← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الفرع الرابع: قتله ذلك الشاب ثم إحياؤه إياه عن أبي سعيد الخدري قال حدثنا رسول الله ﷺ يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما حدثنا قال: ((يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس - فيقول له أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر فيقولون لا. قال فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن - قال - فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٠

стр. 1752

الفرع الخامس: عقيدة أهل السنة والجماعة في المسيح الدجال قال النووي في (شرحه لمسلم): قال القاضي: هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى: من إحياء الميت الذي يقتله ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه وجنته وناره ونهريه واتباع كنوز الأرض له وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى: ومشيئته ثم يعجزه الله تعالى: بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره ويقتله عيسى ﷺ ويثبت الله الذين آمنوا هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافاً لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وخلافا للبخاري المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود ولكن الذي يدعي مخارف وخيالات لا حقائق لها وزعموا أنه لو كان حقا لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفا من أذاه لأن فتنته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأمر فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص فيصدقه من صدقه في هذه الحالة. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥٠

стр. 1753

المطلب الأول: هل ابن صياد هو الدجال الأكبر ؟ ابن صياد: اسمه: هو صافي وقيل عبد الله بن صياد أو صائد (١). كان من يهود المدينة، وقيل من الأنصار، وكان صغيراً عند قدوم النبي ﷺ إلى المدينة. وذكر ابن كثير أنه أسلم، وكان ابنه عمارة من سادات التابعين روى عنه الإمام مالك وغيره (٢). وترجم له الذهبي في كتابه (تجريد أسماء الصحابة) فقال: (عبد الله بن صياد أورده ابن شاهين، وقال: هو ابن صائد كان أبوه يهوديا فولد عبد الله أعور مختوناً، وهو الذي قيل إنه الدجال ثم أسلم فهو تابعي له رؤية) وترجم له الحافظ ابن حجر في (الإصابة) فذكر ما قاله الذهبي ثم قال: (ومن ولده عمارة بن عبد الله بن صياد وكان من خيار المسلمين من أصحاب سعيد بن المسيب روى عنه مالك وغيره) (٣). ثم ذكر جملة من الأحاديث في شأن ابن صياد ... – ثم قال: (وفي الجملة لا معنى لذكر ابن صياد في الصحابة لأنه إن كان الدجال فليس بصحابي قطعاً لأنه يموت كافراً، وإن كان غيره فهو حال لقيه النبي ﷺ لم يكن مسلماً. لكن إن أسلم بعد ذلك فهو تابعي له رؤية) (٤) كما قال الذهبي. وترجم ابن حجر في كتابه: (تهذيب التهذيب) لعمارة بن صياد فقال: (عمارة بن عبد الله بن صياد الأنصاري أبو أيوب المدني، روى عن جابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب وعطاء بن يسار، وعنه الضحاك بن عثمان الخزامي ومالك بن أنس وغيرهما. قال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وكان مالك بن أنس لا يقدم عليه في الفضل أحداً. وكانوا يقولون: (نحن بنو أشيهب بن النجار، فدفعهم بنو النجار فهم اليوم حلفاء بني مالك بن النجار، ولا يدري ممن هم) (٥). أحواله: كان ابن صياد دجالاً, وكان يتكهن أحياناً فيصدق ويكذب، فانتشر خبره بين الناس، وشاع أنه الدجال كما سيأتي في ذكر امتحان النبي ﷺ له. امتحان النبي ﷺ له: لما شاع بين الناس أمر ابن صياد وأنه هو الدجال، أراد النبي ﷺ أن يطلع على أمره ويتبين حاله، فكان يذهب إليه مختفياً حتى لا يشعر به ابن صياد، رجاء أن يسمع منه شيئاً، وكان يوجه إليه بعض الأسئلة التي تكشف عن حقيقته. ففي الحديث عن ابن عمر ﵄: ((أن عمر انطلق مع النبي ﷺ في رهط قبل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان، عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن الصياد الحلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي ﷺ بيده، ثم قال لابن الصياد: تشهد أني رسول الله. فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد للنبي ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه وقال: آمنت بالله وبرسله. فقال له: ما ترى. قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال النبي ﷺ : خلط عليك الأمر. ثم قال له النبي ﷺ : إني خبأت لك خبيئاً. فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال: اخسأ، فلن تعدو قدرك. فقال عمر ﵁: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبي ﷺ : إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله)) (٦).

стр. 1754

وفي رواية أن النبي ﷺ قال له: ((ما ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء فقال رسول الله ﷺ : ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟ قال: أرى صادقين وكذاباً أو كاذبين وصادقاً. فقال رسول الله ﷺ : لبس عليه, دعوه)) (١). وقال ابن عمر ﵄ يقول: ((انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب، إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئاً، قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النبي ﷺ وهو مضطجع، يعني في قطيفة، له فيها رمزة أوزمرة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ ، وهو يتقي بجذوع النخل. فقالت لابن صياد: يا صاف، وهو اسم ابن صياد، هذا محمد ﷺ ، فثار ابن صياد، فقال النبي ﷺ : لو تركته بين)) (٢). وقال أبو ذر ﵁: ((كان رسول الله ﷺ قد بعثني إلى أمه، قال سلها كم حملت به، فأتيتها فسألتها فقالت حملت به اثني عشر شهراً. قال ثم أرسلني إليها: فقال سلها عن صيحته حين وقع، قال: فرجعت إليها فسألتها، فقالت: صاح صياح الصبي ابن شهر. ثم قال له رسول الله ﷺ : إني قد خبأت لك خبأ. قال: خبأت لي خطم شاة عفراء والدخان قال: فأراد أن يقول: الدخان فلم يستطع فقال: الدخ)) (٣). فامتحان النبي ﷺ له (بالدخان) ليتعرف على حقيقة أمره. والمراد بالدخان هنا قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ [الدخان: ١٠]. فقد وقع في رواية ابن عمر عند الإمام أحمد ((أني قد خبأت لك خبيئاً، وخبأ له يوم تأتي السماء بدخان مبين)) (٤). قال ابن كثير: (إن ابن صياد كاشف على طريقة الكهان بلسان الجان وهم يقرطون – أي يقطعون – العبارة ولهذا قال: هو الدخ، يعني الدخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادته وأنها شيطانية، فقال له اخسأ فلن تعدو قدرك) (٥). وفاته: عن جابر ﵁ قال: (فقدنا ابن صياد يوم الحرة) (٦). وقد صحح ابن حجر هذه الرواية، وضعف قول من ذهب إلى أنه مات في المدينة, وأنهم كشفوا عن وجهه وصلوا عليه (٧). هل ابن صياد هو الدجال الأكبر؟ مضى في الكلام على أحوال ابن صياد وامتحان النبي ﷺ له ما يدل على أن النبي ﷺ كان متوقفاً في أمر ابن صياد، لأنه لم يوح إليه أنه الدجال ولا غيره. وكان عمر ﵁ يحلف عند النبي ﷺ أن ابن صياد هو الدجال ولم ينكر عليه ذلك رسول الله ﷺ .

