← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وكذا ما يروى عن عمر مرفوعاً: ((من كبر تكبيرة في سبيل الله, كانت صخرة في ميزانه أثقل من السموات السبع وما فيهن وما تحتهن, وأعطاه الله بها رضوانه الأكبر, وجمع بينه وبين محمد وإبراهيم والمرسلين في دار الجلال: ينظر إلى الله بكرة وعشياً)) (١). وفي رواية أخرى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كبر تكبيرة على ساحل البحر, كان في ميزانه صخرة, قيل: يا رسول الله, وما قدرها؟ قال: تملأ ما بين السموات والأرض)) (٢). ويقول السفاريني: (ظواهر الآثار وأقوال العلماء: أن كيفية الوزن في الآخرة – خفة وثقلاً – مثل كيفيته في الدنيا, ما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرفع إلى عليين, وما خف طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجين, وبه صرح جموع, منهم القرطبي). وقال بعض المتأخرين بل الصفة مختلفة, وأن عمل المؤمن إذا رجح صعد وسفلت سيئته, والكافر تسفل كفته لخلو الأخرى عن الحسنات, ثم تلا قوله تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠]. وذكر بعضهم في صفة الوزن: أن تجعل جميع أعمال العباد في الميزان في مرة واحدة, كل الحسنات في كفة النور, وهي يمين العرش جهة الجنة, والسيئات في كفة الظلمة, وهي عن يسار جهة النار, ويخلق الله لكل إنسان علماً ضرورياً يدرك به خفة أعماله وثقلها. وقيل: بل علامة الرجحان عمود نور يقوم في كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيئات, وعلامة الخفة عمود ظلمة يقوم من كفة السيئات حتى يكسو كفة الحسنات, لكل أحد (٣). والظاهر أن هذه الكيفيات كلها تحتاج إلى إثبات, فهي مسألة غيبية, والله تعالى له القدرة على ما يشاء. ٢ – النافون لصفات الميزان: وهؤلاء قالوا بعكس ما قاله الفريق الأول, حيث أحجموا عن وصف الميزان بالأوصاف التي تقدمت, واكتفوا بإثبات أن هناك ميزاناً فقط. ١ - يقول محمد رشيد رضا – في نفي تلك الصفات وفي رده على الزجاج: (وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنة المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان, ولا في أن له كفتين ولساناً, فلا تغتر بقول الزجاج أن هذا مما أجمع عليه أهل السنة, فإن كثيراً من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع ولاسيما غير الحفاظ المتقنين, والزجاج ليس منهم, ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم, وإن لم يعرف له أصل من السلف, ولا اتفق عليه الخلف منهم, وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف والخلف كما علمت) (٤). وقال أيضاً: (والأصل الذي عليه سلف الأمة في الإيمان بعالم الغيب: أن كل ما ثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه, نؤمن به, ولا نحكم رأينا في صفته وكيفيته, فنؤمن إذا بأن في الأخرة وزناً للأعمال قطعاً, وونرجع أنه بميزان يليق بذلك العالم, ويوزن به الإيمان, والأخلاق, والأعمال, ولا نبحث عن صورته وكيفيته, ولا عن كفتيه – إن صح الحديث فيهما – كما صوره الشعراني في ميزانه) (٥).

стр. 1997

والواقع أن ما قاله محمد رشيد رضا – من إنكار أن يكون هناك أي إشارة إلى أن الميزان له كفتان من السنة – غير مسلم فقد جاء في السنة بعض الأحاديث التى تدل على وزن العمل ووزن العامل وكما أخرج البخاري: ((يؤتي بالرجل فيوضع في كفة)) (١) وكقوله أيضاً: ((فطاشت السجلات وثقلت البطاقة)) (٢). وغيرها من الأحاديث التي قدمنا ذكرها, وفيها إشارة إلى إثبات أن ميزان الأعمال له كفتان. ثم إن إثبات أن الميزان له كفتان لم يقل به الزجاج وحده, بل هو ما عليه الأئمة الذين قدمنا ذكر أقوالهم. ٢ - ما علقه الدكتور طه محمد الزيني على ترجمة ابن كثير في إثبات أن للميزان كفتين حسيتين بقوله: (لا يوجد دليل قاطع في القرآن ولا في الحديث على أن كفتي ميزان الحساب يوم القيامة حسيتان – أي يدركان بإحدى الحواس الخمس, وأقرب الحواس إلى إدراك الكفتين اللمس باليد – بل كل ما في القرآن والحديث يحتمل أن يكون الوزن معنوياً, بل هو الأرجح؛ لأن الأعمال يوم القيامة أكثرها معنوي يقرب إلى الأذهان بتشبيهه بالحسيات) (٣). وهذا القول من الدكتور طه الزيني يعتبر بعيداً عما قرره العلماء, ومخالفاً لما جاءت به السنة في وزن الأعمال, وليس ما يذكره من أعمال يوم القيامة من الأشياء المتخيلة التي يشبه فيها المعنوي بالحسي. فإن القول بهذا يفتح باباً خطيراً من التشكيك في أمورالآخرة, وينبغي على من يقول بهذا أن يعيد النظر فيه. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١١١٩

стр. 1998

المطلب الأول: ما الذي يوزن في الميزان اختلف أهل العلم في الموزون في ذلك اليوم على أقوال: الأول: أن الذي يوزن في ذلك اليوم الأعمال نفسها، وأنها تجسم فتوضع في الميزان، ويدل لذلك حديث أبي هريرة ﵁ في (الصحيح) قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) (١). وقد دلت نصوص كثيرة على أن الأعمال تأتي في يوم القيامة في صورةٍ الله أعلم بها، فمن ذلك مجيء القرآن شافعاً لأصحابه في يوم القيامة، وأن البقرة وآل عمران تأتيان كأنهما غمامتان أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف تحاجّان عن أصحابهما. ففي (صحيح مسلم) عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه. اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما)). (٢) وروى مسلم أيضاً عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان، أو ظلتان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما)). (٣) وهذا القول رجَّحه ابن حجر العسقلاني ونصره، فقال: والصحيح أن الأعمال هي التي توزن، وقد أخرج أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: ((ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من حسن الخلق)) (٤). الثاني: أن الذي يوزن هو العامل نفسه، فقد دلَّت النصوص على أن العباد يوزنون في يوم القيامة، فيثقلون في الميزان أو يخفون بمقدار إيمانهم، لا بضخامة أجسامهم، وكثرة ما عليهم من لحم ودهن، ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥])) (٥). ويؤتى بالرجل النحيف الضعيف دقيق الساقين فإذا به يزن الجبال، روى أحمد في (مسنده)، عن زر بن حبيش عن ابن مسعود، ((أنه كان رقيق الساقين، فجعلت الريح تلقيه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من رقة ساقيه. قال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)) (٦). وما أحسن ما قال الشاعر: ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هرير ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير

стр. 1999

الثالث: أن الذي يوزن إنما هو صحائف الأعمال. فقد روى الترمذي في (سننه) عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاَ؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: ألك عذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول الله تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم اليوم، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء)) (١). وقد مال القرطبي إلى هذا القول، فقال: والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف،. . قال ابن عمر: توزن صحائف الأعمال، وإذا ثبت هذا فالصحف أجسام، فيجعل الله تعالى: رجحان إحدى الكفتين على الأخرى دليلاً على كثرة أعماله بإدخاله الجنة أو النار. وقال السفارييني: والحق أن الموزون صحائف الأعمال، وصححه ابن عبد البر والقرطبي وغيرهما، وصوبه الشيخ مرعي في (بهجته)، وذهب إليه جمهور من المفسرين، وحكاه ابن عطية عن أبي المعالي. ولعل الحق أن الذي يوزن هو العامل وعمله وصحف أعماله، فقد دلت النصوص التي سقناها على أن كل واحد من هذه الثلاثة يوزن، ولم تنف النصوص المثبتة لوزن الواحد منها أن غيره لا يوزن، فيكون مقتضى الجمع بين النصوص إثبات الوزن للثلاثة المذكورة جميعها. وهذا ما رجحه الشيخ حافظ الحكمي فقال: والذي استظهر من النصوص – والله أعلم – أن العامل وعمله وصحيفة عمله – كل ذلك يوزن، لأن الأحاديث التي في بيان القرآن، قد وردت بكل ذلك، ولا منافاة بينها، ويدل كذلك ما رواه أحمد – رحمه الله تعالى: – عن عبدالله بن عمرو في قصة صاحب البطاقة بلفظ: قال: قال رسول الله: ((توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه، فيمايل به الميزان. قال: فيبعث به إلى النار. قال: فإذا أدبر، إذ صائح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة، حتى يميل به الميزان)) (٢) فهذا يدل على أن العبد يوضع هو وحسناته وصحيفتها في كفة وسيئاته مع صحيفتها في الكفة الأخرى، وهذا غاية الجمع بين ما تفرق ذكره في سائر أحاديث الوزن، ولله الحمد والمنة القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥١

стр. 2000

المطلب الثاني: الأعمال التي تثقل في الميزان أثقل ما يوضع في ميزان العبد حسن الخلق، فعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: ((إن أثقل شيء يوضع في ميزان العبد يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)). رواه الترمذي، وروى أبو داود الشطر الأول (١) وفي (صحيحي البخاري ومسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) (٢). وفي (صحيح مسلم) عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : ((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ). ما بين السماء والأرض)) (٣). وروى البخاري والنسائي وأحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله، وتصديقاً بوعده، كان شبعه وريه، وروثه، وبوله، حسنات في ميزانه يوم القيامة)) (٤). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥٥

стр. 2001

المبحث السابع: حكمة الله تعالى في وزن أعمال العباد والرد على من ينكره كل مسلم يعلم أن الله تعالى حكيم عليم, يفعل ما يشاء لحكمة, وقد يعرف الناس بعض الجوانب من الحكم, وقد تخفى عليهم, وإذا كان الناس ينزهون العقلاء من بني آدم عن إتيانهم أعمالاً لاحكمة فيها ولا فائدة من ورائها, فكيف بالله ؟! وليس من صفات المسلم الحق أن يرد ما أخبر الله به, أو يتأوله بما يبطل المراد منه. ومن ذلك أمر الميزان, فقد أخبر الله به, وأخبر به رسول ﷺ فيجب الإيمان بذلك, وأن لله حكمة عظيمة في نصبه يوم القيامة, من أعظمها وأجلها: إظهار أقصى كمال عدله جل وعلا بين عباده, حتى لايساوى المحسن والمسيء, وليظهر التفاوت بين البشر جلياً واضحاً, يقتنع كل مخلوق بذلك كما يقتنعون بما يرجحه الميزان في الدنيا, ولو شاء الله أن لا يقيم ميزان ويأخذ العباد بما يعلمه سبحانه من أعمالهم الطيبة أوالخبيثة؛ لما كان في ذلك أي نقص على العباد ولا هضم لحق أي مخلوق: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤]. لكن الله تعالى لم يشأ ذلك, بل أراد أن يعلم العباد بأعمالهم بما يقتنعون به هم أنفسهم, وحتى لا يبقي حجة ولا اعتراض لمعترض, ولله الحجة البالغة. وفي بيان حكمة الله في إقامة الميزان يقول الثعلبي بأن الحكمة في ذلك: تعريف الله عباده عدد مالهم عنده من الجزاء من خير أوشر (١). وقال الشيخ مرعي – فيما ينسبه إليه السفاريني -: بل الحكمة فيه: إظهار العدل وبيان الفضل، حيث إنه يزن مثاقيل الذر من خير أو شر إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٤٠] (٢). ويقول البرديسي: وحكمة الوزن ليبين ما يستحقه من العذاب وما يكون فيه من درجات الجنة (٣). ويقول القاضي عبد الجبار – من كبار المعتزلة – عن فائدة وضع الموازين: وأما فائدته: فهو تعجيل مسرة المؤمن وغم الكافر, هذا في القيامة, وفيه فائدة أخرى تتعلق بالتكليف: وهي أن المرء مع علمه أن أعماله توزن على الملأ؛ كان عند ذلك أقرب إلى أداء الواجبات واجتناب المقبحات, وهذه فائدة عظيمة (٤). ويقول الطبري في رده على من ينكر الميزان والحكمة منه: فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى (٥). خبر الله عن الميزان وخبر رسوله ﷺ عنه وجهته (٦). وقال أوبالله حاجة إلى وزن الأشياء وهو العالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه, وبعده, وفي كل حال؟ أو قال: وكيف توزن الأعمال والأعمال ليس بأجسام توصف بالثقل والخفة؟ وإنما توزن الأشياء ليعرف ثقلها من خفتها، وكثرتها من قلتها، وذلك لا يجوز إلا على الأشياء التي توصف بالثقل والخفة والكثرة والقلة, قيل له في قوله: وما وجه وزن الله الأعمال وهو العالم بمقاديرها قبل كونها: وزن نظير إثباته إياه في أم الكتاب واستنساخه ذلك في الكتاب من غير حاجة إليه ومن غير نسيانه، ليكون ذلك حجة على خلقه كما قال جل ثناؤه في تنزيله: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى كِتَابِهَا اليوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ [الجاثية: ٢٨ - ٢٩].

стр. 2002

فكذلك وزنه تعالى خلقه بالميزان: حجة عليهم ولهم إما بالتقصير في طاعته وإما بالتكميل والتتميم (١). ويقول ابن أبي العز – في رده على الذين ينفون الميزان، لخفاء الحكمة عليهم، وقولهم: إنه لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال ومدى خطورة هذا الكلام – يقول (فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق ﷺ ، من غير زيادة ولا نقصان، ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع – لخفاء الحكمة عليه – ويقدح في النصوص بقوله: لايحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنا ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده, فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله, من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين, فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه) (٢). ثم إن الذين يحاولون التشكيك في الميزان, وإنكار حقيقته, لا يستندون على أي دليل يصح الاحتجاج به، بل غاية ما تشبثوا به, مجرد الاستبعادات العقلية, وليس في ذلك حجة على أحد, فهذا إذا لم تقبله عقولهم فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى جاءت البدع كالليل المظلم، وقال كل ما شاء, وتركوا الشرع خلف ظهورهم, وليتهم جاؤوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها ويتحذ قبولهم لها, بل كل فريق يدعي على العقل ما يطابق هواه, ويوافق ما يذهب إليه هواه, ومن هو تابع له. فتتناقض عقولهم على حسب ما تناقضت مذاهبهم، يعرف هذا كل منصف، ومن أنكره فليصمت فهمه وعقله عن شوائب التعصب والتمذهب، فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه (٣). وذكر محمد رشيد رضا: (أن حكمة وزن الأعمال بعد الحساب: أنه يكون أعظم مظهر لعدل الرب ﵎, أي ولعلمه وحكمته وعظمته في ذلك اليوم العظيم, إذ يرى فيه عباده – أفرادا وشعوبا وأمما – ذلك بأعينهم, ويعرفونه معرفة إدراك ووجدان في أنفسهم, فإن أعمالهم تتجلى لهم فيها أولا, ثم تتجلى لهم ولسائر الخلق في خارجها ثانيا, فياله من منظر مهيب, وياله من مظهر رهيب, وما أشد غفلة من قال: إنه لا حاجة إليه للاستغناء بعلم الله عنه (٤). ومهما قيل في الحكمة فإن الأمر لا يزال يتطلب الإيمان الكامل بأن وزن الأعمال هو عين الحكمة, وأن هذه مجرد استنباطات للعلماء, وتبقى حقيقة علم ذلك إلى الله وحده. الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار لغالب بن علي عواجي- ٢/ ١١٥٣

стр. 2003

المبحث الأول: كل أمة تتبع الإله الذي كانت تعبده في ختام هذا اليوم يحشر العباد إما إلى الجنة وإما إلى النار، وهما المقرّ الأخير الذي يصير إليه العباد جميعاً، وقد أخبرنا الرسول ﷺ أنه يطلب من كل أمة في آخر ذلك اليوم أن تتبع الإله الذي كانت تعبده، فالذي كان يعبد الشمس يتبع الشمس، والذي كان يعبد القمر يتبع القمر، والذي كان يعبد الأصنام تصور لهم آلهتهم ثم تسير أمامهم ويتبعونها، والذين كانوا يعبدون فرعون يتبعونه، ثم إن هذه الآلهة الباطلة تتساقط في النار، ويتساقط عبادها وراءها في السعير، كما قال تعالى: في فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود:٩٨]. ولا يبقى بعد ذلك إلا المؤمنون وبقايا أهل الكتاب، وفي المؤمنين المنافقون الذين كانوا معهم في الدنيا، فيأتيهم ربهم، فيقول لهم: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيعرفونه بساقه عندما يكشفها لهم، وعند ذلك يخرون له سجوداً، إلا المنافقون فلا يستطيعون يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢]، ثم يتبع المؤمنون ربهم، وينصب الصراط ويعطى المؤمنون أنوارهم، ويسيرون على الصراط، ويطفأ نور المنافقين، ويقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، ثم يضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، ويمر العباد على الصراط مسرعين بقدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة. روى مسلم في (صحيحه) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ((إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغبر أهل الكتاب. فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا، فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ما تبغون؟ فيقولون: عطشنا، يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنهم سراب، يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فماذا تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئاً (مرتين أو ثلاثاً) حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب. فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم، وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم.

стр. 2004

قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم)) (١). وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة في وصف المرور على الصراط، قال: قال رسول الله ﷺ : ((وترسل الأمانة والرحم، فتقومان على جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمي، أي شيء كالبرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمرُّ ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمرّ الريح، ثم كمرِّ الطير وشدِّ الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب، سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً، قال: وعلى حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به. فمخدوش ناج، ومكدوس في النار)) (٢). وروى مسلم في (صحيحه) عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبدالله يسأل عن الورود، فقال: نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر إلى ذلك فوق الناس، قال: فتدعى الأمم بأوثانها، وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك. قال: فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم، منافق أو مؤمن نوراً، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفاً لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء .. (٣). وروى البخاري ومسلم في (صحيحيهما) عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال في إجابته للصحابة عندما سألوه عن رؤيتهم الله: ((هل تُضارُّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه، ويضرب جسر جهنم، قال رسول الله ﷺ : فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله، ومنهم المخردلُ، ثم ينجوا)) (٤). وقد دلت هذه النصوص الصحيحة الصريحة الواضحة على عدة أمور مهمة، فقد ذكرت حشر الكفار إلى النار، ومسير المؤمنين إلى الجنة على الصراط، وخلاص المؤمنين من المنافقين، كما أشارت في جملتها إلى معنى الورود على النار الذي نص الله عليه في قوله: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم:٧١] القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٦٣

стр. 2005

المبحث الثاني: حشر الكفار إلى النَّار جاءت نصوص كثيرة تصور لنا كيف يكون حشر الكفار إلى النار هم وآلهتهم التي كانوا يعبدونها: ١ - فمن ذلك أنهم يحشرون كقطعان الماشية جماعات جماعات، ينهرون نهراً غليظاً، ويصاح بهم من هنا وهناك، كما يفعل الراعي ببقره أو غنمه وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر: ٧١]، يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣]، وقال: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: ١٩]. ومعنى يوزعون أي: يجمعون، تجمعهم الزبانية على آخرهم، كما يفعل البشر بالبهائم. ٢ - وأفادت النصوص أنهم يحشرون إلى النار على وجوههم، لا كما كانوا يمشون في الدنيا على أرجلهم، قال تعالى: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان: ٣٤]. روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة قال قتادة: بلى وعزة ربنا)) (١). ومع حشرهم على هذه الصورة المنكرة على وجوههم فإنهم يحشرون عمياً لا يرون، وبكماً لا يتكلمون، وصماً لا يسمعون وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء: ٩٧]. ٣ - ويزيد بلاءهم أنهم يحشرون مع آلهتهم الباطلة وأعوانهم وأتباعهم احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]. ٤ - وهم في هذا مغلوبون مقهورون أذلاء صاغرون قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: ١٢]. ٥ - وقبل أن يصلوا إلى النار تصك مسامعهم أصواتها التي تملأ قلوبهم رعباً وهلعاً إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان: ١٢]. ٦ - وعندما يبلغون النار ويعاينون أهوالها يندمون ويتمنون العودة إلى الدنيا كي يؤمنوا وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: ٢٧]، ولكنهم لا يجدون من النار مفراً: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف: ٥٣].

