المبحث السادس: الرمي يوم النحر
لا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن جابر بن عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي)) (١).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع ابن المنذر (٢)، وابن عبدالبر (٣).
стр. 772
المبحث السابع: زمن الرمي يوم النحر
يبدأ وقت رمي جمرة العقبة من منتصف ليلة النحر، ويسن أن يكون بعد طلوع الشمس (١)، وهذا مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره ابن باز (٤)(٥).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((رمى النبي ﷺ يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال)) (٦).
٢ - عن عائشة ﵂ قالت: ((أَرْسَلَ النبيُّ ﷺ بأمِّ سلمة ليلة النحر، فرمتْ الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت)) (٧)
وجه الاستدلال: أن هذا لا يكون إلا وقد رمت قبل الفجر بساعة (٨).
٣ - عن عائشة ﵂ قالت: ((نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي ﷺ سودة، أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة، أحب إلي من مفروح به)) (٩).
٤ - عن عبدالله مولى أسماء بنت أبي بكر قال: ((دخلنا مع أسماء من جمع لما غاب القمر، وأتينا منى ورمينا وصلت الصبح في دارها، فقلت يا هنتاه رمينا قبل الفجر، فقالت: هكذا كنا نفعل أيام رسول الله ﷺ ) (١٠).
٥ - عن ابن عمر ﵄: ((أنه كان يقدِّم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الامام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ ) رواه البخاري ومسلم (١١)
ثانياً: أن النصوص علقت الرمي بما قبل الفجر، وهو تعبير صالح لجميع الليل، فجعل النصف ضابطاً له؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة مما قبل النصف (١٢).
ثالثاً: أن ما بعد نصف الليل من توابع النهار المستقبل، فوجب أن يكون حكمه في الرمي حكم النهار المستقبل (١٣).
رابعاً: أنه وقت للدفع من مزدلفة، فكان وقتاً للرمي، كبعد طلوع الشمس (١٤).
стр. 773
المبحث الثامن: رمي الجمار في الليل
يجوز الرمي ليلاً لمن لم يرم نهاراً، فيمتد وقت جواز رمي كل يوم إلى فجر اليوم التالي، وهذا مذهب الحنفية (١)، وهو وجهٌ للشافعية (٢)،واختاره ابن المنذر (٣)، والنووي (٤)، وابن باز (٥)، وابن عثيمين (٦).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((كان النبيُّ ﷺ يُسأل يوم النحر بمنى، فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: اذبح ولا حرج، وقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: لا حرج)) (٧).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ صرّح بأن مَنْ رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل، وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار، وجزء من الليل (٨).
٢ - عن ابن عباس ﵄، قال: ((كان رسول الله ﷺ يسأل أيام منى؟ فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: لا حرج، فقال رجل: رميت بعدما أمسيت؟ قال: لا حرج)) (٩).
وجه الدلالة:
أن قوله في هذا الحديث الصحيح: أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد، فهو صادق بحسب وضع اللغة، ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا إلى الليل، لأن الرمي فيها لا يكون إلا بعد الزوال، وهو معلوم، فلا يسأل عنه صحابي، فتعين أن يكون السؤال عن الرمي في الليل (١٠).
ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃:
١ - عن نافع مولى ابن عمر: ((أن ابنة أخٍ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبدالله بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئاً)) (١١).
وجه الدلالة:
أن ابن عمر ﵄ أمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنه لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي ﷺ : أن الرمي ليلاً جائز (١٢).
٢ - عن ابن جريج عن عمرو قال: ((أخبرني من رأى بعض أزواج النبي ﷺ ترمي غربت الشمس أو لم تغرب)) (١٣)
ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقَّت أول الرمي وسكت عن آخره، والأصل بقاء الوقت، وليس هناك سنة تدل على أنه إذا غابت الشمس انتهى وقت الرمي، والليل يمكن أن يكون تابعاً للنهار كما في وقوف عرفة (١٤).
رابعاً: أنه إذا رخص في رميها في اليوم الثاني فالرمي بالليل أولى (١٥).
стр. 774
المبحث التاسع: لقط حصيات الرجم
لا خلاف أنه يجزئه أخذ الحصيات من حيث كان لان الاسم يقع عليه (١)(٢).
واختلفوا في موضع استحبابه على قولين:
القول الأول: يستحب للحاج أخذ حصى الجمار من مزدلفة، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، وبه قال بعض السلف (٥).
الأدلة:
١. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: ((القط لي حصى فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف ... )) (٦)
٢. أن من السنة إذا أتى الحاج إلى منى أن لا يعرج على غير الرمي، فسن له أن يأخذ الحصى من مزدلفة حتى لا يشغله عنه، لأن الرمية تحية له كما أن الطواف تحية المسجد الحرام (٧).
القول الثاني: يأخذه من مزدلفة أو من طريقه وحيث شاء، وهو مذهب الحنفية (٨) , والحنابلة (٩)، ونص عليه مالك في المدونة (١٠)، وبه قال عطاء واختاره ابن المنذر وصححه ابن قدامة (١١).
الأدلة:
١. أن ابن عباس قال: ((قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته ((القط لي حصى)) فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف فجعل يقبضهن في كفه ويقول: ((أمثال هؤلاء فارموا)) ثم قال: أيها الناس ((إياكم والغلو في الدين فانما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)) (١٢)
وجه الدلالة:
أن أمر رسول الله ﷺ لابن عباس بلقط الحصى كان بمنى (١٣).
٢. أن عليه فعل المسلمين، وهو أحد نوعي الإجماع (١٤).
стр. 775
المبحث العاشر: النيابة (التوكيل) في الرمي
المطلب الأول: حكم التوكيل في الرمي للمعذور
من كان لا يستطيع الرمي بعلة لا يرجى زوالها قبل خروج وقت الرمي فإنه يجب عليه أن يستنيب من يرمي عنه، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وأفتت به اللجنة الدائمة (٤)، واختاره الشنقيطي (٥)،وابن باز (٦)، وابن عثيمين (٧).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
وجه الدلالة:
أن الاستنابة في الرمي، هي غاية ما يقدر عليه (٨).
ثانياً: أنه لما جازت النيابة عنه في أصل الحج فجوازها في أبعاضه أولى (٩).
رابعاً: أن زمن الرمي مضيق ويفوت ولا يشرع قضاؤه، فجاز لهم أن يوكلوا بخلاف الطواف والسعي فإنهما لا يفوتان فلا تشرع النيابة فيهما (١٠).
المطلب الثاني: هل يشترط أن يكون النائب (الوكيل) قد رمى عن نفسه؟
اختلف أهل العلم في اشتراط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه على قولين:
القول الأول: يشترط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه الجمرات الثلاث، ثم يرمي عن موكله، وهذا مذهب الشافعية (١١)، والحنابلة (١٢)،وهو قول للمالكية (١٣)، وبه أفتت اللجنة الدائمة (١٤).
وذلك للآتي:
١ - أن الأصل عدم تداخل الأعمال البدنية.
٢ - لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه.
стр. 776
٣ - أنه لو رمى عن غيره قبل أن يرمي عن نفسه فإنه يقع عن نفسه كأصل الحج (١).
القول الثاني: لا يشترط ذلك، وهذا مذهب المالكية (٢)،وهو وجهٌ للشافعية (٣)، واختاره ابن عثيمين (٤).
وذلك للآتي:
أولاً: أن حكم الرمي أخف من سائر أركان الحج، فجاز أن يفعله عن المريض قبل فعله عن نفسه (٥).