стр. 1755

وكان بعض الصحابة ﵃ يرى رأي عمر ويحلف أن ابن صياد هو الدجال كما ثبت ذلك عن جابر, وابن عمر, وأبي ذر. ففي الحديث عن محمد بن المنكدر قال: (رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد هو الدجال. قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ (١). وعن نافع قال: كان ابن عمر يقول: (والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد) (٢). وعن زيد بن وهب قال: قال أبو ذر ﵁: (لأن أحلف عشر مرات أن ابن صائد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به) (٣). وعن نافع قال: ((لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولاً أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله ما أردت من ابن صائد أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: إنما يخرج من غضبة يغضبها)) (٤). وفي رواية عن نافع قال: ((قال ابن عمر: لقيته مرتين قال: فلقيته فقلت لبعضهم هل تحدثون أنه هو؟ قال: لا والله. قال: قلت كذبتني، والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالاً وولداً، فكذلك هو زعموا اليوم. قال فتحدثنا ثم فارقته، قال: فلقيته مرة أخرى، وقد نفرت عينه، قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه، قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت. قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت وأما أنا فوالله ما شعرت. قال: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين فحدثها، فقالت: ما تريد إليه ألم تعلم أنه قد قال: إن أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه)) (٥). وكان ابن صياد يسمع ما يقوله الناس فيه فيتأذى من ذلك كثيراً، ويدافع عن نفسه بأنه ليس الدجال, ويحتج على ذلك بأن ما أخبر به النبي ﷺ من صفات الدجال لا تنطبق عليه. ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((خرجنا حجاجاً أو عماراً ومعنا ابن صائد. قال: فنزلنا منزلاً. فتفرق الناس وبقيت أنا وهو. فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه. قال وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي. فقلت: إن الحر شديد. فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل. قال: فرفعت لنا غنم. فانطلق فجاء بعس. فقال: اشرب. أبا سعيد. فقلت: إن الحر شديد واللبن حار. ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده - أو قال آخذ عن يده -.

стр. 1756

فقال: أبا سعيد! لقد هممت أن آخذ حبلاً فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد! من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ما خفي عليكم معشر الأنصار! ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ : هو كافر. وأنا مسلم؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ : هو عقيم لا يولد له، وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ لا يدخل المدينة ولا مكة. وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة؟ قال أبو سعيد الخدري: حتى كدت أن أعذره. ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن. قال: قلت له: تباً لك سائر اليوم)) (١). وقال ابن صياد في رواية: ((أما والله أني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه. قال: وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ فقال: لو عرض عليَّ ما كرهت)) (٢). وهناك بعض الروايات التي جاءت في شأن ابن صياد تركت ذكرها هنا خشية الإطالة، ولأن بعض المحققين كابن كثير وابن حجر وغيرهما ردوها لضعف أسانيدها (٣). وقد التبس على العلماء ما جاء في ابن صياد وأشكل عليهم أمره, فمن قائل أنه الدجال ويحتج على ذلك بما سبق ذكره من حلف بعض الصحابة ﵃ على أنه الدجال، وبما كان من أمره مع ابن عمر وأبي سعيد ﵃. وذهب بعض العلماء إلى أن ابن صياد ليس هو الدجال، ويحتج على ذلك بحديث تميم الداري ﵁، وقبل أن أسوق أقوال الفريقين أذكر حديث تميم بطوله.

стр. 1757

روى الإمام مسلم بسنده إلى عامر بن شراحيل الشعبي شعب همدان أنه ((سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس – وكانت من المهاجرات الأول – فقال: حدثيني حديثاً سمعتيه من رسول الله ﷺ لا تسنديه إلى أحد غيره فقالت: لئن شئت لأفعلن. فقال لها: أجل حدثيني. فذكرت قصة تأيمها من زوجها واعتدادها عند ابن أم مكتوم. ثم قالت: فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاة جامعة. فخرجت إلى المسجد. فصليت مع رسول الله ﷺ . فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك. فقال: ليلزم كل إنسان مصلاه. ثم قال: أتدرون لما جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة. ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري، كان رجلاً نصرانياً، فجاء فبايع وأسلم. وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام. فلعب بهم الموج شهراً في البحر. ثم أرفؤا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس. فجلسوا في أقرب السفينة. فدخلوا الجزيرة. فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر. لا يدرون ما قبله من دبره. من كثرة الشعر. فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير. فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال فانطلقنا سراعاً. حتى دخلنا الدير. فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً, وأشده وثاقاً, مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري. فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب. ركبنا في سفينة بحرية. فصادفنا البحر حين اغتلم. فلعب بنا الموج شهراً. ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه, فجلسنا في أقربها, فدخلنا الجزيرة, فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر, لا يدري ما قبله من دبره من كثرة الشعر, فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير. فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعاً, وفزعنا منها, ولم نأمن أن تكون شيطانة. فقال: أخبروني عن نخل بيسان؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يثمر؟ قلنا له: نعم, قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر؟ قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم. هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة, ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه. وإني مخبركم عني. إني أنا المسيح. وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج. فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة. غير مكة وطيبة. فهما محرمتان علي كلتاهما, كلما أردت أن أدخل واحدة، أو واحداً منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتا, يصدني عنها. وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها. قالت: قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر: هذه طيبة. هذه طيبة. هذه طيبة يعني المدينة ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم. فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة. ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن. لا بل من قبل المشرق، ما هو. من قبل المشرق، ما هو. من قبل المشرق، ما هو وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ ) (١). قال ابن حجر: وقد توهم بعضهم أنه – أي حديث فاطمة بنت قيس – غريب فرد وليس كذلك, فقد رواه مع فاطمة بنت قيس، أبو هريرة وعائشة وجابر (٢) ﵃. أشراط الساعة ليوسف الوابل- بتصرف - ص: ٢١٩

стр. 1758

المطلب الثاني: أقوال العلماء في ابن صياد قال أبو عبد الله القرطبي: (الصحيح أن ابن صياد هو الدجال بدلالة ما تقدم، وما يبعد أن يكون بالجزيرة في ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر) (١). وقال النووي: (قال العلماء: وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره, ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره وإنما أوحي إليه بصفات الدجال, وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر ﵁: إن يكن هو فلن تستطيع قتله. وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر, وبأنه لا يولد للدجال، وقد ولد له هو، وأن لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة فلا دلالة له فيه لأن النبي ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض، ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكذابين قوله للنبي ﷺ ، أتشهد أني رسول الله؟ ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشاً فوق الماء, وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه, وأعرف مولده, وأين هو الآن، وانتفاخه حتى ملأ السكة، وأما إظهاره الإسلام, وحجه, وجهاده, وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال) (٢). وكلام النووي هذا يفهم منه أنه يرجح كون ابن صياد هو الدجال. وقال الشوكاني: (اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافاً شديداً، وأشكل أمره حتى قيل فيه كل قول، وظاهر الحديث المذكور أن النبي ﷺ كان متردداً في كونه الدجال أم لا؟ .. وقد أجيب عن التردد منه ﷺ بجوابين: الأول: أنه تردد ﷺ قبل أن يعلمه الله بأنه هو الدجال, فلما أعلمه لم ينكر على عمر حلفه. والثاني: أن العرب قد تخرج الكلام مخرج الشك، وإن لم يكن في الخبر شك، ومما يدل على أنه هو الدجال ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: لقيت ابن صياد يوماً – ومعه رجل من اليهود – فإذا عينه قد طفت وهي خارجة مثل عين الحمار، فلما رأيتها قلت: أنشدك الله يا ابن صياد متى طفت عينك؟ قال: لا أدري والرحمن. قلت: كذبت وهي في رأسك. قال: فمسحها ونخر ثلاثا) (٣) (٤) ... والذي يظهر لي من كلام الشوكاني أنه مع القائلين بأن ابن صياد هو الدجال الأكبر.