стр. 2006

٧ - وعند ذلك يؤمرون بالدخول في النار وغضب الجبار أذلاء خاسرين فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [النحل: ٢٩]، ولا ينجو من النار من الجن والإنس إلا الأتقياء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ٦٨ - ٧٢]. يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: في تفسير هذه الآيات: يقسم الله بنفسه وهو أعظم قسم وأجله أنهم سيحشرون بعد الموت، فهذا أمر مفروغ منه فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ [مريم: ٦٨]، ولن يكونوا وحدهم لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ [مريم: ٦٨] فهم والشياطين سواء، والشياطين هم الذين يوسوسون بالإنكار، وبينهما صلة التابع والمتبوع، والقائد والمقود, وهنا يرسم صورة حسية وهم جاثون حول جهنم جثو الخزي والمهانة، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [مريم: ٦٨]، وهي صورة رهيبة، وهذه الجموع التي لا يحصيها العد محشورة محضرة إلى جهنم جاثية حولها، تشهد هولها، ويلفحها حرها، وتنتظر في كل لحظة أن تؤخذ فتلقى فيها، وهم جاثون على ركبهم في ذلة وفزع، وهو مشهد ذليل للمتجبرين المتكبرين، يليه مشهد النزع والجذب لمن كانوا أشد عتواً وتجبراً: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا [مريم: ٦٩]، وفي اللفظ تشديد، ليرسم بظله وجرسه صورة لهذا الانتزاع، تتبعها صورة القذف في النار، وهي الحركة التي يكملها الخيال. وإن الله ليعلم من هم أولى بأن يصلوها، فلا يؤخذ أحد جزافاً من هذه الجموع التي لا تحصى، والتي أحصاها الله فرداً فرداً: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا [مريم:٧٠]، فهم المختارون ليكونوا طليعة المقذوفين. وقد غيرت هذه الآية: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] أحوال الصالحين، فأسهرت ليلهم، وعكرت عليهم صفو العيش، وحرمتهم الضحك، والتمتع بالشهوات، فقد ذكر ابن كثير أن أبا ميسرة كان إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا الله أنا واردوها، ولم نخبر أنا صادرون عنها. وقال عبدالله بن المبارك عن الحسن البصري، قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رئي ضاحكاً حتى لحق بالله، وقال ابن عباس لرجل يحاوره: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ (١). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٦٨

стр. 2007

الفصل الرابع عشر: الصراط • المبحث الأول: تعريف الصراط. • المبحث الثاني: صفة الصراط. • المبحث الثالث: معتقد أهل السنة في الصراط. • المبحث الرابع: مرور المؤمنين على الصّراط وخلاص المؤمنين من المنافقين. • المبحث الخامس: الذين يمرُّون على الصّراط هم المؤمنون دون المشركين. • المبحث السادس: أول من يجيز الصراط. • المبحث السابع: الناجون والهالكون. • المبحث الثامن: التفاضل في المرور على الصراط. • المبحث التاسع: القنطرة.

стр. 2008

المبحث الأول: تعريف الصراط قال ابن منظور في (اللسان) (٢/ ٤٣٠): (الصراط, والسراط, والزراط, الطريق، قال الشاعر: أكر على الحروريين مهرى ... واحملهم على وضح الصراط) وقال الزبيدي في (تاج العروس) (١٩/ ٣٤٥): (السراط بالكسر: السبيل الواضح، وبه فسر قوله تعالى: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ [الفاتحة: ٦]. أي ثبتنا على المنهاج الواضح كما قاله الأزهري). وقال الفيروز أبادي في (ترتيب القاموس المحيط) (٢/ ٨١٤): (الصراط بالكسر: الطريق، وجسر ممدود على متن جهنم. وبالضم السيف الطويل). وقال يحيى بن سلام في (التصاريف) رقم (١٠٤/ ٣٣٠): (الصراط على وجهين: ١ - الطريق، وذلك في قوله: وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ [الأعراف: ٨٦]. يعني بكل طريق. ٢ - الدين وذلك في قوله: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ [الفاتحة: ٦] يعني الدين المستقيم. وقال في وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا [الأنعام: ١٥٣]: يعني ديناً مستقيماً). وقال القرطبي: (في (الجامع لأحكام القرآن) (١/ ١٤٧) أصل الصراط في كلام العرب الطريق. قال عامر بن الطفيل: شحنَّا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أذل من الصراط) وقرئ السراط من الاستراط بمعنى الابتلاع، كأن الطريق يسترط من يسلكه. وقال الراغب في (المفردات في غريب القرآن) (ص٣٣٧): (السراط: الطريق المستسهل. أصله من: سرطت الطعام وزردته: ابتلعته). صفة الصراط لحاي الحاي - ص ١١

стр. 2009

المبحث الثاني: صفة الصراط وردت في السنة أحاديث صحيحة في صفة الصراط, ووصفته وصفاً جلياً فينبغي على المسلم أن يعرف هذه الصفات ويستشعرها في فؤاده حتى ينجو من عذاب الجبار وذلك بالوقوف عند أوامره, واجتناب سخطه وغضبه، وهذه الصفات هي: ١ - الصراط زلق: وذلك من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: قلنا ما الجسر يا رسول الله قال: ((مدحضة مزلة)) (١) (٢). قال أبو إسحاق الحربي: الجِسَر والجِسر: ما عبر عليه من قنطرة ونحوها. (غريب الحديث لأبي إسحاق إبراهيم الحربي ١/ ٣ باب جسر). وقال العيني: (مدحضة من دحضت رجله دحضاً زلقت، ودحضت الشمس عند كبد السماء: زالت، ودحضت حجته بطلت. مزلة: من زلت الأقدام سقطت، وقال الكرماني: بكسر الزاي وفتحها (٣) , قال ابن الجوزي، دحض: زلق (٤)، وقال الفيومي: دحض الرجل: زلق (٥)). ٢ - وله جنبتان أو حافتان: كما في حديث أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: ((يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار)) (٦). قال ابن الأثير في (النهاية) (٤/ ٢٤): (قوله: ((فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار)) أي تسقطهم فيها بعضهم فوق بعض. وتقادع القوم: إذا مات بعضهم إثر بعض). اهـ. ٣ - ولحافتي الصراط كلاليب: وذلك من حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄ عند مسلم عن النبي ﷺ : ((وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به)) (٧) ومن حديث أبي سعيد الخدري ﵁: ((قلنا يا رسول الله ما الجسر؟ قال: مدخضة مزلة, عليه خطاطيف, وكلاليب, وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان)) (٨) ومن حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : ((وبه كلاليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أن لا يعلم قدر عظمها إلا الله)) (٩). قال العيني في (عمدة القاري) (٢٠/ ٣١٦): (كلاليب جمع كلوب بفتح الكاف وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم. وقيل: الكلوب الذي يتناول به الحداد الحديد من النار. كذا في كتاب ابن بطال). اهـ. وقال أيضاً ﵀: (خطاطيف: جمع خطاف بالضم وهو الحديدة المعوجة كالكلوب يختطف بها الشيء. وقوله: حسكة: بفتحات وهي شوكة صلبة معروفة وقال صاحب التهذيب. الحسك نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم, وربما اتخذ مثله من حديد وهو من آلات الحرب. مفلطحة: أي عريضة. عقيفاء: معوجة) (١٠). وقوله شوك السعدان: قال الحافظ: (جمع سعدانة وهو نبات ذو شوك يضرب به المثل في طيب مرعاه قالوا: مرعى ولا كالسعدان. وقوله: أما رأيتم شوك السعدان: هو استفهام تقرير لاستحضار الصورة المذكورة) (١١).

стр. 2010

قال الزين بن المنير: (تشبيه الكلاليب بشوك السعدان خاص بسرعة اختطافها وكثرة الانتشاب فيها مع التحرز والتصون تمثيلاً لهم بما عرفوه في الدنيا وألفوه بالمباشرة.) اهـ. ذكره الحافظ في (الفتح) (١١/ ٤٥٣). وقوله: (لا يعلم قدر عظمها إلا الله) في رواية مسلم: (لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله). قال الجوهري، عظم الشيء عظماً: أي كبر فتقديره لا يعلم قدر كبرها إلا الله وعظم الشيء أكثره (١). ٤ - والصراط مثل حد الموسى أو حد السيف: قلت: كما في حديث سلمان ﵁ عن النبي ﷺ : ((ويوضح الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من يجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي: فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك)) (٢) وحديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي ﷺ : ((والصراط كحد السيف، دحض مزلة)) (٣). صفة الصراط لحاي الحاي – ص ١٤

