة أن يكون في وقت الوقوف
الأدلة:
أولا: من السنة:
وقوفه ﷺ في زمن الوقوف، وقوله: ((لتأخذوا مناسككم)) (١١).
ثانياً: الإجماع:
نقله ابن حزم (١٢).
المطلب الأول: أول وقت الوقوف بعرفة:
стр. 728
يبدأ الوقوف بعرفة من زوال الشمس يوم التاسع من ذي الحجة، وهو قول الجمهور (١) من الحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) ورواية عن أحمد (٥). وحكى الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (٦)، وابن حزم (٧)، والقرطبي (٨).
الأدلة:
أولا: من السنة:
١ - فعله ﷺ ، كما في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : «فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس» (٩)، وقد قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (١٠).
ثانيا: أن النبي ﷺ وقف بعد الزوال، وكذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم إلى اليوم، وما نُقِلَ أن أحدًا وقف قبل الزوال (١١).
المطلب الثاني: آخر وقت الوقوف بعرفة:
ينتهي الوقوف بعرفة بطلوع فجر يوم النحر، فمن أتى إلى عرفة بعد فجر يوم النحر فقد فاته الحج
الأدلة:
أولا من السنة:
١ - عن عروة بن مضرس الطائي، أن النبي ﷺ قال: ((من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)) (١٢).
ثانياً: الإجماع:
стр. 729
نقله ابن المنذر (١)، وابن حزم (٢)،وابن عبدالبر (٣)، وابن قدامة (٤).
المسألة الأولى: ما هو قدر الوقوف المجزئ؟
من وقف بعرفة ولو لحظة من زوال شمس يوم التاسع إلى فجر يوم العاشر، قائمًا كان أو جالسًا أو راكبًا فإنه يجزئه، وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٥)، والشافعية (٦) والحنابلة (٧).
الدليل:
عن عروة بن مضرس الطائي، أن النبي ﷺ قال: ((من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)) (٨).
ثانياً: أنه إذا وقف لحظةً في زمن الوقوف صدق عليه أنه وقف بعرفات.
المسألة الثانية: إلى متى يجب الوقوف بعرفة لمن وافاها نهارا؟
стр. 730
يجب الوقوف بعرفة لمن وافاها نهارًا إلى غروب الشمس، ولا يجوز له الدفع قبل الغروب، فإن دفع أجزأه الوقوف وعليه دم، وهذا مذهب الحنفية (١) والحنابلة (٢) وهو قول للمالكية (٣)، والشافعية (٤)، واختاره اللخمي وابن العربي، ومال إليه ابن عبدالبر (٥) وهو اختيار ابن باز (٦) واستحسنه ابن عثيمين (٧).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
حديث جابر: ((حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء. فرحلت له. فأتي بطن الوادي. فخطب الناس ... ثم أذن. ثم أقام فصلى الظهر. ثم أقام فصلى العصر. ولم يصل بينهما شيئاً. ثم ركب رسول الله ﷺ . حتى أتى الموقف)) (٨)
وجه الدلالة:
أن مكث النبي ﷺ فيها إلى الغروب مع كون الدفع بالنهار أرفق بالناس يدل على وجوبه لأنه لو كان جائزاً لاختاره النبي ﷺ فإنه: ((ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)) (٩).
ثانياً: أن تأخير الرسول ﷺ الدفع إلى ما بعد غروب الشمس، ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب مع أن وقت المغرب قد دخل يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت (١٠).
ثالثاً: أن في الدفع قبل الغروب مشابهة لأهل الجاهلية حيث يدفعون قبل غروب الشمس، إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال، كعمائم الرجال على رؤوس الرجال (١١).
رابعاً: أنه لو كان جائزًا لرخص النبي ﷺ للضعفة أن يتقدموا من عرفة إلى مزدلفة قبل الغروب.
المسألة الثالثة: حكم من دفع قبل غروب شمس التاسع ثم عاد قبل فجر العاشر
стр. 731
من دفع قبل غروب شمس يوم التاسع ثم عاد قبل فجر يوم النحر أجزأه الوقوف, هولا شيء عليه، وهو قول الجمهور من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو قول للحنفية (٤)، واختاره الكمال ابن الهمام (٥).
