← Фикх общий

Фикх общий · id 38056

الموسوعة الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 364 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

من بات ليلة واحدة في منى، وترك بقية الليالي منى فعليه أن يتصدق بما تيسَّر، وإن ترك مبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر فعليه دم، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد (١)، واختيار ابن باز (٢)، وابن عثيمين (٣). المطلب الخامس: سقوط المبيت عن أصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل يسقط المبيت عن أصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). الأدلة: ابن عمر أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له (٧).

стр. 807

وحديث مالك: رخَّص النبي ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر (١) (٢) المطلب السادس: حكم المبيت خارج منى بسب أعذار أخرى غير أصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل

стр. 808

يجوز المبيت خارج منى، لمن كان له عذر آخر غير السقاية والرعي، وتسقط عنه الفدية، والإثم، وذهب إلى ذلك الشافعية (١)، وبعض الحنابلة (٢)، وهو اختيار ابن باز (٣)، وابن عثيمين (٤). وذلك لأن النبي ﷺ رخص لأصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل تنبيها على غيرهم, أو نقول: نص عليه لمعنى وُجِد في غيرهم , فوجب إلحاقه بهم (٥). المطلب السابع: حكم المبيت لمن لم يجد مكاناً مناسباً في منى

стр. 809

من لم يجد مكاناً مناسباً (١) للمبيت في منى، اختلف فيه أهل العلم على قولين: القول الأول: يجب عليه أن يبيت في أقرب مكان يلي منى، وهو قول ابن عثيمين (٢). الأدلة: أولاً: من الكتاب: ١ - قوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]. ٢ - قوله سبحانه: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] ثانياً: القياس: قياس امتلاء منى على امتلاء المسجد، فإن المسجد إذا امتلأ وجب على الناس أن يصلوا حوله لتتصل الصفوف حتى يكونوا جماعة واحدة والمبيت نظير هذا (٣). ثالثاً: المقصود من المبيت أن يكون الناس مجتمعين أمة واحدة، فالواجب أن يكون الإنسان عند آخر خيمة حتى يكون مع الحجيج (٤). القول الثاني: له أن يبيت خارج منى في مزدلفة أو العزيزية أو غيرهما، ولا شيء عليه، وهو قول ابن باز (٥). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٦) [التغابن: ١٦] ثانياً: من السنة: قوله ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٧). والحاج إذا اجتهد في التماس مكان في منى ليبيت فيه ليالي منى فلم يجد شيئاً، فلا حرج عليه أن ينزل في خارجها (٨). المبحث الثاني: ذكر الله في أيام منى يُسنُّ ذكر الله في أيام منى. الدليل: عن نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ) (٩).

стр. 810

الفصل الثاني: رمي الجمار أيام التشريق تمهيد يرمي الحاجُ في أيام التشريق: الجمرة الصغرى، ثم الجمرى الوسطى، ثم الجمرى الكبرى، كل جمرة بسبع حصيات، وذلك في اليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر. الأدلة: أولاً: من السنة: - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((رأيت رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس)) (١). - عن عائشة ﵂ قالت: ((أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالى أيام التشريق، يرمى الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمى الثالثة ولا يقف عندها)) (٢). ثانياً: الإجماع: نقله ابن عبدالبر (٣)، وابن رشد (٤). المبحث الأول: وقت الرمي في أيام التشريق المطلب الأول أول وقت الرمي في أيام التشريق:

стр. 811

لا يصح الرمي في أيام التشريق قبل زوال الشمس (١)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو ظاهر المروي عن أبي حنفية في غير يوم النفر (٥)، واختاره الكمال ابن الهمام (٦)، والشنقيطي (٧)،

стр. 812

وابن باز (١)، وابن عثيمين (٢) (٣). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((رمى النبيُّ ﷺ يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال)) (٤). وجه الدلالة: أن في الرمي قبل الزوال مخالفة لفعل النبي ﷺ الثابت عنه، والذي اعتضد بقوله: ((لتأخذوا مناسككم)) (٥)، كما أن فعله ﷺ في المناسك وقع بياناً لمجمل الكتاب فيكون واجباً، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل (٦). ٢ - عن عائشة قالت: ((أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالى أيام التشريق يرمى الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمى الثالثة ولا يقف عندها)) (٧). وجه الدلالة: أن هذا يدل على أن النبي ﵊ كان يرتقب الزوال ارتقاباً تامًّا، فبادر من حين زالت الشمس قبل أن يصلي الظهر (٨). ٣ - عن وبرة، قال: سألت ابن عمر ﵄، متى أرمي الجمار؟ قال: ((إذا رمى إمامك، فارمه))، فأعدت عليه المسألة، قال: ((كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا)) (٩). وجه الدلالة: أنه أعلم السائل بما كانوا يفعلونه في زمن النبي ﷺ ، وأنهم كانوا يتحينون ذلك مما يدل على تحتمه ولزومه (١٠).

стр. 813

ثانياً: عن عبدالله بن عمر كان يقول: ((لا ترمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس)) (١) (٢). ثالثاً: أنه لو كان الرمي جائزاً قبل زوال الشمس لفعله النبيُّ ﵊، لما فيه مِنْ فعل العبادة في أول وقتها، ولما فيه من التيسير على العباد؛ فإن الرمي في الصباح أيسر على الأمة؛ لأنه بعد الزوال يشتد الحر، ويشق على الناس، فلا يمكن أن يختار النبيُّ ﷺ الأشد ويدع الأخف، فإنه ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً (٣). رابعاً: أن هذا بابٌ لا يعرف بالقياس، بل بالتوقيت من الشارع، فلا يجوز العدول عنه (٤). رابعاً: أنه كما لا يجزئ فعلُ الرمي في غير المكان الذي رمى فيه ﵊، فإنه لا يجزئ كذلك في غير الوقت الذي فعله النبي ﷺ (٥). المطلب الثاني تأخير الرمي: يصح تأخير رمي كل يوم إلى اليوم الثاني إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وكذا تأخير الرمي كله إلى اليوم الثالث عشر، ويرميه مرتبا: رمي اليوم الأول، ثم رمي اليوم الثاني، وهكذا، وهذا مذهب الشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، واختاره الشنقيطي (٨)، وابن باز (٩). الأدلة: أولاً من السنة: عن عاصم بن عدي العجلاني ﵁: ((أن النبي ﷺ رخص لرعاء الإبل، أن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً)) وفي لفظ: ((رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغداة، ومن بعد الغداة ليومين، ثم يرمون يوم النفر)) (١٠). وجه الدلالة: أن إذن النبي ﷺ في فعلها في وقت دليل على أن ذلك الوقت من أجزاء وقت تلك العبادة الموقتة; لأنه ليس من المعقول أن تكون هذه العبادة موقتة بوقت معين ينتهي بالإجماع في وقت معروف، ويأذن النبي ﷺ في فعلها في زمن ليس من أجزاء وقتها المعين لها (١١).

