← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

المبحث الخامس: من يشملهم الحساب الناس في يوم القيامة يردون فصل القضاء طوائف متفرقة, وأصنافاً شتى, منهم من يستحق غاية الإكرام, ومنهم من يستحق غاية التعذيب, ومنهم من هو بين ذلك. فهناك الأنبياء, وهناك المؤمنون – السابقون منهم والمقتصدون -, وهناك من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً, وهناك كفارهم أعداء الله ومحل سخطه وبغضه. إنهم يردون أصنافاً شتى لا يعلمهم إلا الله تعالى, فمن من هؤلاء يحاسب؟ ومن من هؤلاء لا يحاسب, بل يكرمهم الله فلا يحاسبهم؟ قد أجمل القرطبي ﵀ الجواب عن هذه الأصناف بالنسبة للحساب, فقسمهم إلى ثلاثة فرق فقال: (فرقة: لايحاسبون أصلاً, وفرقة: تحاسب حساباً يسيراً – وهما من المؤمنين - وفرقة: تحاسب حساباً شديداً, يكون منها مسلم وكافر, وإذا كان من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله, فلا يبعد أن يكون من الكفار من هو أدنى إلى غضب الله, فيدخله النار بغير حساب) (١). والواقع أن الإجابة تحتاج إلى تفصيل أكثر لطوائف الناس, وسنذكر فيما يلي تفصيل ما قيل عن كل طائفة: ١ - أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ففي محاسبة الله تعالى لهم خلاف بين العلماء, وسبب الخلاف فيهم هو ما جاء فى قوله تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إليهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] فإن هذه الآية تدل على أن الله يحاسب جميع البشر؛ الرسل والمرسل إليهم, وهذا هو ما يذهب إليه بعض العلماء. قال الرازي في إثبات أن السؤال يقع على الأنبياء والأمم أيضاً: (المسألة الثانية: الذين أرسل إليهم هم الأمة, والمرسلون هم الرسل, فبين تعالى أنه يسأل هذين الفريقين. قال: ونظير هذه الآية قوله: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢, ٩٣]) (٢) وقال أيضاً في معرض عده للمسائل التي اشتملت عليها الآية: (المسألة الرابعة: الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده؛ لأنهم لا يخرجون عن أن يكون رسلاً أو مرسلاً إليهم, ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار) (٣). ويذكر ابن كثير أن الله تعالى يسأل الأنبياء عن تبيلغ أقوامهم رسالة الله تعالى, فقال: (فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به, ويسأل الرسل أيضاً عن إبلاغ رسالاته. ثم نقل عن ابن عباس في تفسير الآية: أن الله يسأل الرسل عما بلغوا) (٤) ويذكر الشوكاني في معنى الآية: وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] (أن السؤال للأنبياء الذين بعثهم الله: أي نسألهم عما أجاب به أمهم عليهم, ومن أطاع منهم ومن عصى, وقيل: المعنى فلنسألن الذين أرسل إليهم يعني الأنبياء, ولنسألن المرسلين يعني الملائكة) (١). وقال السفاريني عن مسألة حسابهم: (والجواب أنه لاحساب على الأنبياء ﵈ على سبيل المناقشة والتقريع). (٢) ويقول النسفي فيما ينقله عنه السفاريني: (الأنبياء لاحساب عليهم, وكذلك أطفال المؤمنين, وكذلك العشرة المبشرة بالجنة, هذا فى حساب المناقشة, وعموماً الآيات الكريمة مخصوص بأحاديث من يدخل الجنة بغير حساب, ولهذا قال علماؤنا في عقائدهم: ويحاسب المسلمون المكلفون, إلا من شاء الله أن يدخل الجنة بغير حساب وكل مكلف مسؤول, ويسأل من شاء من الرسل عن تبليغ الرسالة, ومن شاء من الكفار عن تكذيب الرسل) (٣). وعلى القول بأنهم يسألون – ومعلوم أنه لا ذنوب لهم ليحاسبوا عليها – فما المقصود من وقوع السؤال عليهم؟

стр. 1962

أجاب الرازي عن ذلك بقوله: (فإن قيل: فما الفائدة فى سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟ قلنا لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؛ التحق التقصير بكليته بالأمة؛ فيضاعف إكرام الله فى حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير, ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة فى حق الكفار لما ثبت أن كل التقصير كان منهم) (٤). فالذي يظهر أن إطلاق القول بأن الأنبياء يسألون؛ أن المقصود به مساءلتهم عن تبليغهم الدعوة إلى أقوامهم, وهو مجرد مساءلة لزيادة إقامة الحجة على العصاة, وليس مساءلة مناقشة وتقريع, كما ظهر مما سبق. وأما إطلاق القول بأنهم لا يسألون, فالمراد به ما تقدم من أنهم لا يسألون سؤال مناقشة واستظهار. وإذا كان قد ثبت أن طائفة من أتباع الأنبياء يدخلون الجنة بغير حساب, فكيف بالأنبياء الذين لهم المزية الأولى في كل تكريم؟ قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عن مساءلة الأنبياء: (وسؤال الله للرسل مَاذَا أُجِبْتُمْ [المائدة: ١٠٩] لتوبيخ الذين كذبوهم, كسؤال الموءودة بأي ذنب قتلت لتوبيخ قاتلها) (٥). ٢ - وأما بقية المؤمنين بصورة عامة: فلا ريب أن الله تعالى يحاسبهم محاسبة من توزن حسناته وسيئاته, وبالحساب يمتاز بعضهم على بعض بالدرجات؛ نتيجة لثقل موازينهم وخفتها فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧ - ٨] وقد قدمنا ذكر للنصوص التي تدل على محاسبة الله تعالى عباده المؤمنين. وأما أولئك السبعون الألف الذين ورد النص بأنهم لا يحاسبون, فهو إكرام من الله تعالى لنبينا محمد صلي الله عليه وسلم لأمته. قال النووي فى تعليقه على هذا الحديث: (إن فيه عظم ما أكرم الله به النبي صلي الله عليه وسلم وأمته, زادها الله فضلاً وشرفاً) (١) وقال السفاريني: (ثبت فى عدة أخبار عن النبى المختار ﷺ – ما كر الليل على النهار – أن طائفة من هذه الأمة بلا ارتياب يدخلون الجنة بغير حساب, فيدخلون جنات النعيم قبل وضع الموازين, وأخذ الصحف بالشمال واليمين). (٢) ومصداق هذا ما جاء عن ابن عباس ﵄ عن النبي صلي الله عليه وسلم فى السواد الذي رفع له كما مر, وعن أبي أمامة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ((إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألف بغير حساب, فقال يزيد الأخنس: والله ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذبان, فقال رسول الله: فإن ربي قد وعدني سبعين ألفاً مع كل ألف سبعين ألفاً, وزادني ثلاث حثيات, قال فما حوضك؟ قال: ما بين عدن إلى عمان, وأوسع وأوسع – يشير بيده – قال: فيه مثعبان من ذهب وفضة. قال: فما حوضك يا نبي الله؟ قال: أشد بياضاً من اللبن, وأحلى من العسل, وأطيب من رائحة المسك, من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً, ولم يسود وجهه أبداً)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ((سألت الله تعالى الشفاعة لأمتي, فقال لك سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب, قلت ربي زدني, فحثا لي بيديه مرتين, وعن يمينه, وعن شماله)) (١). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩٤٥

стр. 1963

المطلب الأول: الكفر والشرك فيسألهم عن الشركاء والأنداد الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، قال تعالى: وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ [الشعراء:٩٣]، ويسألون عن عبادتهم لغير الله من تقديم القرابين للآلهة التي كانوا يعبدونها. قال تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ [النحل:٥٦]، ويسألون عن تكذيبهم للرسل: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءلُونَ [القصص:٦٦]. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢١٦

стр. 1964

المطلب الثاني: ما عمله في دنياه يسأل المرء في يوم القيامة عن جميع أعماله التي عملها في الحياة الدنيا كما قال تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:٩٢ - ٩٣] وعن أبى برزة الأسلمى قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه)) (١). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢١٧

стр. 1965

المطلب الثالث: النعيم الذي يتمتع به يسأل الله عباده في يوم القيامة عن النعيم الذي خولهم إياه في الدنيا، كما قال: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: ٨]. يعني بالنعيم شبع البطون، وبارد الماء، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم، وقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل. وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا. وقال الحسن البصري: من النعيم الغذاء والعشاء. وقال أبو قلابة: من النعيم أكل السمن والعسل بالخبز النقي. وعن ابن عباس: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار (١) وهذا الذي فسروها به من باب التنوع في التفسير، فإن أصناف النعيم كثيرة لا تعد ولا تحصى وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل:١٨]، وبعض أنواع النعيم من الضروريات وبعضها من الكماليات، والناس يتفاوتون في ذلك فيما بينهم، ويوجد في عصر ما لا يجده أهل عصور أخرى، وفي بلد ما لا يجده أهل بلاد أخرى، وكل ذلك يسأل عنه العباد. روى الترمذي بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك؟ ونرويك من الماء البارد)) (٢). وبعض الناس لا يستشعر النعم العظيمة التي وهبه الله إياها، فلا يدرك النعمة التي في شربة الماء، ولقمة الطعام، وفيما وهبه الله من مسكن وزوجة وأولاد، ويظن أن النعم تتمثل في القصور والبساتين والمراكب فحسب، فقد سأل رجل عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبدالله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. فأنت من الأغنياء. قال فإن لي خادماً. قال: فأنت من الملوك. (٣) وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)) (٤)، ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون. وفي (مسند أحمد) أن رسول الله ﷺ قال: ((لا بأس بالغنى لمن اتقى الله ، والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى، وطيب النفس من النعم)) (٥). وفي بعض الأحاديث النبوية بيان من الرسول ﷺ عن صورة من صور السؤال عن النعيم الذي يواجه الله به عباده في ذلك اليوم، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((يلقى (الرب) العبد فيقول: أي فُل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ قال: فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فُل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. أي رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع. فيقول: ههنا اذن. قال: ثم يقال له: الآن نبعث عليك شاهداً عليك، ويتفكر في نفسه، من ذا يشهد علي؟ فيختم الله على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه. وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه)). (٦) والسؤال عن النعيم سؤال عن شكر العبد لما أنعم الله به عليه، فإذا شكر فقد أدى حق النعمة، وإن أبى وكفر، أغضب عليه الله، ففي (صحيح مسلم) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها)) (٧). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢١٨