ثانياً: أن غاية الأمر أنه ترك التتابع بين الجمرات الثلاث وهو مندوب فقط، ثم إنه تفريق يسير (٦).
المطلب الثالث: حكم سفر المعذور قبل رمي وكيله
стр. 777
من وكَّل على الرمي بعذرٍ شرعيٍّ، فلا يجوز له أن يسافر قبل رمي الوكيل، فإن نفر يوم النحر (أي لم يبت في منى ليلة الحادي عشر والثاني عشر)، فعليه مع التوبة ثلاثة دماء: دم عن تركه المبيت بمنى، ودم عن تركه رمي الجمرات، ودم عن تركه طواف الوداع ولو طاف بالبيت قبل مغادرته؛ وذلك لوقوع طوافه في غير وقته؛ لأن طواف الوداع إنما يكون بعد انتهاء رمي الجمرات، وبذلك أفتت اللجنة الدائمة (١)، وابن باز (٢)(٣).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
عموم قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله [البقرة: ١٩٦].
ثانياً: من السنة:
عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (٤) وقال: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٥).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ لم ينفر من منى حتى رمى الجمار، ثم طاف للوداع.
ثالثاً: عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق دماً)) (٦).
رابعاً: أنهم في حكم من لم يرم؛ لنفرهم قبل الرمي، وفي حكم من لم يودع؛ لوقوع طواف الوداع قبل إكمال مناسكهم (٧).
стр. 778
المبحث الأول: ما هو الهدي ؟
الهدي شاة، أو سُبْع بدنة، أو سُبْع بقرة، فإن نحر بدنة أو ذبح بقرة، فقد زاد خيراً، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وبه قال طائفة من السلف (٤).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
أن اسم الهدي يقع على الشاة, والبقرة, والبدنة (٥).
ثانياً: من السنة:
عن أبي جمرة قال: ((سألت ابن عباس ﵄ عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور, أو بقرة, أو شاة, أو شرك في دم)) (٦).
стр. 779
المبحث الثاني: حكم الاشتراك في الهدي
يجوز الاشتراك في الهدي في الإبل والبقر إلى حد سبعة أشخاص، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
الأدلة:
أولا: الدليل من الكتاب:
قال تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
أن (من) للتبعيض، فجاز الاشتراك في الهدي بظاهر الآية (٤).
ثانياً: الدليل من السنة:
عن جابر بن عبدالله ﵄ أنه قال: ((نحرنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية البدنة عن سبعة, والبقرة عن سبعة)) (٥).
عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((فنحر ﵇ ثلاثاً وستين, فأعطى علياً فنحر ما غبر, وأشركه في هديه)) (٦).
عن أبي جمرة قال: ((سألت ابن عباس ﵄، عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: فيها جزور, أو بقرة, أو شاة, أو شرك في دم)) (٧).
ثالثاً: أنه ورد ذلك عن طائفة كبيرة من الصحابة ﵃: منهم علي، وابن مسعود، وعائشة، وأنس، وإليه رجع ابن عمر ﵃ أجمعين (٨).
رابعاً: القياس على اشتراك أهل البيت في الأضحية (٩).
مسألة: لا يجوز أن يستعاض عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قال تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
أن الله جل وعلا أوجب على المتمتع الهدي في حال القدرة عليه، فإذا لم يجد هدياً أو ثمنه، فإنه ينتقل إلى الصيام، ولم يجعل الله واسطة بين الهدي والصيام، ولا بدلا عن الصيام عند العجز عنه (١٠).
ثانياً: من السنة:
عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: ((ثم ليهل بالحج ويهدي, فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)) (١١).
ثالثاً: الإجماع:
أخذ الصحابة, والتابعون, ومن بعدهم من المجتهدين بما دل عليه القرآن, ودلت عليه السنة من وجوب الهدي على المتمتع والقارن, فإذا لم يجد هدياً أو لم يجد ثمنه فإنه يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله (١٢).
رابعاً: أن المقصود من هذه العبادة إراقة الدم وأما اللحوم فهي مقصودة بالقصد الثاني قال تعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج: ٣٧]، وفي الاكتفاء بالتصدق بالثمن دون إراقة الدم إضاعة للقصد الأول (١٣).
خامساً: أن النسك عبادة مبنية على التوقيت، فلا يجوز العدول عن المشروع إلا بدليل شرعي موجب للعدول عنه, وكل تشريع مبني على التوقيت فإنه لا يدخله الاجتهاد, ومنه القول بالمصلحة المدعاة هنا (١٤).
стр. 780
المبحث الثالث: زمن الذبح
المطلب الأول: أول زمن الذبح
يبتدئ وقت ذبح الهدي يوم النحر، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١)،والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وبه قال سفيان الثوري (٤)، واختاره ابن باز (٥)، وابن عثيمين (٦).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قال تعالى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
أنه جاء في الآية الكريمة أن الحلق لا يكون إلا بعد أن يبلغ الهدي محله، ومعلوم أن الحلق لا يكون إلا يوم النحر (٧).
قوله تعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا [الحج: ٢٧ - ٢٨].
وجه الدلالة:
أن قضاء التفث يختص بيوم النحر، وقد جاء مرتباً على النحر والأكل منه (٨).
ثانياً: من السنة:
عن حفصة ﵂ أنها قالت: ((يا رسول الله، ما بال الناس حلوا من عمرتهم ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر)) (٩).
وجه الدلالة:
أنه علق الحل على النحر، ومعلوم أن الحل لا يكون إلا يوم النحر.
أن النبي ﷺ وأصحابه قدموا في عشر ذي الحجة، وقد بقيت الغنم والإبل التي معهم موقوفة حتى جاء يوم النحر، فلو كان ذبحها جائزاً قبل ذلك لبادر النبي ﷺ وأصحابه إليه في الأيام الأربعة التي أقاموها قبل خروجهم إلى عرفات؛ لأن الناس بحاجة إلى اللحوم في ذلك الوقت، فلما لم يفعل ذلك على عدم الإجزاء، وأن الذي ذبح قبل يوم النحر قد خالف السنة وأتى بشرع جديد فلا يجزئ؛ كمن صلى أو صام قبل الوقت (١٠).
أنه لو كان ذبح الهدي جائزًا قبل يوم العيد لفعله النبي ﷺ حينما أمر أصحابه أن يحلوا من العمرة من لم يكن معه هدي، لأجل أن يطمئن أصحابه في التحلل من العمرة، فدل امتناع الرسول ﷺ من ذبح هديه قبل يوم النحر مع دعاء الحاجة إليه على أنه لا يجوز (١١).
ثالثاً: أنه دم نسك، فلا يجوز قبل يوم النحر، كالأضحية (١٢).
المطلب الثاني: آخر زمن الذبح
اختلف أهل العلم في آخر زمن الذبح على أقوال، أشهرها قولان:
стр. 781
القول الأول: أن زمن الذبح يستمر إلى يومين بعد يوم النحر، فيكون مجموع أيام النحر ثلاثة أيام، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وبه قال طائفة من السلف (٤).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج: ٢٨]
وجه الدلالة:
أن الأيام المعلومات هي يوم النحر ويومان بعده، ويدل على ذلك أن لفظ: (المعلومات) جمع قلة، والمتيقن منه الثلاثة، وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به (٥).
ثانياً: من السنة:
عن ابن عمر ﵄، ((أن رسول الله ﷺ نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث)) (٦).