стр. 814

ثانياً: أن أيام التشريق كلها وقت للرمي فإذا أخره عن أول وقته إلى آخره أجزأه، كتأخير وقوف بعرفة إلى آخر وقته (١). ثالثاً: أنه لو كانت بقية الأيام غير صالحة للرمي لم يفترق الحال فيها بين المعذور وغيره كما في الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة (٢). رابعاً: القياس على الصلاة فإن فعلها في آخر وقتها الضروري هو أداء، أما القضاء في اصطلاح الفقهاء والأصوليين: فإنه لا يطلق إلا على ما فات وقته بالكلية (٣). المطلب الثالث: نهاية وقت الرمي: ينتهي وقت الرمي أداء وقضاء بغروب شمس آخر يوم من أيام التشريق. دليل ذلك: الإجماع: نقله ابن عبدالبر (٤)، وابن رشد (٥)، والنووي (٦)، والقرطبي (٧)، وابن تيمية (٨)، وحكاه أبو العباس السروجي عن الأئمة (٩). المبحث الثاني: النفر الأول إذا رمى الجمار ثاني أيام التشريق إذا رمى الحاجُ الجمارَ ثاني أيام التشريق (١٠)، فيجوز له أن ينفر إن أحب التعجل في الانصراف من منى، هذا هو النفر الأول، وبذلك يسقط عنه المبيت ورمي اليوم الأخير. الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة: ٢٠٣]. ثانياً: من السنة:

стр. 815

عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي، قال رسول الله ﷺ : ((أيام منى ثلاثة: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه)) (١). ثالثاً: الإجماع: نقل الإجماع على ذلك ابن قدامة (٢)، والماوردي (٣). المبحث الثالث: النفر الثاني إذا رمى الجمار ثالث أيام التشريق: التأخير إلى ثالث أيام التشريق أفضل، فإذا رمى الحاج الجمار في اليوم الثالث من أيام التشريق بعد الزوال انصرف من منى إلى مكة، ويسمى النفر الثاني، وهو آخر أيام التشريق، وبه تنتهي مناسك منى. الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة: ٢٠٣]. ثانياً: من السنة: ١ - عن عائشة ﵂، قالت: ((أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة، إذا زالت الشمس)) (٤). ٢ - عن عبدالرحمن بن يعمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ بعرفات قال: ((أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه)) (٥). ٣ - عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ أنه ((صلى الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ورقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به)) (٦). ٤ - عن ابن عمر ﵄: ((أنه كان إذا أقبل بات بذي طوى حتى إذا أصبح دخل، وإذا نفر مر بذي طوى، وبات بها حتى يصبح. وكان يذكر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك)) (٧). وجه الدلالة من الحديثين:

стр. 816

أن ذلك إنما كان في ليلة الحصبة بعد النفر من منى. ثالثاً: الإجماع: نقله الماوردي (١)، وابن حزم (٢)، وابن عبدالبر (٣)، والنووي (٤). رابعاً: أن المقام مقام كمال؛ أما التعجيل فهو رخصة، وفيه ترفه بترك بعض الأعمال (٥).

стр. 817

تمهيد طواف الوداع أسماؤه وسبب تسميته أولا: أسماء طواف الوداع ١ - طواف الوداع. ٢ - طواف الصدر. ٣ - طواف آخر العهد (١). ثانيا: سبب التسمية سمي طواف الوداع لأنه يودع به البيت، وسمي بطواف الصدر لأنه يصدر به عن البيت (٢).

стр. 818

الفصل الأول: حكم طواف الوداع للحاج طواف الوداع واجب عند الانتهاء من النسك، وقبل الخروج من مكة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، والشافعية في الأظهر (٣)، واختاره ابن تيمية (٤)، والشنقيطي (٥)، وابن باز (٦)، وابن عثيمين (٧). الأدلة: ١ - عن ابن عباس، ﵄، قال: ((أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض)) (٨). ٢ - عن ابن عباس: ((قال كان الناس ينصرفون فى كل وجه فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)) (٩).

стр. 819

الفصل الثاني شروط طواف الوداع المبحث الأول: أن يكون من أهل الآفاق يشترط أن يكون الحاج من أهل الآفاق، فلا يجب على المكي، ومن نوى الإقامة بمكة، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، لأن الطواف وجب توديعاً للبيت، وهذا المعنى لا يوجد في أهل مكة؛ لأنهم في وطنهم. المبحث الثاني: الطهارة من الحيض والنفاس يشترط الطهارة من الحيض والنفاس؛ فلا يجب طواف الوداع على الحائض والنفساء، ولا يجب عليهما دم بتركه وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة (٥): الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). الأدلة: ١ - عن ابن عباس، ﵄، قال: ((أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض)) (١٠). ٢ - حديث عائشة: ((أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع فقال النبي ﷺ : أحابستنا هي؟ فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله وطافت بالبيت. فقال النبي ﷺ : فلتنفر)) (١١). فرع: الحكم في النفساء كالحكم في الحائض؛ لأن أحكام النفاس كأحكام الحيض، فيما يوجب ويسقط (١٢). فرع: إذا طهرت الحائض أو النفساء بعد أن نفرت وقبل مفارقة بنيان مكة يلزمها الرجوع، أما إذا تجاوزت مكة فلا يلزمها الرجوع (١٣). الدليل: عن ابن عباس، ﵄، قال: ((أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض)) (١٤). المبحث الثالث وقت طواف الوداع: وقت طواف الوداع هو بعد فراغ المرء من جميع أموره؛ ليكون آخر عهده بالبيت، وهو قول الجمهور من المالكية (١٥)، والشافعية (١٦)، والحنابلة (١٧). الدليل:

стр. 820

قال رسول الله ﷺ : ((لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت)) (١). فرع: يغتفر له أن يشتغل بعد طواف الوداع بأسباب السفر، كشراء الزاد، وحمل الأمتعة أو انتظار رفقة ونحو ذلك ولا يعيده، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختاره ابن باز (٥) وابن عثيمين (٦). الأدلة: أولاً: من السنة عن أم سلمة، قالت: ((شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي قال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور)) (٧). وجه الدلالة: أنه ﵊ صلى الفجر، وكان قد طاف للوداع قبل ذلك، ولم يكن ذلك مبطلاً لوداعه، فدل أن ما كان مثل ذلك لا يقطع طواف الوداع. (٨). ثانياً: أن ما كان مثل ذلك ليس بإقامة حتى يقطع طواف الوداع (٩). المبحث الرابع: هل يجزئ طواف الإفاضة عن طواف الوداع، إذا كان عند الخروج؟ يجزئ طواف الإفاضة عن طواف الوداع، إذا جعله الإنسان عند خروجه، وهذا مذهب المالكية (١٠)، والحنابلة (١١)، وحكاه ابن رشد عن جمهور الفقهاء (١٢)، واختاره ابن باز (١٣) وابن عثيمين (١٤). وذلك للآتي: أولاً: أن طواف الوداع ليس مقصوداً لذاته بل ليكون آخر عهده من البيت الطواف، وقد حصل بطواف الإفاضة، فيكون مجزئاً عن طواف الوداع (١٥). ثانياً: أن ما شرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه، كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة (١٦).

