وقد بوب الهيثمي لإثبات شفاعة الولدان هذه بقوله: (باب شفاعة الولدان) (١).
وقد جعل الله قبول لهذه الشفاعة من الأبناء لآبائهم تفضلاً منه؛ لزيادة أسباب ثوابهم ورفع درجاتهم، حيث عوضهم الله من فقد ثمرة أكبادهم صغاراً بقبول شفاعتهم فيهم.
فمن مات له ثلاثة من الأولاد، أو اثنان فليبشر ببشارة رسول الله ﷺ له بأنه لا تمسه النار إلا تحلة القسم، وأنهم يكونون له حجاباً من النار، وأن الله يدخله الجنة بفضل رحمته إياهم.
وقوله ﷺ : ((إلا تحلة القسم)) هذه إشارة إلى القسم المقدر في قوله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا أي النار، بحيث لا يدخل المسلم الذي مات له ثلاثة من الولد النار إلا تحلة لقسم الله تعالى بأن كل شخص يردها.
وقد ذكر الله في كتابه الكريم أنه يجمع بين الآباء وأبنائهم إذا اختلفت درجاتهم في الجنة إكراماً للآباء لتقر أعينهم بذلك.
قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور: ٢١].
وهذه البشارة للمؤمنين تشير إلى سعة فضل الله, وكرمه, وامتنانه, ولطفه, وكمال إحسانه إليهم.
قال ابن كثير: (فإذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك) (٢). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٤٩٤
стр. 1927
المطلب السادس: شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض
وثبت كذلك أن الصالحين من المؤمنين يشفعون في إخوانهم الذين في النار وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فدخلوا النار تطهيراً لهم.
ومن الأدلة على ذلك:
ما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: ((قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحواً؟ قلنا: لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما. ثم قال: ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيراً ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما انتظرنا ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً، ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم. قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالطرف, وكالبرق, وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم, وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحباً، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق - قد تبين لكم- من المؤمنين يومئذ للجبار- وإذا رأوا أنهم قد نجوا- في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا، كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا. قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا: إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا. فيشفع النبيون, والملائكة, والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواماً قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة؛ فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه)) (١).
стр. 1928
وقد اشتمل هذا الحديث على مسائل منها: إثبات رؤية الله تعالى، وإثبات الصراط, وصفته, وكيفية مرور الناس عليه، وكذلك إثبات شفاعة الملائكة والأنبياء.
وبعض تلك المسائل قد سبق ذكرها وبعضها سيأتي، والقصد من إيراد هذا الحديث هنا هو إثبات شفاعة الصالحين من المؤمنين، وإلحاحهم في طلب الشفاعة إلى الله تعالى لإخراج إخوانهم من أهل الكبائر من النار.
وقوله ﷺ في رواية البخاري للحديث: ((فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق - قد تبين لكم- من المؤمنين يومئذ للجبار)).
وقعت هذه الجملة في صحيح مسلم من رواية أبي سعيد هكذا: ((حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار)).
وقد اختلف العلماء في ضبط كلمة (استقصاء)، ذكر النووي أن بعضهم يرويها (استيضاء)، وبعضهم (استضاء)، وبعضهم (استيفاء)، وبعضهم (استقصاء).
والمعنى ما أنتم بأشد مناشدة في استقصاء الحق في الدنيا من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم.
وهذا جواب القاضي عياض فيما ينقله عنه النووي، وخطأ القاضي عياض الروايات الأخرى، وقال بأن معنى تلك الرواية (استقصاء) بها يتم الكلام ويتوجه.
ورد عليه النووي بأنه: (ليس الأمر على ما قاله, بل جميع الروايات التي ذكرناها صحيحة لكل منها معنى حسن).
ثم قال: (وقد جاء في رواية يحيى بن بكير عن الليث: فما أنتم بأشد مناشدة في الحق – قد تبين لكم – من المؤمنين يومئذ للجبار – تعالى وتقدس – إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم، وهذه الرواية التي ذكرها الليث توضح المعنى.
فمعنى الرواية الأولى والثانية: أنكم إذا عرض لكم في الدنيا أمر مهم، والتبس الحال فيه، وسألتم الله تعالى بيانه, وناشدتموه في استيضائه, وبالغتم فيها؛ لا تكون مناشدة أحدكم مناشدة بأشد من مناشدة المؤمنين لله تعالى في الشفاعة لإخوانهم.
وأما الرواية الثالثة والرابعة فمعناهما أيضاً: ما منكم من أحد يناشد الله تعالى في الدنيا في استيفاء حقه, أو استقصائه وتحصيله من خصمه والمتعدي عليه؛ بأشد من مناشدة المؤمنين الله تعالى في الشفاعة لإخوانهم يوم القيامة) (١).
وقوله ﷺ عن الله تعالى: ((اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه)).
هذا الخطاب للمؤمنين الذين طلبوا الشفاعة إلى الله تعالى.
وفي رواية أبي هريرة عند البخاري أن الخطاب للملائكة لقوله: ((أمر الملائكة أن يخرجوهم)) (٢).
وفي حديث أنس عنده: أن الذي يخرجهم هو الرسول ﷺ لقوله: ((ثم اشفع، فيحد لي حداً، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة)) (٣).
ولا منافاة بين تلك الروايات، بل يجمع بينهما بأن الله حينما شفع المؤمنين والرسل، يأمر تعالى الملائكة بمباشرة إخراج أولئك من النار ممن أمرتهم الرسل بإخراجه منها (٤).
وعن الصنابحي عن عبادة بن الصامت أنه قال: ((دخلت عليه وهو في الموت فبكيت، فقال: مهلاً، لم تبكي؟ فوالله لئن شهدت لأشهدن لك، ولئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استطعت لأنفعنك. ثم قال: والله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثاً واحداً وسوف أحدثكموه اليوم وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار)) (٥).
стр. 1929
وأخرج الإمام أحمد من مسند أبي بكر الصديق في إثبات شفاعة الصالحين والمؤمنين قوله ﷺ : ((ثم يقال: ادعوا الأنبياء، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الصديقين، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون)) (١).
وكذا حديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((يحمل الناس على الصراط، فينجي الله من شاء برحمته ثم يؤذن للملائكة, والنبيين, والشهداء, والصديقين فيشفعون)) الحديث (٢).
كما ثبت أيضاً حصول شفاعة المؤمنين لإخوانهم قبل يوم القيامة، وذلك في الدنيا، وهي استشفاعهم إلى الله تعالى في الصلاة على من مات منهم بالرحمة والغفران والتجاوز، فقد أخرج الإمام مسلم ﵀ عن عائشة عن النبي ﷺ : ((ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه)) (٣).
وأخرج كذلك عن عبد الله بن عباس ((أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له الناس، قال: فخرجت، فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول: هم أربعون؟ قال: نعم، قال: فأخرجوه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم فيه)) (٤).
وتمام الحديث عن ابن ماجه: ((ما من أربعين من مؤمن يشفعون لمؤمن إلا شفعهم الله فيه)) (٥).
وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له)) (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٥٠٨
стр. 1930
المطلب السابع: شفاعة القرآن الكريم
وكذلك فإن من مظاهر رحمة الله تعالى وكرمه على عباده أن جعل القرآن الكريم أيضاً من الشفعاء المقبول شفاعتهم، وليس ذلك فقط بل أيضاً يطلب المزيد من الإكرام لصاحبه.
وكيف لا يكون كذلك وهو كلام الله – تعالى وتقدس- وهو حبله المتين وصراطه المستقيم، أنزله على أفضل خلقه نبينا محمد ﷺ , وجعل تلاوته ثواباً في الدنيا، لكل حرف حسنة وشفاعة في يوم القيامة، ولما كان القرآن الكريم كذلك فلابد لنا من إيضاح بعض النقاط الآتية:
١ - بيان الفضل العظيم الذي ورد في القرآن عموماً.
٢ - وبيان ما جاء في أفضلية بعض سور القرآن وكلها فاضلة.
٣ - وبيان ما ورد من نصوص كذلك تحث على قراءة القرآن والمواظبة على ذلك.