وجه الدلالة:
أنه أباح الأكل منها في أيام الذبح، ولو كان اليوم الرابع منها لكان قد حرم على من ذبح في ذلك اليوم أن يأكل من أضحيته، وليس هناك فرق بين الأضحية والهدي بالنسبة لزمن الذبح (٧).
ثالثاً: أنه وَرَدَ عن الصحابة ﵃ تخصيصه بالعيد ويومين بعده، منهم عمر، وعلي، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس ﵃، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف, ومثل هذا لا يقال بالرأي (٨).
رابعاً: أنه قد ثبت الفرق بين أيام النحر وأيام التشريق؛ ولو كانت أيام النحر أيام التشريق لما كان بينهما فرق، وكان ذكر أحد العددين ينوب عن الآخر (٩).
القول الثاني: أن وقت الذبح ينتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، وهذا مذهب الشافعي (١٠)، وقولٌ للحنابلة (١١)، وبه قال طائفة من السلف (١٢)، واختاره ابن المنذر (١٣)،وابن تيمية (١٤)، وابن القيم (١٥)، وابن باز (١٦)، وابن عثيمين (١٧)، وبه صدر قرار هيئة كبار العلماء (١٨).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج: ٢٨].
ثانياً: من السنة:
أن النبي ﷺ نحر هديه يوم النحر
وجه الدلالة ما ذكره الشافعي بقوله:
فلما لم يحظر على الناس أن ينحروا بعد يوم النحر بيوم أو يومين لم نجد اليوم الثالث مفارقاً لليومين قبله؛ لأنه ينسك فيه ويرمى كما ينسك ويرمى فيهما (١٩).
стр. 782
عن جبير بن مطعم ﵁، عن النبى ﷺ أنه قال: ((كل منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح)) (١).
وجه الدلالة:
أن الحديث نص في الدلالة على أن كل أيام منى أيام نحر (٢).
ثالثاً: أن الثلاثة أيام تختص بكونها أيام منى، وأيام الرمي، وأيام التشريق، وأيام تكبير وإفطار، ويحرم صيامها، فهى إخوة فى هذه الأحكام، فكيف تفترق فى جواز الذبح بغير نص ولا إجماع؟ (٣).
مسألة:
السنة في وقت النحر أن يكون يوم العيد بعد أن يفرغ من الرمي وقبل الحلق أو التقصير.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن جابر بن عبدالله ﵄: ((أن رسول الله ﷺ رمى سبع حصيات من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر)) (٤).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك: ابن عبدالبر (٥) وابنُ رشد (٦)، وابنُ حجر (٧).
المبحث الرابع: مكان الذبح
يجب أن يكون ذبح الهدي في الحرم ولا يختص بمنى وإن كان الأفضل أن يكون بمنى، وهذا مذهب جمهور الفقهاء: الحنفية (٨)،والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، واختاره ابن حزم (١١)، والشوكاني (١٢)، وابن عثيمين (١٣).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قال تعالى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
أن محل الهدي الحرم عند القدرة على إيصاله (١٤).
قال الله تعالى: ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٣٣].
стр. 783
وجه الدلالة:
أن النص جاء بأن شعائر الله تعالى محلها إلى البيت العتيق، وهذا عام في الهدايا (١).
قال تعالى في جزاء الصيد: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥].
وجه الدلالة:
أنه لو جاز ذبحه في غير الحرم لم يكن لذكر بلوغه الكعبة معنى، وهذا الحكم وإن كان في كفارة الصيد إلا أنه صار أصلاً في دماء النسك (٢).
ثانياً: من السنة:
١ - عن جابر بن عبدالله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((قد نحرت هنا، ومنى كلها منحر)) (٣).
وجه الدلالة:
يدل على أنه حيثما نحرت البدن, والإهداء من فجاج مكة ومنى والحرم كله فقد أصاب الناحر (٤).
٢ - أن النبي ﷺ نحر هديه في منى وقال: ((لتأخذوا مناسككم)) (٥)(٦).
ثالثاً: أن الهدي اسم لما يهدى إلى مكان الهدايا، ومكان الهدايا الحرم، وإضافة الهدايا إلى الحرم ثابتة بالإجماع (٧).
رابعاً: أن هذا دم يجب للنسك، فوجب أن يكون في مكانه، وهو الحرم (٨).
المبحث الخامس: الهدي على القارن
يجب الهدي على القارن إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام، واتفقت عليه المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢)، وبه قال طائفة من السلف (١٣)، واختاره أكثر الفقهاء (١٤).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
أن القارن متمتع بالعمرة إلى الحج بدليل فهم الصحابة ﵃، يدل على ذلك ما يلي:
عن علي ﵁: ((أنه لما سمع عثمان ﵁ ينهى عن المتعة: أهل بالعمرة والحج ليعلم الناس أنه ليس بمنهي عنه)) (١٥).
ثانياً: أن الهدي إذا كان واجباً على المتمتع بنص القرآن والسنة والإجماع فإن القارن أولى لأمرين:
الأول: أن فعل المتمتع أكثر من فعل القارن فإذا لزمه الدم فالقارن أولى (١٦).
الثاني: أنه إذا وجب على التمتع لأنه جمع بين النسكين في وقت أحدهما فلأن يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإحرام أولى (١٧) ..
стр. 784
رابعاً: أن إيجاب الهدي على القارن هو إجماع من يعتد به من أهل العلم، نقله الشنقيطي (١)، ووصف ابن حجر قول ابن حزم بعدم الوجوب بالشذوذ (٢).
المبحث السادس: التطوع في الهدي
يسن التطوع بالهدي للمفرد والمتمتع والقارن وللحاج ولغير الحاج:
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا، فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها)) (٣).
وجه الدلالة:
أنه معلوم أن ما زاد على الواحدة منها تطوع (٤).
٢ - عن عائشة ﵂ قالت: ((أهدى النبي ﷺ مرة غنما)) (٥)
٣ - عن عائشة ﵂، قالت: ((فتلت قلائد هدي النبي ﷺ ، ثم أشعرها وقلدها، أو قلدتها ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حل)) (٦)
ثانياً: الإجماع:
نقل القرافي الإجماع على ذلك (٧).
المبحث السابع: الأكل من الهدي
المطلب الأول: الأكل من هدي التطوع
يسن لمن أهدى هديا تطوعاً أن يأكل منه إذا بلغ محله في الحرم.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
١ - قال الله : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج: ٢٧].
٢ - وقال : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا [الحج: ٣٦].
وجه الدلالة من الآيتين:
أن فيهما الأمر بالأكل من الهدي وأقل أحوال الأمر الاستحباب (٨).
ثانياً: من السنة:
١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : ((ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا، فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها)) (٩).
وجه الدلالة:
أنه معلوم أن ما زاد على الواحدة منها تطوع، وقد أكل منها وشرب من مرقها جميعا (١٠).
٢ - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا رسول الله ﷺ فقال: كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا)) (١١).
ثالثاً: الإجماع:
стр. 785
الإجماع على جواز الأكل من هدي التطوع، نقله النووي (١)، وابن عبدالبر (٢)، وابن حجر (٣)، والشنقيطي (٤).
رابعاً: أنه دم نسك، ولا يتعين صرفه إلى الفقراء، والقاعدة أن ما لم يجب صرفه على الفقراء جاز الأكل منه (٥).
المطلب الثاني: الأكل من هدي التمتع والقران
يستحب الأكل من هدي التمتع والقران، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والحنابلة (٨)، وبه قال عطاء (٩)، واختاره الشوكاني (١٠)، والشنقيطي (١١).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب
قال الله : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج: ٢٨].