стр. 1759

وقال البيهقي في سياق كلامه على حديث تميم: (فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر ﷺ بخروجهم، وقد خرج أكثرهم وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمع بينهما بعيد جداً إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه محتلم، ويجتمع به النبي ﷺ ويسأله أن يكون في آخرها شيخاً كبيراً مسجوناً في جزائر البحر موثقاً بالحديد يستفهم عن خبر النبي ﷺ هل خرج أو لا؟ فالأولى أن يحمل على عدم الإطلاع أما عمر فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم ثم لما سمعها لم يعد إلى الحلف المذكور، وأما جابر فشهد حلفه عند النبي ﷺ فاستصحب ما كان اطلع عليه من عمر بحضرة النبي ﷺ (١). قلت: لكن جابر ﵁ كان من رواة حديث تميم كما جاء في رواية أبي داود حيث ذكر قصة الجساسة والدجال بنحو قصة تميم، ثم قال ابن أبي سلمة: إن في هذا الحديث شيئاً ما حفظته، قال: شهد جابر أنه هو ابن صائد. قلت: فإنه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنه قد أسلم. قال: وإن أسلم. قلت: فإنه قد دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة (٢). فجابر ﵁ مُصِرٌّ على أن ابن صياد هو الدجال وإن قيل أنه أسلم ودخل المدينة ومات. وقد تقدم أنه صح عن جابر ﵁ أنه قال: (فقدنا ابن صياد يوم الحرة) (٣). وقال ابن حجر: (أخرج أبو نعيم الأصبهاني في (تاريخ أصبهان) ما يؤيد كون ابن صياد هو الدجال، فساق من طريق شبيل بن عرزة عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما افتتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ, فكنا نأتيها فنختار منها، فأتيتها يوماً فإذا اليهود يزفنون ويضربون فسألت صديقاً لي منهم، فقال: ملكنا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبت عنده على سطح فصليت الغداة، فلما طلعت الشمس إذا الرهج من قبل العسكر فنظرت، فإذا رجل عليه قبة من ريحان، واليهود يزفنون ويضربون، فنظرت فإذا هو ابن صياد فدخل المدينة فلم يعد حتى الساعة) (٤) (٥). قال ابن حجر: (ولا يلتئم خبر جابر هذا (أي فقدهم لابن صياد يوم الحرة) مع خبر حسان بن عبد الرحمن لأن فتح أصبهان كان في خلافة عمر كما أخرجه أبو نعيم في تاريخها، وبين قتل عمر ووقعة الحرة نحو أربعين سنة ويمكن الحمل على أن القصة إنما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة، ويكون جواب (لما) في قوله: (لما افتتحنا أصبهان) محذوفاً تقديره: صرت أتعاهدها وأتردد إليها فجرت قصة ابن صياد، فلا يتحد زمان فتحها وزمان دخولها ابن صياد) (٦). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (أن أمر ابن صياد قد أشكل على بعض الصحابة فظنوه الدجال، وتوقف فيه النبي ﷺ حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، وإنما هو من جنس الكهان أصحاب الأحوال الشيطانية ولذلك كان يذهب ليختبره) (٧). وقال ابن كثير: (والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعاً، لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية، وهو فيصل في هذا المقام) (٨). هذه هي طائفة من أقوال العلماء في ابن صياد وهي كما ترى متضاربة في شأن ابن صياد، ومع كل دليله، ولهذا فقد اجتهد الحافظ ابن حجر في التوفيق بين الأحاديث والأقوال المختلفة فقال: (أقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال، أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقاً، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها، ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح, فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم) (٩). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٢٣٢

стр. 1760

المبحث الرابع: نزول عيسى بن مريم ﵇ أخبرنا الحق ﵎ أن اليهود لم يقتلوا رسوله عيسى بن مريم، قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إليه وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:١٥٧ - ١٥٨]. وأشار الحق في كتابه أن عيسى سينزل في آخر الزمان وأن نزوله سيكون علامة دالة على قرب وقوع الساعة قال تعالى: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ [الزخرف:٦١] كما أخبر أن أهل الكتاب سيؤمنون به قال تعالى: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:١٥٩]، كما أخبرنا رسول الله ﷺ بنزوله فقال: ((ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق)) (١). وقد وصف لنا الرسول ﷺ حاله عند نزوله فقال: ((ليس بيني وبين عيسى نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع على الحمرة والبياض ينزل بين ممصرتين كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل)) (٢). ويكون نزوله في وقت اصطف فيه المقاتلون المسلمون لصلاة الفجر، عن جابر بن عبدالله قال سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة - قال - فينزل عيسى ابن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا. إن بعضكم على بعض أمراء. تكرمة الله هذه الأمة)) (٣). ويحكم بعد نزوله بكتاب الله ﵎، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمَّكم منكم؟)). وقد قال أحد رواة الحديث وهو ابن أبي ذئب للوليد بن مسلم: تدري ما أمكم منكم؟ قال تخبرني، قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ (٤). ويقتل الدجال وهو أول عمل يقوم به بعد نزوله ... ويبقى عيسى في الأرض أربعين عاما كما ثبت ذلك عن أبي هريرة: ((فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون)) (٥) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥٩ أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم، حكما عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية)) (٦) الحديث وفي رواية لمسلم عنه ((والله لينزلن ابن مريم حكماً عادلاً فليكسرن الصليب)) (٧) بنحوه.

стр. 1761

وأخرج مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)) (١). وقال العلامة في (البهجة) (٢): (هو - أي نزول عيسى - ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة أما الكتاب فقوله تعالى وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء: ١٥٩] أي: ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء آخر الزمان، حتى تكون الملة واحدة، ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً، ونوزع في الاستدلال بهذه الآية: وإن الضمير في قوله (قبل موته) لليهود ويؤيده قراءة أبي قبل موتهم (٣). وأما السنة فلا نزاع فيها. وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه متبع لهذه الشريعة المحمدية، وليس بصاحب شريعة مستقلة، عند نزوله من السماء، وإن كانت النبوة قائمة به، ويتسلم الأمر من المهدي، ويكون المهدي مع أصحاب الكهف الذين هم من أتباع المهدي، كما مر من جملة أتباعه ويصلي عيسى وراء المهدي صلاة الصبح كما تقدم، وذلك لا يقدح في نبوته ويسلم المهدي الأمر لعيسى ﵇، وكل ما معه من تابوت بني إسرائيل، ويقتل الدجال). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني– ٢/ ٦١٣

стр. 1762

المبحث الخامس: خروج يأجوج ومأجوج • المطلب الأول: أصل تسميتهما ونسبهما. • المطلب الثاني: هلاك يأجوج ومأجوج وطيب العيش وبركته بعد موتهم.