فقد قال ﷺ – محرضاً على قراءة القرآن -: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب, وريحها طيب. والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر. ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها)) (١).
وقال ﷺ : ((لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار)) (٢).
وقد أخبر ﷺ في أحاديث كثيرة عن فضل بعض الآيات والسور، مثل سورة البقرة (٣) , والكهف (٤) , والفتح, وقل هو الله أحد (٥) , والمعوذتين (٦)، وآية الكرسي (٧)، وغير ذلك مما لا نطيل بالاستدلال عليه.
فينبغي على كل مسلم أن يكثر من قراءة القرآن بتدبر وعناية، وأن يحتسب ذلك عند الله تعالى، ليأخذ جزاءه في يوم القيامة، وأن يحذر أن يتصف بأنه من الذين اتخذوه مهجوراً، وفيما يلي نعرض بعض النصوص التي يتعلق بها غرض البحث.
فمما ورد في شفاعة القرآن عموماً ما جاء عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اعملوا بالقرآن, وأحلوا حلاله, وحرموا حرامه, واقتدوا به, ولا تكفروا بشيء منه, وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي, كيما يخبرونكم, وآمنوا بالتوراة, والإنجيل, والزبور, وما أوتي النبيون من ربهم, وليسعكم القرآن وما فيه من البيان, فإنه شافع مشفع, وماحل مصدق, ألا ولكل آية منه نور يوم القيامة, وإني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول, وأعطيت طه وطواسين وحواميم من ألواح موسى, وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش)) (٨).
стр. 1931
وعن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار)) (١).
وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة, يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب أرض عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة)) (٣). الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٥٢٠
стр. 1932
المطلب الأول: معنى العرض في اللغة
من معاني العرض: الإبراز والظهور، ويقال: عرض الجند: جعلهم يمرون عليه واحداً واحداً، وعرض له من حقه شيئاً: أعطاه إياه مكان حقه، وعرض القوم على النار: أحرقهم بها (١). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨١٥
стр. 1933
المطلب الثاني: معنى العرض في الاصطلاح
فإن المراد بالعرض على الله عند الإطلاق: هو بروز الخلائق وعرضهم على ربهم في الموقف، عندما يتجلى ﵎ لهم لحسابهم وفصل القضاء بينهم، وهو كذلك عرض أعمال العباد عليهم, وعرض بعض الأشخاص عليه عرضاً خاصاً بعد خروجهم من النار، وهذا المعنى الخاص للعرض الاصطلاحي هو أخص من العرض اللغوي العام كما أفادته النصوص الشريفة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وقد قسم الشيخ حافظ الحكمي ﵀ معاني العرض إلى معنيين، فقال: العرض له معنيان: معنى عام، وهو عرض الخلائق كلهم على ربهم , بادية له صفحاتهم, لا تخفى عليه منهم خافية، وهذا يدخل فيه من يناقش الحساب ومن لا يحاسب، والمعنى الثاني: عرض معاصي المؤمنين عليهم, وتقريرهم بها, وسترها عليهم, ومغفرتها لهم (١).
والمقصود هنا هو ذكر عرض الخلائق جميعهم على ربهم، أما العرض الثاني وهو عرض الحساب والمناقشة. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨١٥
стр. 1934
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم
والعرض على الله تعالى هو ما عبرت عنه الآيات الكريمة، التي تبين حالة عرض الخلائق على ربهم للحساب والجزاء وهي:
١ - قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: ١٨]
٢ - وقوله تعالى: وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا [الكهف:٤٨]
٣ - وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨]
٤ - وقوله تعالى: وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءُ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ [إبراهيم: ٢١]
٥ - وقوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: ٤٨]
٦ - وقوله تعالى: يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ اليوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦]
٧ - وقوله تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: ٤٧]
ولا شك أن هذا العرض إنما يكون لأجل الحساب والجزاء. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨١٩
стр. 1935
المطلب الثاني: الأدلة من السنة
من تلك الأدلة ما أخرج مسلم عن جرير بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: ((أما إنكم تعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر)) (١).
وأخرج الترمذي في جامعه، في باب ما جاء في العرض، وابن ماجه والإمام أحمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرض الثالثة: فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله)). (٢)
وقد أخرج بن جرير هذا الحديث عن مجاهد بن موسى قال: ثنا يزيد قال: ثنا سليمان بن حيان عن مروان الأصفر عن أبي وائل عن عبد الله قال: (يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي) (٣). وأخرجه كذلك عن قتادة بلفظ: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: سعيد عن قتادة: قوله: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ذكر لنا النبي ﷺ كان يقول: ((يعرض الناس ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير وجدال، وأما العرضة الثالثة فتطير الصحف في الأيدي)) (٤).
قال ابن كثير: (إن الحديث مرسل) (٥).
وأخرج الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: ((أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه أن لا آتيك، أرانا عفان وطبق كفيه، فبالذي بعثك بالحق، ما الذي بعثك به؟ قال: الإسلام، قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله تعالى، وأن توجه وجهك إلى الله تعالى، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران, لا يقبل الله من أحد توبة أشرك بعد إسلامه، قلت: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت. قال: تحشرون ها هنا – وأوما بيده نحو الشام – مشاة وركباناً وعلى وجوهكم، تعرضون على الله تعالى، وعلى أفواهكم الفدام، (٦) وأول ما يعرب عن أحدكم فخذه، وقال: ما من مولى له، فيسأله من فضل عنده، فيمنعه، إلا جعل الله تعالى عليه شجاعاً ينهشه قبل القضاء)) (٧).
وهذه الأحاديث تدل على حصول عرض العباد على ربهم، وقد جاء في عرض أعمال العباد: أن المؤمن تعرض أعماله بكل يسر وسهولة دون مناقشة واستقصاء، كما جاء في حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((من نوقش الحساب عذب، قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨]؟ قال: ذلك العرض)) (٨).
стр. 1936
وجاء عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل، قال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعته يقول: ((إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه, ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه, ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه, ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)) (١) [هود: ١٨] وهذا دليل كذلك على ثبوت عرض الخلائق على ربهم للحساب (٢).
ومما جاء في العرض الخاص أن أناساً يخرجون من النار فيعرضون على ربهم كما أخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: ((يخرج من النار أربعة فيعرضون على الله، فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب إذا خرجتني منها فلا تعدني فيها، فينجيه الله منها)) (٣). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٢٠
стр. 1937
الفصل التاسع: الصحف
• المبحث الأول: الأدلة على كتابة الملائكة لكل ما يصدر عن العباد.
• المبحث الثاني: إثبات أن كل إنسان يقرأ كتابه في يوم القيامة والأدلة على ذلك.
стр. 1938
المبحث الأول: الأدلة على كتابة الملائكة لكل ما يصدر عن العباد
• المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم.
• المطلب الثاني: الأدلة من السنة.
стр. 1939
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم
أما ثبوت إحصاء الكرام الكاتبين لكل ما يصدر عن العبد فهو ما تحدث عنه القرآن الكريم في آيات كثيرة.
وقد نوع الله تعالى في كتابه الكريم الأخبار عن كتابة الملائكة لأعمال البشر إلى أنواع كثيرة:
فتارة يسند الكتابة إلى الكرام الكاتبين، وتارة يسند الكتابة إليه جل وعلا، تعظيماً لذلك واهتماماً بذكره، وتارة يخبر تعالى عن كتابة أعمال العباد بإسنادها للمجهول، تهويلاً لذكره أو تعظيماً له، وكل ذلك هو ما تحدثت عنه الآيات الآتية:
قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٠ - ١١]
وقال تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٧ - ١٨]
وقال تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ [يونس:٢١]
وقال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:٨٠]
وقال تعالى في إسناد كتابة بعض الأمور إليه جل وعلا - ومعلوم أن الذي يتولى كتابتها هم الملائكة، ولكنه أسند ذلك إليه مبالغة في الاهتمام بذلك - فقال تعالى: لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران:١٨١]
وفي هذا التعبير من التهديد والوعيد ما لا يخفى (١).
وسبب نزول هذه الآية كان في شأن اليهود، حينما قال قائلهم - وهو فنحاص - لأبي بكر: "والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة فقر، وإنه إلينا لفقير" تعالى الله عن قوله ذلك (٢).