وذلك للآتي:
أولا: أنه استدرك ما فاته وأتى بما عليه, لأن الواجب عليه الإفاضة بعد غروب الشمس, وقد أتى به فيسقط عنه الدم كمن جاوز الميقات حلالاً ثم عاد إلى الميقات وأحرم (٦).
ثانياً: أنه لو وقف بها ليلاً دون النهار لم يجب عليه دم (٧).
ثالثاً: أنه أتى بالواجب وهو الجمع بين الليل والنهار (٨).
المسألة الرابعة: حكم من وقف بعرفة ليلا فقط
من لم يقف بعرفة إلا ليلة العاشر من ذي الحجة فإنه يجزئه ولا يلزمه شيء، ولكن فاتته الفضيلة.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي أن ناساً من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة، فسألوه فأمر مناديا فنادى: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج)) (٩).
٢ - عن عروة بن مضرس الطائي، أن النبي ﷺ قال: ((من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)) (١٠).
ثانياً: الإجماع:
стр. 732
نقل الإجماع على ذلك: ابن المنذر (١) , وابن عبدالبر (٢)، وابن قدامة (٣) , النووي (٤).
المسألة الخامسة: الخطأ في زمن الوقوف
أولاً: الخطأ في زمن الوقوف بالتقديم
إذا كان الخطأ في التقديم: بأن أخطأ الناس جميعاً فوقفوا يوم الثامن يوم التروية وأمكن أن يقفوا في التاسع فإنه لا يجزئ، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (٥) , والمالكية في المشهور (٦)، والشافعية (٧)، وذلك لأن التدارك ممكن في الجملة بأن يزول الاشتباه في يوم عرفة (٨).
ثانياً: الخطأ في زمن الوقوف بالتأخير
إذا كان الخطأ في التأخير بأن أخطأ الناس فوقفوا يوم النحر
وكان الخطأ من الجميع أو الأكثر فحجهم صحيح باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢).نقل النووي الاتفاق على ذلك (١٣).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
حديث: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) (١٤)
ثانياً: أن الهلال هو اسم لما اشتهر عند الناس وعملوا به لا لما يطلع في السماء (١٥).
ثالثاً: أن في القول بعد الإجزاء حرج شديد؛ لعموم البلوى به، وتعذر الاحتراز عنه، والتدارك غير ممكن، وفي الأمر بقضاء الحجيج كلهم حرج بين، فوجب أن يكتفى به عند الاشتباه (١٦).
رابعاً: أنهم فعلوا ما أمروا به، ومن فعل ما أمر به على وجه ما أمر به فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه العبادة مرتين (١٧).
المبحث الثالث: أن يكون الواقف أهلاً للحج
стр. 733
يشترط في صحة الوقوف بعرفة أن يكون الواقف أهلاً للحج، وذلك كما يلي:
أولاً: أن يكون مسلماً؛ لأن غير المسلم لا يصح منه الحج (١).
ثانياً: أن يكون محرماً؛ لأن غير المحرم ليس أهلاً للحج، ولم يكن في إحرام حتى يصح منه الوقوف (٢).
ثالثاً: أن يكون عاقلاً؛ لأن المجنون لا يصح وقوفه إذ إنه فاقد لعقله الذي هو مناط التكليف (٣).
المبحث الرابع: حكم من وقف بعرفة على غير طهارة
يجزئ الوقوف بعرفة على غير طهارة، ولا شيء عليه ولكن يستحب له أن يكون على طهارة (٤).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - قوله ﷺ لعائشة ﵂: ((اصنعي كل ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) (٥) ..
وجه الدلالة:
أن استثناء الطواف من عمل الحائض في الحج حتى تطهر، يدل على عدم اشتراط الطهارة لغيره من أعمال الحاج، ومن جملة ذلك الوقوف بعرفة.
٢ - عن عروة بن مضرس الطائي، أن النبي ﷺ قال: ((من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارا ًفقد تم حجه وقضى تفثه)) (٦).
