← Фикх общий

Фикх общий · id 38056

الموسوعة الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 364 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

القول الثاني: أن خطبة عرفة خطبة واحدة، وهذا مذهب الحنابلة (١)، واختاره ابن القيم (٢)، وابن عثيمين (٣). الدليل: عن جابر عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا ... )) (٤). وجه الدلالة: أنه ليس فيه إلا خطبة واحدة (٥). المبحث الرابع: الجمع بين الصلاتين يوم عرفة المطلب الأول: الجمع بين الصلاتين يوم عرفة يسن للحاج الجمع بين الظهر والعصر بعرفة تقديمًا في وقت الظهر. الدليل: فعله ﷺ كما في حديث جابر، وفيه: ((ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا)) (٦). عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم، أن الحجاج بن يوسف، عام نزل بابن الزبير ﵄، سأل عبدالله ﵁، كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: ((إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة، فقال عبدالله بن عمر: صدق، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة، فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال سالم: وهل تتبعون في ذلك إلا سنته)) (٧). الإجماع: نقل الإجماع على ذلك: ابن المنذر (٨)، وابن عبدالبر (٩)، والنووي (١٠)،وابن دقيق العيد (١١)، وابن تيمية (١٢). المطلب الثاني: سبب الجمع بعرفة والمزدلفة اختلف أهلُ العلم في سبب الجمع بعرفة والمزدلفة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن سبب الجمع بعرفة والمزدلفة السفر، فلا يجمع من كان دون مسافة قصر، كأهل مكة، وهذا مذهب الشافعية (١٣)، والحنابلة (١٤) (١٥). الأدلة:

стр. 737

أولاً: نصوص جمع النبي ﷺ في أسفاره، ومنها: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: ((جمع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء)) (١). ثانياً: جمع النبي ﷺ بعرفة والمزدلفة: عن جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ : ((ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً ... حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً)) (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جمع، وهو مسافر، وهو وصف مناسبٌ ومعهود للجمع، ولا أثر للنسك في ذلك، بدليل عدم الجمع في منى (٣).

стр. 738

القول الثاني: أن سبب ذلك النسك، فيجوز الجمع للحاج حتى لمن كان دون مسافة قصر، كأهل مكة، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو وجهٌ للشافعية (٣)، وقول للحنابلة (٤)، واختاره الطبري (٥)، وابن قدامة (٦) (٧) , وابن باز (٨). الأدلة: أولاً: من السنة: حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ : ((ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً ... حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً)) (٩). وجه الدلالة:

стр. 739

أن النبي ﷺ جمع، فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع، كما أمرهم بترك القصر حين قال: (أتموا، فإنا سفر)، ولو حرم الجمع لبينه لهم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يقر النبي ﷺ على الخطأ، كما أنه لم ينقل عن أحد من أهل مكة التخلف عن الصلاة معه ﷺ (١). ثانياً: أن عثمان ﵁ مع كونه أتم الصلاة؛ لأنه اتخذ أهلاً، إلا أنه لم يترك الجمع (٢). ثالثاً: الإجماع: نقل الإجماع على سنية الجمع بعرفة والمزدلفة جماعة من أهل العلم مما يدل على أن سبب الجمع النسك لا السفر: وممن نقله ابن المنذر (٣)، وابن عبدالبر (٤)، وابن رشد (٥)، وابن قدامة (٦)، وابن دقيق العيد (٧)، وابن تيمية (٨)، وابن جزي (٩).

стр. 740

القول الثالث: أن سبب ذلك الحاجة ورفع الحرج، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن (١)، واختاره ابن تيمية (٢)، وابن عثيمين (٣). وذلك للآتي: أولا أن الجمع بين الصلاتين لم يعلق بمجرد السفر في شيء من النصوص، بل النبي ﷺ لم يجمع في حجته إلا بعرفة والمزدلفة، وكان بمنى يقصر ولا يجمع، وكذلك في سائر سفر حجته، ولا يجمع لمجرد النسك، فإنه لو كان للنسك لجمع من حين أحرم (٤).

стр. 741

ثانيا: أن الجمع بعرفة كان لمصلحة طول زمن الوقوف والدعاء، لأن الناس يتفرقون في الموقف, فإن اجتمعوا للصلاة شق عليهم، وإن صلوا متفرقين فاتت مصلحة كثرة الجمع، أما في مزدلفة فهم أحوج إلى الجمع، لأن الناس يدفعون من عرفة بعد الغروب فلو حبسوا لصلاة المغرب فيها لصلوها من غير خشوع, ولو أوقفوا لصلاتها في الطريق لكان ذلك أشق فكانت الحاجة داعية إلى تأخير المغرب لتجمع مع العشاء هناك، وفي هذا مصلحة في الجمع بين المحافظة على الخشوع في الصلاة ومراعاة أحوال العباد (١). المطلب الثالث: هل يقصر المكي في عرفة والمزدلفة؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: لا يقصر المكي، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (٢)، والشافعية في الأصح (٣)، والحنابلة (٤)، وبه قال جمهور السلف (٥)، واختاره داود الظاهري (٦). ودليل ذلك: أن المكي غير مسافر، فحكمه حكم المقيم، فيتم الصلاة، ولا يقصر، وإنما يقصر من كان سفره سفراً تقصر في مثله الصلاة، والمعروف أن عرفة، وهي أبعد المشاعر عن مكة ليست كذلك (٧).