стр. 821

الفصل الأول: النيابة عن الحي المبحث الأول: النيابة في الفرض عن القادر. القادر على الحج لا يجوز أن يستنيب من يحج عنه حجة الفريضة (١). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: ٩٧]. ثانياً: الإجماع: نقله ابن المنذر (٢)، وابن قدامة (٣)، وابن حجر (٤). ثالثاً: أن على القادر الحج ببدنه، فلا ينتقل الفرض إلى غيره إلا فيما وردت فيه الرخصة وهو إذا عجز عنه، أو كان ميتاً، وبقي فيما سواهما على الأصل، فلا تجوز النيابة عنه فيه (٥). المبحث الثاني: النيابة في الفرض عن غير القادر:

стр. 822

يجب على من أعجزه كبر، أو مرض لا يرجى برؤه (١) أن يقيم من يحج عنه إن كان له مال، وهذا مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو رواية عن أبي حنيفة (٤)، وقول صاحبيه (٥)، وذهب إليه طائفة من السلف (٦)، واختاره الكمال ابن الهمام (٧)، وابن حزم (٨)، وابن باز (٩)، وابن عثيمين (١٠). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: ٩٧]. وجه الدلالة: عموم الآية، فمن استطاع الحج ببدنه وماله فقد وجب الحج في حقه، فإن كان عاجزاً عن الحج ببدنه، مستطيعاً بماله، فإنه يلزمه أن يقيم غيره مقامه. ثانياً: من السنة: عن عبدالله بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : ((أنه جاءته امرأة من خثعم تستفتيه، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم)) (١١) (١٢). وجه الدلالة:

стр. 823

أن النبيَّ ﷺ أقرَّ المرأة على وصف الحج عن أبيها بأنه فريضة، مع عجزه عنه ببدنه، ولو لم يجب عليه لم يقرها الرسول ﷺ ؛ لأنه لا يمكن أن يقر على خطأ، فدل على أن العاجز ببدنه القادر بماله يجب عليه أن ينيب (١). ثالثاً: أن هذه عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فجاز أن يقوم غيرُ فعله فيها مقامَ فعله، كالصوم إذا عجز عنه افتدى (٢). المبحث الثالث: إذا استناب للفريضة ثم برئ: من استناب للحج ثم برئ قبل الموت فهل يجب الحج عليه أو يسقط عنه؟ فيه قولان لأهل العلم: القول الأول: يجزئ عنه، ويسقط عنه الفرض، وهذا مذهب الحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، وبه قال إسحاق ابن راهويه (٥).وذلك للآتي: ١. أن المنيب أتى بما أُمِر به من إقامة غيره مقامه، ومن أتى بما أُمِر به برئت ذمته، وخرج من العهدة كما لو لم يبرأ (٦). ٢. أنه فَعَلَ عبادة في وقت وجوبها يظن أنها الواجبة عليه فتجزئه، ولو تبين بعد ذلك أن الواجب كان غيرها (٧). ٣. أن إيجاب الحج عليه يُفضي إلى إيجاب حجتين عليه، ولم يوجب الله عليه إلا حجة واحدة (٨). ٤. القياس على المتمتع إذا شرع في الصوم ثم قدر على الهدي فإنه يجزئ عنه (٩). القول الثاني: لا يجزئه عن حج الفريضة، وعليه الحج بنفسه، وهذا مذهب الحنفية (١٠)، والشافعية في الأصح (١١)، واختاره ابن المنذر (١٢) (١٣). وذلك للآتي: ١. أن هذا الحج بدل إياس، فإذا برأ تبين أنه لم يكن مأيوساً منه، فلزمه الأصل (١٤). ٢. قياساً على الآيسة من الحيض إذا اعتدت بالشهور، ثم حاضت لا يجزئها تلك العدة (١٥). ٣. أن جواز الحج عن الغير ثبت بخلاف القياس، لضرورة العجز الذي لا يرجى زواله، فيتقيد الجواز به (١٦).

стр. 824

الفصل الثاني: النيابة عن الميت المبحث الأول: من مات وعليه حج واجب: من مات وعليه حجٌّ واجبٌ، بقي الحج في ذمته، ووَجَبَ الإحجاج عنه من رأس ماله (١)، سواء أوصى به أم لا، وهذا مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، وقال به طائفة من السلف (٥) واختاره الشنقيطي (٦)، وابن باز (٧). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى في المواريث: مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: ١١]. وجه الدلالة: أنه عمَّ في الآية الديون كلها، ومن مات وبقي حج في ذمته؛ فإنه دين عليه، يجب قضاؤه عنه من ماله قبل قسمة التركة (٨). ثانياً: من السنة: ١. عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه ﵁، قال: ((بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ ، إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت قال: فقال: وجب أجرك وردها عليك الميراث، قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها)) أخرجه مسلم (٩). ٢. عن ابن عباس ﵄: ((أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء)) (١٠) (١١). وجه الدلالة: أن هذا الحديث وإن كان في نذر الحج، إلا أنه يدل على فريضة الحج من باب أولى؛ لأن وجوب حج الفريضة أعظم من وجوب الحج بالنذر، كما أن النبي ﷺ شبهها بدين الآدمي، والدين لا يسقط بالموت، فوجب أن يتساويا في الحكم (١٢). ثالثاً: الآثار عن الصحابة ﵃:

стр. 825

عن ابن عباس ﵄: ((أن امرأة أتته فقالت: إن أمي ماتت وعليها حجة، أفأحج عنها؟ فقال ابن عباس: هل كان على أمك دين؟ قالت: نعم؛ قال: فما صنعت؟ قالت قضيته عنها. قال ابن عباس: فالله خير غرمائك، حجي عن أمك)) (١) (٢). رابعاً: أنه حقٌّ تدخله النيابة، لزمه في حال الحياة، فلم يسقط بالموت، كدين الآدمي (٣). المبحث الثاني: التبرع بالحج عن الميت: يجوز التبرع بالحج عن الميت، سواء من الوارث أو من الأجنبي، وسواء أذن له الوارث أم لا (٤)، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). واختيار ابن باز (٧) وبه أفتت اللجنة الدائمة (٨). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((أتى رجل النبي ﷺ فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت؟ فقال النبي ﷺ : لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض الله فهو أحق بالقضاء)) (٩). وجه الدلالة: تشبيهه ﷺ له بالدين، ثم إنه لم يستفصله أوارثه أو لا، فدل على صحة الحج عن الميت، وقد تقرر في الأصول: أن عدم الاستفصال من النبي ﷺ ؛ ينزل منزلة العموم القولي (١٠). ثانياً: القياس على جواز أن يتبرع بقضاء دينه بغير إذن الوارث، ويبرأ الميت به (١١). ثالثاً: القياس على صحة الصدقة عنه (١٢). الفرع الأول: من مات، ولم يكن له تركة لم يلزم أحدا أن يحج عنه، لكن يستحب لوارثه أن يحج عنه (١٣). الفرع الثاني: العمرة كالحج في القضاء (١٤).

стр. 826

الفصل الثالث: النيابة في حج النفل اختلف أهلُ العلم في مشروعية النيابة في حج النفل على أقوال، أرجحها: القول الأول: لا تجوز الاستنابة في حج النفل إلا عن الميت والحي المعضوب (١)، وهذا مذهب الشافعية على الأصح (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣)، واختاره الشنقيطي (٤)، وابن باز (٥). الأدلة: أولاً: من السنة: عن عبدالله بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : ((أنه جاءته امرأة من خثعم تستفتيه، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم)) (٦) (٧). عن ابن عباس ﵄: ((أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء)) (٨) (٩). وجه الدلالة من الحديثين: أن النيابة في الحج إنما شرعت للميت أو العاجز عن الحج، فما ثبت في الفرض ثبت في النفل (١٠). ثانياً: أنه يتوسع في النفل ما لا يتوسع في الفرض، فإذا جازت النيابة في الفرض فلأن تجوز في النفل أولى (١١). ثالثاً: أنها حجة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها (١٢). رابعاً: أن حج النفل لم يجب عليه ببدنه ولا بماله، فإذا كان له تركهما كان له أن يتحمل إحداهما تقرباً إلى ربه (١٣). خامساً: أن النفل كالفرض، فلم يجز أن يستنيب فيه القادر على الحج بنفسه (١٤). القول الثاني: عدم الجواز مطلقاً، وهذا قولٌ للمالكية (١٥)، وقول عند الشافعية (١٦)، واختاره ابن عثيمين (١٧). وذلك لأنه إنما جاز الاستنابة في الفرض للضرورة، ولا ضرورة في غيره، فلم تجز الاستنابة فيه، كالصحيح (١٨).

стр. 827

الفصل الرابع: الاستئجار على الحج يجوز الاستئجار على الحج، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، واختاره ابن باز (٤) وابن عثيمين (٥). الأدلة: أولاً: من السنة: عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» رواه البخاري (٦). ١. عن أبي سعيد ﵁: ((أن رهطاً من أصحاب رسول الله ﷺ انطلقوا في سفرة سافروها، حتى نزلوا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم، لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، فسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لراق، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق فجعل يتفل ويقرأ: الحمد لله رب العالمين حتى لكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي ما به قلبة، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: وما يدريك أنها رقية؟ أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم بسهم)) (٧). وجه الدلالة: أن أصحاب النبي ﷺ أخذوا الجُعْل على الرقية بكتاب الله، وأخبروا بذلك النبي ﷺ ، فصوبهم فيه، فدل على جوزا مثل ذلك، وأولى منه القرب التي تدخلها النيابة كالحج والعمرة (٨). ثانياً: أنه يجوز أخذ النفقة على النيابة في الحج، فجاز الاستئجار عليه، كبناء المساجد والقناطر (٩). ثالثاً: أن عليه عمل الناس، ولا يسعهم إلا القول به؛ لأن القول بمنعه يفضي إلى سد باب النيابة نهائيا؛ لندور النيابة على سبيل التبرع (١٠).

стр. 828

الفصل الخامس: ما يشترط في النائب مبحث: أن يكون النائب قد حج عن نفسه حج الفريضة يشترط في النائب أن يكون قد حج حجة الإسلام عن نفسه أولا، وإلا كانت الحجة عن نفسه، ولم تجزئ عن الأصيل، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وهو قول طائفة من السلف (٣)، واختاره الشنقيطي (٤)، وبه صدرت فتوى اللجنة الدائمة (٥) الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شُبْرُمة. قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي، أو قريب لي. قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة))، وفي بعض ألفاظ الحديث: ((هذه عنك وحج عن شبرمة)) (٦). ثانياً: أن النظر يقتضي أن يقدم الإنسان نفسه على غيره؛ لعموم قوله ﷺ : ((ابدأ بنفسك)) (٧)، ونفسك أحق من غيرك (٨). مسألة: نيابة المرأة في الحج: تجوز النيابة في الحج سواء كان النائب رجلاً أو امرأة عند عامة أهل العلم (٩). الدليل

стр. 829

عن عبدالله بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : ((أنه جاءته امرأة من خثعم تستفتيه، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم)) (١) (٢). وجه الدلالة: أنه أذن للمرأة أن تحج عن أبيها مع أن إحرام الرجل أكمل من إحرام المرأة (٣). فائدة: ينبغي لمن أراد أن ينيب في الحج أن يتحرى في من يستنيبه أن يكون من أهل الدين والأمانة؛ حتى يطمئن إلى قيامه بالواجب (٤). فائدة: الأفضل أن يحج عن نفسه؛ لأنه الأصل، ويدعو لنفسه ولغيره من الأقارب وسائر المسلمين، إلا إذا كان أحد والديه أو كلاهما لم يحج الفريضة فله أن يحج عنهما بعد حجه عن نفسه، برًّا بهما وإحسانًا إليهما عند العجز أو الموت، على أن يحج أو يعتمر عن كل واحد على حدة، وليس له جمعهما بعمرة ولا حج (٥). فائدة: إذا كان مستحسناً أن يحج الإنسان عن أقاربه الأموات، فإنه يبدأ بأمه ثم أبيه، وإن كان أحدهما حج الفريضة فليبدأ بمن لم يحج منهما، ثم الأقرب فالأقرب؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك) (٦) (٧).

