الفصل الأول: تعريف الأضحية ومشروعيتها وفضلها وحكمتها
المبحث الأول: تعريف الأضحية
الأضحية لغةً: اسمٌ لما يضحَّى بها أي: يذبح أيام عيد الأضحى، وجمعها: الأضاحي (١).
الأضحية اصطلاحاً: ما يذبح من بهيمة الأنعام في يوم الأضحى إلى آخر أيام التشريق تقربا إلى الله تعالى (٢).
المبحث الثاني: مشروعية الأضحية
أجمع أهل العلم على مشروعيتها، ونقل ذلك: ابن قدامة (٣)، وابن دقيق العيد (٤)، وابن حجر (٥)، والشوكاني (٦)، والشنقيطي (٧)، وابن عثيمين (٨).
المبحث الثالث: فضل الأضحية
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: ٣٢].
وجه الدلالة:
стр. 842
أن الأضحية من شعائر الله تعالى ومعالمه (١).
ثانياً: من السنة:
عن البراء ﵁: قال: قال النبي ﷺ : ((من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين)) (٢).
ثالثاً: أن الذبح لله تعالى والتقرب إليه بالقرابين من أعظم العبادات، وأجل الطاعات، وقد قرن الله الذبح بالصلاة في عدة مواضع من كتابه العظيم لبيان عظمه وكبير شأنه وعلو منزلته (٣).
المبحث الرابع: حكمة مشروعيتها
شكر لله تعالى على نعمة الحياة.
إحياء سنة إبراهيم الخليل ﵊ حين أمره الله عز اسمه بذبح الفداء عن ولده إسماعيل ﵊ في يوم النحر، وأن يتذكر المؤمن أن صبر إبراهيم وإسماعيل ﵉ وإيثارهما طاعة الله ومحبته على محبة النفس والولد كانا سبب الفداء ورفع البلاء، فإذا تذكر المؤمن ذلك اقتدى بهما في الصبر على طاعة الله وتقديم محبته على هوى النفس وشهوتها.
أن في ذلك وسيلة للتوسعة على النفس وأهل البيت، وإكرام الجار والضيف، والتصدق على الفقير، وهذه كلها مظاهر للفرح والسرور بما أنعم الله به على الإنسان، وهذا تحدث بنعمة الله تعالى كما قال عز اسمه: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١].
أن في الإراقة مبالغة في تصديق ما أخبر به الله من أنه خلق الأنعام لنفع الإنسان، وأذن في ذبحها ونحرها لتكون طعاما له (٤).
стр. 843
الفصل الثاني: حكم الأضحية، وطريقة تعيينها
المبحث الأول: حكم الأضحية
اختلف أهل العلم في حكم الأضحية على قولين:
القول الأول: الأضحية سنة مؤكدة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء: المالكية في المشهور (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف (٥)، واختارهابن المنذر (٦)، والصنعاني (٧)، وابن باز (٨)، واللجنة الدائمة (٩)، وبه قال أكثر أهل العلم (١٠).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن أم سلمة ﵂ قالت قال: رسول الله ﷺ : ((إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئا)) (١١).
وجه الدلالة:
أنه علق الأضحية بالإرادة، والواجب لا يعلق بالإرادة (١٢).
стр. 844
٢ - عن عائشة ﵂: ((أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد فأتي به ليضحي به. فقال لها: يا عائشة هلمي المدية. ثم قال: اشحذيها بحجر. ففعلت: ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله. اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد. ثم ضحى به)) (١).
وجه الدلالة:
أن تضحيته ﷺ عن أمته وعن أهله تجزئ عن كل من لم يضح، سواء كان متمكنا من الأضحية أو غير متمكن (٢).
ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃:
عن حذيفة بن أسيد قال: ((لقد رأيت أبا بكر وعمر رضى الله عنهما وما يضحيان عن أهلهما خشية أن يستن بهما فلما جئت بلدكم هذا حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت السنة)) (٣)(٤).
قال عكرمة: ((كان ابن عباس يبعثني يوم الأضحى بدرهمين أشتري له لحما، ويقول: من لقيت فقل هذه أضحية ابن عباس)) (٥).
عن تميم بن حويص يعنى المصري قال: (اشتريت شاة بمنى أضحية فضلت فسألت ابن عباس رضى الله عنهما عن ذلك فقال: لا يضرك) (٦)
عن أبى مسعود الأنصاري ﵁ قال: (إني لأدع الأضحى وإني لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه حتم علي) (٧) وفي رواية: ((لقد هممت أن أدع الأضحية وإني لمن أيسركم مخافة أن يحسب الناس أنها حتم واجب)) (٨).
عن سويد بن غفلة قال: ((قال لي بلال: ما كنت أبالي لو ضحيت بديك, ولأنْ آخذ ثمن الأضحية فأتصدق به على مسكين مقتر فهو أحب إلي من أن أضحي)) (٩).
ثالثاً: أنها أضحية لا تجب على المسافر فلم تجب على الحاضر (١٠).
رابعاً: أنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها، فلم تكن واجبة، كالعقيقة (١١).
стр. 845
القول الثاني: أن الأضحية واجبة على الموسر وهذا مذهب الحنفية (١)، وهو قول للمالكية (٢)،وقول مخرج في مذهب الحنابلة (٣)،وبه قال طائفة من السلف (٤) واختاره ابن تيمية (٥) والشوكاني (٦)، واستظهره ابن عثيمين (٧)
الأدلة:
أولاً: من القرآن:
قوله فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: ٢].
وجه الدلالة:
أن المراد بالنحر ذبح الأضحية (٨)، والأصل في الأمر الوجوب، ومتى وجب على النبي ﵊ يجب على الأمة لأنه قدوة للأمة (٩).
أحكام القرآن لابن العربي (ص١٢٠).
ثانياً: من السنة:
١ - عن جندب بن سفيان البجلي قال: ((ضحينا مع رسول الله ﷺ أضحية ذات يوم فإذا أناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة فلما انصرف رآهم النبي ﷺ أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة فقال من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله)) (١٠).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أمر بإعادة الذبح، ولولا أنه واجبٌ لما أمر بذلك (١١).
٢ - عن البراء بن عازب، قال: ((خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر بعد الصلاة، فقال: من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب سنة المسلمين، ومن نسك قبل الصلاة، فتلك شاة لحم، فقام أبو بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله، والله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فتعجلت، وأكلت، وأطعمت أهلي، وجيراني فقال رسول الله ﷺ : تلك شاة لحم قال: فإن عندي عناق جذعة هي خير من شاتي لحم، فهل تجزي عني؟ قال: نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك)) (١٢).
وجه الدلالة:
أن قوله: ((ولن تجزي عن أحد بعدك)) أي لن تقضي، والقضاء لا يكون إلا عن واجب فقد اقتضى ذلك الوجوب (١٣).
المبحث الثاني: حكم الأضحية المنذورة
стр. 846
من نذر أن يضحي، فإنه يجب عليه الوفاء بنذره سواء كان النذر لأضحية معينة أو غير معينة، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
الدليل:
عن عائشة، ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه)) (٥).