стр. 742

القول الثاني: يقصر أهل مكة، وهذا مذهب المالكية (١)، وقولٌ للشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، وبه قال طائفة من السلف (٤)، واختاره أبو الخطاب (٥)، وابن تيمية (٦)، وابن القيم (٧)، والشنقيطي (٨)،

стр. 743

وابن باز (١)، وابن عثيمين (٢). الأدلة: أولاً: من السنة: حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ : ((ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً ... حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً)) (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ وجميع من معه جمعوا وقصروا، ولم يثبت شيء يدل على أنهم أتموا صلاتهم بعد سلامه في منى، ولا مزدلفة، ولا عرفة، وسائر الأمراء هكذا لا يصلون إلا ركعتين فعلم أن ذلك سنة الموضع (٤).

стр. 744

ثانياً: أنه لو كان أهل مكة قاموا فأتموا وصلوا أربعاً وفعلوا ذلك بعرفة ومزدلفة وبمنى أيام منى لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله بالضرورة؛ بل لو أخروا صلاة العصر ثم قاموا دون سائر الحجاج فصلوها قصراً لنقل ذلك فكيف إذا أتموا الظهر أربعاً دون سائر المسلمين, وأيضاً فإنهم إذا أخذوا في إتمام الظهر والنبي ﷺ قد شرع في العصر لكان إما أن ينتظرهم فيطيل القيام, وإما أن يفوتهم معه بعض العصر بل أكثرها؛ فكيف إذا كانوا يتمون الصلوات؟ (١). ثالثاً: عن عمر بن الخطاب ﵁: ((أنه لما قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم انصرف فقال: يا أهل مكة، أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) (٢). وجه الدلالة: أنه صلى بهم بعد ذلك بمنى ركعتين ولم يرو عنه أنه قال لأهل مكة شيئاً (٣). رابعاً: أن لهم الجمع، فكان لهم القصر كغيرهم (٤). خامساً: أن في تكرار مشاعر الحج ومناسكه مقدار المسافة التي فيها قصر الصلاة عند الجميع؛ فإن عمل الحج إنما يتم في أكثر من يوم وليلة مع لزوم الانتقال من محل لآخر فلفق بينها ما يحصل به مسافة القصر سواء كان التحديد بالمسافة أو بالزمن (٥). سادساً: أنها منازل السفر وإن لم تكن سفراً, تقصر فيه الصلاة، بدليل أن رسول الله ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بمكة إلى يوم التروية وذلك أربع ليال ثم خرج فقصر بمنى (٦). سابعاً: أن كل ما يطلق عليه اسم السفر لغة تقصر فيه الصلاة، أما تحديد مسافة القصر لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ (٧). ثامناً: أنه لو كان سبب الجمع والقصر النسك لكانوا إذا حلوا التحلل الثاني لم يحل لهم أن يقصروا في منى، ولو كان سببه النسك، لكانوا إذا أحرموا في مكة بحج أو عمرة جاز لهم الجمع والقصر (٨). المطلب الرابع: هل يجمع ويقصر من صلى وحده؟

стр. 745

من صلى الظهر والعصر منفردًا يجوز له أن يجمع ويقصر، وهو قول الجمهور (١) من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة (٥)، واختاره الطحاوي (٦) (٧). الأدلة: أولاً: عن نافع قال: ((أن ابن عمر كان إذا لم يدرك الإمام يوم عرفة جمع بين الظهر والعصر في منزله)). (٨) وجه الدلالة: ابن عمر ﵄ هو أحد من روى حديث جمع النبي ﷺ بين الصلاتين, وكان مع ذلك يجمع وحده, فدل على أنه عرف أن الجمع لا يختص بالإمام (٩). ثانياً: أن الجمع بين الصلاتين يوم عرفة إنما كان للحاجة إلى امتداد الوقوف ليتفرغوا للدعاء لأنه موقف يقصد إليه من أطراف الأرض، فشرع الجمع لئلا يشتغل عن الدعاء، والمنفرد وغيره في هذه الحاجة, سواء فيستويان في جواز الجمع (١٠). ثالثاً: أن كل جمع جاز مع الإمام جاز منفردًا؛ فإن الجماعة ليست شرطاً في الجمع. (١١). المطلب الخامس: صفة الأذان والإقامة للصلاتين تكون الصلاة بأذان واحد وإقامتين، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١٢)، والشافعية (١٣)، والحنابلة (١٤)، وروي عن مالك (١٥)، واختاره الطبري (١٦)، وابن تيمية (١٧) (١٨). الدليل:

стр. 746

حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ صلاهما بأذان وإقامتين, وفيه: ((ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر)) (١). مسألة: هل يكون الأذان قبل الخطبة أو بعدها؟ الأمر في هذا واسع (٢)، لكن السنة أن يكون الأذان بعد الخطبة، وهو ظاهر مذهب الحنابلة (٣)، وقول للمالكية (٤)، وروي عن أبي يوسف (٥)، واختاره الشوكاني (٦)، وابن عثيمين (٧). الأدلة: أولاً: من السنة: عن جابر بن عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((فأتى بطن الوادي، فخطب الناس .... ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً)) (٨). المطلب السادس: هل يجهر بالقراءة أم يسر؟ يسن الإسرار بالقراءة في صلاتي الظهر والعصر بعرفات، حتى لو وافق يوم الجمعة. الأدلة: أولاً: من السنة عن جابر بن عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً)) (٩). وجه الدلالة أنه نص أنه صلى الظهر، وصلاة الظهر لا يجهر فيها بالقراءة، ويتأيد هذا بأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ الجهر فيها، فظاهر الحال الإسرار (١٠). ثانياً: الإجماع نقل الإجماع على ذلك: ابن المنذر (١١)، وابن عبدالبر (١٢)، وابن رشد (١٣). المبحث الخامس: الإكثار من عمل الخير يوم عرفة يستحب في يوم عرفة الإكثار من أعمال الخير بأنواعها. الدليل: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه)). قالوا: ولا الجهاد قال: ((ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)) (١٤).