стр. 1763

المطلب الأول: أصل تسميتهما ونسبهما اختلف العلماء في اشتقاق الكلمتين فقيل: هما اسمان أعجميان منعا من الصرف للعلمية والعجمة، وعلى هذا فليس لهما اشتقاق؛ لأن الأعجمية لا تشتق من العربية. وقيل: بل هما عربيان، واختلف في اشتقاقهما، فقيل: من أجيج النار وهو التهابها، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: من الأج وهو سرعة العدو، وقيل: من الأجّة بالتشديد وهي الاختلاط والاضطراب. وعند جمهور القراء: ياجوج وماجوج بدون همز، وأما قراءة عاصم فهي بالهمزة الساكنة فيهما. والخلاصة من هذا: أن جميع ما ذكر في اشتقاقهما مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق من ماج قوله تعالى: وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف:٩٩] وذلك حين يخرجون من السد. وقد اختلف في نسبهم، فقيل: إنهم من ذرية آدم. والذي رجحه الحافظ ابن حجر ﵀ أنهم قبيلتان من ولد يافث بن نوح. فهما من ولد آدم وحواء، ويؤيد ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول ﷺ : ((يقول الله يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف (أراه قال) تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:٢]. فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي ﷺ : ((من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد ... )) (١) الحديث. أشراط الساعة لعبد الله بن سليمان الغفيلي - ص ١٧٣

стр. 1764

المطلب الثاني: هلاك يأجوج ومأجوج وطيب العيش وبركته بعد موتهم ففي حديث النواس بن سمعان ﵁ الطويل أن الرسول ﷺ قال فيه: ((ويحاصر عيسى ابن مريم وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفسٍ واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم، ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧١

стр. 1765

المبحث السادس: دروس الإسلام ورفع القرآن وفناء الأخيار عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب لا يدري ما صيام ولا صدقة ولا نسك ويسري على كتاب الله في ليلةٍ فلا يبقى في الأرض منه آية ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها)) (١). وهذه البقية التي لا تعرف من الإسلام إلا كلمة التوحيد تفنى وتبيد: عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)) (٢). ومن دروس الإسلام أن تنقطع عبادة الحج فلا حج ولا عمرة: عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت)) (٣) وذلك بعد انبعاث الريح الطيبة وقبضها الصالحين أما قبل ذلك فإن عبادة البيت مستمرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج)) (٤). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧٧

стр. 1766

المبحث السابع: عودة البشرية إلى الجاهلية وعبادة الأوثان وهو ما يترتب على دروس الإسلام ورفع القرآن وفناء الأخيار، فتطيع البشرية الشيطان وتعبد الأوثان. ففي حديث عبدالله بن عمرو: ((ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه)) قال سمعتها من رسول الله ﷺ – قال: ((فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيقول ألا تستجيبون فيقولون: فما تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم ثم ينفخ في الصور ... )) (١) ومن الأوثان التي تعبد ذو الخلصة طاغية دوس واللات والعزى، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة)) (٢). وذو الخلصة: طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية. وعن عائشة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى)). فقلت يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:٣٣] أن ذلك تاماً قال: ((إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم)) (٣) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٨٠

стр. 1767

المبحث الثامن: هدم الكعبة على يد ذي السويقتين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((يبايع لرجل ما بين الركن والمقام ولن يستحل البيت إلا أهله فإذا استحلوه فلا يسأل عن هلكة العرب ثم تأتي الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده أبدا وهم الذين يستخرجون كنزه)) (١). وعن عبدالله بن عمرو قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله)) (٢). وقد يقال كيف يهدمها وقد جعل الله مكة حرما آمنا؟ الجواب: أن معناه آمنا إلى قرب يوم القيامة وخراب الدنيا. هكذا قال النووي، وهذا صحيح إذا كان الهدم في ذلك الوقت، وإلا فإن الأمر حكم شرعي ألزم الله به عباده فإذا تمرد متمرد وانتهك حرمة الحرم فقد يمنعه الله كما فعل بأبرهة وقد لا يمنعه لحكمة يعلمها كما فعل القرامطة. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٨٣

стр. 1768

المبحث التاسع: الخسوفات الثلاثة معنى الخسف: يقال خسف المكان يخسف خسوفاً إذا ذهب في الأرض وغاب فيها ومنه قوله تعالى: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ [القصص: ٨١]. والخسوفات الثلاثة التي هي من أشراط الساعة جاء ذكرها في الأحاديث ضمن العلامات الكبرى. الأدلة من السنة المطهرة على ظهور الخسوفات: ١ - عن حذيفة بن أسيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: فذكر منها ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب, وخسف بجزيرة العرب)) (١). ٢ - وعن أم سلمة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سيكون بعدي خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب, وخسف بجزيرة العرب)) (٢). هل وقعت هذه الخسوفات؟ وهذه الخسوفات الثلاثة لم تقع بعد كغيرها من الأشراط الكبرى التي لم يظهر شيء منها, وإن كان بعض العلماء يرى أنها قد وقعت كما ذهب إلى ذلك الشريف البرزنجي (٣) , ولكن الصحيح أنه لم يحدث شيء منها إلى الآن, وإنما وقع بعض الخسوفات في أماكن متفرقة, وفي أزمان متباعدة, وذلك من أشراط الساعة الصغرى. أما هذه الخسوفات الثلاثة فتكون عظيمة وعامة لأماكن كثيرة من الأرض في مشارقها, ومغاربها, وفي جزيرة العرب. قال ابن حجر: (وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدراً زائداً على ما وجد كأن يكون أعظم منه مكاناً أو قدراً) (٤). ويؤيد هذا ما جاء في الحديث أنها إنما تقع إذا كثر الخبث في الناس وفشت فيهم المعاصي. والله أعلم. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٢٩٧

стр. 1769

المطلب الأول: طلوع الشمس من مغربها طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى وهو ثابت بالكتاب والسنة. الأدلة على وقوع ذلك: (أ) الأدلة من القرآن الكريم: قال الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ [الأنعام: ١٥٨]. فقد دلت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوع الشمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين (١). قال الطبري بعد ذكره لأقوال المفسرين في هذه الآية: (وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: ذلك حين تطلع الشمس من مغربها) (٢). وقال الشوكاني: (فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه فهو واجب التقديم له محتم الأخذ به) (٣). الأحاديث الدالة على طلوع الشمس من مغربها كثيرة، وإليك جملة منها: ١ - روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذاك حين لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨])) (٤). ٢ - وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان)) فذكر الحديث وفيه ((وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذاك حين لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨])) (٥). ٣ - وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها)) (٦). ٤ - وتقدم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط الساعة الكبرى فذكر منها: ((طلوع الشمس من مغربها)) (٧). ٥ - وروى الإمام أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: " حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها)) (٨). ٦ - وعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال يوماً: ((أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم)) (٩). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٣٠٥

стр. 1770

المطلب الثاني: غلق باب التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها إذا طلعت الشمس من مغربها فإنه لا يقبل الإيمان ممن لم يكن قبل ذلك مؤمناً، كما لا تقبل توبة العاصي، وذلك لأن طلوع الشمس من مغربها آية عظيمة يراها كل من كان في ذلك الزمان، فتنكشف لهم الحقائق، ويشاهدون من الأهوال ما يلوي أعناقهم إلى الإقرار والتصديق بالله وآياته، وحكمهم في ذلك حكم من عاين بأس الله تعالى كما قال : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. قال القرطبي: (قال العلماء: وإنما لا ينفع نفساً إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة، في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت) (١). وقال ابن كثير: (إذا أنشأ الكافر إيماناً يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمناً قبل ذلك فإن كان مصلحاً في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلطاً فأحدث توبة حينئذٍ لم تقبل منه توبة) (٢). وهذا هو الذي جاء به القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة فإن الله تعالى: قال: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ [الأنعام: ١٥٨]. وقال ﷺ : ((لا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة, ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب, فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه, وكفى الناس العمل)) (٣). وقال ﵊: ((إن الله جعل بالمغرب باباً عرضه مسيرة سبعين عاماً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله ﵎: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا)) الآية)) (٤). ويرى بعض العلماء أن الذين لا يقبل إيمانهم هم الكفار الذين عاينوا طلوع الشمس من مغربها، أما إذا امتد الزمان ونسي الناس ذلك فإنه يقبل إيمان الكفار وتوبة العصاة (٥).