стр. 1966

المطلب الرابع: العهود والمواثيق يسأل الله عباده عما عاهدوه عليه وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً [الأحزاب: ١٥]، وكل عهد مشروع بين العباد فإن الله سائل العبد عن الوفاء به: وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً [الإسراء: ٣٤] القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٢١

стр. 1967

المطلب الخامس: السمع والبصر والفؤاد يسأل الله العباد عن جميع ما يقولونه، ولذلك حذرهم من القول بلا علم وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء: ٣٦]، قال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله. قال ابن كثير: ومضمون ما ذكروه في الآية: أن الله نهى عن القول بغير علم، بل بالظن، الذي هو التوهم والخيال. كما قال تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:١٢]، وفي الحديث: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) (١)، وفي (سنن أبي داود): ((بئس مطية الرجل زعموا)) (٢)، وفي الحديث الآخر: ((إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا)) (٣) وفي (الصحيح): ((من تحلم حلماً كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل)) (٤). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٢١

стр. 1968

المبحث السابع: أول من يحاسب من الناس يحاسب الله البشر في أسرع وقت كما ذكر, سبحانه لا يشغله شأن عن شأن, وقد اختلفت أقوال العلماء في ذكر أول من يحاسب في يوم القيامة من الجماعات أو الأفراد, هل هم الملائكة؟ أم هو اللوح المحفوظ؟ أم هم الأنبياء والرسل؟ أم أرباب الأموال والسعة؟ أم أنهم أول من تبارزوا في يوم بدر؛ علي بن أبي طالب, وحمزة, وعبيدة, وأقرانهم من المشركين؟ أم أن أول المحاسبين جاران من أمة محمد ﷺ ؟ أم الزوج وزوجته؟. كل ذلك قد قيل, ونوضح فيما يلي أدلة تلك الأقوال والجمع بينها: - أما ما جاء من أنهم الملائكة: فهو ما روى ابن أنعم عن حبان بن أبي جيلة فيما يعزوه البرديسي قال: (أول من يدعى يوم القيامة إسرافيل, فيقول الله ثناؤه: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم يا رب, فيخلى عن إسرافيل, ويقول لجبريل: ما صنعت بعهدي؟ فيقول: بلغت الرسل, فتدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم فيخلى جبريل. ويقال للرسل: هل بلغتم عهدي؟ فيقولون: نعم قد بلغناه الأمم, فتدعى الأمم فيقال: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمكذب, ومصدق, فتقول الرسل: لنا عليكم شهداء, فيقول الله ﵎ وهو أعلم: من؟ فيقولون: أمة محمد ﷺ , فيقال لهم: أتشهدون أن الرسل قد بلغت الأمم؟ فتقول الأمم: يا رب, كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟ فيقول الله : تشهدوا عليهم ولم تدركوهم؟ فيقولون: يا ربنا أرسلت إلينا رسولاً, وأنزلت علينا كتاباً, فقصصت علينا فيه أن قد بلغوا قولك) (١). - وأما ما جاء من أول المحاسبين اللوح المحفوظ: فهو ماجاء عن سنان أنه قال: (اللوح المحفوظ معلق بالعرش, فإذا أراد الله أن يوحي بشئ كتب في اللوح المحفوظ, فيجيء اللوح حتى يقرع جبهة إسرافيل, فينظر فيه, فإن كان لأهل السماء دفعه إلى ميكائيل, وإن كان لأهل الأرض دفعه إلى جبريل. فأول ما يحاسب يوم القيامة اللوح المحفوظ, يدعى به ترعد فرائصه, فيقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم, فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: إسرافيل، فيجاء بإسرافيل ترعد فرائصه, فيقال: هل بلغك اللوح؟ فإذا قال: نعم؛ قال اللوح: الحمد لله الذى نجاني من سوء الحساب, ثم كذلك). وفى حديث وهب بن الورد أن ((إسرافيل ﵇ يقول: بلغت جبريل, فيدعى جبريل ﵇ ترعد فرائصه, فيقال: ما صنعت فيما بلغك إسرافيل؟ فيقول: بلغت الرسل، فيؤتى بالرسل فيقال: ما صنعتم فيما أدى إليكم جبريل؟ فيقولون: بلغنا الناس, فهو قوله تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إليهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِين [الأعراف: ٦])) (٢). وأما ما جاء من أن أول المحاسبين الأنبياء والرسل فقد قال البرديسي: (فيبدأ بالأنبياء عليهم الصلاة السلام, فيقول: ماذا أجبتم؟ قيل في تفسيرها: كانوا قد علموا ولكن ذهبت عقولهم, وغربت أفهامهم ونسوا من شدة الهول, وعظيم الخطب, وصعوبة الأمر، فقالوا: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب, ثم يقويهم الله فيدعى بنوح ﵊ (١)

стр. 1969

ثم استدل بما أخرج البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدعى بنوح ﵇ يوم القيامة, فيقول: لبيك وسعديك يا رب, فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير, فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته, فيشهدون أنه قد بلغ, ويكون الرسول عليهم شهيداً, وذلك في قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]. والوسط: العدل, أى عدولاً خياراً, وخير الأمور الوسط)) (٢). - وأما ما جاء من أنهم العلماء, أو المغازون, أو أرباب المال والسعة: فهو ما ذكره السفاريني إلا أنه لم يسنده إلى أحد (٣). - أما ما جاء من أنهم الذين تبارزوا فى يوم بدر: فهو ما أخرج البخاري بسنده إلى علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ((أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة)) (١). وروى كذلك عن قيس بن عباد وعن أبي ذر عن علي بن أبي طالب أن الآية من قوله تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩]. أنها نزلت في شأن الذين تبارزوا يوم بدر, وهم حمزة, وعلي, وعبيدة – أبو عبيدة – ابن الحارث, وشيبة بن ربيعة, وعتبة, والوليد بن عتبة (٤). - وأما ما جاء من أنهم جاران: فهو ما روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((أول خصمين يوم القيامة جاران)) (١). ويجمع بين تلك الأقوال: أن ما صح من تلك الأقوال والروايات فإنه يحمل على أولية مقيدة فى بابها, على أن هذه الروايات التي تقدمت تحتاج إلى نصوص تؤيدها ... وأما بالنسبة للأمم, فقد جاء في السنة أن أول الأمم يقضي الله بينهم هم أمة محمد ﷺ , وهذه مزية ومفخرة لهم؛ ليكونوا شهداء على الناس. ومما ورد في هذا ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((نحن آخر الأمم, وأول من يحاسب, يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون)) (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((يجئ النبي ومعه الرجلان. ويجئ النبي ومعه الثلاثة, وأكثر من ذلك وأقل, فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم, فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا, فيقال: من شهد لك؟ فيقول: محمد وأمته, فتدعى أمة محمد, فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم, فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون أخبرنا نبينا بذلك؛ أن الرسل قد بلغوا فصدقناه قال فذلكم قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣])) (١). وورد عن رفاعة الجهني قال: ((صدرنا مع رسول الله ﷺ فقال: والذي نفس محمد بيده ما من عبد يؤمن ثم يسدد إلا سلك به في الجنة, وأرجو ألا يدخلوها حتى تبوؤا أنتم ومن صلح من ذراريكم مساكن في الجنة, ولقد وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب)) (١). وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنكم وفيتم سبعين أمة, أنتم خيرها وأكرمها على الله)) (١). فثبت بهذه النصوص أن أمة محمد ﷺ هم أول الأمم تحاسب, وأول الأمم تدخل الجنة, وفي هذا يقول الحافظ ابن كثير: (ويكون أو الأمم يقضى بينهم هذه الأمة, لشرف نبيها ﷺ ، كما أنهم أول من يدخل على الصراط, وأول من يدخل الجنة). (١) الحياة الآخرة لغالب عواجي- بتصرف- ٢/ ٩٦٩

стр. 1970

المطلب الأول: أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله أول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله ﵎ الصلاة، فإن صلحت أفلح ونجح وإلا خاب وخسر، ففي (سنن الترمذي) و (النسائي) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئاً. قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك)) (١). وفي (سنن أبي داود) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا – – لملائكته: انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا، هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع، قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال بعد ذلك)) (٢). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٢٣