стр. 747

المبحث السادس: الإكثار من الدعاء والذكر والتلبية يوم عرفة يستحب في يوم عرفة الإكثار من الدعاء, والذكر, والتلبية (١). الدليل: عن جابر بن عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس)) (٢). المبحث السابع: الدفع إلى مزدلفة بعد غروب الشمس، وعليه السكينة والوقار يسن أن يدفع بعد غروب الشمس إلى مزدلفة وعليه السكينة والوقار، فإذا وجد فجوة أسرع (٣). الأدلة: أولاً: من السنة: عن جابر ﵁ في حديثه: ((فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص, فأردف أسامة خلفه, ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة)) أخرجه مسلم (٤). وقال أسامة ﵁: ((كان رسول الله ﷺ يسير العنق فإذا وجد فجوة نص - يعني أسرع - قال هشام: النص فوق العنق)) أخرجه البخاري ومسلم (٥). ثانياً: أن هذا مشي إلى الصلاة لأنهم يأتون مزدلفة ليصلوا بها المغرب والعشاء وقد قال النبي ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة)) أخرجه مسلم (٦). المبحث الثامن: أن يدفع ملبياً ذاكراً لله يستحب للحاج أن يدفع من عرفة ملبيا ذاكرا لله تعالى. الأدلة: أولاً: من القرآن قول الله تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [البقرة: ١٩٨] ثانياً: من السنة: عن الفضل بن العباس ﵄: (أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة) (٧). ثالثاً: أن ذكر الله مستحب في كل الأوقات وهو في هذا الوقت أشد تأكيدًا. رابعاً: أنه زمن الاستشعار بطاعة الله تعالى, والتلبس بعبادته, والسعي إلى شعائره، فناسب أن يكون مقروناً بذكر الله .

стр. 748

الفصل السادس: ما يكره للحاج يوم عرفة المبحث الأول: صوم يوم عرفة يكره صيام يوم عرفة للحاج، ويستحب له الإفطار، وهو قول جمهور العلماء منهم: المالكية (١) , والشافعية (٢) , والحنابلة (٣) (٤). الأدلة: أولاً: من السنة: عن أم الفضل بنت الحارث ﵂: (أن أناساً اختلفوا عندها في يوم عرفة في رسول الله ﷺ فقال بعضهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشرب) (٥). ثانياً: أن الدعاء في هذا اليوم يعظم ثوابه والصوم يضعفه فكان الفطر أفضل. (٦). المبحث الثاني: الإسراع في السير راكباً أو ماشياً إسراعاً يؤدي إلى الإيذاء يكره الإسراع في السير راكباً, أو ماشياً, إسراعاً يؤدي إلى الإيذاء. الدليل: أولاً: من السنة: لقوله ﷺ : ((عليكم بالسكينة)) (٧). ثانياً: أنه لا يجوز إيذاء المسلمين. المبحث الثالث: التطوع بين صلاتي الظهر والعصر بعرفة يكره التطوع بين صلاتي الظهر والعصر بعرفة، باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (٨) , والمالكية (٩) , والشافعية (١٠) , والحنابلة (١١). الدليل: من السنة: حديث جابر ﵁، وفيه: (ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً) (١٢).

стр. 749

الفصل الأول: أسماء مزدلفة ١ - مزدلفة: يقال: زلف إليه وازدلف وتزلف، أي: دنا منه، وأزلف الشيء: قربه، ومزدلفة والمزدلفة: موضع بمكة (١). سبب التسمية بمزدلفة: أ - لأنهم يقربون فيها من منى، والازدلاف التقريب، ومنه قوله تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [الشعراء:٩٠] أي قربت (٢). ب - لأن الناس يجتمعون بها، والاجتماع الازدلاف، ومنه قوله تعالى: وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ [الشعراء: ٦٤] (٣). ٢ - المشعر الحرام: سمى الله المزدلفة بالمشعر الحرام، قال تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة: ١٩٨] والمشعر الحرام المذكور في القرآن هو جميع المزدلفة، وبه قال جمهور المفسرين وأصحاب الحديث والسير (٤). ٣ - جمع: أطلق الرسول ﷺ على مزدلفة (جمع) فقال: ((ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف)) (٥). سبب التسمية بـ (جمع): سميت جمعاً؛ لأنها يجمع فيها بين الصلاتين، وقيل: وصفت بفعل أهلها؛ لأنهم يجتمعون بها ويزدلفون إلى الله أي: يتقربون إليه بالوقوف فيها (٦).

стр. 750

الفصل الثاني: حد المزدلفة حد المزدلفة: مابين المأزمين ووادي محسر، وليس الحدان منها (١)، ويحصل المبيت بالمزدلفة بالحضور في أية بقعة منها (٢). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن جابر ﵁ رسول الله ﷺ قال: ((نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا فى رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا، وجمع كلها موقف)) (٣). ثانياً: أن كل ما بين المأزمين ووادي محسر يصدق عليه اسم مزدلفة (٤).