стр. 830

الفصل الأول: الفوات تمهيد معنى الفوات لغة واصطلاحاً الفوات لغة: مصدر فاته يفوته فواتا وفوتا، أي ذهب عنه، وخرج وقت فعله (١) الفوات اصطلاحاً: خروج العمل المطلوب شرعاً عن وقته المحدد له شرعاً (٢) المبحث الأول: فوات الحج من فاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج. الأدلة: أولاً: من السنة: عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي: ((أن ناساً من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة، فسألوه فأمر منادياً فنادى: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج)). (٣). ثانيا: الإجماع: حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر (٤)، وابن عبدالبر (٥)، وابن قدامة (٦)، والنووي (٧). المبحث الثاني: فوات العمرة العمرة لا يتصور فواتها باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١) وذلك لأن جميع الزمان وقت لها (١٢). المبحث الثالث: كيفية تحلل من فاته الحج. من فاته الحج لزمه الطواف والسعي وحلق الرأس أو تقصيره، وبذلك يتحلل من الحج، وهو مذهب الحنفية (١٣)، والمالكية (١٤)، والشافعية (١٥)، والحنابلة (١٦) وقول طائفة من السلف (١٧)، وحكى ابن قدامة الإجماع في ذلك (١٨). الدليل:

стр. 831

عن ابن عمر أنه قال ((من لم يدرك عرفة حتى طلع الفجر فقد فاته الحج، فليأت البيت فليطف به سبعاً، وليطوَّف بين الصفا والمروة سبعاً، ثم ليحلق أو يقصر إن شاء، وإن كان معه هدي فلينحره قبل أن يحلق، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصر، ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع، وليهد في حجه، فإن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)) (١). المبحث الرابع: حكم التحلل من فاته الحج فله الخيار إن شاء بقي على إحرامه للعام القابل، وإن شاء تحلل، والتحلل أفضل، وهو قول المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره ابن عثيمين (٤). لأن تطاول المدة بين الإحرام وفعل النسك لا يمنع إتمامه، كالعمرة، والمحرم بالحج في غير أشهره (٥). المبحث الخامس: ما يلزم من فاته الحج المطلب الأول: القضاء الفرع الأول: حكم قضاء الحج الواجب من فاته الحج الواجب لزمه القضاء. الأدلة: أولاً: الإجماع: نقله الجصاص (٦)، وابن رشد (٧)، وبرهان الدين ابن مفلح (٨)، وابن نجيم (٩). ثانياً: أنه فرض ولم يأت به على وجهه، فلم يكن بد من الإتيان به ليخرج عن عهدته، وتسميته قضاء باعتبار الظاهر (١٠). مسألة: إذا قضى أجزأه القضاء عن الحجة الواجبة بالإجماع (١١). الفرع الثاني: حكم قضاء الحج النفل:

стр. 832

من فاته الحج النفل لزمه القضاء، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وحُكيَ فيه الإجماع (٥). الأدلة: أولاً: من الكتاب: ١ - قال الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أن الآية تقتضي إيجاب النسك بالدخول فيه، فيلزمه القضاء بالخروج منه قبل إتمامه (٦). ٢ - قال الله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩]. وجه الدلالة: أنه لما شرع وأحرم بالنسك صار ذلك واجباً، كأنما نذره نذرا، وهذا هو معنى قوله: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩] (٧). ثانياً: إجماع الصحابة (٨)، نقله الماوردي (٩)، وابن قدامة (١٠). ومما ورد في الباب من الآثار: ١ - عن الأسود بن يزيد: ((أن رجلاً فاته الحج , فأمره عمر بن الخطاب أن يحل بعمرة , وعليه الحج من قابل)) (١١)، وفي رواية: ((قال الأسود: مكثت عشرين سنة ثم سألت زيد بن ثابت عن ذلك؟ فقال: مثل قول عمر)). ٢ - عن ابن عمر ﵄ أنه قال ((من لم يدرك عرفة حتى طلع الفجر فقد فاته الحج، فليأت البيت فليطف به سبعاً، وليطوَّف بين الصفا والمروة سبعاً، ثم ليحلق أو يقصر إن شاء، وإن كان معه هدي فلينحره قبل أن يحلق، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصر، ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع، وليهد في حجه، فإن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)) (١٢). وجه الدلالة من هذه الآثار: أن عمومها يشمل الفرض والنفل (١٣). ثالثاً: أن الحج يلزم بالشروع فيه، فيصير كالمنذور بخلاف سائر التطوعات (١٤).

стр. 833

رابعاً: أن المانع من إجزاء الحج شيئان: فوات وفساد، فلما كان الفساد موجباً للقضاء وجب أن يكون الفوات موجباً للقضاء (١). خامساً: أن الوقوف له وقت محدود يمكن في العادة أن لا يتأخر عنه، فتأخره يكون لجهله بالطريق أو بما بقي من الوقت أو لترك السير المعتاد، وكل ذلك تفريط منه، فيجب عليه القضاء لتفريطه (٢). المطلب الثاني: الهدي من فاته الحج يلزمه هدي، وهو مذهب جمهور الفقهاء من: المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الدليل: عن ابن عمر أنه قال ((من لم يدرك عرفة حتى طلع الفجر فقد فاته الحج، فليأت البيت فليطف به سبعاً، وليطوَّف بين الصفا والمروة سبعاً، ثم ليحلق أو يقصر إن شاء، وإن كان معه هدي فلينحره قبل أن يحلق، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصر ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج من قابل فليحجج إن استطاع، وليهد في حجه، فإن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)) (٦). ٣ - قول عمر لأبي أيوب لما فاته الحج: ((اصنع ما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإن أدركت الحج قابلاً فحج، وأهد ما تيسر من الهدي)) (٧)

стр. 834

الفصل الثاني: الإحصار تمهيد معنى الإحصار لغة واصطلاحاً: الإحصار في اللغة: المنع والحبس (١). وفي الاصطلاح: هو منع المحرم من إتمام أركان الحج أو العمرة (٢) المبحث الأول: ما يكون به الإحصار المطلب الأول: الإحصار بالعدو الإحصار يحصل بالعدو: الأدلة: أولاً: من القرآن: قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أن سبب نزول الآية هو صد المشركين لرسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت، وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص. كذلك فإن قوله تعالى بعد هذا: (فإذا أمنتم) يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو المحرم (٣). ثانياً: من السنة: أمر النبي ﷺ أصحابه حين أحصروا في الحديبية أن ينحروا ويحلوا (٤) ثالثاً: الإجماع: نقل الإجماع على ذلك ابن قدامة (٥)، وابن تيمية (٦). المطلب الثاني: الإحصار بالمرض وغيره الإحصار يكون بالمرض وذهاب النفقة وغير ذلك، وهو مذهب الحنفية (٧) ورواية عن أحمد (٨)، وقول طائفة من السلف (٩)، وهو قول ابن حزم (١٠) واختيار ابن تيمية (١١) وابن القيم (١٢)، وابن باز (١٣) , وابن عثيمين (١٤). الأدلة: أولاً: من القرآن: قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أنَّ لفظ الإحصار عام يدخل فيه العدو والمرض ونحوه. ثانياً: من السنة:

стр. 835

عن عكرمة قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل)). قال عكرمة: سألت بن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق (١) ثالثا: أن المعنى الذي لأجله ثبت حق التحلل للمحصر بالعدو موجود كذلك في المرض (٢). المبحث الثاني: أنواع الإحصار المطلب الأول: الإحصار عن الوقوف بعرفة اختلف الفقهاء فيمن أحصر عن الوقوف بعرفة دون البيت إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه ليس بمحصر، وهو مذهب الحنفية (٣). ورواية عن أحمد (٤)؛ لأنه إن قدر على الطواف له أن يتحلل به، فلا حاجة إلى التحلل بالهدي كفائت الحج (٥). القول الثاني: يعتبر محصراً، ويتحلل بأعمال العمرة، وهو مذهب المالكية (٦)، والشافعية (٧). لأنه لما جاز أن يتحلل عن جميع الأركان كان إحلاله من بعضها أولى (٨). القول الثالث: يتحلل بعمرة، ولا شيء عليه إن كان قبل فوات وقت الوقوف، وهو مذهب الحنابلة (٩)، واختاره ابن عثيمين (١٠). لأنه يجوز لمن أحرم بالحج أن يجعله عمرة ولو بلا حصر، ما لم يقف بعرفة (١١). المطلب الثاني: الإحصار عن طواف الإفاضة اختلف الفقهاء فيمن وقف بعرفة ثم أحصر عن البيت على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يكون محصرًا، وعليه القيام بأعمال الحج، ويظل محرماً في حق النساء حتى يطوف طواف الإفاضة، وهذا مذهب الحنفية (١٢)، والمالكية (١٣). الأدلة: أولاً: من السنة: عن عبدالرحمن بن يعمر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((الحج عرفة)) (١٤). وجه الدلالة:

стр. 836

أن المراد بكون الحج عرفة أنه الركن الذي إذا أدركه فقد أدرك الركن الذي يفوت الحج بفواته، ويسقط به الفرض (١). ثانياً: أنه لما وقف بعرفة فقد فعل ما له حكم الكل، وأمكنه التحلل بالحلق يوم النحر عن كل محظور سوى النساء، فلم يلزم امتداد الإحرام الموجب للحرج، ولم يبق عليه إلا الإفاضة التي يصح الإتيان بها في أي وقت من الزمان، ولا يعجز المحصر عن ساعة من ليل أو نهار يجد بها فرصة قدر الطواف مختفياً في زمان قدر شهر، والمنع من النساء في هذا المقدار لا يستلزم حرجاً يبيح الإحلال مطلقاً بغير الطريق الأصلي (٢). القول الثاني: أنه يكون محصراً، ويتحلل، وهذا مذهب الشافعية في الأظهر (٣). الأدلة: أولاً: من الكتاب: قال تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦.] وجه الدلالة: أن عموم الآية يشمل من أحصر عن عرفة أو أحصر عن البيت (٤). ثانياً: أنه إحرام تام، فجاز له التحلل منه قياساً على ما قبل الوقوف بعرفة (٥). ثالثا: أنه لما جاز أن يتحلل بالإحصار من جميع الأركان، كان تحلله من بعضها أولى (٦). القول الثالث: أنه إن أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة قبل رمي الجمرة فله التحلل، وإن أحصر عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة فليس له أن يتحلل، وهذا مذهب الحنابلة (٧). ودليلهم في التفريق: أن الإحصار كما يفيد عن جميع أعمال الحج فإنه يفيد عن بعض أركانه، لكن لم يحصل الإحصار بعد رمي جمرة؛ لأن إحرامه بعد الرمي إنما هو عن النساء، والشرع إنما ورد بالتحلل من الإحرام التام، الذي يحرم جميع محظوراته، فلا يثبت بما ليس مثله، فمتى ما زال الحصر أتى بالطواف، وقد تم حجه (٨). المطلب الثالث: الإحصار عن واجب من واجبات الحج إذا أحصر عن واجب فلا يتحلل، باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢)؛ لأنه يمكن جبره بالدم. المطلب الرابع: الإحصار عن العمرة يجوز للمحرم بالعمرة التحلل عند الإحصار، وهو مذهب الحنفية (١٣)، والشافعية (١٤)، والحنابلة (١٥)، وبعض المالكية (١٦). وحكى النووي الإجماع على ذلك (١٧). الأدلة: أولاً: من القرآن: - قال تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦] عقيب قوله وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ [البقرة: ١٩٦] فكان المراد منه فإن أحصرتم عن إتمامهما فما استيسر من الهدي (١٨). ثانياً: من السنة: ثبت أن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ حصروا بالحديبية، فحال كفار قريش بينهم وبين البيت، وكانوا معتمرين فنحروا هديهم وحلقوا رؤوسهم (١٩) ثالثاً: أن التحلل بالهدي في الحج لمعنى هو موجود في العمرة، وهو التضرر بامتداد الإحرام (٢٠).

стр. 837

الفصل الثالث: التحلل من الإحصار تمهيد: حكمة مشروعية التحلل شرع الله التحلل لحاجة المحصر إليه، ورفعاً للحرج والضرر عنه، حتى لا يظل محرما إلى أن يندفع عنه المانع من إتمام الحج أو العمرة (١). المبحث الأول: كيفية تحلل المحصر المطلب الأول: نية التحلل اختلف الفقهاء في نية التحلل للمحصر إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: تشترط نية التحلل عند ذبح الهدي وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة: أولاً: من السنة: قوله ﷺ ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٤). ثانياً: لأنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها، فافتقر إلى قصده، ولأن الذبح قد يكون لغير الحل، فلم يتخصص إلا بقصده (٥). القول الثاني: نية التحلل وحدها هي ركن التحلل، وهو مذهب المالكية (٦). القول الثالث: التحلل معلق ببعث الهدي إلى الحرم وذبحه على إرادة التحلل، وهو مذهب الحنفية (٧). الدليل: قوله تعالى وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: منعه الإحلال مع وجود الإحصار إلى وقت بلوغ الهدى محله، وهو ذبحه في الحرم (٨). المطلب الثاني: ذبح هدي الإحصار الفرع الأول: مكان ذبح هدي الإحصار المحصر يذبح الهدي في المكان الذي أحصر فيه، سواء كان في الحل أو في الحرم، وهو مذهب المالكية (٩)، والشافعية (١٠)، ورواية عند الحنابلة (١١)، وهو قول أكثر أهل العلم (١٢)، واختيار ابن باز (١٣)، وابن عثيمين (١٤). الأدلة: أولاً: من السنة: أن النبي ﷺ نحر هديه بالحديبية حيث أحصر، وهي خارج الحرم. ثانياً: لأن ذلك يفضي إلى تعذر الحل، لتعذر وصول الهدي إلى محله (١٥). الفرع الثاني: زمان ذبح هدي الإحصار