стр. 2011

المبحث الثالث: معتقد أهل السنة في الصراط ونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة ﵂: ((إن رسول الله ﷺ سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر)) (١). وقد بيّن السفاريني رحمه الله تعالى: – موقف الفرق من الصراط، وهل هو صراط مجازي أم حقيقي؟ ثم قرر مذهب أهل الحق الذي دلت عليه النصوص فيه، فقال: اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره من كونه جسراً ممدوداً على متن جهنم، أحدّ من السيف وأدق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي، وكثير من أتباعه زعماً منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [محمد: ٥]، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات:٢٣]، ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة والمباحات والأعمال الرديئة التي يسأل عنها ويؤاخذ بها، وكل هذا باطل وخرافات لوجوب حمل النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء، أو الوقوف فيه، وقد أجاب ﷺ عن سؤال حشر الكافر على وجهه بأن القدرة صالحة لذلك. وأنكر العلامة القرافي كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف، وسبقه إلى ذلك شيخه العز بن عبد السلام، والحق أن الصراط وردت به الأخبار الصحيحة وهو محمول على ظاهره بغير تأويل كما ثبت في (الصحيحين) و (المسانيد) و (السنن الصحاح) مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق، وهم في جوازه متفاوتون. وذكر القرطبي مذهب القائلين بمجازية الصراط، المأوّلين للنصوص المصرحة به، فقال: ذهب بعض من تكلم على أحاديث وصف الصراط بأنه أدق من الشعر، وأحدُّ من السيف أن ذلك راجع إلى يسره وعسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله تعالى: لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيق، فضرب المثل بدقة الشعر، فهذا من هذا الباب، ومعنى قوله: أحدّ من السيف أن الأمر الدقيق الذي يصعد من عند الله تعالى: إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حد السيف ومضيه إسراعاً منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مرد كما أن السيف إذا نفذ بحده وقوة ضاربه في شيء لم يكن له بعد ذلك مرد، وإما أن يقال: إن الصراط نفسه أحد من السيف وأدق من الشعر فذلك مدفوع بما وصف من أن الملائكة يقومون بجنبيه، وأن فيه كلاليب وحسكاً، أي أن من يمر عليه يقطع على بطنه، ومنهم من يزل ثم يقوم، وفيه أن من الذين يمرون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه، وفي ذلك إشارة إلى أن للمارين عليه مواطئ الأقدام، ومعلوم أن دقة الشعر لا يحتمل هذا كله. ثم رد عليهم مقالتهم، فقال: ما ذكره هذا القائل مردود بما ذكرنا من الأخبار وأن الإيمان يجب بذلك، وأن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن، فيجريه أو يمشيه، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند الاستحالة، ولا استحالة في ذلك للآثار المروية في ذلك، وبيانها بنقل الأئمة العدول، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧٩

стр. 2012

المبحث الرابع: مرور المؤمنين على الصّراط وخلاص المؤمنين من المنافقين عندما يذهب بالكفرة الملحدين، والمشركين الضالين إلى دار البوار: جهنم يصلونها، وبئس القرار، يبقى في عرصات القيامة أتباع الرسل الموحدون، وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق، وتلقى عليهم الظلمة قبل الجسر كما في الحديث الذي يرويه مسلم في (صحيحه) عن عائشة قالت: ((سئل الرسول ﷺ : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر)) (١). يقول شارح (الطحاوية): وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم. روى البيهقي بسنده عن مسروق، عن عبدالله، قال: يجمع الله الناس يوم القيامة إلى أن قال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره في إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا أطفأ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض مزلة، ويقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملاً على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا، قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك، بعد أن أراناك، لقد أعطانا ما لم يعط أحد (٢). وقد حدثنا ﵎ عن مشهد مرور المؤمنين على الصراط، فقال: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد: ١٢ - ١٥].

стр. 2013

فالحق يخبر أن المؤمنين والمؤمنات الذين استناروا بهذا الدين العظيم في الدنيا، وعاشوا في ضوئه، يعطون في يوم القيامة نوراً يكشف لهم الطريق الموصلة إلى جنات النعيم، ويجنبهم العثرات والمزالق في طريق دحض مزلة، وهناك يبشرون بجنات النعيم، ويحرم المنافقون الذين كانوا يزعمون في الدنيا أنهم مع المؤمنين، وأنهم منهم، لكنهم في الحقيقة مفارقون لهم لا يهتدون بهداهم، ولا يسلكون سبيلهم من النور، كما حرموا أنفسهم في الدنيا من نور القرآن العظيم، فيطلب المنافقون من أهل الإيمان أن ينتظروهم ليستضيئوا بنورهم، وهناك يخدعون، كما كانوا يخدعون المؤمنين في الدنيا، ويقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، وبذلك يعود المنافقون إلى الوراء، ويتقدم المؤمنون إلى الأمام، فإذا تمايز الفريقان، ضرب الله بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويكون مصير المؤمنين والمؤمنات الجنة، ومصير المنافقين والمنافقات النار. وقد أخبر الحق أن دعاء المؤمنين عندما يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم هو رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم:٨]، قال تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم: ٨]. قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طُفئ. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧٢ ويتفاوت الناس في المرور على الصراط تفاوتاً عظيماً وذلك لأن المرور عليه إنما يكون بقدر الأعمال الصالحة التي قدمها المرء المسلم لربه في الحياة الدنيا، ويمكن أن نلخص كيفية المرور بما يلي: ١ - يعطي الله كل إنسان نوراً على قدر عمله يتبعه على الصراط: كما في حديث جابر عند مسلم (١) عن النبي ﷺ : ((ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوراً. ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله)). وكما في حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي ﷺ : ((فيعطون نورهم على قدر أعمالهم وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطي نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة, ويطفأ مرة إذا أضاء قدم قدمه, وإذا أطفئ قام)) (٢) ٢ - انطفاء نور المنافقين: في هذا الموقف الرهيب حيث تجد أن الذعر والخوف قد استحوذ على الناس، كلهم يريد النجاة بحشاشة نفسه من الكلاليب, والخطاطيف, فإذا نور المنافقين يطفأ كما في حديث جابر عند مسلم (٣) ((ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوراً. ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله, ثم يطفأ نور المنافقين. ثم ينجو المؤمنون)).

стр. 2014

٣ - اختلاف سرعة الناس في المرور على الصراط: تختلف سرعة الناس في المرور على الصراط وذلك باختلاف قوة النور الذي يعطى لهم على قدر أعمالهم كما بينا في الفقرة السابقة، ويدل عليه حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي ﷺ : ((ويمرون على الصراط والصراط كحد السيف، دحض مزلة, فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح, ومنهم من يمر كالطرف, ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملاً, فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخرُّ يد، وتعلق يد, وتخر رجل، وتعلق رجل, وتصيب جوانبه النار، فيخلصون, فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد)) (١). قلت: وفي رواية أخرى عن ابن مسعود تبين أن الناس يردون النار كلهم ثم يخرجون منها بأعمالهم مع اختلاف في سرعتهم, كما قال السدي: ((سألت مرة الهمداني عن قول الله : وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا [مريم: ٧١]. فحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم عن رسول الله ﷺ قال: يرد الناس كلهم النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأولهم كلمع البرق, ثم كمر الريح, ثم كحضر الفرس, ثم كالراكب, ثم كشد الرجال، ثم كمشيهم)) (٢). وكذلك في رواية أبي سعيد الخدري ﵁ بعد أن وصف النبي ﷺ صفة الصراط, وذكر الشوكة العقيفاء، قال: ((المؤمن عليها كالطرف, وكالبرق, وكالريح, وكأجاويد الخيل, والركاب)) (٣). شرح الألفاظ: قال العيني: (كالطرف): بكسر الطاء وهو الكريم من الخيل وبالفتح البصر)). قلت: المعنى الثاني هو المراد بدليل أن النبي ﷺ ذكر بعد ذلك البرق, والريح, ومرور الخيل على الترتيب في السرعة. أجاويد الخيل: جمع الأجود وهو جمع الجواد وهو فرس بيَّنٌ الجودة. (الركاب: الإبل واحدتها الراحلة من غير لفظها). (عمدة القاري) (٢٠/ ٣٢٠). قلت: وهناك من يزحف على الصراط زحفاً كما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً)) (٤). أما آخر الناس مروراً على الصراط فهو المسحوب كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ وفيه يقول النبي ﷺ : ((حتى يمر آخرهم يسحب سحباً)) (٥).

стр. 2015

أثر ابن مسعود: قال عبد الله بن مسعود ﵁: (يأمر الله ﵎ بالصراط فيضرب على جهنم قال: فيمر الناس زمراً على قدر أعمالهم، أوائلهم كلمح البرق (الخاطف) , ثم كمر الريح، ثم كمر الطائر، ثم كأسرع البهائم, ثم كذلك ثم يمر الرجل سعياً، ثم يمر الرجل ماشياً، ثم يكون آخرهم رجلاً يتلبط على بطنه يقول: يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول: إنما أبطأ بك عملك!) (١). قلت: هذا الأثر له حكم الرفع لأنه مما لا يقال بالرأي فهو من الأمور الغيبية. الأمانة والرحم على الصراط: يدل على ذلك حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄ عن النبي ﷺ عندما ذكر ذهاب الناس إلى آدم, ثم إبراهيم, ثم موسى, ثم عيسى, ثم محمد، قال ﷺ : ((وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً)) (٢) قلت: وذلك يدل على عظم شأنهما والظاهر والراجح أنهما تقومان كشيئين، ولا يعلم حقيقتهما إلا الله . قال الحافظ (٣): (والمعنى أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما يوقفان هناك للأمين والخائن, والمواصل والقاطع, فيحاجان عن المحق, ويشهدان على المبطل). اهـ. قال الطيبي (٤): (ويمكن أن يكون المراد بالأمانة ما في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ [الأحزاب: ٧٢]. (٢) وصلة الرحم ما في قوله تعالى: وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء: ١]. فيدخل فيه معنى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكأنهما اكتنفتا جنبتي الإسلام الذي هو الصراط المستقيم وفطرتي الإيمان والدين القويم). اهـ. صفة الصراط لحاي الحاي – ص ١٩