стр. 1971

المطلب الثاني: أنواع الحساب يتفاوت حساب العباد، فبعض العباد يكون حسابهم عسيراً وهؤلاء هم الكفرة المجرمون الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وتمردوا على شرع الله، وكذبوا بالرسل، وبعض عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويعسر بسبب كثرة الذنوب وعظمها. وبعض العباد يدخلون الجنة بغير حساب، وهم فئة قليلة لا يجاوزون السبعين ألفاً، وهم الصفوة من هذه الأمة، والقمم الشامخة في الإيمان والتقى والصلاح والجهاد، وسيأتي ذكرهم وصفتهم عند الحديث عن أهل الجنة وبعض العباد يحاسبون حساباً يسيراً، وهؤلاء لا يناقشون الحساب، أي لا يدقق، ولا يحقق معهم، وإنما تعرض عليهم ذنوبهم ثم يتجاوز لهم عنها. وهذا معنى قوله ﵎: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٧ - ٨]، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٧ - ٨]، فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)) (١). قال النووي في شرحه للحديث: معنى نوقش الحساب: استقصي عليه. قال القاضي: وقوله: (عذب) له معنيان: أحدهما: أن نفس المناقشة وعرض الذنوب والتوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ. والثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: (هلك) مكان (عذب) هذا كلام القاضي. قال النووي: وهذا الثاني هو (الصحيح)، ومعناه أن التقصير غالب في العباد فمن استقصي عليه، ولم يسامح هلك، ودخل النار، ولكن الله تعالى: يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. ونقل ابن حجر عن القرطبي في معنى قوله: إنما ذلك العرض، قال: إن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منَّة الله عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة. والمراد بالعرض - كما هو ظاهر من هذه الأحاديث - عرض ذنوب المؤمنين عليهم، كي يدركوا مدى نعمة الله عليهم في غفرانها لهم. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٢٤

стр. 1972

المطلب الثالث: أمثلة من السنة للمناقشة والعرض والمعاتبة ورد في السنة النبوية مشاهد للمناقشة والعرض والمعاتبة التي تكون من الله لعباده، وسنسوق لكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة مشهداً مما صح في السنة. - مناقشة المرائين روى مسلم والترمذي والنسائي عن شفي بن ماتع الأصبحي ﵀ أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت له: أسألك بحق وحق، لما حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: ((أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ ، عقلته وعلمته، ثم نشغ أبو هريرة نشغة، فمكثنا قليلاً، ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، ثم أفاق ومسح عن وجهه، وقال: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ ، أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خاراً على وجهه، فأسندته طويلاً، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله ﷺ : أن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، وقد قيل ذلك. ويؤتى بصحاب المال فيقول الله: ألم أوسع عليك، حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقيل ذلك. ثم يؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة)). قال الوليد أبو عثمان المدائني: فأخبرني عقبة بن مسلم: أن شفياً هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا. قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم: أنه كان سيافاً لمعاوية، فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هكذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديداً، حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاء هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود: ١٥ - ١٦]. أخرجه الترمذي. (١)

стр. 1973

وفي رواية مسلم والنسائي عن سليمان بن يسار: قال: ((تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له ناتل أخو أهل الشام: أيها الشيخ حدثني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، فقال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأوتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالمٌ، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه بنعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار)) (١). - عرض الرب ذنوب عبده عليه عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد: هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨])) (٢). قال القرطبي في قوله: فيضع عليه كنفه أي: ستره ولطفه وإكرامه، فيخاطب خطاب ملاطفة، ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة، فيقول له: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، فيقول الله ممتناً عليه، ومظهراً فضله لديه: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، أي لم أفضحك بها فيها، وأنا أغفرها لك اليوم. - معاتبة الرب عبده فيما وقع منه من تقصير وقد حدثنا الرسول ﷺ عن معاتبة الرب لعبده يوم القيامة، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى: يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني؟ قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، استسقتيك فلم تسقني؟ قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه؟ أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي؟)) (٣). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٢٦ - إيتاء العباد كتبهم في ختام مشهد الحساب يعطى كل عبد كتابه المشتمل على سجل كامل لأعماله التي عملها في الحياة الدنيا وتختلف الطريقة التي يؤتى بها العباد كتبهم، فأما المؤمن فإنه يؤتى كتابه بيمينه من أمامه، فيحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله في الجنة مسروراً فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق: ٧ - ٩]، وإذا اطلع المؤمن على ما تحويه صحيفته من التوحيد وصالح الأعمال سر واستبشر، وأعلن هذا السرور، ورفع به صوته، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة: ١٩ - ٢٤]. وأما الكافر والمنافق وأهل الضلال فإنهم يؤتون كتبهم بشمالهم من وراء ظهورهم، وعند ذلك يدعو الكافر بالويل والثبور، وعظائم الأمور: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق: ١٠ - ١٢]. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٢٥ - ٣١]. وعندما يعطى العباد كتبهم يقال لهم: هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩]. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٣٠

стр. 1974

المبحث التاسع: التفاضل في الحساب قسم الله عباده في الحساب قسمين: الأول: من يكون حسابه يسيراً وهم أهل اليمين، قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٧ - ٨]. الثاني: من يلقى سوء الحساب وهم أهل جهنم، قال تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [الرعد: ١٨]. وفي نصوص السنة دلالة على أن المؤمنين في الحساب ثلاثة أصناف: فصنف لا يحاسب، وهؤلاء طائفة من أمة محمد ﷺ أخبر عنهم ﷺ , وعدتهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب، ففي الحديث: ((عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سواداً سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل: انظر، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب)) (١). وفي رواية: ((هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب)) (٢). فهذه زيادة فضيلة لهؤلاء أنهم يتقدمون الأمة، وجاء في وصفهم أنهم يدخلون الجنة: ((متماسكين آخذ بعضهم ببعض، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر)) (٣). وفي حديث آخر أنهم يدخلون زمرة واحدة (٤). وفي رواية في الصحيحين: ((سبعون ألفاً، أو سبعمائة ألف)) شك من الراوي (٥). ووقع في أحاديث أخرى في غير الصحيحين أن مع السبعين ألفاً زيادة عليهم (٦). والصنف الثاني: لا يناقشون الحساب، وإنما تعرض أعمالهم ثم يتجاوز لهم عنها، ففي الحديث أن النبي ﷺ قال: ((من نوقش الحساب عذب)) فقالت عائشة: ((أو ليس يقول الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا – فقال: إنما ذلك العرض, ولكن من نوقش الحساب يهلك)) (٧). وعن عائشة ﵂ قالت: ((سمعت النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حساباً يسيراً, فلما انصرف قلت: يا نبي الله ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه – (وفي رواية قال: الرجل تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها) – أن من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك)) (٨).

стр. 1975

والصنف الثالث: يناقشون الحساب ويسألون فيه عن أعمالهم، يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته (١). ومن أمثلة هذا الصنف الذي يناقش الحساب وتوزن حسناته وسيئاته صاحب البطاقة الذي قال فيه ﷺ : ((إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فبهت الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: احضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء)) (٢). فهذه دلائل على تفاضل المؤمنين في الحساب. وفي هذا الباب تظهر فضيلة خص الله بها أمة محمد ﷺ وهي اختصاصها بشهادتها للأنبياء على أممهم, وبشهادة رسولهم ﷺ عليها، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]. وقال : هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ [الحج: ٧٨]. وتكون شهادة هذه الأمة على نحو ما قال ﷺ : ((يجيء نوح وأمته، فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول محمد ﷺ وأمته، فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله جل ذكره: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ والوسط: العدل)) (٣). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي –ص: ٣٩٨

стр. 1976

تمهيد يقتص الحكم العدل في يوم القيامة للمظلوم من ظالمه، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، حتى الحيوان يقتص لبعضه من بعض، فإذا انططحت شاتان إحداهما جلحاء لا قرون لها، والأخرى ذات قرون، فإنه يقتص لتلك من هذه، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) (١). والذي يعتدي على غيره بالضرب، يقتص منه بالضرب في يوم القيامة، ففي الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري في (الأدب المفرد) والبيهقي في (السنن)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ضرب بسوط ظلماً، اقتص منه يوم القيامة)). وفي (معجم الطبراني الكبير) عن عمار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ضرب مملوكه ظالماً، أقيد منه يوم القيامة)) (٢). وإسناده صحيح والذي يقذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد في يوم القيامة، إن كان كذاباً فيما رماه به، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : ((من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال)) (٣). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٣٧

