المطلب الثاني: أدلة البعث من السنة
وأما الأحاديث في هذا الباب فكثيرة جداً، ... وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبه إيَّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوَّل الخلق بأهون عليَّ من إعادته. وأما شتمه إيَّاي فقوله: اتَّخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحدا)) (١). وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في (مسنده): حدثنا أبو المغيرة حدثنا حريز حدثني عبدالرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بسر بن جحاش قال: ((إنَّ رسول الله ﷺ بَصَقَ يوماً في كفِّه فوضع عليها إصبعه، قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: بني آدم أنَّى تعجزني وقد خلقتك مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد، فجمعتَ ومنعتَ، حتى إذا بلغت التَّراقي قلت أتصدَّق، وأنَّى أوان الصدقة)) ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن حريز بن عثمان به (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عليُّ بن الحسين بن الجنيد حدثنا محمد بن العلاء حدثنا عثمان بن سعيد الزيات عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: ((إنَّ العاص بن وائل أخذ عظماً من البطحاءِ ففتَّه بيده ثم قال لرسول الله ﷺ : أيحيي الله هذا بعد ما أرم؟ فقال رسولُ الله ﷺ : نعم، يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم)) قال: ونزلت الآيات من آخر يس (٣). وروى مسلم من طريق معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول ﷺ ، فذكر أحاديث، منها: وقال رسولُ الله ﷺ : ((إنَّ في الإنسان عظماً لا تأكله الأرضُ أبداً فيه يركب يوم القيامة. قالوا: أيُّ عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب)) (٤) وفيه من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((كلُّ ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يُركب)) (٥) وقال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدَّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما بين النفختين أربعون – قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوماً؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت – ثمَّ ينْزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل قال وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة)) (٦). ورواه البخاري عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش بمعناه، دون قوله: ((ثم يُنْزِلُ الله تعالى: مِنَ السماء ماء)) (٧) وحديث عبدالله بن عمرو وفيه: ((ثُم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحدٌ إلاّ أصغى ليتا ورفع ليتا.
стр. 1822
قال: وأول من يسمعه رجلٌ يلوط حوض إبله قال فصعق ويصعق الناس, ثم يرسلُ الله – أو قال يُنْزل الله – مطراً كأنه الطلُّ – أو الظل، نعمان الشاك – فتنبت منه أجساد الناس، ثمَّ ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناس، هلمُّوا إلى ربِّكم، وقفوهم إنهم مسؤولون. قال ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقول: مِنْ كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال: فذلك يومٌ يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عَنْ ساق)) (١). وفي (الصحيح) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إنِّي أول من يَرْفعُ رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا أنا بموسى متعلِّقٌ بالعرش، فلا أدري كذلك كان أم بعد النفخة)) (٢). وفي حديث الصور ... ((ثم ينْزل اللهُ عليهم ماءً من تحت العرش، ثم يأمر اللهُ السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يوماً حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعاً، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات الطَّراثيت – أو كنبات البقل – حتى إذا تكاملت أجسادهم، فكانت كما كانت قال الله : ليحيى حملة العرش، فيحيون. ويأمر الله إسرافيلَ فيأخذ الصُّور فيضعه على فيه ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل، فيحييان. ثم يدعو الله بالأرواح ليؤتى بها، تتوهج أرواح المسلمين نوراً وأرواح الكافرين ظلمة فيقبضها جميعاً ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر الله تعالى: إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنَّها النَّحْلُ قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كلُّ روحٍ إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السُّمُّ في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنهم، وأنا أوَّل من تنشق الأرض عنه فتخرجون سراعاً إلى ربِّكم تنسلون)) (٣) الحديث. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- بتصرف – ٢/ ٩٢٤
стр. 1823
المطلب الأول: الصنف الأول أنكروا المبدأ والمعاد
وزعموا أنَّ الأكوان تتصرف بطبيعتها فتوجد وتعدم بأنفسها، ليس لها رب يتصرف فيها، إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، وهؤلاء هم جمهور الفلاسفة الدَّهرية والطبائعية. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٩٣٩
стр. 1824
المطلب الثاني: الصنف الثاني من الدهرية طائفة يقال لهم الدوريَّة
وهم منكرون للخالق أيضاً، ويعتقدون أنَّ في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. وزعموا أنَّ هذا قد تكرَّر مرات لا تتناهى فكابروا في المعقول وكذَّبوا المنقول، قبحهم الله تعالى. وهاتان الطائفتان يعمهم قوله وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ [الجاثية:٢٤] ولهذا عن السلف الصالح فيها تفسيران: الأول معنى قولهم نَمُوتُ وَنَحْيَا أي يموت الآباء ويحيا الأبناء هكذا أبداً، وهو قول الطائفة الأولى. والمعنى الثاني أنَّهم عَنَوْا كونهم يموتون ويحيون هم أنفسهم ويتكرر ذلك منهم أبداً ولا حساب ولا جزاء، بل ولا موجد ولا معدم ولا محاسب ولا مجازي، وهذا قول الدورية. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٩٣٩
стр. 1825
المطلب الثالث: الصنف الثالث الدهرية من مشركي العرب ومن وافقهم
وهم مقرون بالبداءة، وأنَّ الله تعالى: ربّهم وخالقهم وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:٨٧] ومع هذا قالوا: إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ [الدخان:٣٥] فأقروا بالبداءة والمبدئ، وأنكروا البعثَ والمعاد، وهم المذكورون في حديث أبي هريرة الصحيح: ((وأما تكذيبه إيَّاي فقوله لَنْ يعيدني كما بدأني، وليس أوَّلَ الخلقِ بأهون عليَّ مِنْ إعادته)) (١). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٩٣٩
стр. 1826
المطلب الرابع: الصنف الرابع ملاحدة الجهمية ومن وافقهم
أقروا بمعاد ليس على ما في القرآن ولا فيما أخبَرَتْ به الرسل عن الله ، بل زعموا أنَّ هذا العالم يعدم عدماً محضاً، وليس المعاد هو بل عالم آخر غيره، فحينئذٍ تكون الأرض التي تحدّث أخبارها وتخبر بما عمل عليها من خير وشر ليست هي هذه، وتكون الأجساد التي تعذب وتجازى وتشهد على من عمل بها المعاصي ليست هي التي أعيدت بل هي غيرها، والأبدان التي تنعم في الجنة وتثاب ليست هي التي عملت الطاعة ولا أنَّها تحولت من حال إلى حال، بل هي غيرها تُبتدأ ابتداءً محضاً، فأنكروا معاد الأبدان وزعموا أنَّ المعادَ بداءة أخرى! معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٩٤٠
стр. 1827
المطلب الخامس: الرد على منكري البعث
الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة، والعقل والفطرة السليمة. فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على منكريه في غالب سور القرآن. وذلك: أن الأنبياء ﵈ كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بالرب، إلا من عاند، كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفى - بين تفضيل الآخرة بياناً لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء. ولهذا ظنت طائفة من المتفلسفة ونحوهم، أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد ﷺ ، وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري. والقرآن بين معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع. وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد ﷺ على طريق التخييل! وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء، من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ﵈، وقد أخبر الله بها من حين أهبط آدم، فقال تعالى: قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف: ٢٤] ولما قال إبليس اللعين: رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر:٣٦ - ٣٨]. وأما نوح ﵇ فقال: وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [نوح:١٧ - ١٨]. وقال إبراهيم ﵇: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:٨٢]. إلى آخر القصة. وقال: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:٤١]. وقال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [البقرة:٢٦٠] الآية، وأما موسى ﵇، فقال الله تعالى: لما ناجاه: إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه:١٥ - ١٦]. بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد، وإنما آمن بموسى، قال تعالى: حكاية عنه: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر:٣٢ - ٣٣]، إلى قوله تعالى:: يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:٣٩]، إلى قوله: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:٤٦]. وقال موسى: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف:١٥٦]. وقد أخبر الله في قصة البقرة: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:٧٣].
стр. 1828
وقد أخبر الله أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، في آيات (من) القرآن، وأخبر عن أهل النار أنهم إذا قال لهم خزنتها: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر:٧١]. وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا. فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم، من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة. فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد، يذكر ذلك فيها: في الدنيا والآخرة. وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد، فقال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ [سبأ:٣] الآيات. وقال تعالى:: وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس:٥٣]. وقال تعالى:: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:٧]. وأخبر عن اقترابها، فقال: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:١]. اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ [الأنبياء:١]، سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إليه فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:١ - ٧]. وذم المكذبين بالمعاد، فقال: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام:٣١]. أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [الشورى:١٨]. بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ [النمل:٦٦]. وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا إلى أن قال: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ [النمل:٣٨ - ٣٩]. إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [غافر:٥٩]. وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا [الإسراء:٩٧ - ٩٩].
стр. 1829
وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:٤٩ - ٥٢]. فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل: فإنهم قالوا أولا: وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء: ٤٩]، فقيل لهم في جواب هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم، فهلا كنتم خلقاً لا يفنيه الموت، كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك؟! فإن قلتم: كنا خلقاً على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقاً جديداً؟! وللحجة تقدير آخر، وهو: لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما، (فإنه) قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم، وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام، مع شدتها وصلابتها، بالإفناء والإحالة - فما الذي يعجزه فيما دونها؟ ثم أخبر أنهم يسألون آخراً بقولهم: من يعيدنا إذا استحالت جسومنا وفنيت؟ فأجابهم بقوله: قل الذي فطركم أول مرة. فلما أخذتهم الحجة، ولزمهم حكمها، انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به بعلل المنقطع، وهو قولهم: متى هو؟ فأجيبوا بقوله: عسى أن يكون قريبا. ومن هذا قوله: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٣٦] , إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان، أن يأتي بأحسن من هذه الحجة، أو بمثلها بألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز ووضح الأدلة وصحة البرهان لما قدر. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد، اقتضى جواباً، فكان في قوله: وَنَسِيَ خَلْقَهُ ما وفّى بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لما أراد سبحانه من تأكيد الحجة وزيادة تقريرها فقال: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩]، فاحتج بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى. إذ كل عاقل يعلم ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه، وأنه لو كان عاجزاً عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق، وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته، ومواده وصورته، فكذلك الثاني. فإذا كان تام العلم، كامل القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم؟ ثم أكد الأمر بحجة قاهرة، وبرهان ظاهر، يتضمن جواباً عن سؤال ملحد آخر يقول: العظام إذا صارت رميماً عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعة حارة رطبة بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل والجواب معا، فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ [يس:٨٠].
стр. 1830
فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر، الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة، من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده، وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه، من إحياء العظام وهي رميم ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم، على الأيسر الأصغر، فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا، فقال: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم [يس:٨١] فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض، على جلالتهما، وعظم شأنهما، وكبر أجسامها، وسعتهما، وعجيب خلقهما، أقدر على أن يحيي عظاماً قد صارت رميماً، فيردها إلى حالتها الأولى. كما قال في موضع آخر: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر:٥٧]. وقال: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ [يس:٨١]. ثم أكد سبحانه ذلك وبينه ببيان آخر، وهو أنه ليس فعله بمنزلة غيره، الذي يفعل بالآلات والكلفة، والنصب والمشقة، ولا يمكنه الاستقلال بالفعل، بل لا بد معه من آلة ومعين، بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته، وقوله للمكون: كن، فإذا هو كائن كما شاءه وأراده. ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله وقوله: وإليه ترجعون. ومن هذا قوله سبحانه: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:٣٦ - ٤٠]. فاحتج سبحانه على أنه لا يتركه مهملاً عن الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك أشد الإباء، كما قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:١١٥]، إلى آخر السورة. فإن من نقله من النطفة إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم شق سمعه وبصره، وركب فيه الحواس والقوى، والعظام والمنافع، والأعصاب والرباطات التي هي أشده، وأحكم خلقه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة، التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته أن يتركه سدى؟ فلا يليق ذلك بحكمته، ولا تعجز عنه قدرته. فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب، بالقول الوجيز، الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الجليل، الذي لا يتوهم أوضح منه، ومأخذه لقريب، الذي لا تقع الظنون على أقرب منه. وكم في القرآن (من) مثل هذا الاحتجاج، كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ إلى أن قال: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [الحج:٥ - ٧]. وقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ إلى أن قال: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون:١٢ - ١٦]. وذكر قصة أصحاب الكهف، وكيف أبقاهم موتى ثلاثماثة سنة شمسية، وهي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، وقال فيها: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا [الكهف:٢١].
стр. 1831
والقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، لهم في المعاد خبط واضطراب. وهم فيه على قولين: منهم من يقول: تعدم الجواهر ثم تعاد. ومنهم من يقول: تفرق الأجزاء ثم تجمع. فأورد عليهم: الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تعد من هذا؟ وأورد عليهم: أن الإنسان يتحلل دائماً، فماذا الذي يعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان بأولى من بعض! فادعى بعضهم أن في الإنسان أجزاء أصلية لا تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني! والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل، ليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان. والقول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، فتستحيل تراباً، ثم ينشئها الله نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأولى: فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظاماً ولحماً، ثم أنشأه خلقاً سوياً. كذلك الإعادة: يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب، كما ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم، ومنه يركب)) (١) فالنشأتان نوعان تحت جنس، يتفقان ويتماثلان من وجه، ويفترقان ويتنوعان من وجه. والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة ولوازم البداءة فرق، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال إليها. ومعلوم أن من رأى شخصاً وهو صغير، ثم رآه وقد صار شيخاً، علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائماً في تحلل واستحالة. وكذلك سائر الحيوان والنبات، فمن رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك. وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال إن الصفات هي المغيرة، لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها فإنهم يدخلونها على صورة آدم، طوله ستون ذراعاً، كما ثبت في (الصحيحين) (٢) وغيرهما، وروي: أن عرضه سبعة أذرع (٣). وتلك نشأة باقية غير معرضة للآفات، وهذه النشأة فانية معرضة للآفات. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٥٨٩
стр. 1832
المطلب الأول: معنى النفخ في اللغة
قال الراغب: (النفخ؛ نفخ الريح في الشيء، قال تعالى: يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس: ٥١] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨].
وذلك نحو قوله: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر: ٨] ومنه نفخ الروح في النشأة الأولى) (١).
وذكر الزمخشري بعض الإطلاقات التي تقال على النفخ، ومنه (انفخ في النار، ونفخ النار بالمنفاخ: وهو الكير، ونصبوا على النار المنافيخ، ونفخت في الزق فانتفخ، ونفخت فيه فتنفخ، وهو يجد نفخة في بطنه، ونفخه انتفاخاً من طعام وغيره) (٢).
وهذه المعاني اللغوية كلها تدور حول النفخ المعروف، هو دفع الهواء. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ١٨٣
стр. 1833
المطلب الثاني: معنى النفخ اصطلاحاً
أما معناه الاصطلاحي: فهو النفخ المخصوص، في الوقت المخصوص، من الملك المخصوص، لإيجاد ما أراد الله تعالى، كما جاء في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﷺ من أن نافخاً ينفخ في صور عظيم لإرادة الله تعالى تغيير ما يريد تغييره في خلقه لأمر القيامة. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ١٨٤
стр. 1834
المطلب الثالث: معنى الصور
وأما ما هو الصور؟ فمن أقوال العلماء في ذلك:
ما قاله ابن جرير الطبري – ﵀ – من أن الناس قد اختلفوا فيه (فقال بعضهم: هو قرن ينفخ فيه نفختان، إحداهما لفناء من كان حياً على الأرض، والثانية لنشر كل ميت.
وقال آخرون: الصور في هذا الموضع: جمع صورة، ينفخ فيها روحها فتحيا) (١).
ولكنه وهو يذكر هذين القولين يرجح أن الصور قرن ينفخ فيه؛ لقوة الأدلة على هذا، فقال: (والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن إسرافيل قد التقم الصور, وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ) (٢)، وأنه قال: (الصور قرن ينفخ فيه) (٣).
وقال الإمام الرازي: (المسألة الثالث: قوله: يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ [طه: ١٠٢].
ولا شبهة أن المراد منه يوم الحشر، ولا شبهة عند أهل الإسلام أن الله سبحانه خلق قرناً ينفخ فيه ملك من الملائكة، وذلك القرن يسمى بالصور، على ما ذكر الله تعالى هذا المعنى في مواضع من الكتاب الكريم.
ولكنهم اختلفوا في المراد بالصور في هذه الآية على قولين:
القول الأول: أن المراد منه ذلك القرن الذي ينفخ فيه، وصفته مذكورة في سائر السور.
والقول الثاني: أن الصور جمع صورة، والنفخ في الصور عبارة عن النفخ في صور الموتى) (٤).
ثم أبطل الرازي هذا القول الأخير واعتبره خطأ فاحشاً من قائله، كما نقل ذلك عن أهل العلم.
وقد أيد الإمام ابن كثير ما قاله الإمام الرازي، حيث قال فيمن ذهب إلى أن الصور هنا جمع صورة، وأن معناه: أي يوم ينفخ فيها فتحيا، قال: (والصحيح أن المراد بالصور: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ (٥).
وكذلك ذهب الآلوسي حيث قال عن قوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى [الزمر: ٦٨]: (ظاهر في أن الصور ليس جمع صورة، وإلا لقال سبحانه (فيها) بدل (فيه)، وارتكاب التأويل يجعل الكلام من باب التمثيل ظاهر في إنكار أن يكون هناك صور حقيقة، وهو خلاف ما نطقت به الأحاديث الصحاح).
ثم قال الآلوسي: (وقد قال أبو الهيثم - على ما نقل عنه القرطبي في تفسيره: من أنكر أن يكون الصور قرناً، فهو كمن أنكر العرش والصراط والميزان، وطلب لها تأويلات) (٦).
وعلى هذا؛ فإن الصور هو قرن ينفخ فيه، وقد ورد أن الذي ينفخ فيه على التعيين هو إسرافيل ﵇. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ١٨٤
стр. 1835
المبحث الثاني: صفة النفخ في الصور
وكما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الموت وما بعده من فتنة القبر ونعيمه أو عذابه وباللقاء والبعث والنشور والقيام من القبور كذلك يدخل في ذلك الإيمان بالصور والنفخ فيه الذي جعله الله سبب الفزع والصعق والقيام من القبور، وهو القرن الذي وكل الله تعالى: به إسرافيل كما تقدم في ذكر الملائكة. وقد ذكر الله النفخ فيه في مواضع من كتابه، كقوله : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:٦٨] الآيات، وقال تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل:٨٧] الآيات، وقال تعالى: قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:٧٣]. ولنسق ههنا حديث الصور بطوله لما فيه من المناسبة لهذه الآيات ولما اجتمع فيه مما تفرق في غيره من الأحاديث وبالله التوفيق. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: عند هذه الآية الأخرى: وقد روينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه (المطولات) قال: حدثنا أحمد بن الحسن المصري الأيلي حدثنا أبو عاصم النبيل حدثنا إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو في طائفة من أصحابه فقال: ((إنَّ الله تعالى: لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخصاً بصره في العرش ينتظر متى يؤمر قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال القرن قلت: كيف هو؟ قال عظيم، والذي بعثني بالحق إِنَّ عِظَم دارة فيه كعرض السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخةُ الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة القيام لربِّ العالمين، يأمر الله تعالى: إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ، فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض إِلاّ من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر وهو كقول الله تعالى: وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [ص:١٥] , فيسير الله الجبال فتمر مرَّ السحاب فتكون سراباً، ثم ترتج الأرض بأهلها رجّاً فتكون كالسفينة المرمية في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق في العرش ترجرجه الرياح، وهو الذي يقول يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ. قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ [النازعات:٦ – ٨] , فيميدُ الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار، فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع، ويولّي الناس مدبرين مالهم من أمر الله من عاصم ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله تعالى: فيه يَوْمَ التَّنَادِ فبينما هم على ذلك إذ تصدَّعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوْا أمراً عظيماً لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم.
стр. 1836
ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت السماء فانتثرت نجومها وانْخَسَفَتْ شمسُها وقمرها، قال رسول الله ﷺ : الأمواتُ لا يعلمون بشيءٍ من ذلك قال أبو هريرة: يا رسول الله مَنِ استثنى اللهُ حين يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [النمل:٨٧]؟ قال: أولئك الشهداءُ وإِنَّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه قال: وهو الذي يقول الله يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:١ – ٢] فيقومون في ذلك العذاب ما شاء الله تعالى: إلا أَنَّه يطول، ثم يأمرُ اللهُ إسرافيل بنفخَة الصَّعْقِ، فينفخ نفخةَ الصَّعْق فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا وجاء ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا ربِّ قد مات أهل السموات والأرض إلاّ من شئت، فيقول الله تعالى: وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا ربِّ بقيتَ أنتَ الحي الذي لا تموت وبقيتْ حملة العرش وبقي جبريل وميكائيل، وبقيت أنا، فيقول الله : ليمت جبريل وميكائيل، فينطق الله تعالى: العرش: فيقول: يا ربِّ يموت جبريل وميكائيل؟ فيقول: اسكت فإِنِّي كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي، فيموتان. ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل، فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك وبقيت أنا. فيقول الله تعالى: لتمتْ حملةُ العرش. فتموت، ويأمر الله تعالى العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا ربِّ قد مات حملة عرشك. فيقولُ الله وهو أعلمُ بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا ربِّ، بقيتَ أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا. فيقول الله تعالى: أنت خلقٌ من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمت. فيموت. فإذا لم يبق إلا اللهُ الواحد القهار الأحد الصَّمدُ الذي لم يلد ولم يولد كان آخراً كما كان أولاً، طوى السموات والأرض طيَّ السِجِلِّ للكتب ثم دحاهما ثم يلقفهما ثلاث مرات ثم يقول: أنا الجبار أنا الجبار (ثلاثاً) ثم هتف بصوته: لمن الملك اليوم (ثلاث مرات) فلا يجيبه أحد. ثم يقول لنفسه: للهِ الواحدِ القهارِ. يقول الله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ [إبراهيم:٤٨] , فيبسطهما ويسطحهما ثم يمدهما مَدَّ الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه الأرض المبدلة مثل ما كانوا فيها من الأولى: مَنْ كان في بطنها كان في بطنها، ومَنْ كان على ظهرها كان على ظهرها.
стр. 1837
ثم يُنْزِلُ الله تعالى: عليهم ماءً من تحت العرش، ثم يأمرُ اللهُ السماء أَنْ تمطر، فتمطر أربعين يوماً حتَّى يكون الماءُ فوقهم اثني عشر ذراعاً، ثم يأمر اللهُ الأجساد أن تنبت فتنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت، قال الله : ليحيى حملةُ عرشي، فيحيون، ويأمر اللهُ إسرافيل فيأخذ الصُّورَ فيضعه على فيه ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل، فيحييان، ثم يدعو اللهَ بالأرواح فيؤتى بها تتوهَّجُ أرواحُ المؤمنين نوراً وأرواح الكافرين ظلمةً، فيقبضها جميعاً ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر اللهُ إسرافيل أَنْ ينفخ نفخة البعث فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواحُ كأَنَّها النَّحْلُ قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعنَّ كلُّ روحٍ إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجسادِ فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السُّمُّ في اللديغ، ثم تنشقُّ الأرض عنهم، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون سراعاً إلى ربكم تنسلون مُهْطِعِينَ إلى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:٨] حفاة عراة غرلاً، فتقفون موقفاً واحداً مقداره سبعون عاماً لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكونَ حتى تنقطع الدُّموع، ثم تدمعون دماً وتعرقون حتى يلجمكم العرق أو يبلغ الأذقان، وتقولون من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فتقولون مَن أَحَقُّ بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قُبُلاً، فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه فيأبى ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، فيستقرئون الأنبياء نبيّاً نبيّاً كُلَّما جاءوا نبيّاً أبى عليهم. قال رسولُ اللهِ ﷺ : حتى يأتوني فأنطلق إلى الفحص فأخرّ ساجداً. قال أبو هريرة: يا رسولَ الله وما الفحص؟ قال: قدام العرش، حتَّى يبعث الله إليّ ملكاً فيأخذ بعضدي ويرفعني فيقول لي: يا محمَّدُ. فأقول: نعم يا رب، فيقول : ما شأنك؟ وهو أعلم، فأقول: يا ربِّ وعدتني الشَّفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال الله: قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم. قال رسول الله ﷺ : فأَرجع فأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف إذ سمعنا من السماء حساً شديداً فهالنا، فينْزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافَّهم وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا وهو آت. ثم ينْزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثلي من فيها من الجنِّ والإنس، حتَّى إذا دنوا مِن الأرض أشرقت الأرضُ بنورهم وأخذوا مصافَّهم، وقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ فيقولون: لا وهو آت، ثم ينْزلون على قدر ذلك من التضعيف، حتى ينْزل الجبارُ في ظللٍ من الغمام والملائكة فيحمل عرشه يومئذٍ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم في تخوم الأرض السُّفلى والأرض والسموات إلى حجزهم والعرش على مناكبهم، لهم زجلٌ في تسبيحهم يقولون: سبحانَ ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحيِّ الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت. فيضع الله كرسيَّهُ حيث يشاء من أرضه، ثم يهتف بصوته فيقول: يا مَعْشَرَ الجنِّ والإِنْسِ إِنِّي قد أنْصَتُّ لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع قولكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليّ، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه.
стр. 1838
ثم يأمر الله جهنَّم فيخرج منها عنق ساطعٌ مظلم، ثم يقول أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ. هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [يس:٦٠ – ٦٣] , أو بِهَا تُكَذِّبُونَ شك أبو عاصم وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس:٥٩] , فيميز الله الناس وتجثو الأمم، يقول الله تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:٢٨] , فيقضي الله بين خلقه إلا الثقلين الجن والإنس فيقضي بين الوحوش والبهائم حتى إِنَّه ليقضي للجمَّاءِ من ذات القرن. فإذا فرغ من ذلك فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى قال الله لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً، ثم يقضي اللهُ تعالى: بين العباد: فكان أول ما يقضي فيه الدماء، ويأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله كل من قتل فيحمل رأسه تشخب أوداجه فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول – وهو أعلم –: فيم قتلتهم؟ فيقول: قتلتهُم لتكون العزة لك، فيقول اللهُ له: صدقت، فيجعل الله وجهه مثل نورِ الشمس، ثم تمر به الملائكة إلى الجنة، ثم يأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشْخَبُ أوداجه فيقول: يا رب قتلني هذا؟ فيقول تعالى: وهو أعلم: لم قتلتهم؟ فيقول: يا رب قتلتهم لتكون العزة لي، فيقول: تَعِسْتَ، ثم لا تبقى نفسٌ قتلها إلا قتل بها ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها وكان في مشيئة الله إِنْ شاء عذبه وإن شاء رحمه. ثم يقضي الله تعالى: بين من بقي من خلقه حتى لا تبقى مظلمةٌ لأحَدٍ عند أحدٍ إلاّ أخذها اللهُ للمظلوم مِنَ الظَّالم حتى إِنَّه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء. فإذا فرغ الله تعالى: من ذلك نادى مناد يسمع الخلائق: ألا ليلحق كلُّ قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحدٌ عُبِدَ من دون الله إِلاَّ مثلت له آلهتُهُ بين يديه، ويجعل يومئذٍ ملك من الملائكةِ على صورة عُزير ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى بن مريم ثم يتبع هذا اليهود وهذا النَّصارى ثم قادتهم آلهتهم إلى النار، وهو الذي يقول لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء:٩٩] , فإذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون جاءَهُمُ اللهُ فيما شاء من هيئته فقال: يا أَيُّها الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون: واللهِ واللهِ ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبدُ غيره، فيكشف لهم عن ساقه ويتجلَّى لهم من عظمته ما يعرفون أَنَّه رَبَّهم، فيخرُّون للأذقان سُجّداً على وجوههم ويخرُّ كلُّ منافقٌ على قفاه، ويجعل اللهُ أصلابهم كصياصيِّ البقر. ثم يأذَنُ اللهُ لهم فيرفعون ويضربُ اللهُ الصِّراط بين ظهراني جهنَّم كحدِّ الشفرةِ أو كحدِّ السيفِ عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسكِ السَّعْدَان دونه جسر دحض مزلة، فيمرُّون كطرف العين أو كلمح البرق أو كمرِّ الريح أو كجياد الخيل أو كجياد الرِّكاب أو كجياد الرِّجال، فناج سالم، وناج مخدوش، ومكدوس على وجهه في جهنم. فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا: من يشفع لنا إلى ربِّنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أَحقُّ بذلك من أبيكم آدم ﵇؟ خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا. فيأتون آدم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنباً ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بنوح فإِنَّه أَوَّل رُسُلِ اللهِ.
стр. 1839
فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنباً ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول عليكم بإبراهيم فإِنَّ الله تخيَّره خليلاً، فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنباً ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ويقول عليكم بموسى فإِنَّ الله قرَّبه نجيّاً وكلَّمه وأَنزل عليه التوراة. فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنباً ويقول: لستُ بصاحب ذلك ولكنْ عليكم بروحِ الله وكلمته عيسى بن مريم. فيؤتى عيسى بن مريم فيطلب ذلك إليه فيقول: ما أنا بصاحبكم ولكنْ عليكم بمحمد. قال رسول الله ﷺ : فيأتوني ولي عند ربِّي ثلاث شفاعات وعدنيهن، فأنطلق فآتي الجنة فآخذ بحلقةِ الباب فأستفتح فيفتح لي فأُحيّا ويرحب بي، فإذا دخلتُ الجنة فنظرتُ إلى ربّي خررت له ساجداً فيأذن اللهُ لي من تحميده وتمجيده بشيءٍ ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع وسلْ تعط، فإذا رفعتُ رأسي يقول الله تعالى: وهو أعلم: ما شأنُكَ؟ فأقول: يا ربِّ وعدتني الشفاعة فشفِّعني في أهل الجنة فيدخلون الجنة، فيقول الله: قد شفعتك، وقد أذنت لهم في دخول الجنة وكان رسول الله ﷺ يقول: والذي نفسي بيده ما أَنْتُمْ في الدنيا بأَعْرَف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم فيدخل كلُّ رجلٍ منهم على اثنتين وسبعين زوجة، سبعين مما ينشئ الله وثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهم الله تعالى: في الدنيا، فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة على سريرٍ مكلَّلٍ باللؤلؤ عليها سبعون زوجاً من سندس وإستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها وإِنَّه لينظر إلى مُخِّ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت. كبدها له مرآة وكبده لها مرآة، فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء ما يفترُ ذكره وما تشتكي قبلها. فبينا هو كذلك إذ نودي: إِنَّا قد عرفنا أَنِّك لا تَملَّ ولا تُمَلّ، إلاّ أَنَّه لا مَني ولا منيَّة، إلا أَنَّ لك أزواجاً غيرها. فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما أتى واحدة قالت له: والله ما أرى في الجنة شيئاً أحسن منك ولا في الجنة شيء أَحبَّ إليَّ منك. وإذا وقع أهل النار في النار وقع فيها خلق من خلق ربِّكَ أوبقتهم أعمالُهم، فمنهم من تأخذ النار قدميه ولا تجاوز ذلك ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حقويه ومنهم من تأخذ جسده كلَّه إلا وجهه حرَّم اللهُ صورته عليها، قال رسولُ اللهِ ﷺ : فأقولُ يا ربِّ شفِّعني فيمن وقع في النارِ مِنْ أُمَّتِي، فيقول: أَخْرِجُوا من عرفتم فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد. ثم يأذن الله تعالى: في الشفاعة فلا يبقى نبيٌّ ولا شهيد إلاّ شُفِّع، فيقول الله تعالى: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار إيماناً، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ، ثم يشفع الله تعالى: فيقول: أخرجوا من وجدتم في قلبه إيماناً ثلثي دينار، ثم يقول: ثلث دينار، ثم يقول: ربع دينار، ثم يقول: قيراط، ثم يقول: حبة من خردل، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيراً قط ولا يبقى أحدٌ له شفاعة إلا شفع، حتى إِنَّ إبليس يتطاول مما يرى من رحمة الله تعالى: رجاءَ أَنْ يُشفَعَ له.
стр. 1840
ثم يقول: بقيت وأنا أرحم الراحمين فيدخل يده في جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه غيره كأَنَّهم حمم فيلقون على نهر يقال له نهر الحيوان فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فما يلي الشمس منها أخيضر وما يلي الظل منها أصيفر، فينبتون كنباتِ الطراثيث حتى يكونوا أمثال الذرِّ، مكتوبٌ في رقابهم: الجهنميون عتقاء الرحمن، يعرفهم أهل الجنَّةِ بذلك الكتاب ما عملوا خيراً لله قط: فيمكثون في الجنةِ ما شاء اللهُ وذلك الكتابُ في رقابهم، ثم يقولون: ربنا امح عنا هذا الكتاب، فيمحوه الله عنهم)) (١). قال ابن كثير: هذا حديث مشهور وهو غريب جداً ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة، وقد اختلف فيه: فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه وهو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء. قال رحمه الله تعالى: قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جداً ويقال إنه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقاً واحداً فأنكر عليه بسبب ذلك. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفاً قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث، فالله أعلم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٢).
وروى الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: ((جاءَ أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ فقال: ما الصُّور؟ فقال قرن ينفخ فيه)) (٣) وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((كيف أنعمُ وصاحبُ الصُّور قد التقمه وأصْغى سمعه وحنى جبهته ينتظرُ متى يؤمر، فقالوا: يا رسول الله وما تأمُرُنا؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل)) (٤) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ٩٦٩
стр. 1841
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم على إثبات النفخ في الصور
ذكر الله عدة آيات في إثبات أن النفخ في الصور العظيم يحصل حينما يأمر الله بذلك، حسب ما يريد سبحانه من تغيير، وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم هذا النفخ في أكثر من آية، مما يدل على أهميته ومدى خطورته.
لكي يدرك أولئك الهاربون عن ربهم – وهم لا يعجزونه – أن هذه الحياة التي قد غرتهم ليست بشيء، فهي تنتهي بنفخة واحدة، فإذا بها كأن لم تكن بالأمس.
نفخة واحدة فإذا بالفزع قد بلغ من كل نفس منتهاه، ونفخة أخرى فإذا هم أجساد بلا أرواح، ثم نفخة ثالثة فإذا هم قيام ينظرون، فأي قدرة هذه، وأي جهل أعظم من جهل من أعرض عن ربه واغتر بقوته، ونسي أنه يموت بنفخة، ويحيا بنفخة، رغم هذا التعالي الذي قد ملأ رأسه وجميع مشاعره.
وسنذكر فيما يلي مصداق ما قدمنا من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه ﷺ .
والواقع أن الله تعالى قد ذكر النفخ في الصور فيما يقارب اثنى عشر موضعاً في كتابه الكريم، ونذكر من تلك الآيات:
١ - قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل: ٨٧].
٢ - وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨].
٣ - فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [الحاقة: ١٣].
٤ - وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس: ٥١].
٥ - وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا [الكهف: ٩٩].
٦ - يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢].
٧ - يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا [النبأ: ١٨].
٨ - فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ [المؤمنون: ١٠١].
٩ - وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق: ٢٠].
١٠ - قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ٧٣].
وهذه الآيات وغيرها تدل دلالة واضحة ليس بعدها خفاء على حتمية وقوع النفخ في الصور. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ١٩٨
стр. 1842
المطلب الثاني: الأدلة من السنة على إثبات النفخ في الصور
رأينا كيف اهتم القرآن الكريم بذكر النفخ في الصور، وكيف كرره – لتقريره وتثبيته في النفوس - في أكثر من آية، وبين نتيجة كل نفخة وما يحصل بسببها من التغيير الهائل.
وبعد ذكر تلك الآيات التي تدلنا على مدى أهمية تلك النفخات ومدى عناية القرآن الكريم بذكرها، يجب معرفة أنه قد جاءت السنة النبوية فبينت كذلك هذا الأمر العظيم، واعتنت بذكره عناية شديدة، فتكرر ذكره في أكثر من حديث، كما نتبين ذلك من عرض الأحاديث الآتية:
عن أبي هريرة ﵁ قال: ((بينما يهودي يعرض سلعته، أعطي بها شيئاً كرهه، فقال: لا، والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار، فقام فلطم وجهه، وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ بين أظهرنا؟
فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهداً، فما بال فلان لطم وجهي، فقال: لم لطمت وجهه؟ فذكره، فغضب النبي ﷺ حتى رئي في وجهه، ثم قال: (لا تفضلوا بين أولياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور، أم بعث قبلي)) (١).
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة: ((لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون في أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان موسى فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة)) (٣). الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ١٩٩
стр. 1843
المبحث الرابع: النفخات الثلاث الثابتة
قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٦٨] وقال تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ [النازعات: ١٣].
وقال فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ [المؤمنون: ١٠١].
وقال فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ [الحاقة: ١٣].
وقال يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا [النبأ: ١٨].
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ((قال أعرابي يا رسول الله ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه)). رواه أحمد (١).
وعن عطية عن ابن عباس في قوله تعالى: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر: ٨]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ فقال أصحاب رسول الله ﷺ : كيف نقول؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا)). رواه أحمد (٢).
وعن أبي سعيد قال: قال: رسول الله ﷺ : ((إن صاحبي الصور بأيديهما أو في أيديهما قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران)). رواه ابن ماجه (٣).
وعن أبي سعيد الخدري قال ذكر رسول الله ﷺ صاحب الصور فقال: ((عن يمينه جبريل وعن يساره ميكائيل ﵈) رواه أحمد (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((في الصور إنه قرن قال: كيف هو؟ قال: عظيم. قال: والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه لعرض السموات والأرض ينفخ فيه ثلاث نفخات (الأولى) نفخة الفزع (والثانية) نفخة الصعق (والثالثة) نفخة القيام لرب العالمين يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره تعالى فيمدها ويطيلها ولا يفتر وهي التي يقول الله وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ [ص: ١٥] فتسير الجبال سير السحاب فتكون سرابا وترتج الأرض بأهلها رجاً فتكون كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق، يقول الله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ [النازعات: ٦ - ١٠]. فيميد الناس على وجهها وتذهل المراضع وتضع الحوامل. ويشيب الولدان. وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة تضرب وجوهها فترجع فيولون مدبرين مالهم من الله من عاصم ينادي بعضهم بعضاً وهو الذي يقول الله يوم القيامة: يَوْمَ التَّنَادِ إلى أن قال: وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم ثم تطوى السماء فإذا هي كالمهل. ثم انشقت السماء فانتشرت نجومها وخسف شمسها وقمرها قال رسول الله ﷺ : الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك الحديث)). رواه الحافظ أبو يعلى (٥).
(قلت): نفخة الفزع أول مبادئ يوم القيامة كما ورد ولذا فإن الناس يشاهدون أموراً عظاماً وأهوالاً وتضع الحوامل وذلك ما بين نفخة الفزع هذه ونفخة الصعق انتهى. خلاصة معتقد أهل السنة لعبد الله بن سليمان المشعلي – ص: ٩١
стр. 1844
المبحث الخامس: النفخة الثانية نفخة الصعق
قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨].
وفي نفخة الصعق الثانية هذه يموت جميع أهل السموات وأهل الأرض من الإنس والجن والملائكة. وقيل الذين استثنى الله هم حملة العرش وقيل جبريل وميكائيل وقيل غير ذلك والله أعلم.
وفي حديث أبي هريرة المتقدم بعضه فيما يختص بنفخة الفزع أن النبي ﷺ قال: ((ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خمدوا: وجاء ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب مات أهل السموات وأهل الأرض إلا من شئت فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل وبقيت. فيقول الله : ليمت جبريل وميكائيل! فينطق الله العرش فيقول: يموت جبريل وميكائيل! فيقول: أسكت فإني كتبت الموت على كل من تحت عرشي فيموتان ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل فيقول: وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقي حملة عرشك وبقيت أنا: فيقول الله تعالى: فليمت حملة عرشي فيموتون: ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا فيقول الله له: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد كان آخراً كما كان أولاً طوى السموات والأرض كطي السجل ثم دحاها ثم تلقفها ثلاث مرات وقال: أنا الجبار ثلاثاً ثم يهتف بصوته: لمن الملك اليوم ثلاث مرات فلا يجيبه أحد ثم يقول لنفسه لله الواحد القهار ويبدل الله الأرض غير الأرض والسموات فيبسطها ويسطحها ويمدها مد الأديم العكاظي لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه: ١٠٧])). الحديث رواه الحافظ في المسند (١).
وعن الحسن قال سمعت أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله ﷺ : ((يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فعرضتان جدال ومعاذير وعرضة تطاير الصحف فمن أوتي كتابه بيمينه وحوسب حساباً يسيراً دخل الجنة ومن أوتي كتابه بشماله دخل النار)). رواه ابن أبي الدنيا وأحمد (٢). خلاصة معتقد أهل السنة لعبد الله بن سليمان المشعلي – ص: ٩٣
стр. 1845
المبحث السادس: النفخة الثالثة نفخة البعث والنشور
قال تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨] وقال فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣ - ١٤] وقال وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس: ٥١].
وفي حديث الصور قال بعد نفخة الصعق: ((ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في مثل ما كانوا فيه من الأولى من كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها ثم ينزل الله ماء من تحت العرش ثم يأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يوماً حتى يكون الماء فوقهم اثنا عشر ذراعاً ثم يأمر الله الأجسام أن تنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت قال الله: ليحي حملة عرشي فيحيون ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه ثم يقول: ليحي جبريل وميكائيل فيحييان. ثم يدعو الله الأرواح فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نوراً والأخرى ظلمة فيقبضها جميعاً ثم يلقيها في الصور ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول الله: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم إلى أن قال ﷺ : وأنا أول من تنشق الأرض عنه فتخرجون منها سراعاً إلى ربكم تنسلون مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر: ٨])). رواه الحافظ أبو يعلى من حديث أبي هريرة (١).
أول الخلق حياة بعد الصعقة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع)). رواه مسلم (٢).
وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا سيد ولد آدم وأول من تنشق عنه الأرض وأنا أول شافع ومشفع بيدي لواء الحمد تحتي آدم فمن دونه)). رواه البيهقي (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أفاق قبلي أم حوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي)). رواه أبو بكر بن أبي الدنيا (٤). (قلت): قال ابن كثير: وهو في الصحيح قريب من هذا السياق. خلاصة معتقد أهل السنة لعبد الله بن سليمان المشعلي– ص: ٩٥
стр. 1846
الفصل الرابع: حشر الخلائق وصفته
• المبحث الأول: معنى الحشر في اللغة.
• المبحث الثاني: معنى الحشر في الاصطلاح.
• المبحث الثالث: صفة الحشر.
• المبحث الرابع: صفة حشر الخلق وأنهم على صور شتى.
• المبحث الخامس: أول من يحشر من الخلق.
• المبحث السادس: التفاضل في المحشر.
стр. 1847
المبحث الأول: معنى الحشر في اللغة
قال الراغب الأصفهاني: (الحشر: إخراج الجماعة من مقرهم, وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها.
ويطلق على الإزالة يقال: حشرت السنة مال بني فلان أي: أزالته عنهم، ولا يقال الحشر إلا في الجماعة) (١).
قال تعالى: قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء: ٣٦]، وقوله تعالى: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٩]، وقوله تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥].
إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى، وهي كثيرة تدل على إطلاق لفظة الحشر على الكثرة والجماعة، مراداً بها جمع الناس في مكان.
وعرفه القرطبي بأنه الجمع (٢)، وهو ما عرفه به كذلك البرديسي (٣)، والسفاريني (٤).
وقال الأزهري نقلاً عن الليث: (الحشر: حشر يوم القيامة. ثم ذكر أن من معانيه وروده بمعنى الجمع الذي يحشر إليه القوم، وكذلك إذا حشروا إلى بلد أو معسكر ونحوه) (٥).
ويقول أبو هلال العسكري: (الحشر: هو الجمع مع السوق، والشاهد قوله تعالى: قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء: ٣٦]، أي ابعث من يجمع السحرة ويسوقهم إليك، ومنه يوم الحشر لأن الخلق يجمعون فيه ويساقون إلى الموقف) (٦).
وهو ما ذكره الزمخشري في (أساس البلاغة) (٧).
قال البرديسي: (وأما المحشر بفتح الشين فهو المصدر، وبكسرها اسم للموضع، وبعضهم يذهب إلى أن الكل بمعنى واحد، ونقل عن الجوهري أنه قال: المحشر بالكسر موضع الحشر. قال: وذكر صاحب العين أن المحشر بالكسر والفتح الموضع الذي يحشر الناس إليه) (٨). الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٦٧
стр. 1848
المبحث الثاني: معنى الحشر في الاصطلاح
ويطلق الحشر على يوم القيامة (١)، وهو سوق الناس وجمعهم إلى المحشر لحسابهم، كما ظهر في التعريفات السابقة.
وقال ابن حجر في بيان معنى الحشر: أنه (حشر الأموات من قبورهم وغيرها بعد البعث جميعاً إلى الموقف. قال الله : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: ٤٧]) (٢).
وقال البيجوري: (الحشر عبارة عن سوقهم – أي الناس – جميعاً إلى الموقف وهو الموضع الذي يقفون فيه) (٣). الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٦٨
стр. 1849
المبحث الثالث: صفة الحشر
يحشر الله الناس في الموقف وتدنو منهم الشمس قدر ميل في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فيشق على الناس هذا اليوم العظيم ويبلغ فيهم العرق مبلغاً عظيماً فيلجمهم، أي يصل إلى أفواههم كما أشار بذلك النبي ﷺ إلى فيه. وبعضهم يصل إلى حقويه، وبعضهم إلى ركبتيه .. وإلى كعبيه، وذلك بحسب أعمالهم ولا ينجو من هذا العرق إلا من كتب الله له النجاة من ذلك، ومن هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله فيكونون تحت ظل الله الذي يخلقه يوم لا ظل إلا ظله.
نص كلام شيخ الإسلام في المسالة: قال –﵀: ( ... وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق) (١).
ذكر من نقل الإجماع من أهل العلم أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: لم أقف فيه على من نقل الإجماع من أهل العلم .. ولكن الحديث فيه صحيح صريح.
ذكر مستند الإجماع على دنو الشمس من الناس يوم القيامة ولجومهم بالعرق: روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى يكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه) (٢). المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٨٧٣
стр. 1850
وعن سهلِ بن سعد ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((يحشرُ النَّاسُ يومَ القيامة على أرضٍ بيضاء عفراء كقرصةِ النَّقى ليس فيها معلم لأحد)) (١). وفي (صحيح البخاري) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((تكونُ الأرضُ يَوْمَ القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبارُ بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة)) (٢). وفي (صحيح مسلم) عن عائشة ﵂ أَنَّها قالت: ((أنا أَوَّل الناس سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآية يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:٤٨] قالت قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على الصراط)) (٣). وفيه من حديث ((اليهودي الذي سأل رسول الله ﷺ : أين يكون الناس يوم تُبدَّلُ الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : هم في الظلمة دون الجسر)) (٤) الحديث. ولابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ ((أَنَّ حبراً من اليهود سأل النبي ﷺ فقال: أرأيتَ إذ يقول اللهُ تعالى: في كتابه يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:٤٨] فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: أضياف الله، فلن يعجزهم ما لديه))، ورواه ابن أبي حاتم أيضاً (٥). وفي حديث الصور الطويل عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أَنَّه قال: ((يبدل الله الأَرْض غير الأَرْضِ والسَّموات فيبسطها ويمدها مدَّ الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً. ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة)) (٦) وهذا هو الذي أشار رحمه الله تعالى: إليه بقوله: وتمد أيضاً مثل مد أديمنا الخ البيت.
стр. 1851
وقوله: وهما كتبديل الجلود لساكني النيران إلى آخر، يشير إلى قول الله تعالى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ [النساء:٥٦] ووجْهُ المشابهة بين التبديلين أَنَّ جلودَ الكفار كلما احترقت قيل لها عودي فعادت كما كانت، ومعنى قوله (غيرها) أي صارت غيرها لعودها بعدما نضجت واحترقت، وإلاّ فهي هي التي عملت المعاصي في الدنيا وبها تجازى في الآخرة. وقال ابن عباس ﵄ يبدِّلون جلوداً بيضاً أمثال القراطيس، يعني تجدد لهم الجلود التي نضجت كذلك ليتجدد لهم العذاب أبداً والعياذ بالله، وكذلك تبديل الأرض والسموات هو تغييرها من حال إلى حال وإلا فهي هي. والله أعلم. وقوله ﵀: وكذلك يقبض أرضه وسماءه بيديه الخ. يشير إلى قول الله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:١٠٤] وقوله : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:٦٧]. وفي (الصحيحين) عن ابن مسعود ﵁ قال: ((جاء رجلٌ مِنَ الأحبار إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا محمَّد إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يجعل السَّمَوَاتِ على إصبع، والأرضينَ على إصبع، والشجر على إصبع، والماءَ والثَّرى على إصبع، وسائرَ الخلق على إصبع فيقول أنا الملك. فضحك رسولُ اللهِ ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسولُ اللهِ ﷺ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:٦٧] الآية)) (١). وفي (الصحيحين) أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: ((يَقبِضُ الله تعالى: الأرض ويطوي السماءَ بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوكُ الأرضِ)) (٢) وفيهما عن ابن عمر ﵄ عن رسولِ الله ﷺ قال: ((إِنَّ الله ﵎ يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السَّمَواتُ بيمينه ثم يقول أنا الملك)) (٣). وفي لفظ لمسلم ((يأخذ الله ﵎ سماواته وأرضه بيده ويقول أنا الله – ويقبض أصابعه ويبسطها – أنا الملك – حتى نظرتُ إلى المنبر يتحرَّك من أسفل شيءٍ منه حتى إِنِّي لأقول أساقطٌ هو برسولِ اللهِ ﷺ ) (٤)، ولفظ أحمد رحمه الله تعالى: عن ابن عمر ﵄ قال: ((إِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:٦٧] ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر: يمجد الرَبُّ نفسه، أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملكُ أنا العزيزُ أنا الكريمُ، فرجف برسولِ الله ﷺ المنبرُ حتى قلنا ليخرنَّ به)) (٥).
стр. 1852
ولابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: (يطوي اللهُ السَّمَواتِ السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السَّبع بما فيها من الخليقة، يطوي ذلك كله بيمينه يكونُ ذلك كله في يده بمنْزلة خردلةٍ) (١). وقوله رحمه الله تعالى: (وتحدِّثُ الأرْضُ التي كنا بها، أخبارها الخ) يشير إلى قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة:٤ – ٥] وقال البخاري رحمه الله تعالى: أوحى لها وأوحى إليها، ووحى لها ووحى إليها واحد. وكذا قال ابن عباس. وعنه ﵁ قال: قال لها ربها: قولي فقالت وقال مجاهد: أوحى لها أي أمرها. وقوله رحمه الله تعالى:
وتقيء يوم العَرض من أكبادها ... كالأسطوانِ نفائس الأثمانِ
стр. 1853
يشير إلى قول الله : وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الزلزلة:٢] وإلى ما رواه مسلم رحمه الله تعالى: في (صحيحه) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تُلقي الأرضُ أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيءُ القاتل فيقول في هذا قُتِلت، ويجيءُ القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارقُ فيقول في هذا قُطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً)) (١). وقوله (وكذا الجبال تفت فتاً محكماً) يشير إلى قول الله : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًاً [طه:١٠٥ – ١٠٧] وقوله : وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:٨٨] الآية، وقوله : وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا [الواقعة:٥ – ٦] وقوله وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ [المعارج:٩] وفي سورة القارعة: كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:٥] وقوله : يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلاً [المزمل:١٤] وقوله : وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ [المرسلات:١٠] وقوله : وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:٣] وقوله : وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا [النبأ:٢٠] وقوله : وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [الحاقة:١٤] وقوله : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة [الكهف:٤٧] وما في معانيها من الآيات. قال ابن عباس ﵄: (سأل رجل من ثقيف رسول الله ﷺ : كيف تكونُ الجبال يومَ القيامة؟ فأنزل اللهُ تعالى: هذه الآية وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ) أي هل تبقى يوم القيامة أو تزول فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه:١٠٥] أي يذهبها عن أماكنها ويسيِّرها تسييراً فيذرها أي الأرض قاعاً صفصفاً أي بسطاً واحداً، والقاع هو المنبسط المستوي من الأرض والصفصف الأملس لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًاً [طه:١٠٧] أي لا ترى في الأرض يومئذٍ وادياً ولا رابية ولا صدعاً ولا أكمة ولا مكاناً منخفضاً ولا مرتفعاً. كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف رحمهم الله تعالى. وقوله تعالى: تَحْسَبُهَا جَامِدَة [النمل:٨٨] أي قائمة واقفة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:٨٨] أي تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض، قال البغوي رحمه الله تعالى: وذلك أنَّ كلَّ شيء عظيم وكُلَّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو سائر، كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمها، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم في قوله تعالى: وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا [الواقعة:٥]: أي فتت فتاً. وقال عطاء ومجاهد ومقاتل: فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول. قال سعيد بن المسيب والسدِّي: كسرت كسراً. وقال الكلبي: سُيِّرَتْ على وجه الأرض تسييراً. وقال الحسن: قلعت من أصلها فذهبت. ونظيرُها فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه:١٠٥] وقال ابن كيسان: جعلت كثيباً مهيلاً بعد أن كانت شامخة طويلة فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا [الواقعة:٦]: غباراً متفرقاً كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل الكوة وهو الهباء. وقال أبو إسحاق: عن الحارث عن علي ﵁ هَبَاء مُّنبَثًّا: كوهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء.
стр. 1854
وقال العوفي عن ابن عباس: (الهباء يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاً) (١). وقال عكرمة: المنبث الذي قد ذرته الريح وبثَّته. وقال قتادة: هباءً منبثاً، كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح، وقال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك والسدّي: العهن الصوف، وقال البغوي: كالصوف المصبوغ، ولا يقال عِهن إلا للمصبوغ. وقال الحسن: كالصوف الأحمر وهو أضعف الصوف. وقال: المنفوش المندوف. وقال ابن كثير: المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والتمزق. وقال في قوله كَثِيبًا مَّهِيلاً: أي تصير ككثبان الرمل بعدما كانت حجارة صماء. وقال البغوي: رملاً سائلاً. قال الكلبي: هو الرمل الذي إذا أخذت منه شيئاً تبعك ما بعده، يقال أهلت الرمل أهيله هيلاً إذا حركت أسفله حتى انهال من أعلاه. وقال نُسِفَتْ قلعت من أماكنها. وقال ابن كثير: ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر. وقال في فَكَانَتْ سَرَابًا: أي يخيل إلى النَّاظر أَنَّها شيء، وليس بشيء، وبعد هذا تذهب بالكلية فلا عين ولا أثر. وقال في وَتَسِيرُ الْجِبَالُ: تذهب عن أماكنها وتزول. وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة [الكهف:٤٧] أي بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحداً، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية. قال مجاهد وقتادة: وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة لا حجر فيها ولا غيابة. وقال قتادة أيضاً: لا بناء ولا شجر. وقال البغوي: فَدُكَّتَا كسرتا دَكَّةً كسرة وَاحِدَةً. قال: وأول ما تتغير الجبال تصير رملاً مهيلاً، ثم عِهناً منفوشاً، ثم تصير هباءً منثوراً. وقوله رحمه الله تعالى: وكذا البحار فإنها مسجورة، قد فجرت إلخ، يشير إلى قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:٦] وقوله : وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار:٣] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (فجر الله تعالى: بعضها في بعض) (٢). وقال الحسن: فجر الله تعالى: بعضها في بعض فذهب ماؤها. وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها. وقال الكلبي: ملئت. وقوله تعالى: سُجِّرَتْ قال ابن عباس: (أوقدت فصارت ناراً تضطرم) (٣). وقال مجاهد ومقاتل: يعني فجر بعضها في بعض، العذب والملح، فصارت كلها بحراً واحداً. وقال الكلبي: ملئت. وقيل: صارت مياهها بحراً واحداً من الحميم لأهل النار. وقال الحسن: يبست. وهو قول قتادة، قال: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة. والمعنى المتحصل من أقوالهم ﵏ أنها يفجر بعضها في بعض فتمتلئ ثم تسجر ناراً فيذهب ماؤها، ولهذا جمع ابن القيم رحمه الله تعالى: بينهما فقال (مسجورة قد فجرت) والله تعالى: أعلم. وقوله رحمه الله تعالى: (وكذلك القمران يأذَنُ ربُّنا لهما فيجتمعان) إلخ، يشير إلى قول الله وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [القيامة:٨ – ٩] وقوله إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:١] خسف: أظلم وذهب نوره وضوؤه. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [القيامة:٩] أي صارا أسودين مكوَّرين كأنهما ثوران عقيران. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:١]: أظلمت (٤). وقال العوفي عنه: ذهبت. وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوؤها. وقال سعيد بن جبير: كوّرت غورت. وقال ربيع بن خيثم: رمي بها. وقال أبو صالح: ألقيت. وعنه أيضاً: نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض.
стр. 1855
وقال ابن جرير: والصواب عندنا من القول في ذلك أَنَّ التكويرَ جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة، وجمع الثياب بعضها على بعض، فمعنى قوله تعالى: كُوِّرَتْ جمع بعضها إلى بعض ثم لفَّت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها. ولابن أبي حاتم (عن ابن عباس إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:١] قال: يكور الله تعالى: الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله تعالى: ريحاً دبوراً فيضرمها ناراً) (١). وكذا قال عامر الشعبي. ولابن أبي حاتم عن ابن يزيد بن أبي مريم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال في قول الله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:١] قال: ((كوِّرَتْ في جَهَنَّم)) (٢) وللبخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((الشَّمس والقمر يُكوَّران يَوْمَ القيامة)) (٣). وقوله رحمه الله تعالى: (وكواكب الأفلاك تنثر كلها إلخ) يشير إلى قول الله وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [التكوير:٢] وقوله تعالى: وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ [الانفطار:٢]، وقوله تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ [المرسلات:٨] أي محي نورها وذهب ضوؤها. وانكدرت: تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض. يقال انكدَرَ الطائر إذا سقط عن عشه. قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يبقى نجم إلا وقع.
стр. 1856
وقوله رحمه الله تعالى: (وكذا السماء تشق شقاً ظاهراً وتمور) إلخ، يشير إلى قوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:١] وقوله تعالى: وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة:١٦] وقوله وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ [الفرقان:٢٥] وقوله : السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ [المزمل:١٨] وقوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:١] وقوله تعالى: وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ [التكوير:١١] وقوله وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ [المرسلات:٩] وقوله تعالى: وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا [النبأ:١٩] وقوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [الطور:٩] وقوله يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ [المعارج:٨] وقوله فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن:٣٧] وقوله انشَقَّتِ أي: صارت أبواباً لنُزول الملائكة فَكَانَتْ وَرْدَةً عن ابن عباس: (تغير لونها، وعنه قال كالفرس الورد) (١). وقال أبو صالح: كالبرذون الورد. وحكى البغوي وغيره أَنَّ الفرس الورد تكون في الربيع صفراء وفي الشتاء حمراء فإذا اشتد البرد اغبرَّ لونها، فشبَّه السَّمَاءَ في تلونها عند انشقاقها بهذا الفرس في تلونه. كَالدِّهَانِ قال الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع: هو جمع دهن، شبّه السماء في تلونها بلون الورد من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن، وقال عطاء بن أبي رباح: كالدهان كعصير الزيت يتلون في الساعة ألواناً، وقال مقاتل: كدهن الورد الصافي، وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن الذائب. وذلك حين يصيبها حر جهنم. وقال ابن عباس والكلبي: كالدهان أي كالأديم الأحمر وجمعه دهنة ودهن. وقال عطاء الخراساني: كلون الدهن في الصفرة، وقال قتادة: هي اليوم خضراء ويومئذٍ لونها إلى الحمرة يوم ذو ألوان، وقال ابن كثير ﵀: تذوبُ كما يذوب الدرديُّ والفضّةُ في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شِدَّةِ الأمر وهو يوم القيامة العظيم. وللإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطش عليهم)) (٢) قال الجوهري: الطش المطر الضعيف. وقوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا [الطور:٩]. قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكاً، وعنه: هو تشققها. وقال مجاهد: تدور دوراً، وقال الضحاك: استدارتها وتحركها لأمر الله وموج بعضها في بعض، وهذا اختيار ابن جرير أَنَّه التحرك في استدارة. وقال عطاء الخراساني: تختلف أجزاؤها بعضها في بعض، وقيل تضطرب، وقال البغوي: تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. قال: والمور يجمع هذه المعاني كلها: فهو في اللغة الذهاب والمجيء، والتردد والدوران، والاضطراب. وقال تعالى: وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا [الحاقة:١٦ – ١٧] عن علي قال: (تنشق السماء من المجرة) رواه ابن أبي حاتم (٣)،
стр. 1857
والملك اسم جنس – أي الملائكة – على أرجاء السماء، قال ابن عباس: (على ما لم ير منها) (١) أي حافاتها. وكذلك قال سعيد بن جبير والأوزاعي، وقال الضحاك: أي أطرافها، وقال الحسن البصري: أبوابها، وقال الربيع بن أنس: على ما استرق من السماء ينظرون إلى أهل الأرض. وقوله تعالى: السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ [المزمل:١٨]: متشقق. قال الحسن وقتادة أي بسببه من شدته وهوله، وفُرِجَتْ قال ابن كثير: أي انفطرت وانشقت وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها ...
وقوله:
وإذا أرادَ اللهُ إخراجَ الورى ... بعد الممات إلى معادٍ ثانِ
ألقى على الأرض التي هم تحتها ... ... ... ... إلخ
يشير إلى حديث عبدالله بن عمرو ﵄ بطوله وفيه: ((ثم يرسل الله – أو قال يُنْزل الله – تعالى مطراً كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس)) (٢) الحديث. وفي حديث الصور الطويل: ((ثم يُنْزِلُ الله عليهم ماءً مِنْ تحت العرش، ثم يأمر اللهُ السماء أن تمطر أربعين يوماً حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعاً، ثم يأمر الأجساد أن تنبت فتنبت كنباتِ الطراثيث أو كنبات البقل)) (٣) وهو الذي عناه بقوله: (عشراً وعشراً بعدها عشران). وقوله: (أوحى لها ربُّ السماء فتشقَّقت إلخ) يشير إلى قول الله وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:٤]، وقوله أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ [العاديات:٩] قال ابن عباس: بحثت (٤)، وقال السدي: تبعثر تحرك فيخرج من فيها، وقال البغوي: بحثت وقلب ترابها وبعث من فيها من الموتى أحياء، يقال بعثرت الحوض وبحثرته إذا قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وقال في الآية الأخرى إِذَا بُعْثِرَ: أثير وأخرج مَا فِي الْقُبُورِ أي من الأموات. وقوله: (وتخلت الأمُ الولودُ إلخ) يشير إلى قوله تعالى: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [الانشقاق:٤] قال مجاهد وسعيد وقتادة: ألقتْ ما في بطنها مِنَ الأموات وتخلَّت منهم. اهـ.
стр. 1858
وقوله: (وأخرجت أثقالها إلخ) يشير إلى قوله وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا – إلى قوله - بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة:٢ – ٥]. قال ابن كثير ﵀: يعني ألقت ما فيها من الموتى، قاله غير واحد من السلف: وقد تقدم تفسيرها بإلقائها أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان. وقال البغوي ﵀: أثقالها موتاها وكنوزها فتلقيها على ظهرها. وقوله ﵀: (والله ينشي خلقه) أي هم أنفسهم لا غيرهم بعد موتهم (في نشأة أخرى إلخ) يشير إلى قول الله وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى [النجم:٤٥ – ٤٦] فهذه هي النشأة الأولى. قال تعالى: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى [النجم:٤٧] وهو البعث بعد الموت. قال تعالى: نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ [الواقعة:٦٠ – ٦٢] وما في معنى ذلك من الآيات والأحاديث. والمقصود أنَّ الله يبعث الموتى أنفسهم ويجمعهم بعد ما فرقهم وينشرهم بعد ما مزقهم، ويعيدهم كما خلقهم، قد علم الله ما تنقص الأرض منهم وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر:٤٤]. وقوله: (ما قال إنَّ الله يعدم خلقه إلخ) أي لم يقل الله تعالى: ولا رسوله ﷺ إنه يعدمهم العدم المحض ويأتي بغيرهم، ولا إنَّ المثاب غير من عمل الطاعات في الدنيا، ولا إنَ المعذب غير من مرد على المعاصي إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:٤٠] وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت:٤٦] وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ [غافر:٣١]، بل قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:٥٥]، فالذين خلقهم من الأرض هم الذين أعادهم فيها، وهم الذين يخرجهم منها، ليسوا غيرهم كما يقوله الزنادقة قبحهم الله تعالى. والكلام في هذا الباب يطول جداً، والنصوص فيه لا تحصى كثيرة، وإنَّما أشرنا إلى بعض من كل ودق من جل وقطرة من بحر والله المستعان. إلى آخر ما ذكرنا من التعليق على الأبيات التي سقنا من (نونية ابن القيم) رحمه الله تعالى: مع غاية الاختصار، والإيجاز ولله الحمد والمنة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - بتصرف – ٢/ ٩٤٥
стр. 1859
المبحث الرابع: صفة حشر الخلق وأنهم على صور شتى
حينما يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين يساقون إلى المحشر (١) لفصل القضاء، ولتجزى كل نفس بما تسعى؛ فيجزى كل عامل ما يستحق من الجزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ولكن كيف يكون مجيئهم للحشر؟
والجواب:
قد بينت السنة النبوية الهيئات التي يأتي بها الخلائق، وهي هيئات وحالات مختلفة؛ إما حسنة، وإما قبيحة، بحسب ما قدموا من خير، وشر، وإيمان، وكفر، وطاعة, ومعصية، فتزود لها بالعمل الصالح.
ومن تلك الهيئات الأمثلة الآتية:
١ - ما أخبر به النبي ﷺ عن حالة الناس عند حشرهم لفصل القضاء – مؤمنهم وكافرهم – من أنهم يكونون في هيئة واحدة، لا عهد لهم بها في الدنيا، ولا يتصورون حدوثها، ولهذا فقد كثر التساؤل والاستغراب لتلك الحالة حينما أخبر بها الرسول ﷺ .
كما في الحديث الذي ترويه أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((تحشرون حفاة عراة غرلاً)) (٢).
ومعنى حفاة: أي تمشون على أرجلكم دون نعل أو خف.
والعاري: هو من لا ثوب له على جسده، والأغرل: هو الذي لم يختتن، أي إن البشر يرجعون كهيئتهم يوم ولدوا، حتى إن الغرلة ترجع وإن كان قد اختتن صاحبها في الدنيا؛ تحقيقاً لقوله تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤].
وقد ورد هذا المعنى في حديث ابن عباس ﵄ قال: قام فينا النبي ﷺ يخطب فقال: ((إنكم محشورون حفاة عراة)) كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤] (٣).
٢ - يحشر بعض الناس (وهم الكافرون) وهم يسحبون في المحشر على وجوههم، وكم يستغرب كثير من الناس هذه الحال؛ لأنهم في الدنيا لم يعرفوا تلك الحال، ولم يتصوروا وقوعها، ومع أنها حالة غريبة لكنها غير منفية لا عقلا ولا نقلا.
فأما العقل فإنه لا ينفي وقوعها، وذلك إذا علمنا أن قدرة الله على كل شيء أمر هين، فإن الذي أمشى هؤلاء على الرجلين له القدرة على أن يمشيهم على وجوههم، بل لو أراد الله ذلك لحصل في الدنيا فضلا عن الآخرة.
ومصداق ما قدمنا ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ كما في الصحيحين – ((أن رجلا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)) قال قتادة: بلى وعزة ربنا (٤).
(قال ابن حجر في بيان معنى المشي المذكور في الحديث قوله: ((أليس الذي أمشاه ... )) ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته؛ فلذلك استغربوا حتى سألوا عن كيفيته) (٥)
ثم رد على الذين يزعمون أن هذا هو مثل ضربه النبي ﷺ بأن (الجواب الصادر عن النبي ﷺ ظاهر في تقرير المشي على حقيقته) أي فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره.
ومعلوم أن أمر الآخرة وأحوالها غير أمر الدنيا وأحوالها، فكل شيء في الآخرة جديد ولا عهد للناس به، فهي حياة أخرى لها مميزات وكيفيات لا توجد في الدنيا، وليس على الله بعزيز في أن يمشي الكافر على وجهه، إذ لو أراد الله ذلك في الدنيا لكان حاصلا فيها، ولكان أمرا مألوفا كما هو الحال في المشي على الرجلين.
стр. 1860
ولله تعالى فوق هذا كله حكم قد ندركها، وقد لا ندركها، فإن الكافر في الدنيا كان ذا عتو واستكبار، يمشي على رجليه متبخترا معتزا بنفسه، لا يحني رأسه لشيء غير هواه، فلا يعرف التواضع لله في شيء، بل كان يستنكف من السجود لربه والخضوع له.
وهذا ما ذهب إليه ابن حجر في بيان حكمة هذا المشي حين قال: (والحكمة في حشر الكافر على وجهه: أنه عوقب على عدم السجود لله في الدنيا، بأن يسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات)) (١)
وكثرة النصوص في هذا الموضوع تمنع كونه من باب التمثيل، فهو إذا على حقيقته فلا ينبغي تأويله، بالإضافة إلى أنه من الأمور الممكنة عقلا، وليست من قبيل المستحيلات على الله تعالى .....
٣ - حشر المتكبرين
ومن الأوصاف الأخرى التي وردت في السنة لحشر فئات من الناس، صنف من الناس يحشرون في أحقر صفة وأذلها، وهؤلاء هم المتكبرون.
فلأنهم في الدنيا يمشون في كبرهم وتبخترهم على الناس، عالية رؤوسهم عن التواضع لله أو لخلقه، هؤلاء المستكبرون ورد في صفة حشرهم عن رسول الله ﷺ ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال, يغشاهم الذل من كل مكان)) (٢) الحديث.
وفي رواية عن جابر ﵁: عن النبي ﷺ قال: ((يبعث الله يوم القيامة ناساً في صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا)) (٣).
وهذه الحالة المخزية تناسب ما كانوا فيه في الدنيا من تعاظم وغرور بأنفسهم، لأنهم كانوا في الدنيا يتصورون أنفسهم أعظم وأجل المخلوقات؛ فجعلهم الله في دار الجزاء أحقر المخلوقات وأصغرها.
٤ - حشر السائلين:
ومن الصور الأخرى التي تشاهد في يوم القيامة صور أولئك السائلين الذين يسألون الناس وعندهم ما يغنيهم، يأتون يوم القيامة وفي وجوههم خموش أو كدوح، أو يأتون وليس في وجوههم مزعة لحم، يعرفهم الناس كلهم.
وهذا ما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((ما يزال الرجل يسأل الناس؛ حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم)) (٤).
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل وله ما يغنيه؛ جاءت خموشاً أو كدوحاً في وجهه يوم القيامة)) (٥) والجزاء من جنس العمل.