стр. 1771

قال القرطبي: قال ﷺ : ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) (١) أي تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة ومقعده من النار، فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله، وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك، أو كان كالشاهد له مردودة ما عاش لأن علمه بالله تعالى وبنبيه ﷺ وبوعده قد صار ضرورة، فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان ولا يتحدثون عنه إلا قليلاً، فيصير الخبر عنه خاصاً وينقطع التواتر عنه، فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قبل منه والله أعلم (٢). وأيد ذلك بما روي (أن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس ويغربان) (٣). وبما روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : ((يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة)) (٤). وروي عن عمران بن حصين أنه قال: ((إنما لم تقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة فيهلك فيها كثير من الناس فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت ثم هلك لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته)) (٥). والجواب على هذا: أن النصوص دلت على أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها وأن الكافر لا يقبل منه الإسلام، ولم تفرق النصوص بين من شاهد هذه الآية وبين من لم يشاهدها. والذي يؤيد هذا ما رواه الطبري عن عائشة ﵂ قالت: ((إذا خرج أول الآيات: طرحت الأقلام، وحبست الحفظة وشهدت الأجسام على الأعمال)) (٦). والمراد بأول الآيات هنا هو طلوع الشمس من مغربها, أما ما كان قبل طلوعها من الآيات فإن الأحاديث تدل على قبول التوبة والإيمان في ذلك الوقت. وروى ابن جرير الطبري أيضاً عن عبد الله (بن مسعود) ﵁ قال: ((التوبة مبسوطة ما لم تطلع الشمس من مغربها)) (٧). وروى الإمام مسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يبسط يده بالليل، ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار، ليتوب مسيء الليل. حتى تطلع الشمس من مغربها)) (٨) فجعل ﷺ غاية قبول التوبة هو طلوع الشمس من مغربها. وقد ذكر ابن حجر أحاديث وآثار كثيرة تدل على استمرار قفل باب التوبة إلى يوم القيامة. ثم قال: (فهذه آثار يشد بعضها بعضاً متفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع بل يمتد إلى يوم القيامة) (٩). وأما ما استدل به القرطبي فالجواب عنه أن حديث عبد الله بن عمرو قال فيه الحافظ ابن حجر: (رفع هذا لا يثبت)، وحديث عمران بن حصين (لا أصل له) (١٠). وأما حديث (أن الشمس والقمر يكسيان الضوء والنور .. ) إلخ فلم يذكر له القرطبي سنداً. وعلى فرض ثبوته فإن عودتهما إلى ما كانا عليه ليس فيه دليل على أن باب التوبة قد فتح مرة أخرى، وذكر الحافظ أنه وقف على نص فاصل في هذا النزاع وهو حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكر فيه طلوع الشمس من المغرب وفيه يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ [الأنعام: ١٥٨] (١١) أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٣١٠

стр. 1772

المبحث الحادي عشر: خروج الدابة وهي التي ذكرها تعالى: في قوله: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:٨٢] وعن أبي أمامة يرفعه إلى النبي ﷺ قال: ((تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ثم يغمرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير فيقول ممن اشتريته فيقول اشتريته من أحد المخطمين)) (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٨٦

стр. 1773

المبحث الثاني عشر: النار التي تحشر الناس • المطلب الأول: كيفية حشرها للناس. • المطلب الثاني: أرض المحشر. • المطلب الثالث: هذا الحشر في الدنيا.

стр. 1774

المطلب الأول: كيفية حشرها للناس عند ظهور هذه النار العظيمة من اليمن تنتشر في الأرض, وتسوق الناس إلى أرض المحشر، والذين يحشرون على ثلاثة أفواج: الأول: فوج راغبون طاعمون كاسون راكبون. والثاني: وفوج يمشون تارة ويركبون أخرى يعتقبون على البعير الواحد كما سيأتي في الحديث اثنان على بعير وثلاثة على بعير إلى أن قال: وعشرة على بعير يعتقبونه وذلك من قلة الظهر يومئذ. والفوج الثالث: تحشرهم النار فتحيط بهم من ورائهم, وتسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر, ومن تخلف منهم أكلته النار (١). ومما جاء من الأحاديث في بيان كيفية حشر هذه النار للناس: ١ - روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير. وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا)) (٢). ٢ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا, وتقيل معهم حيث قالوا, يكون لها ما سقط منهم وتخلف, وتسوقهم سوق الجمل الكسير)) (٣). ٣ - وعن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: قام أبو ذر ﵁ فقال: يا بني غفار قولوا ولا تختلفوا فإن الصادق المصدوق حدثني ((أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين, وفوج يمشون ويسعون, وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار. فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: يلقي الله الآفة على الظهر فلا يبقى ظهر، حتى أن الرجل ليكون له الحديقة المعجبة فيعطيها بالشارف ذات القتب فلا يقدر عليها)) (٤). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٣٢٩

стр. 1775

المطلب الثاني: أرض المحشر يحشر الناس إلى الشام في آخر الزمان وهي أرض المحشر كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة: منها ما روي عن ابن عمر ﵄ في ذكر خروج النار وفيه ((قال: قلنا يا رسول الله فماذا تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام)) (١). وروى الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية البهزي عن أبيه فذكر الحديث وفيه قوله ﷺ : ((هاهنا تحشرون، هاهنا تحشرون، هاهنا تحشرون - ثلاثاً - ركباناً, ومشاة, وعلى وجوهكم)) قال ابن أبي بكير: فأشار بيده إلى الشام فقال: إلى هاهنا تحشرون (٢). وفي رواية الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت: يا رسول الله أين تأمرني؟ قال: ((هاهنا ونحا بيده نحو الشام)) (٣). وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ستكون هجرة بعد هجرة, ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم, لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها, تلفظهم أرضوهم, تنذرهم نفس الله, تحشرهم النار مع القردة والخنازير, تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا, وتأكل من تخلف)) (٤). قال ابن حجر: (وفي تفسير ابن عيينة عن ابن عباس: من شك أن المحشر هاهنا يعني الشام فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول الله ﷺ يومئذ: اخرجوا, قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر) (٥). والسبب في كون أرض الشام هي أرض المحشر أن الأمن والإيمان حين تقع الفتن في آخر الزمان يكون بالشام. وقد جاء في فضله والترغيب في سكناه أحاديث صحيحة منها ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : ((بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي؛ فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام)) (٦). وأخرج الطبراني عن عبد الله بن حوالة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((رأيت ليلة أسري بي عموداً أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة. قلت: ما تحملون؟ فقالوا: عمود الكتاب أمرنا أن نضعه بالشام)) (٧). وروى أبو داود بسنده إلى عبد الله بن حوالة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة, جند بالشام, وجند باليمن, وجند بالعراق, قال ابن حوالة: خر لي يا رسول الله إن أدركت ذلك, فقال: عليك بالشام, فإنها خيرة الله من أرضه, يجتبي إليها خيرته من عباده, فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم, واسقوا من غدركم, فإن الله توكل لي بالشام وأهله)) (٨). وقد دعا رسول الله ﷺ للشام بالبركة كما ثبت في الصحيح عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا)) (٩). وقد تقدم أن نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان يكون بالشام, وبه يكون اجتماع المؤمنين لقتال الدجال. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٣٣١