стр. 751

الفصل الثالث: حكم الوقوف بالمزدلفة الوقوف بالمزدلفة واجب من واجبات الحج، باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: (١) الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية في الأصح (٤) والحنابلة (٥). وهو قول طائفة من السلف (٦). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٩] وجه الدلالة: الأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم دليل على صرفه عن الوجوب (٧) ثانياً: من السنة: ١ - عن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي قال: ((أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل طيء أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله! ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبلُ ليلاً أو نهاراً، فقد أتم حجه وقضى تفثه)) (٨) ٢ - حديث جابر ﵁: ((حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام ... )) (٩).

стр. 752

الفصل الرابع: حكم من فاته الوقوف الواجب في مزدلفة من فاته الوقوف الواجب بالمزدلفة صح حجه، وعليه دم (١) إلا إن تركه لعذر (٢) فلا شيء عليه، باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، الدليل على وجوب الدم: عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((من نسي شيئا من نسكه، أو تركه فليهرق دماً)) (٧). وجه الدلالة: أن مثله لا يقال بالرأي فله حكم الرفع، ولا مخالف له من الصحابة ﵃، وعليه انعقدت فتاوى التابعين، وعامة الأمة (٨). الأدلة على سقوط الدم عمن ترك المبيت بالمزدلفة لعذر: أولاً: من السنة: ١ - أن النبي ﷺ رخَّص للرعاة في ترك المبيت؛ لحديث عدي ﵁: ((أن رسول الله ﷺ أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى)) (٩). ٢ - أن العباس بن عبدالمطلب استأذن رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له (١٠). وجه الدلالة: أن العذر في المزدلفة كالعذر في منى من مشقة المبيت لأهل الأعذار. ثانياً: أنها ليلة يرمى في غدها، فكان لهم ترك المبيت فيها، كليالي منى (١١).

стр. 753

الفصل الخامس: صلاتا المغرب والعشاء في المزدلفة المبحث الأول: الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في المزدلفة يسن للحاج أن يجمع في مزدلفة بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير (١)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية في المشهور (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وبه قال أبو يوسف من الحنفية (٥)، وهو قول طائفة من السلف (٦). وحكى الإجماع على ذلك ابن المنذر (٧)، وابن عبدالبر (٨)، وابن رشد (٩) الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن ابن عمر، ﵄ قال: ((جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما)) (١٠). ٢ - عن أبي أيوب الأنصاري: ((أن رسول الله ﷺ جمع في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة)) (١١). ٣ - عن كريب عن أسامة بن زيد ﵄ أنه سمعه يقول: ((دفع رسول الله ﷺ من عرفة، فنزل الشعب فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة؟ فقال (الصلاة أمامك). فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يصل بينهما)) (١٢). المبحث الثاني: الجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين

стр. 754

يجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، وهذا مذهب الشافعية (١) والحنابلة (٢)، وبه قال زفر (٣) والطحاوي (٤) من الحنفية، وعبدالملك ابن الماجشون من المالكية (٥)،واختاره ابن المنذر (٦)، وابن حزم (٧)، وابن القيم (٨)، والشوكاني (٩)، والشنقيطي (١٠)، وابن باز (١١)، وابن عثيمين (١٢). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن جابر ﵁: ((أن النبي ﷺ أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر وصلى الفجر)) (١٣). ٢ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال: ((دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضأ فقلت له: الصلاة يا رسول الله، قال: الصلاة أمامك. فركب فلما جاء مزدلفة نزل، فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلى، ولم يصل بينهما)) (١٤). ثانياً: الاعتبار بالجمع بعرفة (١٥). المبحث الثالث: صلاة الفجر في مزدلفة تصلى في أوَّل وقتها

стр. 755

يُشرع للحاج بعد بياته بمزدلفة أن يصلي صلاة الفجر في أوَّل وقتها، ويأتي المشعر الحرام (جبل قزح) ويقف عنده فيدعو الله (١)، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - فعل النبي ﷺ كما في حديث جابر وفيه: ((حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله تعالى وكبره وهلله، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس)) (٦). ٢ - عن عبدالله قال ((ما رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها إلا المغرب والعشاء بجمع وصلاة الفجر يومئذ قبل ميقاتها)) (٧). ثانياً: أنه يستحب الدعاء بعدها، فاستحب تقديمها ليكثر الدعاء. ثالثاً: ليتسع الوقت لوظائف هذا اليوم من المناسك فإنها كثيرة في هذا اليوم، فليس في أيام الحج أكثر عملاً منه (٨).

стр. 756

الفصل السادس: الدفع من مزدلفة المبحث الأول: الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس يستحب أن يدفع الحاج من مزدلفة قبل طلوع الشمس. الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - فعل النبي ﷺ كما في حديث جابر وفيه: ((حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله تعالى وكبره وهلله، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس)) (١). ٢ - عن أبي إسحاق سمعت عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر، ﵁، صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، وأن النبي ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس (٢). ثانياً: الإجماع: ونقل الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (٣)، وابن قدامة (٤). المبحث الثاني: تقديم النساء والضعفة من مزدلفة إلى منى لا بأس بتقديم الضعفة والنساء قبل طلوع الفجر وبعد نصف الليل، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وهو قول طائفة من السلف (٧)، واختاره ابن باز (٨)، وابن عثيمين (٩)، وحكى ابن قدامة الإجماع على جواز تقديم ضعفة أهله في الجملة (١٠). الأدلة: أولاً: من السنة:

стр. 757

١ - حديث عائشة قالت: ((استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل خطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة فأذن لها)) (١) ٢ - عن ابن عباس قال: ((أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله)) (٢) ٣ - عن ابن عمر أنه كان يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول ((أرخص في أولئك رسول الله ﷺ ) (٣). ٤ - عن عبدالله مولى أسماء ((أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلى فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني، هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني، هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا. فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: ما أرانا إلا قد غلسنا. قالت: يا بني، إن رسول الله ﷺ أذن للظعن)) (٤) ٥ - عن أم حبيبة ((أن النبي ﷺ بعث بها من جمع بليل)) (٥) ثانياً: أن فيه رفقاً بهم، ودفعاً لمشقة الزحام عنهم، واقتداء بفعل نبيهم ﷺ (٦). المبحث الرابع: الإسراع في وادي محسر يُشرع الإسراع في وادي محسر، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٧)،والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، وبه عمل طائفة من السلف (١١). الأدلة: أولاً: من السنة: عن جابر ﵁ قال: ((أفاض رسول الله ﷺ وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأوضع في وادي محسر ... )) (١٢) ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃: ١ - عن المسور بن مخرمة: ((أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يوضع ويقول: إليك تعدو قلقاً وضينها مخالف دين النصارى دينها)) (١٣). ٢ - عن نافع: ((أن عبدالله بن عمر كان يحرك راحلته في بطن محسر قدر رمية بحجر)) (١٤).

стр. 758

المبحث الأول: معنى رمي الجمار الجمار: جمع جمرة، وهي الحجار الصغار، وتطلق على المواضع التي يرمي فيها حصيات الجمار في مني، إما لأنها ترمى بالجمار، وإما لأنها مجمع الحصى التي يرمى بها، وإما لاجتماع الحجيج عندها (١) (٢). ورمي الجمار في عرف الشرع: القذف بالحصى في زمان مخصوص، ومكان مخصوص، وعدد مخصوص (٣).

стр. 759

المبحث الثاني: أنواع الجمرات الجمرات التي ترمى ثلاثة، وهي: الجمرة الأولى: وتسمى الصغرى، أو الدنيا، وهي أول جمرة بعد مسجد الخيف بمنى، سميت " دنيا " من الدنو؛ لأنها أقرب الجمرات إلى مسجد الخيف. الجمرة الثانية: وتسمى الوسطى، بعد الجمرة الأولى، وقبل جمرة العقبة. جمرة العقبة: وتسمى أيضاً (الجمرة الكبرى) وتقع في آخر منى تجاه مكة، وليست من منى (١).

стр. 760

المبحث الثالث: حكمة الرمي أولاً: إقامة ذكر الله : حكمة الرمي في الجملة هي طاعة الله، فيما أمر به، وذكره بامتثال أمره على لسان نبيه ﷺ (١). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ [البقرة: ٢٠٣]. وجه الدلالة: أنه يدخل في الذكر المأمور به: رمي الجمار بدليل قوله بعده: فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣]، فإن ذلك يدل على أن الرمي شرع لإقامة ذكر الله (٢). ثانياً: من السنة: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)) (٣). ثانياً: الاقتداء بإبراهيم في عداوة الشيطان، ورميه، وعدم الانقياد إليه (٤): دليل ذلك:

стр. 761

عن ابن عباس مرفوعاً قال: ((لما أتى إبراهيم خليل الله ﵇ المناسك، عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له في الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم تتبعون)) (١) (٢).

стр. 762

المبحث الرابع: حكم رمي الجمار رمي الجمار واجبٌ في الحج. الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي)) (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ثبت عنه في هذا الحديث وفي أحاديث كثيرة أنه رمى الجمرة، والأصل في أفعاله في الحج الوجوب، لأن أفعاله فيها وقع بياناً لمجمل الكتاب، ولقوله ﷺ : ((لتأخذوا مناسككم)) (٢) (٣). ١ - عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄: ((أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج)) (٤). وجه الدلالة: أنه أمر بالرمي، وظاهر الأمر يقتضي الوجوب (٥). ثانياً: عن ابن عباس ﵄ قال: ((من ترك شيئا من نسكه فليهرق دماً)) (٦) (٧). ثالثاً: الإجماع: نقل الإجماع على وجوب الرمي: الكاساني (٨)، والنووي (٩)، وابن تيمية (١٠)، والشنقيطي (١١).

стр. 763

المبحث الخامس: شروط الرمي الشرط الأول: أن يكون المرمي حَجَراً؛ فيجزئ المرمي بكل ما يسمى حصى، وهي الحجارة الصغار، ولا يصح الرمي بالطين، والمعادن، والتراب عند الجمهور من المالكية (١) , والشافعية (٢) والحنابلة (٣) (٤). الأدلة: ١ - ثبت من فعل النبي ﷺ كما في حديث جابر يصف رمي جمرة العقبة: ((فرماها بسبع حصيات - يكبر مع كل حصاة منها - مثل حصى الخذف)) (٥). ٢ - أن النبي ﷺ رمى بالحصى وأمر بالرمي بمثل حصى الخذف فلا يتناول غير الحصى، ويتناول جميع أنواعه فلا يجوز تخصيص بغير دليل ولا إلحاق غيره به (٦). ٤ - أنه أحوط. الشرط الثاني: العدد المخصوص: أن يكون عدد الحصيات سبعاً لكل جمرة وهو قول المذاهب الأربعة من الحنفية (٧) والمالكية (٨) والشافعية (٩) والحنابلة (١٠). الأدلة: ١. حديث جابر وفيه: ((ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى لمنحر)) (١١) ٢. عن ابن عمر ﵄: ((أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله)) (١٢). مسألة: لو ترك شيئاً من الحصى وفاته أن يتداركها