قال الشوكاني عن معنى التعبير بقوله تعالى: سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ [آل عمران:١٨١] أي: (سنكتبه في صحف الملائكة أو سنحفظه، والمراد الوعيد لهم، وأن ذلك لا يفوت على الله، بل هو معد لهم ليوم الجزاء) (٣).
وقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا [مريم: ٧٧ - ٧٩]
وقال تعالى عن المنافقين: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً [النساء: ٨١]
وقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس: ١٢]
وقال تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا [النبأ:٢٩]
وقال تعالى مسنداً الكتابة إلى المجهول، تهويلاً لشأن المكتوب: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [سورة الزخرف: ١٩]
وقال تعالى ترغيباً وتعظيماً لشأن المكتوب: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١]
وهذه الآيات دلالتها واضحة على أن كل ما يقوله أو يفعله الشخص يكون مسجلاً ومكتوباً لا يضيع منه شيء.
وبعد أن عرضنا تلك الآيات التي تثبت تسجيل الملائكة لأعمال العباد في الدنيا، وأنهم موكلون بذلك، أمناء على ما يكتبون، لا يغيب عنهم من أعمال العباد شيء، وأننا نؤمن بذلك إيماناً كاملاً لا ارتياب فيه- بعد عرض ذلك نذكر ما جاء في السنة النبوية من أحاديث تثبت كتابة وتسجيل الملائكة على الإنسان ما يعمله في الدنيا من خير أو شر. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٤٣
стр. 1940
المطلب الثاني: الأدلة من السنة
أخرج الشيخان وغيرهما في فضل الجمعة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشاً، ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر)) (١).
وعن رفاعة بن رافع الزرقي قال: ((كنا يوماً نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها، أيهم يكتبها أولاً)) (٢).
وأخبر رسول الله ﷺ عن فضل الله وكرمه: أن العبد إذا هم بحسنة فعملها تكتب له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بها ولم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وبالعكس السيئة: فإن العبد إذا هم بها فعملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإن هم بها ولم يعملها كتب له حسنة كاملة.
ومصداق هذا ما جاء عن ابن عباس ﵄: عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: ((قال الله: إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة)) (٣)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((قال رسول الله ﷺ : قال الله إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها، فإذا عملها، فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها)) (٤)
وقال رسول الله ﷺ : ((قالت الملائكة: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة، وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي)) (٥)
وقال رسول الله ﷺ : ((إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله ) (٦)
وقد أرشد ﷺ أمته إلى أمور إذا فعلها العبد كتب الله له بسببها الأجر العظيم، كما في حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر)) (٧)
وعن مصعب بن سعد قال: حدثني أبي قال: كنا عند رسول الله ﷺ قال: ((أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة)) (٨).
стр. 1941
وفي الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد أحاديث كثيرة، كلها تدل على كتابة الملائكة الحسنة بعشر أمثالها إلى ما يشاء الله من التضعيف، والسيئة بمثلها. وهذا ما قرره القرآن الكريم:
قال تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الأنعام:١٦٠]
وغيرها من الآيات: كالآيات التي ذكرها الله في مضاعفة ثواب الصدقات، وهي كثيرة في القرآن الكريم.
بل تكرم الله بما هو فوق هذا كله، حيث أنه يأمر باستمرار الكتابة في صحيفة حسنات العبد المؤمن الذي يشغله عن عبادته التي كان يعتادها سفر أو مرض أو أي شاغل آخر.
كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا اشتكى العبد المسلم، قيل للكاتب الذي يكتب عمله، اكتب له مثل عمله إذا كان طليقاً، حتى أقبضه أو أطلقه)) (١)
وفي هذه الأحاديث التي عرضناها دلالة صريحة على كتابة كل ما يصدر عن العبد, وتسجيله في سجله الخاص خيراً كان أم شراً، فإذا جاء يوم القيامة ورأى ما لم يسره في كتابه، أخذ يجادل, ويجحد, وينكر ما كتبه الحفظة رادًّا شهادتهم عليهم.
كما جاء عن أنس بن مالك قال: ((كنا عند رسول الله ﷺ فضحك وقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يارب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل)) (٢). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٤٧
стр. 1942
تمهيد
وبعد عرض ما تقدم من إثبات تسجيل الملائكة لكل ما يصدر عن الشخص من أقوال وأفعال، نورد هنا إثبات قراءة كتاب الأعمال في يوم القيامة، كما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٥٩
стр. 1943
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم على ذلك
- قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:١٣ - ١٤]
يخبر في هذه الآية الكريمة أنه ما من إنسان إلا وسيجد كتاب أعماله ملازماً له، ينشر عليه في يوم القيامة، ويقال له: اقرأ كتابك وأنت حسيب نفسك، بعد أن تقف على كل أعمالك التي عملتها في الدنيا، وهذا هو العدل التام, والإنصاف الكامل.
(عن أنس ﵁ في قوله: طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء:١٣] قال: كتابه) (١).
وعن السدي ﵁ في الآية قال: الكافر يخرج له يوم القيامة كتاب، فيقول: رب إنك قد قضيت أنك لست بظلام للعبيد, فاجعلني أحاسب نفسي، فيقال: اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:١٤]
وفي قراءة أبي بن كعب ﵁: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه يقرؤه يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً).
وعن مجاهد ﵁ أنه قرأ: (ويخرج له يوم القيامة كتاباً. بفتح الياء: يعني يخرج الطائر كتاباً).
وعن قتادة في قوله تعالى: اقْرَأْ كَتَابَكَ [الإسراء:١٤] قال:) يقرأ يومئذ من لم يكن قارئاً في الدنيا).
وقد عبر الله عن كتاب الأعمال بالطائر: أي عمله الذي طار عنه من خير وشر (٢).
٢ـ وقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيه فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة فِي جَنَّةٍ عَاليةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَاليةِ وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَاليهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ [الحاقة:١٩ - ٢٩]
وهذا وصف من الله جل وعلا، وتقسيم كذلك لحال الناس بالنسبة لإيتائهم كتبهم: قسم يأخذه بيمينه، ثم يعبر عن سروره وغبطته, وما يصير إليه حاله من النعيم العظيم, والفوز الكبير.
وقسم آخر يأخذه بشماله، ثم يعبر عن حسرته وندامته وتمنيه أنه لم يكلف بقراءة كتاب ولم يوقف لحساب، أو تمنيه كذلك لأن تكون موتته التي ماتها هي القاضية فلا يبعث ولا يحاسب، ثم يتذكر بعض الأسباب التي كانت تحول بينه وبين السعادة في الآخرة، والتي منها اغتراره بالمال والسلطان، وهما آفة الكثير ممن يقع عليهم شدة الحساب ووقوع العذاب.
قال ابن جرير ﵀ في معنى الآية:
(يقول تعالى ذكره: فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه فيقول: تعالوا اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ [الحاقة: ١٩]، وأخرج عن ابن زيد في قول الله: هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ [الحاقة: ١٩] قال: تعالوا، وأخرج عن قتادة أنه قال: (كان بعض أهل العلم يقول: وجدت أكيس الناس من قال: هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ. [الحاقة: ١٩])
ومعنى قوله: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ [الحاقة: ٢٠] يقول: إني علمت أني ملاق حسابيه إذا وردت يوم القيامة على ربي.
стр. 1944
قال ابن عباس في معنى الظن المذكور في الآية: (أي أيقنت)، وقال قتادة: (ظن ظناً يقيناً فنفعه الله بظنه)، وقال ابن زيد: (إن الظن من المؤمن يقين)، وعن مجاهد قال: (كل ظن في القرآن إِنِّي ظَنَنتُ [الحاقة: ٢٠] يقول: أي علمت).
وأما الكافر الذي أعطي كتابه بشماله فقال: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ [الحاقة: ٢٥ - ٢٦] يقول: ولم أدر أي شيء حسابيه.
يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة: ٢٧] يقول: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره عنده من الموت. (١)
- وقال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:٤٩]
وهذا تصوير بديع لحالة وقوف الناس على كتبهم خائفين وجلين، وكأنهم قد اطلعوا على ما فيها من تسجيل كامل لجرائمهم التي كانوا يتفننون في ارتكابها، ومع هذا الخوف الشديد, والرهبة الكاملة فهم لا يخفون انزعاجهم من دقة هذا الكتاب، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها, ووضحها تمام الوضوح، ولكن هذا صنع من يريد العدل – -بعباده، فليس هناك خوف من الظلم، فليطمئن كل مخلوق إلى أنه سوف لا يقع عليه إلا ما قدم لنفسه.
قال ابن كثير عن معنى الآية: وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الكهف:٤٩] أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ [الكهف:٤٩] أي من أعمالهم السيئة, وأفعالهم القبيحة، لأن هذا الكتاب لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
قال سعد بن جنادة ﵁: ((لما فرغ رسول الله ﷺ من غزوة حنين، نزلنا قفراً من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي ﷺ : اجمعوا من وجد عوداً فليأت به، ومن وجد حطباً أو شيئاً فليأت به، قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاماً، فقال النبي ﷺ : أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل, ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه)) (٢). (٣)
وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول: (يا وليتنا: ضجوا إلى الله من الصغائر قبل الكبائر) (٤).
- وقال تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً [الإسراء: ٧١]
يخبر أنه في يوم القيامة، في موقف فصل القضاء، يدعو كل أمة بإمامهم، ثم يعطون كتب أعمالهم، على ما سبق وصفه، إما باليمين أو بالشمال، وأخبر سبحانه أنه لا يقع على أي مخلوق ظلم أو نقص من عمل، حتى وإن كان شيئاً تافهاً لا يسترعي الانتباه، كالفتيل ومثقال الذرة وما إلى ذلك.
وفي قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء: ٧١] خلاف بين العلماء في المراد بالإمام المذكور وهل هو:
أ- كتاب الأعمال.
ب_ أو هو النبي في كل أمة.
ج _ أو هو الكتاب الذي أنزل على كل أمة تشريعاً لهم.
د- أو المراد به من كان إماماً لكل قوم.
هـ-أو المراد به الأمهات، أي ندعو كل إنسان بأمه، فيقال: يا فلان ابن فلانة.
أقوال لأهل العلم، أما القول الأول فهو لابن عباس واختاره ابن كثير، وأما الأقوال الأخرى: فإن أضعفها القول بأن الإمام المذكور الأمهات، وقد قال الشنقيطي عنه بأنه: (باطل بلا شك) (٥).
(٥) وقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق: ٧ - ١٢] الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٥٩
стр. 1945
المطلب الثاني: الأدلة من السنة النبوية
أما ما جاء في السنة النبوية في إثبات ذلك، فقد تقدم حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين حينما سئل عن النجوى وتقرير الله لعبده بذنوبه، وفيه:
((فيقول سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته)). كما في لفظ البخاري (١)، وفي لفظ مسلم ((فيعطى صحيفة حسناته)) الحديث (٢).
وكذلك الحديث المروي عن أبي هريرة, وأبي موسى الأشعري, وقتادة وابن مسعود في باب العرض وفيه:
((وأما العرضة الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله)) (٣)
وكذلك ... حديث البطاقة، وفيه: ((فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر)). الحديث (٤) وغيره من الأحاديث.
وعن أبي داود عن عائشة ﵂: ((أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله ﷺ ما يبكيك؟ قلت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل، وعند الكتاب حين يقال: هاؤم اقرءوا كتابيه [الحاقة: ١٩] حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه, أم في شماله, أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم)) (٥)
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة، فيوضع ما أحصى عليه، فتمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا لا تعجلوا، فإنه قد بقي له. فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان)). وهذه رواية الإمام أحمد (٦)
стр. 1946
وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يحضر الناس يوم القيامة عراة حفاة، فقالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، واسوأتاه ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: شغل الناس، قلت: ما شغلهم؟ قال: نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر, ومثاقيل الخردل)) (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين، ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله عليه، فيقول لأصغر نعمة، أحسبه قال: في ديوان النعم، خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح، ثم تنحى وتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبداً قال: يا عبدي، قد ضاعفت لك حسناتك, وتجاوزت عن سيئاتك، أحسبه قال: ووهبت لك نعمي)) (٢).
وروى الإمام أحمد والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله.
فأما الديوان الذي لا يغفره الله: فالشرك بالله, قال الله : إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ [المائدة: ٧٢]
وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء.
وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً: فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ : ((في قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء: ٧١] قال: يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعاً، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، وينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم آتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، حتى يأتيهم فيقول: أبشروا، لكل رجل منكم مثل هذا. قال: وأما الكافر، فيسود وجهه، ويمد له في جسمه ستون ذراعاً على صورة آدم، فيلبس تاجاً فيراه أصحابه، فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا، اللهم لا تأتنا بهذا، قال: فيأتيهم، فيقولون: اللهم أخزه، فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا)) (٤).
стр. 1947
وأخرج الإمام ابن ماجه بسنده إلى عبد الله بن بسر أنه قال: قال النبي صلى الله عليه سلم: ((طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً)) (١).
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((يؤتى يوم القيامة بصحف مختمة، فتنصب بين يدي الله ﵎، فيقول ﵎، ألقوا هذه واقبلوا هذه، فتقول الملائكة، وعزتك ما رأينا إلا خيراً، فيقول الله إن هذا كان لغير وجهي، وإني لا أقبل اليوم إلا ما ابتغي به وجهي)) وفي رواية: ((فتقول الملائكة: وعزتك ما كتبنا إلا ما عمل، قال: صدقتم إن عمله كان لغير وجهي)) (٢).
وثبت في صحيح مسلم – بمعنى هذا الحديث – عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) (٣)
وأخرج العقيلي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الكتب كلها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة يبعث الله ريحاً فتطيرها بالأيمان والشمائل، أول خط فيها: اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٤])) (٤).
وعن عائشة ﵂ قالت: ((قلت: يا رسول الله، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: يا عائشة، أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب فإما أن يعطى بيمينه, أو يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار، فينطوي عليهم, ويتغيظ عليهم، ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بمن ادعى مع الله إلهاً آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد, قال: فينطوي عليهم، ويرمي بهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر، أدق من الشعرة, وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك، يأخذون من شاء الله، والناس عليه كالطراف)) إلخ الحديث (٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى عن إسماعيل ثنا عامر، وحدثنا محمد بن عبيد ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن رجل عن الشعبي قال: مر عمر بطلحة (فذكر معناه) قال: مر عمر بطلحة فرآه مهتماً، قال: لعلك ساءك إمارة ابن عمك – قال يعني أبا بكر ﵁ _ فقال: لا، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إني لأعلم كلمة لا يقولها الرجل عند موته إلا كانت نوراً في صحيفته، أو وجد لها روحاً عند الموت، قال عمر: أنا أخبرك بها، هي الكلمة التي أراد بها عمه: شهادة أن لا إله إلا الله، قال: فكأنما كشف عني غطاء، قال: لو علم كلمة هي أفضل منها لأمره بها)) (٦).
وذكر ابن كثير – وعزاه إلى ابن أبي الدنيا – عن أبي هريرة ﵁ قال: (يدني الله العبد يوم القيامة، فيضع كنفه ليستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول: اقرأ يا ابن آدم كتابك، فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه, ويسر بها قلبه، قال: فيقول الله تعالى: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: يا رب أعرف، فيقول: إني قد تقبلتها منك، فيخر ساجداً، فيقول: ارفع رأسك, وخذ في كتابك، فيمر بالسيئة فيسود لها وجهه، ويوجل منها قلبه، وترعد منها فرائصه، ويأخذه من الحياء من ربه ما لا يعلمه غيره، فيقول الله: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم يارب أعرف، فيقول: فإني قد غفرتها لك.
فلا يزال بين حسنة تقبل وسيئة تغفر فيسجد، لا يرى الخلائق منه إلا ذلك السجود، حتى ينادي الخلائق بعضها بعضا: طوبى لهذا العبد الذي لم يعص الله قط، ولا يدرون ما لقي فيما بينه وبين الله تعالى مما قد وقفه عليه) (٧) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٦٥
стр. 1948
المطلب الأول: تعريف الحساب في اللغة
جاءت في كتب اللغة عدة إطلاقات للفظة الحساب.