وجه الدلالة:
أن التضحية قربة لله تعالى فتلزم بالنذر كسائر القرب.
هل تتعين الأضحية بالنية مع الشراء أو بالقول أو بالذبح؟
المبحث الثالث: بم يحصل تعيين الأضحية؟
اختلف الفقهاء في السبب الذي يحصل به تعيين الأضحية على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تتعين الأضحية بالقول كأن يقول هذه أضحية، وهذا مذهب الشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، واختاره ابن عثيمين (٨).
الأدلة:
أولاً: أنه إزالة ملك على وجه القربة فلا تؤثر فيه النية المقارنة للشراء كالعتق والوقف (٩).
ثانياً: أن الشراء موجب للملك وكونها أضحية مزيل للملك، ولا يصح أن يكون الشيء الواحد في حالة واحدة موجبا لثبوت الملك وإزالته، فلما أفاد الشراء ثبوت الملك امتنع أن يزول به الملك (١٠).
القول الثاني: تتعين الأضحية بشراء الأضحية مع أالنية، وهو مذهب الحنفية (١١)،وقول للحنابلة (١٢)، وبه قال ابن القاسم من للمالكية (١٣)، واختاره ابن تيمية (١٤)، واللجنة الدائمة (١٥).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
١ - عن عمر بن الخطاب رضي الله، عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى)) (١٦).
стр. 847
٢ - عن أبي حصين أن ابن الزبير رأى هدياً له فيه ناقة عوراء فقال: إن كان أصابها بعدما اشتريتموها فأمضوها، وإن كان أصابها قبل أن تشتروها فأبدلوها.
ثانياً: أن الفعل مع النية يقوم مقام اللفظ إذا كان الفعل يدل على المقصود كمن بنى مسجدا، وأذن في الصلاة (١).
ثالثاً: أنه مأمور بشراء أضحية، فإذا اشتراها بالنية وقعت عنه كالوكيل (٢).
القول الثالث: لا تتعين الأضحية إلا بالذبح، وهذا مذهب المالكية في المشهور (٣)، واختاره الشوكاني (٤).
دليل ذلك:
أنه ليس في اعتبار تعيين الأضحية بمجرد الشراء بالنية دليل يقوم به الحجة، والظاهر أنه إذا ذبحه بنية الأضحية وفى بما عليه وصار فاعلاً لما شرعه الله تعالى لعباده من الضحايا (٥).
стр. 848
الفصل الثالث: شروط صحة الأضحية
المبحث الأول: الشرط الأول: أن تكون من الأنعام؛ وهي الإبل والبقر والغنم
يشترط أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام؛ وهي الإبل والبقر والغنم.
الأدلة:
أولاً: من القرآن:
قال تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج: ٢٨]
ثانياً: من السنة:
عن أنس بن مالك ﵁: ((أن النبي صلى الله عليه سلم كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين ويسمي ويكبر ويضع رجله على صفاحهما)) (١).
عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : ((لا تذبحوا إلا مسنة (٢) إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)) (٣) ..
ثالثاً: الإجماع:
حكى الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (٤)، وابن رشد (٥)، والنووي (٦)،والصنعاني (٧).
المبحث الثاني: الشرط الثاني: أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعا
يشترط في الأضحية أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعا، فلا تجزئ التضحية بما دون الثنية من غير الضأن، ولا بما دون الجذعة من الضأن.
الأدلة:
عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : ((لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)) (٨).
ثانياً: الإجماع:
حكى الإجماع على ذلك: ابن عبدالبر (٩)،والنووي (١٠)، والشنقيطي (١١)، وحكاه ابن حزم في إجزاء الثني من المعز (١٢)، والترمذي في إجزاء الضأن من الجذع (١٣).
مطلب: معنى الثني من الإبل والبقر والغنم، والجذع من الضأن
стр. 849
الثني من الإبل ما أتم خمس سنين، ومن البقر ما أتم سنتين، ومن المعز ما أتم سنة، والجذع من الضأن ما أتم ستة أشهر، نص على هذا التفصيل: فقهاء الحنفية (١) والحنابلة (٢)، واختاره ابن عثيمين (٣)، وأفتت به اللجنة الدائمة (٤).
المبحث الثالث: الشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء
يشترط في الأضحية السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، فلا تجزئ التضحية بالعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي (٥).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
стр. 850
عن البراء بن عازب قال: ((سمعت رسول الله ﷺ وأشار بأصابعه وأصابعي أقصر من أصابع رسول الله ﷺ يشير بأصبعه يقول: لا يجوز من الضحايا العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء (١) التي لا تُنْقي (٢))) (٣).
ثانياً: الإجماع:
حكى الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (٤)، وابن رشد (٥)،وابن قدامة (٦)، والنووي (٧) وابن حزم (٨).
المبحث الرابع: الشرط الرابع: أن تكون التضحية في وقت الذبح
(ينظر أول وقت التضحية وآخر وقتها)
المبحث الخامس: الشرط الخامس: نية التضحية
يشترط على المضحي أن ينوي بها التضحية، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١) والحنابلة (١٢).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١٣).
ثانياً: أن الذبح قد يكون للحم وقد يكون للقربة والفعل لا يقع قربه بدون النية (١٤).
стр. 851
الفصل الرابع: وقت الأضحية
المبحث الأول: أول وقت التضحية
المطلب الأول: ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر يوم النحر
لا يجوز ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر في يوم النحر.
الأدلة:
عن البراء بن عازب قال سمعت النبي ﷺ يخطب فقال: ((إن أول ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا، ومن نحر فإنما هو لحم يقدمه لأهله، ليس من النسك في شيء)) (١).
ثانياً: الإجماع:
حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر (٢)، وابن عبدالبر (٣)، والقرطبي (٤).
المطلب الثاني: ذبح الأضحية قبل الصلاة
لا يجوز ذبح الأضحية قبل صلاة العيد.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
- عن البراء بن عازب قال سمعت النبي ﷺ يخطب فقال: ((إن أول ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا، ومن نحر فإنما هو لحم يقدمه لأهله، ليس من النسك في شيء)) (٥).
٢ - عن جندب بن سفيان البجلي قال: ((ضحينا مع رسول الله ﷺ أضحية ذات يوم فإذا أناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة فلما انصرف رآهم النبي ﷺ أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة فقال من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله)) (٦).
ثانياً: الإجماع:
حكى الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (٧) والنووي (٨)، وابن رشد (٩).
المطلب الثالث: أول وقت الأضحية
يبدأ وقت الأضحية بعد صلاة العيد، وهذا مذهب الحنفية (١٠)، والحنابلة (١١)، واختاره الطحاوي (١٢)، والشوكاني (١٣)، وابن عثيمين (١٤).
الأدلة:
١ - عن البراء بن عازب قال سمعت النبي ﷺ يخطب فقال: ((إن أول ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا، ومن نحر فإنما هو لحم يقدمه لأهله، ليس من النسك في شيء)) (١٥).
