وقوله رحمه الله تعالى: (وكذا السماء تشق شقاً ظاهراً وتمور) إلخ، يشير إلى قوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:١] وقوله تعالى: وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة:١٦] وقوله وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ [الفرقان:٢٥] وقوله : السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ [المزمل:١٨] وقوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:١] وقوله تعالى: وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ [التكوير:١١] وقوله وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ [المرسلات:٩] وقوله تعالى: وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا [النبأ:١٩] وقوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [الطور:٩] وقوله يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ [المعارج:٨] وقوله فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن:٣٧] وقوله انشَقَّتِ أي: صارت أبواباً لنُزول الملائكة فَكَانَتْ وَرْدَةً عن ابن عباس: (تغير لونها، وعنه قال كالفرس الورد) (١). وقال أبو صالح: كالبرذون الورد. وحكى البغوي وغيره أَنَّ الفرس الورد تكون في الربيع صفراء وفي الشتاء حمراء فإذا اشتد البرد اغبرَّ لونها، فشبَّه السَّمَاءَ في تلونها عند انشقاقها بهذا الفرس في تلونه. كَالدِّهَانِ قال الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع: هو جمع دهن، شبّه السماء في تلونها بلون الورد من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن، وقال عطاء بن أبي رباح: كالدهان كعصير الزيت يتلون في الساعة ألواناً، وقال مقاتل: كدهن الورد الصافي، وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن الذائب. وذلك حين يصيبها حر جهنم. وقال ابن عباس والكلبي: كالدهان أي كالأديم الأحمر وجمعه دهنة ودهن. وقال عطاء الخراساني: كلون الدهن في الصفرة، وقال قتادة: هي اليوم خضراء ويومئذٍ لونها إلى الحمرة يوم ذو ألوان، وقال ابن كثير ﵀: تذوبُ كما يذوب الدرديُّ والفضّةُ في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شِدَّةِ الأمر وهو يوم القيامة العظيم. وللإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطش عليهم)) (٢) قال الجوهري: الطش المطر الضعيف. وقوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا [الطور:٩]. قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكاً، وعنه: هو تشققها. وقال مجاهد: تدور دوراً، وقال الضحاك: استدارتها وتحركها لأمر الله وموج بعضها في بعض، وهذا اختيار ابن جرير أَنَّه التحرك في استدارة. وقال عطاء الخراساني: تختلف أجزاؤها بعضها في بعض، وقيل تضطرب، وقال البغوي: تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. قال: والمور يجمع هذه المعاني كلها: فهو في اللغة الذهاب والمجيء، والتردد والدوران، والاضطراب. وقال تعالى: وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا [الحاقة:١٦ – ١٧] عن علي قال: (تنشق السماء من المجرة) رواه ابن أبي حاتم (٣)،
стр. 1857
والملك اسم جنس – أي الملائكة – على أرجاء السماء، قال ابن عباس: (على ما لم ير منها) (١) أي حافاتها. وكذلك قال سعيد بن جبير والأوزاعي، وقال الضحاك: أي أطرافها، وقال الحسن البصري: أبوابها، وقال الربيع بن أنس: على ما استرق من السماء ينظرون إلى أهل الأرض. وقوله تعالى: السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ [المزمل:١٨]: متشقق. قال الحسن وقتادة أي بسببه من شدته وهوله، وفُرِجَتْ قال ابن كثير: أي انفطرت وانشقت وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها ...
وقوله:
وإذا أرادَ اللهُ إخراجَ الورى ... بعد الممات إلى معادٍ ثانِ
ألقى على الأرض التي هم تحتها ... ... ... ... إلخ
يشير إلى حديث عبدالله بن عمرو ﵄ بطوله وفيه: ((ثم يرسل الله – أو قال يُنْزل الله – تعالى مطراً كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس)) (٢) الحديث. وفي حديث الصور الطويل: ((ثم يُنْزِلُ الله عليهم ماءً مِنْ تحت العرش، ثم يأمر اللهُ السماء أن تمطر أربعين يوماً حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعاً، ثم يأمر الأجساد أن تنبت فتنبت كنباتِ الطراثيث أو كنبات البقل)) (٣) وهو الذي عناه بقوله: (عشراً وعشراً بعدها عشران). وقوله: (أوحى لها ربُّ السماء فتشقَّقت إلخ) يشير إلى قول الله وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:٤]، وقوله أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ [العاديات:٩] قال ابن عباس: بحثت (٤)، وقال السدي: تبعثر تحرك فيخرج من فيها، وقال البغوي: بحثت وقلب ترابها وبعث من فيها من الموتى أحياء، يقال بعثرت الحوض وبحثرته إذا قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وقال في الآية الأخرى إِذَا بُعْثِرَ: أثير وأخرج مَا فِي الْقُبُورِ أي من الأموات. وقوله: (وتخلت الأمُ الولودُ إلخ) يشير إلى قوله تعالى: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [الانشقاق:٤] قال مجاهد وسعيد وقتادة: ألقتْ ما في بطنها مِنَ الأموات وتخلَّت منهم. اهـ.
стр. 1858
وقوله: (وأخرجت أثقالها إلخ) يشير إلى قوله وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا – إلى قوله - بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة:٢ – ٥]. قال ابن كثير ﵀: يعني ألقت ما فيها من الموتى، قاله غير واحد من السلف: وقد تقدم تفسيرها بإلقائها أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان. وقال البغوي ﵀: أثقالها موتاها وكنوزها فتلقيها على ظهرها. وقوله ﵀: (والله ينشي خلقه) أي هم أنفسهم لا غيرهم بعد موتهم (في نشأة أخرى إلخ) يشير إلى قول الله وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى [النجم:٤٥ – ٤٦] فهذه هي النشأة الأولى. قال تعالى: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى [النجم:٤٧] وهو البعث بعد الموت. قال تعالى: نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ [الواقعة:٦٠ – ٦٢] وما في معنى ذلك من الآيات والأحاديث. والمقصود أنَّ الله يبعث الموتى أنفسهم ويجمعهم بعد ما فرقهم وينشرهم بعد ما مزقهم، ويعيدهم كما خلقهم، قد علم الله ما تنقص الأرض منهم وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر:٤٤]. وقوله: (ما قال إنَّ الله يعدم خلقه إلخ) أي لم يقل الله تعالى: ولا رسوله ﷺ إنه يعدمهم العدم المحض ويأتي بغيرهم، ولا إنَّ المثاب غير من عمل الطاعات في الدنيا، ولا إنَ المعذب غير من مرد على المعاصي إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:٤٠] وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت:٤٦] وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ [غافر:٣١]، بل قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:٥٥]، فالذين خلقهم من الأرض هم الذين أعادهم فيها، وهم الذين يخرجهم منها، ليسوا غيرهم كما يقوله الزنادقة قبحهم الله تعالى. والكلام في هذا الباب يطول جداً، والنصوص فيه لا تحصى كثيرة، وإنَّما أشرنا إلى بعض من كل ودق من جل وقطرة من بحر والله المستعان. إلى آخر ما ذكرنا من التعليق على الأبيات التي سقنا من (نونية ابن القيم) رحمه الله تعالى: مع غاية الاختصار، والإيجاز ولله الحمد والمنة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - بتصرف – ٢/ ٩٤٥
стр. 1859
المبحث الرابع: صفة حشر الخلق وأنهم على صور شتى
حينما يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين يساقون إلى المحشر (١) لفصل القضاء، ولتجزى كل نفس بما تسعى؛ فيجزى كل عامل ما يستحق من الجزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ولكن كيف يكون مجيئهم للحشر؟
والجواب:
قد بينت السنة النبوية الهيئات التي يأتي بها الخلائق، وهي هيئات وحالات مختلفة؛ إما حسنة، وإما قبيحة، بحسب ما قدموا من خير، وشر، وإيمان، وكفر، وطاعة, ومعصية، فتزود لها بالعمل الصالح.
ومن تلك الهيئات الأمثلة الآتية:
١ - ما أخبر به النبي ﷺ عن حالة الناس عند حشرهم لفصل القضاء – مؤمنهم وكافرهم – من أنهم يكونون في هيئة واحدة، لا عهد لهم بها في الدنيا، ولا يتصورون حدوثها، ولهذا فقد كثر التساؤل والاستغراب لتلك الحالة حينما أخبر بها الرسول ﷺ .
كما في الحديث الذي ترويه أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((تحشرون حفاة عراة غرلاً)) (٢).
ومعنى حفاة: أي تمشون على أرجلكم دون نعل أو خف.
والعاري: هو من لا ثوب له على جسده، والأغرل: هو الذي لم يختتن، أي إن البشر يرجعون كهيئتهم يوم ولدوا، حتى إن الغرلة ترجع وإن كان قد اختتن صاحبها في الدنيا؛ تحقيقاً لقوله تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤].
وقد ورد هذا المعنى في حديث ابن عباس ﵄ قال: قام فينا النبي ﷺ يخطب فقال: ((إنكم محشورون حفاة عراة)) كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤] (٣).
٢ - يحشر بعض الناس (وهم الكافرون) وهم يسحبون في المحشر على وجوههم، وكم يستغرب كثير من الناس هذه الحال؛ لأنهم في الدنيا لم يعرفوا تلك الحال، ولم يتصوروا وقوعها، ومع أنها حالة غريبة لكنها غير منفية لا عقلا ولا نقلا.
فأما العقل فإنه لا ينفي وقوعها، وذلك إذا علمنا أن قدرة الله على كل شيء أمر هين، فإن الذي أمشى هؤلاء على الرجلين له القدرة على أن يمشيهم على وجوههم، بل لو أراد الله ذلك لحصل في الدنيا فضلا عن الآخرة.
ومصداق ما قدمنا ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ كما في الصحيحين – ((أن رجلا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)) قال قتادة: بلى وعزة ربنا (٤).
(قال ابن حجر في بيان معنى المشي المذكور في الحديث قوله: ((أليس الذي أمشاه ... )) ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته؛ فلذلك استغربوا حتى سألوا عن كيفيته) (٥)
ثم رد على الذين يزعمون أن هذا هو مثل ضربه النبي ﷺ بأن (الجواب الصادر عن النبي ﷺ ظاهر في تقرير المشي على حقيقته) أي فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره.
ومعلوم أن أمر الآخرة وأحوالها غير أمر الدنيا وأحوالها، فكل شيء في الآخرة جديد ولا عهد للناس به، فهي حياة أخرى لها مميزات وكيفيات لا توجد في الدنيا، وليس على الله بعزيز في أن يمشي الكافر على وجهه، إذ لو أراد الله ذلك في الدنيا لكان حاصلا فيها، ولكان أمرا مألوفا كما هو الحال في المشي على الرجلين.
стр. 1860
ولله تعالى فوق هذا كله حكم قد ندركها، وقد لا ندركها، فإن الكافر في الدنيا كان ذا عتو واستكبار، يمشي على رجليه متبخترا معتزا بنفسه، لا يحني رأسه لشيء غير هواه، فلا يعرف التواضع لله في شيء، بل كان يستنكف من السجود لربه والخضوع له.
وهذا ما ذهب إليه ابن حجر في بيان حكمة هذا المشي حين قال: (والحكمة في حشر الكافر على وجهه: أنه عوقب على عدم السجود لله في الدنيا، بأن يسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات)) (١)
وكثرة النصوص في هذا الموضوع تمنع كونه من باب التمثيل، فهو إذا على حقيقته فلا ينبغي تأويله، بالإضافة إلى أنه من الأمور الممكنة عقلا، وليست من قبيل المستحيلات على الله تعالى .....
٣ - حشر المتكبرين
ومن الأوصاف الأخرى التي وردت في السنة لحشر فئات من الناس، صنف من الناس يحشرون في أحقر صفة وأذلها، وهؤلاء هم المتكبرون.
فلأنهم في الدنيا يمشون في كبرهم وتبخترهم على الناس، عالية رؤوسهم عن التواضع لله أو لخلقه، هؤلاء المستكبرون ورد في صفة حشرهم عن رسول الله ﷺ ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال, يغشاهم الذل من كل مكان)) (٢) الحديث.
وفي رواية عن جابر ﵁: عن النبي ﷺ قال: ((يبعث الله يوم القيامة ناساً في صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا)) (٣).
وهذه الحالة المخزية تناسب ما كانوا فيه في الدنيا من تعاظم وغرور بأنفسهم، لأنهم كانوا في الدنيا يتصورون أنفسهم أعظم وأجل المخلوقات؛ فجعلهم الله في دار الجزاء أحقر المخلوقات وأصغرها.
٤ - حشر السائلين:
ومن الصور الأخرى التي تشاهد في يوم القيامة صور أولئك السائلين الذين يسألون الناس وعندهم ما يغنيهم، يأتون يوم القيامة وفي وجوههم خموش أو كدوح، أو يأتون وليس في وجوههم مزعة لحم، يعرفهم الناس كلهم.
وهذا ما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((ما يزال الرجل يسأل الناس؛ حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم)) (٤).
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل وله ما يغنيه؛ جاءت خموشاً أو كدوحاً في وجهه يوم القيامة)) (٥) والجزاء من جنس العمل.
стр. 1861
والمزعة هي: (بضم الميم – وحكى كسرها – وسكون الزاي بعدها مهملة: أي قطعة"، " وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي).
قال ابن حجر: (والذي أحفظه عن المحدثين الضم).
ومعنى الحديث: (قال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطاً لا قدر له ولا جاه، أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه، لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء، لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عظم كله؛ فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به).
والمعنى الأول الذي ذكره الخطابي تأويل للحديث بغير معناه، ولهذا قال ابن حجر: (والأول صرف للحديث عن ظاهره).
وإن كان قد ورد ما يؤيده، وهو ما أخرجه الطبراني والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعاً: ((لا يزال العبد يسأل وهو غني؛ حتى يخلق وجهه، فلا يكون له عند الله وجه)) (١).
(وقال ابن أبي جمرة: معناه: أنه ليس في وجهه من الحسن شيء، لأن حسن الوجه هو بما فيه من اللحم، ومالَ المهلَّبُ إلى حمله على ظاهره).
ثم ذكر أن السر في ذلك هو (أن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه؛ كانت أذية الشمس له أكثر من غيره) قال – يعني المهلَّب: (والمراد به: من سأل تكثراً وهو غني لا تحل له الصدقة، وأما من سأل وهو مضطر فذلك مباح له فلا يعاقب عليه) (٢).
٥ - حشر أصحاب الغلول (٣):
ومن المشاهد كذلك: مشهد أقوام يأتون حاملين أثقالاً على ظهورهم، كالبعير والشاة وغيرهما، وهؤلاء هم أهل الغلول، فإنهم يحشرون في هيئة تشهد عليهم بالخيانة والغلول أمام الخلق أجمعين، فمن غل شيئاً في حياته الدنيا ولم يظهره؛ فسيظهره الله عليه يوم يبعث، يكون علامة له، وزيادة في النكاية وتشهيراً بجريمته يحمل ما غل على ظهره.
ومصداق هذا ما جاء في كتاب الله حيث قال: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [آل عمران: ١٦١].
قال قتادة في معنى الآية: (كان النبي ﷺ إذا غنم مغنماً؛ بعث منادياً: ألا لا يغلن رجل مخيطاً فما دونه، ألا لا يغلن رجل بعيراً، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلن رجل فرساً، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له حمحمة) (٤).
وما جاء في السنة النبوية كما في حديث أبي مسعود الأنصاري قال: ((بعثني النبي ﷺ ساعياً، ثم قال: انطلق أبا مسعود لا ألفينك يوم القيامة تجيء وعلى ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء، قد أغللته قال: إذاً لا أنطلق، قال: إذا لا أكرهك)) (٥) ...........
والخلاصة: أن من مات على عمل بعث عليه.
قال البرديسي في شرح حديث جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((يبعث كل عبد على ما مات عليه)) (٦).
стр. 1862
قال: (أي على الحالة التي مات عليها من خير أو شر، فالزامر يأتي يوم القيامة بمزماره، والسكران بقدحه، والمؤذن يؤذن، ونحو ذلك) (١).
٦ - حشر أهل الوضوء، أهل الغرة والتحجيل:
وإذا كان من قدمنا ذكرهم كانوا أمثلة سيئة لمن يعمل أعمالهم، فإنه في الجانب الآخر نجد من يتسم بالصفات الحميدة، ولهذا فإنه يبعث حميداً عليه سيما أهل الصلاح والتقوى، سيما أمة محمد ﷺ ، من الغرة والتحجيل بسبب آثار الوضوء.
وهي كرامة من الله تعالى لأوليائه وأحبائه، كما قال ﷺ في حديث أبي هريرة: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)) (٢).
وكما قال ﷺ في الحديث الذي رواه عبد الله بن بسر عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((أمتي يوم القيامة غر من السجود, محجلون من الوضوء)) (٣).
٧ - حشر الشهداء:
ومن المشاهد الأخرى: مشهد لأقوام يحشرون ودماؤهم تسيل عليهم، وهم الشهداء، فإنهم يحشرون ودماؤهم تسيل كهيئتها يوم جرحت في الدنيا، تفجر دماً، كما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله ثم تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجر دماً. اللون لون دم والعرف عرف المسك)) إلى آخر الحديث (٤).
وهذا إكرام لهم وبيان لمزاياهم، وتشهيراً بمواقفهم وعلو مقامهم عند الله تعالى، لأن الجزاء من جنس العمل.
قال النووي: (وأما الكلم – بفتح الكاف وإسكان اللام – فهو الجرح، ويكلم – بإسكان الكاف – أي يجرح) قال: (وفيه دليل على أن الشهيد لا يزول عنه الدم بغسل ولا غيره، والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى) (٥).
ويلخص البرديسي أحوال البشر في مجيئهم إلى الموقف فيقول: (واعلم أن الناس يحشرون يومئذ على ثلاثة أصناف: ركباناً، ومشاة، وعلى وجوههم. قال تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم: ٨٥ - ٨٦].
