- يوم الآزفة:
قال تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨]، والمراد بالآزفة (يوم القيامة، سميت بذلك لقربها؛ إذ كل آت قريب) (١).
стр. 1787
- يوم البعث:
قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم: ٥٦].
وسمي يوم البعث لما يقع فيه من إحياء الموتى, وإخراجهم من قبورهم.
стр. 1788
- يوم التغابن:
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن: ٩].
(وسمي يوم القيامة يوم التغابن لأنه غبن فيه أهل الجنة أهل النار، أي أن أهل الجنة أخذوا الجنة وأخذ أهل النار النار على طريق المبادلة، فوقع الغبن لأجل مبادلتهم الخير بالشر, والجيد بالرديء) (١).
стр. 1789
- يوم التلاق:
رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٥ - ١٦]. سمي يوم التلاق: قال ابن عباس وقتادة: (يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض) (١).
وقال قتادة أيضاً، وأبو العالية، ومقاتل: (يلتقي فيه الخلق والخالق) (٢)، وقيل: (العابدون والمعبودون) (٣)، وقيل: (الظالم والمظلوم) (٤)، وقيل: (يلقى كل إنسان جزاء عمله) (٥)، وقيل: (يلتقي الأولون والآخرون على صعيد واحد) (٦). قال القرطبي: وكله صحيح (٧).
стр. 1790
- يوم التناد:
وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ [غافر: ٣٢]. سمي بذلك: لمناداة الناس بعضهم بعضاً، فينادي أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء، وينادي المنادي أيضاً بالشقوة والسعادة: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وهذا عند وزن الأعمال، وتنادي الملائكة أصحاب الجنة: أن تلكموا الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، وينادى حين يذبح الموت: ((يا أهل الجنة، خلود لا موت، ويا أهل النار, خلود لا موت)) (١)، وينادى كل قوم بإمامهم، إلى غير ذلك من النداء (٢).
стр. 1791
– يوم الجمع:
لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ [الشورى: ٧]. وسمي يوم الجمع لأنه (يوم يجمع الله الأولين والآخرين، والإنس والجن، وأهل السماء وأهل الأرض، وقيل: هو يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله، وقيل: لأنه يجمع فيه بين الظالم والمظلوم، قيل: لأنه يجمع فيه بين كل نبي وأمته، وقيل: لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي) (١).
стр. 1792
- يوم الحساب:
وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [غافر: ٢٧]. وسمي يوم الحساب: لأن الباري سبحانه يعدد على الخلق أعمالهم، من إحسان وإساءة، يعدد عليهم نعمه ثم يقابل البعض بالبعض (١).
أو هو: (توقيف الله عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم، خيراً كانت أو شراً) (٢).
стр. 1793
– الحاقة:
الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١ - ٣]. وسميت بذلك: لأنها (تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال)، وقيل: لأنها أحقت لكل عامل عمله، وقيل: لأنها أحقت لكل قوم أعمالهم (١)، وقيل: سميت حاقة لأنها كانت من غير شك، وقيل: سميت بذلك لأنها أحقت لأقوام النار (٢).
стр. 1794
- يوم الحسرة:
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [مريم: ٣٩]. وسمي يوم الحسرة لأنه: يتحسر فيه الكافر على كفره, والظالم على ظلمه, والمسيء على إساءته (١).
ويتحسر الكافر كذلك حينما ييأس من دخول الجنة ويرى ما فاته من النعيم (٢).
стр. 1795
- يوم الخلود:
ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق: ٣٤]. سماه يوم الخلود لأنه لا انتهاء له بل هو دائم أبداً (١).
стр. 1796
- يوم الخروج:
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق: ٤٢]. وسمي يوم الخروج: لخروج الناس فيه من قبورهم للبعث (١).
стр. 1797
- يوم الدين:
مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤].
الدين هنا بمعنى الجزاء، وعن ابن عباس أنه قال: (يوم الدين: يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم؛ إن خيراً فخير, وإن شراً فشر، إلا من عفا عنه) (١).
قال ابن كثير – ﵀: (وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف وهو ظاهر) (٢).