стр. 852
٢ - عن جندب بن سفيان البجلي قال: ((ضحينا مع رسول الله ﷺ أضحية ذات يوم فإذا أناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة فلما انصرف رآهم النبي ﷺ أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة فقال من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله)) (١).
وجه الدلالة:
أن الحديث يدل على أن من ذبح بعد الصلاة فله نسك، سواء انتهت الخطبة أو لم تنته، وسواء ذبح الإمام أم لم يذبح، وأن من ذبح قبل الصلاة فعليه أن يذبح أخرى مكانها (٢).
عن أنس ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : ((مَنْ ذَبَحَ قبل الصلاة فليعد)) (٣) ..
المطلب الرابع: وقت الأضحية في غير أهل الأمصار
يبدأ وقت الأضحية لمن كان بمحل لا تصلى فيها صلاة العيد كأهل البوادي: بعد قدر فعل صلاة العيد بعد طلوع الشمس قيد رمح، وهذا مذهب الحنابلة (٤)، واختاره ابن عثيمين (٥)؛ وذلك لأنه لا صلاة في حقهم تعتبر، فوجب الاعتبار بقدرها (٦).
زمن التضحية:
المبحث الثاني: آخر وقت التضحية
اختلف الفقهاء في زمن التضحية على قولين:
القول الأول: أيام التضحية ثلاثة: يوم العيد واليومان الأولان من أيام التشريق، وهذا مذهب جمهور الفقهاء: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والحنابلة (٩).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن ابن عمر ﵄، ((أن رسول الله ﷺ نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث)) (١٠) ..
وجه الدلالة:
أنه نهى عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، ولو كان اليوم الرابع يوم ذبح، لكان الذبح مشروعا في وقت يحرم فيه الأكل، ثم نسخ بعد ذلك تحريم الأكل، وبقي وقت الذبح بحاله (١١).
ثانياً: أنه وَرَدَ عن الصحابة ﵃ تخصيصه بالعيد ويومين بعده، منهم عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، ﵃، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف, ومثل هذا لا يقال بالرأي (١٢).
ثالثاً: أنه قد ثبت الفرق بين أيام النحر وأيام التشريق؛ ولو كانت أيام النحر أيام التشريق لما كان بينهما فرق، وكان ذكر أحد العددين ينوب عن الآخر (١٣).
стр. 853
القول الثاني: يبقى وقت التضحية إلى آخر أيام التشريق وهو مذهب الشافعية (١)، وقول للحنابلة (٢)، وهو قول طائفة من السلف (٣)، واختاره ابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥) والشوكاني (٦)، وابن باز (٧)، وابن عثيمين (٨).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن جبير بن مطعم ﵁، عن النبى ﷺ أنه قال: (كل منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح) (٩)(١٠).
وجه الدلالة:
أن الحديث نص في الدلالة على أن كل أيام منى أيام نحر (١١).
عن نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ) (١٢).
ثانياً: أن الثلاثة أيام تختص بكونها أيام منى، وأيام الرمى، وأيام التشريق، وأيام تكبير وإفطار، ويحرم صيامها، فهى إخوة فى هذه الأحكام، فكيف تفترق فى جواز الذبح بغير نص ولا إجماع؟ (١٣).
المبحث الثالث: التضحية في ليالي أيام النحر (ليلتا يومي التشريق)
اختلف الفقهاء في حكم التضحية في الليل إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا تجزئ التضحية في الليل، وهذا مذهب المالكية (١٤)،وقول للحنابلة (١٥).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قول الله تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج: ٢٨]
وجه الدلالة:
أن الله خصصه بلفظ الأيام في قوله: فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ، وذكر اليوم يدل على أن الليل ليس كذلك (١٦).
ثانياً: من السنة:
стр. 854
عن جبير بن مطعم عن النبي ﵌ قال ((كل أيام التشريق ذبح)) (١).
ثالثاً: أن الشرع ورد بالذبح في زمن مخصوص وطريق تعلق النحر والذبح بالأوقات الشرع لا طريق له غير ذلك فإذا ورد الشرع بتعلقه بوقت مخصوص، وقد ذبح النبي ﷺ أضحيته نهارا علمنا جواز ذلك نهارا ولم يجز أن نعديه إلى الليل إلا بدليل (٢).
رابعاً: أنه ليل يوم يجوز الذبح فيه، فأشبه ليلة يوم النحر (٣).
خامساً: أن الليل يتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب ولا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود (٤).
القول الثاني: إن التضحية في الليل تجزئ مع الكراهة، وهو مذهب الحنفية (٥) والشافعية (٦)، وقول للحنابلة (٧).
الأدلة:
أدلة إجزاء التضحية ليلاً
أولاً: من القرآن:
قول الله تعالى وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج: ٢٨].
وجه الدلالة:
أن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي (٨).
ثانياً: من السنة:
١ - عن جبير بن مطعم عن النبي ﵌ قال ((كل أيام التشريق ذبح)) (٩).
وجه الدلالة:
ذكر الأيام في الحديث وإن دل على إخراج الليالي بمفهوم اللقب لكن التعبير بالأيام عن مجموع الأيام والليالي والعكس مشهور متداول بين أهل اللغة لا يكاد يتبادر غيره عن الإطلاق (١٠).
ثالثاً: أن الليل زمن يصح فيه الرمي، وداخل في مدة الذبح، فجاز فيه كالأيام (١١).
أدلة كراهة التضحية ليلاً:
أولاً: أن الليل تتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب، فلا يفرق طريا، فيفوت بعض المقصود (١٢).
стр. 855
ثانياً: احتمال الغلط في ظلمة الليل (١).
ثالثا: الخروج من الخلاف (٢).
رابعاً: أن في الذبح نهارا مطابقة للفظ القرآن وذبح النبي ﷺ بخلاف الذبح ليلاً (٣).
القول الثالث: جواز الذبح ليلا من غير كراهة، وهذا قول للحنابلة (٤)، وهو اختار ابن حزم (٥) والصنعاني (٦)، والشوكاني (٧)،وابن عثيمين (٨).
أدلة الجواز:
سبق ذكرها في أدلة القول السابق.
أدلة عدم الكراهة:
أولاً: أن الله قد أباح ذبح الحيوان في أي وقت (٩).
ثانياً: أن القول بالكراهية يحتاج إلى دليل (١٠).
المبحث الرابع: المبادرة إلى التضحية
يستحب المبادرة في ذبح الأضحية بعد دخول وقتها، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١١)، والمالكية (١٢)، والشافعية (١٣)، والحنابلة (١٤).
الأدلة:
أولاً: ما فيه من المبادرة إلى الخير، والخروج من الخلاف (١٥).
ثانياً: أن الله جل شأنه أضاف عباده في هذه الأيام بلحوم القرابين فكانت التضحية في أول الوقت من باب سرعة الإجابة إلى ضيافة الله جل شأنه (١٦).