стр. 764

يجب استيفاء عدد حصيات الرمي السبع في كل جمرة، وهو المذهب عند المالكية (١) , ورواية عند أحمد (٢) وبه قال الأوزاعي (٣) , والليث (٤) , وهو قول الشنقيطي (٥) وابن باز (٦) وابن عثيمين (٧) الأدلة: ١. حديث جابر وفيه: ((فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة)) (٨). ٢. حديث ابن عمر ﵄: ((أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات ... )) (٩). وجه الدلالة: أن الروايات الصحيحة عن النبي ﷺ : أنه كان يرمي الجمار بسبع حصيات. مع قوله: ((لتأخذوا مناسككم)) فلا ينبغي العدول عن ذلك; لوضوح دليله وصحته، ولأن مقابله لم يقم عليه دليل يقارب دليله (١٠). الشرط الثالث: أن يرمي الجمرة بالحصيات السبع متفرقات واحدة فواحدة فلو رمى حصاتين معاً أو السبع جملة، فهي حصاة واحدة، ويلزمه أن يرمي بست سواها، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١١) , والمالكية (١٢) , والشافعية (١٣) , والحنابلة (١٤). الأدلة: أن المنصوص عليه تفريق الأفعال فيتقيد بالتفريق الوارد في السنة (١٥). الشرط الرابع: وقوع الحصى في الجمرة التي يجتمع فيها الحصى، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (١٦)، والشافعية (١٧)، والحنابلة (١٨). الشرط الخامس:

стр. 765

أن يقصد المرمى ويقع الحصى فيه بفعله فلو ضرب شخص يده فطارت الحصاة إلى المرمى وأصابته لم يصح وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤). الأدلة: قال رسول الله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) (٥). الشرط السادس: أن يرمي الحصيات رمياً ولا يكتفي بوضعها وضعاً، وهذا هو قول اتفق عليه أصحاب المذاهب الأربعة من الحنفية (٦) , والمالكية (٧) , والشافعية (٨) , والحنابلة (٩). الأدلة: ١. لأن رسول الله ﷺ رمى الجمرات, وقد قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (١٠) ٢. لأنه مأمور بالرمي فاشترط فيه ما يقع عليه اسم الرمي. الشرط السابع: ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق يشترط أن يرمي الجمار الثلاث على الترتيب: يرمي أولاً الجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم يرمي جمرة العقبة، وهو مذهب الجمهور من المالكية (١١) , والشافعية (١٢) , والحنابلة (١٣). الأدلة: ١. أن النبي ﷺ رتبها في الرمي وقال ((لتأخذوا مناسككم)) (١٤). ٢. ولأنه نسك متكرر فاشترط الترتيب فيه كالسعي الشرط الثامن: أن يكون الرمي في زمن الرمي

стр. 766

المبحث السادس: سنن الرمي المطلب الأول: أن يقف في بطن الوادي عند رمي جمرة العقبة وتكون منى عن يمينه ومكة عن يساره الأفضل في موقف الرامي جمرة العقبة أن يقف في بطن الوادي وتكون منى عن يمينه ومكة عن يساره، وهو مذهب جماهير أهل العلم من الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والصحيح عند الشافعية (٣) , وقول جماعة من السلف (٤) , واختاره ابن تيمية (٥) , وابن القيم (٦) , والشنقيطي (٧) , وابن باز (٨) , وابن عثيمين (٩). الأدلة: حديث عبدالله بن مسعود ﵁، فعن عبدالرحمن بن يزيد: ((أنه حجَّ مع عبدالله بن مسعود ﵁، فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات يُكبِّر مع كل حصاة، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: ((هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة))، وفي لفظ: ((أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة)) (١٠). فرع: رمي جمرة العقبة من الجهات الأخرى

стр. 767

يجوز رمي جمرة العقبة من أي جهة كانت، من فوقها أو من أسفل منها، من أمامها، أو من خلفها، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية في الأظهر (٢)، والحنابلة (٣)، ونصَّ عليه الشافعي (٤)، واختاره ابن بطال (٥)، وابن عبدالبر (٦)، والكمال ابن الهمام (٧)، واختاره ابن باز (٨)، وابن عثيمين (٩). وحكى الإجماع على ذلك: ابن عبدالبر (١٠)، وابن رشد (١١)، والنووي (١٢). الأدلة:

стр. 768

أولاً: أنه ثبت رمي خلق كثير في زمن الصحابة من أعلاها، ولم يأمروهم بالإعادة، ولا أعلنوا بالنداء بذلك في الناس (١). ثانياً: أن رميه ﷺ من أسفلها سنة، لا أنه المتعين، وكان وجه اختيار الرمي من الأسفل هو توقع الأذى إذا رموا من أعلاها لمن أسفلها فإنه لا يخلو من مرور الناس فيصيبهم الحصى، وقد انعدم هذا التخوف بإزالة الجبل الذي كان ملاصقاً للجمرة من الخلف، وصار الجميع يرمي في مستوى واحد (٢). ثالثا: أن ما حولها موضع النسك؛ فلو رماها من أي جهة أجزأه (٣). المطلب الثاني: أن يكون الرمي بمثل حصى الخذف وهو قول الجمهور من الحنفية (٤) ,والمالكية (٥) , والشافعية (٦) , والحنابلة (٧)،وبه قال جماعة من السلف (٨) , الأدلة: ١. عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: ((القط لي حصى فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل يقبضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا ثم قال: أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)) (٩). ٢. حديث جابر ﵁ وفيه: ((حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها ضحى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف)) (١٠) المطلب الثالث: الموالاة بين الرميات السبع الموالاة بين الرميات السبع مستحب وليس بشرط وهو قول الجمهور من الحنفية (١١) , والحنابلة (١٢) ,والصحيح عند المالكية (١٣) , والشافعية (١٤) , واختاره ابن عثيمين (١٥). المطلب الرابع: ألا يكون الحصى مما رمي به