وجه الدلالة:
أنه سبحانه أمر بالأكل من الهدي، فعم ولم يخص واجباً من تطوع، وهي من شعائر الله فلا يجب أن يمتنع من أكل شيء منها إلا بدليل لا معارض له أو بإجماع (١٢).
ثانياً: من السنة:
عن عائشة ﵂ قالت: ((فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذَبَحَ رسولُ الله ﷺ عن أزواجه)) (١٣).
وجه الدلالة:
أن أزواج النبي ﷺ ذبح عنهن ﷺ بقراً ودخل عليهن بلحمه وهن متمتعات، وعائشة منهن قارنة وقد أكلن جميعا مما ذبح عنهن في تمتعهن وقرانهن بأمره ﷺ ، وهو نص صحيح صريح في جواز الأكل من هدي التمتع والقران (١٤).
ثالثاً: أنه دم نسك وشكران وسببه غير محظور ولم يسم للمساكين ولا مدخل للإطعام فيه فأشبه هدي التطوع (١٥).
المطلب الثالث: الأكل من الهدي الذي وجب لترك نسك أو تأخيره، أو كان بسبب فسخ النسك
لا يجوز الأكل من الهدي الذي وجب لترك نسك أو تأخير، أو كان بسبب فسخ النسك، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحفية (١٦)، والشافعية (١٧)، والحنابلة (١٨).
وذلك للآتي:
أنها دماء كفارات، يجب التصدق بها على الفقراء، وفي الأكل منها تفويت لحقهم.
стр. 786
أنها غرم جناية، فإذا أكل منها لم يغرم (١).
المطلب الرابع: الأكل من هدي الكفارات
لا يجوز الأكل من هدي الكفارات الذي وجب لفعل محظور، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)(٦).
وذلك للآتي:
- أنها دماء كفارات، يجب التصدق بها على الفقراء، وفي الأكل منها تفويت لحقهم (٧).
- أنها عوض عن الترفه، فالجمع بين الأكل منها والترفه، كالجمع بين العوض والمعوض (٨).
المبحث الثامن: من لم يقدر على الهدي
المطلب الأول: حكم من لم يقدر على الهدي
إذا لم يقدر المتمتع والقارن على الهدي بأن لم يجد هدياً في السوق، أو وجده لكن لم يجد معه ثمنه، فإنه يصوم عشرة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع (٩).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة: ١٩٦].
ثانياً: من السنة:
عن ابن عمر ﵄ قال: ((تمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسولُ الله ﷺ قال للناس: من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، ثم ليهل بالحج ويهدي، فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله)) (١٠).
ثالثاً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك: ابنُ المنذر (١١) وابن قدامة (١٢).
المطلب الثاني: وقت صيام الثلاثة أيام في الحج لمن لم يجد الهدي
من لم يجد الهدي فإنه يبتدئ الصيام من زمن إحرامه، سواءً كان بإحرامه بالعمرة إذا كان متمتعاً، أو كان بإحرامه بالحج والعمرة إذا كان قارناً، وهذا مذهب الحنفية (١٣)، والحنابلة (١٤)، واختاره ابن عثيمين (١٥).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قال الله تعالى: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
стр. 787
أنه جَعَلَ الحجَّ ظرفا للصوم، وأفعال الحج لا يصام فيها، وإنما يصام في أشهرها أو وقتها، فعرفنا أن المراد به وقت الحج، كما قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة: ١٩٧] (١).
ثانياً: من السنة:
عن جابر بن عبدالله ﵄، أن النبي ﷺ قال: ((دخلت العمرة في الحج)) (٢).
وجه الدلالة:
أنَّه يدل على جواز الصيام من الإحرام بالعمرة؛ وذلاك لأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة (٣)
ثالثاً: أنَّه لا بد من الحكم بجواز الصوم بعد الإحرام العمرة، وقبل الشروع في الحج إذ لو كان لا يجوز إلا بعد إحرامه بالحج لما أمكنه صيام الثلاثة أيَّام لأنه إنما يشرع له الإحرام بالحج يوم التروية فلا يتبق له ما يسع الصيام (٤).
رابعاً: أنَّ صيام المتمتع قبل إحرامه بالحج هو من باب تقديم الواجب على وقت وجوبه إذا وجد سببه، وهو جائز كتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين (٥).
خامساً: أن إحرام العمرة أحد إحرامي التمتع، فجاز الصوم بعده كإحرام الحج (٦).
مسألة:
الأفضل أن يقدم صيام الثلاثة أيَّام على يوم عرفة، ليكون يوم عرفة مفطراً، وهذا مذهب الشافعية (٧)، وروي عن مالك (٨)، وهو قول للحنابلة (٩)، وبه قال طائفة من السلف (١٠)، واختاره ابن باز (١١)، وابن عثيمين (١٢).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ أفطر بعرفة، وأرسلت إليه أم الفضل بلبن فشرب)) (١٣)
ثانياً: أن الفطر في هذا اليوم أقوى على العبادة، وأنشط له على الذكر والدعاء (١٤).
المطلب الثالث: صيام أيَّام التشريق لمن لم يجد الهدي
стр. 788
يجوز صوم أيَّام التشريق (١) لمن لم يجد الهدي، ولم يكن قد صامها قبل يوم النحر، وهذا مذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وقولٌ للشافعية (٤)،وبه قال طائفة من السلف (٥)، واختاره البخاري (٦)، وابن عبدالبر (٧)، وابن حجر (٨)، وابن باز (٩)، والألباني (١٠)، وابن عثيمين (١١).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قال تعالى: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦].
وجه الدلالة:
أن عموم قوله: فِي الْحَجِّ يعم ما قبل يوم النحر وما بعده، فيدخل أيام التشريق.
ثانياً: من السنة:
عن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: ((لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي)) (١٢).
وجه الدلالة:
أن قول الصحابي لم يرخص أو رخص لنا، أو ما أشبه ذلك يعتبر مرفوعاً حكماً (١٣).
ثالثاً: أن صومها في أيام التشريق صوم لها في أيام الحج؛ لأن أيام التشريق أيام للحج، ففيها رمي الجمرات في الحادي عشر والثاني عشر وكذلك الثالث عشر (١٤).
المطلب الرابع: من لم يصم الهدي قبل عرفة هل يسقط عنه أو يبقى في ذمته؟
من لم يصم الثلاثة أيام في الحج فإنه لا يسقط الصيام عنه، ويلزمه بعد ذلك القضاء، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (١٥)، والشافعية (١٦)، والحنابلة (١٧).
المطلب الخامس: من أخر صيام ثلاثة أيام التي في الحج حتى انتهى حجه، فهل تلزمه الفدية؟
стр. 789
من أخر صيام ثلاثة الأيام التي في الحج حتى انتهى حجه، فلا تلزمه الفدية، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، واختاره ابن عثيمين (٣).
وذلك للآتي:
- أنه لما عدم الهدي صار الصيام واجبا في حقه، فإذا تأخر عن أدائه فإنه يقضى كرمضان (٤).
- أن الصوم بدل عن الهدي، فلو وجب الدم لاجتمع البدل والمبدل معه، وهو خلاف الأصل (٥).
المطلب السادس: حكم صيام السبعة أيام بمكة بعد فراغه من الحج
يجوز صيام السبعة أيام بمكة بعد فراغه من الحج، وإن كان الأفضل تأخيره إلى أن يرجع إلى أهله، وهذا مذهب جمهور الفقهاء: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والحنابلة (٨)، وهو قولٌ للشافعي (٩).