стр. 1977

المبحث الأول: كيف يكون الاقتصاص في يوم القيامة إذا كان يوم القيامة كانت ثروة الإنسان ورأس ماله حسناته، فإذا كانت عليه مظالم للعباد فإنهم يأخذون من حسناته بقدر ما ظلمهم، فإن لم يكن له حسنات أو فنيت حسناته، فإنه يؤخذ من سيئاتهم فيطرح فوق ظهره. ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) (١). وهذا الذي يأخذ الناس حسناته، ثم يقذفون فوق ظهره بسيئاتهم هو المفلس، كما سماه الرسول ﷺ ، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي، من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)) (٢). والمدين الذي مات، وللناس في ذمته أموال يأخذ أصحاب الأموال من حسناته بمقدار ما لهم عنده، ففي (سنن ابن ماجه) بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات وعليه دينار أو درهم، قضى من حسناته، ليس ثم دينار ولا درهم)) (٣). وإذا كانت بين العباد مظالم متبادلة اقتص لبعضهم من بعض، فإن تساوى ظلم كل واحد منهما للآخر كان كفافاً لا له ولا عليه، وإن بقي لبعضهم حقوق عند الآخرين أخذها. ففي (سنن الترمذي) عن عائشة، قالت: ((جاء رجل فقعد بين يدي الرسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يكذبونني، ويخونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك، ولا عليك. وإن كان عقابك إياهم دون ذنبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل فتنحى الرجل، وجعل يهتف ويبكى. فقال له رسول الله ﷺ : أما تقرأ قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:٤٧])) (٤). ولما كان هذا شأن الظلم فحريٌّ بالعباد الذين يخافون ذلك اليوم أن يتركوه ويجتنبوه وقد أخبر الرسول ﷺ أن الظلم يكون ظلمات في يوم القيامة، ففي (صحيح البخاري) و (مسلم) عن عبدالله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((الظلم ظلمات يوم القيامة)) (٥). وفي (صحيح مسلم) عن جابر بن عبدالله أن رسول الله ﷺ : ((اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)) (٦). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٣٨

стр. 1978

المبحث الثاني: عظم شأن الدماء من أعظم الأمور عند الله أن يسفك العباد بعضهم دم بعض في غير الطريق الذي شرعه الله ﵎، ففي الحديث الصحيح الذي يرويه الترمذي عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: ((يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل، فيقول: يا رب، هذا قتلني: فيقول: لم قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العزة لك. فيقول: فإنها لي. ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل، فيقول: إي رب، إن هذا قتلني. فيقول الله: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان. فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوء بإثمه)) (١) وفي (السنن) للترمذي، وأبي داود، وابن ماجه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً، فيقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ حتى يدنيه من العرش)). (٢) ولعظم أمر الدماء فإنها تكون أول شيء يقضى فيه بين العباد. فقد روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبدالله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)) (٣). قال ابن حجر في شرحه للحديث: وفي الحديث عظم أمر الدم، فإن البداءة إنما تكون بالأهم، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة، وإعلام البنية الإنسانية غاية في ذلك. ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث أن أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، قال ابن حجر العسقلاني: ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة رفعه: ((إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته)) (٤) الحديث أخرجه أصحاب (السنن)، لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق. والثاني: فيما يتعلق بعبادة الخالق. وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين، ولفظه: ((أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء)) (٥). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٠

стр. 1979

المبحث الثالث: الاقتصاص للبهائم بعضها من بعض يقضي الله بين خلقه: الجن والإنس والبهائم، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال الله: كونوا تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ: ٤٠]. هذا حديث أخرجه ابن جرير في (تفسيره) بإسناده إلى أبي هريرة يرفعه (١)، وفي رواية أخرى أخرجها ابن جرير أيضاً عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله يحشر الخلق كلهم، كل دابة وطائر وإنسان، يقول للبهائم والطير: كونوا تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ: ٤٠])) (٢). وعن ابن جرير أيضاً عن عبدالله بن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يحصل القصاص بين الدواب، يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب، قال لها: كوني تراباً، قال فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ: ٤٠] (٣) وأخرج مسلم في (صحيحه) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) (٤) وأخرج أحمد في (مسنده) بإسناد رجاله رجال (الصحيح) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء، وحتى الذَّرة من الذَّرة)) (٥) وفي (المسند) أيضاً عن أبي هريرة يرفعه: ((ألا والذي نفسي بيده ليختصمن كل شيء يوم القيامة، حتى الشاتان فيما انتطحتا)). (٦)

стр. 1980

وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي ذر ((أن رسول الله ﷺ رأى شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا. قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما)). (١) كيف يقتص من البهائم وهي غير مكلفة؟ أشكل على كثير من أهل العلم هذا الذي ذكره الرسول ﷺ من حشر البهائم والاقتصاص لبعضها من بعض، وقد وضح هذا النووي في شرحه على صحيح مسلم فقال: هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة، وإعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين، وكما يعاد الأطفال والمجانين، ومن لم تبلغه دعوة. وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة، قال الله تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥] وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع، وجب حمله على ظاهره. قال العلماء: وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب. وأما القصاص من القرناء الجلحاء فليس هو من قصاص التكليف، إذ لا تكليف عليها، بل هو قصاص مقابلة، و (الجلحاء) بالمد هي الجماء التي لا قرن لها. والله أعلم. قال الشيخ ناصر الدين الألباني بعد إيراده هذه الفقرة من كلام النووي: وذكر نحوه ابن مالك (٢). ونقل عنه العلامة الشيخ علي القاري في (المرقاة) (٣) أنه قال: فإن قيل: الشاة غير مكلفة، فكيف يقتص منها؟ قلنا: إن الله تعالى: فعال لما يريد، ولا يُسأل عما يفعله، والغرض منه إعلام أن الحقوق لا تضيع، بل يقتص حق المظلوم من الظالم. قال القاري: وهو وجه حسن، وتوجيه مستحسن، إلا أن التعبير عن الحكمة بـ (الغرض) وقع في غير موضعه. وجملة الأمر أن القضية دالة بطريق المبالغة على كمال العدالة بين كافة المكلفين، فإنه إذا كان هذا حال الحيوانات الخارجة عن التكليف، فكيف بذوي العقول من الوضيع والشريف، والقوي والضعيف؟. وعقب على هذا الشيخ ناصر قائلاً: ومن المؤسف أن ترد كل هذه الأحاديث من بعض علماء الكلام بمجرد الرأي، وأعجب منه أن يجنح إليه العلامة الألوسي! فقال بعد أن ساق الحديث عن أبي هريرة من رواية مسلم ومن رواية أحمد بلفظ الترجمة عند تفسيره آية: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥] في تفسيره: (روح المعاني) (٤): ومال حجة الإسلام الغزالي وجماعة إلى أنه لا يحشر غير الثقلين لعدم كونه مكلفاً، ولا أهلاً لكرامة بوجه، وليس في هذا الباب نص من كتاب أو سنة معول عليها يدل على حشر غيرهما من الوحوش، وخبر مسلم والترمذي وإن كان صحيحاً، لكنه لم يخرج مخرج التفسير للآية، ويجوز أن يكون كناية عن العدل التام. وإلى هذا القول أميل، ولا أجزم بخطأ القائلين بالأول، لأن لهم ما يصلح مستنداً في الجملة. والله تعالى أعلم. قلت (الشيخ ناصر): كذا قال - عفا الله عنا وعنه - وهو منه غريب جداً لأنه على خلاف ما نعرفه عنه في كتابه المذكور، من سلوك الجادة في تفسير آيات الكتاب على نهج السلف، دون تأويل أو تعطيل، فما الذي حمله هنا على أن يفسر الحديث على خلاف ما يدل عليه ظاهره، وأن يحمله على أنه كناية عن العدل التام، أليس هذا تكذيباً للحديث المصرح بأنه يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء، فيقول هو تبعاً لعلماء الكلام: إنه كناية! أي لا يقاد للشاة الجماء. وهذا كله يقال لو وقفنا بالنظر عند رواية مسلم المذكورة، أما إذا انتقلنا به إلى الروايات الآخرى كحديث الترجمة، وحديث أبي ذر وغيره، فإنها قاطعة في أن القصاص المذكور هو حقيقة وليس كناية، ورحم الله الإمام النووي، فقد أشار بقوله السابق: وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع وجب حمله على ظاهره. قلت: أشار بهذا إلى رد التأويل المذكور، وبمثل هذا التأويل أنكر الفلاسفة وكثير من علماء الكلام كالمعتزلة وغيرهم رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وعلوه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة، ومجيئه تعالى يوم القيامة، وغير ذلك من آيات الصفات وأحاديثها. وبالجملة: فالقول بحشر البهائم والاقتصاص لبعضها من بعض هو الصواب الذي لا يجوز غيره، فلا جرم أن ذهب إليه الجمهور كما ذكر الألوسي نفسه في مكان آخر من (تفسيره) (٥)، وبه جزم الشوكاني في تفسير آية (التكوير) من تفسيره (فتح القدير) (٦) فقال: الوحوش ما توحش من دواب البر، ومعنى حُشِرَتْ بعثت، حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٢

стр. 1981

المبحث الرابع: متى يقتص للمؤمنين بعضهم من بعض في (صحيح البخاري) عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إذا خلص المؤمنون من النار، حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهذِّبوا، أذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا)) (١). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٦

стр. 1982

الفصل الثاني عشر: الميزان • المبحث الأول: تعريف الميزان لغة واصطلاحاً. • المبحث الثاني: أدلة إثبات الميزان. • المبحث الثالث: وجوب الإيمان بالميزان, وإجماع الأمة على ذلك. • المبحث الرابع: حقيقة الميزان عند أهل السنة. • المبحث الخامس: صفات الميزان. • المبحث السادس: الأقوال في الموزون. • المبحث السابع: حكمة الله تعالى في وزن أعمال العباد والرد على من ينكره.

стр. 1983

المبحث الأول: تعريف الميزان لغة واصطلاحاً • المطلب الأول: تعريف الميزان في اللغة. • المطلب الثاني: الميزان في الاصطلاح.