стр. 1776

المطلب الثالث: هذا الحشر في الدنيا هذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون في الدنيا، وليس المراد به حشر الناس بعد البعث من القبور, وقد ذكر القرطبي أن الحشر معناه الجمع وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة: أما حشران الدنيا: فالأول: إجلاء بني النضير إلى الشام. والثاني: حشر الناس قبل القيامة إلى الشام وهي النار المذكورة هنا في الأحاديث (١). وكون هذا الحشر في الدنيا هو الذي أجمع عليه جمهور العلماء كما ذكر ذلك القرطبي, وابن كثير, وابن حجر, وهو الذي تدل عليه النصوص كما تقدم بسطها. وذهب بعض العلماء كالغزالي (٢) والحليمي إلى أن هذا الحشر ليس في الدنيا (٣) وإنما هو في الآخرة. وذكر ابن حجر أن بعض شراح (المصابيح) حمله على الحشر من القبور, واحتجوا على ذلك بعدة أمور: أن الحشر إذا أطلق في عرف الشرع إنما يراد به الحشر من القبور ما لم يخصه دليل. أن هذا التقسيم في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى الشام, لأن المهاجر لا بد أن يكون راغباً, أو راهباً, أو جامعاً بين الصفتين. أن حشر البقية على ما ذكر, وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة, وملازمتها حتى لا تفارقهم قول لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا على أهل الشقوة من غير توقيف. أن الحديث يفسر بعضه بعضاً, وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة, وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن علي بن زيد عن أوس بن أبي أوس عن أبي هريرة بلفظ: ((ثلاثاً على الدواب، وثلاثاً ينسلون على أقدامهم, وثلاثاً على وجوههم)) وهذا التقسيم الذي في هذا الخبر موافق لما جاء في سورة الواقعة في قوله تعالى: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] (٤). والإجابة عما احتجوا به يتخلص فيما يأتي: أن الدليل قد جاء بأن هذا الحشر في الدنيا كما سبق ذكر الأحاديث في ذلك. أن التقسيم المذكور في آيات سورة الواقعة لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة, فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر, ويسرة من الزاد, راغباً فيما يستقبله, راهباً فيما يستدبره, وهم الصنف الأول في الحديث. ومن توانى حتى قلَّ الظهر اشتركوا فيه وهم الصنف الثاني. والصنف الثالث هم الذين تحشرهم النار وتسحبهم الملائكة. أنه تبين من شواهد الأحاديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة, وإنما هي نار تخرج في الدنيا أنذر النبي ﷺ بخروجها, وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة. أن الحديث الذي احتجوا به من رواية علي بن زيد وهو مختلف في توثيقه لا يخالف الأحاديث التي بينت أن هذا الحشر في الدنيا, وقد وقع في حديث علي بن زيد المذكور عند الإمام أحمد أنهم ((يتقون بوجوههم كل حدب وشوك)) (٥) , وأرض الموقف يوم القيامة أرض مستوية لا عوج فيها, ولا أكمة, ولا حدب, ولا شوك (٦).

стр. 1777

قال النووي: قال العلماء: وهذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة وقبيل النفخ في الصور بدليل قوله ﷺ : ((تحشر بقيتهم النار تبيت معهم وتقيل, وتصبح وتمسي)) (١) (٢). وقال الحافظ ابن كثير بعد ذكر للأحاديث الواردة في خروج النار مبيناً أن هذا الحشر في الدنيا: (فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدنيا من أقطار الأرض إلى محلة المحشر، وهي أرض الشام .. وهذا كله مما يدل على أن هذا في آخر الزمان حيث الأكل والشرب, والركوب على الظهر المشترى وغيره, وحيث تهلك المتخلفين منهم النار, ولو كان هذا بعد نفخة البعث لم يبق موت، ولا ظهر يشترى، ولا أكل ولا شرب, ولا لبس في العرصات) (٣). وأما حشر الآخرة فإنه قد جاء في الأحاديث أن الناس مؤمنهم وكافرهم يحشرون حفاة عراة غرلاً بهماً, ففي الصحيح عن ابن عباس قال: قام فينا النبي ﷺ فقال: ((إنكم تحشرون حفاة عراة غرلاً كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: ١٠٤])) (٤). قال ابن حجر: (ومن أين للذين يبعثون بعد الموت عراة حفاة حدائق حتى يدفعونها في الشوارف؟) (٥). فدل هذا على أن هذا الحشر يكون في الدنيا قبل يوم القيامة، ومن ذهب إلى خلاف ذلك فقد جانب الحق والله تعالى أعلم. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٣٣٤

стр. 1778

الفصل الرابع: ثمرات الإيمان بأشراط الساعة إن قيام الساعة الذي يعني نهاية هذا العالم، هو من أعظم الأحداث بعد خلق العالم، بل إن تغيير النظام الكوني وإيجاد نظام آخر حدث يعدل خلق العالم أول مرة؛ ولذلك تسبقه أحداث كبرى خارقة للعادة، تكون كالمقدمة له. ولهذا الإيمان ثمرات وفوائد نحاول أن نجملها فيما يلي: أولاً: تحقيق ركن من أركان الإيمان الستة، وهو الإيمان باليوم الآخر، باعتبار أن أشراط الساعة من مقدماته، كما أنها من الإيمان بالغيب الذي قال فيه : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣]، وقال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم, وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)) (١) ... ثانياً: إشباع الرغبة الفطرية في الإنسان التي تتطلع لاستكشاف ما غاب عنه، واستطلاع ما يحدث في المستقبل من وقائع وكائنات، وإذا كان الإسلام سد طرق الدجالين الذين يدعون الاطلاع عليها؛ كالمنجمين، والعرّافين، والكهان، ونحوهم إلا أنه - استجابة لأشواق الفطرة - أطلعنا - من خلال نافذة الوحي- على كثير من هذه الأحداث (٢). ثالثاً: أن الإخبار عن الغيوب المستقبلة - باعتبار ما فيها من خرقٍ للعادة - من أهم دلائل النبوة؛ حيث إنها تتضمن تحدياً لعقول البشر أجمعين، فهذه أمور غيبية لا تدرك بالعقل، ولا يمكن معرفة كنهها على الحقيقة إلا من خلال الوحي الصادق من الله تعالى، إلى رسوله ﷺ ، وقد صدرت منه لا على أنها توقعات تعتمد على مقدمات تؤدي إلى نتائجها، وإنما هي حديث دقيق قاطع عن تفاصيل المستقبل المجهول، حديثاً لا يحرمه المستقبل، ولا في جزء من أجزائه، وحينئذ فلا شك أنها النبوة، وأن صاحبها متصل بالله- تعالى- عالم الغيب والشهادة؛ كما قال : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ [الجن:٢٦ - ٢٧] , ومن ثمرات وقوع تلك المغيبات - على كثرتها - مطابقة لخبر الصادق المصدوق ﷺ أن يثبت إيمان المؤمن، ويطمئن قلبه، ويزداد يقينه، ويقول كما قص الله عن المؤمنين: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢] ومن ثمرات ذلك أيضاً إقامة الحجة على الكافرين، وإقناعهم بصدق نبوة ورسالة محمد ﷺ إلى العالمين. رابعاً: تعلم الكيفية الصحيحة التي دلنا عليها رسول الله ﷺ ، كي نتعامل بها مع بعض الأحداث المقبلة التي قد يلتبس علينا وجه الحق فيها.