ومن بين تلك الإطلاقات: أن الحساب يطلق ويراد به: العدد, والمعدود, والإحصاء بالدقة التامة دون زيادة ولا نقصان، وقد ذكر أهل اللغة في مادة حسب كثيراً من المعاني التي جاءت لهذه الكلمة.
وفي هذا يقول الأزهري: (وإنما سمي الحساب في المعاملات حساباً لأنه يعلم به ما فيه كفاية ليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان).
وقال الليث: (والحساب والحسابة عدك الشيء، تقول: حسبت الشيء أحسب حساباً وحسابة وحسبته).
ويأتي الحساب كذلك بمعنى الكثرة، قال أبو عبيد عن أبي يزيد) أحسبت الرجل أي أعطيته ما يرضى، وقال: غيره معناه أعطيته حتى قال: حسبي، قال الله : عَطَاء حِسَابًا [النبأ: ٣٦] أي كثيراً.
ويقال: أتاني حساب من الناس أي جماعة كثيرة وهي لغة هذيل) (١).
وتأتي لفظة حسبان مرادفة لكلمة الحساب والكل بمعنى واحد، نقل الأزهري عن أبي العباس أنه قال: (حسابنا مصدر كما تقول: حسبته أحسبه حسباناً وحساباً، وقال الأخفش: إن حسبانا جمع حساب، وقال أبو الهيثم: الحسبان جمع حساب وكذلك أحسبة، مثل شهاب وأشهبة وشهبان) (٢).
وقال أيضاً: (وأخبرني المنذري عن ثعلب أنه قال: قال الأخفش في قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا [الأنعام: ٩٦] فمعناه: بحساب فحذف الباء) (٣).
ويقول الفيروزآبادي: (حسبه حسباً وحسباناً بالضم, وحسباناً وحساباً وحسبة وحسابة بكسرهن: عده، والمعدود محسوب) (٤).
ويقول الهوريني: (حسبته أحسبه بالضم حسباً وحساباً وحسباناً وحسابة إذا عددته، والمعدود محسوب) (٥).
وذكر أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا أن حسب لها معان فقال: (الأول: العدد، تقول: حسبت الشيء أحسبة وحسباناً، قال الله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن: ٥]) (٦)
وقال الراغب: (الحساب: استعمال العدد، يقال: حسبت أحسب حسابا وحسبانا، قال تعالى: لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس: ٥] وقال تعالى: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا [الأنعام: ٩٦]) (٧)
والحسبان ما يحاسب عليه فيجازى بحسبه، وكذا لفظة الحسيب والمحاسب فإنها تطلق مراداً بها الحساب قال الراغب: (والحسيب والمحاسب: من يحاسبك ثم يعبر عن المكافئ بالحساب) (٨).
وقد ورد في القرآن الكريم كذلك إطلاق لفظة الحساب مرادا بها الجزاء كما قال تعالى:
١ـ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: ١١٧] قال الطبري: (فإنما حساب عمله السيئ عند ربه وهو موفيه جزاءه إذا قدم عليه) (٩).
٢ـ وقال تعالى: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ [الشعراء: ١١١ - ١١٣] (قال ابن جريج: أي هو أعلم بما في أنفسهم) (١٠).
٣ـ قال تعالى: إِنَّ إلينَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦] قال ابن كثير: (أي نحن نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها، إن خيراً فخير وإن شراً فشر) (١١).
ويطلق أيضاً على محاسبة النفس: قال تعالى: كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٤] أي كفى بك لنفسك محاسباً, ويطلق على التوسعة في الرزق كما قال تعالى: يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٨] , أي بغير تقتير وتضييق، كقولك: فلان ينفق بغير حساب، أي يوسع النفقة ولا يحسبها.
والحاصل أن أقوال أهل اللغة في المراد بالحساب، تشير إلى أنه يرد بمعنى الكثرة في الشيء، والزيادة فيه، والعدد، والإحصاء، والدقة في العدد دون زيادة ولا نقصان. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩٠٥
стр. 1949
المطلب الثاني: تعريف الحساب في الشرع
أما المراد بالحساب في الشرع فإنه يراد به: (توقيف الله عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم، خيراً كانت أو شراً، تفصيلاً لا بالوزن، إلا من استثنى منهم) (١).
وقوله: (لا بالوزن) يحتمل أنه يريد أن الله يحاسبهم ثم يزن أعمالهم، لا أنه يكتفي بالمحاسبة عن الوزن (إلا من استثنى منهم) فإنه لا يحاسبهم ولا يزن أعمالهم.
ويحتمل أيضا أن يكون المعنى: أن الله يوقفهم على أعمالهم تفصيلاً، ولا يكتفي بالمعرفة الإجمالية التي تتأتى من طريق الوزن.
ونقل السفاريني عن الثعلبي تعريفه للحساب قائلاً: (الحساب تعريف الله – عزوجل – الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم ما قد نسوه من ذلك، يدل على هذا قوله تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦]) (٢)
والظاهر: أن تعريف الثعلبي أشمل من تعريف السفاريني، لأنه يتضمن تعريف الله عباده بأعمالهم تفصيلاً على مقدار ما يستحقونه من الجزاء، خيراً أو شراً، وتعريف السفاريني ينفرد بأن هذه المحاسبة لا يغني عنها الميزان، ولا تغني عن الميزان.
وقال القرطبي ﵀ في تعريف الحساب: (ومعناه أن البارئ – سبحانه- يعدد على الخلق أعمالهم من إحسان وإساءة، يعدد عليهم نعمه ثم يقابل البعض بالبعض) (٣).
ومعنى هذه العبارة: أن نتيجة مقابلة بعضها ببعض أي السيئات بالحسنات – لإظهار أيهما أرجح، وعليه يحكم على الشخص، إن كان من أهل الخير أو أهل الشر. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩٠٨
ويراد بالحساب والجزاء أن يوقف الحق ﵎ عباده بين يديه ويعرفهم بأعمالهم التي عملوها وأقوالهم التي قالوها وما كانوا عليه في حياتهم الدنيا من إيمان وكفر واستقامة وانحراف وطاعة وعصيان وما يستحقونه على ما قدموه من إثابة وعقوبة، وإيتاء العباد كتبهم بأيمانهم إن كانوا صالحين وبشمالهم إن كانوا طالحين. ويشمل الحساب ما يقوله الله لعباده وما يقولونه له وما يقيمه عليهم من حجج وبراهين وشهادة الشهود ووزن للأعمال. والحساب منه اليسير ومنه العسير ومنه التكريم ومنه التوبيخ والتبكيت ومنه الفضل والصفح ومتولي ذلك أكرم الأكرمين. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ١٩٣
стр. 1950
تمهيد
لقد حظي ذكر الحساب بنصوص كثيرة في كتاب الله – – وفي سنة نبيه ﷺ ، وأجمع عليه جميع أهل الإسلام، إذ هو من المسائل الأخروية المعلومة من الدين بالضرورة.
وقد أكثر الله من ذكره في القرآن الكريم، في مواضع كثيرة، بعبارات متنوعة، ودلالات مختلفة مصوراً هول ذلك, أو مخبراً عنه ومبشراً به، كل ذلك لزيادة العناية وللفت أنظار الناس إليه ليكونوا على بينة من أمرهم فيستعدوا له بالعمل الصالح إذ أنه من أهم الأمور التي تحدث في يوم القيامة، بل هو المراد ببعث الناس (١) وقيامهم من قبورهم وفي الموقف (٢).
وبه يتميز الناس فيسعد من يسعد, ويشقى من يشقى, حينما يفصل الله بين خلقه في أكمل صور العدل وأجلها، ونعرض فيما يلي أدلة إثباته من كتاب الله ومن سنة نبيه ﷺ . الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩١٣
стр. 1951
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم
الأدلة في القرآن الكريم على وقوع الحساب كثيرة لا يتسع المقام لذكرها كلها غير أننا سنقتصر على إبراز أهم الجوانب التي جاءت في أمر الحساب، فمن ذلك:
١ـ ما جاء في إخباره عن سرعة وقوع الحساب، فقال تعالى: وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [المائدة:٤]
وقال تعالى في بيان أن سرعة ذلك الحساب يكون مع تمام العدل: لِيَجْزِي اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [إبراهيم: ٥١]
اليوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ اليوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: ١٧]
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧]
٢ـ والحساب تارة يكون يسيراً على أهل الإيمان والطاعات, وتارة يكون عسيراً على أهل الكفر والمعاصي. فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق: ٧ - ٩].