الأدلة:
أولاً: أدلة جواز الصيام بعد فراغه من الحج
قوله تعالى: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة: ١٩٧].
وجه الدلالة:
أن المراد من الرجوع الفراغ من الحج؛ لأن الفراغ منه سبب الرجوع إلى أهله، فكان الأداء بعد حصول السبب، فيجوز (١٠).
أن كل صوم لزمه، وجاز في وطنه، جاز قبل ذلك، كسائر الفروض (١١).
أنه صومٌ وجد من أهله بعد وجود سببه، فأجزأه، كصوم المسافر والمريض (١٢).
ثانياً: أدلة أفضلية الصيام بعد رجوعه إلى أهله:
عن ابن عمر ﵄: ((أن النبي ﷺ قال: فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)) (١٣).
وجه الدلالة:
أنه يدل أن الأصل في الصيام أن يكون بعد رجوعه إلى أهله، وفيه تفسير للآية الكريمة.
احتياطاً؛ لأنه اختلف في جوازه قبل ذلك، فيفعله على الوجه المجمع عليه أحسن (١٤).
المطلب السابع: هل يشترط أن يكون صيام الأيام متتابعة؟
يجوز صوم الثلاثة أيام في الحج، والسبعة إذا رجع إلى أهله متتابعة ومتفرقة باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١٥)، والمالكية (١٦)، والشافعية (١٧)، والحنابلة (١٨)، وحكي في ذلك الإجماع (١٩).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قال تعالى: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة: ١٩٦] (٢٠).
ثانيا: من السنة:
عن ابن عمر ﵄: ((أن النبي ﷺ قال: فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله)) (٢١).
وجه الدلالة من الدليلين:
أنَّ الشارع أطلق الصيام ولم يشترط فيه التتابع، والواجب إطلاق ما أطلقه الله ورسوله (٢٢).
стр. 790
الفصل الثالث: الحلق والتقصير
المبحث الأول: حكم الحلق والتقصير:
حلق شعر الرأس أو تقصيره واجبٌ من واجبات الحج والعمرة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣).
الأدلة:
أولا: من الكتاب:
قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح: ٢٧].
وجه الدلالة:
أنَّ الله تعالى جعل الحلق والتقصير وصفاً للحج والعمرة، والقاعدة أنه إذا عبر بجزءٍ من العبادة عن العبادة، كان دليلاً على وجوبه فيها (٤).
ثانياً: من السنة:
١ - عن عبدالله بن عمر ﵄ ((أنَّ رسول الله ﷺ خرج معتمراً، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية)). أخرجه البخاري (٥).
٢ - عن عبدالله بن عمر ﵄ ((أنَّ رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع)) أخرجه البخاري ومسلم (٦)، وقد قال ﵊: ((لتأخذوا مناسككم)) (٧)، مع كون فعله وقع بياناً لمجمل الكتاب.
المبحث الثاني: القدر الواجب حلقه أو تقصيره
الواجب حلق جميع الرأس (٨)، أو تقصيره كله، وهذا مذهب المالكية (٩)، والحنابلة (١٠)، واختاره ابن عبدالبر (١١)، وابن باز (١٢)، وابن عثيمين (١٣) وبه أفتت اللجنة الدائمة (١٤).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
عموم قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح: ٢٧].
وجه الدلالة:
أنه عامٌّ في جميع شعر الرأس، فالرأس اسمٌ لجميعه (١٥).
ثانياً: من السنة:
أن رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع (١٦).
وجه الدلالة:
أنه عامٌّ في جميع شعر الرأس؛ لأن الرأس اسمٌ لجميعه؛ فوجب الرجوع إليه، وقد قال ﷺ ((لتأخذوا مناسككم)) (١٧)، والأصل في الأمر الوجوب.
المبحث الثالث: الأفضل في حلق الرأس
стр. 791
حلق جميع الرأس أفضل من تقصيره (١)
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
ظاهر قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح: ٢٧].
وجه الدلالة:
أنَّ الله بدأ بالحلق، والعرب إنما تبدأ بالأهم والأفضل (٢).
ثانياً: من السنة:
١ - عن عبدالله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: والمقصرين)) (٣)
٢ - عن عبدالله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((حلق رسول الله ﷺ في حجته)) أخرجه البخاري (٤).
ثالثاً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (٥)، والنووي (٦).
المبحث الرابع: هل يجزئ التقصير عن الحلق؟
يجزئ التقصير عن الحلق.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
ظاهر قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح: ٢٧].
ثانياً: من السنة:
عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((اللهم ارحم المحلقين. قال في الرابعة: والمقصرين)) (٧).
ثالثاً: الإجماع:
فقد نقل ابن المنذر (٨)، والنووي (٩) وابن حجر (١٠) الإجماع على ذلك (١١).
المبحث الخامس: الحلق والتقصير للمرأة
المطلب الأول: حلق المرأة رأسها
لا تؤمر المرأة بالحلق بل تقصر.
الأدلة:
أولا: من السنة:
عن عبدالله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((ليس على النساء حلق، وإنما عليهن التقصير)) (١٢).
ثانياً: الإجماع:
стр. 792
فقد نقل ابن المنذر (١)، وابن عبدالبر (٢)، وابن قدامة (٣)، والنووي (٤) الإجماع على ذلك.
ثالثاً: أنَّ الحلق في حق النساء فيه مثلة (٥)؛ ولهذا لم تفعله نساء رسول الله ﷺ .
رابعاً: أن المرأة محتاجة إلى التجمل والتزين، والشعر جمال وزينة، ولذا شرع في حقهن التقصير فقط (٦).
المطلب الثاني: مقدار تقصير شعر المرأة
تقصر المرأة من شعرها، قدر أنملة الأصبع -وهي مفصل الإصبع- فتمسك ضفائر رأسها، إن كان لها ضفائر، أو بأطرافه إن لم يكن لها ضفائر، وتقص قدر أنملة (٧)، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)، وإنما كان الواجب بقدر الأنملة لئلا يجحف برأسها (١٢).
المبحث السادس: إمرار الموسى على من ليس على رأسه شعر
إذا لم يكن على رأسه شعر – كالأقرع ومن برأسه قروح – فقد اختلف أهل العلم فيه على أقوال، ومنها:
القول الأول: أنه يستحب له إمرار الموسى على رأسه، وهو مذهب الشافعية (١٣)، والحنابلة (١٤)، وهو قولٌ للحنفية (١٥).
الأدلة:
أولاً: أنه عبادة تتعلق بالشعر، فتنتقل للبشرة عند عدمه، كالمسح في الوضوء (١٦).
ثانياً: الإجماع على ذلك، وقد نقله ابن المنذر (١٧).
القول الثاني: أنه يجب إمرار الموسى، وهذا مذهب المالكية (١٨)، والحنفية في الأصح (١٩). وذلك لأنها عبادة تتعلق بالشعر، فتنتقل للبشرة عند تعذره، كالمسح في الوضوء (٢٠).
стр. 793
القول الثالث: لا يستحب له إمرار الموسى على رأسه، وهو مرويٌّ عن أبي بكر ابن داود (١)، ومال إليه المرداوي (٢)، واختاره ابن عثيمين (٣).
وذلك للآتي:
١ - أن الحلق محله الشعر فسقط بعدمه، كما سقط وجوب غسل العضو في الوضوء بفقده.