وجه الدلالة:
أن هذا الحديث وغيره من أحاديث الوقوف بعرفة مطلق عن شرط الطهارة (٧).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك: ابن المنذر (٨)، وابن قدامة (٩).
المبحث الخامس: هل يشترط ستر العورة واستقبال القبلة للوقوف بعرفة؟
لا يشترط للواقف بعرفة أن يستر عورته أو أن يستقبل القبلة، وحكاه ابن قدامة إجماعًا (١٠).
المبحث السادس: حكم وقوف النائم
من وقف بعرفة وهو نائم فقد أدرك الحج باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (١١)، والمالكية (١٢)، والشافعية (١٣)، والحنابلة (١٤).
وذلك للآتي:
أولاً: أنه أتى بالقدر المفروض، وهو حصوله كائنا بعرفة (١٥).
ثانياً: أنه نسك غير متعلق بالبيت فلا تشترط له الطهارة، كرمي الجمار (١٦).
ثالثاً: أن النائم في حكم المستيقظ فهو من أهل العبادات، لذا فإنه إن نام في جميع النهار صح صومه (١٧).
المبحث السابع: حكم وقوف المغمى عليه
стр. 734
من وقف بعرفة وهو مغمى عليه فإنه يجزئه الوقوف، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ووجه عند الشافعية (٣)، وتوقف فيه أحمد (٤)، واختاره الشنقيطي (٥) , وابن عثيمين (٦).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن عروة بن مضرس الطائي قال: ((أتيت النبي ﷺ بالموقف - يعني بجمع - فقلت: يا رسول الله, أهلكت مطيتي, واتعبت نفسي, والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه, فهل لي من حج؟ فقال ﷺ : من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى قبل ذلك عرفات ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)) (٧).
وجه الدلالة:
أن من وقف بعرفة وهو مغمى عليه فقد أتى بالقدر المفروض، وهو حصوله كائناً بعرفة، فحصل الركن، ولا يمتنع ذلك بالإغماء والنوم كركن الصوم (٨).
ثانياً: أن الوقوف ليس بعبادة مقصودة ولهذا لا يتنفل به، فوجود النية في أصل العبادة وهو الإحرام يغني عن اشتراطه في الوقوف (٩).
ثالثاً: أن الوقفوف بعرفة لا يعتبر له نية ولا طهارة، ويصح من النائم، فصح من المغمى عليه، كالمبيت بمزدلفة (١٠).
стр. 735
الفصل الخامس: سنن ومستحبات الوقوف بعرفة
المبحث الأول: الغسل للوقوف بعرفة
يستحب الاغتسال للوقوف بعرفة، باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , الشافعية (٣) , والحنابلة (٤).
الأدلة:
أولاً: عن علي ﵁ لما سئل عن الغسل قال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر. (٥)
ثانياً: عن نافع أن ابن عمر ﵄ كان يغتسل لوقوفه عشية عرفة. (٦)
ثالثاً: أنه قربة يجتمع لها الخلق في موضع واحد فشرع لها الغسل كصلاة الجمعة والعيدين.
المبحث الثاني: السير من منى إلى عرفة صباحاً بعد طلوع شمس يوم عرفة.
يسن السير من منى إلى عرفة صباحًا بعد طلوع شمس يوم عرفة.
الدليل:
عن جابر عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة)) (٧).
المبحث الثالث: خطبة عرفة
المطلب الأول: تُسن خطبة عرفة
يسن للإمام أن يخطب بعرفة بعد الزوال قبل الصلاة، باتفاق المذاهب الأربعة (٨): الحنفية (٩) , والمالكية (١٠) , والشافعية (١١) , والحنابلة (١٢).
الدليل:
عن جابر عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا ... )) (١٣).
المطلب الثاني: هل خطبة عرفة خطبتان أو خطبة واحدة؟
اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:
القول الأول: أن خطبة عرفة خطبتان يفصل بينهما بجلسة خفيفة، وهو قول الجمهور من: الحنفية (١٤) , والمالكية (١٥) , والشافعية (١٦).
ودليل ذلك: القياس على خطبة الجمعة.
стр. 736
القول الثاني: أن خطبة عرفة خطبة واحدة، وهذا مذهب الحنابلة (١)، واختاره ابن القيم (٢)، وابن عثيمين (٣).
الدليل:
عن جابر عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا ... )) (٤).
وجه الدلالة:
أنه ليس فيه إلا خطبة واحدة (٥).
المبحث الرابع: الجمع بين الصلاتين يوم عرفة
المطلب الأول: الجمع بين الصلاتين يوم عرفة
يسن للحاج الجمع بين الظهر والعصر بعرفة تقديمًا في وقت الظهر.
الدليل:
فعله ﷺ كما في حديث جابر، وفيه: ((ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا)) (٦).
عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم، أن الحجاج بن يوسف، عام نزل بابن الزبير ﵄، سأل عبدالله ﵁، كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: ((إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة، فقال عبدالله بن عمر: صدق، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة، فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال سالم: وهل تتبعون في ذلك إلا سنته)) (٧).
الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك: ابن المنذر (٨)، وابن عبدالبر (٩)، والنووي (١٠)،وابن دقيق العيد (١١)، وابن تيمية (١٢).
المطلب الثاني: سبب الجمع بعرفة والمزدلفة
اختلف أهلُ العلم في سبب الجمع بعرفة والمزدلفة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن سبب الجمع بعرفة والمزدلفة السفر، فلا يجمع من كان دون مسافة قصر، كأهل مكة، وهذا مذهب الشافعية (١٣)، والحنابلة (١٤)(١٥).
الأدلة:
стр. 737
أولاً: نصوص جمع النبي ﷺ في أسفاره، ومنها:
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: ((جمع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء)) (١).
ثانياً: جمع النبي ﷺ بعرفة والمزدلفة:
عن جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ : ((ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً ... حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً)) (٢).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ جمع، وهو مسافر، وهو وصف مناسبٌ ومعهود للجمع، ولا أثر للنسك في ذلك، بدليل عدم الجمع في منى (٣).
стр. 738
القول الثاني: أن سبب ذلك النسك، فيجوز الجمع للحاج حتى لمن كان دون مسافة قصر، كأهل مكة، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو وجهٌ للشافعية (٣)، وقول للحنابلة (٤)، واختاره الطبري (٥)، وابن قدامة (٦)(٧) , وابن باز (٨).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ : ((ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً ... حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً)) (٩).
وجه الدلالة:
стр. 739
أن النبي ﷺ جمع، فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع، كما أمرهم بترك القصر حين قال: (أتموا، فإنا سفر)، ولو حرم الجمع لبينه لهم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يقر النبي ﷺ على الخطأ، كما أنه لم ينقل عن أحد من أهل مكة التخلف عن الصلاة معه ﷺ (١).
ثانياً: أن عثمان ﵁ مع كونه أتم الصلاة؛ لأنه اتخذ أهلاً، إلا أنه لم يترك الجمع (٢).
ثالثاً: الإجماع:
نقل الإجماع على سنية الجمع بعرفة والمزدلفة جماعة من أهل العلم مما يدل على أن سبب الجمع النسك لا السفر: وممن نقله ابن المنذر (٣)، وابن عبدالبر (٤)، وابن رشد (٥)، وابن قدامة (٦)، وابن دقيق العيد (٧)، وابن تيمية (٨)، وابن جزي (٩).
стр. 740
القول الثالث: أن سبب ذلك الحاجة ورفع الحرج، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن (١)، واختاره ابن تيمية (٢)، وابن عثيمين (٣). وذلك للآتي:
أولا أن الجمع بين الصلاتين لم يعلق بمجرد السفر في شيء من النصوص، بل النبي ﷺ لم يجمع في حجته إلا بعرفة والمزدلفة، وكان بمنى يقصر ولا يجمع، وكذلك في سائر سفر حجته، ولا يجمع لمجرد النسك، فإنه لو كان للنسك لجمع من حين أحرم (٤).