стр. 1984

المطلب الأول: تعريف الميزان في اللغة قال الليث: (الوزن ثقل شيء بشيء مثله). وقد أطلقت لفظة الوزن والميزان على عدة معان, فهو يطلق ويراد به بيان قدر الشيء وقيمته, أوخسة الشيء وسقوطه, كما قال تعالى: فلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥]. قال أبو العباس: قال ابن الأعرابي: العرب تقول: (ما لفلان عندنا وزن أي قدر؛ لخسته، ويقال: وزن الشئ إذا قدره, وزن ثمر النخيل إذا خرصه). وذكر الأزهري - بعدما تقدم من تلك المعاني اللغوية: أن الميزان يأتي في باب اللغة مراداً به الميزان ذي الكفات, ويأتي مراداً به العدل أيضاً, كما يأتي ويراد به الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. ثم قال: وهذا كله في باب اللغة والاحتجاج سائغ (١). وقال الراغب: الوزن معرفة قدر الشيء ... والمتعارف في الوزن عند العامة ما يقدر بالقسط والقبان. ثم ذكر بعض الآيات التي تدل على أنه يأتي مراداً به المعدلة في جميع ما يتحراه الإنسان من الأفعال والأقوال, مثل قوله تعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ. [الشعراء: ١٨٢]، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ [الرحمن: ٩]. وأنه يأتي بمعنى العدل في محاسبة الناس, كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] (٢) أما الميزان؛ فهو: (الآلة التي يوزن بها الأشياء) ويجمع على: موازين. (وجائز أن يقال للميزان الواحد - بأوزانه وجميع آلته - الموازين, قال الله : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] يريد نضع الميزان ذا القسط. وسيأتي تفصيل هذا. وجاء إطلاق الموازين على الأعمال: كما قال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨] قال الأزهري: (أراد والله أعلم -: فمن ثقلت أعماله التي هي حسناته). (٣) وذكر الراغب: (أن مجيء الميزان على صيغة الجمع تارة, ومجيئه تارة أخرى بالإفراد فإنما هو باعتبار المحاسب والمحاسبين, فمجيئه بلفظ الواحد اعتباراً بالمحاسب، ومجيئه بالجمع اعتباراً بالمحاسبين) (١). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٠٨٣

стр. 1985

المطلب الثاني: الميزان في الاصطلاح أما المراد بالميزان في الاصطلاح الشرعي فهو الميزان الذي أخبر الله تعالى عنه في كثير من آيات القرآن الكريم. وأخبر عنه رسول الله ﷺ في الأحاديث الشريفة في أكثر من مناسبة, تنويها بعظم شأنه وخطورة أمره. وهو ميزان حقيقي, له لسان وكفتان توزن به أعمال العباد, خيرها وشرها, وقد أخبر الله تعالى عنه في القرآن الكريم إخباراً مجملاً من غير تفصيل لحقيقته, وجاءت السنة النبوية فبينته. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٠٨٥

стр. 1986

تمهيد ثبت ميزان الأعمال الذي ينصبه المولى جلت قدرته لإظهار مقادير أعمال الخلق الذين يحاسبهم في موقف فصل القضاء ثبوتاً واضحاً, وقد جاء ذكره في كتاب الله تعالى في أكثر من موضع. وجاء ذكره كذلك في سنة المصطفى ﷺ في أكثر من مناسبة, وأجمع على القول به واعتقاده جميع السلف الصالح من أهل الإسلام ممن يعتد بقولهم في باب العقائد. وسنعرض فيما أدلة إثباته: أ – من كتاب الله تعالى ب – ومن سنة نبيه ﷺ الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٠٨٣

стр. 1987

المطلب الأول: أدلة إثبات الميزان من القرآن الكريم ١ – قال تعالى في كتابه الكريم: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ [الأعراف: ٨ - ٩]. ٢ – وقال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧]. ٣ – وقال تعالى: فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]. ٤ – وقال تعالى: فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة: ٦ - ٩] ٥ – وقال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] ودلالة تلك الآيات على إثبات الميزان أمر ظاهر, وقد وصف الله فيها الموازين بالثقل والخفة. ووصفها كذلك بأنها موازين عدل, وأن من ثقل ميزانه فقد أفلح وعاش عيشة راضية, ومن خف ميزانه فقد خسر وهوى إلى جهنم, وإذا كان الأمر كذلك؛ فليستكثر العبد الصالح إذا أراد ثقل موازينه, وليطمئن إلى أنه لا يفوته مما قدم من أعمال الخير شيء. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٠٨٩

стр. 1988

المطلب الثاني: أدلة إثبات الميزان من السنه النبوية وأما أدلة إثبات الميزان من السنة وهي كثيرة – فمنها: إخباره ﷺ بالأمور التي تكون ثقيلة في ميزان العبد إذا فعلها مخلصاً من قلبه, كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن, خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده, سبحان الله العظيم)) (١) وفي قوله: ((كلمتان)) إطلاق كلمة على الكلام, وهو مثل كلمة الإخلاص وكلمة الشهادة و (المعنى: محبوب قائلهما) , (وخص لفظ الرحمن بالذكر لأن المقصود من الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى على عباده؛ حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الكثير). ومعنى وصفهما بالخفة والثقل هو (لبيان قلة العمل وكثرة الثواب). ومعنى وصفهما بالخفة (إشارة إلى قلة كلامهما وأحرفهما ورشقاتهما) قال الطيبي: (الخفة مستعارة للسهولة, وشبه سهولة جريانها على اللسان بما خف من بعض الأمتعة, فلا تتعبه كالشئ الثقيل, وفيه إشارة إلى أن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفس ثقيلة, وهذه سهلة عليها مع أنها تثقل الميزان كثقل الشاق من التكاليف. وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة وخفة السيئة فقال: (لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها؛ فثقلت؛ فلا يحملنك ثقلها على تركها, والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها؛ فلذلك خفت؛ فلا يحملنك خفتها على ارتكابها). (١) وعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : ((الطهور شطر الإيمان, والحمد لله تملأ الميزان, وسبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السموات والأرض والصلاة نور, والصدقة برهان, والصبر ضياء, والقرآن حجة لك أو عليك, كل الناس يغدو, فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)) (٢). قال النووي عن مزية هذا الحديث: هذا حديث عظيم, وأصل من أصول الإسلام, وقد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام. أما معنى (الطهور شطر الإيمان) فإن الشطر معناه النصف, وإذا كان الشطر هو النصف فكيف كان الطهور – الذى أصله النظافة والتنزه – نصف الإيمان؟ اختلف العلماء في ذلك. فقيل معناه: ١ - إن الأجر ينتهي تضعيفه إلى النصف أجر الإيمان. ٢ - وقيل: معناه: إن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا, وكذلك الوضوء لأن الوضوء لايصح إلا مع الإيمان؛ فصار – لتوقفه على الإيمان – في معنى الشطر. ٣ - وقيل: المراد بالإيمان هنا: الصلاة, كما قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] , والطهارة شرط في صحة الصلاة؛ فصارت كالشطر, وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفاً حقيقياً. .. وقد رجح النووي القول الأخير من تلك الأقوال. وزاد فذكر أنه (يحتمل أن يكون معناه أن الإيمان تصديق بالقلب, وانقياد بالظاهر, وهما شطران للإيمان, والطهارة متضمنة الصلاة, فهي انقياد في الظاهر). (٣). ولا يستبعد أن يكون القول الأول هو الراجح أيضاً؛ لأن الرسول ﷺ أخبر عن هذه الفضائل في معرض الترغيب في الأجر. وهذه الألفاظ التي ذكرها الرسول ﷺ من أن ((الحمد لله تملأ الميزان, وسبحان الله والحمد الله تملأ ما بين السموات والأرض)). تفضل عظيم من الله تعالى على عباده, حيث جعل جزاء هذه الكلمات اليسيرة ذلك الأجر العظيم حينما يتقبل الله قولها من العبد, إذ أن ذلك شرط لابد منه. فليس كل من قالها يحصل له هذا الفضل العظيم بمجرد القول وإن لم تتحقق فيه أهلية قبولها. والله تعالى كما أخبر في كتابه الكريم أنه لايقبل إلا من المتقين لا سواهم.