٢ - أن القاعدة المتفق عليها أن الوسائل يسقط اعتبارها عند تعذر المقاصد، وإمرار الموسى وسيلةٌ لإزالة الشعر، وليست مقصودة بذاتها (٤).
المبحث السابع: حكم التيامن في حلق الرأس
المطلب الأول: حكم التيامن في حلق الرأس
يستحب التيامن في حلق الرأس، فيقدم الشق الأيمن، ثم الشق الأيسر، فإن لم يفعل أجزأه، وحكي الإجماع على ذلك (٥).
المطلب الثاني: بم يحصل التيامن في حلق الرأس؟
العبرة في التيامن في الحلق بيمين المحلوق، فيبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الشق الأيسر، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، واختاره ابن الهمام من الحنفية (٩).
الأدلة:
عن أنس بن مالك ﵁ ((أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، والحجام جالس. وقال بيده عن رأسه، فحلق شقه الأيمن فقسمه فيمن يليه، ثم قال: احلق الشق الآخر، فقال: أين أبو طلحة؟ فأعطاه إياه)) أخرجه مسلم (١٠).
وفي روايةٍ عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((لما رمى- أي النبي ﵊ الجمرة ونحر نسكه وحلق، ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري ﵁ فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر فقال: احلق: فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: اقسمه بين الناس)) (١١).
стр. 794
الفصل الرابع: طواف الإفاضة
المبحث الأول: تعريف طواف الإفاضة
الإفاضة لغة:
الإفاضة: الزحف والدفع في السير بكثرة، ولا يكون إلا عن تفرق وجمع. وأصل الإفاضة الصب فاستعيرت للدفع في السير ... ومنه طواف الإفاضة يوم النحر، يفيض من منى إلى مكة فيطوف ثم يرجع (١).
أسماء طواف الإفاضة
سمي طواف الإفاضة بعدة أسماء منها:
١. طواف الإفاضة: وسمي بذلك لأنه يأتي بعد إفاضته من منى إلى مكة.
٢. طواف الزيارة: وذلك لأن الحاج يأتي من منى لزيارة البيت، ولا يقيم بمكة بل يرجع إلى منى.
٣. طواف الصَّدَر: لأنه يفعل بعد الرجوع, والصدر يطلق أيضاً على طواف الوداع.
٤. طواف الواجب وطواف الركن وطواف الفرض: وذلك باعتبار الحكم (٢).
المبحث الثاني: حكم طواف الإفاضة
طواف الإفاضة ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به، ولا ينوب عنه شيء.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
يقول الله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩].
وجه الدلالة:
اتفق أهل التفسير أن المراد بالطواف المأمور به في هذه الآية هو طواف الإفاضة (٣).
ثانياً: من السنة:
أن صفية بنت حيي، زوج النبي ﷺ ، حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: ((أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلا إذا. وفي رواية لمسلم: لما أراد النبي ﷺ أن ينفر، إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة. فقال: عقرى! حلقي! إنك لحابستنا. ثم قال لها: أكنت أفضت يوم النحر؟ قالت: نعم. قال: فانفري)) (٤)
وجه الدلالة:
أن قول رسول الله ﷺ : ((أحابستنا هي؟)) يدل على أن هذا الطواف لا بد من الإتيان به, وأن عدم الإتيان به موجبٌ للحبس (٥).
الإجماع:
стр. 795
نقل الإجماع على ركنية طواف الإفاضة: ابن المنذر (١) ,وابن حزم (٢) ,وابن عبدالبر (٣) ,وابن رشد (٤) , وابن قدامة (٥) , والنووي (٦) , وابن تيمية (٧) وغيرهم.
المبحث الثالث: شروط طواف الإفاضة
يشترط لطواف الإفاضة شروط خاصة به سوى الشروط العامة للطواف وهذه الشروط الخاصة هي:
المطلب الأول: أن يسبقه الإحرام
يشترط أن يكون مسبوقاً بالإحرام، وذلك لأن جميع أعمال الحج يتوقف احتسابها على الإحرام (٨).
المطلب الثاني: أن يسبقه الوقوف بعرفة
يشترط أن يسبقه الوقوف بعرفة, فلو طاف للإفاضة قبل الوقوف بعرفة لا يسقط به فرض الطواف (٩).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قال الله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩].
وجه الدلالة:
أنه لا يمكن قضاء التفث والوفاء بالنذر إلا بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة.
ثانياً: من السنة:
١ - عن جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ حاكياً عمله بعد الوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة والرمي: ((ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر)) (١٠).
٢ - عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ ((أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى)) قال نافع: ((فكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى ويذكر أن النبي ﷺ فعله)) (١١).
ثالثاً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن تيمية (١٢).
стр. 796
المبحث الرابع: وقت طواف الإفاضة
المطلب الأول: متى يسن طواف الإفاضة؟
يسن أن يكون طواف الإفاضة في يوم النحر أول النهار، بعد الرمي والنحر، والحلق. وهو أفضل وقت لبدايته (١).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١. حديث جابر بن عبدالله ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ وفيه: ((أنه ﷺ رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى المنحر فنحر هديه, ثم أفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر)) (٢).
٢. عن عبدالله بن عمر ﵄: ((أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى. قال نافع: فكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى. ويذكر أن النبي ﷺ فعله)) (٣).
ثانياً الإجماع:
نقل النووي الإجماع على ذلك (٤).
المطلب الثاني: متى يبتدئ وقت جواز طواف الإفاضة؟
اختلف العلماء في تحديده على قولين:
القول الأول: أن أول وقت طواف الإفاضة بعد منتصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبله، وهذا مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦) , واختاره ابن باز (٧).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: ((أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ تعني عندها)) (٨)
٢ - ما روى عن أسماء ﵂ أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلى، فصلت ساعة، ثم قالت: ((يا بنى هل غاب القمر قلت لا. فصلت ساعة، ثم قالت هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا. فارتحلنا، ومضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح فى منزلها. فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا. قالت: يا بنى، إن رسول الله ﷺ أذن للظعن)) (٩)
وجه الدلالة من الحديثين:
أن ظاهر النص جواز الدفع من المزدلفة قبل منتصف الليل والرمي؛ لأن أم سلمة وأسماء ﵄ رمتا الجمرة قبل الصبح؛ فهذا دليل على جواز الرمي قبل الفجر، فإذا جاز رمي الجمرة قبل الفجر؛ جاز فعل بقية أعمال يوم التشريق؛ لأنها مترابطة.
стр. 797
ثانياً: قياس الطواف على الرمي بجامع أنهما من أسباب التحلل، فإنه بالرمي للجمار والذبح والحلق يحصل التحلل الأول، وبالطواف يحصل التحلل الأكبر، فكما أن وقت الرمي يبدأ عندهم بعد نصف الليل، فكذا وقت طواف الإفاضة.
القول الثاني: يبتدئ من طلوع الفجر الثاني يوم النحر، وهذا مذهب الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وهو رواية عن أحمد (٣).
الأدلة:
أولا: من السنة:
١ - فعله ﷺ مع قوله: ((لتأخذوا مناسككم)) (٤)؛ فقد طاف طواف الإفاضة يوم النحر.
٢ - حديث ابن عباس ﵄ قال: ((قدمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بنى عبدالمطلب على حُمُرات فجعل يلطح (٥) أفخاذنا ويقول «أبيني، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)) (٦).
وجه الدلالة:
أنه إذا نُهي الضعفة عن رمي الجمار قبل طلوع الشمس، فأولى ألا يجوز الإفاضة قبل ذلك؛ لأن الأصل في فعل طواف الإفاضة أن يكون بعد رمي الجمار والنحر والحلق.