стр. 1779

قال تعالى: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ١٢٨]، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ((كنا مع رسول الله صلى عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلاً)) ... الحديث وفيه: ((إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنه لم يكن نبي قبلي، إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجئ فتنة، فيرفق بعضها بعضاً، وتجئ الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجئ الفتنة، فيقول المؤمن: هذه، هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)) ... الحديث (١). لقد نصح رسول الله ﷺ أصحابه الذين عاصروه نصائح انتفعوا بها كثيراً: - فقد بشر عثمان ﵁ بالجنة على بلوى تصيبه (٢). - وأخبر عماراً ﵁ أنه تقتله الفئة الباغية (٣). - وأمر أبا ذر ﵁ بأن يعتزل الفتنة، وأن لا يقاتل ولو قتل (٤). - وكان حذيفة ﵁ يسأله عن الشر، مخافة أن يدركه، ودلَّه ﷺ كيف يفعل في الفتن (٥). - ونهى المسلمين عن أخذ شيء من جبل الذهب الذي سوف ينحسر عنه الفرات (٦). - وبصر أمته بفتنة الدجال، وأفاض في وصفها، وبين لهم ما يعصمهم منها؛ ومن ثم قال عبد الرحمن المحاربي: (ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب)، وقال السفاريني ﵀: (مما ينبغي لكل عالم أن يبث أحاديث الدجال بين الأولاد، والنساء والرجال، ولا سيما في زماننا هذا الذي اشرأبت فيه الفتن، وكثرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن) (٧).اهـ.

стр. 1780

وامتدت شفقته ﷺ ؛ لتشمل إخوانه الذين يأتون من بعده، ولم يروه؛ فبذل لهم النصح، ودلهم على ما فيه نجاتهم، وحسن عاقبتهم. فمن ذلك قوله ﷺ : ((اتركوا الترك ما تركوكم)) (١) ... الحديث. فمن ثم أمسك المسلمون عن استفزاز واستثارة الترك، فسلموا من غائلتهم, إلى أن خالفوا التوجيه النبوي، قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى-: (وقد قتل جنكيزخان من الخلائق ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، ولكن كان البداءة من (خوارزم شاه)، فإنه لما أرسل جنكيز خان تجاراً من جهته معهم بضائع كثيرة من بلاده، فانتهوا إلى إيران، فقتلهم نائبها من جهة خوارزم شاه، وأخذ جميع ما كان معهم، فأرسل جنكيزخان إلى خوارزم شاه يستعلمه: هل وقع هذا الأمر عن رضى منه، أو أنه لا يعلم به فأنكره؟ وقال فيما أرسل إليه: (من المعهود من الملوك أن التجار لا يقتلون؛ لأنهم عمارة الأقاليم، وهم الذين يحملون إلى الملوك ما فيه التحف والأشياء النفيسة، ثم إن هؤلاء التجار كانوا على دينك، فقتلهم نائبك، فإن كان أمراً أمرت به، طلبنا بدمائهم، وإلا فأنت تنكره، وتقتص من نائبك)، فلما سمع خوارزم شاه ذلك من رسول جنكيز خان، لم يكن له جواب سوى أنه أمر بضرب عنقه، فأساء التدبير، وقد كان خرف وكبرت سنه، وقد ورد الحديث: ((اتركوا الترك ما تركوكم)) (٢) , فلما بلغ ذلك جنكيز خان، تجهز لقتاله، وأخذ بلاده، فكان بقدر الله - تعالى- ما كان من الأمور التي لم يسمع بأغرب منها، ولا أبشع) (٣) , فهنا نرى أن المسلمين لما خالفوا أمر النبي ﷺ بترك الترك جاءت العاقبة عنيفة مريرة؛ حيث اجتاح التتار ديار الإسلام في كارثة لم يسبق لها مثيل في التاريخ (٤) , وفي أكثر من موضع ذكر الحافظ ابن كثير وقائع القتال بين المسلمين والتتار، وبيَّن أن المسلمين لم يكونوا يتعقبون التتار إذا فروا هاربين أمامهم، ولو كانت الرماح تنالهم؛ ومثال ذلك ما ذكره في حوادث سنة ثلاث وأربعين وست مئة: (وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين جيش الخليفة وبين التتار - لعنهم الله - فكسرهم المسلمون كسرة عظيمة، وفرقوا شملهم، وهزموا من بين أيديهم، فلم يلحقوهم؛ ولم يتبعوهم، خوفاً من غائلة مكرهم، وعملاً بقوله ﷺ : ((اتركوا الترك ما تركوكم)) (٥) (٦). خامساً: فتح باب الأمل، والاستبشار بحسن العاقبة لأهل الإيمان، إذا ادلهمت الخطوب، وضاقت الصدور، مما يعطي المسلمين طاقة يصارعون بها ما يسميه المتخاذلون (الأمر الواقع) , ليصبح عزهم ومجدهم هو الأمر الواقع؛ وذلك بناء على البشارات النبوية بالتمكين للدين، وظهوره على الدين كله, ولوكره الكافرون.

стр. 1781

سادساً: قد تمر بالمسلمين وقائع في مقبل الأيام تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، ولو ترك المسلمون إلى اجتهادهم؛ فإنهم قد يختلفون، وربما يكون نقصاً تنزه الشريعة عنه. فمن ذلك: أن رسول الله ﷺ أخبر أن الدجال يمكث في الأرض أربعين يوماً، يوم من أيامه كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وبقية أيامه كأيامنا، وقد سأل الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ عن تلك الأيام الطويلة: أتكفي في الواحد منها صلاة يوم؟ فقال ﷺ : ((لا، اقدروا له قدره)) (١) , ولو وكل العباد إلى اجتهادهم، لاقتصروا على الصلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غير هذه الأيام. وأخبر الرسول ﷺ أن عيسى- ﵇ بعد نزوله لا يقبل الجزية من اليهود والنصارى، ولا يقبل منهم إلا الإيمان (٢)، وهذا البيان من الرسول ﷺ ضروري؛ لأن عيسى يحكم بهذا الشرع، وهذا الشرع فيه قبول الجزية ممن بذلها إلى حين نزول عيسى ابن مريم، وحين ذاك توضع الجزية، ويقتل كل من رفض الإيمان، ولو بذل الجزية (٣). كما أن نص رسول الله ﷺ على صفات معينة لأشخاص معينين؛ كالمهدي - مثلاً - يمدنا بالمعيار اللازم للحكم على الدجالين المدعين المهدية، حتى لا نتورط في فتنهم. لا يعلم متى الساعة إلا الله وحده: قال- تعالى -: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٧] فقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي، وقوله : إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا [النازعات: ٤٤] (فيه إيذان بأن ما هو من شأن الرب لا يكون للعبد، فهو تعالى قد رباه ليكون منذراً ومبشراً، لا للإخبار عن الغيوب بأعيانها وأوقاتها، والإنذار إنما يناط بالإعلام بالساعة وأهوالها، وسلاسلها وأغلالها، ولا تتم الفائدة منه إلا بإبهام وقتها؛ ليخشى أهل كل زمن إتيانها فيه، والإعلام بوقت إتيانها، وتحديد تاريخها، ينافي هذه الفائدة، بل فيه مفاسد أخرى، فلو قال الرسول ﷺ للناس: إن الساعة تأتي بعد ألفي سنة من يومنا هذا - مثلاً -، وألفا سنة في تاريخ العالم، وآلاف السنين تعد أجلاً قريباً، لرأى المكذبين يستهزئون بهذا الخبر، ويلحون في تكذيبه، والمرتابين يزدادون ارتياباً، حتى إذا ما قرب الأجل وقع المؤمنون في رعب عظيم ينغص عليهم حياتهم، ويوقع الشلل في أعضائهم، والتشنج في أعصابهم، حتى لا يستطيعون عملاً، ولا يسيغون طعاماً ولا شراباً، ومنهم من يخرج من ماله وما يملكه، في حين يكون الكافرون آمنين، يسخرون من المؤمنين ... فالحكمة البالغة - إذاً - في إبهام أمر الساعة للعالم، وكذا الساعة الخاصة بأفراد الناس، أو بالأمم والأجيال، أو جعلها من الغيب الذي استأثر الله - تعالى - به) (٤).