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ [الحاقة: ١٩ - ٢٠]
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ [الحاقة: ٢٥ - ٢٦]
لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [الرعد: ١٨]
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: ٢٦]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩]
٣ـ وقال تعالى في بيان إحاطة علمه بكل ما يصدر عن العباد ظاهراً أو باطناً: لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٨٤]
وقد عفا الله عما يضمره الإنسان في قلبه فلا يحاسبه عليه.
٤ـ وقال تعالى في مدح المؤمنين وخوفهم من هول الحساب: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ [الرعد: ٢١]
٥ـ وقال تعالى في مدح الصابرين وبيان أجرهم: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠]
٦ـ وقال تعالى في ذم المكذبين بالحساب: إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا [النبأ: ٢٧].
وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [غافر: ٢٧].
وأما ما ورد من قولهم: رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص: ١٦] , فإنما هو قول على سبيل الاستهزاء (١) أو التحدي للرسول ﷺ أن يريهم صكاكهم (٢) بحظوظهم من الخير أو الشر الذي وعد الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة قبل يوم القيامة في الدنيا استهزاء بوعيد الله (٣).
ونكتفي بما تقدم ذكره من الآيات التي تدل على وقوع الحساب في يوم القيامة, وبها يتبين مدى عناية القرآن الكريم بذكره وعظيم شأنه. ونضيف إلى ما تقدم من الأدلة الواردة في القرآن الكريم أدلة أخرى من السنة النبوية فيما يأتي: الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩١٣
стр. 1952
المطلب الثاني: الأدلة من السنة النبوية
وكما حظي ذكر الحساب في القرآن الكريم بكثرة العناية بذكره وإيراده في أكثر من موضع كما رأينا فيما سبق عرضه، فقد حظي كذلك بالذكر والعناية والاهتمام على لسان المصطفى ﷺ ، فقد وردت أحاديث كثيرة بشأنه وسنذكر منها ما يتبين به صدق ما قدمناه وذلك فيما يلي:
قال ﷺ في الحث على الاستعداد بالعمل الصالح, ومحاسبة النفس, وعدم تركها ترتع كيف شاءت، وهو ما ورد عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ أنه قال: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها, وتمنى على الله الأماني)) (١). قال الترمذي: (ومعنى قوله ﷺ : ((دان نفسه)) يقول: حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة) (٢).
فإذا لم يستعد العبد بالعمل الصالح, ولم يسلك ما أمره الله به, ولم ينته عما نهاه عنه بل كفر بربه ولقائه, فإنه سيندم يوم القيامة, ويتمنى أن لو كان له ملء الأرض ذهباً ويفتدي به لو نفعه حين يحاسب بين يدي الله ﵎.
كما جاء في حديث أنس ﵁ أن نبي الله ﷺ كان يقول: ((يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك)) (٣).
وقدجاء عن النبي ﷺ في سهولة الحساب ويسره وتجاوز الله تعالى: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٧ - ٩]. فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)) (٤). وفي بعض روايات هذا الحديث: ((من حوسب عذب)) إلخ الحديث (٥).
وقال ﷺ في تجاوز الله تعالى عمن يتجاوز عن الناس في الحساب, وييسر عليهم, وتخفيف الله عن عباده، عن أبي مسعود البدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسراً، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال: قال الله : نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه)) (٦).
وعن عائشة ﵂ قالت: ((سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حساباً يسيراً، فلما انصرف قلت: يا نبي الله ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر الله في كتابه فيتجاوز عنه، من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك، وكل ما يصيب المؤمن يكفر الله به عنه حتى الشوكة تشوكه)) (٧).
стр. 1953
وعن محمود بن لبيد أن النبي ﷺ قال: ((اثنان يكرههما ابن آدم: الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب)) (١).
وعن السدي قال: حدثني من سمع عليًّا يقول: لما نزلت هذه الآية: وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء [البقرة: ٢٨٤] أحزنتنا، قال: قلنا: يحدث أحدنا نفسه فيحاسب به، لا ندري ما يغفر منه وما لا يغفر، فنزلت هذه الآية بعدها فنسختها: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦].
وعن العدل في القصاص يوم القيامة وتبادل الحسنات والسيئات يقول ﷺ : ((من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثمَّ دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه)) (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخلص المؤمنون من النار, فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار, فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا)) (٣)
وقد أخبر ﷺ أن ناساً لا يحاسبون، وهم سبعون ألفاً إكراماً لهم كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق, فنظرت فإذا سواد عظيم, فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر, فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومنهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: وما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه, فقال: هم الذين لا يرقون, ولا يسترقون, ولا يتطيرون, وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة)) (٤)
وفي بيان أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة قال رسول الله ﷺ : ((أول ما يقضى بين الناس بالدماء)) (٥)
عن حريث بن قبيصة قال: قدمنا المدينة فقلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً، قال فجلست إلى أبي هريرة فقلت: إني سألت الله أن يرزقني جليساً صالحاً، فحدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، لعل الله أن ينفعني به، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح, وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب : انظروا هل لعبدي من تطوع, فيكمل بها ما نتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك)) (٦)
وعن أول الخلق حساباً يقول ﷺ فيما يرويه ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: ((نحن آخر الأمم وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون)) (٧). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩١٦
стр. 1954
المطلب الأول: العدل التام الخالي من الظلم
يوفي الحق عباده في يوم القيامة أجورهم كاملة غير منقوصة ولا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة:٢٨١]. وقال لقمان في وصيته لابنه معرفا إياه بعدل الله: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:١٦]، وقال تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:٧ - ٨]، فقد أخبر الحق ﵎ في هذه النصوص أنه يوفي كل عبد عمله وأنه لا يضيع منه ولا ينقص منه مقدار الذرة. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ٢٠٣
стр. 1955
المطلب الثاني: لا يؤخذ أحد بجريرة غيره
قاعدة الحساب والجزاء التي تمثل قمة العدل ومنتهاه أن الله يجازي العباد بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ولا يحمل أحدا وزر غيره قال تعالى: مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:١٥]. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ٢٠٤
стр. 1956
المطلب الثالث: اطلاع العباد على سجلات أعمالهم
حتى يحكموا على أنفسهم فلا يكون لهم بعد ذلك عذر قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [آل عمران:٣٠]، وقال: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:٤٩] القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ٢٠٦
стр. 1957
المطلب الرابع: مضاعفة الحسنات دون السيئات
ومن رحمته أن يضاعف أجر الأعمال الصالحة إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [التغابن:١٧] وأقل ما تضاعف به الحسنة عشرة أضعاف: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:١٦٠] أما السيئة فلا تجزى إلا مثلها وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا [الأنعام:١٦٠]. وهذا مقتضى عدله ﵎. ومن الأعمال التي أخبر الرسول ﷺ أنها تضاعف عشرة أضعاف قراءة القرآن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)) (١)، وغير ذلك كالصلاة، والصوم. ومن فضل الله أن المسلم الذي يهم بفعل الحسنة ولكنه لا يفعلها تكتب له حسنة تامة، وأن المسلم الذي يهم بفعل السيئة ثم تدركه مخافة الله فيتركها تكتب له حسنة تامة. عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة)) (٢). وتبلغ رحمة الله بعباده وفضله عليهم أن يبدل سيئاتهم حسنات عن أبى ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها. فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا. فيقول: نعم. لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه. فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا)). فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه (٣). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ٢٠٧
стр. 1958
المطلب الخامس: إقامة الشهود
وقد أشارت أكثر من آية إلى الشهداء الذين يشهدون على العباد كقوله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:٥١]، وقوله تعالى: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء [الزمر:٦٩]. وأول من يشهد على الأمم رسلها فيشهد كل رسول على أمته بالبلاغ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا [النساء:٤١]، وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء [النحل:٨٩]، وقوله: شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ هم الرسل لأن كل أمة رسولها منها، كما قال تعالى: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة:١٢٨]. وكما يشهدون على أممهم بالبلاغ يشهدون عليهم بالتكذيب، ومن الأشهاد الأرض والأيام والليالي تشهد بما عمل فيها وعليها ويشهد المال على صاحبه، كما تشهد الملائكة: وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ [هود:١٨]. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ٢١٢
стр. 1959
المبحث الرابع: متى يكون الحساب؟ وأين يكون المحاسبون ؟
حينما يبعث الله العباد من قبورهم يخرجون وهم لا يذكرون شيئاً من أعمالهم التي قدموها في حياتهم الدنيا، كما ذكر الله ذلك عنهم في كتابه العزيز في قوله : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦]
وما أسرع نسيان الإنسان لأعماله التي يعملها هو غافل لا يدري أن هناك من يراقبه مراقبة دقيقة يسجل عليه كل ما يصدر عنه من قول أو فعل.