стр. 769

يُفَضَّل ألا يكون الحجر مما رمي به فإن رمى بالحجر المستعمل أجزأه, وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , وقول عن الحنابلة (٤). الأدلة: ١. لأن اشتراط عدم الاستعمال ليس عليه دليل والأصل عدمه. ٢. لأن العبرة هي الرمي بحجر وقد وجد. ٣. قياساً على الثوب في ستر العورة فإنه يجوز أن يصلي في الثوب الواحد صلوات. المطلب الخامس: طهارة الحصيات يستحب أن يرمي بحصى طاهرة, وهو قول الجمهور من الحنفية (٥) , والمالكية (٦) , والشافعية (٧) , ووجه عند الحنابلة (٨). الأدلة: ١. لصدق اسم الرمي على الرمي بالحجر النجس ٢. ولعدم النص على اشتراط طهارة الحصى مسألة: هل يستحب غسل حصى الرمي لا يستحب غسل الحصى إلا إذا رأى فيها نجاسة ظاهرة ولم يجد غيرها، فتغسل النجاسة؛ لئلا تتنجس اليد أو الثياب, وهو المذهب عند المالكية (٩) , والصحيح عند الحنابلة (١٠) , وهو قول جماعة من أهل العلم (١١) , وقول ابن المنذر (١٢) , واختاره الشنقيطي (١٣) , وابن باز (١٤) , وابن عثيمين (١٥) , والألباني (١٦). الأدلة: ١. إن النبي ﷺ لما لقطت له الحصى وهو راكب على بعيره جعل يقبضهن في يده لم يغسلهن (١٧). ٢. أنه لم يرد عن النبي ﷺ أمر بغلسهن. ٣. أنه لا يوجد معنى يقتضي غسله. المطلب السادس: التكبير مع كل حصاة يستحب أن يكبر مع كل حصاة, وهو قول كافة فقهاء المذاهب الأربعة من الحنفية (١٨) , والمالكية (١٩) , والشافعية (٢٠) , والحنابلة (٢١). الأدلة:

стр. 770

١. حديث جابر ﵁ وفيه: ((حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمي من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر)) رواه مسلم (١) ٢. لما روت عائشة ﵂ أنها قالت: ((أفاض النبي ﷺ من يومه حين صلى الظهر, ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمار إذا زالت الشمس, كل جمرة بسبع حصيات, يكبر مع كل حصاة, ويقف عند الأولى والثانية فيطيل المقام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها)) (٢). مسألة: إذا ترك التكبير عند رمي الجمار فليس عليه شيء بالإجماع, وممن نقل الإجماع على ذلك النووي نقله عن القاضي (٣) , وابن حجر (٤). المطلب السابع: قطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة يوم النحر يستحب أن يقطع التلبية عند أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٥) , والشافعية (٦) , والحنابلة (٧).وقول جماعة من السلف (٨) الأدلة: عن الفضل بن عباس ﵁: ((أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة)) (٩). وجه الدلالة: ١ - أن الفضل بن عباس ﵁ كان رديف النبي ﷺ يومئذ وهو أعلم بحاله من غيره. ٢ - في بعض ألفاظ حديث الفضل ﵁: ((حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة)). المطلب الثامن: الدعاء الطويل عقب رمي الجمرة الصغرى والوسطى يستحب الوقوف للدعاء إثر كل رمي بعده رمي آخر، فيقف للدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى وقوفاً طويلاً يقدر بمدة ثلاثة أرباع الجزء من القرآن، وأدناه قدر عشرين آية, وهذا الدعاء مستحب باتفاق المذاهب الأربعة من الحنفية (١٠) , والمالكية (١١) , والشافعية (١٢) , والحنابلة (١٣). الأدلة: عن ابن عمر ﵄: ((أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله)) (١٤).

стр. 771

المبحث السادس: الرمي يوم النحر لا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة. الأدلة: أولاً: من السنة: عن جابر بن عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي)) (١). ثانياً: الإجماع: نقل الإجماع ابن المنذر (٢)، وابن عبدالبر (٣).

стр. 772

المبحث السابع: زمن الرمي يوم النحر يبدأ وقت رمي جمرة العقبة من منتصف ليلة النحر، ويسن أن يكون بعد طلوع الشمس (١)، وهذا مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره ابن باز (٤) (٥). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((رمى النبي ﷺ يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال)) (٦). ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: ((أَرْسَلَ النبيُّ ﷺ بأمِّ سلمة ليلة النحر، فرمتْ الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت)) (٧) وجه الاستدلال: أن هذا لا يكون إلا وقد رمت قبل الفجر بساعة (٨). ٣ - عن عائشة ﵂ قالت: ((نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي ﷺ سودة، أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة، أحب إلي من مفروح به)) (٩). ٤ - عن عبدالله مولى أسماء بنت أبي بكر قال: ((دخلنا مع أسماء من جمع لما غاب القمر، وأتينا منى ورمينا وصلت الصبح في دارها، فقلت يا هنتاه رمينا قبل الفجر، فقالت: هكذا كنا نفعل أيام رسول الله ﷺ ) (١٠). ٥ - عن ابن عمر ﵄: ((أنه كان يقدِّم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الامام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ ) رواه البخاري ومسلم (١١) ثانياً: أن النصوص علقت الرمي بما قبل الفجر، وهو تعبير صالح لجميع الليل، فجعل النصف ضابطاً له؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة مما قبل النصف (١٢). ثالثاً: أن ما بعد نصف الليل من توابع النهار المستقبل، فوجب أن يكون حكمه في الرمي حكم النهار المستقبل (١٣). رابعاً: أنه وقت للدفع من مزدلفة، فكان وقتاً للرمي، كبعد طلوع الشمس (١٤).