стр. 856
الفصل الخامس: من آداب التضحية وسننها
المبحث الأول: حكم حلق الشعر وتقليم الأظفار لمن أراد أن يضحي
اختلف الفقهاء في حكم حلق الشعر وتقليم الأظفار لمن أراد أن يضحي على قولين:
القول الأول: الجواز، وهذا مذهب الحنفية (١)، وقول للمالكية (٢)، وبه قال الليث بن سعد (٣)، واختاره ابن عبدالبر (٤)، وحكاه عن سائر فقهاء المدينة والكوفة (٥).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن عائشة قالت: ((أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي ثم قلدها رسول الله ﷺ بيده ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء مما أحله الله حتى نحر الهدي)) (٦).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ لم يحرم عليه شيء يبعثه بهديه، والبعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، ولم يكن النبي ﷺ ليفعل ما نهى عنه (٧).
ثانياً: أن إرادة التضحية إذا كانت لا تمنع من الجماع، وهو أغلظ ما يحرم بالإحرام, كانت أحرى أن لا تمنع مما دون ذلك (٨).
ثالثاً: أنه لا يصح قياسه على المحرم، فإنه لا يحرم عليه الوطء واللباس والطيب، فلا يكره له حلق الشعر، وتقليم الأظفار (٩).
стр. 857
القول الثاني: يحرم لمن أراد أن يضحي أن يحلق شعره ويقلم أظفاره حتى يضحي، وهو مذهب الحنابلة (١)، ووجهٌ للشافعية (٢)، وهو قول طائفة من السلف (٣)، واختاره ابن حزم (٤)، وابن القيم (٥)، وابن باز (٦)، وابن عثيمين (٧).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((من كان عنده ذبح يريد أن يذبحه فرأى هلال ذي الحجة فلا يمس من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي)) (٨).
وجه الدلالة:
أن مقتضى النهي التحريم، وهو خاص يجب تقديمه على عموم غيره (٩).
القول الثالث: يكره لمن أراد أن يضحي أن يحلق شعره ويقلم أظفاره حتى يضحي، وهذامذهب المالكية (١٠)، والشافعية (١١) وهو قولٌ للحنابلة (١٢).
دليل الكراهة:
الجمع بين نصوص الباب، بحمل نصوص النهي على الكراهة، ونصوص الإباحة على عدم التحريم (١٣).
مطلب: حكم الفدية لمن أراد أن يضحي فأخذ من شعره أو قلم أظفاره
لا فدية على من حلق شعره أو قلم أظفاره لمن أراد أن يضحي بالإجماع، نقله ابن قدامة (١٤)، والمرداوي (١٥).
المبحث الثاني: استقبال القبلة عند الذبح
стр. 858
يستحب أن يكون الذابح مستقبل القبلة، وهذاباتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤)(٥)، وحُكِي فيه الإجماع (٦).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته)) (٧).
وجه الدلالة:
أنه أفرد ذكر استقبال القبلة بعد قوله: ((من صلى صلاتنا)) مع كونه داخلا فيها، لأنه من شرائطها، وذلك للتنبيه على تعظيم شأن القبلة وعظم فضل استقبالها، وهو غير مقتصر على حالة الصلاة، بل أعم من ذلك، ويدخل في ذلك الذبيحة (٨).
ثانياً: عن نافع: ((أن ابن عمر كان يكره أن يأكل ذبيحة ذبحه لغير القبلة)) (٩).
وجه الدلالة:
أنه قول صحابي ولا مخالف له منهم (١٠).
ثالثاً: أنه لابد للذبح من جهة فكانت جهة القبلة أولى؛ لأنها أفضل الجهات، وهو مستحب في القربات التي يراد بها الله تبركا بذلك (١١).
رابعاً: أن أهل الجاهلية ربما كانوا يستقبلون بذبائحهم الأصنام فأمرنا باستقبال القبلة لتعظيم جهة القبلة (١٢).
المبحث الثالث: إحداد الشفرة قبل إضجاع الشاة
يستحب إحداد الشفرة قبل إضجاع الشاة، وهذاباتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١٣) والمالكية (١٤) والشافعية (١٥)، والحنابلة (١٦).
دليل ذلك من السنة:
عن شداد بن أوس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) (١٧).
نحر البعير وذبح الشاة والبقر
يسن أن تنحر الإبل وتذبح الشاةويخير بين الذبح والنحر في البقر.
الأدلة:
أولاً: من القرآن:
قوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: ٢]
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً [البقرة: ٦٧].
ثانياً: من السنة:
عن جابر بن عبدالله ﵄ أنه قال: ((نحرنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية البدنة عن سبعة, والبقرة عن سبعة)) (١٨).
стр. 859
عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((فنحر ﵇ ثلاثا وستين, فأعطى عليا فنحر ما غبر, وأشركه في هديه)) (١).
وجه الدلالة:
أنه ثبت في هذه النصوص وغيره أن هدي النبي صلى الله عليه كان نحر الإبل، وذبح الغنم.
ثالثاً: الإجماع:
حكى الإجماععلى النحر في الإبل، والذبح في الغنم: ابن حزم (٢)، وابن رشد (٣)، والقرطبي (٤)،وابن قدامة (٥)، والنووي (٦)،وحكى الإجماع على التخيير في البقر: ابن رشد (٧)، والقرطبي (٨).
المبحث الرابع: التكبير عند الذبح
يستحب عند الذبح أن يكبر بعد التسمية.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قال الله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [الحج: ٣٦].
وقال تعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [الحج: ٣٧].
ثانياً: من السنة:
عن أنس ﵁، قال: ((ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما)) (٩).
ثالثاً: الإجماع:
أجمع أهل العلم على استحباب التكبير بعد التسمية، حكاه ابن قدامة (١٠)، والقاري (١١)، وحكى عمل الناس عليه: الترمذي (١٢)، وجماعة من المالكية (١٣).
رابعاً: الآثار عن الصحابة ﵃:
стр. 860
عن حنش بن المعتمر، قال: ((صلى علي ﵁ العيد في الجبانة ثم استقبل القبلة بكبشين ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، بسم الله، والله أكبر، ثم ذبحهما وقال: اللهم منك ولك اللهم تقبل)).
عن نافع: ((أن عبدالله بن عمر كان إذا طعن في سنام هديه وهو يشعره قال بسم الله والله أكبر)).
عن عبدالله بن عباس، ﵄ أنه قال: ((يقول الله ﵎: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [الحج: ٣٦] قال: «قياما على ثلاث قوائم معقولة بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك)) (١).
المبحث الخامس: أن يذبح بنفسه إذا استطاع
يستحب أن يذبح بنفسه إذا استطاع.
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن أنس ﵁، قال: ((ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما)) (٢).
ثانياً: الإجماع:
حكى الإجماع على ذلك النووي (٣).
ثالثاً: أنها قربة، وفعل القربة أولى من استنابته فيها (٤).
المبحث السادس: الأكل والإطعام والإدخار من الأضحية
يجوز للمضحي أن يأكل من أضحيته ويطعم ويدخر، وهذاباتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨).
الأدلة:
أولاً: من القرآن:
قوله تعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج: ٢٧].