стр. 1989

وأخرج النسائي عن أبي مالك الأشعري أن رسول ﷺ قال: ((إسباغ الوضوء شطر الإيمان, والحمد لله تملأ الميزان .. والتسبيح والتكبير يملأ السموات والأرض والصلاة نور, والزكاة برهان, والصبر ضياء, والقرآن حجة لك أو عليك)) (١). وهذا الحديث دلالته كدلالة الحديث السابق, ومعنى إسباغ الوضوء: أن يتمه كاملاً. والزكاة برهان على إيمان صاحبها, والصبر ضياء له يمشي مستضيئاً به في طريق الصواب. وأخرج الترمذي بسند حسن عن جرير النهدي عن رجل من بني سليم قال: ((عدهن رسول ﷺ في يدي أو في يده: التسبيح نصف الميزان والحمد يملأه, والتكبير يملأ ما بين السموات والأرض, والصوم نصف الصبر, والطهور نصف الإيمان)) (٢). قال أبو عيسي: هذا حديث حسن, وقد رواه شعبة وسفيان الثوري عن أبي اسحاق وفي رواية لأحمد: ((والطهور نصف الميزان)) (٣). وعن مولى لرسول ﷺ أن رسول ﷺ قال: ((بخ بخ, خمس ما أثقلهن في الميزان: لاإله إلا الله, والله أكبر, وسبحان الله, والحمد لله, والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده)) الحديث (٤). وهذا الحديث ظاهر في فضائل تلك الأمور التي ذكرت فيه. وقوله ﷺ : ((بخ بخ)) (هي كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء, وتكرر للمبالغة) (٥). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول ﷺ : ((خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة وهما يسير, ومن يعمل بهما قليل: يسبح الله في دبر كل صلاة عشراً, ويحمده عشراً, ويكبره عشراً, قال: فأنا رأيت رسول ﷺ يعقدهما بيده قال: فتلك خمسون ومائة باللسان, وألف وخمسمائة في الميزان, وإذا أخذت مضجعك تسبحه وتكبره, وتحمده مائة, فتلك مائة باللسان وألف في الميزان, فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟ قالوا: وكيف لا يحصيهما؟ قال: يأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته, فيقول: اذكر كذا, اذكر كذا؛ حتي ينتقل فلعله لا يفعل, ويأتيه وهو في مضجعه, فلا يزال ينومه حتى ينام)) (٦). وما دامت الحسنة بعشر أمثالها, فإن الحسنات ستكون كثيرة جداً أكثر من السيئات, إذ إن الشخص لا يمكن أن يفعل في اليوم ألفين وخمسمائة سيئة, كما أشار الحديث. وأخبر رسول ﷺ عن بعض الأعمال, وأنها تكون ثابتة في ميزان العبد؛ ثواباً على ما عمل من الأعمال التى يوضحها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من احتبس فرساً في سبيل الله, إيماناً بالله وتصديقاً بوعده؛ فإن شبعه, وريه, وروثه, وبوله, في ميزانه يوم القيامة)) (٧). وفي هذا الحديث بيان فضل من احتبس فرساً في سبيل الله تعالى. قال ابن حجر في معني كون روثه في ميزان العبد: (يريد ثواب ذلك, لا أن الأرواث بعينها توزن.

стр. 1990

وعن فائدة تنصيص رسول الله ﷺ على ذكر هذه الأمور, وأنها تكون في ميزان العبد؛ يقول ابن أبي جمرة: يستفاد من هذا الحديث أن هذه الحسنات تقبل من صاحبها؛ لتنصيص الشارع على أنها في ميزانه, بخلاف غيرها, فقد لا تقبل فلا تدخل الميزان) (١). ومثل الحديث السابق أيضاً ما وراه معاذ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((والذي نفس محمد بيده: ما شحب وجه, واغبرت قدم في عمل تبتغي فيه درجات الجنة – بعد الصلاة المفروضة – كجهاد في سبيل الله, ولا ثقل ميزان عبد كدابة تنفق له في سبيل الله, أو يحمل عليها في سبيل الله)) (٢). وأخبر عن ذلك الميزان العظيم, وأنه لا يؤثر فيه الثقل المادي، كما جاء عن أبي هريرة ﵁ عن الرسول الله ﷺ أنه قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة, اقرأوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥])) (٣) وأخرج الترمذي والإمام أحمد, عن أبي الدرداء, أن النبي ﷺ قال: ((ما من شئ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن, وإن الله ليبغض الفاحش البذيء)) (٤). وفي هذين الحديثين إثبات وزن العامل وعمله أيضاً. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع فى كفة, فيوضع ما أحصي عليه؛ فتمايل به الميزان, قال: فيبعث به إلى النار, قال: فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن يقول: لاتعجلوا لا تعجلوا, فإنه قد بقي له, فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله, فتوضع مع الرجل في كفة حتي يميل به الميزان)) (٥). وهذا الحديث _ كذلك دليل على وزن العامل, ووزن صحف الأعمال. ومسألة وزن الله للإنسان وعمله وصحف الأعمال, وما قيل حول ذلك, سيأتي الكلام عنها إن شاء الله فيما بعد مفصلة بأدلتها. وعندما ينصب الميزان يبلغ الخوف والهلع بالناس إلى أقصى حدوده, بحيث ينسي الحبيب حبيبه, ويذهل فيه كل ذي لب عن أهله وعن كل شئ إلا فكره في الميزان وماذا ستكون نتيجة وزن عمله.

стр. 1991

قال أبو داود في (باب ذكر الميزان): عن عائشة ﵂ أنها ذكرت النار فبكت, فقال رسول الله ﷺ : ((ما يبكيك؟ قالت: ذكرت النار فبكيت, فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل؟ وعند الكتاب حين يقال: هاؤم اقرءوا كتابيه, حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه, أم في شماله, أم من وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم)) (١) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٠٩٠ روي (أن داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه, فلما أفاق قال: إلهي من ذا الذي يقدر يملأ كفة حسنته فقال: إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة واحدة). ذكره الفخر (٢)، والثعلبي. وقال عبد الله (٣) بن سلام ﵁: (إن ميزان رب العالمين ينصب للجن والإنس، يستقبل به العرش، إحدى كفتيه على الجنة، والأخرى على جهنم لو وضعت السماوات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه). قال العلامة (٤): (في كلام ابن سلام إن أعمال الجن توزن كما توزن أعمال الإنس، وهو كذلك ارتضاه الأئمة) انتهى. قال القرطبي: (المتقون توضع حسناتهم في الكفة النيرة، وصغائرهم في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزناً، وتثقل الكفة النيرة حتى لا ترتفع، وترفع المظلمة ارتفاع الفارغة الخالية). قال: (وأما الكفار فيوضع كفرهم، وأوزارهم في الكفة المظلمة، وإن كان لهم أعمال بر وضعت في الكفة الأخرى فلا يقاومها إظهار لفضل المتقين، وذل الكافرين) (٥). قلت: الحق أن الكفار لا يقيم الله لهم وزناً والله أعلم. وأخرج الحاكم وصححه عن سلمان ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((يوضع الميزان يوم القيامة, فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعهن، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول: لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك)) (٦). وأخرج البزار، والبيهقي عن أنس ﵁: (أن ملكاً من ملائكة الله موكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، فيؤتى به حتى يوقف بين كفتي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمعه الخلائق باسم الرجل: ألا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خفت ميزانه نادى الملك: ألا شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً) (٧). وذكر الثعلبي، وغيره، وابن جرير في (تفسيره)، وابن أبي الدنيا عن حذيفة ﵁ أنه قال: (صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇ (٨). وقال الحسن (٩): (هو ميزان له كفتان، ولسان، وهو بيد جبريل ﵇. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٢/ ٨٥١

стр. 1992

المبحث الثالث: وجوب الإيمان بالميزان, وإجماع الأمة على ذلك بعد أن ثبت ذكر الميزان في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه ﷺ ؛ لم يبق مجال لوجود أدنى شك في إنكاره. وقد تلقى المسلمون الإيمان بوقوعه, ولم يخالف فيه أحد ممن يعتد بقوله في الإسلام وقد جعله الرسول ﷺ من الأمور التى تعد من ضروريات الإيمان بالله كما في حديث جبريل ﵇ في رواية الإمام أحمد, حينما قال له: )) يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله, واليوم الآخر, والملائكة, والكتاب, والنبيين والموت, والحياة بعد الموت, والجنة, والنار, والحساب والميزان, والقدر كله, خيره وشره, قال: فإذا فعلت ذلك آمنت؟ قال: نعم)) (١). قال ابن بطة في الإبانة: وقد اتفق أهل العلم بالأخبار والعلماء الزهاد العباد في جميع الأمصار: أن الإيمان بذلك _ يعنى الميزان _ واجب لازم. (٢). ويقول السفاريني: والحاصل: أن الإيمان بالميزان _ كأخذ الصحف _ ثابت بالكتاب والسنة والإجماع (٣). وقد ترجم البرديسي لثبوته بقوله: باب: في الموازين والكتب. ثم قال: اعلم أن الموازين حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة (٤). وقد بوب البخاري على إثبات الميزان وما يوزن فيه بقوله: باب: قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن (٥). ومعلوم أن المراد بالميزان _ فيما تقدم _ هو الميزان الحقيقي المعلوم بلسان العرب, الذى توزن به الأشياء, لا الميزان بمعنى العدل أو غيره, كما ذهب إليه من شذ قوله. وقال سفيان بن عيينة: (السنة عشرة, فمن كن فيه فقد استكمل السنة, ومن ترك منها شيئاً فقد ترك السنة: إثبات القدر, وتقديم أبي بكر وعمر, والحوض, والشفاعة, والميزان, والصراط) (٦). وقال الإمام أحمد بن حنبل: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم. إلى أن يقول: والإيمان بالميزان (٧). وهو ما قاله أيضاً شيخه علي بن المديني. وهناك أقوال كثيرة لأهل العلم في إثبات ميزان الأعمال إثباتاً حقيقياً كما أثبته الله تعالى ورسوله ﷺ . الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١١٠١