قال الطبري عن معنى الآية: (يقول تعالى ذكره أحصى الله ما عملوا، فعده عليهم, وأثبته, وحفظه, ونسيه عاملوه، والله على كل شيء شهيد) (١).
فإذا جمعهم الله في الموقف, وأذن بفصل القضاء فيهم أعطاهم الله تلك الكتب ليقفوا على ما فيها، ثم بعد ذلك تبدأ المحاسبة: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ٧ - ١٠]
وفي تقديم الله تعالى ذكر الكتاب- أو صحف الأعمال – على ذكر الحساب دلالة على تقديم أخذ الصحف على الحساب, وفي هذا يقول القرطبى: (فإذا وقف الناس على أعمالهم, من الصحف التي يؤثرها بعد البعث حوسبوا عليها) (٢).
وقبل حسابهم يمتاز كل فريق عن الأخر, المؤمنون في مكان, وغيرهم من الكفار كل فرقة في مكان, قال الحافظ ابن كثير: (فإذا نصب كرسي فصل القضاء, انماز الكافرون عن المؤمنين في الموقف إلى ناحية الشمال وبقي المؤمنون عن يمين العرض, ومنهم من يكون بين يديه, قال تعالى: وَامْتَازُوا اليوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: ٥٩]) (٣)
قال الطبري في معناها: (أي تميزوا) (٤).
وقال ابن كثير في معناها: (يقول الله تعالى مخبراً عما يؤول إليه حال الكفار يوم القيامة, من أمره لهم أن يمتازوا, بمعنى يميزون عن المؤمنين في موقفهم، كقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ [يونس: ٢٨]. وقال : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الروم: ١٤] أي يصيرون صدعين فرقتين) (٥)
ويقول مقاتل: (معناه: اعتزلوا اليوم – بمعنى في الآخرة – من الصالحين)، وقال السدي: (كونوا على حدة)، وقال الزجاج: (انفردوا عن المؤمنين) , وقال الضحاك: (يمتاز المجرمون بعضهم من بعض, فيمتاز اليهود فرقة, والنصاري فرقة, والمجوس فرقة, والصابئون فرقة, وعبدة الأوثان فرقة)، وقال داود بن الجراح: (يمتاز المسلمون عن المجرمين, إلا أصحاب الأهواء فإنهم يكونون مع المجرمين) (٦).
وقد أخرج الطبري بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة, أمر الله جهنم، فيخرج منها عنق ساطع مظلم, ثم يقول: أَلَمْ أَعْهَدْ إليكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ... [يس: ٦٠] الآية إلى قوله: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. .. [يس: ٦٣] وَامْتَازُوا اليوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: ٥٩] فيتميز الناس ويجثون وهي قوله تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً. [الجاثية: ٢٨])) (٧).
стр. 1960
فالثابت هنا هو تميز كل فريق عن الفريق الآخر, دون تحديد للجهات التي ذكرها الحافظ ابن كثير ﵀, كما في الآية السابقة, وكذا في قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ [يونس: ٢٨].
قال ابن كثير في معني الآية: ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ [يونس: ٢٨]: (الزموا أنتم وهم مكانا معينا، امتازوا فيه عن مقام المؤمنين). (٤)
وقال تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. [الروم: ١٤]
وفسر الرازي هذا التفرق بأنه: (يجعل فريق في الجنة, وفريق في السعير) (٥).
وقال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [الروم: ٤٣] أي يصيرون فرقتين
وبمثل ما فسر الرازي هذا التفرق فسره كذلك الشوكاني حيث قال: (والمراد بتفرقهم هاهنا: أن أهل الجنة يصيرون إلى الجنة وأهل النار يصيرون إلى النار) (١).
وقال تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إلى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]
وهذه الآية فسرها بعضهم بأن كل صنف يتميز مع مثله, فقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في قول الله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢]، قال: (أمثالهم, الذين هم مثلهم, يجيء أصحاب الربا مع أصحاب الربا, وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر, أزواج في الجنة, وأزواج في النار).
وفي رواية عن ابن عباس: قال: (أشباههم) , وفي لفظ: (نظراءهم)، وفي رواية عن عكرمة مثله.
وعن مجاهد قال: (أمثالهم, القتلة مع القتلة, والزناة مع الزناة, وأكلة الربا مع أكلة الربا) (٢).
وخلاصة ما قيل عن تميز المؤمنين عن غيرهم, وتميز كل فرقة بمفردها: أن الله تعالى أمر بأن يتميز أهل محبته ورضوانه عن أهل عداوته وعصيانه, إلى حيث يشاء , كما أمر أن ينفرد أهل عصيانه عن أهل طاعته, ليكون لكل فرقة من الفرق موضع يليق بها, وليعرف كل فريق حاله. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩٢٥
стр. 1961
المبحث الخامس: من يشملهم الحساب
الناس في يوم القيامة يردون فصل القضاء طوائف متفرقة, وأصنافاً شتى, منهم من يستحق غاية الإكرام, ومنهم من يستحق غاية التعذيب, ومنهم من هو بين ذلك.
فهناك الأنبياء, وهناك المؤمنون – السابقون منهم والمقتصدون -, وهناك من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً, وهناك كفارهم أعداء الله ومحل سخطه وبغضه.
إنهم يردون أصنافاً شتى لا يعلمهم إلا الله تعالى, فمن من هؤلاء يحاسب؟ ومن من هؤلاء لا يحاسب, بل يكرمهم الله فلا يحاسبهم؟
قد أجمل القرطبي ﵀ الجواب عن هذه الأصناف بالنسبة للحساب, فقسمهم إلى ثلاثة فرق فقال:
(فرقة: لايحاسبون أصلاً, وفرقة: تحاسب حساباً يسيراً – وهما من المؤمنين - وفرقة: تحاسب حساباً شديداً, يكون منها مسلم وكافر, وإذا كان من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله, فلا يبعد أن يكون من الكفار من هو أدنى إلى غضب الله, فيدخله النار بغير حساب) (١).
والواقع أن الإجابة تحتاج إلى تفصيل أكثر لطوائف الناس, وسنذكر فيما يلي تفصيل ما قيل عن كل طائفة:
١ - أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
ففي محاسبة الله تعالى لهم خلاف بين العلماء, وسبب الخلاف فيهم هو ما جاء فى قوله تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إليهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦]
فإن هذه الآية تدل على أن الله يحاسب جميع البشر؛ الرسل والمرسل إليهم, وهذا هو ما يذهب إليه بعض العلماء.
قال الرازي في إثبات أن السؤال يقع على الأنبياء والأمم أيضاً:
(المسألة الثانية: الذين أرسل إليهم هم الأمة, والمرسلون هم الرسل, فبين تعالى أنه يسأل هذين الفريقين. قال: ونظير هذه الآية قوله: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢, ٩٣]) (٢)
وقال أيضاً في معرض عده للمسائل التي اشتملت عليها الآية:
(المسألة الرابعة: الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده؛ لأنهم لا يخرجون عن أن يكون رسلاً أو مرسلاً إليهم, ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار) (٣).