ثم قال: الوفد في اللغة: القوم المكرمون، يفدون من بلادهم في جماعتهم إلى ملكهم، فينزلون ويكرمهم، والورد: العطاش، يساقون كما تساق الإبل وغيرها من الأنعام، فتسوقهم الملائكة بأسياط النار إلى النار، وقوم يمشون على وجوههم.
وقال بعضهم: إذا قام الناس من قبورهم لفصل القضاء؛ حضروا على أحوال مختلفة: فمنهم من يكسى، ومنهم من يحشر عرياناً، ومنهم راكباً، ومنهم ماش، ومسحوب على وجهه، ومنهم من يذهب إلى الموقف راغباً، ومنهم من يذهب خائفاً، ومنهم من تسوقه النار سوقاً) (٦).
وقوله: (ومنهم راكبا)، هذه المسألة مما أكثر فيه المؤلف الكلام عنها، وإن كان القول بأن الناس يأتون ركباناً يخالف ما ثبت في الصحيح من أنهم يأتون ((حفاة عراة غرلاً))، إلا أن المؤلف جمع بين أقوال من ذهب إلى أنهم يأتون ركباناً، وبين هذا النص وما جاء في معناه بقوله:
(ثم إن الروايات التي فيها الركوب في المحشر تخالف حديث الصحيحين أن الناس يحشرون حفاة عراة، ولا يبعد أن يكون الركوب في المحشر لبعض السعداء، فيكون حديث الصحيحين محمولاً على بعض الصور) (٧). الحياة الآخرة لغالب عواجي - بتصرف- ١/ ٢٠٧
стр. 1863
المبحث الخامس: أول من يحشر من الخلق
اختلف العلماء في أول من يحشر من الخلق، هل هو نبينا محمد ﷺ أو غيره من الأنبياء مثل موسى ﵇؟
والصحيح في ذلك: أن نبينا ﷺ هو أول من يحشر؛ حيث تنشق عنه الأرض قبل كل مخلوق؛ لقوله ﷺ : ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة, وأول من ينشق عنه القبر)) (١).
فهو أول الناس يحشر، وأول الخلق تنشق عنه الأرض، لا غيره من البشر.
قال البرديسي: (وأما أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة فنبينا محمد ﷺ .
ونقل عن شارح (الجوهرة) قوله: (وأول من يحيا ويحشر نبينا ﷺ ، لا موسى على الأصح) (٢).
٢ - وأما أول من يكسى من الخلق: فقد ورد في حديث ابن عباس أن إبراهيم – عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- هو أول من يكسى يوم القيامة، وذلك في قوله ﷺ : ((وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم)) (٣).
وهذا يدل على أن الخلائق يخرجون من القبور دون كسوة كلهم، ثم يكسى بعد ذلك من أراد الله كسوته من أصفيائه، وهذا يعارض ما ورد في حديث أبي سعيد (٤)، وما جاء أيضاً عن معاذ بن جبل (٥)، من أن الأموات يبعثون في ثيابهم التي كفنوا فيها.
وقد جمع الإمام ابن حجر بين هذه الأحاديث بأن بعضهم يحشر عارياً، وبعضهم كاسياً، أو يحشرون كلهم عراة، ثم يكون أول من يكسى الأنبياء، فأول من يكسى إبراهيم ﵊، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة، ثم يكون أول من يكسى إبراهيم.
وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم الذين أمر أن يزملوا في ثيابهم ويدفنوا فيها، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد فحمله على العموم.
وممن حمله على عمومه معاذ بن جبل؛ فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن عن عمرو بن الأسود قال: دفنا أم معاذ بن جبل، فأمر بها فكفنت في ثياب جدد وقال: أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يحشرون فيها (٦)، قال: وحمله بعض أهل العلم على العمل إلخ ما أورده ابن حجر (٧). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٣٤
стр. 1864
المبحث السادس: التفاضل في المحشر
أخبر النبي ﷺ أن المؤمنين يحشرون حفاة عراة غرلاً (١) , وأخبر سبحانه أنه يحشر الكافرين على وجوههم، قال سبحانه: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا [الإسراء: ٩٧]. وقال: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ [الفرقان: ٣٤]. وسئل ﷺ : كيف يحشر الكافر على وجهه؟ فقال ﷺ : ((أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)) (٢).
وقد قال ﷺ : ((يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين, واثنان على بعير, وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير وعشرة على بعير. ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا)) (٣). أخرجه البخاري في باب الحشر وذكره مع الحديثين السابقين في حشر المؤمنين وحشر الكافرين.
وقد نقل ابن حجر عن الخطابي – قال: (وصوب عياض ما ذهب إليه الخطابي وقواه) - أن الحشر في هذا الحديث يكون في الدنيا قبل قيام الساعة يحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف فهو خلاف هذه الصورة من الركوب على الإبل والتعاقب عليها وإنما هو ما ورد في الحديث حفاة عراة مشاة (٤).
ونقل ﵀ عن بعض أهل العلم الجزم بأنه الحشر بعد الخروج من القبور، وهو ظاهر صنيع البخاري من إيراده الحديث على الوجه المذكور.
ونقل ﵀ عن بعض أهل العلم أن حمله على الحشر من القبور أقوى من أوجه، وذكر أربعة أوجه، منها: أن الحشر إذا أطلق في عرف الشارع إنما يراد به الحشر من القبور ما لم يخصه بدليل (٥). وذكر ابن حجر أنه قد جمع بين الحديث, وحديث حشر الناس عراة حفاة مشاة بأنهم يخرجون من قبورهم على هذا الوصف ثم يفترق حالهم من ثم إلى الموقف على ما في هذا الحديث (٦). ومعلوم أن القيامة أحوال متعددة، إلا أن ابن حجر رجح أن الحشر الوارد في الحديث إنما يكون قبل المبعث (٧). والحديث دال على التفاضل في الحشر، وقد نقل ابن حجر عن بعض أهل العلم قوله: (نرى أن هذا التقسيم الذي وقع في هذا الحديث نظير التقسيم الذي وقع في تفسير الواقعة في قوله تعالى: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً [الواقعة: ٧]. الآيات، فقوله في الحديث: ((راغبين راهبين)) يريد به عوام المؤمنين, وهم من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً, فيترددون بين الخوف والرجاء، يخافون عاقبة سيئاتهم, ويرجون رحمة الله بإيمانهم, وهؤلاء أصحاب الميمنة، وقوله ((واثنان على بعير .. الخ)) السابقين وهم أفاضل المؤمنين يحشرون ركباناً، وقوله: ((وتحشر بقيتهم النار)) يريد به أصحاب المشأمة) (٨).
وقد ذكر ابن القيم أن المراد بالطبقات المذكورة في آخر سورة الواقعة – طبقة المقربين وطبقة أصحاب اليمين، وطبقة المكذبين – الطبقات عند الحشر الأول (٩).
стр. 1865
ولعل في قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [مريم: ٨٥]. شاهد للطائفة الثانية وهم الركبان, لأن الوفد لا يكون إلا راكباً كما روي عن علي ﵁ (١) وقد نقل المفسرون عن أئمة التفسير أن الحشر المذكور في هذه الآية إنما يكون عند المنصرف من بين يدي الله في طريقهم إلى الجنة (٢) , فهم لا يركبون إلا من الموقف, أما إذا خرجوا من القبور فحفاة عراة مشاة إلى المواقف كما يقول القرطبي (٣).
ومن الأحوال الفاضلة في الحشر، حال الشهيد فقد قال ﷺ : ((لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب اللون لون دم, والريح ريح مسك)) (٤).
ومن الأحوال الفاضلة في المحشر، حال الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله, ومنهم السبعة الذين ذكرهم النبي ﷺ في قوله: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه)) (٥).
وقال ﷺ : ((تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار الميل. قال الراوي: فلا أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين؟ قال ﷺ : ((فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. فمنهم من يكون إلى كعبيه. ومنهم من يكون إلى ركبتيه. ومنهم من يكون إلى حقويه. ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً)) وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه)) (٦).
فهذا دليل على تفاضل الخلق في وقوفهم بالمحشر قبل فصل القضاء.
ومن الأحوال المفضولة في الحشر، حال المتكبرين كما في الحديث: ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال, يغشاهم الذل من كل مكان)) (٧).
وأفضل أمم المؤمنين في المحشر أمة محمد ﷺ ، فقد اختصها الله فيه بما تمتاز به عن غيرها، ومن هذه الخصائص:
- اختصاصها بأنها أكثر أتباع الأنبياء عدداً، كما في حديث صحيح مسلم الذي تقدم ذكره: ((أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة)).
- وتميزها بعلامة تعرف بها وهي أنهم يأتون غراً محجلين من آثار الوضوء كما في الحديث: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء)) (٨).
وقال ﷺ : ((لكم سيما ليست لأحد غيركم, تردون عليّ غراً محجلين من آثار الوضوء)) (٩).
وأفضل أحوال أهل المحشر وأكملهم حال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا ريب، وأفضل أحوال الأنبياء حال آدم وأولي العزم من الرسل الخمسة: نوح, وإبراهيم, وموسى, وعيسى, ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم كما دل عليه صراحة حديث الشفاعة المخرج في الصحيحين (١٠) وقد سبق ذكره. فأهل المحشر يقصدونهم خاصة من بين سائر الأنبياء والمرسلين لكي يشفعوا عند الله لإراحتهم من هول الموقف، ومحمد ﷺ هو أفضل أهل المحشر, وحاله أفضل أحوالهم, فهو صاحب الشفاعة العظمى التي يتدافعها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص٣٩٣
стр. 1866
تمهيد:
إذا انتهى الناس إلى الموقف الذي أعده الله ﵎ مكاناً لاجتماع خلقه فيه، وشرفه جل وعلا بنزوله فيه لفصل القضاء بين عباده؛ فإن الخلق يكونون فيه على ما لا يتصور ولا يدرك كنهه من القلق والخوف العظيم، وقد جاء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة أوصافاً كثيرة لهذا الموقف العظيم.
فالشمس فوق رؤوسهم، والعرق قد بلغ من كل واحد قدر عمله، حتى إن منهم من يلجمه إلجاماً، وهم وقوف حفاة عراة غرلاً، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء، لا ينظر أحد إلى أحد، يفر الحميم من حميمه، والقريب من قريبه، قد ملئت قلوبهم بما يشغلها، وكيف لا تملأ وهم ينتظرون إما ناراً حامية، وإما جنة عالية.
كل واحد يتذكر ما سعى وما قدم لهذا الموقف العظيم؛ لا شغل له إلا ذلك، حتى يفصل الله بينهم، ويتبين مصير كل واحد منهم الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٤٣
стр. 1867
المبحث الأول: تعريف الموقف لغةً واصطلاحاً
الموقف في اللغة: المكان الذي يقف فيه الإنسان. قال الراغب: (وموقف الإنسان حيث يقف) (١).
وقال الفيروزآبادي: (وقف يقف وقوفاً: دام قائماً). وقال أيضاً: (والموقف محل الوقوف) (٢).
أما معناه في الاصطلاح:
فهو المكان الخاص الذي أعده الله ﵎ لحشر الناس لحسابهم وفصل القضاء بينهم. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٤١
стр. 1868
المبحث الثاني: صفته في القرآن الكريم
أما ما جاء في صفته من القرآن الكريم: فهو ما تتحدث عنه الآيات الآتية:
قال الله تعالى في وصف خوف وامتلاء الخلائق بالغم، ووقوف قلوبهم في حناجرهم:
١ - وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨].
قال قتادة: (وقفت القلوب في الحناجر من الخوف؛ فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها)، وكذا قال عكرمة, والسدي, وغير واحد (١).
٢ - وقال تعالى مبيناً حال الكفار وما يصيبهم من الفزع الشديد لهول ما يرون وذلتهم وفراغ قلوبهم عن كل شيء: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣].
(يقول تعالى ذكره: إنما يؤخر ربك يا محمد هؤلاء الظالمين – الذين يكذبونك, ويجحدون نبوتك – ليوم تشخص فيه أبصار الخلق، وذلك يوم القيامة) (٢).
وقال تعالى في بيان حال المؤمنين والكافرين، وما امتاز به كل فريق من علامات الشقاء أو السعادة:
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧].
فقد جعل الله جميع أهل الآخرة فريقين:
(أحدهما: سوداء وجوهه، والآخر: بيضاء وجوهه) (٣).
وقال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٨].
(قال الليث: الجثو: الجلوس على الركب كما يجثى بين يدي الحاكم).
وقال ابن عباس: (جاثية: مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها، وإِلَى كِتَابِهَا أي إلى صحائف أعمالها) (٤).
وقال ابن كثير: (جاثية: أي على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال إن هذا إذا جيء بجهنم، فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه) (٥).
وقال تعالى: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً [المزمل: ١٨].
يقول تعالى: كيف تقون أنفسكم إن كفرتم، أي إن بقيتم على كفركم، يَوْمًا: أي عذاب يوم يجعل الولدان شيباً، لشدة هوله، أي يصير الولدان شيوخاً، والشيب: جمع أشيب، وهذا يجوز أن يكون حقيقة وأنهم يصيرون كذلك، أو تمثيلاً، لأن من شاهد الهول العظيم تقاصرت, قواه وضعفت أعضاؤه, وصار كالشيخ في الضعف وسقوط القوة السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ أي متشققة به لشدته وعظيم هوله) (٦).
стр. 1869
وقال تعالى: إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ: ٤٠]، أخرج ابن جرير ﵀ عدة روايات عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن ذكوان، وسفيان: أن الكافر يقول ذلك حينما يشاهد البهائم وقد أمر الله بها فصارت تراباً، فعند ذلك يتمنى أنه صار تراباً مثلها ولم يقف بين يدي الله تعالى (١). يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢].
وقال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ [عبس:٣٤ - ٤١].
أي يفر عن أخيه، وصاحبته: أي زوجته التي كانت زوجته في الدنيا، وبنيه حذراً من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التبعات والمظالم.
وغَبَرَةٌ ذكر أن البهائم التي يصيرها الله تراباً يومئذٍ - بعد القضاء بينها - يحول ذلك التراب غبرة في وجوه أهل الكفر، والقترة بمعنى الغبرة (٢).
وما هذا الفرار من الأخ, والأم, والأب, والزوجة, والأبناء إلا لما يتوقع الإنسان من الأمور العظام التي هو في انتظارها بين لحظة وأخرى لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.
وقال تعالى: في بيان حال المشركين الذين كذبوا على الله بنسبة الشريك والولد إليه جل وعلا ومبيناً علامتهم التي يتصفون بها وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠].
أي يوم القيامة ترى يا محمد الذين كذبوا على الله من قومك، فزعموا أن له ولداً وأن له شريكاً، وعبدوا آلهة من دونه – وجوههم مسودة (٣).
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الواردة في وصف هذا الموقف العظيم وما يقع فيه من الثواب والعقاب، وما يقع فيه كذلك للخلق من الكرب الشديد, والفزع العظيم، وما يكونون عليه من صفات شتى بينها القرآن الكريم تمام البيان، حتى إنها لتكاد أن تصل إلى أن يتخيلها الإنسان وكأنها قد وقعت، لظهورها وكثرة العناية بإبرازها واضحة جلية في أساليب متعددة مؤثرة. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٤٣
стр. 1870
المبحث الثالث: صفته في السنة النبوية
وأما في السنة النبوية فقد جاء أن العرق يبلغ من الإنسان على مقدار عمله، فمن الناس من يبلغ العرق إلى أنصاف أذنيه، ومنهم من يلجمهم إلجاماً، ومنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، فهم على حالات شتى، ومصداق هذا:
١ - ما جاء عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ قال: ((يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم)) (٢).
وفي رواية مسلم: ((سبعين عاماً، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس)) (٣).
ولهذا فإن الإنسان ليتمنى من شدة الهول والعرق أن يذهب به ولو إلى النار ويستريح منه، كما ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة, فيقول: يا رب أرحني ولو إلى النار)) (٤).
وفي الصحيح من حديث عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال: ((ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله، ليس بينه وبينه حجاب، ولا ترجمان يترجم له، ثم ليقولن له: ألم أوتك مالاً؟ فليقولن: بلى. ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولاً؟ فليقولن: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة)) (٥).
وفي هذا الموقف الرهيب يكون للشمس وقع شديد على الناس، فهي تدنو من رؤوس البشر – رغم حرارتها الهائلة – حتى تكون كمقدار ميل، وللإنسان أن يتصور مدى ما يلحق أهل الموقف من ألم حرارتها.
وهذا ما رواه المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل. قال سليم بن عامر – أحد رواة الحديث: فوالله ما أدري ما يعني بالميل؛ أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين؟ قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. فمنهم من يكون إلى كعبيه. ومنهم من يكون إلى ركبتيه. ومنهم من يكون إلى حقويه. ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً. قال: وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه)) (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٤٧
стр. 1871
المبحث الرابع: صفة الأرض التي يقف الخلق عليها
عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي)) قال سهل – أو غيره -: ليس فيها معلم لأحد (١).
ويتبين من معاني تلك الكلمات الواردة في الحديث: أن تلك الأرض التي يقف عليها الخلق غير هذه الأرض، وليس بينهما تشابه، فتلك أرض لها صفات وهذه أرض لها صفات أخرى، وأن هذه الأرض المعهودة قد انتهت وحلت محلها أرض أخرى هي أكبر منها وأشرف.
أما معنى كونها عفراء، فقال الخطابي: (العفر: بياض ليس بالناصع).
وقال عياض: (العفر: بياض يضرب إلى حمرة قليلاً، ومنه سمي عفر الأرض وهو وجهها) (٢).
وقال ابن فارس: (معنى عفراء: خالصة البياض).
وقال الداودي: (شديدة البياض)، قال ابن حجر: (كذا قال، والأول هو المعتمد).
ومعنى (كقرصة النقي: بفتح النون وكسر القاف: أي الدقيق النقي من الغش والنخالة، قاله الخطابي).
ومعنى (ليس فيها معلم لأحد) أو (علم) كما في رواية مسلم – وهما بمعنى واحد، قال الخطابي: (يريد أنها مستوية، والمعلم – بفتح الميم واللام بينهما مهملة ساكنة – هو الشيء الذي يستدل به على الطريق).
وقال عياض: (المراد أنها ليس فيها علامة سكن, ولا بناء, ولا أثر، ولا شيء من العلامات التي يهتدى بها في الطرقات كالجبل, والصخرة البارزة).
قال ابن حجر: (وفيه تعريض بأرض الدنيا وأنها ذهبت وانقطعت العلاقة منها)، وقال الداودي: (المراد أنه لا يحوز أحد منها شيئا، إلا ما أدرك منها).
ويذكر ابن حجر – نقلاً عن أبي جمرة – أن في الحديث إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جداً.
وأن الحكمة في نقاء وصفاء تلك الأرض المبدلة وانبساطها: أن ذلك اليوم يوم عدل وظهور حق؛ فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهراً عن عمل المعصية والظلم، وليكون تجليه سبحانه على عباده المؤمنين على أرض طاهرة لعظمته، ولأن الحكم فيه إنما يكون لله وحده؛ فناسب أن يكون المحل خالصاً له وحده (٣).
وقال ﷺ : ((يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد, فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر)) (٤).
قال البرديسي: (يريد ﵊ أرضاً مستوية، لا جبل فيها, ولا أكمة, ولا ربوة, ولا وهدة، أرض بيضاء نقية، لم يسفك عليها دم، ولا عمل عليها خطيئة، ولا ارتكب فيها محرم) (٥).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يقبض الله الأرض, ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك, أين ملوك الأرض؟)) (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٥١
стр. 1872
المبحث الأول: أحوال الناس يوم القيامة
(براءة الناس يومئذ بعضهم من بعض) (وانقطعت علائق الأنساب) كما قال تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ [المؤمنون:١٠١]، وقال تعالى: وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا [المعارج:١٠] الآيات، وقال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ [عبس:٣٤] الآيات، وقال تعالى عن الكافرين: فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، قال ابن مسعود ﵁: (إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد: ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه، قال فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيراً. ومصداق ذلك في كتاب الله فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ [المؤمنون:١٠١]. رواه ابن أبي حاتم (١). وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبدالله ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((إنَّ الرجل ليقول في الجنّةِ: ما فعل بصديقي فلان؟ وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم)) (٢). قال الحسن رحمه الله تعالى: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن لهم شفاعة يوم القيامة. وعن قتادة في قول الله : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:٣٤ – ٣٦] قال: يفر هابيل من قابيل ويفر النبي ﷺ من أمه، وإبراهيم ﵇ من أبيه، ولوط ﵇ من صاحبته، ونوح ﵇ من ابنه لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:٣٧] يشغله عن شأن غيره. (٣) وفي الحديث (الصحيح) في أمر الشفاعة ((أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق يقول: نفسي نفسي لا أسألك إلاّ نفسي، حتى إن عيسى بن مريم يقول: لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني)) (٤).
وَارْتَكَمَتْ سَحَائِبُ الأَهْوَالِ ... وَانْعَجَمَ الْبَلِيغُ فِي الْمَقَالِ
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْقَيُّومِ ... وَاقْتُصَّ مِنْ ذِي الظُّلْمِ لِلْمَظْلُومِ
стр. 1873
(وارتكمت) اجتمعت (سحائب الأهوال) جمع هول وهو الأمر الشديد الهائل المفظع (وانعجم) أسكت فلم يتكلم. (البليغ) الذي كان في الدنيا مقتدراً على البلاغة والفصاحة (في المقال) قال الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [هود:١٠٥]، وقال تعالى: وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا [طه:١٠٨] وقال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ:٣٨] قال ابن عباس: وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ [طه:١٠٨]: سكنت فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا [طه:١٠٨] قال: تحريك الشفاه من غير منطق، وعنه: الهمس الصوت الخفي، وعنه هو وعكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم: الهمس نَقْلُ الأقدام إلى المحشر كأخفاف الإبل، وقال سعيد بن جبير: همساً سر الحديث ووطء الأقدام فجمع بين القولين، وفي حديث الشفاعة ((ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل)) (١) الحديث. وَعَنَتِ الْوُجُوهُ ذلت وخضعت، ومنه قيل للأسير: عان. الْقَيُّومِ تضمين لمعنى قوله : وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:١١١] وقال ابنُ عباس وغير واحد: خضعت وذلَّت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت القيوم الذي لا ينام وهو قيِّم على كل شيء يديره ويحفظه فهو الكامل في نفسه الذي كل شيء فقير إليه لا قوام له إلا به وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:١١١] قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله (٢)، والظلم هو الشِّرك. وقيل المراد بالظلم هنا العموم فيتناول الشرك وغيره من ظلم العبد نفسه وظلم العباد بعضهم بعضاً، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. وفي (الصحيحين): ((إيَّاكم والظُّلم فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة)) (٣) فعلى هذا المعنى ظلم دون ظلم وخيبة دون خيبة، والخيبة كل الخيبة لمن لقي الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى: يقول إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:١٣] (واقتص من ذي الظلم) أي اقتص من الظالم (للمظلوم)، وقال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:٤٠] وقال تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ – إلى قوله – وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ [غافر:١٧ – ٢٠] وقال تعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الزمر:٦٩] وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:٧٥] وقال تعالى: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:٧٠] وغيرها من الآيات. وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب القصاص يوم القيامة، وهي الحاقَّة لأن فيها الثواب وحواقّ الأمور الحقة والحاقة واحد، والقارعة والغاشية والصارخة والتغابن غبن أهل الجنة أهل النار) ثم ساق بسنده حديث ابن مسعود قال النبي ﷺ : ((أوَّل ما يقضى بين الناس بالدِّماء)) (٤).
стр. 1874
وحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((مَنْ كانت عنده مظلمةٌ لأخيه فليتحلله منها فإنَّه ليس ثمَّ دينارٌ ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإنْ لم يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات أخيه فطرحت عليه)) (١). وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخلص المؤمنون من النار، فيُحبسون على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيُقصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا. حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسُ محمدٍ بيده لأحدهم أهدى بمنْزله في الجنة منه بمنْزله كان في الدنيا)) (٢). وللترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلسُ فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع. قال رسولُ اللهِ ﷺ : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيقعد فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناتُهُ قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أُخِذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طُرح في النار)) (٣) هذا حديث حسن صحيح. وله عنه ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((لتؤدنَّ الحقوق إلى أهلها حتى تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) قال وفي الباب عن أبي ذر وعبد الله بن أنيس حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح (٤)، وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((بلغني حديث عن رجل سمعه من النبي ﷺ ، فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رحلاً فسرتُ عليه شهراً حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبدالله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب. فقال: ابن عبدالله؟ قلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثٌ بلغني عنك أنَّك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص فخشيتُ أنْ تموت وأموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول ﷺ يقول: يحشر الله الناس يوم القيامة – أو قال العباد – عراةً غرلاً بهما. قلت: وما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء. ثم يناديهم بصوتٍ يسمعه مَنْ بعُد كما يسمعه من قرُب: أنا الملك، أنا الديّان، لا ينبغي لأحَد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحدٍ من أهل الجنة حقٌ حتى أقضيه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حقٌ حتى أقضيه منه حتى اللطمة. قال: قلنا: كيف وإنَّما نأتي الله حفاةً عراةُ غرلاً بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات)) (٥) وقد أشار البخاري إلى هذا الحديث في مواضع من (صحيحه) تعليقاً ووصله في كتاب (خلق أفعال العباد). وروى عبدالله بن الإمام أحمد عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنَّ الجماء لتقتصُّ من القرناء يوم القيامة)) (٦).
стр. 1875
وروى ﵀ عن أبي هريرة ﵁ قال: ((رأى رسولُ الله ﷺ شاتين ينتطحان فقال: أتدري ما ينتطحان يا أبا هريرة؟ قلت: لا. قال: لكنَّ الله يدري وسيحكم بينهما)) (١).
وَسَاوَتِ الْمُلُوكُ لِلأَجْنَادِ ... وَجِيءَ بِالْكِتَابِ وَالأَشْهَادِ
وَشَهِدَتِ الأَعْضَاءُ وَالْجَوَارِحُ ... وَبَدَتِ السَّوْءَاتُ وَالْفَضَائِحُ
وَابْتُلِيَتْ هُنَالِكَ السَّرَائِرْ ... وَانْكَشَفَ الْمَخْفِيُّ فِي الضَّمَائِرْ
стр. 1876
(وساوت الملوك) العظماء الرؤساء الكبراء (للأجناد) الرعايا، أي صاروا سواء في ذلك الموقف مشتركين في هوله الفظيع وكربه الشديد إلا من ﵀، وليس لأحد منهم مقال، ولا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً، ولا ضراً، كل امرئٍ بما كسب رهين، قال الله تعالى: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:٤]، وقال تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [الحج:٥٦]، وقال تعالى: يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:١٦]، وقال تعالى: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:١٩] وغير ذلك من الآيات. قال ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:٤] يقول لا يملك أحدٌ معه في ذلك اليوم حكماً كملكهم في الدنيا. قال ويوم الدين يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم. إنْ خيراً فخيراً وإنْ شراً فشر، إلاّ من عفا عنه وقال البغوي في قوله : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان:٢٦]: أي الملك الذي هو الملك الحق ملك الرحمن يوم القيامة. وقال ابن عباس ﵁: يريد أن يوم القيامة لا ملك يقضي غيره، وفي الحديث (الصحيح) ((يقبض الله تعالى: الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض)) (١) وفي لفظ ((أين الجبارون أين المتكبرون)) (٢). وقال قتادة يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:١٩] والأمر والله اليوم لله، ولكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد. وقال البغوي: يوم لا يُمَلّك الله في ذلك اليوم أحداً من خلقه شيئاً كما ملكهم في الدنيا. (وجيءَ بالكتاب والأشهاد) قال الله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [الكهف:٤٩]، وقال تعالى: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء [الزمر:٦٩]، وقال تعالى: لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:١٤٣]، وقال تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا [النساء:٤١]، وقال تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [النحل:٨٤]، إلى قوله: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء [النحل:٨٩]، وقال تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ [القصص:٧٤ – ٧٥] الآية، وقال تعالى: وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:٢١] وغير ذلك من الآيات. وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا يوسفُ بنُ راشدٍ حدثنا جريرُ وأبو أسامة – واللفظ لجرير – عن الأعمش عن أبي صالح. وقال أبو أسامة: حدثنا أبو صالح عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((يُدعى نوحٌ يوم القيامة فيقول: لبيَّكَ وسعديْكَ يا رب، فيقول: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم.
стр. 1877
فيقال لأمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: مَنْ يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ ﷺ وأمته. فتشهدون أنَّه قد بلَّغ، ويكون الرسولُ عليكم شهيداً، فذلك قوله جل ذكره وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:١٤٣])). والوسط: العدل (١). ورواه أحمدٌ وأصحاب (السنن). ورواه الإمام أحمد أيضاً بلفظ ((يجيء النبيُّ يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرَّجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلَّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلَّغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال: مَنْ يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد ﷺ وأمته فيقال لهم: هل بلَّغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما عِلْمُكم؟ فيقولون جاءنا نبينا ﷺ فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا. فذلك قوله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا قال عدلاً: لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:١٤٣] (٢))). وفي (الصحيحين) عن ابن مسعود ﵁ قال: ((قال لي رسولُ اللهِ ﷺ : اقرأ عليَّ. فقلتُ: يا رسولَ الله أقرأ عليك وعليك أُنزِل؟ قال: نعم، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أسمعه من غيري. فقرأتُ سورةَ النِّساء حتى أتيت هذه الآية فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا [النساء:٤١] فقال: حَسْبُك الآن. فإذا عيناه تذرفان)) (٣). قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير والصغير والكبير فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [الكهف:٤٩] أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمالنا، مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا [الكهف:٤٩] أي: لا يترك ذنباً صغيراً ولا كبيراً ولا عملاً وإن صغر إلا أحصاها أي ضبطها وحفظها. وروى البغوي بإسناده عن سهل بن سعد قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((إِيَّاكُم ومُحقِّرات الذُّنوب، فإِنَّما مثل محقِّرات الذنوب مثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء هذا بعودٍ وجاء هذا بعودٍ وجاء هذا بعودٍ فأنضجوا خبزتهم، وإِنَّ محقِّرات الذنوب لموبقات)) (٤).
стр. 1878
وقوله وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [الكهف:٤٩] كقوله يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ [آل عمران:٣٠]، وقوله عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ [التكوير:١٤]، وقوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:٥]، وقوله تعالى: يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة:١٣] وغيرها من الآيات. وقوله تعالى: وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [القصص:٧٥] قال البغوي: يعني رسولهم الذي أرسل إليهم وهو قول مجاهد، وروى ابن جرير عن عثمان بن عفان أنه خطب فقرأ هذه الآية وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:٢١] فقال: سائق يسوقُها إلى اللهِ تعالى: وشاهِدٌ يشهد عليها بما عملت، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: السائِقُ الملك والشهيد العمل (٢) وكذا قال الضحاك والسدّي، وقال ابن عباس ﵄: السائق من الملائكة والشهيد الإنسان نفسه يشهد على نفسه (٣). وقوله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ أضاءت بِنُورِ رَبِّهَا بنور خالقها، ذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، فما يتضارون في نوره كما لا يتضارون في الشمس في اليوم الصحو، قاله البغوي (٤). والحديث ((لا يتضارون في رؤيته)) (٥). وَوُضِعَ الْكِتَابُ قال قتادة: كتاب الأعمال. وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ قال ابن عباس ﵄: (يشهدون على الأمم أنهم بلغوهم رسالات الله إليهم) (٦). وَالشُّهَدَاءِ أي من الملائكة الحفظة على أعمال العباد قال ذلك عطاء، ويدل عليه قوله تعالى: وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:٢١] قال ابن عباس: ((يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وهم أمة محمد ﷺ ) (٧). ويدل على ذلك قوله تعالى: لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ [البقرة:١٤٣] وقال مجاهد في قوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:٥١] يعني: الملائكة، قال البغوي: يشهدون للرُّسلِ بالتبليغ وعلى الكفار بالتَّكْذيب. (وشهدت) على كل جاحد (الأعضاء) أعضاؤه (والجوارح) عطف تفسير، قال تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:٦٥] الآيات، وقال تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ [فصلت:١٩ – ٢٣] الآيات وغيرها.
стр. 1879
وروى مسلم والنسائي وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((كُنَّا عند النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال رسولُ الله ﷺ : أتدرون مِمَّ أضحك؟ قلنا: اللهُ ورسوله أعلم. قال ﷺ : مِنْ مجادلة العبد ربَّه يوم القيامة، يقول: ربِّ ألم تُجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: لا أجيزُ على نفسي إلاّ شاهداً مني. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكتاب شهوداً، فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً وسحقاً فعنكنَّ كنت أناضِلُ)) (١). وروى عبدالرزاق أخبرنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: ((إِنَّكم تدعون مفدماً على أفواهكم بالفدام، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه)) ورواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبدالرزاق به. (٢) وله هو ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ في حديث القيامة الطويل قال فيه: ((ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول ههنا إذا, قال ثم يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه)) (٣).وهذا والله أعلم يتضمن بيان قول الله تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة:١٨] الآية، وروى ابن جرير وابنُ أبي حاتم وأحمد رحمهم الله تعالى: عن عقبة بن عامر ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقولُ: ((إنَّ أوَّل عظم من الإنسان يتكلم يوم يُختم على الأفواهِ فخذه من الرجل اليسرى)) وفي رواية أحمد: ((مِنَ الرَّجْل الشمال)) (٤). وروى ابن جرير عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة قال أبو موسى الأشعري ﵁: (يُدعى المؤمنُ للحساب يوم القيامة فيعرض عليه ربُّه عمله فيما بينه وبينه فيعترفُ فيقول: نعم. أي ربِّ عملت عملت عملت قال فيغفر الله له ذنوبه ويستره منها قال: فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئاً، وتبدو حسناته فودَّ أن الناس كلهم يرونها. ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرضُ عليه ربُّه عمله فيجحد ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب عليَّ هذا الملكُ ما لم أعمل. فيقولُ له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك أي رب ما عملتُهُ. فإذا فعل ذلك ختم الله تعالى: على فيه.
стр. 1880
قال أبو موسى الأشعري ﵁: فأنا أحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى ثم تلا الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:٦٥]) (١). وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ أنه قال لابن الأزرق: ((إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين، لا ينطقون، ولا يعتذرون، ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم، ثم يؤذن لهم فيختصمون فيجحد الجاحد بشركهِ بالله تعالى: فيحلفون له كما يحلفون لكم فيبعث الله تعالى: عليهم حين يجحدون شهداءَ من أنفسهم جلودَهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم ويختم على أفواههم ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح فتقول أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت:٢١] فتقر الألسنة بعد الجحود)) (٢)، وروي أيضاً عن رافع أبي الحسن قال: وصف رجلاً قال فيشير اللهُ تعالى: إلى لسانه فيربو في فمه حتى يملأه فلا يستطيعَ أن ينطِقَ بكلمةٍ، ثم يقول لآرابِهِ تكلمي واشهدي عليه فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده وفرجه ويداه ورجلاه: صنعنا عملنا فعلنا (٣) وله أيضاً عن جابر بن عبدالله ﵄. قال: لما رَجَعْت إلى رسول الله ﷺ مهاجرةُ البحر قال: ((ألا تحدِّثون بأعاجيب ما رأيتم بأرضِ الحبشة فقال فتيةٌ منهم: بلى يا رسول الله، بينما نحنُ جلوس إذ مرت علينا عجوزٌ من عجائز رهابينهم تحمل على رأسِها قُلَّة من ماءٍ، فمرَّت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرَّت على ركبتيها فانكسرت قُلَّتُها، فلمَّا ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسيَّ وجمع الأولين والآخرين وتكلَّمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً. قال يقولُ رسول الله ﷺ : صَدَقَتْ صدقت كيف يقدِّسُ اللهُ تعالى: قوماً لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم)) (٤)، ورواه ابن أبي الدنيا (٥). وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا الصلت بن محمد حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن منصور عن مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ [فصلت:٢٢] الآية: كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بيتٍ، فقال بعضهم لبعضٍ: أترون أنَّ الله يسمع حديثنا؟ قال بعضُهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله. فأنزلت وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ [فصلت:٢٢])) (٦) الحديث. (وابتليت) أي اختبرت (هنالك) الإشارة إلى موقف القيامة العظيم، وهَوْله الجسيم (السرائر) جمع سريرة وهي ضد العلانية (وانكشف المخفي) المستور (في الضمائر) إشارة إلى قول الله يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:٩] قال البغوي رحمه الله تعالى: وذلك يوم القيامة تبلى السرائر تظهر الخفايا. قال قتادة ومقاتل: تختبر. قال عطاء بن أبي رباح: السرائرُ فرائض الأعمال كالصوم والصلاة والوضوء والاغتسال من الجنابة فإنها سرائر بين الله تعالى وبين العبد، فلو شاءَ العبد لقال: صمت ولم يصم، وصليت ولم يصل، واغتسلت ولم يغتسل، فيختبر حتى يظهر من أداها ممن ضيعها، قال ابن عمر ﵄: (يُبدي الله يوم القيامة كُلَّ سر، فيكون زيناً في وجوه وشيناً في وجوه، يعني من أدَّاها كان وجهه مشرقاً ومن ضيعها كان وجهه أغبر) (٧) وفي (الصحيح) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((يُرْفع لكلِّ غادر لواء عند استه يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان)) (٨) عياذاً بالله من ذلك. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ٩٩٨
стр. 1881
المطلب الأول: قبض الأرض وطي السماء
يقبض الحق تبارك الأرض بيده في يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه كما قال ﵎: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:٦٧]، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض)) (١). وهذا القبض للأرض والطي للسموات يقع بعد أن يفني الله خلقه. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٠٠
стр. 1882
المطلب الثاني: دك الأرض ونسف الجبال
يخبرنا ربنا ﵎ أن أرضنا الثابتة وما عليها من جبال صم راسية تحمل في يوم القيامة عندما ينفخ في الصور فتدك دكة واحدة: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الحاقة: ١٣ - ١٥]، كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١]، وعند ذلك تتحول هذه الجبال الصلبة القاسية إلى رمل ناعم، كما قال تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلاً [المزمل:١٤]، أي: تصبح ككثبان الرمل بعد أن كانت حجارة صماء، والرمل المهيل: هو الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده، يقال: أهلت الرمل أهيله هيلاً، إذا حركت أسفله حتى انهال من أعلاه. وأخبر في موضع آخر أن الجبال تصبح كالعهن وهو الصوف كما قال تعالى: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ [القارعة:٥]، وفي نص آخر: مثلها بالصوف المنفوش: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:٥]. ثم إن الله ﵎ يزيل هذه الجبال وعبر القرآن عن إزالتها مرة بتسييرها ومرة بنسفها: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:٣]، وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ [المرسلات:١٠].ثم بين الحق حال الأرض بعد تسيير الجبال ونسفها: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً [الكهف:٤٧]، أي: ظاهرة لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، كما قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:١٠٥ - ١٠٧]. القيامة الكبرى لعمر الأشقر - ص١٠٢
стр. 1883
المطلب الثالث: تفجير البحار وتسجيرها
أما هذه البحار ... فإنها تفجر في ذلك اليوم ... وتشتعل ناراً، قال تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار:٣]، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:٦]. القيامة الكبرى لعمر الأشقر ص١٠٤
стр. 1884
المطلب الرابع: موران السماء وانفطارها
أما سماؤنا فإنها تمور موراناً وتضطرب اضطراباً عظيماً قال تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [الطور: ٩]، ثم إنها تنفطر وتتشقق إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار: ١]، إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ١ - ٢] وعند ذلك تصبح واهية وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة:١٦]. القيامة الكبرى لعمر الأشقر - ص١٠٤
стр. 1885
المطلب الخامس: تكوير الشمس وخسوف القمر وتناثر النجوم
فإن الشمس تكور ويذهب ضوؤها كما قال تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير: ١] والتكوير عند العرب جمع الشيء بعضه على بعض ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها على بعض وإذا جمع بعض الشمس على بعض ذهب ضوؤها ورمى بها. أما القمر فإنه يخسف ويذهب ضوؤه فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ [القيامة: ٧ - ٨] أما تلك النجوم المتناثرة فإن عقدها ينفرط فتتناثر وتنكدر وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ [الانفطار:٢]، وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [التكوير:٢]. القيامة الكبرى لعمر الأشقر - ص١٠٥
стр. 1886
تمهيد:
الشفاعة من الأمور التي ثبتت بالكتاب والسنة، وأحاديثها متواترة؛ قال تعالى:
مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة:٢٥٥] فنفي الشفاعة بلا إذن إثباتٌ للشفاعة من بعد الإذن.
قال تعالى: عن الملائكة: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى [النجم:٢٦]. فبيَّن الله الشفاعة الصحيحة، وهي التي تكون بإذنه، ولمن يرتضي قوله وعمله. شرح العقيدة الواسطية للهراس - ص ٢١٥
стр. 1887
وقد أنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثمَّ إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب. وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم فيقرّون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أن الله يخرج من النار قومًا بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة محمد ﷺ ويخرج آخرين بشفاعة غيره، ويخرج قومًا بلا شفاعة. واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:٤٨] وبقوله: وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:١٢٣] وبقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:٢٥٤] وبقوله: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:١٨] وبقوله: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:٤٨]. وجواب أهل السنّة أن هذا لعله يراد به شيئان: أحدهما: أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى في نعتهم: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:٤٢ - ٤٨] فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارًا. والثاني: أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التي أثبتها أهل الشرك، ومن شابههم من أهل البدع، من أهل الكتاب والمسلمين، الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل المشفوع إليه شفاعة الشافع لحاجته إليه رغبة ورهبة، كما يعامل المخلوقُ المخلوق بالمعاوضة. فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يُتوَسل إلى الملوك بخواصِّهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم، فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة.
المطلب الأول: معنى الشفاعة في اللغة
الشفاعة في لغة العرب مشتقة من الشفع الذي هو غير الوتر، أي أن الشفع هو الزوج الذي هو عكس الوتر عند الإطلاق، تقول: أعطيتك كتاباً ثم شفعته بآخر، أي صار ما معك زوجاً بعد أن كان وتراً، قال ابن منظور: (شفع الوتر من العدد شفعاً: صيره زوجاً) (١).
والمشفع – بكسر الفاء – هو الذي يقبل الشفاعة.
والمشفع – بفتح الفاء – هو الذي يقبل شفاعته.
قال ابن الأثير في (النهاية): (قد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم، يقال: شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع، والمشفع الذي يقبل الشفاعة والمشفع الذي تقبل شفاعته) (٢).
وعرفها اللقاني بأنها في اللغة هي: (الوسيلة والطلب) (٣).
ومن المشفع أخذت تسمية الشفعة التي هي الزيادة: لأن من حقت له الشفعة زاد في ماله ذلك المشفوع؛ فيصير ما معه شفعاً، وكأن ما حصل معه من الملك قبل الشفعة وتراً، وبعد أخذ المشفوع صار شفعاً.
وفي هذا يقول ابن الأثير: (الشفعة في الملك معروفة، وهي مشتقة من الزيادة، لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه) (٤).
وقال الراغب: (الشفع ضم الشيء إلى مثله)، قال: (والشفعة: هو طلب مبيع في شركته بما بيع به ليضمه إلى ملكه، وهو من الشفع) (٥). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٨٠
стр. 1890
المطلب الثاني: معنى الشفاعة في الشرع
معاني الشفاعة الشرعية متقاربة مع معانيها اللغوية، وذلك لأن الشفاعة في اللغة يراد بها معانيها اللغوية من انضمام شيء إلى شيء آخر, وزيادته في شيء مخصوص، وأما في الشرع فهي التي يراد بها معناها الواضح الذي ورد به الشرع، مخبراً عنه ومبيناً أمره، مما يحصل في الدار الآخرة، وهي: طلب الرسول محمد ﷺ – أو غيره – من الله في الدار الآخرة حصول منفعة لأحد من الخلق.
ويدخل تحت هذا التعريف جميع أنواع الشفاعات الخاصة بنبينا محمد ﷺ وغيره، كالشفاعة العظمى وهي طلب الرسول محمد ﷺ من ربه إراحة الناس من الموقف بمجيئه لفصل القضاء، ويدخل كذلك شفاعته ﷺ في دخول أهل الجنة الجنة، وشفاعته في تخفيف العذاب عن أبي طالب، وشفاعة الشفعاء في رفع الدرجات في الجنة، وكذا الشفاعة في إخراج قوم من النار, وإدخالهم الجنة. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٢٨٣
стр. 1891
المبحث الثاني: شروط الشفاعة
وأما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهاً، فلا شفيع أعظم من محمد ﷺ ، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:٤١]. وقد كان ﷺ أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداءً بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:١١٣] ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ [التوبة:١١٤ - ١١٥]. وثبت في (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب أنت وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله : إني حرّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: انظر ما تحت رجليك فينظر، فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار)) (١). فهذا لما مات مشركًا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال تعالى للمؤمنين: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة:٤ - ٥] فقد أمر الله تعالى: المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه، إلا في قول إبراهيم لأبيه: لأستغفرنَّ لك فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وكذلك سيد الشفعاء محمد ﷺ ، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)) (٢). وفي رواية أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)) (٣). وثبت عن أنس في (الصحيح) ((أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفّى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)) (٤).
стр. 1892
وثبت أيضًا في (الصحيح) عن أبي هريرة: لما أنزلت هذه الآية: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:٢١٤] دعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا فعم وخص فقال: ((يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عَبْد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحما سأبُلُّها ببلالها)) (١). وفي رواية عنه: ((يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية - عمة رسول الله - لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً)) (٢). وعن عائشة لما نزلت: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قام رسول الله ﷺ فقال: ((يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم)) (٣). وعن أبي هريرة قال: ((قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء يقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك)) (٤). أخرجاه في (الصحيحين). وزاد مسلم ((لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك)) (٥). وفي (البخاري) عنه أن النبي ﷺ قال: ((ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يُعار فيقول يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولا يأتي أحدكم ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد بلغت)) (٦). وقوله هنا ﷺ لا أملك لك من الله شيئاً كقول إبراهيم لأبيه: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ [الممتحنة:٤]. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ص ٧
للشفاعة شرطان، هما:
١ - الإذن من الله، لقوله: أَن يَأْذَنَ اللَّهُ.
стр. 1893
٢ - رضاه عن الشافع والمشفوع له، لقوله: وَيَرْضَى، وكما قال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]، فلا بد من إذنه تعالى: ورضاه عن الشافع والمشفوع له، إلا في التخفيف عن أبي طالب، وقد سبق ذلك. وهذه الآية في سياق بيان بطلان ألوهية اللات والعزى، قال تعالى: بعد ذكر المعراج وما حصل للنبي ﷺ فيه: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: ١٨]، أي: العلامات الدالة عليه ، فكيف به سبحانه؟! فهو أكبر وأعظم. ثم قال: أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم: ١٩، ٢٠]، وهذا استفهام للتحقير، فبعد أن ذكر الله هذه العظمة قال: أخبروني عن هذه اللات والعزى ما عظمتها؟ وهذا غاية في التحقير، ثم قال: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى وَكَم مِّن مَّلَكٍ .... الآية [النجم: ٢١ - ٢٦]. فإذا كانت الملائكة وهي في السماوات في العلو لا تغني شفاعتهم إلا بعد إذنه تعالى: ورضاه، فكيف باللات والعزى وهي في الأرض؟! ولهذا قال: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ [النجم:٢٦]، مع أن الملائكة تكون في السماوات وفي الأرض، ولكن أراد الملائكة التي في السماوات العلى، وهي عند الله - سبحانه -، فحتى الملائكة المقربون حملة العرش لا تغني شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٤٢٢
قال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في شرح هذين البيتين من منظومته (سلم الوصول):
كَذَا لَهُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى كَمَا ... قَدْ خَصَّهُ اللهُ بِهَا تَكَرُّمَا
مِنْ بَعْدِ إِذْنِ اللهِ لاَ كَمَا يَرَى ... كُلُّ قُبُورِيٍّ عَلَى اللهِ افْتَرَى
стр. 1894
قال: (كذا له) لنبينا ﷺ (الشفاعة العظمى) يوم القيامة، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا [الإسراء: ٧٩] ولذا قلنا (قد خصه الله بها) بالشفاعة (تكرماً) منه عليه ﷺ وعلى أمته به كما في (الصحيح) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النَّبيّ ﷺ قال ((أُعطيتُ خمساً لم يُعْطَهنَّ أَحَدٌ قبلي: نُصِرْتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأَيَّما رجلٍ من أُمَّتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبيُّ يُبْعَثُ إلى قومه خاصَّةً وبعثت إلى الناس عامة)) (١) وفيه عنه ﵁ عن النَّبيّ ﷺ ((لكلِّ نبيٍّ دعوة قد دعا بها في أُمَّته، وخبأت دعوتي شفاعة لأُمَّتي يوم القيامة)) (٢)، وفيه عن أنسٍ ﵁ أَنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ قال ((لكلِّ نبي دعوةٌ دعاها لأُمَّته، وإِنِّي اختبأت دعوتي شفاعةً لأُمَّتي يوم القيامة)) (٣). وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ ((لكلِّ نبيّ دعوةٌ مستجابة، فتعجَّل كل نبيٍّ دعوته، وإِنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعة لأُمَّتي يوم القيامة فهي نائلةٌ إِنْ شاء الله تعالى من مات من أُمَّتي لا يشرك بالله شيئاً)) (٤).
وفيه عن عبد الله بن عمرو ﵁ أَنَّ النَّبيّ ﷺ تلا قول الله في إبراهيم رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦] وقال عيسى ﵇: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فرفع يديه وقال: اللهم أُمَّتي، وبكى، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد – وربك أعلم – فسلْه: ما يبكيك. فأتاه جبريلُ ﵇ فسأله، فأخبره رسولُ اللهِ ﷺ بما قال – وهو أعلم – فقال اللهُ تعالى: يا جبريلُ اذهب إلى محمد فقل: إِنَّا سنرضيك في أُمَّتك ولا نسوؤك)) (٥). وفيه عنه ﵁ أَنَّه سمع النَّبيّ ﷺ يقول: ((إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ فإِنّه من صلى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإِنَّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سألَ الله لي الوسيلة حلَّت له الشَّفاعة)) (٦).
وفيه عن جابر بن عبد الله ﵄ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال ((من قال حين يسمع النداء: اللَّهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة)) (٧).
стр. 1895
وتلك الشفاعة لا تكون إلا من بعد إذن الله ، سواء في ذلك شفاعة نبينا ﷺ وشفاعة من دونه، وذلك الإذن يتعلق بالشافع والمشفوع فيه، وبوقت الشفاعة، فليس يشفع إلا من أذن الله له في الشفاعة، وليس له أن يشفع إلا بعد أن يأذن الله له، وليس له أن يشفع إلا فيمن أذن الله تعالى له أن يشفع فيه، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] مَا مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: ٣] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣] وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦] قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً [الزمر: ٤٤] وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦] لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً [مريم: ٨٧] لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً [النبأ: ٣٨] يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً [طه: ١٠٩] وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى في الكفار: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨] مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨]، وقال عنهم: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]. وسيأتي في ذكر الأحاديث مراجعة الرسل الشفاعة بينهم حتى تنتهي إلى نبينا ﷺ وأنه يأتي فيستأذن ربه ، ثم يسجد ويحمده بمحامد يعلمه تعالى إياها، ولم يزل كذلك حتى يؤذن له ويقال: ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع، وأنه يحد له حداً فيدخلهم الجنة ثم يرجع كذلك، وفي كل مرة يستأذن ويدعو حتى يؤذن له ويحد له حداً حتى ينجو جميع الموحدين، وهكذا كل شافع بعده يسأل الشفاعة من مالكها حتى يؤذن له، إلى أن يقول الشفعاء لم يبق إلا من حبسه القرآن وحق عليه الخلود. والمقصود أن الشفاعة ملك لله ولا تسأل إلا منه، كما لا تكون إلا بإذنه للشافع في المشفوع حين يأذن في الشفاعة.
(لا كما يرى كل قُبُوري) نسبة إلى القبور لعبادته أهلها (على الله افترى) في ما ينسبه إلى أهل القبور ويضيفه إليهم من التصرفات التي هي ملك لله لا يقدر عليها غيره تعالى ولا شريك له فيها، ورتبوا على ذلك صرف العبادات إلى الأموات ودعاءهم إياهم والذبح والنذر لهم دون جبار الأرض والسموات، وسؤالهم منهم قضاء الحاجات ودفع الملمات، وكشف الكربات والمكروهات معتقدين فيهم أنهم يسمعون دعاءهم ويستطيعون إجابتهم. وقد تقدم كشف عوارهم وهتك أستارهم بما يشفي ويكفي ولله الحمد والمنة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٠٦٢