ثانياً: من السنة:
عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ : ((أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال بعد: كلوا، وتزودوا، وادخروا)) (٩).
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إذا ضحى أحدكم فليأكل من أضحيته)) (١٠).
المبحث السابع: الاستنابة في ذبح الأضحية
стр. 861
يجوز للمضحي أن يستنيب في ذبح أضحيته إذا كان النائب مسلما، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١). والمالكية (٢)، والشافعية (٣). والحنابلة (٤)، وحُكِيَ فيه الإجماع (٥).
دليل ذلك من السنة:
عن جابر ﵁: ((أن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين بدنة ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر منها)) (٦).
المبحث الثامن: أيهما أفضل ذبح الأضحية أو التصدق بثمنها؟
ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها، نص على هذا فقهاء الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والحنابلة (٩)، واختاره ابن باز (١٠)، وابن عثيمين (١١).
الأدلة:
أولاً: أن إيثار الصدقة على الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله ﷺ (١٢).
ثانياً: أن النبي ﷺ ضحى والخلفاء بعده، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها (١٣).
ثالثاً: أن الأضاحبي واجبة عند طائفة من الفقهاء، أما التصدق بثمنها فهو تطوع محض (١٤).
رابعاً: أن الأضاحي تفوت بفوات وقتها خلاف الصدقة بثمنها فإنه لا يفوت، نظير الطواف للآفاقي فإنه أفضل له من الصلاة لأن الطواف في حقه يفوت بخلاف المكي (١٥).
خامساً: أن فيها جمعاً بين التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدم والتصدق، ولا شك أن الجمع بين القريتين أفضل (١٦).
المبحث التاسع: إعطاء الجزار من الأضحية ثمناً لذبحه
لا يجوز إعطاء الذابح من الأضحية ثمنا لذبحه، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (١٧)، والمالكية (١٨)، والشافعية (١٩)، والحنابلة (٢٠).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
стр. 862
عن علي ﵁ قال: ((أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها، قال: نحن نعطيه من عندنا)) (١).
ثانياً: أن ما يدفعه إلى الجزار أجرة عوض عن عمله وجزارته، ولا تجوز المعاوضة بشيء منها (٢).
المبحث العاشر: الأضحية عن الميت استقلالاً
لا تشرع الأضحية عن الميت استقلالاً، وهو مذهب الشافعية (٣)، واختاره ابن عثيمين (٤)، وكرهها المالكية (٥).
الأدلة:
أولاً: من القرآن:
قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى [النجم: ٣٩].
ثانياً: لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن أحد من السلف أنهم ضحوا عن الأموات استقلالا (٦).
ثالثاً: أنها عبادة، والأصل أن لا تفعل عن الغير إلا ما خرج بدليل لا سيما مع عدم الإذن (٧).
رابعاً: أن المقصود بذلك غالبا المباهاة والمفاخرة (٨).
стр. 863
الفصل السادس: من شروط الذكاة
المبحث الأول: التسمية
اختلف أهل العلم في اشتراط التسمية في الذكاة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن التسمية شرط، لا تحل الذكاة بدونه، عمدا كان أو نسياناً، وهذا مذهب الظاهرية (١)،، وهو رواية عن أحمد (٢)، وبه قال طائفة من السلف (٣)، واختاره ابن تيمية (٤)، وابن عثيمين (٥)
الأدلة:
أولاً من الكتاب:
قال الله تعاالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١].
وجه الدلالة:
أن النهي يقتضي التحريم لاسيما مع وصف الفسق؛ فإن الذي يسمى فسقا في الشرع لابد أن يكون حراما.
ثانياً: من السنة:
عن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل)) (٦).
وجه الدلالة:
أنه علق الحل فيه بشرطين: بإنهار الدم، وذكر اسم الله على المذكى.
عن أبي ثعلبة الخشني ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((وما صدتَ من كلبك المعلم فذكرتَ اسم الله عليه فكل)) (٧).
وجه الدلالة:
أنه وقف الإذن بالأكل على التسمية.
عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه، فكل)) (٨).
ثالثاً: أنا أمرنا بالتسمية عند الذبح مخالفة للمشركين؛ لأنهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح، ومخالفتهم واجبة علينا، فالتسمية عند الذبح تكون واجبة أيضا (٩).
القول الثاني: أنها واجبة مع الذكر وتسقط بالنسيان، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١٠)، والمالكية (١١)، والحنابلة (١٢)، واختارته اللجنة الدائمة (١٣).
الأدلة:
أولاً: أدلة الوجوب:
سبق في أدلة القول السابق.
ثانياً: أدلة سقوط الوجوب بالنسيان:
أولاً: من الكتاب:
قال الله تعالى: ((ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)).
وجه الدلاالة:
أن الناسي لا يسمى فاسقاً.
٢ - قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦].
стр. 864
ثانياً: عن ابن عباس ﵄ قال: ((إذا نسي أحدكم أن يُسمي على الذبيحة فليُسم وليأكل)) (١).
ثالثاً: أن النسيان يسقط المؤاخذة، والجاهل مؤاخذ، ولذلك يفطر الجاهل بالأكل في الصوم دون الناسي (٢).
رابعاً: أن إسقاط التسيمة في حال النسيان عليه إجماع السلف (٣).
القول الثالث: أنها سنة مؤكدة، وهذا مذهب الشافعية (٤)،وهو رواية عن أحمد (٥)،وبه قال طائفة من السلف (٦)، واختاره ابن عبدالبر (٧).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قال الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة: ٣].
وجه الدلالة:
أنه أباح المذكَّى ولم يذكر التسمية (٨).
الآية الثانية: قال الله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: ٥].
وجه الدلالة:
أن الله تعالى أباح ذبائحهم ولم يشترط التسمية (٩).
ثانياً: من السنة:
عن عائشة ﵂: ((أن قوما قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ : سموا الله عليه وكلوه)) (١٠).
وجه الدلالة:
أنه لو كان وجود التسمية شرطا لما رخص لهم بالأكل عند وقوع الشك فيها، كما في شرط حصول الذكاة، وكأنه قيل لهم: لا تهتموا بذلك بل الذي يهمكم أنتم أن تذكروا اسم الله وتأكلوا (١١).
٢ - عن ابن عباس ﵄, عن النبي ﷺ قال: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (١٢).
ثالثاً: أن التسمية لو كانت فرضا ما سقطت بالنسيان لأن النسيان لا يسقط ما وجب عمله من الفرائض (١٣).
رابعاً: إجماعهم في ذبيحة الكتابي أنها تؤكل وإن لم يسم الله عليها إذا لم يسم عليها غير الله، وإجماعهم كذلك: أن المجوسي والوثني لو سمى الله لم تؤكل ذبيحته، وفي ذلك بيان أن ذبيحة المسلم حلال على كل حال لأنه ذبح بدينه (١٤).
المبحث الثاني: إنهار الدم
стр. 865
أجمع أهل العلم على أن إنهار الدم يحصل بقطع أربعة أشياء: المرئ (١)، والحلقوم (٢)، والودجين (٣)، نقل الإجماع على ذلك: ابن المنذر (٤)، وابن قدامة (٥)، وابن باز (٦)، وابن عثيمين (٧).