стр. 1782

وقوله تعالى: لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ [الأعراف:١٨٧]، معناه: لا يكشف حجاب الخفاء عنها، ولا يظهرها فيوقتها المحدود عن الرب تعالى إلا هو، فلا وساطة بينه وبين عباده في إظهارها، ولا في الإعلام بميقاتها، وإنما وساطة الرسل، ﵈، في الإنذار بها) (١). ونقل الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ عن الآلوسي، ﵀ وله: (وإنما أخفى سبحانه، أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك، فإنه أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك, ولو قيل بأن الحكمة التكوينية تقتضي ذلك أيضاً لم يبعد، وتدل الآيات على أنه ﷺ لم يعلم وقت قيامها، نعم علم ﷺ قربها على الإجمال وأخبر ﷺ به) (٢) (٣). وقال صاحب المنار، ﵀، تعالى - أيضاً -: (فيجب على المؤمنين أن يخافوا ذلك اليوم، وأن يحملهم الخوف على مراقبة الله تعالى، في أعمالهم؛ فيلتزموا فيها الحق، ويتحروا الخير، ويتقوا الشرور والمعاصي, ولا يجعلوا حظهم من أمر الساعة الجدال, والقيل والقال، وإننا نرى بعض المتأخرين قد شغلوا المسلمين عن ذلك ببحث افتجره بعض الغلاة, وهو أن النبي ﷺ لم يبق طول عمره لا يعلم متى تقوم الساعة، كما تدل عليه آيات القرآن الكثيرة، بل أعلمه الله تعالى به, بل زعم أنه أطلعه على كل ما في علمه، فصار علمه كعلم ربه (٤) , أي صار نداً وشريكاً لله تعالى، في صفة العلم المحيط بالغيوب التي لا نهاية لها، ومن أصول التوحيد أنه تعالى، لا شريك له في ذاته, ولا في صفة من صفاته، والرسول ﷺ عبد الله، لا يعلم من الغيب إلا ما أوحاه الله تعالى إليه، لأداء وظيفة التبليغ، ولكن الغلاة يرون من التقصير في مدح النبي ﷺ وتعظيمه أن تكون صفاته دون صفات ربه وإلهه، وخالق الخلق أجمعين، فكذبوا كلام الله تعالى, وشبهوا به بعض عبيده، إرضاء لغلوهم, ومثل هذا الغلو لم يعرف عن أحد من سلف هذه الأمة, ولو أراد الله تعالى أن يعلم رسوله ﷺ بوقت قيام الساعة بعد كل ما أنزله عليه في إخفائها واستئثاره بعلمه لما أكده كل هذا التأكيد في هذه السورة وغيرها، كقوله : يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا [الأعراف:١٨٧] ا. هـ. الحكمة في تقديم أشراط الساعة ودلالة الناس عليها: ثبت في حديث جبريل المشهور أنه قال لرسول الله ﷺ : ((فأخبرني عن الساعة)) فقال ﷺ : ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) , قال: ((فأخبرني عن أمارتها)) (٥) وفي رواية قال: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها ... )) الحديث (٦). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (والحكمة في تقدم الأشراط إيقاظ الغافلين، وحثهم على التوبة والاستعداد) (٧). ونقل القرطبي ﵀ عن العلماء قولهم: (والحكمة في تقديم الأشراط ودلالة الناس عليها، تنبيه الناس عن رقدتهم، وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة، كي لا يباغتوا بالحول بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم, وانقطعوا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها، والله أعلم، وتلك الأشراط علامة لانتهاء الدنيا وانقضائها) (٨) المهدي وفقه أشراط الساعة لمحمد أحمد المقدم - ص:٥٨٩ - ٥٩٧

стр. 1783

تمهيد في سر تعدد أسماء يوم القيامة: قد سمى الله هذا اليوم بعدة أسماء؛ تنويها بشأنه وتنبيها للعباد ليخافوا منه؛ فسماه اليوم الآخر؛ لأنه بعد الدنيا وليس بعده يوم غيره. وسماه يوم القيامة؛ لقيام الناس فيه لربهم. وسماه الواقعة والحاقة والقارعة والراجفة والصاخة والآزفة والفزع الأكبر ويوم الحساب ويوم الدين والوعد الحق ... وكلها أسماء تدل على عظم شأنه وشدة هوله وما يلقاه الناس فيه من الشدائد والأهوال؛ فهو يوم تشخص فيه الأبصار، وتطير القلوب عن أماكنها حتى تبلغ الحناجر ...... وسمي باليوم الآخر لتأخره عن الدنيا، وله أسماء كثيرة في القرآن الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد لصالح بن فوزان الفوزان - بتصرف

стр. 1784

- يوم القيامة: لأن فيه قيام الناس للحساب. وسمي يوم القيامة، لقيام أمور ثلاثة فيه: الأول: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، كما قال تعالى: لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٥ - ٦]. الثاني: قيام الأشهاد الذين يشهدون للرسل وعلى الأمم، لقوله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر: ٥١]. الثالث: قيام العدل، لقوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:٤٧]. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٢/ ٢٥٧

стр. 1785

- اليوم الآخر: قال تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية الكريمة. - الآخرة: قال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦ - ١٧]. قال ابن حجر ﵀ في سبب تسميته باليوم الآخر: (وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك لأنه آخر أيام الدنيا, أو آخر الأزمنة المحدودة) (١). وعلى هذا فالمراد باليوم الآخر أمران: الأول: فناء هذه العوالم كلها وانتهاء هذه الحياة بكاملها. الثاني: إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها. فدل لفظ اليوم الآخر على آخر يوم من أيام هذه الحياة وعلى اليوم الأول والأخير من الحياة الثانية، إذ هو يوم واحد لا ثاني له فيها البتة (٢).

стр. 1786

- يوم الآزفة: قال تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨]، والمراد بالآزفة (يوم القيامة، سميت بذلك لقربها؛ إذ كل آت قريب) (١).

стр. 1787

- يوم البعث: قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم: ٥٦]. وسمي يوم البعث لما يقع فيه من إحياء الموتى, وإخراجهم من قبورهم.

стр. 1788

- يوم التغابن: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن: ٩]. (وسمي يوم القيامة يوم التغابن لأنه غبن فيه أهل الجنة أهل النار، أي أن أهل الجنة أخذوا الجنة وأخذ أهل النار النار على طريق المبادلة، فوقع الغبن لأجل مبادلتهم الخير بالشر, والجيد بالرديء) (١).

стр. 1789

- يوم التلاق: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٥ - ١٦]. سمي يوم التلاق: قال ابن عباس وقتادة: (يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض) (١). وقال قتادة أيضاً، وأبو العالية، ومقاتل: (يلتقي فيه الخلق والخالق) (٢)، وقيل: (العابدون والمعبودون) (٣)، وقيل: (الظالم والمظلوم) (٤)، وقيل: (يلقى كل إنسان جزاء عمله) (٥)، وقيل: (يلتقي الأولون والآخرون على صعيد واحد) (٦). قال القرطبي: وكله صحيح (٧).

стр. 1790

- يوم التناد: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ [غافر: ٣٢]. سمي بذلك: لمناداة الناس بعضهم بعضاً، فينادي أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء، وينادي المنادي أيضاً بالشقوة والسعادة: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وهذا عند وزن الأعمال، وتنادي الملائكة أصحاب الجنة: أن تلكموا الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، وينادى حين يذبح الموت: ((يا أهل الجنة، خلود لا موت، ويا أهل النار, خلود لا موت)) (١)، وينادى كل قوم بإمامهم، إلى غير ذلك من النداء (٢).
следующие страницы →