стр. 1993

المبحث الرابع: حقيقة الميزان عند أهل السنة الميزان عند أهل السنة ميزان حقيقي توزن به أعمال العباد وخالف في هذا المعتزلة، وقلة قليلة من أهل السنة. قال ابن حجر: قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنة، لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال، ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين. وقال ابن فورك: أنكرت المعتزلة الميزان، بناءً منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها. قال: وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن الله تعالى: يقلب الأعراض أجساماً فيزنها. انتهى. وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء، وعزا الطبري القول بذلك إلى مجاهد. والراجح ما ذهب إليه الجمهور. وذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان (١). وعزا القرطبي تفسير الميزان بالعدل إلى مجاهد والضحاك والأعمش. ولعل هؤلاء العلماء فسروا الميزان بالعدل في مثل قوله تعالى: وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن: ٧ - ٩]، فالميزان في هذه الآية العدل، أمر الله عباده أن يتعاملوا به فيما بينهم، أما الميزان الذي ينصب في يوم القيامة فقد تواترت بذكره الأحاديث، وأنه ميزان حقيقي، وهو ظاهر القرآن. وقد رد الإمام أحمد على من أنكر الميزان بأن الله تعالى: ذكر الميزان في قوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]. والنبي ﷺ ذكر الميزان يوم القيامة، فمن رد على النبي ﷺ فقد رد على الله . وقد استدل شيخ الإسلام على أن الميزان غير العدل، وأنه ميزان حقيقي توزن به الأعمال بالكتاب والسنة، فقال: الميزان: هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى:: فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف: ٨]، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف:٩]، وقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]. وفي (الصحيحين) عن النبي ﷺ أنه قال: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) (٢). وقال عن ساقي عبدالله بن مسعود: ((لهما في الميزان أثقل من أحد)) (٣). وفي الترمذي وغيره حديث البطاقة، وصححه الترمذي والحاكم وغيرهما في الرجل الذي يؤتى به، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مد البصر، فيوضع في كفة، ويؤتى ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله. قال النبي ﷺ : ((فطاشت السجلات وثقلت البطاقة)) (٤). وهذا وأمثاله مما يبين أن الأعمال توزن بموازين تبين بها رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس، فهو ما به تبين العدل، والمقصود بالوزن العدل، كموازين الدنيا. وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب. وقد رد القرطبي على الذين أنكروا الميزان وأولوا النصوص الواردة فيه وحملوها على غير محملها قائلاً: قال علماؤنا: ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروه، لجاز حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وهذا كله فاسد، لأنه رد لما جاء به الصادق، وفي (الصحيحين): ((فيعطى صحيفة حسناته)) (٥)، وقوله: فيخرج له بطاقة، وذلك يدل على الميزان الحقيقي، وأن الموزون صحف الأعمال كما بينا وبالله التوفيق. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٨

стр. 1994

المبحث الخامس: صفات الميزان الواقع أن العلماء لم يتفقوا على إثبات أوصاف الميزان _ وقد تقدمت الإشارة إلى بعض الجوانب في وجوب الإيمان بالميزان, ومواقف الناس في ذلك _ وأما خلافهم في ثبوت صفاته فقد انقسموا إلى فريقين: ١ - أما الفريق الأول: فهم المثبتون لصفات الميزان الحسية, من أن له كفتين. .. إلى آخر أوصافه, وهؤلاء وإن أثبتوا هذا لكنهم يرجعون صفة تلك الكفات واللسان إلى علم الله تعالى. ٢ - أما الفريق الآخر: فهم النافون لتلك الصفات. وسنذكر رأي الفريقين فيما يلي: - (١) المثبتون لصفات الميزان: يثبت هؤلاء _ وهم جمهور العلماء _ أن الميزان له كفتان حسيتان مشاهدتان, وله لسان كذلك. يقررون هذه الحقيقة غير ملتفتين إلى من تشمئز قلوبهم من سماعها, لعدم قبول عقولهم لها, وعدم تفهم ما ورد عن المصطفى ﷺ في ذلك. ذلك أن الحق ضالة المؤمن, وما ورد به الشرع هو الذى ينبغي أن يقدم على هوى النفس وحكم العقل. وسنذكر فيما يلي بعض أقوال هؤلاء كأمثلة على ثبوت ما ذكرنا. قال القرطبي - ردًّا على من ينكر الميزان, ويؤول الوزن بأنه من ضرب المثل, وأن الوزن يراد به العدل والقضاء – قال: (وهذا مجاز. وليس بشيء, وإن كان شائعاً في اللغة – للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي, ووصفه بكفتين ولسان, وأن كل كفة منها طباق السموات والأرض) (١). ويعزو القرطبي إلى ابن عباس أنه قال: (توزن الحسنات والسيئات في ميزان له كفتان ولسان) (٢). وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أنه قال: (الميزان له لسان وكفتان, يوزن فيه الحسنات والسيئات, فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان, فتثقل على السيئات؛ فتؤخذ فتوضع في الجنة ... ويؤتى بالسيئات في أقبح صورة فتوضع في كفة الميزان فتخف ... ) (٣). ويقول ابن قدامة: (والميزان له كفتان ولسان، توزن به الأعمال، فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠٢, ١٠٣]) (٤). ويقول أبو الحسن الأشعري في معرض بيانه لاختلاف الناس في الميزان ومبيناً رأي أهل السنة: فقال أهل الحق: (له لسان وكفتان, توزن في إحدى كفتيه الحسنات وفي الأخرى السيئات, فمن رجحت حسناته؛ دخل الجنة, ومن رجحت سيئاته دخل النار, ومن تساوت حسناته وسيئاته, تفضل الله عليه فأدخله الجنة) (٥). ويثبت ابن كثير أن للميزان كفتين حسيتين, ويستدل على هذا من السنة بحديث صاحب البطاقة المشهور وغيره من الأحاديث (٦). وأخرج الطبري عن ابن جريج قال: قال لي عمرو بن دينار: (قوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] قال: إنا نرى ميزاناً وكفتين، سمعت عبيد بن عمير يقول: يجعل الرجل العظيم الطويل في الميزان، ثم لا يقوم بجناح ذباب) (٧). وهو القول الذى رجحه الطبري أيضاً. ويقول ابن أبي العز: (والذى دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان) (٨). وقال أبو إسحاق الزجاج – كما نقل عنه الحافظ ابن حجر: (أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان, وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة, وأن الميزان له لسان وكفتان, ويميل بالأعمال) (٩).

стр. 1995

ويقول السفاريني: (فقد دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي ذو كفتين ولسان, كما قال ابن عباس, والحسن البصري, وصرح بذلك علماؤنا, والأشعرية وغيرهم, وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه) (١). ويقول البرديسي: (وانعقد الإجماع على أنه ميزان حسي له كفتان ولسان يوضع فيه صحف أعمال العباد ليظهر الرابح والخاسر) (٢). ويروى من طريق عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: (ذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان) (٣). وعن سليمان قال: (يوضع الميزان وله كفتان, لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعته) (٤). ويقول الهراس: (وهناك تنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد, وهي موازين حقيقية كل ميزان منها له لسان وكفتان, ويقلب الله أعمال العباد – وهي أعراض – أجساماً لها ثقل, فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة) (٥). ونقتصر في إثبات أن الميزان له لسان وكفتان على ما قدمناه من ذكر أقوال العلماء. وبهذا يتبين أن أهل الحق – أهل السنة والجماعة – يثبتون حقيقة الميزان على ضوء ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ , لا يتأولون معناه, ولا يردون ما جاء في وصفه, ويقولون: الله وحده هو الذي يعلم قدرهما وكيفيتهما. إذ لو لم يكن له لسان وكفتان؛ بل هو بمعنى العدل والقضاء كما ذهب إليه بعض العلماء, لو لم يكن كذلك لما وصف في السنة النبوية بأن له لسانا وكفتين, وأنه يخف ويثقل؛ إذ العدل لا يقال فيه تلك الصفات, فصح أنه ميزان حقيقي يزن الله فيه أعمال العباد, فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة, ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار, على ما علم من مذهب السلف. وإذ كنا نثبت صفات الميزان على ضوء ما جاء به الشرع فإنه لا ينبغي أن نتكلف فنثبت له أوصافاً تحتاج إلى إثبات من الشارع, أو نستند إلى أخبار لم تثبت, فإن الغلو في هذا مذموم. وكمثال على هذا: ما يذهب إليه بعض الناس من أن كفتي الميزان من ذهب (٦). أو القول بأن كفة الحسنات من نور, وكفة السيئات من ظلام (٧). أو أن كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة, وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار (٨). أو ما يقال إن صاحب الميزان يوم القيامة هو جبريل ﵇ (٩). فتلك المسائل كلها تحتاج لإثباتها – فضلاً عن اعتقادها – إلى نص صحيح, فإن بعض العلماء يتساهل فيما يقرره من هذه المسائل, مثل ما يرويه السفاريني بصيغة التضعيف – يروى – (أن داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان, فلما رآه غشي عليه, فلما أفاق قال: إلهي من ذا الذي يقدر يملأ كفة حسناته؟ فقال: إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة) (١٠). أو ما يذكره عن عبد الله بن سلام ﵁ – غير معزو إلى أحد – أنه قال: (ميزان رب العالمين ينصب للجن والإنس, يستقبل به العرش, إحدى كفتيه على الجنة, والأخرى على جهنم, لو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن, وجبريل آخذ بعمود ينظر إلى لسانه) (١١).