стр. 2016

المبحث الخامس: الذين يمرُّون على الصّراط هم المؤمنون دون المشركين دلت الأحاديث التي سقناها على أن الأمم الكافرة تتبع ما كانت تعبد من آلهة باطلة، فتسير تلك الآلهة بالعابدين، حتى تهوي بهم في النار، ثم يبقى بعد ذلك المؤمنون وفيهم المنافقون، وعصاة المؤمنين، وهؤلاء هم الذين ينصب لهم الصراط. ولم أر في كتب أهل العلم من تنبه إلى ما قررناه من أن الصراط إنما يكون للمؤمنين دون غيرهم من الكفرة المشركين والملحدين غير ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى، فإنه قال: في كتابه (التخويف من النار): واعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ومشرك يعبد مع الله غيره، فأما المشركون، فإنهم لا يمرون على الصراط، وإنما يقعون في النار قبل وضع الصراط. وقد ساق بعض الأحاديث التي سقناها، ومنها حديث أبي سعيد الخدري الذي في (الصحيحين)، ثم قال: فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله كالمسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط، إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولاً، وقد دل القرآن على هذا المعنى في قوله تعالى: في شأن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨] وأما من عبد المسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبين إلى الأنبياء، ثم يردون النار بعد ذلك. وقد ورد في حديث آخر أن من كان يعبد المسيح يمثل له شيطان المسيح فيتبعونه، وكذلك من كان يعبد العزير، وفي حديث الصور أنه يمثل لهم ملك على صورة المسيح، وملك على صورة العزير، ولا يبقى بعد ذلك إلا من كان يعبد الله وحده في الظاهر سواء كان صادقاً أو منافقاً من هذه الأمة وغيرها، ثم يتميز المنافقون عن المؤمنين بامتناعهم عن السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يقسم للمؤمنين. وهذا نظر سديد من قائله ﵀. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧٥

стр. 2017

المبحث السادس: أول من يجيز الصراط الرسول ﷺ ثم أمته أول من يجيز الصراط: يدل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه الذي فيه يقول النبي ﷺ : ((ويضرب السراط بين ظهري جهنم, فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها)) (١). (وهذا لفظ البخاري). وكذلك رواية أبي هريرة ﵁ في كتاب الآذان من صحيح البخاري وفيها يقول النبي ﷺ : ((فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل, وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم)) (٢). قلت: ورواية أبي هريرة ﵁ عند مسلم توضح مكان النبي ﷺ إلى أن تمر أمته كلها – وهو على الصراط ﷺ وذلك لقوله ﷺ فيها بعد أن ذكر صفات الذين يمرون على الصراط: ((ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم)) (٣). وكذلك الأنبياء ﵈ كما في رواية أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((والأنبياء بجنبتي الصراط وأكثر قولهم: اللهم سلم سلم)) (٤). صفة الصراط لحاي الحاي – ص ٢٤

стр. 2018

المبحث السابع: الناجون والهالكون بين الرسول ﷺ مصير الناس بعد المرور على الصراط في أحاديث كثيرة، فقال في حديث رواه ابن أبي عاصم من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ بعد أن ذكر كيف يمر الناس على الصراط: ((فناج مسلم, ومخدوش مكلم, ومكردس في النار)) (١). وقال ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري أيضاً عند ابن ماجة وغيره: ((فناج مسلم, ومخدوش به, ثم ناج ومحتبس به ومنكوس فيها)) (٢). وفي رواية أبي سعيد عند البخاري قال ﷺ : ((فناج مسلم, ومخدوش, ومكدوس في نار جهنم)) (٣) قال ابن أبي جمرة معلقاً على حديث البخاري: (يؤخذ منه أن المارين على الصراط ثلاثة أصناف: ١ - ناج بلا خدش. ٢ - وهالك من أول وهلة. ٣ - ومتوسط بينهما يصاب ثم ينجو. وكل قسم منها ينقسم أقساماً تعرف بقوله: (بقدر أعمالهم)) اهـ (٤). قلت: وهناك قسم رابع وهو المحتبس به كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي تقدم. والله أعلم. أما الصنف الأول الذي ذكره ابن أبي جمرة وهو: ١ - الناج بلا خدش: فقد ذكره ﷺ في أحاديث كثيرة بلفظ (ناج مسلم) كما في الأحاديث السابقة، والناس من هذا الصنف هم الذين يعطون نوراً عظيماً على الصراط على قدر أعمالهم, فينطلقون عليه بسرعة عظيمة كما بيَّنا في فصل (كيف يمر الناس على الصراط) (ص١٩). وقد ذكر رسول الله ﷺ في حديث جابر صفتهم بقوله: ((ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفاً لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء)) (٥) والصنف الثاني وهو: ٢ - الهالك من أول وهلة: ذكره النبي ﷺ بألفاظ مختلفة كقوله في الأحاديث السابقة: ((مكردس في النار)) و ((منكوس فيها)) و ((مكدوس في نار جهنم)) وقوله في رواية أبي هريرة عند البخاري: ((الموبق بقي بعمله)) (٦). والناس في هذا الصنف هم المنافقون الذين يعطيهم الله تعالى نوراً فينطلقون على الصراط ثم يطفأ نورهم فيسقطون في النار والعياذ بالله ... وكذلك العصاة والفسقة من الموحدين والله أعلم. وقوله: ((منكوس فيها)) قال الراغب في كتابه (المفردات في غريب القرآن) (ص٥٠٥): (النكس قلب الشيء على رأسه). اهـ وقال الفيومي في (المصباح) (ص ٦٢٥): (ومنه قيل ولد (منكوس) إذا خرج رجلاه قبل رأسه لأنه مخالف للعادة). اهـ. قلت: مما سبق يتبين لنا أن قوله ﷺ : ((منكوس فيها)). أي مقلوب فيها على رأسه والله أعلم. وقوله: ((مكدوس في نار جهنم)). قال ابن الأثير في (النهاية) (٤/ ١٥٥): (أي مدفوع، وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط، ويروى بالشين المعجمة، من الكدش، وهو السوق الشديد. اهـ. وقوله: (الموبق بقي بعمله) قال العيني: الموبق: من وبق: أي هلك، أوبقته ذنوبه: أهلكته). اهـ (٧). قلت: كما في حديث: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) أي المهلكات.

стр. 2019

أما الصنف الثالث وهو: ٣ - المتوسط بينهما يصاب ثم ينجو: فقد ذكره النبي ﷺ بألفاظ مختلفة كقوله في الأحاديث السابقة: ((مخدوش مكلم)) و ((مخدوج به)) وكقوله في رواية أبي هريرة عند البخاري ((ومنهم المخردل ثم ينجو)) (١). وقوله في رواية أبي هريرة عند مسلم: ((ومنهم المجازى حتى يُنجَّى)) (٢). والناس من هذا الصنف هم الذين اجترحوا السيئات واكتسبوا الخطايا، فتخطفهم الكلاليب, فتجرح أجسادهم, ثم ينجون بفضل رحمة الله ثم بما قدموه من طاعات في الحياة الدنيا، والله أعلم. وقوله: ((مخدوش مكلم)) قال ابن الأثير في (النهاية) (٢/ ١٤): (خدش الجلد: قشره بعود أو نحوه). اهـ. وقال الكرماني: (مخدوش: أي مخموش ممزوق. وهو من الخمش وهو تمزيق الوجه بالأظافير) (٣). وقوله ((مكلم)) من الكلم وهو الجرح. وقوله ((مخدوج به)) من الخداج وهو النقصان كما قال ابن الأثير في (النهاية) (٢/ ١٢). قلت: والمعنى أن كلاليب الصراط تجرحه فتنقص من جسده، والله أعلم. وقوله: ((ومنهم المخردل ثم ينجو)) قال ابن الأثير في (النهاية) (٣/ ٢٠): (هو المرمي المصروع، وقيل: المقطع، تقطعه كلاليب الصراط، يقال: خردلت اللحم: أي فصلت أعضاءه وقطعته ومنها قصيدة كعب بن زهير: يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ... لحم من القوم معفور خراديل أي مقطع قطعاً). اهـ. قلت: والمعنى الثاني أنسب لسياق الخبر، والله أعلم. وقوله: ((المجازي حتى ينجى)) المجازى: من الجزاء. والمعنى والله أعلم أن ما يحدث له على الصراط من تقطيع وترويع عظيمين إنما هو جزاء له على أعماله الفاسدة, وعلى تقصيره في حق ربه في حياته الدنيا. كلام الناجين بعد المرور على الصراط: بين لنا النبي ﷺ في حديث ابن مسعود الطويل الذي تقدم ماذا يقول الناجون بعد الانتهاء من المرور على الصراط ونجاتهم من السقوط في النار بقوله بعد أن ذكر مرور الناس على الصراط: ((فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك, لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد)) (٤). نسأل الله تعالى الرحمن الرحيم، أن نكون من الناجين في ذلك اليوم العظيم العصيب، فالنجاة في ذلك اليوم لا تكون إلا بفضل مشيئة الله تعالى ورحمته ثم بما قدمه المرء من أعمال صالحة في هذه الحياة الفانية، كما قال النبي ﷺ : ((ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من يجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك)) (٥). صفة الصراط لحاي الحاي - بتصرف – ص ٢٥

стр. 2020

المبحث الثامن: التفاضل في المرور على الصراط والمؤمنون يتفاضلون في المرور على الصراط، وهم في ذلك ثلاثة أصناف كما أخبر النبي ﷺ : ((فناج مسلم, وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم)) (١). فهم في الجملة صنفان: ١ - ناجون سالمون من السقوط في جهنم يجوزون الصراط. ٢ - مطروحون ساقطون في جهنم لا يتمون المرور على الصراط، فإذا عوقبوا على معاصيهم أخرجوا من النار إلى الجنة، وقد ورد إجمالهم في هذين الصنفين عن النبي ﷺ في رواية إذ قال: ((فمنهم من يوبق بعمله, ومنهم من يخردل ثم ينجو)) (٢). ثم الناجون في الجملة صنفان: سالمون من خدش الكلاليب التي على الصراط, ومخدوشون قد نالت منهم الكلاليب شيئاً بحسب أعمالهم. ثم الناجون متفاضلون في صفة مرورهم على الصراط, فمنهم من يمر عليه كالطرف، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل, حتى يمر آخرهم يسحب سحباً، أخبر بذلك النبي ﷺ (٣). وأفضل المارين على الصراط وأكملهم مروراً الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد قال ﷺ : ((ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل, وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم)) (٤) وأفضل أتباع الأنبياء مروراً أمة محمد ﷺ , فهم أول من يجوز الصراط من الأمم، قال ﷺ : ((فأكون أول من يجوز من الرسل بأمتي)) (٥). وقد سئل ﷺ : ((من أول الناس إجازة؟ قال: فقراء المهاجرين)) (٦) وهذه فضيلة لفقراء المهاجرين. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص٤٠٢