ويذكر ابن كثير أن الله تعالى يسأل الأنبياء عن تبيلغ أقوامهم رسالة الله تعالى, فقال: (فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به, ويسأل الرسل أيضاً عن إبلاغ رسالاته. ثم نقل عن ابن عباس في تفسير الآية: أن الله يسأل الرسل عما بلغوا) (٤)
ويذكر الشوكاني في معنى الآية: وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] (أن السؤال للأنبياء الذين بعثهم الله: أي نسألهم عما أجاب به أمهم عليهم, ومن أطاع منهم ومن عصى, وقيل: المعنى فلنسألن الذين أرسل إليهم يعني الأنبياء, ولنسألن المرسلين يعني الملائكة) (١).
وقال السفاريني عن مسألة حسابهم: (والجواب أنه لاحساب على الأنبياء ﵈ على سبيل المناقشة والتقريع). (٢)
ويقول النسفي فيما ينقله عنه السفاريني: (الأنبياء لاحساب عليهم, وكذلك أطفال المؤمنين, وكذلك العشرة المبشرة بالجنة, هذا فى حساب المناقشة, وعموماً الآيات الكريمة مخصوص بأحاديث من يدخل الجنة بغير حساب, ولهذا قال علماؤنا في عقائدهم: ويحاسب المسلمون المكلفون, إلا من شاء الله أن يدخل الجنة بغير حساب وكل مكلف مسؤول, ويسأل من شاء من الرسل عن تبليغ الرسالة, ومن شاء من الكفار عن تكذيب الرسل) (٣).
وعلى القول بأنهم يسألون – ومعلوم أنه لا ذنوب لهم ليحاسبوا عليها – فما المقصود من وقوع السؤال عليهم؟
стр. 1962
أجاب الرازي عن ذلك بقوله: (فإن قيل: فما الفائدة فى سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟ قلنا لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؛ التحق التقصير بكليته بالأمة؛ فيضاعف إكرام الله فى حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير, ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة فى حق الكفار لما ثبت أن كل التقصير كان منهم) (٤).
فالذي يظهر أن إطلاق القول بأن الأنبياء يسألون؛ أن المقصود به مساءلتهم عن تبليغهم الدعوة إلى أقوامهم, وهو مجرد مساءلة لزيادة إقامة الحجة على العصاة, وليس مساءلة مناقشة وتقريع, كما ظهر مما سبق.
وأما إطلاق القول بأنهم لا يسألون, فالمراد به ما تقدم من أنهم لا يسألون سؤال مناقشة واستظهار.
وإذا كان قد ثبت أن طائفة من أتباع الأنبياء يدخلون الجنة بغير حساب, فكيف بالأنبياء الذين لهم المزية الأولى في كل تكريم؟
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عن مساءلة الأنبياء: (وسؤال الله للرسل مَاذَا أُجِبْتُمْ [المائدة: ١٠٩] لتوبيخ الذين كذبوهم, كسؤال الموءودة بأي ذنب قتلت لتوبيخ قاتلها) (٥).
٢ - وأما بقية المؤمنين بصورة عامة:
فلا ريب أن الله تعالى يحاسبهم محاسبة من توزن حسناته وسيئاته, وبالحساب يمتاز بعضهم على بعض بالدرجات؛ نتيجة لثقل موازينهم وخفتها فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧ - ٨]
وقد قدمنا ذكر للنصوص التي تدل على محاسبة الله تعالى عباده المؤمنين.
وأما أولئك السبعون الألف الذين ورد النص بأنهم لا يحاسبون, فهو إكرام من الله تعالى لنبينا محمد صلي الله عليه وسلم لأمته.
قال النووي فى تعليقه على هذا الحديث: (إن فيه عظم ما أكرم الله به النبي صلي الله عليه وسلم وأمته, زادها الله فضلاً وشرفاً) (١)
وقال السفاريني: (ثبت فى عدة أخبار عن النبى المختار ﷺ – ما كر الليل على النهار – أن طائفة من هذه الأمة بلا ارتياب يدخلون الجنة بغير حساب, فيدخلون جنات النعيم قبل وضع الموازين, وأخذ الصحف بالشمال واليمين). (٢)
ومصداق هذا ما جاء عن ابن عباس ﵄ عن النبي صلي الله عليه وسلم فى السواد الذي رفع له كما مر, وعن أبي أمامة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ((إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألف بغير حساب, فقال يزيد الأخنس: والله ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذبان, فقال رسول الله: فإن ربي قد وعدني سبعين ألفاً مع كل ألف سبعين ألفاً, وزادني ثلاث حثيات, قال فما حوضك؟ قال: ما بين عدن إلى عمان, وأوسع وأوسع – يشير بيده – قال: فيه مثعبان من ذهب وفضة. قال: فما حوضك يا نبي الله؟ قال: أشد بياضاً من اللبن, وأحلى من العسل, وأطيب من رائحة المسك, من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً, ولم يسود وجهه أبداً)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ((سألت الله تعالى الشفاعة لأمتي, فقال لك سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب, قلت ربي زدني, فحثا لي بيديه مرتين, وعن يمينه, وعن شماله)) (١). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩٤٥
стр. 1963
المطلب الأول: الكفر والشرك
فيسألهم عن الشركاء والأنداد الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، قال تعالى: وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ [الشعراء:٩٣]، ويسألون عن عبادتهم لغير الله من تقديم القرابين للآلهة التي كانوا يعبدونها. قال تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ [النحل:٥٦]، ويسألون عن تكذيبهم للرسل: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءلُونَ [القصص:٦٦]. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢١٦
стр. 1964
المطلب الثاني: ما عمله في دنياه
يسأل المرء في يوم القيامة عن جميع أعماله التي عملها في الحياة الدنيا كما قال تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:٩٢ - ٩٣] وعن أبى برزة الأسلمى قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه)) (١). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢١٧
стр. 1965
المطلب الثالث: النعيم الذي يتمتع به
يسأل الله عباده في يوم القيامة عن النعيم الذي خولهم إياه في الدنيا، كما قال: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: ٨]. يعني بالنعيم شبع البطون، وبارد الماء، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم، وقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل. وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا. وقال الحسن البصري: من النعيم الغذاء والعشاء. وقال أبو قلابة: من النعيم أكل السمن والعسل بالخبز النقي. وعن ابن عباس: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار (١) وهذا الذي فسروها به من باب التنوع في التفسير، فإن أصناف النعيم كثيرة لا تعد ولا تحصى وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل:١٨]، وبعض أنواع النعيم من الضروريات وبعضها من الكماليات، والناس يتفاوتون في ذلك فيما بينهم، ويوجد في عصر ما لا يجده أهل عصور أخرى، وفي بلد ما لا يجده أهل بلاد أخرى، وكل ذلك يسأل عنه العباد. روى الترمذي بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك؟ ونرويك من الماء البارد)) (٢). وبعض الناس لا يستشعر النعم العظيمة التي وهبه الله إياها، فلا يدرك النعمة التي في شربة الماء، ولقمة الطعام، وفيما وهبه الله من مسكن وزوجة وأولاد، ويظن أن النعم تتمثل في القصور والبساتين والمراكب فحسب، فقد سأل رجل عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبدالله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. فأنت من الأغنياء. قال فإن لي خادماً. قال: فأنت من الملوك. (٣) وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)) (٤)، ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون. وفي (مسند أحمد) أن رسول الله ﷺ قال: ((لا بأس بالغنى لمن اتقى الله ، والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى، وطيب النفس من النعم)) (٥). وفي بعض الأحاديث النبوية بيان من الرسول ﷺ عن صورة من صور السؤال عن النعيم الذي يواجه الله به عباده في ذلك اليوم، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((يلقى (الرب) العبد فيقول: أي فُل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ قال: فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فُل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. أي رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع. فيقول: ههنا اذن. قال: ثم يقال له: الآن نبعث عليك شاهداً عليك، ويتفكر في نفسه، من ذا يشهد علي؟ فيختم الله على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه. وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه)). (٦) والسؤال عن النعيم سؤال عن شكر العبد لما أنعم الله به عليه، فإذا شكر فقد أدى حق النعمة، وإن أبى وكفر، أغضب عليه الله، ففي (صحيح مسلم) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها)) (٧). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢١٨