стр. 838

زمان ذبح الهدي هو مطلق الوقت، ولا يتوقت بيوم النحر، بل أي وقت شاء المحصر ذبح هديه، وهو مذهب جمهور الفقهاء من: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). الدليل: قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أنه أطلق عندما ذكر الهدي ولم يوقته بزمان، والتقييد بالزمان نسخ أو تخصيص لنص الكتاب القطعي، وهذا لا يجوز إلا بدليل، وأيضا قوله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦] والمراد بمحله للعمرة هو الحرم دون الوقت، فصار كالمنطوق به فيه، فاقتضى ذلك جواز ذبحه في الحرم أي وقت شاء في العمرة، فكذلك هو للحج. (٤) الفرع الثالث: العجز عن الهدي اختلف الفقهاء فيما إذا عجز المحصر عن الهدي هل عليه بدل، إلى أقوال، منها: القول الأول: أن من لم يجد الهدي ليس عليه بدل، وله أن يتحلل، وهو قول عند الشافعية (٥)، واختاره ابن عثيمين (٦). وذلك للآتي: أولا: لما سكت الله عن الصيام في الإحصار، وأوجبه في التمتع لمن عدم الهدي، دل على أن من لم يجد الهدي من المحصرين ليس عليه شيء، فيحل بدون شيء. ثانيا: أن الظاهر من حال كثير من الصحابة ﵃ أنهم فقراء، ولم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالصيام، والأصل براءة الذمة (٧). القول الثاني: من لم يجد الهدي يلزمه أن يصوم عشرة أيام ثم يحل، وهو مذهب الحنابلة (٨)، وأشهب من المالكية (٩)، وقول عند الشافعية (١٠)، واختاره ابن باز (١١). الدليل: أولاً: القياس: لأنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل، كدم التمتع والطيب واللباس، ويتعين الانتقال إلى صيام عشرة أيام، كبدل هدي التمتع (١٢). ثانياً: المحصر ليس له أن يتحلل إلا بعد الصيام، كما لا يتحلل واجد الهدي إلا بنحره (١٣). الفرع الرابع: ما يجب من الهدي على المحصر القارن اختلف الفقهاء فيما يجب على المحصر القارن من الهدي إلى قولين: القول الأول: يجب على المحصر القارن هدي واحد، وهو مذهب الشافعية (١٤)، والحنابلة (١٥). وذلك لأنه محرم بإحرام واحد ويدخل إحرام العمرة في الحجة، فيكفيه دم واحد (١٦). القول الثاني: المحصر القارن عليه هديان، وهو مذهب الحنفية (١٧)،وذلك لأنه محرم بإحرامين فلا يحل إلا بهديين (١٨). المطلب الثالث: الحلق أو التقصير

стр. 839

الحلق أو التقصير واجب لتحلل المحصر من الإحرام، وهو مذهب المالكية (١)، والأظهر عند الشافعية (٢)، وقول عند الحنابلة (٣)، ورواية عن أبي يوسف (٤) واختاره الطحاوي (٥)، والشنقيطي (٦)، وابن باز (٧)، وابن عثيمين (٨). الدليل: فعله ﷺ عام الحديبية فإنه حلق، وأمر أصحابه أن يحلقوا (٩) المبحث الثاني: اشتراط التحلل من الإحصار المطلب الأول: ما يلزم المحصر إذا اشترط من اشترط قبل حجه وعمرته فإن أحصر تحلل ولم يلزمه شيء مطلقاً، وهو مذهب الحنابلة (١٠)، والأصح من مذهب الشافعية (١١)، واختيار ابن باز (١٢)، وابن عثيمين (١٣). الأدلة: أولاً: من السنة: عن عائشة ﵂ قالت: ((دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج، وأنا شاكية فقال النبي ﷺ : حجي، واشترطي أن محلي حيث حبستني)) (١٤). وجه الدلالة: أنه لما أمرها بالاشتراط أفاد شيئين: أحدهما، أنه إذا عاقها عائق من عدو، أو مرض، أو ذهاب نفقة، ونحو ذلك، أن لها التحلل. والثاني، أنه متى حلت بذلك، فلا دم عليها ولا صوم (١٥). ثانياً: الآثار عن السلف:

стр. 840

١ - عن سويد بن غفلة قال: ((قال لي عمر: يا أبا أمية، حج واشترط، فإن لك ما شرطت، ولله عليك ما اشترطت)) (١). ٢ - عن عائشة ﵂ قالت لعروة: ((هل تستثني إذا حججت؟ فقال: ماذا أقول؟ قالت: قل: اللهم الحج أردت وله عمدت، فإن يسرته فهو الحج، وإن حبسني حابس فهو عمرة)) (٢) المطلب الثاني: حكم المحصر إذا وقع في بعض محظورات الإحرام قبل التحلل: إذا لم يتحلل المحصر، ووقع في بعض محظورات الإحرام فإنه يجب عليه من الجزاء ما يجب على المحرم غير المحصر، باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). الدليل: عن كعب بن عجرة ﵁ قال: ((أتى علي النبي ﷺ زمن الحديبية والقمل يتناثر على وجهي فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة)) (٧). وكان ذلك بعد الإحصار. المطلب الثالث: القضاء على من أحصر من تحلل بالإحصار فليس عليه القضاء (٨)، وهو مذهب المالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)، واختاره ابن باز (١٢)، وابن عثيمين (١٣). الأدلة: أولاً: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [] البقرة: ١٩٦ [] وجه الدلالة: أن الله تعالى ذكر الهدي والحلق ولم يذكر شيئاً سوى ذلك؛ فدل على أنه لا قضاء على المحصر (١٤). ثانياً: أن النبي ﷺ لم يأمر الذين أحصروا في غزوة الحديبية أن يقضوا تلك العمرة التي أحصروا عنها (١٥).