стр. 2021

تمهيد هذه القنطرة ثبتت في السنة النبوية، وهي خاصة لمسلك المؤمنين إلى الجنة، حيث يقفون عليها ليقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا؛ أذن لهم بدخول الجنة ,كما ورد بذلك الحديث، وهي أشبه ماتكون بتصفية الذهب لجعله نقيا خالصا من كل شائبة مهما دقت. وقد اختلف العلماء فيها: هل هي صراط مستقل وله ميزات خاصة به؟ أم إنها من تتمة الصراط العظيم المنصوب على متن جهنم؟ ... والخلاف المشار إليه إنما هو في موضعها لا في ثبوتها، فهي ثابتة لا شك فيه، كما يتضح من أدلتها الآتية. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٢١

стр. 2022

المطلب الأول: أدلة إثبات القنطرة حديث القنطرة: وهو حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقص لبعضه من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة, فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة بمنزله كان في الدنيا)) (١). قلت: وعند البخاري في (المظالم) (٥/ ٩٦): ((إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار)). قال الحافظ: ((واختلف في القنطرة المذكورة فقيل: هي من تتمة الصراط وهي طرفه الذي يلي الجنة وقيل أنهما صراطان وبهذا الثاني جزم القرطبي)) اهـ (٢). قلت: وفي كتاب (المظالم) رجح الحافظ الأول فقال: (الذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن تكون من غيره بين الصراط والجنة). اهـ (٣). قلت: ذكر القرطبي أن الصراط صراطان في كتابه التذكرة فقال: (اعلم رحمك الله أن في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم إلا من دخل الجنة بغير حساب, أو من يلتقطه عنق النار فإذا خلص من هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم الله منهم أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم حبسوا على صراط آخر خاص لهم ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء الله لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه, وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه). اهـ (٤). (٣) قلت: وذكر العيني نحو ذلك فقال عند ذكر القنطرة: (قيل هذا يشعر بأن في القيامة جسرين، هذا والذي على متن جهنم المشهور بالصراط. واجب بأنه لا محذور فيه، ولئن ثبت بالدليل أنه واحد فتأويله أن هذه القنطرة من تتمة الأول) اهـ (٥). قلت: الذي ثبت عن النبي ﷺ أن الصراط واحد, ولم يذكر ﷺ أن الصراط صراطان (مجاز أو خاص) كما ذكر القرطبي ﵀. والذي يقتضي الدليل رجحانه أن القنطرة جسر بين الجنة والنار لا علاقة له بالصراط كما هو ظاهر حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وظاهره يدل أيضاً على أن المؤمنين خلصوا أي فرغوا وانتهوا من المرور على الصراط كما قال الحافظ: (قوله: ((إذا خلص المؤمنون من النار)): أي نجوا من السقوط فيها بعد ما جازوا على الصراط) اهـ (٦). وكما قال القرطبي ﵀: (معنى يخلص المؤمنون من النار أن يخلصوا من الصراط المضروب على النار) (٧). قلت: ويشهد لذلك حديث ابن مسعود الطويل الذي تقدم والذي يصف فيه النبي ﷺ مرور الناس على الصراط حتى قال فيه: ((حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخر يد، وتعلق يد وتخر رجل، وتعلق رجل, وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد)) (٨). قلت: فهذا الحديث نص صريح في أن معنى خلصوا هو انتهاء الناس من المرور على الصراط، وبذلك نعلم أن القنطرة ليست تتمة للصراط، والعلم عند الله تعالى. صفة الصراط لحاي الحاي – ص ٣٢

стр. 2023

المطلب الثاني: موضع تلك القنطرة أما موضع تلك القنطرة؛ فقد اختلف العلماء كما أشرنا سابقا – في موضعها، وحاصل الخلاف يرجع إلى أمرين: - الأمر الأول: أن تلك القنطرة هي جزء من الصراط وتتمة له. الأمر الثاني: أنها صراط مستقل بين الصراط الأول والجنة، خاصة بمن كتبت لهم السعادة. وبعض العلماء لم يترجح لديه أحد الأمرين. قال ابن حجر: واختلف في القنطرة المذكورة، فقيل: هي من تتمة الصراط، وهي طرفه الذي يلي الجنة، وقيل: إنهما صراطان. وذهب القرطبي إلى القول بأن القنطرة ليست من الصراط الأول العظيم المنصوب على متن جهنم، وإنما هي صراط ثان وقد بوب على هذا بقوله: باب: ذكر الصراط الثاني، وهو القنطرة التي بين الجنة والنار، وذكر أن المؤمنين إذا خلصوا من صراط جهنم حبسوا على صراط آخر خاص لهم. قال: ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد _ إن شاء الله _ لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم، الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه، وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه. (١) ونقل القرطبي – عن مقاتل أيضا – ما يفيد أنه يرى أن القنطرة صراط آخر, وذلك في قوله: قال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم؛ حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار؛ فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا وطيبوا؛ قال لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ [الزمر: ٧٣] بمعني التحية طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣]. (٢) وينقل السفاريني عن السيوطي ترجيحه لكون القنطرة طرف من الصراط الذي يلي الجنة؛ أي أنه يرى أنها جزء من الصراط وتتمة له؛ حسب نقل السفاريني الآتي: قال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه (البدور السافرة في علوم الآخرة): والأول – يعني أنه طرف الصراط الذي يلي الجنة – هو المختار الذي دلت عليه أحاديث القناطر والحساب على الصراط. (٣) أما الإمام ابن كثير فإنه يجعلها بعد نهاية النار, وكأنه يجعلها صراطا مستقلا منصوبا على هول لانعلمه، فهو بعد ذكر كلام القرطبي ورأيه في هذه القنطرة من إنها صراط ثان؛ قال معلقا عليه: قلت: هذه بعد مجاوزة النار فقد تكون القنطرة منصوبة على هول آخر, مما يعلمه الله ولا نعلمه نحن, وهو أعلم. (٤) فهو لم يترجح لديه – حسبما يظهر من كلامه – هل هي صراط آخر أو هي متصلة بالصراط العظيم الذي هو على متن جهنم؟ وكذلك ابن حجر، فإنه لم يرجح أيا من القولين حيث قال: والذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن يكون من غيره بين الصراط والجنة. (٥) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٢٩

стр. 2024

المبحث الأول: لفظة الورود في القرآن الكريم قال الله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ٧١ - ٧٢]. وقد جاءت لفظة الورود في القرآن الكريم _ مرادا به الدخول في النار _ في ستة مواضع، في قوله تعالى في الآيات الآتية: ١ - وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]. ٢ - يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود: ٩٨] ٣ - وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]. ٤ - لَوْ كَانَ هَؤُلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوها [الأنبياء: ٩٩] ٥ - وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم: ٨٦] ٦ - حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] وكان ابن عباس يستند إلى هذه الآيات في تفسيره للورود بالدخول في النار فهل الورود المذكور في الآيات يراد به الدخول في النار؟ أو مجرد المرور من غير إحساس بها؟ الواقع أن هذه المسألة هي من المسائل التي فيها خلاف بين العلماء في زمن الصحابة ومن بعدهم. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٤٧

стр. 2025

المبحث الثاني: أقوال العلماء في معني الورود اختلف العلماء في المراد بهذا الورود إلى أقوال كثيرة، يمكن إيجازها فيما يلي: ١ - الورود المذكور في الآية: يراد به الدخول في النار ٢ - يراد به المرور عليها؛ أي فوق الصراط ٣ - يراد به الدخول, ولكن عني به الكفار دون المؤمنين ٤ - أنه عام لكل مؤمن وكافر, غير أن ورود المؤمن المرور, وورود الكافر الدخول ٥ - ورود المؤمن ما يصيبه في الدنيا من حمى ومرض ٦ - أنه يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم وتلك أشهر الأقوال. وهناك أقوال أخرى ذكرها بعض أهل العلم منها: ٧ - القول بالتوقف في معنى الورود ٨ - ومنها القول بأن المراد بالورود هنا هو الإشراف والاطلاع والقرب منها، حيث يكونون وهم في الموقف يشاهدون النار؛ فينجيهم الله مما شاهدوه. ونبدأ الآن بذكر عزو تلك الأقوال إلى أهلها ثم الترجيح فيما يأتي: أما الذين فسروه بالدخول, من السلف: فمنهم ابن عباس, وابن مسعود وعبد الله بن رواحه, وجابر بن عبد الله, وأبو ميسرة, وابن جريج, وخالد ابن معدان. أما ابن عباس, فقد اشتهر رأيه هذا, في جوابه لنافع بن الأزرق في مساءلات نافع لابن عباس المشهورة، فقد جاء نافع يسأل ابن عباس عن معنى الآية فقال ابن عباس: الورود: الدخول، وقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] أورود هو أم لا؟ وقال: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]، أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل تخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، قال: فضحك نافع. (١) وفي رواية أخرى لعطاء بن أبي رباح قال: قال أبو راشد الحروري – يعنى نافع بن الأزرق -: ذكروا هذا؛ فقال الحروري: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [الأنبياء: ١٠٢]، قال ابن عباس: ويلك، أمجنون أنت؟ أين قوله تعالى: يقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]، وقوله: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم: ٨٦]، وقوله وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]، والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما وأدخلني الجنة غانما. (٢) والروايات عن ابن عباس في هذا كثيرة وبطرق متعددة، يرى أن الورود المذكور في الآية يراد به الدخول لكل أحد؛ مسلما كان أم كافرا، وهو المشهور عنه. (٣) قال الجمل: وهذا هو تفسير ابن عباس الصحيح عند أهل السنة. (١) وأما جابر بن عبد الله ﵁؛ فقد جاء عن أبي سمية أنه قال: اختلفنا هاهنا في الورود؛ فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا؛ ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت: إنا اختلفنا ها هنا في ذلك، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا، فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال: ((صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الورود: الدخول)) لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار – أو قال لجهنم – ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين)) (٢). وأخرج الطبري بسنده إلى خالد بن معدان قال: (قال أهل الجنة بعدما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة).