المبحث الثالث: ما هو القدر الواجب الذي يكتفى به في حصول التذكية؟
اختلف الفقهاء في القدر الذي يشترط في حصول الذكاة به على أقوال كثيرة نذكر منها ما يلي:
القول الأول: يشترط قطع الجميع: الحلقوم والمرئ والودجين، وهذا قول للمالكية (٨)، ورواية عن أحمد (٩)، وبه قال الليث بن سعد (١٠)،واختاره ابن ابن المنذر (١١)، وذلك لأنه لولا اشتراط قطع الأربع لما جاز له قطعها إذ كان فيه زيادة ألم بما ليس هو شرطا في صحة الذكاة، فثبت بذلك أن عليه قطع هذه الأربع (١٢).
القول الثاني: يشترط الودجين والحلقوم، وهو مذهب المالكية (١٣)، ورواية عن أحمد (١٤)، وذلك لأنه بالودجين يحصل إنهار الدم، ولا يوصل إلى قطع الودجين في الغالب إلا بعد قطعه الحلقوم لأنه قبلهما، أما المري فهو مجرى الطعام والشراب وهو وراء ذلك ملتصق بعظم القفا (١٥).
стр. 866
القول الثالث: الواجب قطع الحلقوم والمرئ، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، واختاره ابن باز (٣).
الأدلة:
أولاً: أن مقصود الذكاة الإزهاق بما يوحى ولا يعذب، والغالب أن الودجين يقطعان بقطع الحلقوم والمرئ (٤).
ثانياً: أنه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه فأشبه ما لو قطع الأربعة (٥).
القول الرابع: يجب قطع ثلاثة من أربعة بدون تعيين، وهذا المشهور من مذهب الحنفية (٦)، ووجه للحنابلة (٧)، واختاره ابن تيمية (٨).
الأدلة:
أولاً: أن ما هو المقصود منه يحصل به وهو إنهار الدم المسفوح، والتوحية في إخراج الروح لأنه لا يحيا بعد قطع المريء والحلقوم ويخرج الدم بقطع أحد الودجين (٩).
ثانياً: أن الأكثر يقوم مقام الكل وأي ثلاث منها قطع فقد قطع الأكثر، ولا معنى لاشتراط الكل (١٠).
القول الخامس: الواجب قطع الودجين، وهذا وجه للحنابلة (١١)، واختاره ابن عثيمين (١٢).
الأدلة:
أولاً: من السنة:
عن رافع بن خديج ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة)) (١٣)
وجه الدلالة:
أنه علق الحكم على إنهار الدم، ومن المعلوم أن أبلغ ما يكون به الإنهار قطع الودجين، فبقطعهما يخرج الدم.
ثانياً: عن ابن عباس ﵄ قال: ((كل ما أفرى الأوداج غير مترد)) (١٤).
ثالثاً: أنه لو قطع الحلقوم والمريء ولم يقطع الودجين، فإن الدم سوف يكون باقيا لا يخرج؛ لأن الدم الذي يخرج من الحلقوم والمريء سيكون ضعيفا، ولا يخرج إلا كما يخرج من أي عرق يكون في اليد أو في الرجل، أو ما أشبه ذلك (١٥).
стр. 867
المبحث الأول: حكم قتل الصيد للمحرم
قتل الصيد من محظورات الإحرام.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب
١ - قوله تعالى: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنتم حُرُم [المائدة: ٩٥].
٢ - قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارة وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المائدة: ٩٦].
٣ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١].
ثانياً: من السنة
١ - عن الصَّعب بن جثامة الليثي ﵁: ((أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشيًّا، فَرَدَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنَّا لم نردُّه عليك إلا أنَّا حرم)) (١).
٢ - عن أبي قتادة ﵁، قال: ((كنا مع النبي ﷺ ومنا المحرم، ومنا غير المحرم، فرأيت أصحابي يتراءون شيئاً، فنظرت، فإذا حمار وحشٍ يعني وقع سوطه، فقالوا: لا نعينك عليه بشيء، إنا محرمون، فتناولته، فأخذته، ثم أتيت الحمار من وراء أكمةٍ فعقرته، فأتيت به أصحابي، فقال بعضهم: كلوا، وقال بعضهم: لا تأكلوا، فأتيت النبي ﷺ وهو أمامنا، فسألته، فقال: كلوه، حلال)) (٢).
ثالثا: الإجماع
نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٣)، وابن رشد (٤)، وابن قدامة (٥)، والنووي (٦)، وشمس الدين ابن مفلح (٧).
стр. 868
المبحث الثاني: ضابط الصيد المحرَّم
الصيد الذي يحظر على المحرِم، هو الحيوان البري المتوحش المأكول اللحم، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وهو قول ابن عثيمين (٣).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب
١ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١].
وجه الدلالة:
أنَّ معنى الآية أنه أحل أكل بهيمة الأنعام الوحشية إلا الصيد في حال الإحرام؛ فدلَّ على أن المحظور على المحرم من الصيد هو ما كان وحشيًّا مأكولاً (٤).
٢ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: ٩٥].
وجه الدلالة:
أنَّ معنى الآية: لا تقتلوا الصيد، الذي بينتُ لكم، وهو صيد البر دون صيد البحر، وأنتم محرمون بحجٍّ أو عمرة (٥).
٣ - قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَة وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المائدة: ٩٦].
وجه الدلالة:
أنه نصَّ على تحريم الصيد البري على المحرم.
стр. 869
المبحث الثالث: ما يباح للمحرم
المطلب الأول: ذبح بهيمة الأنعام ونحوها
يجوز للمحرم ذبح بهيمة الأنعام والدجاج ونحوها.
الدليل:
الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن حزم (١)، وابن قدامة (٢).
المطلب الثاني: صيد البحر
يجوز للمحرم اصطياد الحيوان البحري وأكله.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب
قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَة وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المائدة: ٩٦].
ثانياَ: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٣)، وابن قدامة (٤).
стр. 870
المبحث الأول: كفارة قتل المحرم للصيد
المطلب الأول: حكم كفارة قتل الصيد
يجب الجزاء في قتل الصيد في الجملة.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [المائدة: ٩٥].
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك في الجملة، ابن المنذر (١)، وابن رشد (٢)، وابن قدامة (٣).
المطلب الثاني: كفارة قتل الصيد
يُخيَّر المحرم إذا قتل صيداً بين ذبح مثله، والتصدُّق به على المساكين، وبين أن يقوَّم الصيد، ويشتري بقيمته طعاماً لهم، وبين أن يصوم عن إطعام كل مدٍّ يوماً، أما إذا قتل المحرم ما لا يشبه شيئاً من النَّعم، فإنه يُخيَّر بين الإطعام والصيام، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
الدليل:
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [المائدة: ٩٥].