стр. 1798
- الساعة:
إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه: ١٥].
وقد اختلف الناس في معنى كلمة الساعة إلى أقوال عديدة: فقال البرديسي: الساعة لغة: اسم لطائفة من الزمن مبهمة، وأقل ما يطلق عليه اسم الساعة طرفة عين أو أخذ نفس ورده، وهي نكرة، وكل نكرة تقبل التعريف والتنكير إلا هذه؛ فإن الألف واللام قد لزمتها على وجه التغليب كالثريا ونحوها، والمراد يوم القيامة.
وقال بعضهم: الساعة من أصل الوضع مقدار من الزمان غير معين كقوله: كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ [يونس: ٤٥].
وفي لسان أهل الشرع: القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعات الدنيا، أو أنها تقع بغتة، وصارت علماً بالغلبة كالكوكب للزهرة، والساعة في عرف الفلكيين جزء من أربعة وعشرين جزءاً من أوقات الليل والنهار.
وقال بعضهم: سميت بذلك لأنها بالنسبة إلى كمال قدرته وجلاله كساعة واحدة، أو من باب تسمية الكل بلفظ البعض، ويجوز أن يراد بالساعة أول ساعة من الآخرة، وقيل: هي عبارة عن آخر ساعات الدنيا، وقيل: الساعة عبارة عن انقراض الدنيا (١).
стр. 1799
- الصاخة:
فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:٣٣ - ٣٧].
والصاخة هي: صيحة القيامة لأنها تصخ الآذان أي تصمها (١).
والصاخة: لفظ ذو جرس عنيف نافذ يكاد يخرق صماخ الأذن وهو يشق الهواء شقاً حتى يصل إلى الآذان صاخاً ملحاً (٢).
стр. 1800
– الطامة:
فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى [النازعات: ٣٤ - ٣٥]. قال القرطبي: (معناها الغالبة، من قولك: طم الشيء إذا علا وغلب، ولما كانت تغلب كل شيء كان لها هذا الاسم حقيقة دون كل شيء) (١).
стр. 1801
– الغاشية:
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١]. سميت غاشية لأنها تغشى كل شيء بأهوالها (١).
стр. 1802
- يوم الفصل:
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا [النبأ: ١٧]. وسمي يوم الفصل: لأنه يوم عظمه الله، يفصل الله فيه بين الأولين والآخرين بأعمالهم (١).
стр. 1803
- يوم الفتح:
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [السجدة: ٢٩]. قال في (الفتوحات الإلهية): (يوم الفتح المراد به يوم القيامة الذي هو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم) (١).
وقال الآلوسي: أخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: (يوم الفتح يوم القيامة) (٢). ثم قال: هذا وتفسير يوم الفتح بيوم القيامة ظاهر على القول بأن المراد بالفتح الفصل للخصومة. ثم ذكر ما قيل من تفسير يوم الفتح بأنه يوم بدر، أو يوم فتح مكة، وما إلى ذلك من أقوال علماء التفسير وهي مرجوحة، والراجح هو ما تقدم من تفسيره بيوم القيامة (٣) ...
стр. 1804
- القارعة:
الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ [القارعة: ١ - ٣]. (سميت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها) (١).
стр. 1805
- الواقعة:
إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ [الواقعة: ١ - ٢]. قال الألوسي بعد أن بين أن الواقعة هي القيامة – قال: (صرح ابن عباس بأنها من أسمائها (١) وسميت بذلك للإيذان بتحقق وقوعها لا محالة) (٢).