стр. 2026

وأخرج كذلك عن غنيم بن قيس قال: (ذكروا ورود النار، فقال كعب: تمسك النار للناس كأنها متن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق، برهم وفاجرهم ثم يناديهم مناد: أن أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، قال: فيخسف بكل ولي لها، ولهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية أبدانهم، قال: وقال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود له شعبتان، يدفع به الدفعة فيصرع به في النار سبعمائة ألف). (٤) وأخرج عن أبي إسحاق، قال: (كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي فقيل: وما يبكيك يا أبا ميسرة؟ قال: أخبرنا أنا واردوها، ولم يخبرنا أنا صادرون عنها). (٥) وعن قيس بن أبي حازم قال: (بكى عبد الله بن رواحة في مرضه فبكيت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال ابن رواحة: إني قد علمت أني وارد النار فما أدري أناج منها أنا أم لا؟) (٦) وقال أبو عمرو داود بن الزبرقان: سمعت السدي يذكر عن مرة الهمداني عن أبي مسعود: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]، قال: داخلها. (١) وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه سئل عن قوله: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]، قال: وإن منكم إلا داخلها (٢) والروايات عن ابن مسعود كثيرة يفسر الورود في النار بالدخول فيها. (٣) ومما يدل على أن الورود المراد به الدخول: ما جاء عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه سلطانه بحرس، لم ير النار بعينه، إلا تحلة القسم، فإن الله تعالى يقول: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١])) (٤) وكذا ماجاء عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلة القسم)) يعنى الورود. (٥) هذا ما يتعلق بالرأي الأول وهو تفسير الورود بالدخول في النار، وهل ذلك يشمل الأنبياء والرسل وخاصة المؤمنين أو لا؟ سيأتي جوابه في مسألة خاصة به بعد عرض آراء العلماء في الورود. ٢ - أما الرأي الثاني وهو تفسير الورود بالمرور عليها: فهو رأي قتادة وغيره من علماء السلف وفي هذا يقول الطبري: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] يعنى: جهنم، مر الناس عليها. وفي رواية أخرى عن معمر عن قتادة بما سبق. (٦) وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: ((لا يدخل النار – إن شاء الله – من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] فقال النبي ﷺ : قد قال الله : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ٧٢])) (١). قال النووي عن معنى الحديث ((لايدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة. ..... )) إلخ. قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعا – كما صرح به في الحديث الذي قبله – وإنما قال: إن شاء الله؛ للتبرك لا للشك (٢) وحديث حاطب الذى أشار إليه النووي هو ما رواه جابر ﵁: ((أن عبدا لحاطب جاء الرسول ﷺ يشكو حاطبا فقال يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله ﷺ : كذبت، لا يدخلها؛ فإنه شهد بدرا والحديبية)) (٢)

стр. 2027

وأما قول حفصة: بلى، وانتهار النبي ﷺ لها؛ فقالت: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]، فقال النبي ﷺ : وقد قال: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا [مريم: ٧٢] – فيه دليل للمناظرة والاعتراض والجواب، على وجه الاسترشاد؛ وهو مقصود حفصة؛ لا أنها أرادت رد مقالته ﷺ ، والصحيح أن المراد بالورود في الآية: المرور على الصراط؛ وهو جسر منصوب على جهنم) (٤) ويقول ابن أبي العز: واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] ماهو؟ والأظهر والأقوى: أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ٧٢]. ثم قال في تعليقه على حديث حفصة المتقدم: (أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تسلتزم حصوله؛ بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم، ولهذا قال تعالى: وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا [هود: ٥٨]. فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا [هود: ٦٦]. وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا [هود: ٩٥] ولم يكن العذاب أصابهم ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك، وكذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذي اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا). (١) أما الرأي الثالث: وهو القول بأن الورود هو الدخول، لكنه عنى الكفار دون المؤمنين، فإن هذا الرأي يعزى إلى ابن عباس أيضا وقد ذكر هذا عنه الطبري دون تعيين اسم الراوي عن ابن عباس؛ بل قال بسنده عن شعبة قال: أخبرني عبد الله بن السائب عن رجل سمع ابن عباس يقرؤها: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]؛ يعنى الكفار، قال: لا يردها مؤمن (٢). ويعزى كذلك إلى عكرمة: أن المراد بالورود هنا ورود الكفار. (٣) ويذكر ابن كثير عنهما أنهما كانا يقرآن الآية وَإِن مِّنهمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] يعنى الكفار. (٤) قال الجمل: لمناسبة الآيات التي قبل هذه، فإنها في الكفار وهي قوله: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ , ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ، أَيُّهُمْ أَشَدُّ، ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا، وَإِن مِّنكمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٦٨ - ٧١] وكذلك قرأ عكرمة وجماعة، لكن الأكثرون على أن المخاطب العالم كلهم كما تقدم. (٥) أما الرأي الرابع: وهو أن الورود عام لكل مؤمن وكافر، غير أن ورود المؤمن: المرور، وورود الكافر: الدخول؛ فهذا رأي ابن زيد، وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. قال الطبري: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]: ورود المسلمين: المرور على الجسر بين ظهريها، وورود المشركين أن يدخلوها، قال النبي الله ﷺ : ((الزالون والزالات يومئذ كثير ووقد أحاط الجسر سماطان من الملائكة ودعواهم يومئذ: يا الله، سلم سلم)) (١) أما الرأي الخامس: وهو أن ورود المؤمن ما يصيبه في الدنيا من حمى ومرض: فإنه يعزى هذا القول إلى مجاهد أنه قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] ويستدل له بما أسنده الطبري إلى أبي هريرة قال: ((خرج رسول الله ﷺ يعود رجلا من أصحابه وبه وعك، وأنا معه، ثم قال: إن الله يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة)) (١).

стр. 2028

أما الرأى السادس: وهو أن معنى الورود: هو أن يردها الجميع، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم؛ فهذا القول يعزى أيضا إلى عبد الله بن مسعود (٢)، وقد سبق أن أشرنا إلى أنه يفسر الورود بالدخول. ومن الأدلة لهذا القول: ما أخرجه الترمذي والإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود أن الرسول ﷺ قال: ((يرد الناس النار، ثم يصدرون منها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله, ثم كشد الرجل، ثم كمشيه)). قال الترمذي بعد أن أخرجه: هذا حديث حسن. (٤) وهو مرفوع من رواية السدي عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود، ورواه شعبة عن السدي فلم يرفعه، وقال عبد الرحمن بن مهدي – أحد رواة الحديث –: قلت لشعبة: وقد سمعته من السدي مرفوعا ولكني عمدا أدعه. والحاصل أن الحديث مرفوع أما بالنسبة للقول السابع؛ وهو القول بالتوقف: فهو ما ذكره الشوكاني بعد أن نسبه إلى كثير من العلماء، وذلك في قوله: (وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود، وحمله على ظاهره لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١]، قالوا فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده عنها). (٦) فسبب توقفهم عن تحقيق القول في الورود: أن الله أخبر أن من سبقت لهم الحسنى لا يردون النار، وأخبر في سورة مريم أنه ما من أحد إلا وسيرد النار؛ فصاروا إلى التوقف. لكن الآية - إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء: ١٠١] إلى آخرها – تقوي قول من ذهب إلى أن الورود يراد به المرور العادي وعدم الدخول؛ وهو ما يذهب إليه بعض العلماء. وفي هذا يقول الشوكاني: (ومما يدل على أن الورود لا يستلزم الدخول: قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ [القصص: ٢٣] فإن المراد أشرف عليه لا أنه دخل فيه، وقول زهير: فلما وردن الماء زرقا جمامة ... وضعن عصي الحاضر المتخيم). (١) أما القول الثامن – وهو ما ذكره العلامة الجمل عن بعض الفرق بقوله: (وقالت فرقة: الورود هو الإشراف والاطلاع والقرب، وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم؛ فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه، ويصار بهم إلى الجنة، ويذر الظالمين؛ أي يأمر بهم إلى النار) (٢)،– فهو بعيد عن معنى الآية والمراد بها. القول الراجح في معنى الورود: بعد عرض ما سبق؛ اتضح أن معنى الورود الذي ذكره الله يحتمل معاني كثيرة، ولهذا فقد اختلف كلمة العلماء في تعريفه، والمراد منه، إلى الأقوال التي ذكرناها، والواقع أن تلك الأقوال منها ما هو قريب، ومنها ما هو بعيد إلا أنه يقال: إن القول السادس منها – وهو أنه يردها الجميع، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم – وهو الراجح؛ لتصريح الآية به وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ٧٢] بالإضافة إلى ما ثبت عن رسول الله ﷺ في وصف الصراط ومرور الناس عليه بحسب أعمالهم. ولهذا يقول الطبري في ترجيحه: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون؛ فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار وورودهموها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناج مسلم ومكدس فيها. (٣) وقال الشوكاني: (ولا يخفى أن القول بأن الورود: هو المرور على الصراط أو الورود على جهنم وهي خامدة، فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة؛ فينبغي حمل هذه الآية على ذلك؛ لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار؛ مع كون الداخل من المؤمنين مبعدا من عذابها، أو يحمله على المضي فوق الجسر المنصوب عليها؛ وهو الصراط. (١) وقد رجح ابن أبي العز أيضا القول بأن الورود يراد به المرور على الصراط كما سبق. (٢) الحياة الآخرة لغالب بن علي عواجي- ٢/ ١٣٤٧