المطلب الثالث: مكان ذبح الهدي في جزاء الصيد
стр. 871
يجب أن يكون ذبح الهدي الواجب في جزاء الصيد، في الحرم، وهذا مذهب جمهور الفقهاء: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره الطبري (٤)، وابن حزم (٥)، والشنقيطي (٦)، وابن عثيمين (٧).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب
قوله تعالى في جزاء الصيد: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥].
وجه الدلالة:
أنه لو جاز ذبحه في غير الحرم؛ لم يكن لذكر بلوغه الكعبة معنى (٨).
ثانياً: من السنة
عن جابر بن عبدالله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر)) (٩)، وعنه أيضاً مرفوعاً: ((هذا المنحر, وفجاج مكة كلها منحر)) (١٠).
وجه الدلالة:
أنه حيثما نُحِرَت البدن, والإهداء من فجاج مكة ومنى والحرم كله، فقد أصاب الناحر (١١).
ثالثاً: أن الهدي اسمٌ لما يهدى إلى مكان الهدايا، ومكان الهدايا الحرم؛ وإضافة الهدايا إلى الحرم ثابتةٌ بالإجماع (١٢).
رابعاً: أن هذا دمٌ يجب للنسك؛ فوجب أن يكون في مكانه وهو الحرم (١٣).
المطلب الرابع: توزيع الصدقة على مساكين الحرم
стр. 872
يُشتَرَط أن توزَّع الصدقة على مساكين الحرم، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، واختاره الشنقيطي (٣)، وابن باز (٤)، وابن عثيمين (٥). (٦)
الدليل:
قوله تعالى: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥].
وجه الدلالة:
أنَّ في حكم الهدي ما كان بدلاً عنه من الإطعام؛ فيجب أن يكون مثله كذلك، بالغ الكعبة (٧).
المطلب الخامس: موضع الصيام
يجوز الصيام في أي موضع (٨).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب
قوله تعالى: أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [المائدة: ٩٥].
وجه الدلالة:
أنه أطلق الصيام، ولم يقيده بشيء، والواجب البقاء على إطلاقات النصوص، وعدم التصرف بتقييدها من غير دليل (٩).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن عبدالبر (١٠)، وابن قدامة (١١).
ثالثاً: أن الصيام لا يتعدى نفعه إلى أحد، فلا معنى لتخصيصه بمكان، بخلاف الهدي والإطعام، فإن نفعه يتعدى إلى من يُعطاه (١٢).
رابعاً: أن الصوم عبادةٌ تختص بالصائم لا حق فيها لمخلوق؛ فله فعلها في أي موضعٍ شاء (١٣).
المطلب السادس: اشتراط التتابع في الصيام
لا يشترط التتابع في الصيام (١٤).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب
قوله تعالى: أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [المائدة: ٩٥].
وجه الدلالة:
أنه أطلق الصيام، ولم يقيِّده بشيء، والواجب البقاء على إطلاقات النصوص، وعدم التصرف بتقييدها من غير دليل (١٥).
ثانياً: الإجماع
نقل النووي الإجماع على ذلك (١٦).
стр. 873
المبحث الثاني: الجزاء في الصيد
المطلب الأول: تعريف المثلي
المثلي ما كان له مِثْلٌ من النعم، أي مشابهٌ في الخِلْقة والصورة للإبل، أو البقر، أو الغنم، وهذا مذهب جمهور الفقهاء (١) من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب
قوله تعالى: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥].
وجه الدلالة:
أن الذي يُتصوَّر أن يكون هدياً، هو ما كان مثل المقتول من النعم، فأما القيمة فلا يُتصور أن تكون هدياٌ، ولا جرى لها ذكرٌ في نفس الآية (٥).
ثانياً: من السنة:
عن جابر ﵁ قال: ((جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيبه المحرم كبشاً)) (٦).
وجه الدلالة:
أنَّ النبي ﷺ لما حكم في الضبع بكبش, علمنا من ذلك أنَّ المماثلة إنما هي في القَدِّ وهيئة الجسم؛ لأن الكبش أشبه النعم بالضبع (٧).
المطلب الثاني: ما قضى به الصحابة ﵃ من المِثْلي
ما قضى به الصحابة ﵃ من المثلي، فإنه يجب الأخذ به (٨)، وما لا نقل فيه عنهم، فإنه يحكم بمثله عدلان من أهل الخبرة، وهذا مذهب الشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، وبه قال طائفةٌ من السلف (١١)، وهو اختيار ابن عثيمين (١٢).
الأدلة:
أولاً: من الكتاب
قوله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ [المائدة: ٩٥].
وجه الدلالة:
أنَّ ما تقدم فيه حكمٌ من عدلين من الصحابة، أو ممَّن بعدهم، فإنه يتبع حكمهم، ولا حاجة إلى نظر عدلين وحكمهما; لأن الله تعالى قال: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ، وقد حكما بأن هذا مثلٌ لهذا، وعدالتهم أوكد من عدالتنا؛ فوجب الأخذ بحكمهم (١٣).
ثانياً: من السنة:
стр. 874
عن العرباض بن سارية ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنواجذ)) (١).
ثالثاً: أن الصحابة ﵃ إذا حكموا بشيءٍ، أو حكم بعضهم به، وسكت باقوهم عليه، صار إجماعاً، وما انعقد الإجماع عليه فلا يجوز الاجتهاد فيه؛ ولأن العدول عما قضوا به يؤدي إلى تخطئتهم (٢).
رابعاً: أن الصحابة ﵃ شاهدوا الوحي، وحضروا التنزيل والتأويل، وهم أقرب إلى الصواب، وأبصر بالعلم، وأعرف بمواقع الخطاب؛ فكان حكمهم حجةً على غيرهم كالعالم مع العامِّي (٣).
المطلب الثالث: ما يجب في صيد الدواب والطيور من الجزاء
الفرع الأول: ما يجب في صيد الدواب
في النعامة بدنة، وفي بقر الوحش وحمار الوحش بقرةٌ إنسية، وفي الضبع كبش (٤)، وفي الغزال عنز (٥)، وفي الأرنب عناق (٦)، وفي اليربوع (٧) جفرة (٨)، وفي الضبِّ جدي (٩)، وما لا مثل له، فإنه يحكم بمثله حكمان عدلان، وهذا مذهب الشافعية (١٠)، والحنابلة (١١).
стр. 875
الأدلة (١):
أدلة أن في النعامة بدنة
أولاً: الآثار عن الصحابة ﵃
١ - عن ابن عباس ﵄: ((أن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، قالوا في النعامة قتلها المحرم، بدنةٌ من الإبل)) (٢).
٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((إن قتل نعامةً فعليه بدنةٌ من الإبل)).
٣ - عن عطاء: ((أن ابن عباس, ومعاوية, قالا: في النعامة بدنة يعني من الإبل)) (٣).
ثانياً: أنه لا شيء أشبه بالنعامة من الناقة في طول العنق, والهيئة والصورة (٤).
أدلة أن في بقرة الوحش وحمار الوحش بقرة:
أولاً: عن ابن عباس ﵄ قال: ((وفي البقرة بقرة، وفي الحمار بقرة)) (٥).