стр. 1806
- يوم الوعيد:
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق: ٢٠]. وسمي يوم الوعيد لأن الله (أوعد به الكفار، قال مقاتل: يعني بالوعيد العذاب في الآخرة، وخصص الوعيد مع كون اليوم هو يوم الوعد والوعيد جميعاً لتهويله) (١). الحياة الآخرة لغالب عواجي – ١/ ٤٥
وقد جمع الغزالي ثم القرطبي – أسماء يوم القيامة - فبلغت نحو الثمانين اسما فمنها يوم الجمع، ويوم الفزع الأكبر، ويوم التناد، ويوم الوعيد، ويوم الحسرة، ويوم التلاق، ويوم المآب، ويوم الفصل، ويوم العرض على الله، ويوم الخروج، ويوم الخلود، ومنها: يوم عظيم، ويوم عسير، ويوم مشهود، ويوم عبوس قمطرير، ومنها: يوم تبلى السرائر، ومنها: يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، ويوم يدعون إلى نار جهنم، ويوم تشخص فيه الأبصار، ويوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ويوم لا ينطقون، ويوم لا ينفع مال ولا بنون، ويوم لا يكتمون الله حديثا، ويوم لا مردّ له من الله، ويوم لا بيع فيه ولا خلال، ويوم لا ريب فيه، فإذا ضمت هذه إلى ما ذكر في الأصل كانت أكثر من ثلاثين اسما معظمها ورد في القرآن بلفظه وسائر الأسماء المشار إليها أخذت بطريق الاشتقاق بما ورد منصوصاً كيوم الصدر من قوله: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا [الزلزلة:٦] ويوم الجدال من قوله: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا [النحل:١١١] , ولو تتبع مثل هذا من القرآن زاد على ما ذكر والله أعلم فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني - بتصرف- ١١/ ٣٩٥
وبعد أن ذكر القرطبي كثيراً من أسماء يوم القيامة – التي هي على صيغة جمل – ذكر أن أسماء يوم القيامة قد تتبعها بعض العلماء، منهم ابن نجاح في (سبل الخيرات)، وأبو حامد الغزالي في غير موضع من كتبه كـ (الإحياء) (٢) وغيره، والقتبي في كتاب (عيون الأخبار)، ثم قال: (ولا يمتنع أن تسمى بأسماء غير ما ذكرنا حسب الأحوال الكائنة فيه، من الازدحام، والتضايق، واختلاف الأقدام، والخزي، والهوان، والذل، والافتقار، والصغار، والانكسار، ويوم الميقات، والمرصاد، إلى غير ذلك من الأسماء) (٣). الحياة الآخرة لغالب عواجي – ١/ ٤٥
стр. 1807
الفصل الثاني: البعث والنشور
• المبحث الأول: تعريف البعث والنشور.
• المبحث الثاني: حكم الإيمان بالبعث وأدلته.
• المبحث الثالث: أصناف منكري البعث.
стр. 1808
المبحث الأول: تعريف البعث والنشور
• المطلب الأول: البعث في اللغة.
• المطلب الثاني: البعث في الشرع.
• المطلب الثالث: النشور في اللغة.
• المطلب الرابع: النشور في الاصطلاح.
• المطلب الخامس: المعاد في اللغة.
• المطلب السادس: المعاد في الاصطلاح.
стр. 1809
المطلب الأول: البعث في اللغة
يختلف تعريف البعث في اللغة باختلاف ما علق به، فقد يطلق ويراد به:
١ - الإرسال: يقال بعثت فلاناً أو ابتعثته أي أرسلته.
٢ - البعث من النوم: يقال: بعثه من منامه إذا أيقظه.
٣ - الإثارة: وهو أصل البعث، ومنه قيل للناقة: بعثتها إذا أثرتها وكانت قبل باركة.
وفي هذا يقول الأزهري (١):
(قال الليث: بعثت البعير فانبعث إذا حللت عقاله وأرسلته، لو كان باركاً فأثرته).
وقال أيضاً: (والبعث في كلام العرب على وجهين: أحدهما: الإرسال كقول الله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ [الأعراف: ١٠٣]، معناه أرسلنا.
والبعث أيضاً الإحياء من الله للموتى، ومنه قوله جل وعز: ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: ٥٦]، أي أحييناكم.
وقال أبو هلال: (بعث الخلق: اسم لإخراجهم من قبورهم إلى الموقف, ومنه قوله تعالى: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢]) (٢).
ويقول الفيروز آبادي (٣):
(بعثه كمنعه: أرسله كابتعثه فانبعث، والناقة أثارها، وفلاناً من منامه: أهبه ... وتبعث مني الشعر انبعث كأنه سال) (٤).
وقال الراغب: (أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بعثته فانبعث، ويختلف البعث بحسب ما علق به.
فبعثت البعير: أثرته وسيرته، وقوله : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [الأنعام: ٣٦]. أي يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة.
فالبعث ضربان: بشري كبعث البعير وبعث الإنسان في حاجة. وإلهي وذلك ضربان:
أحدهما: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن ليس، وذلك يختص به الباري تعالى، ولم يقدر عليه أحداً.
والثاني: إحياء الموتى، وقد خص بذلك بعض أوليائه كعيسى ﷺ والثاني، ومنه قوله : فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم: ٥٦]، يعني الحشر.
وقوله : فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ [المائدة: ٣١]. أي قيضه.
وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف: ١٢]، وذلك إثارة بلا توجيه إلى مكان) (٥). الحياة الآخرة لغالب العواجي -١/ ٥٩
стр. 1810
المطلب الثاني: البعث في الشرع
البعث في الشرع يراد به: إحياء الله للموتى وإخراجهم من قبورهم أحياء للحساب والجزاء.
قال الإمام ابن كثير – ﵀: (البعث: وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة) (١).
وقال السفاريني: (أما البعث فالمراد به المعاد الجسماني؛ فإنه المتبادر عند الإطلاق؛ إذ هو الذي يجب اعتقاده ويكفر منكره) (٢).
وقال البيجوري: (البعث عبارة عن إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم) (٣).
وقال السيد سابق عن البعث: (هو إعادة الإنسان روحا وجسداً كما كان في الدنيا) (٤).
وهكذا يكون حينما تتعلق إرادة الله ﵎ بذلك؛ فيخرجون من القبور حفاة عراة غرلاً بهماً، ويساقون ويجمعون إلى الموقف لمحاسبتهم ونيل كل مخلوق ما يستحقه من الجزاء العادل.
وهذا ما تشير إليه كثير من الآيات الواردة في كتاب الله ، كما قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [الحج: ٦ - ٧] وقوله تعالى: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الإنفطار: ٤]، وقوله تعالى: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [الأنعام: ٣٦].
وبالمقارنة بين المعنى الشرعي لكلمة (البعث) والمعنى اللغوي لها؛ نجد ترابطاً ظاهراً، وذلك أن من معاني البعث في اللغة الإثارة لما كان ساكناً من قبل، وكذا الإرسال كما في قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ [النحل: ٣٦]، وهذا ما جاء في كلمة البعث مراداً بها معناها الشرعي الذي هو إرسال الحياة إلى الأموات وإثارتها من جديد, لتتهيأ لما يراد منها من الانطلاقة إلى الموقف للحساب. الحياة الآخرة لغالب العواجي -١/ ٦١
فالبعث هو: المعاد الجسماني فإنه المتبادر عند الإطلاق إذ هو الذي يجب اعتقاده ويكفر منكره، قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه (الروح) كشيخه وغيرهما: معاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين، واليهود، والنصارى. وقال الجلال الدواني هو بإجماع أهل الملل وبشهادة نصوص القرآن بحيث لا يقبل التأويل كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:٧٨]. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو حاتم، والإسماعيلي في (معجمه)، والحافظ الضياء في (المختارة)، وابن مردويه، والبيهقي في (البعث) عن ابن عباس ﵄، قال: ((جاء العاص بن وائل إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل ففته بيده فقال يا محمد، يحيي الله هذا بعد ما أرم؟ قال: نعم يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم)) فنزلت الآيات من آخر يس أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ [يس:٧٧] إلى آخر السورة)) (٥). وهذا نص صريح في الحشر الجسماني يقلع عرق التأويل بالكلية. ولهذا قال الإمام الرازي: الإنصاف أنه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي ﷺ وبين نفي الحشر الجسماني، فإنه قد ورد في عدة مواضع من القرآن المجيد التصريح به بحيث لا يقبل التأويل أصلا. انتهى. وكذلك لا يمكن الجمع بين القول بقدم العالم على ما يقول الفلاسفة وبين الحشر الجسماني لأن النفوس الناطقة على هذا التقدير غير متناهية فتستدعي جميعا أبدانا غير متناهية وأمكنة غير متناهية، وقد ثبت تناهي الأبعاد بالبرهان وباعترافهم، والله تعالى أعلم ...
وأما النشور فهو يرادف البعث في المعنى، يقال: نشر الميت ينشر نشورا إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي: أحياه، ومنه قولهم: يوم البعث والنشور. لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لمحمد بن أحمد السفاريني ٢/ ١٥٧
стр. 1811
المطلب الثالث: النشور في اللغة
النشر في اللغة يأتي بمعنى البسط، والانتشار، وتقلب الإنسان في حوائجه، ويأتي بمعنى التفرق.
أما مجيئه بمعنى البسط فمثل قوله تعالى: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [التكوير: ١٠] ومنه قوله تعالى: وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا [المرسلات: ٣] أي الملائكة التي تنشر الرياح أو الرياح التي تنشر السحاب.
وأما مجيئه بمعنى الانتشار فمثل قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان: ٤٧] أي جعل فيه الانتشار وابتغاء الرزق.
وعن تقلب الإنسان في حوائجه قوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [الجمعة: ١٠] أي تفرقوا فيها (١).
قال الأزهري في باب (نشر): (قال الليث: النشر: نشر الريح الطيبة، وعن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: النشر: الحياة، والنشر: الريح الطيبة).
قال الأزهري: يقال: أنشر الله الموتى فنشروا: إذا حيوا، كما قال الأعشى:
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجباً للميت الناشر
وقال الزجاج: يقال: نشرهم الله أي بعثهم، كما قال الله تعالى: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: ١٥]) (٢).
وقال أبو هلال العسكري: (والنشور: اسم لظهور المبعوثين، وظهور أعمالهم للخلائق، ومنه قولك: نشرت اسمك ونشرت قضية فلان، إلا أنه قيل: أنشر الله الموتى - بالألف -، ونشرت الفضيلة الثوب، للفرق بين المعنيين) (٣).
وذكر الزمخشري في (أساس البلاغة): أن من معانيه أيضاً: إذاعة الخير ونشره في الناس (٤). الحياة الآخرة لغالب العواجي – ١/ ٦٣
стр. 1812
المطلب الرابع: النشور في الاصطلاح
يطلق ويراد به معنى البعث، وهو انتشار الناس من قبورهم إلى الموقف للحساب والجزاء.
وإذا كان المعنى اللغوي يراد به الانتشار والتفرق والانبساط والبعث، فهي معان عامة يدخل فيها المعنى الاصطلاحي وهو نشر الله للأموات وإحياؤهم من قبورهم، فالنشور يراد به سريان الحياة في الأموات، كما رأيناه في تعريفات العلماء السابقة من أنه يراد به البعث في اليوم الآخر وخروج الناس من قبورهم أحياء.
وهذا ما فسر به قوله تعالى: ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ [عبس: ٢٢].
قال ابن كثير: (أي بعثه بعد موته)، قال: (ومنه يقال: البعث والنشور) (١).
وجاء في الحديث عن حذيفة بن اليمان ﵄: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام قال: اللهم باسمك أموت وأحيا. وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيا نفسي بعد أن أماتها وإليه النشور)) (٢). قال ابن الأثير: (يقال: نشر الميت ينشر نشوراً: إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي أحياه) (٣).
وعرفه البرديسي بأنه: (قيام الناس من قبورهم) (٤).
وقال السفاريني: (وأما النشور فهو يرادف البعث في المعنى، نشر الميت ينشر نشوراً: إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي أحياه) (٥). الحياة الآخرة لغالب العواجي – ١/ ٦٤
стр. 1813
المطلب الخامس: المعاد في اللغة
قال الفيروز أبادي: (والمعاد: الآخرة، والحج، ومكة، والجنة – وبكليهما فسر قوله تعالى: لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص: ٨٥]، والمرجع، والمصير.
وقال: وأعاده إلى مكانه: رجعه، والكلام: كرره، وتعاودوا في الحرب: عاد كل فريق إلى صاحبه) (١).
وقال الراغب: (والمعاد يقال للعود وللزمان الذي يعود فيه، وقد يكون للمكان الذي يعود إليه) (٢).
وتدل تلك التعريفات للمعاد على أنه مصدر ميمي مأخوذ من العود، وهو رجوع الشيء إلى ما كان عليه أولاً. الحياة الآخرة لغالب العواجي – ١/ ٦٥
стр. 1814
المطلب السادس: المعاد في الاصطلاح
وفي الاصطلاح: يطلق لفظ المعاد على الرجوع إلى الله تعالى في يوم القيامة، ورجوع أجزاء البدن المتفرقة إلى الاجتماع كما كانت في الدنيا، وحلول الروح فيه.
قال ابن الأثير: (وفي أسماء الله تعالى "المعيد" هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا، وبعد الممات إلى الحياة يوم القيامة) (١).
ومنه الحديث: ((وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي)) (٢) أي ما يعود إليه يوم القيامة، ومنه حديث علي: (والحكم الله والمعود إليه يوم القيامة) أي: المعاد (٣).
وقال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ﵀: (المعاد: وهو المرد إلى الله والإياب إليه) (٤).
وقد فسر قوله تعالى: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] بعد تفسيرات كلها تدل على الإعادة والرجوع إلى الله تعالى.
عن مجاهد: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩]: يحييكم بعد موتكم) (٥).
وقال الحسن البصري: (كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء) (٦)(٧).
وقال قتادة: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئاً ثم ذهبوا ثم يعيدهم) (٨).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (كما بدأكم أولاً كذلك يعيدكم آخراً) (٩). الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٦٦
стр. 1815
المبحث الثاني: حكم الإيمان بالبعث وأدلته
• - الإقسام على وقوع البعث:.
• - التنبيه بالنشأة الأولى على النشأة الثانية:.
• - التنبيه بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى:.
• - التنبيه بخلق السموات والأرض على إحياء الموتى:.
• - إخبار الله تعالى بما وقع من البعث الحسي المشاهد في الحياة الدنيا.
стр. 1816
- الإقسام على وقوع البعث:
كما نرى في الآيات الآتية:
قال الله تعالى آمرا نبيه أن يقسم بربه على أن البعث حق لا ريب فيه، وأنه لابد من وقوعه، ومحاسبة أولئك المكذبين الجاحدين له، وأن ذلك لا يعجز الله تعالى؛ بل هو عليه يسير، فقال : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن: ٧].
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سبأ: ٣].
وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس: ٥٣].
ففي هذه الآيات البينات يأمر الله تعالى نبيه - وهو الصادق المصدوق - أن يقسم على وقوع البعث والجزاء وأنه كائن لا محالة، ومعلوم أنه ولو لم يقسم ﷺ على وقوع البعث؛ لتلقى المؤمنون خبره بالتصديق التام وعدم وجود أدنى شك في ذلك، ولكان ذلك الإخبار كافياً لصحة ثبوته. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٧٨
- التنبيه بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى:
١ - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [الحج: ٥ - ٧].
٢ - فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الروم: ٥٠].
٣ - وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف: ١١].
٤ - وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩].
٥ - وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٥٧].
٦ - وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق: ٩ - ١١].
٧ - يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم: ١٩].
٨ - وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ [فاطر: ٩].
٩ - وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس: ٣٣].
ووجه الدلالة من هذه الآيات البينات واضح تمام الوضوح؛ بل هو من الأمور المشاهدة، أرض أصابها الجدب فإذا بأشجارها تيبس بعد نضارتها، وإذا بتلك الأرض هامدة خاشعة مستكينة قد مات منها كل شيء يدل على حياتها، فيريد الله إحياءها، فتنزل عليها الأمطار، فإذا بها قد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وكأنها لم تكن هي التي كانت ميتة بالأمس قبل أن تمطر، فإذا بثمراتها تؤتي أكلها من كل نوع، وإذا بها تكسى حلة خضراء، وإذا بالزهور على أشكال شتى. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٨٤
стр. 1819
- التنبيه بخلق السموات والأرض على إحياء الموتى:
١ - قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف: ٣٣].
٢ - وقال تعالى: أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا [النازعات: ٢٧].
٣ - وقال تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ [يس: ٨١].
٤ - وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا [الإسراء: ٩٩].
٥ - وقال تعالى: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧].
وفي هذه الآيات الكريمات يخبر تعالى عن وقوع البعث بالتنبيه على أمر مشاهد أمام الأنظار وهو خلق السموات والأرض، ألم ير هؤلاء المكذبون أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير، فالذي يصنع الأمر العظيم لا يعسر عليه أن يصنع الأمر الصغير، فالذي يستطيع أن يبني قصراً عظيماً لا يعسر عليه أن يعيد بناء غرفة من غرفه. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٨٧
стр. 1820
- إخبار الله تعالى بما وقع من البعث الحسي المشاهد في الحياة الدنيا
ليكون إحياء الله للموتى في الدنيا دليلاً على البعث في يوم القيامة كما في الآيات الآتية:
١ - قصة العزير – أو غيره ممن ذكرهم علماء التفسير من الخلاف في تعيين المار على تلك القرية (١):
قال تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٥٩].
٢ - طلب إبراهيم من ربه مشاهدة إحياء الموتى:
قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٦٠].
٣ - موت بني إسرائيل الذين تنطعوا في إيمانهم واشترطوا لذلك أن يروا ربهم، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله ليريهم قدرته:
قال تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة: ٥٥].
٤ - إخبار الله عن قتيل بني إسرائيل الذي أعاد الله إليه الحياة بعد ما قتل وأخبر عن قاتله معجزة لنبي الله موسى ﵊:
فقال تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٧٣].
٥ - إخبار الله تعالى عن إماتة آلاف الناس خرجوا من ديارهم حذر الموت، فأماتهم الله ثم أحياهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [البقرة: ٢٤٣].
٦ - إخبار الله تعالى عن أهل الكهف، وهم فتية آمنوا بربهم وتحابوا فيه، فآواهم ذلك الكهف الذي كان قبراً لهم إلى حين أراد الله إظهارهم:
كما قال تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبً إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف: ٩ - ١٢].
وفي هذه الآيات البينات دلالات واضحات على قدرة الله تعالى على إحياء الأموات. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٨٨
стр. 1821
المطلب الثاني: أدلة البعث من السنة
وأما الأحاديث في هذا الباب فكثيرة جداً، ... وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبه إيَّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوَّل الخلق بأهون عليَّ من إعادته. وأما شتمه إيَّاي فقوله: اتَّخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحدا)) (١). وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في (مسنده): حدثنا أبو المغيرة حدثنا حريز حدثني عبدالرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بسر بن جحاش قال: ((إنَّ رسول الله ﷺ بَصَقَ يوماً في كفِّه فوضع عليها إصبعه، قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: بني آدم أنَّى تعجزني وقد خلقتك مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد، فجمعتَ ومنعتَ، حتى إذا بلغت التَّراقي قلت أتصدَّق، وأنَّى أوان الصدقة)) ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن حريز بن عثمان به (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عليُّ بن الحسين بن الجنيد حدثنا محمد بن العلاء حدثنا عثمان بن سعيد الزيات عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: ((إنَّ العاص بن وائل أخذ عظماً من البطحاءِ ففتَّه بيده ثم قال لرسول الله ﷺ : أيحيي الله هذا بعد ما أرم؟ فقال رسولُ الله ﷺ : نعم، يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم)) قال: ونزلت الآيات من آخر يس (٣). وروى مسلم من طريق معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول ﷺ ، فذكر أحاديث، منها: وقال رسولُ الله ﷺ : ((إنَّ في الإنسان عظماً لا تأكله الأرضُ أبداً فيه يركب يوم القيامة. قالوا: أيُّ عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب)) (٤) وفيه من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((كلُّ ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يُركب)) (٥) وقال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدَّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما بين النفختين أربعون – قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوماً؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت – ثمَّ ينْزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل قال وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة)) (٦). ورواه البخاري عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش بمعناه، دون قوله: ((ثم يُنْزِلُ الله تعالى: مِنَ السماء ماء)) (٧) وحديث عبدالله بن عمرو وفيه: ((ثُم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحدٌ إلاّ أصغى ليتا ورفع ليتا.
стр. 1822
قال: وأول من يسمعه رجلٌ يلوط حوض إبله قال فصعق ويصعق الناس, ثم يرسلُ الله – أو قال يُنْزل الله – مطراً كأنه الطلُّ – أو الظل، نعمان الشاك – فتنبت منه أجساد الناس، ثمَّ ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناس، هلمُّوا إلى ربِّكم، وقفوهم إنهم مسؤولون. قال ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقول: مِنْ كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال: فذلك يومٌ يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عَنْ ساق)) (١). وفي (الصحيح) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إنِّي أول من يَرْفعُ رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا أنا بموسى متعلِّقٌ بالعرش، فلا أدري كذلك كان أم بعد النفخة)) (٢). وفي حديث الصور ... ((ثم ينْزل اللهُ عليهم ماءً من تحت العرش، ثم يأمر اللهُ السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يوماً حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعاً، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات الطَّراثيت – أو كنبات البقل – حتى إذا تكاملت أجسادهم، فكانت كما كانت قال الله : ليحيى حملة العرش، فيحيون. ويأمر الله إسرافيلَ فيأخذ الصُّور فيضعه على فيه ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل، فيحييان. ثم يدعو الله بالأرواح ليؤتى بها، تتوهج أرواح المسلمين نوراً وأرواح الكافرين ظلمة فيقبضها جميعاً ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر الله تعالى: إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنَّها النَّحْلُ قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كلُّ روحٍ إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السُّمُّ في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنهم، وأنا أوَّل من تنشق الأرض عنه فتخرجون سراعاً إلى ربِّكم تنسلون)) (٣) الحديث. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- بتصرف – ٢/ ٩٢٤
стр. 1823
المطلب الأول: الصنف الأول أنكروا المبدأ والمعاد
وزعموا أنَّ الأكوان تتصرف بطبيعتها فتوجد وتعدم بأنفسها، ليس لها رب يتصرف فيها، إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، وهؤلاء هم جمهور الفلاسفة الدَّهرية والطبائعية. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٩٣٩
стр. 1824
المطلب الثاني: الصنف الثاني من الدهرية طائفة يقال لهم الدوريَّة
وهم منكرون للخالق أيضاً، ويعتقدون أنَّ في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. وزعموا أنَّ هذا قد تكرَّر مرات لا تتناهى فكابروا في المعقول وكذَّبوا المنقول، قبحهم الله تعالى. وهاتان الطائفتان يعمهم قوله وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ [الجاثية:٢٤] ولهذا عن السلف الصالح فيها تفسيران: الأول معنى قولهم نَمُوتُ وَنَحْيَا أي يموت الآباء ويحيا الأبناء هكذا أبداً، وهو قول الطائفة الأولى. والمعنى الثاني أنَّهم عَنَوْا كونهم يموتون ويحيون هم أنفسهم ويتكرر ذلك منهم أبداً ولا حساب ولا جزاء، بل ولا موجد ولا معدم ولا محاسب ولا مجازي، وهذا قول الدورية. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٩٣٩
стр. 1825
المطلب الثالث: الصنف الثالث الدهرية من مشركي العرب ومن وافقهم
وهم مقرون بالبداءة، وأنَّ الله تعالى: ربّهم وخالقهم وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:٨٧] ومع هذا قالوا: إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ [الدخان:٣٥] فأقروا بالبداءة والمبدئ، وأنكروا البعثَ والمعاد، وهم المذكورون في حديث أبي هريرة الصحيح: ((وأما تكذيبه إيَّاي فقوله لَنْ يعيدني كما بدأني، وليس أوَّلَ الخلقِ بأهون عليَّ مِنْ إعادته)) (١). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٩٣٩