стр. 1996

وكذا ما يروى عن عمر مرفوعاً: ((من كبر تكبيرة في سبيل الله, كانت صخرة في ميزانه أثقل من السموات السبع وما فيهن وما تحتهن, وأعطاه الله بها رضوانه الأكبر, وجمع بينه وبين محمد وإبراهيم والمرسلين في دار الجلال: ينظر إلى الله بكرة وعشياً)) (١). وفي رواية أخرى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كبر تكبيرة على ساحل البحر, كان في ميزانه صخرة, قيل: يا رسول الله, وما قدرها؟ قال: تملأ ما بين السموات والأرض)) (٢). ويقول السفاريني: (ظواهر الآثار وأقوال العلماء: أن كيفية الوزن في الآخرة – خفة وثقلاً – مثل كيفيته في الدنيا, ما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرفع إلى عليين, وما خف طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجين, وبه صرح جموع, منهم القرطبي). وقال بعض المتأخرين بل الصفة مختلفة, وأن عمل المؤمن إذا رجح صعد وسفلت سيئته, والكافر تسفل كفته لخلو الأخرى عن الحسنات, ثم تلا قوله تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠]. وذكر بعضهم في صفة الوزن: أن تجعل جميع أعمال العباد في الميزان في مرة واحدة, كل الحسنات في كفة النور, وهي يمين العرش جهة الجنة, والسيئات في كفة الظلمة, وهي عن يسار جهة النار, ويخلق الله لكل إنسان علماً ضرورياً يدرك به خفة أعماله وثقلها. وقيل: بل علامة الرجحان عمود نور يقوم في كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيئات, وعلامة الخفة عمود ظلمة يقوم من كفة السيئات حتى يكسو كفة الحسنات, لكل أحد (٣). والظاهر أن هذه الكيفيات كلها تحتاج إلى إثبات, فهي مسألة غيبية, والله تعالى له القدرة على ما يشاء. ٢ – النافون لصفات الميزان: وهؤلاء قالوا بعكس ما قاله الفريق الأول, حيث أحجموا عن وصف الميزان بالأوصاف التي تقدمت, واكتفوا بإثبات أن هناك ميزاناً فقط. ١ - يقول محمد رشيد رضا – في نفي تلك الصفات وفي رده على الزجاج: (وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنة المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان, ولا في أن له كفتين ولساناً, فلا تغتر بقول الزجاج أن هذا مما أجمع عليه أهل السنة, فإن كثيراً من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع ولاسيما غير الحفاظ المتقنين, والزجاج ليس منهم, ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم, وإن لم يعرف له أصل من السلف, ولا اتفق عليه الخلف منهم, وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف والخلف كما علمت) (٤). وقال أيضاً: (والأصل الذي عليه سلف الأمة في الإيمان بعالم الغيب: أن كل ما ثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه, نؤمن به, ولا نحكم رأينا في صفته وكيفيته, فنؤمن إذا بأن في الأخرة وزناً للأعمال قطعاً, وونرجع أنه بميزان يليق بذلك العالم, ويوزن به الإيمان, والأخلاق, والأعمال, ولا نبحث عن صورته وكيفيته, ولا عن كفتيه – إن صح الحديث فيهما – كما صوره الشعراني في ميزانه) (٥).

стр. 1997

والواقع أن ما قاله محمد رشيد رضا – من إنكار أن يكون هناك أي إشارة إلى أن الميزان له كفتان من السنة – غير مسلم فقد جاء في السنة بعض الأحاديث التى تدل على وزن العمل ووزن العامل وكما أخرج البخاري: ((يؤتي بالرجل فيوضع في كفة)) (١) وكقوله أيضاً: ((فطاشت السجلات وثقلت البطاقة)) (٢). وغيرها من الأحاديث التي قدمنا ذكرها, وفيها إشارة إلى إثبات أن ميزان الأعمال له كفتان. ثم إن إثبات أن الميزان له كفتان لم يقل به الزجاج وحده, بل هو ما عليه الأئمة الذين قدمنا ذكر أقوالهم. ٢ - ما علقه الدكتور طه محمد الزيني على ترجمة ابن كثير في إثبات أن للميزان كفتين حسيتين بقوله: (لا يوجد دليل قاطع في القرآن ولا في الحديث على أن كفتي ميزان الحساب يوم القيامة حسيتان – أي يدركان بإحدى الحواس الخمس, وأقرب الحواس إلى إدراك الكفتين اللمس باليد – بل كل ما في القرآن والحديث يحتمل أن يكون الوزن معنوياً, بل هو الأرجح؛ لأن الأعمال يوم القيامة أكثرها معنوي يقرب إلى الأذهان بتشبيهه بالحسيات) (٣). وهذا القول من الدكتور طه الزيني يعتبر بعيداً عما قرره العلماء, ومخالفاً لما جاءت به السنة في وزن الأعمال, وليس ما يذكره من أعمال يوم القيامة من الأشياء المتخيلة التي يشبه فيها المعنوي بالحسي. فإن القول بهذا يفتح باباً خطيراً من التشكيك في أمورالآخرة, وينبغي على من يقول بهذا أن يعيد النظر فيه. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١١١٩

стр. 1998

المطلب الأول: ما الذي يوزن في الميزان اختلف أهل العلم في الموزون في ذلك اليوم على أقوال: الأول: أن الذي يوزن في ذلك اليوم الأعمال نفسها، وأنها تجسم فتوضع في الميزان، ويدل لذلك حديث أبي هريرة ﵁ في (الصحيح) قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) (١). وقد دلت نصوص كثيرة على أن الأعمال تأتي في يوم القيامة في صورةٍ الله أعلم بها، فمن ذلك مجيء القرآن شافعاً لأصحابه في يوم القيامة، وأن البقرة وآل عمران تأتيان كأنهما غمامتان أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف تحاجّان عن أصحابهما. ففي (صحيح مسلم) عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه. اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما)). (٢) وروى مسلم أيضاً عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان، أو ظلتان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما)). (٣) وهذا القول رجَّحه ابن حجر العسقلاني ونصره، فقال: والصحيح أن الأعمال هي التي توزن، وقد أخرج أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: ((ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من حسن الخلق)) (٤). الثاني: أن الذي يوزن هو العامل نفسه، فقد دلَّت النصوص على أن العباد يوزنون في يوم القيامة، فيثقلون في الميزان أو يخفون بمقدار إيمانهم، لا بضخامة أجسامهم، وكثرة ما عليهم من لحم ودهن، ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥])) (٥). ويؤتى بالرجل النحيف الضعيف دقيق الساقين فإذا به يزن الجبال، روى أحمد في (مسنده)، عن زر بن حبيش عن ابن مسعود، ((أنه كان رقيق الساقين، فجعلت الريح تلقيه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من رقة ساقيه. قال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)) (٦). وما أحسن ما قال الشاعر: ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هرير ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير

стр. 1999

الثالث: أن الذي يوزن إنما هو صحائف الأعمال. فقد روى الترمذي في (سننه) عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاَ؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: ألك عذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول الله تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم اليوم، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء)) (١). وقد مال القرطبي إلى هذا القول، فقال: والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف،. . قال ابن عمر: توزن صحائف الأعمال، وإذا ثبت هذا فالصحف أجسام، فيجعل الله تعالى: رجحان إحدى الكفتين على الأخرى دليلاً على كثرة أعماله بإدخاله الجنة أو النار. وقال السفارييني: والحق أن الموزون صحائف الأعمال، وصححه ابن عبد البر والقرطبي وغيرهما، وصوبه الشيخ مرعي في (بهجته)، وذهب إليه جمهور من المفسرين، وحكاه ابن عطية عن أبي المعالي. ولعل الحق أن الذي يوزن هو العامل وعمله وصحف أعماله، فقد دلت النصوص التي سقناها على أن كل واحد من هذه الثلاثة يوزن، ولم تنف النصوص المثبتة لوزن الواحد منها أن غيره لا يوزن، فيكون مقتضى الجمع بين النصوص إثبات الوزن للثلاثة المذكورة جميعها. وهذا ما رجحه الشيخ حافظ الحكمي فقال: والذي استظهر من النصوص – والله أعلم – أن العامل وعمله وصحيفة عمله – كل ذلك يوزن، لأن الأحاديث التي في بيان القرآن، قد وردت بكل ذلك، ولا منافاة بينها، ويدل كذلك ما رواه أحمد – رحمه الله تعالى: – عن عبدالله بن عمرو في قصة صاحب البطاقة بلفظ: قال: قال رسول الله: ((توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه، فيمايل به الميزان. قال: فيبعث به إلى النار. قال: فإذا أدبر، إذ صائح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة، حتى يميل به الميزان)) (٢) فهذا يدل على أن العبد يوضع هو وحسناته وصحيفتها في كفة وسيئاته مع صحيفتها في الكفة الأخرى، وهذا غاية الجمع بين ما تفرق ذكره في سائر أحاديث الوزن، ولله الحمد والمنة القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥١

стр. 2000

المطلب الثاني: الأعمال التي تثقل في الميزان أثقل ما يوضع في ميزان العبد حسن الخلق، فعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: ((إن أثقل شيء يوضع في ميزان العبد يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)). رواه الترمذي، وروى أبو داود الشطر الأول (١) وفي (صحيحي البخاري ومسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) (٢). وفي (صحيح مسلم) عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : ((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ). ما بين السماء والأرض)) (٣). وروى البخاري والنسائي وأحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله، وتصديقاً بوعده، كان شبعه وريه، وروثه، وبوله، حسنات في ميزانه يوم القيامة)) (٤). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥٥
следующие страницы →