ثانياً: أن حمار الوحش وبقرة الوحش أشبه بالبقرة؛ لأنهما ذوا شعرٍ وذنبٍ سابغ؛ وليس لهما سنام؛ فوجب الحكم بالبقرة لقوة المماثلة، أما الناقة فليست كذلك؛ فهي ذات وبرٍ وذنبٍ قصيرٍ وسنام (٦).
أدلة أن في الضبع كبش:
أولاً: من السنة:
عن جابر ﵁ قال: ((سألت النبي ﷺ عن الضبع، فقال: هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا أصابه المحرم)) (٧)، وفي رواية: ((جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيبه المحرم كبشاً)) (٨).
стр. 876
ثانياً: الآثار عن الصحابة ﵃
١ - عن جابر بن عبدالله ﵄: ((أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في الضبع بكبش)) (١).
٢ - عن علي بن أبي طالب: ((في الضبع كبش)) (٢).
٣ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((في الضبع كبش)) (٣).
٤ - وبه قضى: وابن عمر, وجابر, وقد بلغ ابن الزبير قول عمر فلم يخالفه، ﵃ جميعاً (٤).
أدلة أن في الظبي عنز:
١ - عن جابر بن عبدالله ﵄: ((أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في الضبع بكبش، وفى الغزال بعنز)) (٥).
٢ - عن محمد بن سيرين: ((أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجريت أنا وصاحبٌ لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية، فأصبنا ظبياً ونحن محرمان، فماذا ترى؟ فقال عمر لرجلٍ إلى جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت، قال فحكما عليه بعنز، فولَّى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلاً يحكم معه، فسمع عمر قول الرجل فدعاه، فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ قال: لا، قال: فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا، فقال: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة؛ لأوجعتك ضرباً، ثم قال: إن الله ﵎ يقول في كتابه يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥]. وهذا عبدالرحمن بن عوف))، وفي روايةٍ عن عمر ﵁: ((أنه حكم هو وعبدالرحمن بن عوف في ظبيٍ بعنز)) (٦).
٣ - عن جابر ﵁: ((أن عمر قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز)) (٧).
أدلة أن في الأرنب عناق:
١ - عن جابر ﵄: ((أن عمر قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق)) (٨) ..
стр. 877
٢ - عن ابن عباس ﵄: ((أنه قضى في الأرنب بعناق، وقال: هي تمشي على أربع، والعناق كذلك، وهي تأكل الشجر، والعناق كذلك، وهي تجتر، والعناق كذلك)) (١).
٣ - وجاء أيضاً: عن عبدالله بن عمرو بن العاص, وعمرو بن حبشي، وعطاء (٢).
أدلة أن في اليربوع جفرة:
١ - عن جابر: ((أن عمر قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة)) (٣).
٢ - عن ابن مسعود ﵁: ((أنه قضى في اليربوع بجفرٍ أو جفرة)) (٤).
٣ - وجاء ذلك أيضاً: عن ابن عمر، وابن عباس ﵃، وبه قال عطاء (٥).
دليل أن في الضب جدي:
عن طارق قال: ((خرجنا حجاجاً، فأوطأ رجلٌ يُقال له أربد، ضبًّا ففزر ظهره، فقدمنا على عمر، فسأله أربد فقال عمر: احكم يا أربد، فقال أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم، فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم فيه، ولم آمرك أن تزكيني، فقال أربد: أرى فيه جدياً قد جمع الماء والشجر، فقال عمر بذلك فيه)) (٦).
الفرع الثاني: ما يجب في صيد الطيور
في أنواع الحمام (٧) شاةٌ، عند أكثر أهل العلم (٨)، وما عداه فإنَّه تجب فيه القيمة، سواء كان أصغر منه أو أكبر، وهو مذهب الشافعية (٩)، والحنابلة (١٠).
أدلة أنَّ في أنواع الحمامة شاة:
أولاً: آثار الصحابة ﵃:
١ - عن عمر ﵁: ((أنه حكم في الحمامة شاة)) (١١).
٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: ((في حمامة الحرم شاة)) (١٢).
٣ - وجاء ذلك: عن عثمان وابن عمر ونافع بن عبدالحرث ﵃، وبه قال عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير وقتادة (١٣).
أدلة أن ما كان أكبر أو أصغر من الحمام فإن فيه قيمته:
أولاً: عن ابن عباس ﵄ قال: ((في كل طيرٍ دون الحمام قيمته)) (١٤).
ثالثاً: أن ما كان أصغر من الحمام أو أكبر فيضمن بالقيمة؛ لأنه لا مثل له من النعم (١٥).
стр. 878
المبحث الثالث: صيد الحرم
يحرم الصيد في الحرم على المحرم، وعلى الحلال.
الأدلة:
أولاً: من السنة
عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحدٍ قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط إلا من عرفها، ولا يُختلى خلاها)) (١).
ثانياً: الإجماع:
نقل الإجماعَ على ذلك: ابنُ المنذر (٢)، والنووي (٣).
стр. 879
المبحث الرابع: ما لا يدخل في الصيد
المطلب الأول: الهوام والحشرات
لا تدخل الهوام والحشرات، في تحريم الصيد عند جمهور الفقهاء، من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وذلك للآتي:
أولاً: أنه لم يأت في تحريم صيدها على المحرم شيء.
ثانياً: أن أصلها لا يُضمن لا بمثلها ولا بقيمتها (٤).
المطلب الثاني: قتل الفواسق الخمس
للمحرم قتل الفواسق الخمس: الحدأة (٥)، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور، في الحل والحرم.
الأدلة:
أولاً: من السنة
١ - عن عائشة ﵂، أنَّ النبي ﷺ قال: ((خمس فواسق، يُقتلنَ في الحرم: الفأرة، والعقرب، والحديا، والغراب، والكلب العقور)) (٦).
٢ - عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: قالت حفصة: قال رسول الله ﷺ : ((خمسٌ من الدواب لا حرج على من قتلهن: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور)) (٧).
ثانياً: من الإجماع:
стр. 880
نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (١)، والبغوي (٢)، وحكاه ابن عبدالبر في الجملة (٣). (٤)
المطلب الثالث: قتل المؤذيات
للمحرم قتل كل ما آذاه، سواء كان من طبعه الأذى أو لم يكن.
الأدلة:
أولاً: من السنة
عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: ((خمس فواسق، يُقتلنَ في الحرم: الفأرة، والعقرب، والحديا، والغراب، والكلب العقور)) (٥).
وجه الدلالة:
أن الخبر نصَّ من كل جنسٍ على صورة من أدناه، تنبيهاً على ما هو أعلى منها، ودلالةً على ما كان في معناها، فنصه على الحدأة والغراب تنبيهٌ على البازي ونحوه، وعلى الفأرة تنبيهٌ على ما يؤذي من الحشرات، وعلى العقرب تنبيهٌ على الحية، وعلى الكلب العقور تنبيهٌ على السباع التي هي أعلى منه (٦).
ثانيا: الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٧)، وابن حزم (٨).
ثالثا: أن كل مدفوعٍ لأذاه فلا حرمة له (٩).