ثانياً: أن ما قبل الفجر من الليل وقت الوقوف بعرفة، والطواف مرتب عليه، فلا يصح أن يتقدم ويشغل شيئاً من وقت الوقوف، فالوقت الواحد لا يكون وقتاً لركنين.
مسألة: أداء طواف الإفاضة أيام التشريق
إذا أخر طواف الإفاضة عن يوم النحر وأداه في أيام التشريق صح طوافه ولا شيء عليه بالإجماع, وقد نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٧) والنووي (٨)
المطلب الثالث: آخر وقت طواف الإفاضة
ليس لآخره حد معين لأدائه فرضاً (٩)، بل جميع الأيام والليالي وقته إجماعاً، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن قدامة (١٠).
وأما وقته الواجب فقد اختلف فيه أهل العلم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجب أداؤه في أيام النحر، فلو أخره حتى أداه بعدها صح، ووجب عليه دم جزاء تأخيره عنها، وهذا مذهب الحنفية (١١).
الأدلة:
١ - أن الله تعالى عطف الطواف على الذبح في الحج، فقال: فَكُلُوا مِنْهَا، ثم قال: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩]، فكان وقتهما واحدا، فيكره تأخير الطواف عن أيام النحر، وينجبر بالدم.
стр. 798
٢ - أن الطواف نسك يفعل في الحج فكان آخره محدد؛ كالوقوف والرمي (١).
٣ - أنه أدخل نقصاناً بتأخير الطواف عن وقته، فيجبر بدم كتأخير أركان الصلاة.
القول الثاني: يجب أداؤه قبل خروج شهر ذي الحجة، فإذا خرج لزمه دم، وهذا مذهب المالكية (٢)(٣).
الأدلة:
١. قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ [البقرة: ١٩٧] ,
وجه الدلالة:
في الآية دليل على أن الحج مؤقت بأشهر محددة لا يجوز تأخيره عنها, وتأخير الطواف إلى محرم، فعل للركن في غير أشهر الحج.
القول الثالث: لا يلزمه شيء بالتأخير أبداً، وهذا مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وبه قال طائفة من السلف (٦)، واختاره ابن المنذر (٧) , وابن باز (٨).
الدليل:
أن الله أمر بالطواف أمراً مطلقاً، ولم يرد دليل يؤقت طواف الإفاضة كغيره من الأعمال، والأصل في ذلك براءة الذمة، وعدم التحديد.
المطلب الرابع: الشرب من ماء زمزم والتضلع منه بعد الطواف
يشرع (٩) الشرب من ماء زمزم والتضلع منه عند الفراغ من طواف الإفاضة (١٠).
الأدلة:
١. عن جابر ﵁: ((أن النبي ﷺ رمل ثلاثة أشواط من الحجر، وصلى ركعتين، ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصبَّ على رأسه، ثم رجع فاستلم الركن ... )) (١١).
٢ - عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه قال: ((لما حجَّ معاوية ﵁ حججنا معه، فلما طاف بالبيت، وصلى عند المقام ركعتين، ثم مرَّ بزمزم وهو خارج إلى الصفا، فقال: انزع لي منها دلواً يا غلام، فنزع له منها دلواً، فأتي به فشرب منه، وصب على وجهه ورأسه، وهو يقول: زمزم شفاء، وهي لما شرب له)) (١٢).
стр. 799
الفصل الخامس: التحلل الأول
المبحث الأول: تعريف التحلل
التحلل لغة: يقال حلّ المحرم يحلُّ حلالًا وحلًّا، إذا حلّ له ما يحرم عليه من محظورات الحج، ورجلٌ حلال: أي غير محرم ولا متلبّس بأسباب الحج، وأحلَّ الرجل إذا خرج إلى الحلّ عن الحرم (١).
التحلل اصطلاحاً:
الخروج من الإحرام، وحل ما كان محظورا عليه وهو محرم (٢).
المبحث الثاني: بم يحصل التحلل الأول:
اختلف أهل العلم في التحلل الأول بم يحصل على أقوال ثلاثة:
القول الأول:
أنه يحصل بفعل اثنين من ثلاثة وهي: الرمي، والحلق، والطواف. وإلى هذا ذهب الشافعي (٣)، وأحمد (٤) في المشهور عنهما, واختاره ابن حجر (٥) , وابن باز (٦).
الأدلة:
١. عن عائشة ﵂ قالت: ((طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف، وبسطت يديها)) (٧)
وجه الدلالة:
إخبار عائشة ﵂ بأنها طيبت النبي ﷺ حين أحل قبل أن يطوف، دليل على أن التحلل الأصغر حصل قبل الطواف، أي بعد الرمي والحلق (٨).
ثانيا: أن الرمي والحلق نسكان يتعقبهما الحل، فكان حاصلاً بهما، كالطواف والسعي في العمرة (٩).
القول الثاني:
أنه يحصل برمي جمرة العقبة؛ وهو مذهب المالكية (١٠)،ووجه للشافعية (١١)، ورواية عن أحمد (١٢)، وبه قال عطاء وأبو ثور، واختاره ابن قدامة (١٣) , والألباني (١٤).
الأدلة:
١. حديث أم سلمة ﵂ وفيه أن رسول الله ﷺ قال: ((إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا - يعني من كل ما حرمتم منه - إلا النساء)) (١٥).
стр. 800
٢. حديث عائشة ﵂ قالت: ((طيبت رسول الله ﷺ بيدي بذريرة لحجة الوداع للحل والإحرام، حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت)) (١).
وجه الدلالة:
تعليق النبي ﷺ الإحلال من الإحرام برمي جمرة العقبة، دليل على أن التحلل الأصغر يحصل برميها دون التوقف على أشياء أخر. وقد أبان عن ذلك فعله ﷺ ، كما أخبرت به عائشة ﵁، وأن تطييبها إياه كان عقب جمرة العقبة (٢).
القول الثالث: يحصل بالحلق بعد الرمي، ولا يحل له بالرمي قبل الحلق شيء. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة (٣)، وهو اختيار الشنقيطي (٤)، وابن عثيمين (٥).
الأدلة:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: ((كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت)) (٦).
وجه الدلالة:
أنه لا طواف بالبيت بالنسبة لفعل الرسول ﵊ إلا بعد الرمي والحلق، ولو كان يتحلل قبل الحلق، لقالت عائشة: ولحله قبل أن يحلق، فلما قالت: ((قبل أن يطوف)) عُلم أنه لا يحل التحلل الأول إلا بالحلق (٧).
٢ - أن الحلق رتب عليه الحل في مسألة الإحصار، فإن النبي ﷺ لما أحصر في الحديبية أمرهم أن يحلقوا ثم يحلوا، ولا حل لمحصر إلا بعد الحلق (٨).
المبحث الثالث: ما يترتب على التحلل الأول
стр. 801
من تحلل التحلل الأول حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء, وذهب إليه الجمهور من الحنفية (١) , والشافعية (٢) , والحنابلة (٣) , وبه قال طائفة من السلف (٤)،واختاره ابن تيمية (٥) , والشوكاني (٦) , والشنقيطي (٧) , وابن باز (٨) والألباني (٩)، وابن عثيمين (١٠).
الأدلة:
١ - حديث عائشة ﵂ قالت: ((طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف، وبسطت يديها)) (١١).
وجه الدلالة:
أخبرت عائشة ﵂ أنها طيبت الرسول ﷺ عندما أحل قبل أن يطوف، وفي هذا دلالة واضحة ونص صريح في إباحة الطيب بالتحلل الأول.