стр. 773

المبحث الثامن: رمي الجمار في الليل يجوز الرمي ليلاً لمن لم يرم نهاراً، فيمتد وقت جواز رمي كل يوم إلى فجر اليوم التالي، وهذا مذهب الحنفية (١)، وهو وجهٌ للشافعية (٢)،واختاره ابن المنذر (٣)، والنووي (٤)، وابن باز (٥)، وابن عثيمين (٦). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((كان النبيُّ ﷺ يُسأل يوم النحر بمنى، فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: اذبح ولا حرج، وقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: لا حرج)) (٧). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ صرّح بأن مَنْ رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل، وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار، وجزء من الليل (٨). ٢ - عن ابن عباس ﵄، قال: ((كان رسول الله ﷺ يسأل أيام منى؟ فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: لا حرج، فقال رجل: رميت بعدما أمسيت؟ قال: لا حرج)) (٩). وجه الدلالة: أن قوله في هذا الحديث الصحيح: أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد، فهو صادق بحسب وضع اللغة، ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا إلى الليل، لأن الرمي فيها لا يكون إلا بعد الزوال، وهو معلوم، فلا يسأل عنه صحابي، فتعين أن يكون السؤال عن الرمي في الليل (١٠). ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃: ١ - عن نافع مولى ابن عمر: ((أن ابنة أخٍ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبدالله بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئاً)) (١١). وجه الدلالة: أن ابن عمر ﵄ أمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنه لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي ﷺ : أن الرمي ليلاً جائز (١٢). ٢ - عن ابن جريج عن عمرو قال: ((أخبرني من رأى بعض أزواج النبي ﷺ ترمي غربت الشمس أو لم تغرب)) (١٣) ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقَّت أول الرمي وسكت عن آخره، والأصل بقاء الوقت، وليس هناك سنة تدل على أنه إذا غابت الشمس انتهى وقت الرمي، والليل يمكن أن يكون تابعاً للنهار كما في وقوف عرفة (١٤). رابعاً: أنه إذا رخص في رميها في اليوم الثاني فالرمي بالليل أولى (١٥).

стр. 774

المبحث التاسع: لقط حصيات الرجم لا خلاف أنه يجزئه أخذ الحصيات من حيث كان لان الاسم يقع عليه (١) (٢). واختلفوا في موضع استحبابه على قولين: القول الأول: يستحب للحاج أخذ حصى الجمار من مزدلفة، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، وبه قال بعض السلف (٥). الأدلة: ١. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: ((القط لي حصى فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف ... )) (٦) ٢. أن من السنة إذا أتى الحاج إلى منى أن لا يعرج على غير الرمي، فسن له أن يأخذ الحصى من مزدلفة حتى لا يشغله عنه، لأن الرمية تحية له كما أن الطواف تحية المسجد الحرام (٧). القول الثاني: يأخذه من مزدلفة أو من طريقه وحيث شاء، وهو مذهب الحنفية (٨) , والحنابلة (٩)، ونص عليه مالك في المدونة (١٠)، وبه قال عطاء واختاره ابن المنذر وصححه ابن قدامة (١١). الأدلة: ١. أن ابن عباس قال: ((قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته ((القط لي حصى)) فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف فجعل يقبضهن في كفه ويقول: ((أمثال هؤلاء فارموا)) ثم قال: أيها الناس ((إياكم والغلو في الدين فانما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)) (١٢) وجه الدلالة: أن أمر رسول الله ﷺ لابن عباس بلقط الحصى كان بمنى (١٣). ٢. أن عليه فعل المسلمين، وهو أحد نوعي الإجماع (١٤).

стр. 775

المبحث العاشر: النيابة (التوكيل) في الرمي المطلب الأول: حكم التوكيل في الرمي للمعذور من كان لا يستطيع الرمي بعلة لا يرجى زوالها قبل خروج وقت الرمي فإنه يجب عليه أن يستنيب من يرمي عنه، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وأفتت به اللجنة الدائمة (٤)، واختاره الشنقيطي (٥)،وابن باز (٦)، وابن عثيمين (٧). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]. وجه الدلالة: أن الاستنابة في الرمي، هي غاية ما يقدر عليه (٨). ثانياً: أنه لما جازت النيابة عنه في أصل الحج فجوازها في أبعاضه أولى (٩). رابعاً: أن زمن الرمي مضيق ويفوت ولا يشرع قضاؤه، فجاز لهم أن يوكلوا بخلاف الطواف والسعي فإنهما لا يفوتان فلا تشرع النيابة فيهما (١٠). المطلب الثاني: هل يشترط أن يكون النائب (الوكيل) قد رمى عن نفسه؟ اختلف أهل العلم في اشتراط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه على قولين: القول الأول: يشترط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه الجمرات الثلاث، ثم يرمي عن موكله، وهذا مذهب الشافعية (١١)، والحنابلة (١٢)،وهو قول للمالكية (١٣)، وبه أفتت اللجنة الدائمة (١٤). وذلك للآتي: ١ - أن الأصل عدم تداخل الأعمال البدنية. ٢ - لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه.
следующие страницы →