стр. 841

الفصل الأول: تعريف الأضحية ومشروعيتها وفضلها وحكمتها المبحث الأول: تعريف الأضحية الأضحية لغةً: اسمٌ لما يضحَّى بها أي: يذبح أيام عيد الأضحى، وجمعها: الأضاحي (١). الأضحية اصطلاحاً: ما يذبح من بهيمة الأنعام في يوم الأضحى إلى آخر أيام التشريق تقربا إلى الله تعالى (٢). المبحث الثاني: مشروعية الأضحية أجمع أهل العلم على مشروعيتها، ونقل ذلك: ابن قدامة (٣)، وابن دقيق العيد (٤)، وابن حجر (٥)، والشوكاني (٦)، والشنقيطي (٧)، وابن عثيمين (٨). المبحث الثالث: فضل الأضحية أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: ٣٢]. وجه الدلالة:

стр. 842

أن الأضحية من شعائر الله تعالى ومعالمه (١). ثانياً: من السنة: عن البراء ﵁: قال: قال النبي ﷺ : ((من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين)) (٢). ثالثاً: أن الذبح لله تعالى والتقرب إليه بالقرابين من أعظم العبادات، وأجل الطاعات، وقد قرن الله الذبح بالصلاة في عدة مواضع من كتابه العظيم لبيان عظمه وكبير شأنه وعلو منزلته (٣). المبحث الرابع: حكمة مشروعيتها شكر لله تعالى على نعمة الحياة. إحياء سنة إبراهيم الخليل ﵊ حين أمره الله عز اسمه بذبح الفداء عن ولده إسماعيل ﵊ في يوم النحر، وأن يتذكر المؤمن أن صبر إبراهيم وإسماعيل ﵉ وإيثارهما طاعة الله ومحبته على محبة النفس والولد كانا سبب الفداء ورفع البلاء، فإذا تذكر المؤمن ذلك اقتدى بهما في الصبر على طاعة الله وتقديم محبته على هوى النفس وشهوتها. أن في ذلك وسيلة للتوسعة على النفس وأهل البيت، وإكرام الجار والضيف، والتصدق على الفقير، وهذه كلها مظاهر للفرح والسرور بما أنعم الله به على الإنسان، وهذا تحدث بنعمة الله تعالى كما قال عز اسمه: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]. أن في الإراقة مبالغة في تصديق ما أخبر به الله من أنه خلق الأنعام لنفع الإنسان، وأذن في ذبحها ونحرها لتكون طعاما له (٤).

стр. 843

الفصل الثاني: حكم الأضحية، وطريقة تعيينها المبحث الأول: حكم الأضحية اختلف أهل العلم في حكم الأضحية على قولين: القول الأول: الأضحية سنة مؤكدة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء: المالكية في المشهور (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف (٥)، واختارهابن المنذر (٦)، والصنعاني (٧)، وابن باز (٨)، واللجنة الدائمة (٩)، وبه قال أكثر أهل العلم (١٠). الأدلة: أولاً: من السنة: ١ - عن أم سلمة ﵂ قالت قال: رسول الله ﷺ : ((إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئا)) (١١). وجه الدلالة: أنه علق الأضحية بالإرادة، والواجب لا يعلق بالإرادة (١٢).

стр. 844

٢ - عن عائشة ﵂: ((أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد فأتي به ليضحي به. فقال لها: يا عائشة هلمي المدية. ثم قال: اشحذيها بحجر. ففعلت: ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله. اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد. ثم ضحى به)) (١). وجه الدلالة: أن تضحيته ﷺ عن أمته وعن أهله تجزئ عن كل من لم يضح، سواء كان متمكنا من الأضحية أو غير متمكن (٢). ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃: عن حذيفة بن أسيد قال: ((لقد رأيت أبا بكر وعمر رضى الله عنهما وما يضحيان عن أهلهما خشية أن يستن بهما فلما جئت بلدكم هذا حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت السنة)) (٣) (٤). قال عكرمة: ((كان ابن عباس يبعثني يوم الأضحى بدرهمين أشتري له لحما، ويقول: من لقيت فقل هذه أضحية ابن عباس)) (٥). عن تميم بن حويص يعنى المصري قال: (اشتريت شاة بمنى أضحية فضلت فسألت ابن عباس رضى الله عنهما عن ذلك فقال: لا يضرك) (٦) عن أبى مسعود الأنصاري ﵁ قال: (إني لأدع الأضحى وإني لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه حتم علي) (٧) وفي رواية: ((لقد هممت أن أدع الأضحية وإني لمن أيسركم مخافة أن يحسب الناس أنها حتم واجب)) (٨). عن سويد بن غفلة قال: ((قال لي بلال: ما كنت أبالي لو ضحيت بديك, ولأنْ آخذ ثمن الأضحية فأتصدق به على مسكين مقتر فهو أحب إلي من أن أضحي)) (٩). ثالثاً: أنها أضحية لا تجب على المسافر فلم تجب على الحاضر (١٠). رابعاً: أنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها، فلم تكن واجبة، كالعقيقة (١١).

стр. 845

القول الثاني: أن الأضحية واجبة على الموسر وهذا مذهب الحنفية (١)، وهو قول للمالكية (٢)،وقول مخرج في مذهب الحنابلة (٣)،وبه قال طائفة من السلف (٤) واختاره ابن تيمية (٥) والشوكاني (٦)، واستظهره ابن عثيمين (٧) الأدلة: أولاً: من القرآن: قوله فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: ٢]. وجه الدلالة: أن المراد بالنحر ذبح الأضحية (٨)، والأصل في الأمر الوجوب، ومتى وجب على النبي ﵊ يجب على الأمة لأنه قدوة للأمة (٩). أحكام القرآن لابن العربي (ص١٢٠). ثانياً: من السنة: ١ - عن جندب بن سفيان البجلي قال: ((ضحينا مع رسول الله ﷺ أضحية ذات يوم فإذا أناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة فلما انصرف رآهم النبي ﷺ أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة فقال من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله)) (١٠). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بإعادة الذبح، ولولا أنه واجبٌ لما أمر بذلك (١١). ٢ - عن البراء بن عازب، قال: ((خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر بعد الصلاة، فقال: من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب سنة المسلمين، ومن نسك قبل الصلاة، فتلك شاة لحم، فقام أبو بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله، والله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فتعجلت، وأكلت، وأطعمت أهلي، وجيراني فقال رسول الله ﷺ : تلك شاة لحم قال: فإن عندي عناق جذعة هي خير من شاتي لحم، فهل تجزي عني؟ قال: نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك)) (١٢). وجه الدلالة: أن قوله: ((ولن تجزي عن أحد بعدك)) أي لن تقضي، والقضاء لا يكون إلا عن واجب فقد اقتضى ذلك الوجوب (١٣). المبحث الثاني: حكم الأضحية المنذورة
следующие страницы →