٢ - حديث أم سلمة رضي عنها أن رسول الله ﷺ قال: ((إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة قبل أن تحلوا - يعني من كل ما حرمتم منه - إلا النساء)) (١٢).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أخبر أن من رمى الجمرة تحلل إلا من النساء, وهذا يدل على أن التحلل الأصغر يحل به كل شيء إلا النساء.
стр. 802
الفصل الأول المبيت بمنى ليالي أيام التشريق
المبحث الأول: المبيت بمنى ليالي التشريق وما يلزم من تركه
المطلب الأول: حكم المبيت بمنى ليالي التشريق
المبيت بمنى في ليالي أيام التشريق (١) واجب، وهو مذهب جمهور الفقهاء (٢) من المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
الأدلة:
١ - أنَّ النبي ﷺ بات في منى، وقد قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (٦).
٢ - عن عائشة ﵂ قالت: ((أفاض رسول الله من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق)) (٧)
٣ - أن النبي ﷺ : ((رخص لعمه العباس أن يبيت في مكة ليالي التشريق من أجل السقاية)) (٨).
وجه الدلالة:
أن كلمة (رخص) تدل على أن الأصل الوجوب؛ لأن الرخصة لا تقال إلا في مقابل أمر واجب وعزيمة (٩).
٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال عمر ﵁: ((لا يبيتن أحد من الحاج من وراء العقبة وكان يوكل بذلك رجالا لا يتركون أحدا من الحاج يبيت من وراء العقبة إلا أدخلوه)) (١٠)(١١).
مسألة: حكم المبيت بمنى ليلة الثالث عشر للمتعجِّل
стр. 803
من تعجَّل فليس عليه سوى مبيت ليلتين فقط، ويسقط عنه المبيت ورمي الجمرة لليوم الثالث عشر.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ (١) فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة: ٢٠٣].
ثانياً: من السنة:
عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي، قال رسول الله ﷺ : ((أيام منى ثلاثة: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه)) (٢).
ثالثاً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك الماوردي (٣)، وابن قدامة (٤).
المطلب الثاني: حكم المتعجل إذا غربت عليه الشمس ثاني أيام التشريق
стр. 804
إذا غربت الشمس على المتعجل وهو بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو رواية عن أبي حنيفة (٤)، وبه قال أكثر أهل العلم (٥)، واختاره ابن المنذر (٦)، وابن تيمية (٧)، والشنقيطي (٨)، وابن باز (٩)(١٠).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قال الله تعالى: فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣].
وجه الدلالة:
أن اليوم اسم للنهار دون الليل، فيكون من أدركه الليل لم يتعجل في يومين فإن في للظرفية، ولا بد أن يكون أوسع من المظروف، وعليه فلا بد أن يكون الخروج في نفس اليومين (١١).
ثانياً: عن عبدالرحمن بن يعمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه)) (١٢).
ثالثاً: الآثار عن الصحابة ﵃::
١ - عن عمر ﵁ قال: ((من أدركه المساء في اليوم الثاني بمنى فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس)) (١٣).
стр. 805
٢ - عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: ((من غربت عليه الشمس في أوسط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفر حتى يرمي الجمار من الغد)) (١).
مسألة: إذا غربت الشمس قبل انفصاله من منى:
إذا غربت الشمس على المتعجل من منى وهو سائر فيها قبل انفصاله منها، فإنه يجوز له التعجل، نص على هذا فقهاء الشافعية (٢)، واختاره ابن عثيمين إذا حبسه المسير (٣)، لأن ذلك وقع بغير اختياره، ولما في تكليفه من حل الرحل والمتاع من المشقة عليه (٤).
المطلب الثالث: بم يحصل المبيت؟
القدر الواجب لمبيت الحاج بمنى، هو أن يمكث أكثر الليل، وهو مذهب المالكية (٥)، والشافعية في الأصح (٦)، وذلك لأن مسمَّى المبيت لا يحصل إلا بمعظم الليل، كما لو حلف لا يبيت بمكان لم يحنث إلا بمعظم الليل (٧).
المطلب الرابع: ما يلزم من ترك المبيت بمنى من غير أصحاب الأعذار
стр. 806
من بات ليلة واحدة في منى، وترك بقية الليالي منى فعليه أن يتصدق بما تيسَّر، وإن ترك مبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر فعليه دم، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد (١)، واختيار ابن باز (٢)، وابن عثيمين (٣).
المطلب الخامس: سقوط المبيت عن أصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل
يسقط المبيت عن أصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
الأدلة:
ابن عمر أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له (٧).
стр. 807
وحديث مالك: رخَّص النبي ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر (١)(٢)
المطلب السادس: حكم المبيت خارج منى بسب أعذار أخرى غير أصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل
стр. 808
يجوز المبيت خارج منى، لمن كان له عذر آخر غير السقاية والرعي، وتسقط عنه الفدية، والإثم، وذهب إلى ذلك الشافعية (١)، وبعض الحنابلة (٢)، وهو اختيار ابن باز (٣)، وابن عثيمين (٤).
وذلك لأن النبي ﷺ رخص لأصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل تنبيها على غيرهم, أو نقول: نص عليه لمعنى وُجِد في غيرهم , فوجب إلحاقه بهم (٥).
المطلب السابع: حكم المبيت لمن لم يجد مكاناً مناسباً في منى
стр. 809
من لم يجد مكاناً مناسباً (١) للمبيت في منى، اختلف فيه أهل العلم على قولين:
القول الأول: يجب عليه أن يبيت في أقرب مكان يلي منى، وهو قول ابن عثيمين (٢).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
١ - قوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦].
٢ - قوله سبحانه: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]
ثانياً: القياس:
قياس امتلاء منى على امتلاء المسجد، فإن المسجد إذا امتلأ وجب على الناس أن يصلوا حوله لتتصل الصفوف حتى يكونوا جماعة واحدة والمبيت نظير هذا (٣).
ثالثاً: المقصود من المبيت أن يكون الناس مجتمعين أمة واحدة، فالواجب أن يكون الإنسان عند آخر خيمة حتى يكون مع الحجيج (٤).
القول الثاني: له أن يبيت خارج منى في مزدلفة أو العزيزية أو غيرهما، ولا شيء عليه، وهو قول ابن باز (٥).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٦) [التغابن: ١٦]
ثانياً: من السنة:
قوله ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٧).
والحاج إذا اجتهد في التماس مكان في منى ليبيت فيه ليالي منى فلم يجد شيئاً، فلا حرج عليه أن ينزل في خارجها (٨).
المبحث الثاني: ذكر الله في أيام منى
يُسنُّ ذكر الله في أيام منى.
الدليل:
عن نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ) (٩).
стр. 810
الفصل الثاني: رمي الجمار أيام التشريق
تمهيد
يرمي الحاجُ في أيام التشريق: الجمرة الصغرى، ثم الجمرى الوسطى، ثم الجمرى الكبرى، كل جمرة بسبع حصيات، وذلك في اليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
- عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((رأيت رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس)) (١).
- عن عائشة ﵂ قالت: ((أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالى أيام التشريق، يرمى الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمى الثالثة ولا يقف عندها)) (٢).
ثانياً: الإجماع:
نقله ابن عبدالبر (٣)، وابن رشد (٤).
المبحث الأول: وقت الرمي في أيام التشريق
المطلب الأول أول وقت الرمي في أيام التشريق: