← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

المبحث الثاني: شروط الشفاعة وأما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهاً، فلا شفيع أعظم من محمد ﷺ ، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:٤١]. وقد كان ﷺ أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداءً بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:١١٣] ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ [التوبة:١١٤ - ١١٥]. وثبت في (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب أنت وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله : إني حرّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: انظر ما تحت رجليك فينظر، فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار)) (١). فهذا لما مات مشركًا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال تعالى للمؤمنين: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة:٤ - ٥] فقد أمر الله تعالى: المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه، إلا في قول إبراهيم لأبيه: لأستغفرنَّ لك فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وكذلك سيد الشفعاء محمد ﷺ ، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)) (٢). وفي رواية أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)) (٣). وثبت عن أنس في (الصحيح) ((أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفّى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)) (٤).

стр. 1892

وثبت أيضًا في (الصحيح) عن أبي هريرة: لما أنزلت هذه الآية: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:٢١٤] دعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا فعم وخص فقال: ((يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عَبْد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحما سأبُلُّها ببلالها)) (١). وفي رواية عنه: ((يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية - عمة رسول الله - لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً)) (٢). وعن عائشة لما نزلت: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قام رسول الله ﷺ فقال: ((يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم)) (٣). وعن أبي هريرة قال: ((قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء يقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك)) (٤). أخرجاه في (الصحيحين). وزاد مسلم ((لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك)) (٥). وفي (البخاري) عنه أن النبي ﷺ قال: ((ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يُعار فيقول يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولا يأتي أحدكم ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد بلغت)) (٦). وقوله هنا ﷺ لا أملك لك من الله شيئاً كقول إبراهيم لأبيه: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ [الممتحنة:٤]. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ص ٧ للشفاعة شرطان، هما: ١ - الإذن من الله، لقوله: أَن يَأْذَنَ اللَّهُ.

стр. 1893

٢ - رضاه عن الشافع والمشفوع له، لقوله: وَيَرْضَى، وكما قال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]، فلا بد من إذنه تعالى: ورضاه عن الشافع والمشفوع له، إلا في التخفيف عن أبي طالب، وقد سبق ذلك. وهذه الآية في سياق بيان بطلان ألوهية اللات والعزى، قال تعالى: بعد ذكر المعراج وما حصل للنبي ﷺ فيه: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: ١٨]، أي: العلامات الدالة عليه ، فكيف به سبحانه؟! فهو أكبر وأعظم. ثم قال: أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم: ١٩، ٢٠]، وهذا استفهام للتحقير، فبعد أن ذكر الله هذه العظمة قال: أخبروني عن هذه اللات والعزى ما عظمتها؟ وهذا غاية في التحقير، ثم قال: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى وَكَم مِّن مَّلَكٍ .... الآية [النجم: ٢١ - ٢٦]. فإذا كانت الملائكة وهي في السماوات في العلو لا تغني شفاعتهم إلا بعد إذنه تعالى: ورضاه، فكيف باللات والعزى وهي في الأرض؟! ولهذا قال: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ [النجم:٢٦]، مع أن الملائكة تكون في السماوات وفي الأرض، ولكن أراد الملائكة التي في السماوات العلى، وهي عند الله - سبحانه -، فحتى الملائكة المقربون حملة العرش لا تغني شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٤٢٢ قال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في شرح هذين البيتين من منظومته (سلم الوصول): كَذَا لَهُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى كَمَا ... قَدْ خَصَّهُ اللهُ بِهَا تَكَرُّمَا مِنْ بَعْدِ إِذْنِ اللهِ لاَ كَمَا يَرَى ... كُلُّ قُبُورِيٍّ عَلَى اللهِ افْتَرَى

стр. 1894

قال: (كذا له) لنبينا ﷺ (الشفاعة العظمى) يوم القيامة، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا [الإسراء: ٧٩] ولذا قلنا (قد خصه الله بها) بالشفاعة (تكرماً) منه عليه ﷺ وعلى أمته به كما في (الصحيح) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النَّبيّ ﷺ قال ((أُعطيتُ خمساً لم يُعْطَهنَّ أَحَدٌ قبلي: نُصِرْتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأَيَّما رجلٍ من أُمَّتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبيُّ يُبْعَثُ إلى قومه خاصَّةً وبعثت إلى الناس عامة)) (١) وفيه عنه ﵁ عن النَّبيّ ﷺ ((لكلِّ نبيٍّ دعوة قد دعا بها في أُمَّته، وخبأت دعوتي شفاعة لأُمَّتي يوم القيامة)) (٢)، وفيه عن أنسٍ ﵁ أَنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ قال ((لكلِّ نبي دعوةٌ دعاها لأُمَّته، وإِنِّي اختبأت دعوتي شفاعةً لأُمَّتي يوم القيامة)) (٣). وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ ((لكلِّ نبيّ دعوةٌ مستجابة، فتعجَّل كل نبيٍّ دعوته، وإِنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعة لأُمَّتي يوم القيامة فهي نائلةٌ إِنْ شاء الله تعالى من مات من أُمَّتي لا يشرك بالله شيئاً)) (٤). وفيه عن عبد الله بن عمرو ﵁ أَنَّ النَّبيّ ﷺ تلا قول الله في إبراهيم رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦] وقال عيسى ﵇: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فرفع يديه وقال: اللهم أُمَّتي، وبكى، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد – وربك أعلم – فسلْه: ما يبكيك. فأتاه جبريلُ ﵇ فسأله، فأخبره رسولُ اللهِ ﷺ بما قال – وهو أعلم – فقال اللهُ تعالى: يا جبريلُ اذهب إلى محمد فقل: إِنَّا سنرضيك في أُمَّتك ولا نسوؤك)) (٥). وفيه عنه ﵁ أَنَّه سمع النَّبيّ ﷺ يقول: ((إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ فإِنّه من صلى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإِنَّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سألَ الله لي الوسيلة حلَّت له الشَّفاعة)) (٦). وفيه عن جابر بن عبد الله ﵄ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال ((من قال حين يسمع النداء: اللَّهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة)) (٧).

стр. 1895

وتلك الشفاعة لا تكون إلا من بعد إذن الله ، سواء في ذلك شفاعة نبينا ﷺ وشفاعة من دونه، وذلك الإذن يتعلق بالشافع والمشفوع فيه، وبوقت الشفاعة، فليس يشفع إلا من أذن الله له في الشفاعة، وليس له أن يشفع إلا بعد أن يأذن الله له، وليس له أن يشفع إلا فيمن أذن الله تعالى له أن يشفع فيه، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] مَا مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: ٣] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣] وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦] قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً [الزمر: ٤٤] وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦] لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً [مريم: ٨٧] لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً [النبأ: ٣٨] يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً [طه: ١٠٩] وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى في الكفار: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨] مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨]، وقال عنهم: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]. وسيأتي في ذكر الأحاديث مراجعة الرسل الشفاعة بينهم حتى تنتهي إلى نبينا ﷺ وأنه يأتي فيستأذن ربه ، ثم يسجد ويحمده بمحامد يعلمه تعالى إياها، ولم يزل كذلك حتى يؤذن له ويقال: ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع، وأنه يحد له حداً فيدخلهم الجنة ثم يرجع كذلك، وفي كل مرة يستأذن ويدعو حتى يؤذن له ويحد له حداً حتى ينجو جميع الموحدين، وهكذا كل شافع بعده يسأل الشفاعة من مالكها حتى يؤذن له، إلى أن يقول الشفعاء لم يبق إلا من حبسه القرآن وحق عليه الخلود. والمقصود أن الشفاعة ملك لله ولا تسأل إلا منه، كما لا تكون إلا بإذنه للشافع في المشفوع حين يأذن في الشفاعة. (لا كما يرى كل قُبُوري) نسبة إلى القبور لعبادته أهلها (على الله افترى) في ما ينسبه إلى أهل القبور ويضيفه إليهم من التصرفات التي هي ملك لله لا يقدر عليها غيره تعالى ولا شريك له فيها، ورتبوا على ذلك صرف العبادات إلى الأموات ودعاءهم إياهم والذبح والنذر لهم دون جبار الأرض والسموات، وسؤالهم منهم قضاء الحاجات ودفع الملمات، وكشف الكربات والمكروهات معتقدين فيهم أنهم يسمعون دعاءهم ويستطيعون إجابتهم. وقد تقدم كشف عوارهم وهتك أستارهم بما يشفي ويكفي ولله الحمد والمنة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٠٦٢

стр. 1896

المبحث الثالث: أنواع الشفاعة: (الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية) أقسام الشفاعة الثابتة ١ - الشفاعة العظمى. ٢ - الشفاعة في دخول المؤمنين الجنة. ٣ - الشفاعة لرفع درجات أهل الجنة. ٤ - الشفاعة لقوم استحقوا النار أن لا يدخلوها. ٥ - الشفاعة في أهل الكبائر. ٦ - شفاعة الرسول ﷺ لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه. ٧ - الشفاعة لأقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب. ٨ - شفاعة الرسول ﷺ لأهل المدينة المنورة. ومن هذه الشفاعات ما هو خاص بالرسول ﷺ ، ومنها ما يكون له وللأنبياء الآخرين عليهم الصلاة والسلام، ومنها ما يكون لخواص الخلق. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٩٩ أقوال الناس في الشفاعة والقول الحق في ذلك، والحديث المفصل عن الشفاعة

стр. 1897

وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق: طرفان، ووسط. فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب، كالنصارى، ومبتدعة هذه الأمة: أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن. والخوارج والمعتزلة: أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر من أمته. بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه. وأنكروا الشفاعة بقوله تعالى: من قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ [البقرة:٢٥٤] وبقوله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:١٨] ونحو ذلك. وأما سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ ، من شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعة غيره من النبيين والملائكة. وقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، والصدقة عنه، بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء. كما ثبتت به السنة الصحيحة الصريحة، وما كان في معنى الصوم. وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله ويسأل، ولا تنفع الشفاعة إلا بإذنه، قال تعالى: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة:٢٥٥] وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:٢٨] وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى [النجم:٢٦]. وقد ثبت في (الصحيح)، أن سيد الشفعاء ﷺ إذا طلبت الشفاعة منه بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فيردونها إلى محمد ﷺ ، العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- قال: ((فأذهب إلى ربي، فإذا رأيته خررت له ساجدا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي، لا أحسنها الآن فيقول لي: أي محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع وسل تعطه، واشفع تشفع، قال: فأقول: رب أمتي أمتي، فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة)) (١). وقال تعالى: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:٥٦ - ٥٧]. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون العزير والمسيح والملائكة فأنزل الله هذه الآية، وقد أخبر فيها أن هؤلاء المسؤولين يتقربون إلى الله ويردون رحمته، ويخافون عذابه. وقد ثبت في (الصحيح) أن أبا هريرة قال: ((يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال: يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك، لما رأيته من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله)) (٢). فكلما كان الرجل أتم إخلاصا لله، كان أحق بالشفاعة، وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين، يرجوه ويخافه، فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة. فشفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافع للمشفوع له، بغير إذن المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه، وإما لخوفه منه، فيحتاج إلى أن يقبل شفاعته. والله تعالى: غني عن العالمين وهو وحده سبحانه يدير العالمين كلهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع في الشفاعة.

стр. 1898

وهو يقبل شفاعته، كما يلهم الداعي الدعاء، ثم يجيب دعاءه فالأمر كله له. فإذا كان العبد يرجو شفيعا من المخلوقين، فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة، ولا يقبل شفاعته. وأفضل الخلق: محمد ﷺ ، ثم إبراهيم ﵉. وقد امتنع النبي ﷺ ، أن يستغفر لعمه أبي طالب، بعد أن قال: ((لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)) (١). وقد صلى على المنافقين ودعا لهم فقيل له: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ [التوبة:٨٤] وقيل له أولا: إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [التوبة:٨٠] فقال: ((لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر لهم لزدت)) (٢) فأنزل الله: سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون:٦]. وإبراهيم: قال الله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ [هود:٧٤ - ٧٦]. ولما استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه، بعد وعده بقوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:٤١] قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [الممتحنة:٤] وقال تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:١١٣ - ١١٤]. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية٢/ ٨٣٠ قال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في شرح منظومته: يَشْفَعُ أَوَّلاً إِلَى الرَّحْمَنِ فِي ... فَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَطْلُبَهَا النَّاسُ إلَى ... كُلِّ أُولِي الْعَزْمِ الْهُدَاةِ الْفُضَلاَ هذه الشفاعة الأولى لنبينا محمد ﷺ ، وهي أعظم الشفاعات، وهي المقام المحمود الذي ذكر الله له ووعده إياه وأمرنا رسول الله ﷺ أن نسأل الله إياه له ﷺ بعد كل أذان. وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب قوله تعالى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء: ٧٩] حدثنا إسماعيل بن أبَّان حدَّثنا أبو الأحوص عن آدم بن علي قال سمعت ابن عمر ﵄ يقول ((إنَّ الناس يصيرون يوم القيامة جثاً كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعةُ إلى النبيّ ﷺ ، فذلك يومٌ يبعثه الله المقام المحمود)) (٣).

стр. 1899

وقال مسلم رحمه الله تعالى حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير واتفقا في سياق الحديث إلا ما يزيد أحدهما من الحرف بعد الحرف، قالا حدَّثنا محمد بنُ بِشرٍ حدَّثنا أبو حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ قال: ((أُتي رسولُ الله ﷺ يوماً بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال: أنا سيِّد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بِمَ ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ فيُسْمعهم الداعي، وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه، ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربِّكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إنَّ ربِّي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً ﵇ فيقولون: يا نوح أنت أول الرُّسُل إلى الأرض وسمّاك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه قد كانت دعوةٌ دعوتُ بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ . فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبيُّ الله وخليلُه من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم ﷺ : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﵇ فيقولون: يا موسى أنت رسولُ الله فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى ﵇: إِنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإِنِّي قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى ﵇. فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسولُ اللهِ وكلَّمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى ﵇: إِنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمد أَنت رسولُ اللهِ وخاتم الأنبياء وغفر اللهُ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، اشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فأَنْطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربِّي، ثم يفتح الله عليَّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي. ثم قال: يا محمد ارفعْ رأسك سلْ تُعْطه اشفع تشفَّعْ فأَرفع رأسي فأقول: يا ربِّ أُمَّتي أُمَّتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أُمَّتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إِنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبُصرى)) (١).

стр. 1900

قال وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: ((وُضِعَتْ بين يدي رسولِ اللهِ ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذِّراع وكانت أحبَّ الشاة إليه، فنهس نهسةً فقال: أنا سيِّد الناس يوم القيامة، ثم نهس أخرى فقال: أنا سيِّدُ الناس يوم القيامة. فلمَّا رأى أصحابه لا يسألونه قال: ألا تقولون كيف؟ قالوا: كيف يا رسولَ اللهِ؟ قال: يقوم الناس لربِّ العالمين)) وساق الحديث بمعنى حديث أبي حيان عن أبي زرعة، وزاد في قصة إبراهيم فقال: وذكر قوله في الكوكب: هذا ربِّي، وقوله لآلهتهم: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إِنِّي سقيم. قال: والذي نفس محمَّدٍ بيده إِنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنة إلى عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر، أو هجر ومكة، قال لا أدري أيُّ ذلك قال (١). وروى الإمام أحمد عن كعب بن مالك أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال ((يُبْعَثُ الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمّتي على تل، ويكسوني ربِّي حُلَّةً خضراء، ثُمَّ يُؤْذَنُ لي فأقول ما شاءَ اللهُ تعالى أَنْ أقول، فذلك المقام المحمود)) (٢).

стр. 1901

وسيأتي إن شاء الله تعالى في حديث أنس ﵁ قوله ﷺ ((يجمع اللهُ الناس يوم القيامة فيهتمُّون لذلك – وفي لفظة فيلهمون لذلك – فيقولون لو استشفعنا إلى ربِّنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال فيأتون آدم)) (١) الحديث، وتقدم في حديث الصور قوله ﷺ ((فتقفون موقفاً واحداً مقدارُهُ سبعون عاماً لا يُنْظَرُ إليكم ولا يُقْضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دماً. وتعرقون حتى يلجمكم العرق ويبلغ الأذقان، وتقولون مَنْ يشفع لنا إلى ربِّنا فيقضي بيننا؟ فتقولون من أَحقُّ بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله تعالى بيده، ونفخ فيه من روحه وكلَّمه قبلاً. فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه، فيأتي ويقول: ما أَنا بصاحب ذلك. فيستقرئون الأنبياءَ نبيّاً نبيّاً كلما جاؤوا نبيّاً أبى عليهم. قال رسول الله ﷺ : حتى يأتوني فأنطلق إلى الفحص فأخرُّ ساجداً. قال أبو هريرة: يا رسولَ الله وما الفحص؟ قال قدام العرش، حتى يبعث الله إليّ ملكاً فيأخذ بعضدي ويرفعني فيقول لي: يا محمد. فأقول: نعم يا ربِّ فيقول اللهُ : ما شأنُكَ؟ وهو أعلم. فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفِّعني في خلقك فاقض بينهم. قال الله تعالى: قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم)) (٢) الحديث. وروى الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: حدَّثني نبيُّ اللهِ ﷺ قال ((إِنِّي لقائمٌ أنتظر أُمَّتي تعبر على الصراط، إذ جاءني عيسى ﵇ فقال: هذه الأنبياء قد جاءَتْكَ يا محمد يسألون أو قال يجتمعون إليك – ويدعون الله أَنْ يفرق بين جميع الأمم إلى حيث يشاء الله لغمٍّ جاءهم فيه، فالخلق ملجمون بالعرق، فأَمَّا المؤمن فهو عليه كالزكمة وأما الكافر فيغشاهُ الموت، فقال: انتظر حتى أرجع إليك، فذهب نبيُّ اللهِ ﷺ فقام تحت العرش فلقي ما لم يلق ملكٌ مصطفى، ولا نبيٌّ مرسل، فأَوْحى اللهُ إلى جبريل أن اذهب إلى محمد وقل له: ارفع رأْسك سل تُعْطَ واشْفَعْ تُشفع)) (٣) الحديث. وعند مسلم وغيره من حديث نزول القرآن على سبعة أحرف ((فلَك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهمَّ اغفر لأمتي، اللهمَّ اغفر لأمَّتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليَّ الخلق كلُّهم حتى إبراهيم ﷺ ) (٤). وَثَانِيًا يَشْفَعُ فِي اسْتِفْتَاحِ ... دَارِ النَّعِيمِ لأُولِي الْفَلاحِ هَذَا وَهَاتَانِ الشَّفَاعَتَانِ ... قَدْ خُصَّتَا بِهِ بِلاَ نُكْرَانِ

стр. 1902

هذه الشفاعة الثانية في استفتاح باب الجنة، وقد جاء في الأحاديث أنها أيضاً من المقام المحمود، وقال مسلم رحمه الله تعالى: حدَّثنا قتيبة بنُ سعيدٍ وإسحاقُ بنُ إبراهيم. قال قتيبةُ حدَّثنا جرير عن المختار بن فلفل عن أَنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ ((أَنا أَوَّل الناس يشفع في الجنة، وأَنا أكثر الأنبياء تبعاً)) (١). وحدَّثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدَّثنا معاويةُ بنُ هشام عن سفيان عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ ((أَنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأَنا أَوَّل من يقرع باب الجنة)) (٢). وحدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن المختار بن فلفل قال: قال أنسُ بنُ مالكٍ قال النَّبيّ ﷺ ((أَنا أَوَّل شفيع في الجنة، لم يصَدَّق نبي من الأنبياء ما صُدِّقت، وإِنَّ من الأنبياء نبيّاً ما يصدقه من أمته إلاّ رجلٌ واحد)) (٣). وحدَّثني عمرو الناقد وزهير بن حرب قالا حدَّثنا هاشم بن القاسم حدَّثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ ((آتي باب الجنة يومَ القيامةِ فأستفتح، فيقول الخازن، مَنْ أَنْتَ؟ فأقول محمد، فيقول بك أمرت لا أفتح لأَحَدٍ قبلك)) (٤). قال حدَّثنا محمد بن طريف بن خليفة البجلي حدَّثنا محمد بن فضيل حدَّثنا أبو مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة، وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ ((يَجْمَعُ اللهُ ﵎ النَّاسَ، فيقوم المؤمنون حتى تزلفُ لهم الجنَّة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئةُ أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله . قال فيقول إبراهيم: لستُ بصاحب ذلك إنما كنت خليلاً من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تعالى تكليماً. فيأتون موسى ﵇ فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله تعالى وروحه، فيقول عيسى ﵇: لست بصاحب ذلك. فيأتون محمداً ﷺ فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط فيمُرُّ أولكم كالبرق)) (٥) وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا يحيى بنُ بكير حدَّثنا الليثُ عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: سمعتُ حمزة بن عبد الله بن عمر قال سمعت عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يومَ القيامةِ ليس في وجهه مُزْعةُ لحم)) (٦) وقال: ((إنَّ الشمس تدنو يومَ القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأُذن. فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ﷺ ). وزاد عبد الله حدثني الليث قال حدثني ابن أبي جعفر ((فيشفع ليقضي بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذٍ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلُّهم)) (٧).

стр. 1903

ففي هذا الحديث الجمع بين ذكر الشفاعتين: الأولى في فصل القضاء، والثانية في استفتاح باب الجنة، وسمى ذلك كله المقام المحمود (هذا) أي ما ذكر (وهاتان الشفاعتان) المذكورتان اللتان هما المقام المحمود (قد خصتا) أي جعلهما الله تعالى خاصتين (به) أي بنبينا محمد ﷺ وليستا لأحد غيره (بلا نكران) بين أهل السنة والجماعة، بل ولم ينكرهما المعتزلة الذين أنكروا الشفاعة الثالثة في إخراج عصاة الموحدين من النار، وهي المشار إليها بقولنا: وَثَالِثاً يَشْفَعُ فِي أَقْوَامِ ... مَاتُوا عَلَى دِينِ الْهُدَى الإِسْلاَمِ وَأَوْبَقَتْهُمْ كَثْرَةُ الآثَامِ ... فَأُدْخِلُوا النَّارَ بِذَا الإِجْرَامِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا إِلَى الْجِنَانِ ... بِفَضْلِ رَبِّ الْعَرْشِ ذِي الإِحْسَانِ فهذه الشفاعة حقٌ يؤمن بها أهل السنة والجماعة كما آمن بها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ودرج على الإيمان بذلك التابعون لهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأنكرها في آخر عصر الصحابة الخوارج، وأنكرها في عصر التابعين المعتزلة وقالوا بخلود من دخل النار من عصاة الموحدين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ويشهدون أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون البيت الحرام ويسألون الله الجنة ويستعيذون به من النار في كلّ صلاة ودعاء، غير أنهم ماتوا مصرّين على معصية عملية عالمين بتحريمها معتقدين مؤمنين بما جاء فيه الوعيد الشديد فقضوا بتخليدهم في جهنم مع فرعون وهامان وقارون، فجحدوا قول الله أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: ٢٨] وقوله أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية: ٢١] وقوله تعالى أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم: ٣٥ – ٣٦] وغيرها من الآيات وسائر الأحاديث الواردة.

стр. 1904

وقال البخاري رحمه الله تعالى: وقال حجَّاجُ بنُ منهال حدَّثنا همامُ بنُ يحيى حدَّثنا قتادةُ عن أنسٍ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: ((يُحبس المؤمنون يومَ القيامةِ حتى يهموا بذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلّمك أسماء كل شيءٍ لتشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال فيقول: لست هناكم. قال ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحاً أوَّل نبي بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض فيأتون نوحاً فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربَّه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. قال فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كلمات كذبهنَّ، ولكن ائتوا موسى عبداً آتاه الله التوراة وكلَّمه وقرَّبه نجياً. قال فيأتون موسى فيقول: إنِّي لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب قتله النفس، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله تعالى وكلمته، قال: فيأتون عيسى فيقول: لستُ هناكم، ولكن ائتوا محمداً ﷺ عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله تعالى أن يدعني فيقول: ارفع محمد وقل يسمع واشفع تُشفّع وسل تُعط. قال: فأرفع رأسي فأثني على ربِّي بثناءٍ وتحميدٍ يُعلمنيه، ثم أشفع فيحدُّ لي حدّاً فأخرج فأدخلهم الجنة)). قال قتادة: وقد سمعته يقول ((فأخرج فأخرِجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأستأذن على ربِّي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفعْ محمد وقل يسمع واشفع تشفع وسلْ تُعْطَ. قال: فأرفع رأسي فأثني على ربِّي بثناءٍ وتحميدٍ يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حدّاً فأخرج فأدخلهم الجنة)) قال قتادة: وسمعته يقول ((فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربِّي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفعْ محمد وقل يسمع واشفع تشفع وسلْ تُعْطَ. قال: فأرفع رأسي فأثني على ربِّي بثناءٍ وتحميدٍ يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حدّاً فأخرج فأدخلهم الجنة)). قال قتادة: وقد سمعته يقول ((فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن)) أي وجب عليه الخلود. قال؛ ثم تلا هذه الآية عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء: ٧٩] قال: وهذا المقام المحمود الذي وُعِدَهُ نبيكم ﷺ ) (١). وقال أيضاً: حدَّثنا مسدد حدَّثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ ((يجمع الله الناس يومَ القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربِّنا حتى يريحنا من مكاننا – وذكره مختصراً وقال في الثالثة أو الرابعة – حتى ما بقي في النار إلاّ من حبسه القرآن)) وكان قتادة يقول عند هذا: أي وجب عليه الخلود (٢).

стр. 1905

ورواه مسلم من طرق بنحوه، وقال رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو الربيع العتكيُّ حدَّثنا حماد بن زيد حدَّثنا معبدُ بنُ هلالٍ العنزيُّ. ح. وحدَّثنا سعيد بن منصور – واللفظ له، حدَّثنا حماد بن زيد حدَّثنا معبدُ بن هلال العنزي قال: انطلقنا إلى أنسٍ بن مالك، وتشفعنا بثابتٍ، فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى، فاستأذن لنا ثابتٌ فدخلنا عليه وأجلس ثابت معه على سريره فقال: يا أبا حمزة إنَّ إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة. قال: حدَّثنا محمدٌ ﷺ قال: ((إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم فيقولون له: اشفع لذُرِّيتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم ﵇ فإنَّه خليلُ الله، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى ﵇ فإنَّه كليم الله، فيؤتى موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى ﵇ فإنَّه روح الله وكلمته، فيؤتى عيسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد ﷺ فأوتى فأقول: أنا لها فأنطلق فأستأذن على ربِّي فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن، يُلهمنيه الله، ثم أَخرُّ له ساجداً فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول: ربِّ أُمَّتِي أُمَّتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبةٍ من بُرَّةٍ أو شعيرة من إيمان فأخْرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أَخِرُّ له ساجداً له، فيقال لي يا محمَّدُ ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول، أُمَّتي أُمَّتي، فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه مثقالُ حبّةٍ من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده تلك المحامد، ثم أَخِرُّ له ساجداً، فيقال لي يا محمَّدُ ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول يا رب أُمَّتي، فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى من مثقال حبةٍ من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل)) هذا حديث أنس الذي أنبأنا به، فخرجنا من عنده، فلما كنّا بظهر الجبَّان: قلنا لو ملنا إلى الحسن فسلَّمنا عليه وهو مستخفٍ في دار أبي خليفة. قال فدخلنا عليه فسلَّمنا عليه فقلنا: يا أبا سعيد جئنا من عند أخيك أبي حمزة فلم نسمع مثل حديث حدَّثناه في الشفاعة. قال: هيه. فحدَّثناه الحديث. فقال هيه. قلنا ما زادنا. قال: قد حدَّثنا به منذ عشرين سنةٍ وهو يومئذٍ جميعٌ، ولقد ترك شيئاً ما أدري أَنَسِيَ الشيخ أو كره أن يحدِّثكم فتتكلوا، قلنا له: حدَّثنا. فضحك وقال: خُلِقَ الإنسان من عَجَل، ما ذكرت لكُم هذا إلا وأنا أريدُ أن أحدثكموه ((ثم أرجع إلى ربِّي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، فيقال لي يا محمَّدُ ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذاك لك – أو قال ليس ذاك إليك – ولكن وعِزَّتِي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأُخرجَنَّ من قال لا إله إلا الله)) قال: فأشهد على الحسن أنَّه حدَّثنا به أنَّه سمع أنس بن مالك ﵁ أراه قال: قبل عشرين سنة وهو يومئذٍ جميع (١).

стр. 1906

وقال أيضاً: حدثنا محمد بنُ منهال الضَّرير حدَّثنا يزيد بن زُريع حدَّثنا سعيدُ بن أبي عروبة وهشامٌ صاحب الدَّسْتَوَائي عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ . ح. وحدَّثني أبو غسّان المِسْمَعيُّ ومحمد بن المثنى قالا حدثنا معاذ وهو ابن هشام قال حدَّثني أبي عن قتادة حدَّثنا أنس بنُ مالكٍ أنَّ النبي ﷺ قال ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرةً، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذَرَّة)) زاد ابن منهال في روايته. قال يزيدُ: فلقيتُ شعبة فحدَّثته بالحديث فقال شعبة حدَّثنا به قتادةُ عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ بالحديث، إلا أنَّ شعبة جعل مكان الذرة ذُرَة، قال يزيد: صحَّف فيها أبو بسطام (١). وقال رحمه الله تعالى: حدَّثنا حجاج بن الشاعر حدَّثنا الفضل بنُ دكين حدَّثنا أبو عاصم يعني محمد بن أبي أيوب قال حدَّثني يزيد الفقير قال كنت قد شغفني رأيٌ من رأي الخوارج فخرجنا في عصابةٍ ذوي عددٍ نريد أن نَحُجّ، ثم نخرج على الناس، قال فمررنا على المدينة، فإذا جابرُ بن عبد الله ﵄ يحدِّث القوم، جالسٌ إلى سارية عن رسول الله ﷺ قال فإذا هو قد ذكر الجهنَّميين قال فقلت له: يا صاحب رسولِ اللهِ ﷺ ما هذا الذي تحدِّثون والله تعالى يقول رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [آل عمران: ١٩٢] وكُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا [الحج: ٢٢] فما هذا الذي تقولون؟ قال فقال: أتقرأُ القرآن؟ قلت نعم. قال فهل سمعت بمقامِ محمدٍ ﷺ يعني الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم. قال فإنَّه مقام محمدٍ ﷺ المحمودُ الذي يخرج الله به من يخرج. قال ثم نعت وضع الصراط ومرَّ الناس عليه، قال وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك، قال غير أَنَّه قد زعم أنَّ قوماً يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال يعني فيخرجون كأنَّهم عيدان السَّماسم، قال: فيدخلون نهراً من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا قلنا: ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسولِ الله ﷺ ، فرجعنا فلا والله ما خرج منّا غير رجلٍ واحدٍ، أو كما قال أبو نعيم (٢). وقال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدَّثنا سفيانُ بن عيينة عن عمرو، سمع جابراً ﵁ يقول: سمعه من النَّبيّ ﷺ بأُذنه يقول ((إنَّ الله يخرج ناساً من النار فيدخلهم الجنة)). (٣) وفي رواية له عن حمَّاد بن زيد قال: قلت لعمرو بن دينار ((أسمعت جابر بن عبد الله ﵄ يحدِّث عن رسولِ الله ﷺ أنَّ الله يُخرج قوماً من النار بالشفاعة؟ قال نعم)) (٤)، ورواه البخاري (٥). وفي رواية له أنَّ النبي ﷺ قال: ((يخرج قومٌ من النار بالشفاعة كأنَّهم الثَّعارير)) قلت ما الثعارير قال الضَّغابيس وكان قد سقط فمه (٦). وقال حدَّثنا: هدبة بن خالدٍ حدثنا همَّام عن قتادة حدَّثنا أنسُ بن مالك عن النبي ﷺ قال ((يخرج قومٌ من النار بعد ما مسَّهم منها سفعٌ. فيدخلون الجنة، فيسمِّيهم أهل الجنة الجهنميين)) (٧).

стр. 1907

وقال رحمه الله تعالى حدَّثنا قتيبة بن سعيد حدَّثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يومَ القيامة؟ فقال ((لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أوَّل منك، لما رأيتُ من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يومَ القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)) (١). وهذه الشفاعة الثالثة قد فسّر بها المقام المحمود أيضاً كما في حديث أنس وحديث جابر ﵄ فيكون المقام المحمود عامّاً لجميع الشفاعات التي أوتيها نبينا محمد ﷺ ، لكن جمهور المفسرين فسروه بالشَّفاعتين الأوليين لاختصاصه ﷺ بهما دون غيره من عباد الله المكرمين، وأمَّا هذه الشفاعة الثالثة فهي وإن كانت من المقام المحمود الذي وعده فليست خاصة به ﷺ بل يؤتاها كثيرٌ من عباد الله المخلصين ولكن هو ﷺ المقدم فيها، ولم يشفع أحد من خلق الله تعالى في مثل ما يشفع فيه رسول الله ﷺ ولا يدانيه في ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، ثم بعده يشفع من أذن اللهُ تعالى له من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين وسائر أولياء الله تعالى من المؤمنين المتقين، ويشفع الأفراطُ كل منهم يكرمه الله تعالى على قدر ما هو له أهل، ثم يخرج الله تعالى من النار برحمته أقواماً بدون شفاعة الشافعين، ولذا قلنا في ذلك: وَبَعْدَهُ يَشْفَعُ كُلُّ مُرْسَلِ ... وَكُلُّ عَبْدٍ ذِي صَلاَحٍ وَوَلِي وَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النِّيْرَانِ ... جَمِيْعَ مَنْ مَاتَ عَلَى الإِيْمَانِ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ يُطْرحُونَا ... فَحْماً فَيَحْيَونَ وَيَنْبُتُونَا كَأَنَّمَا يَنْبُتُ فِي هَيْئَاتِهِ ... حَبُّ حَمِيْلِ السَّيْلِ فِي حَافَاتِهِ تقدم في حديث أبي هريرة المتفق عليه في طريق الرؤية قول النَّبيّ ﷺ ((حتَّى إذا فرغ الله تعالى من فصل القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يُخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممَّن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد ويبقى رجلٌ مقبلٌ بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولاً الجنة)) (٢). الحديث تقدم بطوله.

стр. 1908

وتقدم حديث أبي سعيد المتفق عليه أيضاً بطوله – وفيه في نعت المرور على الصراط: ((حتى يمر آخرهم يُسحب سحباً، فما أنتم بأشدَّ لي مناشدة في الحق، قد تبيَّن لكم من المؤمن يومئذٍ للجبار إذا رأوا أنَّهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربَّنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ويحرم الله تعالى صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غار في النار إلى قدميه وإلى أنصاف ساقيه فيُخرجون من عرفوا. ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيُخرجون من عرفوا. ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيُخرجون من عرفوا – قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء: ٤٠] فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبّار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبَّةُ في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خيرٍ قدَّموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه)) (١). وفي لفظ مسلم ((حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحدٍ بأشد مناشدة لله في استقصاء الحقِّ من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربَّنا كانوا يصومون معنا ويصلون معنا ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون ربَّنا ما بقي فيها أحَدٌ ممَّن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدَّتُم في قلبه مثقال دينار من خيرٍ فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربَّنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا بهم. يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينارٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرةٍ من خير فأخرجوه، فيُخرجون كثيراً. ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً، وكان أبو سعيد الخدري ﵁ يقول: إنْ لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء: ٤٠]، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نَهْر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبَّة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض. فقالوا يا رسول الله كأنَّك ترعى بالبادية، قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء اللهِ الذين أدخلهم الله الجنة بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قدّموه. ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموهُ فهو لكم، فيقولون ربَّنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين. فيقول: لكم عندي أفضل من هذا. فيقولون: ربَّنا أيُّ شيءٍ أفضل من هذا؟ فيقول رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) (٢).

стр. 1909

وفيهما من حديثه أيضاً أنَّ رسول الله ﷺ قال ((يُدخل الله أهل الجنةِ الجنةَ يدخل من يشاء في رحمته ويدخل أهل النارِ النارَ. ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبَّةٍ من خردل من إيمان فأخرجوهُ، فيُخرجون منها حمماً قد امتحشوا فيُلْقَوْنَ في نهر الحياة أو الحيا فينبتون فيه كما تنبت الحبَّةُ إلى جانب السيل ألم تروها كيف تخرج صفراء ملتويةً)) (١) – وفي رواية لمسلم: ((كما تنبت الغثاءة في جانب السيل)) (٢). وله عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((أمَّا أهل النار الَّذِين هم أهلها فإنَّهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناسٌ أصابتهم النار بذنوبهم – أو قال بخطاياهم – فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً أُذِنَ بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبُثُّوا على أنهار الجنة، ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل. فقال رجلٌ من القوم: كأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد كان بالبادية)) (٣). وللترمذي عن أبي أمامة ﵁ يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: ((وعَدَنِي ربِّي أن يدخل الجنة من أُمَّتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب. مع كلُّ ألفٍ سبعون ألفاً وثلاث حثياتٍ من حثيات ربِّي)) هذا حديث حسن غريب (٤). وله عن عبد الله بن شقيق قال: كنت مع رهطٍ بإيليا فقال رجلٌ منهم: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول ((يدخل الجنة بشفاعةِ رجل من أُمَّتي أكثر من بني تميم. قيل: يا رسول الله سواك؟ قال: سواي)) فلما قام قلت: مَنْ هذا؟ قالوا هذا ابن أبي الجدعاء. (٥) هذا حديث حسن صحيح غريب، وابن أبي الجدعاء هو عبد الله، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد ورواه ابن ماجه. وللترمذي أيضاً عن أبي سعيد ﵁ أنَّ رسول اللهِ ﷺ قال: ((إنَّ مِنْ أُمَّتي من يشفع للفئام من الناس، منهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل. حتى يدخلوا الجنة)). هذا حديث حسن (٦).

стр. 1910

وروى أبو داود عن عمران بن حصين ﵄ عن النَّبيّ ﷺ قال: يخرجُ قومٌ من النار بشفاعة محمد فيدخلون الجنة ويُسمَّون الجهنميين)) (١) ورواه ابن ماجه. وله عن أبي موسى الأشعريّ ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ ((خُيِّرتُ بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أُمَّتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، ترونها للمتَّقين، لا ولكنها للمذنبين الخطَّائين المتلوَّثين)) (٢). وله عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ ((أتدرون ما خيَّرني ربِّي الليلة؟ قلنا: اللهُ ورسوله ﷺ أعلم، قال: فإنَّه خيَّرني بين أن يُدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترتُ الشفاعة. قلنا: يا رسول الله ادع الله أنْ يجعلنا من أهلها. قال: هي لكلِّ مسلم)). (٣) ورواه الترمذي بلفظ ((فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يُشْرِكُ باللهِ شيئاً)) (٤) والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً مشهورة مستفيضة بل متواترة، وقد ذكرنا منها ما فيه كفاية، وتقدم في أحاديث الرؤية جملة منها عن جماعة من الصحابة، وبقي من النصوص في هذا الباب كثير، وبالله التوفيق. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ص ١٠٦٢ ومن الشفاعات الثابتة التي أكرم الله بها نبيه ﷺ شفاعته لمن سكن في المدينة المنورة ومات بها وهذه الشفاعة فيها كذلك إكرام للمدينة المنورة ولمن سكن بها صابراً على لأوائها مفضلاً لها على غيرها، وقد شرفها الله بميزات عديدة ليس هنا موضع ذكرها ومن ذلك أن جعلها مهاجر رسول الله ﷺ وعاصمة الإسلام الأولى، وأنه يأرز إليها الإيمان كما تأرز الحية إلى جحرها (٥). ثم ميزها الله تعالى عن سائر البقاع بثبوت شفاعة نبيه ﷺ لأهلها اعتناء خاصاً بهم ومزيد تشريف لها. ومن الأدلة على ذلك ما جاء عن عامر بن سعيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها, أو يقتل صيدها)) , وقال: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون, لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه, ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعاً، أو شهيداً، يوم القيامة)) (٦). وعن أبي سعيد مولى المهدي أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحرة فاستشاره في الجلاء عن المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره ألَّا صبر له على جهد المدينة ولأوائها. فقال له: ويحك لا آمرك بذلك: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة إذا كان مسلماً)) (٧).

стр. 1911

وعن يُحنس مولى الزبير أخبره أنه كان جالساً عند عبد الله بن عمر في الفتنة فأتته مولاة له تسلم عليه، فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن، اشتد علينا الزمان، فقال لها عبد الله: اقعدي لكاع؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد فيموت إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة إذا كان مسلماً)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شهيداً يوم القيامة أو شفيعاً)) (٢). ومن تلك النصوص السابقة يتبين ثبوت شفاعة الرسول ﷺ لأهل المدينة، وأنه يكون شهيداً وشفيعاً لهم. وقد ورد الحديث بإثبات (أو)، وفي هذا إشكال؛ هل (أو) هنا جاءت لشك من الرواة، أم إنها صحيحة ثابتة عن الرسول ﷺ ، ويكون إيرادها هكذا للتقسيم؛ بمعنى أن الرسول ﷺ يكون شهيداً لبعض أهل المدينة وشفيعاً لبقيتهم، أو يكون شفيعاً للعاصين, وشهيداً للمطيعين، أو شهيداً لمن مات في حياته, وشفيعاً لمن مات بعده، أو تكون (أو) هنا بمعنى الواو، ويكون المعنى أنه يكون شفيعاً وشهيداً لهم. وقد أجيب عن هذا الاستشكال بجواب امتدحه القاضي عياض كما نقله عنه النووي بأنه جواب مقنع يعترف بصوابه كل من وقف عليه، فقال: (سألت قديماً عن معنى هذا الحديث، ولم خص ساكن المدينة بالشفاعة هنا، مع عموم شفاعته وادخاره إياها لأمته؟ قال: وأجيب عنه بجواب شافٍ - مقنع في أوراق – اعترف بصوابه كل واقف عليه. قال: وأذكر منه هنا لمعاً تليق بهذا الموضع؛ قال بعض شيوخنا: (أو) هنا للشك، والأظهر عندنا أنها ليست للشك، لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت عميس، وصفية بنت أبي عبيد، عن النبي ﷺ بهذا اللفظ، ويبعد اتفاقهم جميعاً، أو رواتهم على الشك، وتطابقهم فيه على صيغة واحدة. بل الأظهر أنه قاله ﷺ هكذا؛ فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة هكذا، وإما أن يكون (أو) للتقسيم، ويكون شهيداً لبعض أهل المدينة وشفيعاً لبقيتهم: إما شفيعاً للعاصين وشهيداً للمطيعين، وإما شهيداً لمن مات في حياته وشفيعاً لمن مات بعده، أو غير ذلك. قال القاضي: وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين في القيمة وعلى شهادته على جميع الأمة، وقد قال ﷺ في شهداء أحد: ((أنا شهيد على هؤلاء)) (٣)، فيكون لتخصيصهم بهذا كله مزية أو زيادة منزلة وحظوة. قال: وقد يكون (أو) بمعنى الواو؛ فيكون لأهل المدينة شفيعاً وشهيداً. قال: وقد روى: ((إلا كنت له شهيداً وله شفيعاً)) (٤). قال: وإذا جعلنا (أو) للشك كما قاله المشايخ؛ فإن كانت اللفظة الصحيحة (شهيدا) اندفع الاعتراض؛ لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة المجردة لغيره، وإن كانت اللفظة الصحيحة (شفيعاً) فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التي هي لإخراج أمته من النار، ومعافاة بعضهم منها بشفاعته ﷺ في القيامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، أو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة كإيوائهم إلى ظل العرش، أو كونهم في روح وعلى منابر، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض) (٥). وذكر هذه الشفاعة لساكني المدينة لا شك أنها مزية عظيمة لهم، ولكن ليس معنى هذا أن الشفاعة تعم كل من سكن المدينة على ما كان من العمل، كما قد يركن إليه بعض أهل الأماني، بل هذه المزية خاصة بمن سكن المدينة مؤمناً بالله ورسوله، عاملاً بما أوجبه الله عليه، صابراً على ما يصيبه فيها من آلام ومشاق؛ حباً فيها وتقديماً لها على غيرها؛ فهذا هو الذي يستحق مزية الاعتناء به والاهتمام بالشفاعة فيه كما أشار إليه الحديث. أما من سكن فيها، ولم يشكر تلك النعمة؛ فأفسد فيها بما يتنافى مع حرمتها؛ فقد توعده الرسول ﷺ باللعن، كما في قوله ﵊ في حديث أبي هريرة، قال: ((المدينة حرم, فمن أحدث فيها حدثاً, أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله, والملائكة, والناس أجمعين, لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف)) (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٤٠٧

стр. 1912

المبحث الرابع: الشفاعات التي لم يثبت بها نص صحيح ١ - اعتقاد شفاعة الرسول ﷺ لمن زار قبره من الناس بعد موته. ومن الآثار التي يستدل بها من يثبت تلك الشفاعة؛ الأحاديث الآتية: ١ - عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من زار قبري, أو قال: من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة)) (١). ٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شهيداً، أو شفيعاً يوم القيامة)) (٢). ٣ - ((من زارني حتى ينتهي إلى قبري، كنت له يوم القيامة شهيداً)) (٣). ٤ - ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) (٤). ٥ - ((من جاءني زائراً، لا تعمله حاجة إلا زيارتي، كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) (٥). ٦ - ((من زار قبري حلت له شفاعتي)) (٦). ٧ - ((من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة)) (٧). ٨ - ((من أتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعث آمناً)) (٨).

стр. 1913

وتلك الأحاديث كلها لم يثبت منها شيء عن الرسول ﷺ بسند صحيح، وآفتها في رواتها؛ فهم ما بين ضعيف, أو كذاب, أو مجهول, أو وضاع، لا يعتمد على روايتهم، ولا يركن إليها، ولم يروها كذلك إلا من لم يشترط الصحة في نقل الحديث. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ في رده على القائلين لمشروعية زيارة القبر الشريف: (فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة، لا يعتمد على شيء فيها في الدين؛ ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئاً منها، وإنما يرويها من يروي الضعاف؛ كالدارقطني والبزار وغيرهما) (١). أما الحديث الأول: فإن إسناده فيه جهالة، وفيه اضطراب، وقد أخرجه البيهقي في سننه, وحكم عليه بجهالة إسناده (٢). ويقول ابن عبد الهادي: (هذا الحديث ليس بصحيح؛ لانقطاعه, وجهالة إسناده, واضطرابه) (٣). أما الحديث الثاني: ((من زارني بالمدينة محتسباً))، فقد أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)، وأورده السيوطي في (الجامع الصغير) (٤) ورمز لحسنه، لكن المناوي رد عليه هذا التحسين، وقال بأنه (ليس بحسن، ففيه ضعفاء، منهم أبو المثنى سليمان بن يزيد الكعبي. قال الذهبي: ترك. وقال أبو حاتم: منكر الحديث) (٥). ويقول ابن عبد الهادي في الحكم على هذا الحديث: (هذا الحديث ليس بصحيح ولا ثابت، بل هو حديث ضعيف الإسناد منقطع، ولو كان ثابتاً لم يكن فيه دليل على محل النزاع، ومداره على أبي المثنى سليمان بن يزيد الكعبي الخزاعي المديني، وهو شيخ غير محتج بحديثه، وهو بكنيته أشهر منه باسمه، ولم يدرك أنس بن مالك؛ فروايته عنه منقطعة غير متصلة، وإنما يروي عن التابعين وأتباعهم، وقد ذكره ابن حبان في كتاب (الثقات في أتباع التابعين)، وذكره أيضاً في كتاب (المجروحين) (٦). ثم ذكر ما قاله ابن حبان فيه في كتاب (الثقات)، وما قاله فيه كتاب (المجروحين) من تضعيف. ويقول فيه ابن حجر: (أبو المثنى الخزاعي اسمه سليمان بن يزيد: ضعيف) (٧). وأما الحديث الثالث وهو: ((من زارني حتى ينتهي إلى قبري)) إلخ؛ فقد ذكره السبكي في كتاب (شفاء السقام)، وقال: (ذكره الحافظ أبو جعفر العقيلي في كتاب (الضعفاء) في ترجمة فضالة بن سعيد بن زميل المازني .. إلى أن يقول: وذكره الحافظ ابن عساكر من جهته أيضاً .. وفضالة بن سعيد قال العقيلي في ترجمته: حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به. . هكذا رأيته في كتاب العقيلي. وذكر الحافظ ابن عساكر عنه أنه قال: لا يتابع على حديثه من جهة تثبت, ولا يعرف إلا به) (٨). (وقد بين العلامة ابن عبد الهادي أن هذا الحديث (حديث منكر جداً، ليس بصحيح ولا ثابت؛ بل هو حديث موضوع على ابن جريج). ويذكر كذلك أنه وقع تصحيف في متنه وفي إسناده أيضاً أما التصحيف في متنه؛ فقوله: ((من زارني)) من الزيارة، وإنما هو ((من رآني في المنام كان كمن زارني في حياتي)). هكذا روايته في كتاب العقيلي. وفي نسخة ابن عساكر: ((من رآني)) من الرؤية، وعلى هذا يكون معناه معنى الحديث الصحيح: ((من رآني في المنام فقد رآني، لأن الشيطان لا يتمثل بي)) (٩).

стр. 1914

أما التصحيف في إسناده فقوله: سعيد بن محمد الحضرمي، والصواب: شعيب بن محمد، كما في رواية ابن عساكر، والحديث ليس بثابت على كل حال سواء كان بلفظ الزيارة أو الرؤية، وراويه فضالة بن سعيد بن زميل المازني شيخ مجهول، لا يعرف له ذكر إلا في هذا الخبر الذي تفرد به، ولم يتابع عليه) (١). وأما الحديث الرابع وهو: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) فقد أورده السيوطي (٢) , ورواه البزار (٣) , والدارقطني (٤). وقد رمز السيوطي لضعف الحديث، وفي إسناده كذلك راو ضعيف، وهو عبد الله بن إبراهيم الغفاري؛ قال الهيثمي: (وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري، وهو ضعيف) (٥). ويقول ابن حجر عن هذا الراوي: (عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري، أبو محمد المدني: متروك، نسبه ابن حبان إلى الوضع) (٦). وقال ابن عبد الهادي عن الحديث: (وهو حديث منكر ضعيف الإسناد واه الطريق لا يصلح للاحتجاج بمثله، ولم يصححه أحد من الحفاظ المشهورين، ولا اعتمد عليه أحد من الأئمة المحققين) (٧). وفيه كذلك من جهة الإسناد راو تكلم فيه العلماء وضعفوه؛ وهو عبد الله بن عمر العمري؛ يقول ابن عبد الهادي: (وقد تكلم في عبد الله العمري جماعة من أئمة الجرح والتعديل، ونسبوه إلى سوء الحفظ, والمخالفة للثقات في الروايات). ثم نقل كلام العلماء في تجريحه (٨) , وأن هذا الحديث لا يثبت به شيء، ولا يعتمد عليه محقق. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث: (وأما قوله: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) وأمثال هذا الحديث – مما روي في زيارة قبره ﷺ – فليس منها شيئاً صحيحاً، ولم يرو أحد من أهل الكتب المعتمدة منها شيء؛ لا أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم، ولا أصحاب السنن كأبي داود والنسائي، ولا الأئمة من أهل المسانيد كالإمام أحمد وأمثاله، ولا اعتمد على ذلك أحد من أئمة الفقه كمالك, والشافعي, وأحمد, وإسحاق بن راهويه, وأبي حنيفة, والثوري, والأوزاعي, والليث بن سعد، وأمثالهم؛ بل عامة هذه الأحاديث مما يعلم أنها كذب موضوعة). إلى أن يقول عن سند الحديث: (ومداره على عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف) (٩) إلخ. أما الحديث الخامس وهو: ((من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي ... )) إلخ وفي رواية ذكرها الذهبي: ((لا تنزعه حاجة إلا زيارتي)) فقد أخرج هذا الحديث الطبراني (١٠) والدارقطني (١١)، وهو من الأحاديث التي أوردها السبكي في كتابه (شفاء السقام) (١٢) وانتصر لها. وهذا الحديث غير ثابت بسند صحيح؛ قال فيه ابن عبد الهادي: (ليس فيه ذكر الزيارة للقبر، ولا ذكر الزيارة بعد الموت، مع أنه حديث ضعيف الإسناد، منكر المتن، لا يصلح الاحتجاج به، ولا يجوز الاعتماد على مثله، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا رواه الإمام أحمد في مسنده، ولا أحد من الأئمة المعتمد على ما أطلقوه في رواياتهم، ولا صححه إمام يعتمد على تصحيحه.

стр. 1915

ثم ذكر ابن عبد الهادي علة أخرى لضعف الحديث؛ وهو أنه ضعيف الإسناد، لأنه تفرد به شيخ لم يعرف بنقل العلم، ولم يشتهر بحمله، ولم يعرف من حاله ما يوجب قبول خبره، وهو مسلمة بن سالم الجهني الذي لم يشتهر إلا برواية هذا الحديث المنكر) (١). ويقول فيه ابن حجر (٢): (مسلم بن سالم الجهني بصري، كان يكون بمكة، ضعيف، ويقال فيه: مسلمة بزيادة هاء). وأما الحديث السادس وهو: ((من زار قبري حلت له شفاعتي))، فقد أخرجه البزار في مسنده (٣)، وقد عزاه عبد الحق إلى الدارقطني أيضاً فيما يذكر السبكي (٤)، وفيه راويان ضعيفان، تكلم فيهما العلماء بالتجريح، وهما عبد الله بن إبراهيم الغفاري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ويقول ابن عبد الهادي في رده على السبكي: (واعلم أن هذا الحديث الذي ذكره من رواية البزار، حديث ضعيف منكر ساقط الإسناد، لا يجوز الاحتجاج بمثله عند أحد من أئمة الحديث وحفاظ الأثر ... وأما عبد الله بن إبراهيم، فهو ابن أبي عمرو الغفاري، أبو محمد المدني يقال: إنه من ولد أبي ذر الغفاري، وهو شيخ ضعيف الحديث جداً منكر الحديث، وقد نسبه بعض الأئمة إلى الكذب ووضع الحديث). ثم ذكر ما قاله العلماء في تجريحه إلى أن قال: (وأما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ فضعيف غير محتج به عند أهل الحديث). ثم ذكر كذلك ما قاله العلماء في تجريحه من أوصاف ترد روايته (٥). وأما الحديث السابع وهو: ((من زارني متعمداً)) إلخ الحديث. فقد أخرجه أبو جعفر العقيلي كما ذكر السبكي (٦). يقول ابن عبد الهادي: (إن هذا الحديث ضعيف مضطرب مجهول الإسناد، من أوهى المراسيل وأضعفها) (٧). وأما الحديث الأخير وهو الثامن: ((من أتى المدينة زائراً .. )) إلخ الحديث. فإن السبكي (٨) عزاه إلى يحيى الحسيني في أخبار المدينة، ثم ساق الحديث دون أن يبين السبكي درجة الحديث عنده ولا الرجل المبهم في السند. قال ابن عبد الهادي عن هذا الحديث: (حديث باطل لا أصل له، وخبر معضل لا يعتمد على مثله، وهو من أضعف المراسيل وأوهى المنقطعات، ولو فرض أنه من الأحاديث الثابتة؛ لم يكن فيه دليل على محل النزاع) (٩). وبعرض ما تقدم: يتضح أنه لم يثبت شيء عن النبي ﷺ في استحقاق الشفاعة لزائر قبره الشريف ﷺ . ٢ - الشفاعة للأقرب فالأقرب منه ﷺ : ورد في ذلك حديث ضعيف يدل على ترتيب شفاعة الرسول ﷺ ، وأنه يبتدئ بالأقرب فالذي يليه، إلى أن ينتهي بالعجم، وهذا ما يفيده حديث ابن عمر الذي أخرجه الطبراني والدارقطني أن رسول الله ﷺ قال: ((أول من أشفع له من أمتي أهل بيتي, ثم الأقرب فالأقرب, ثم الأنصار, ثم من آمن بي من أهل اليمن, ثم سائر العرب, ثم سائر الأعاجم, ومن أشفع له أولاً أفضل)) (١٠).

стр. 1916

وقد قال الدارقطني بعد أن أخرجه: (تفرد به حفص عن ليث، وقد ضعف الحديث بسبب هذين الراويين؛ لأن ليثاً ضعيف، وحفص كذاب وهو المتهم به كما يذكر السيوطي (١)، فالحديث من رواية كذاب عن ضعيف. ويقول ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) في باب ذكر الشفاعة بعد أن أخرج الحديث قوله: (قال المصنف: قلت: أما ليث فغاية في الضعف عندهم، إلا أن المتهم هذا حفص. قال أحمد ومسلم والنسائي: هو متروك) (٢). ويقول ابن حجر: (ليث بن أبي سليم بن زنيم – بالزاي والنون مصغراً – واسم أبيه أيمن. وقيل غير ذلك، صدوق اختلط أخيراً، ولم يتميز حديثه فترك) (٣). ويقول عن حفص: (حفص بن أبي داود القارئ، صاحب عاصم، ويقال له: حفيص، متروك الحديث مع إمامته في القراءة) (٤). وبهذا نعلم أن تلك الرواية ضعيفة وغير مقبولة، وأن الوارد والثابت من أحاديث الشفاعة أنه يشفع لكل مؤمن عندما يأذن له الله بالشفاعة فيه دون نظر إلى جنسه أو نسبه. ٣ - ومن الشفاعات غير الثابتة أيضاً: القول بأن الرسول ﷺ خص بشفاعته أهل مدن بعينها؛ كمكة والمدينة والطائف وغيرها من المدن: فإن هذا لم يثبت عنه ﷺ أنه حدد الشفاعة لأهل مدن معينة، أو ذكر أهل بلدان يخصهم بالشفاعة، غير ما ورد عن أهل المدينة فيمن فضلها على غيرها, وسكن بها صابراً على لأوائها وشدتها، ومات بها. أما الحديث الذي يروى هنا في شفاعة الرسول ﷺ لأهل مدن بعينها؛ فهو عن عبد الملك بن عباد بن جعفر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الطائف)) (٥)، وهذا الحديث في إسناده مجاهيل، كما قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٦). ٤ - ومن الشفاعات التي لم تثبت كذلك عن رسول الله ﷺ : ما ذكر من شفاعته ﵊ لأكثر مما على وجه الأرض من شجر ومدر: كما جاء عن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إني أشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من شجر ومدر)) (٧). قال السفاريني: وأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) عن أنيس الأنصاري، ولفظه: ((أكثر مما على وجه الأرض من شجر ومدر)) (٨) (٩).

стр. 1917

وروى الإمام أحمد عن بريدة قال: ((دخلت على معاوية، فإذا رجل يتكلم، فقال بريدة: يا معاوية، أتأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم، وهو يرى أنه سيتكلم بمثل ما قال الآخر، فقال بريدة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة أو مدرة قال: أفترجوها أنت يا معاوية ولا يرجوها علي بن أبي طالب ﵁) (١). ولكن في سند الحديث أبو إسرائيل الملائي، وهو ضعيف، قال الهيثمي بعد أن أورد الحديث عن أحمد, قال: (ورجاله وثقوا على ضعف كثير في أبي إسرائيل الملائي) (٢). وأورد الهيثمي حديثاً عن بريدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كثير الحجر والشجر، ثلاث مرات. قلنا: نعم. قال: والذي نفسي بيده، لشفاعتي أكثر من الحجر والشجر)) (٣)، قال الهيثمي: وفيه سهل بن عبد الله بن بريدة وهو ضعيف (٤). ٥ - الشفاعة لمن مات في أحد الحرمين: وهذه الشفاعة لم أجد فيها حديثا صحيحا، ويستدل من يقول بها بما روي عن سلمان عن النبي ﷺ أنه قال: ((من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي، وكان يوم القيامة من الآمنين)) (٥). وهذا الحديث لا يتم الاستدلال به كذلك على ثبوت هذه الشفاعة؛ لأن في سنده عبد الغفور بن سعيد، وهو متروك كما يذكر الهيثمي (٦). أما من مات بالمدينة فقد تقدم الكلام فيه. ٦ - ومن الأسباب الأخرى في الشفاعات غير الثابتة: ما جاء عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا شفيع لكل رجلين تآخيا في الله من مبعثي إلى يوم القيامة)) (٧). والحديث ضعيف، لأن في سنده عمرو بن خالد الكوفي، وهو أبو خالد الواسطي، وهو كذاب كما قال عنه وكيع، وقال ابن حجر: إنه متروك (٨). والتآخي في الله أمر مطلوب، وقد حث عليه الشرع ورغب فيه، والمؤمنون يشفع بعضهم في بعض، كما صرحت بذلك النصوص النبوية، لكن القول بأن التآخي مما يوجب الشفاعة؛ هو الذي يتوقف القول به على ثبوت صحته. ٧ - ومنها كذلك ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة أنا شفيع لهم يوم القيامة: الضارب بسيفه أمام ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه)) (٩). ومن تأمل القصد من وراء هذا الحديث، يرى أن وضع الشيعة ظاهر عليه. والحديث غير ثابت، لأن في سنده داود بن سليمان الجرجاني، وهو مجهول. قال فيه ابن أبي حاتم: (داود بن سليمان الجرجاني. سمعت أبي يقول: هو مجهول) (١٠).

стр. 1918

وقال الذهبي: (داود بن سليمان الجرجاني الغازي عن علي بن موسى الرضا وغيره، كذبه يحيى بن معين، ولم يعرفه أبو حاتم، وبكل حال فهو شيخ كذاب، له نسخة موضوعة على الرضا) (١). وقال الشوكاني عن الحديث: إنه موضوع، وقد أورده بلفظ: ((أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة: المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم, والساعي لهم في أمورهم مما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه)) (٢) (٣). ومثل الحديث السابق ما روى الطبراني عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له)) (٤). وفي سنده مجاهيل. قال الهيثمي عن سنده: (وفيه جماعة لم أعرفهم) (٥). ومثله الحديث الآخر: ((من أحبني فليحب علياً, ومن أحب علياً فليحب فاطمة, ومن أحب فاطمة فليحب الحسن والحسين, وإن أهل الجنة ليباشرون ويسارعون إلى رؤيتهم ينظرون إليهم, محبتهم إيمان, وبغضهم نفاق, ومن أبغض أحداً من أهل بيتي فقد حرم شفاعتي, فإنني نبي مكرم, بعثني الله بالصدق, فحبوا أهل بيتي, وحبوا عليًّا)) (٦) (٧). وهذا الحديث موضوع وباطل, والذي وضعه عبد الله بن حفص. ٨ - ومنها كذلك: ما يروى من الأحاديث التي تدل على استحقاق الشفاعة بحفظ أربعين حديثاً من السنة؛ مثل ما يروى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يحفظ على أمتي أربعين حديثاً يعلمهم بها أمر دينهم إلا جيء به يوم القيامة فقيل له: اشفع لمن شئت)) (٨). وفي سند هذا الحديث يزيد بن أبان الرقاشي، وهو راو متروك، كما ذكر النسائي وغيره (٩). وفيه كذلك عمرو بن الأزهر، وكان يضع الحديث، كما ذكر الإمام أحمد، وقال البخاري: (يرمى بالكذب)، وقال النسائي وغيره: (متروك) (١٠). وهذا الحديث هو أحد الأحاديث التي ذكرها ابن عبد البر في إثبات الشفاعة لمن حفظ أربعين حديثاً، وقد ذكر ابن الجوزي عدة أحاديث في ثبوت الشفاعة لمن حفظ أربعين حديثاً، ثم عقب عليها بالتضعيف (١١). ٩ - ومنها كذلك: ما يروى عن استحقاق الشفاعة لمن قضى حوائج الناس؛ مثل ما يروى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قضى لأخيه حاجة كنت واقفاً عند ميزانه، فإن رجع وإلا شفعت له)) (١٢).

стр. 1919

وهذا الحديث لا يتم به الاستدلال على ثبوت تلك الشفاعة؛ لأن في سنده راوياً وضاعاً، وهو عبد الله بن إبراهيم الغفاري، يقول عنه الذهبي: (نسبه ابن حبان إلى أنه يضع الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقال الدارقطني: حديثه منكر) (١). ومثله كذلك ما عزاه الإمام ابن كثير إلى ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: ٣٠] قال: أُجُورَهُمْ: يدخلهم الجنة وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ: الشفاعة لمن صنع إليهم المعروف في الدنيا (٢). وهذا الحديث لا يتم به الاستدلال، لأن في سنده إسماعيل بن عبد الله الكندي، ذكر الهيثمي في (مجمع الزوائد) أنه ضعفه الذهبي من عند نفسه فقال: (أتى بخبر منكر، وبقية رجاله وثقوا) (٣). وقال ابن كثير: (هذا إسناد لا يثبت) (٤). وأورده السيوطي من حديث طويل عن أبي هريرة وابن عباس عن النبي ﷺ جاء فيه: ((ومن بنى على ظهر طريق يهوي إليه عابروا السبيل بعثه الله يوم القيامة على نجيبة من در، ووجهه يضيء لأهل الجمع حتى يقول أهل الجمع: هذا ملك من الملائكة لم ير مثله, حتى يزاحم إبراهيم في قبته، ويدخل في الجنة بشفاعته أربعون ألف رجل)). وفيه كذلك: ((ومن احتفر بئراً حتى يبسط ماؤها فيبذلها للمسلمين كان له أجر من توضأ منها وصلى، وله بعدد شعر كل من شرب منها حسنات: إنس، أو جن، أو بهيمة، أو سبع، أو طائر، أو غير ذلك، وله بكل شعرة من ذلك عتق رقبة، ويرد في شفاعته يوم القيامة حوض القدس عدد نجوم السماء. قيل: يا رسول الله، وما حوض القدس؟ قال: حوضي، حوضي، حوضي)) (٥). قال ابن حجر: (هذا الحديث بطوله موضوع على رسول الله ﷺ ، والمتهم به ميسرة بن عبد ربه، لا بورك فيه) (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٤٣٣

стр. 1920

المطلب الأول: شفاعة نبينا محمد ﷺ أما ثبوت شفاعة نبينا محمد ﷺ ، فقد قدمنا في ذكر أقسام الشافاعات الثابتة له ﷺ ، ما يدل على منزلته العظمى، بإكرام الله له بكثرة شفاعاته، الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٤٦٩

стр. 1921

المطلب الثاني: شفاعة الأنبياء الآخرين غير نبينا محمد ﷺ : ومن إكرام الله تعالى لأنبيائه وأصفيائه قبول شفاعتهم فيمن يشفعون له ممن سبقت لهم الرحمة، فيتقدمون بطلب شفاعتهم إلى ربهم في إخراج أقوام من النار دخولها بذنوبهم ليخرجوا منها. وقد ثبتت هذه الشفاعة بما جاء في الصحيحين من حديث طويل عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه قوله ﷺ : ((فيقول الله : شفعت الملائكة, وشفع النبيون, وشفع المؤمنون. ولم يبق إلا أرحم الراحمين. فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً)) (١). وليس معنى هذا أن الله يخرجهم من النار وهم كفار؛ بل المعنى أنهم لم يعملوا خيراً سوى الشهادتين ولولاهما لما خرجوا؛ شأنهم شأن غيرهم من الكفار. وعن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار. قال: فينجي الله تعالى برحمته من يشاء, قال: ثم يؤذن للملائكة, والنبيين, والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون, فيشفعون ويخرجون, فيشفعون ويخرجون)) وزاد عفان مرة فقال أيضاً: ((ويشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان)) (٢). وقد بوب الهيثمي في كتابه (موارد الظمآن)، لإثبات شفاعة الأنبياء والملائكة بقوله: (باب في شفاعة الملائكة والنبيين) ثم أورد الحديث الآتي: عن صالح بن أبي طريف قال: قلت لأبي سعيد الخدري: أسمعت رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ [الحجر: ٢]؟ فقال: نعم، سمعته يقول: ((يخرج الله أناساً من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم)). قال: ((لما أدخلهم الله النار مع المشركين، قال المشركون: أليس كنتم تزعمون في الدنيا أنكم أولياؤه، فما لكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة, فتشفع لهم الملائكة والنبيون، حتى يخرجوا بإذن الله، فلما أخرجوا قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة، فنخرج من النار. فذلك قول الله: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ قال: فيسمون الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: ربنا أذهب عنا هذا الاسم, فيغتسلون في نهر في الجنة فيذهب ذلك منهم)) (٣). وقد أورده أيضاً الآجري (٤)، ويذكر الرازي أن أكثر المفسرين على هذا القول (٥). وروى مجاهد عن ابن عباس – ﵄ – قال: ((ما يزال الله يرحم المؤمنين، ويخرجهم من النار، ويدخلهم الجنة بشفاعة الأنبياء والملائكة، حتى إنه تعالى في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة، قال: فهنالك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين)) (٦). وهذا المعنى هو الذي يوافق مذهب السلف لا المعتزلة، ولهذا فإن القاضي فيما ذكره عن الرازي يقول: (إن هذه الروايات مبنية على أنه تعالى يخرج أصحاب الكبائر من النار، وعلى أن شفاعة الرسول ﷺ مقبولة في إسقاط العقاب، وهذان الأصلان عنده مردودان). قال الرازي: (فعند هذا حمل هذا الخبر على وجه يطابق قوله ويوافق مذهبه؛ وهو أنه تعالى يؤخر إدخال طائفة من المؤمنين الجنة بحيث يغلب على ظن الكفرة أنه تعالى لا يدخلهم الجنة، ثم إنه تعالى يدخلهم الجنة فيزداد غمُّ الكفرة وحسرتهم، وهناك يودون لو كانوا مسلمين) (٧). وهذا تكلف من القاضي ظاهر سببه عدم الإيمان بوقوع الشفاعة في أهل النار. ومن أين له الدليل على أن الله يؤخرهم وقتاً لأجل غمِّ الكفرة ثم يسمح لهم بدخول الجنة؟! وقد ذكر الإمام ابن كثير وغيره من المفسرين عند شرح هذه الآية: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ [الحجر: ٢] كثيراً من النصوص التي تدل على أن الله يخرج من النار أقواماً بفضل رحمته وشفاعة الشافعين لهم (٨)، من الأنبياء وغيرهم. الحياة الآخرة لغالب عواجي- بتصرف - ١/ ٤٦٩

стр. 1922

المطلب الثالث: شفاعة الملائكة ومن الشفعاء كذلك الملائكة ﵈، ولا خلاف في ذلك بين الفرق الإسلامية, فقد ثبتت شفاعتهم بالأدلة الصحيحة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، ثبت أنهم يشفعون إذا أذن الله لهم ورضي ............. أما الأدلة على إثبات شفاعتهم من القرآن الكريم فهي: ١ - قوله مبيناً درجتهم في الشفاعة: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦]. ٢ - وقوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: ٢٨]. وفي هذه الآيات يثبت الله أن الملائكة يشفعون في المذنبين، وأن شفاعتهم تقبل بعد إذنه ورضاه في يوم القيامة. وقد حصل خلاف في ثبوت شفاعة الملائكة لأهل الكبائر، أيشفعون لهم أم لا؟ بعد اتفاق الجميع على ثبوت شفاعتهم في الجملة. ١ - فذهب الكعبي من المعتزلة إلى عدم ثبوت شفاعة الملائكة في أهل الكبائر. ٢ - وذهب أهل القول الحق إلى أنها تقع. وخلافهم يدور حول معنى قول الله تعالى مخبراً عن دعاء الملائكة للمؤمنين بالجنة: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [غافر: ٧ - ٨]. حيث أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن دعائهم واستشفاعهم للمؤمنين ولأولاد المؤمنين وزوجاتهم أن يدخلهم الله جنات عدن، وهذا الدعاء لهم بظهر الغيب، استشفاع منهم إلى الله تعالى، في أن يرحم المؤمنين ويغفر لهم ما صدر منهم من الذنوب. قال ابن كثير عن معنى قول الله تعالى عن وصف الملائكة: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٧]: (أي من أهل الأرض ممن آمن بالغيب، فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب، ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام، كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم: ((من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل)) (١) (٢)، وهذا من تمام محبتهم الخير للبشر, وعطفهم عليهم, ورغبتهم في ثوابهم. أما اعتراض الكعبي الذي استنبطه من هذه الآية بزعمه؛ ليرد به على من يقول من أهل السنة بحصول الشفاعة في المذنبين بحجة أن الشفاعة – كما هو رأي المعتزلة – لا تكون إلا في وقوع زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين – قال: وذلك لأن الملائكة قالوا: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ. قال: (وليس المراد: فاغفر للذين تابوا من الكفر. سواء أكان مصراً على الفسق أم لم يكن كذلك؛ لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعاً سبيل ربه ولا يطلق ذلك فيه).

стр. 1923

ثم ذكر اعتراضاً آخر فقال: وأيضاً إن الملائكة يقولون: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم، وهذا لا يليق بالفاسقين، لأن خصومنا – يعني القائلين بالشفاعة في المذنبين – لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوز ذلك، فثبت – كما يقول -: (إن شفاعة الملائكة لا تتناول إلا أهل الطاعة) (١). هذا ما يتعلق باعتراضه واحتجاجه بهذه الآية على نفي شفاعة الملائكة للمذنبين. وقد أجاب الرازي عن تلك الشبهة فقال: (إن هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين)، ثم ذكر الوجوه التي تدل على هذا بقوله: الأول: قوله وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً. الثاني: قوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الإيمان، فإذا دللنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن، وجب دخوله تحت هذه الشفاعة. الثالث: قوله تعالى: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، طلب المغفرة للذين تابوا، ولا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة، لأن ذلك واجب على الله عند الخصم، وما كان فعله واجباً كان طلبه بالدعاء قبيحاً، ولا يجوز أيضاً أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر، لأن ذلك واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء، ولا يجوز أن المراد طلب زيادة منفعة على الثواب، لأن ذلك لا يسمى مغفرة، فثبت أنه لا يمكن حمل قوله: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق. ثم قال الرازي متابعاً رده على الكعبي: (أما الذي يتمسك به الكعبي وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا، فنقول: يجب أن يكون المراد منه، الذين تابوا عن الكفر واتبعوا سبيل الإيمان. وقوله: إن التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائباً، ولا متبعاً سبيل الله. قلنا: لا نسلم قوله؛ بل يقال: إنه تائب عن الكفر، وتابع سبيل الله في الدين والشريعة، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب؛ ألا ترى أنه يكفي في صدق وصفه بكونه ضارباً وضاحكاً، صدور الضرب والضحك عنه مرة واحدة، ولا يتوقف ذلك على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه؟ فكذا هاهنا) (٢). وإذا ثبتت شفاعة الملائكة للذين آمنوا وثبت كذلك اهتمامهم بالدعاء لهم، فيحسن أن يعرف السر في هذا الاهتمام والاستشفاع إلى الله في طلب العفو والمغفرة للبشر. وقد أجاب الرازي عن السر في هذا الاهتمام فيما ينقله عن أهل التحقيق بقوله: (إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن ذلة سبقت؛ وذلك لأنهم قالوا في أول تخليق البشر: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء [البقرة: ٣٠]، فلما سبق منهم هذا الكلام تداركوا في آخر الأمر بأن قالوا: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر: ٧]. وهذا كالتنبيه على أن من آذى غيره، فالأولى أن يجبر ذلك الإيذاء بإيصال نفع عليه) (٣). هذا فيما يتعلق بالاستدلال من القرآن الكريم على ثبوت شفاعة الملائكة. أما فيما يتعلق بورود ذلك في السنة، فقد قدمنا في بحث شفاعة الأنبياء بعض الأحاديث التي تثبت شفاعة الأنبياء والملائكة في مساق واحد، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في الصحيحين (٤)، وكذا حديث أبي بكرة الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥)، وكذا حديث صالح بن أبي طريف عن أبي سعيد الخدري (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي – بتصرف – ١/ ٤٧٥

стр. 1924

المطلب الرابع: شفاعة الشهداء ومن الشفعاء الذين أكرمهم الله تعالى بقبول شفاعتهم: الشهداء ........ أما الأدلة على ثبوت شفاعة الشهداء: فمنها ما جاء في حديث الوليد بن رباح الذماري عن نمران بن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام، فقالت: أبشروا، فإني سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : ((يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته)) (١). وقد بوب الإمام أبو داود على هذا الحديث بقوله: (باب في الشهيد يشفع)، ثم أشار إلى السند بأن الصواب في اسم الوليد بن رباح أنه (رباح بن الوليد). وعن المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة, ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه)) (٢). وعن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : ((يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء)) (٣). وذكر الآجري حديثاً عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله ﷺ قال: ((للشهيد عند الله تسع خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه)) (٤). ومثله ما جاء عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ (٥). وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي بكر الصديق ﵁: ((ثم يقال: ادعوا الصديقين، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الأنبياء، قال: فيجيء النبي ومعه العصابة، والنبي ومعه الخمسة والستة، والنبي ليس معه أحد، ثم يقال: ادعوا الشهداء، فيشفعون لمن أرادوا)) وقال: ((فإذا فعلت الشهداء ذلك، قال: يقول الله : أنا أرحم الراحمين، أدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئاً)) الحديث (٦). وعن أبي بكرة عن النبي ﷺ ، قال: ((يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار)). قال: ((فينجي الله تعالى برحمته من يشاء)). قال: ((ثم يؤذن للملائكة, والنبيين, والشهداء أن يشفعوا, فيشفعون ويخرجون, فيشفعون ويخرجون, فيشفعون ويخرجون)) - وزاد عفان مرة فقال أيضاً: ((ويشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان)) (٧). الحياة الآخرة لغالب عواجي – بتصرف- ١/ ٤٨٠

стр. 1925

المطلب الخامس: شفاعة الولدان ومن الشفاعات الثابتة ما جاء في شفاعة الولدان في آبائهم وأمهاتهم إذا احتسبوهم عند الله تعالى بنية صادقة، رحمة من الله تعالى وكرماً منه، ليجبر قلوب الآباء والأمهات بما لحقهم من فقد أولادهم. ومن الأدلة على ذلك ما قاله ﷺ فيما يرويه عنه أبي هريرة ﵁: ((لا يموت لمسلم ثلاث من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم)) (١). وعنه أيضاً أن رسول الله ﷺ قال لنسوة من الأنصار: ((لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة, فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: أو اثنين)) (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النساء قلن للنبي ﷺ : ((اجعل لنا يوماً، فوعظهن، وقال: أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا له حجاباً من النار. قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان وفي رواية: لم يبلغوا الحنث)) (٣). وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)) (٤). وعن أبي هريرة قال: ((جاءت امرأة إلى النبي ﷺ بابن لها فقالت: يا رسول الله, إنه يشتكي, وإني أخاف عليه؛ قد دفنت ثلاثة. قال: لقد احتظرت بحظار شديد من النار)) (٥). وأورد مسلم أيضاً رواية أخرى عن أبي هريرة بمعنى ما تقدم (٦). وعن أبي حسان قال: ((قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله ﷺ بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: قال: نعم صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه – أو قال أبويه – فيأخذ بثوبه – أو قال: بيده – كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا فلا يتناهى – أو قال: فلا ينتهي – حتى يدخله الله وأباه الجنة)) (٧). وعن شرحبيل بن شفعة عن بعض أصحاب النبي ﷺ يقول: ((يقال للولدان يوم القيامة: أدخلوا الجنة قال: فيقولون: يا ربنا حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا. قال: فيأبون. قال: فيقول الله : ما لي أراهم محبنطئين، ادخلوا الجنة. قال: فيقولون: يا رب آباؤنا وأمهاتنا. قال: فيقول: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم)) (٨). وقد أخرج هذا الحديث الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح سوى شرحبيل وهو ثقة (٩). وهذا الموقف من الأبناء لوالديهم هو كرد الجميل إليهم حيث كانوا في الدنيا يولونهم العطف والشفقة. ولهذا جاء في الحديث أن امرأة أعتقت من النار وأدخلت الجنة بمجرد حصول عطف منها على ابنتين لها؛ حيث أطعمتهما وصبرت هي على الجوع، كما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: ((جَاءَتْنِى مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلاَثَ تَمَرَاتٍ, فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً, وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِى كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا, فَأَعْجَبَنِى شَأْنُهَا فَذَكَرْتُ الَّذِى صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ)) (١٠).

стр. 1926

وقد بوب الهيثمي لإثبات شفاعة الولدان هذه بقوله: (باب شفاعة الولدان) (١). وقد جعل الله قبول لهذه الشفاعة من الأبناء لآبائهم تفضلاً منه؛ لزيادة أسباب ثوابهم ورفع درجاتهم، حيث عوضهم الله من فقد ثمرة أكبادهم صغاراً بقبول شفاعتهم فيهم. فمن مات له ثلاثة من الأولاد، أو اثنان فليبشر ببشارة رسول الله ﷺ له بأنه لا تمسه النار إلا تحلة القسم، وأنهم يكونون له حجاباً من النار، وأن الله يدخله الجنة بفضل رحمته إياهم. وقوله ﷺ : ((إلا تحلة القسم)) هذه إشارة إلى القسم المقدر في قوله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا أي النار، بحيث لا يدخل المسلم الذي مات له ثلاثة من الولد النار إلا تحلة لقسم الله تعالى بأن كل شخص يردها. وقد ذكر الله في كتابه الكريم أنه يجمع بين الآباء وأبنائهم إذا اختلفت درجاتهم في الجنة إكراماً للآباء لتقر أعينهم بذلك. قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور: ٢١]. وهذه البشارة للمؤمنين تشير إلى سعة فضل الله, وكرمه, وامتنانه, ولطفه, وكمال إحسانه إليهم. قال ابن كثير: (فإذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك) (٢). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٤٩٤

стр. 1927

المطلب السادس: شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض وثبت كذلك أن الصالحين من المؤمنين يشفعون في إخوانهم الذين في النار وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فدخلوا النار تطهيراً لهم. ومن الأدلة على ذلك: ما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: ((قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحواً؟ قلنا: لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما. ثم قال: ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيراً ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما انتظرنا ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً، ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم. قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالطرف, وكالبرق, وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم, وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحباً، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق - قد تبين لكم- من المؤمنين يومئذ للجبار- وإذا رأوا أنهم قد نجوا- في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا، كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا. قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا: إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا. فيشفع النبيون, والملائكة, والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواماً قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة؛ فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه)) (١).

стр. 1928

وقد اشتمل هذا الحديث على مسائل منها: إثبات رؤية الله تعالى، وإثبات الصراط, وصفته, وكيفية مرور الناس عليه، وكذلك إثبات شفاعة الملائكة والأنبياء. وبعض تلك المسائل قد سبق ذكرها وبعضها سيأتي، والقصد من إيراد هذا الحديث هنا هو إثبات شفاعة الصالحين من المؤمنين، وإلحاحهم في طلب الشفاعة إلى الله تعالى لإخراج إخوانهم من أهل الكبائر من النار. وقوله ﷺ في رواية البخاري للحديث: ((فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق - قد تبين لكم- من المؤمنين يومئذ للجبار)). وقعت هذه الجملة في صحيح مسلم من رواية أبي سعيد هكذا: ((حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار)). وقد اختلف العلماء في ضبط كلمة (استقصاء)، ذكر النووي أن بعضهم يرويها (استيضاء)، وبعضهم (استضاء)، وبعضهم (استيفاء)، وبعضهم (استقصاء). والمعنى ما أنتم بأشد مناشدة في استقصاء الحق في الدنيا من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم. وهذا جواب القاضي عياض فيما ينقله عنه النووي، وخطأ القاضي عياض الروايات الأخرى، وقال بأن معنى تلك الرواية (استقصاء) بها يتم الكلام ويتوجه. ورد عليه النووي بأنه: (ليس الأمر على ما قاله, بل جميع الروايات التي ذكرناها صحيحة لكل منها معنى حسن). ثم قال: (وقد جاء في رواية يحيى بن بكير عن الليث: فما أنتم بأشد مناشدة في الحق – قد تبين لكم – من المؤمنين يومئذ للجبار – تعالى وتقدس – إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم، وهذه الرواية التي ذكرها الليث توضح المعنى. فمعنى الرواية الأولى والثانية: أنكم إذا عرض لكم في الدنيا أمر مهم، والتبس الحال فيه، وسألتم الله تعالى بيانه, وناشدتموه في استيضائه, وبالغتم فيها؛ لا تكون مناشدة أحدكم مناشدة بأشد من مناشدة المؤمنين لله تعالى في الشفاعة لإخوانهم. وأما الرواية الثالثة والرابعة فمعناهما أيضاً: ما منكم من أحد يناشد الله تعالى في الدنيا في استيفاء حقه, أو استقصائه وتحصيله من خصمه والمتعدي عليه؛ بأشد من مناشدة المؤمنين الله تعالى في الشفاعة لإخوانهم يوم القيامة) (١). وقوله ﷺ عن الله تعالى: ((اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه)). هذا الخطاب للمؤمنين الذين طلبوا الشفاعة إلى الله تعالى. وفي رواية أبي هريرة عند البخاري أن الخطاب للملائكة لقوله: ((أمر الملائكة أن يخرجوهم)) (٢). وفي حديث أنس عنده: أن الذي يخرجهم هو الرسول ﷺ لقوله: ((ثم اشفع، فيحد لي حداً، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة)) (٣). ولا منافاة بين تلك الروايات، بل يجمع بينهما بأن الله حينما شفع المؤمنين والرسل، يأمر تعالى الملائكة بمباشرة إخراج أولئك من النار ممن أمرتهم الرسل بإخراجه منها (٤). وعن الصنابحي عن عبادة بن الصامت أنه قال: ((دخلت عليه وهو في الموت فبكيت، فقال: مهلاً، لم تبكي؟ فوالله لئن شهدت لأشهدن لك، ولئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استطعت لأنفعنك. ثم قال: والله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثاً واحداً وسوف أحدثكموه اليوم وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار)) (٥).

стр. 1929

وأخرج الإمام أحمد من مسند أبي بكر الصديق في إثبات شفاعة الصالحين والمؤمنين قوله ﷺ : ((ثم يقال: ادعوا الأنبياء، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الصديقين، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون)) (١). وكذا حديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((يحمل الناس على الصراط، فينجي الله من شاء برحمته ثم يؤذن للملائكة, والنبيين, والشهداء, والصديقين فيشفعون)) الحديث (٢). كما ثبت أيضاً حصول شفاعة المؤمنين لإخوانهم قبل يوم القيامة، وذلك في الدنيا، وهي استشفاعهم إلى الله تعالى في الصلاة على من مات منهم بالرحمة والغفران والتجاوز، فقد أخرج الإمام مسلم ﵀ عن عائشة عن النبي ﷺ : ((ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه)) (٣). وأخرج كذلك عن عبد الله بن عباس ((أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له الناس، قال: فخرجت، فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول: هم أربعون؟ قال: نعم، قال: فأخرجوه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم فيه)) (٤). وتمام الحديث عن ابن ماجه: ((ما من أربعين من مؤمن يشفعون لمؤمن إلا شفعهم الله فيه)) (٥). وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له)) (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٥٠٨

стр. 1930

المطلب السابع: شفاعة القرآن الكريم وكذلك فإن من مظاهر رحمة الله تعالى وكرمه على عباده أن جعل القرآن الكريم أيضاً من الشفعاء المقبول شفاعتهم، وليس ذلك فقط بل أيضاً يطلب المزيد من الإكرام لصاحبه. وكيف لا يكون كذلك وهو كلام الله – تعالى وتقدس- وهو حبله المتين وصراطه المستقيم، أنزله على أفضل خلقه نبينا محمد ﷺ , وجعل تلاوته ثواباً في الدنيا، لكل حرف حسنة وشفاعة في يوم القيامة، ولما كان القرآن الكريم كذلك فلابد لنا من إيضاح بعض النقاط الآتية: ١ - بيان الفضل العظيم الذي ورد في القرآن عموماً. ٢ - وبيان ما جاء في أفضلية بعض سور القرآن وكلها فاضلة. ٣ - وبيان ما ورد من نصوص كذلك تحث على قراءة القرآن والمواظبة على ذلك. فقد قال ﷺ – محرضاً على قراءة القرآن -: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب, وريحها طيب. والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر. ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها)) (١). وقال ﷺ : ((لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار)) (٢). وقد أخبر ﷺ في أحاديث كثيرة عن فضل بعض الآيات والسور، مثل سورة البقرة (٣) , والكهف (٤) , والفتح, وقل هو الله أحد (٥) , والمعوذتين (٦)، وآية الكرسي (٧)، وغير ذلك مما لا نطيل بالاستدلال عليه. فينبغي على كل مسلم أن يكثر من قراءة القرآن بتدبر وعناية، وأن يحتسب ذلك عند الله تعالى، ليأخذ جزاءه في يوم القيامة، وأن يحذر أن يتصف بأنه من الذين اتخذوه مهجوراً، وفيما يلي نعرض بعض النصوص التي يتعلق بها غرض البحث. فمما ورد في شفاعة القرآن عموماً ما جاء عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اعملوا بالقرآن, وأحلوا حلاله, وحرموا حرامه, واقتدوا به, ولا تكفروا بشيء منه, وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي, كيما يخبرونكم, وآمنوا بالتوراة, والإنجيل, والزبور, وما أوتي النبيون من ربهم, وليسعكم القرآن وما فيه من البيان, فإنه شافع مشفع, وماحل مصدق, ألا ولكل آية منه نور يوم القيامة, وإني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول, وأعطيت طه وطواسين وحواميم من ألواح موسى, وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش)) (٨).
следующие страницы →