стр. 2029

المطلب الأول: معنى الأعراف لغة الأعراف – حسب ما يظهر من أقوال العلماء – هو حاجز مرتفع بين أهل الجنة وأهل النار، وهو في اللغة كما قال الأزهري ﵀: (جمع عرف وهو كل عال مرتفع). (٤) وقال الطبري: (الأعراف جمع واحدها عرف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب فهو عرف، وإنما قيل لعرف الديك عرف، لارتفاعه على ما سواه من جسده). (١) وقال الشوكاني: (الأعراف جمع عرف، وهي شرفات السور المضروب بينهم، ومنه عرف الفرس، وعرف الديك، والأعراف في اللغة: المكان المرتفع). (٢) وفي تعليل تسمية المكان المرتفع عرفا يقول الرازي: لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه. (٣) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٧١

стр. 2030

المطلب الثاني: معنى الأعراف شرعا اختلف العلماء في معنى الأعراف إلى أقوال كثيرة، وحاصلها ما يأتي: ١ - الأعراف: هو مكان مرتفع يشرف على أهل الجنة والنار. ٢ - الأعراف: هو السور الذي ذكره الله تعالى فاصلا بين الجنة والنار. (٤) ٣ - هو جبل بين الجنة والنار، أو تل مرتفع، ويروى عن ابن عباس أنه تل بين الجنة والنار حبس عليه ناس من أهل الذنوب، وقال سعيد بن جبير: الأعراف جبال بين الجنة والنار، فهم على أعرافها، يقول على ذراها. (٥) ٤ - الأعراف: هو الصراط، قال ابن جريج: زعموا أنه الصراط. ٥ - هو حجاب بين فريقي أهل الجنة وأهل النار، وهو قول مجاهد. ٦ - وقال القرطبي: وقيل إنه سور بين الجنة والنار، قيل: هو جبل أحد يوضع هناك. (٦) ومن الذين ذهبوا إلى أن الأعراف هو السور المذكور في سورة الحديد في قوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد: ١٣]. ومن الذين ذهبوا إلى ذلك: السدي حيث قال: هو السور، وهو الأعراف، قال: وإنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس. وقال حذيفة: الأعراف سور بين الجنة والنار، وعن ابن عباس - في رواية عنه - قال: الأعراف هو السور الذي ذكره الله في القرآن، بين أهل الجنة وأهل النار. (١) وقد روى البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل في قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ [الحديد: ١٣] قال: يعنى بالسور حائطا بين أهل الجنة وأهل النار، له باب، باطنه - يعني باطن السور- فيه الرحمة مما يلي الجنة، وظاهره من قبله العذاب - يعنى جهنم، وهو الحجاب الذي ضرب بين أهل الجنة وأهل النار. (٢) وهناك أقوال أخرى ذكرها بعض العلماء، غير إنها لا تخرج في مفهومها عما سبق. وعلى أي احتمال كان؛ فإن جميع الأقوال في الأعراف – وهو: إما حجاب أو سور أو تل مشرف، أو جبال بين الجنة والنار أو أي حاجز آخر – كلها تهدف إلى إثبات أن حاجزا مرتفعا يجعله الله في يوم القيامة بين الجنة والنار، يشرف منه أصحاب الأعراف على فريقي الجنة والنار، يعرفون كلا بسيماهم، وأن أصحابه لم يتقرر مصيرهم بعد، ولكن مآلهم إلى الجنة. (٣) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٧٢

стр. 2031

المطلب الثالث: ما ورد في القرآن الكريم بشأن أصحاب الأعراف يقول تعالى: وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف: ٤٦]. ويقول تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف: ٤٨ - ٤٩]. وقال تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد: ١٣]. (٣) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٦٧

стр. 2032

المبحث الثاني: الخلاف في تعيين أصحاب الأعراف اختلف العلماء في تعيين أصحاب الأعراف، وفي السبب الذي صاروا به موقوفين على الأعراف، كما أخبر الله عنهم؛ اختلف العلماء في ذلك إلى آراء مختلفة وأقوال متباينة، وفيما يلي: نذكر ما قيل في تعيينهم ثم الترجيح: فمما قيل في تعيينهم: ١ - أنهم مساكين أهل الجنة، وينسب هذا القول إلى ابن مسعود وكعب الأحبار وابن عباس (١). وأخرج الطبري عن ابن عباس أنه قال: (الأعراف سور بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بدا لله – هكذا بالأصل – أن يعافيهم؛ انطلق بهم إلى نهر يقال له: الحياة، حافتاه قصب الذهب، مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك؛ فألقوا فيه، حتى تصلح ألوانهم ويبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، حتى إذا صلحت ألوانهم، أتى بهم الرحمن، فقال: تمنوا ما شئتم، قال: فيتمنون، حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمون مساكين الجنة) (٢). وهو رأى عبد الله بن الحارث –أيضا- كما أخرج الطبري عن مجاهد عن عبد الله بن الحارث قال: (أصحاب الأعراف ينتهى بهم إلى نهر يقال له: الحياة، حافتاه قصب من ذهب، قال سفيان: أراه قال: مكلل باللؤلؤ، قال: فيغتسلون فيزدادون، فكلما اغتسلوا ازدادت بياضاً، فيقال لهم: تمنوا ما شئتم، فيتمنون ما شاءوا، فيقال لهم: لكم ماتمنيتم وسبعون ضعفاً، قال: فهم مساكين أهل الجنة) (٣). ٢ - أنهم قوم صالحون، فقهاء، علماء، وينسب هذا القول إلى مجاهد (٤)؛ وهذه صفة مدح لهم، غير أنه جاء في التفسير المنسوب إلى ابن عباس أن هؤلاء كانوا شاكين في الرزق (٥)؛ وهذه صفة ذم، وقد وصف ابن كثير هذا القول بأن فيه غرابة (٦). ٣ - أنهم الشهداء، ذكره المهدوي (٧)، وعزاه الشوكاني إلى القشيري وشرحبيل بن سعد (٨). ٤ - هم فضلاء المؤمنين والشهداء، فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس، ذكره أبو نصر عبد الرحمن بن عبد الكريم القشيري (٩)، وعزاه الشوكاني إلى مجاهد (١٠). ٥ - هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم، ويعزى هذا القول إلى شرحبيل بن سعد أيضاً (١١). وأخرج الطبري حديثين في هذا: الأول منهما قال فيه: حدثني المثنى، وساق السند إلى يحيى بن شبل، أو رجلاً من بني النضير أخبره عن رجل من بني هلال، أن أباه أخبره، أنه سأل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف، فقال: ((هم قوم غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم، فقتلوا فاعتقهم الله من النار بقتلهم في سبيله، وحبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم، فهم آخر من يدخل الجنة)) (١٢). وأما الحديث الثاني، فقد أخرجه عن يحيى بن شبل، مولى بني هاشم، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال: ((قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار، ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة)) (١٣)، وهذا الحديث قد ضعفه بعض العلماء (١٤).

стр. 2033

ويروى عن أبي سعيد أنه قال: سئل النبي ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال: ((هم رجال قتلوا في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم، فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار، ومنعتهم المعصية أن يدخلوا الجنة، وهم على سور بين الجنة والنار، حتى تذبل لحومهم وشحومهم، حتى يفرغ الله من حساب الخلائق، فإذا فرغ من حساب خلقه فلم يبق غيرهم، تغمدهم منه برحمة فأدخلهم الجنة برحمته)) (١). وقد ذكر الرازي، أن القول الذي يجعل الأعراف، عبارة عن الرجال الذين يعرفون أهل الجنة وأهل النار، يعود أيضاً إلى قول من يجعل الأعراف، عبارة عن الأمكنة العالية، على السور المضروب بين الجنة وبين النار، لأن هؤلاء الأقوام لابد لهم من مكان عال يشرفون منه على أهل الجنة وأهل النار (٢). ٦ - هم: العباس، وحمزة، وعلي بن أبي طالب، وجعفر ذو الجناحين، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضهم بسواد الوجوه، ذكره الثعلبي عن ابن عباس (٣). وبعد هذا القول لا يخفى؛ لأن هذا التخصيص لا معنى له، ولعله من أقوال الشيعة: بل قد ذكر محمد رشيد رضا أنه من أقوالهم، وهو كذلك لم يوجد في كتب التفسير المعتمدة عن السلف؛ قال: (وهذا القول: ذكر الآلوسي أن الضحاك رواه عن ابن عباس: ولم نره في شيء من كتب التفسير المأثورة، والظاهر أنه نقله عن تفاسير الشيعة، وفيه أن أصحاب الأعراف يعرفون كلاً من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم؛ أي فيميزون بينهم أو يشهدون عليهم، وأي فائدة في تمييز هؤلاء السادة – على الصراط- لمن كان يبغضهم من الأمويين، ومن يبغضون علياً خاصة، من المنافقين والنواصب؟ وأين الأعراف من الصراط؟ هذا بعيد عن نظم الكلام وسياقه جداً) (٤). ٧ - هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة، ذكره الزهراوي، واختاره النحاس (٥). قال العلامة محمد رشيد رضا: (فكما ثبت أن كل رسول يشهد على أمته أن أمة محمد ﷺ شهداء على جملة من الأمم بعده؛ ثبت أيضاً أن في الأمم شهداء غير الأنبياء ﵈، قال الله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤١]. وقال في خطاب هذه الأمة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]، وقال في صفة يوم القيامة: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الزُّمر: ٦٩]. وهؤلاء الشهداء هم حجة الله على الناس في كل زمان بفضائلهم واستقامتهم على الحق والتزامهم للخير وأعمال البر) (٦). ٨ - هم قوم أنبياء، قاله الزجاج (٧). (أي يجعلهم الله تعالى على أعالي ذلك السور، تمييزاً لهم على الناس، ولأنهم شهداؤه على الأمم، ورجح هذا القول الرازي) (٨). هذا كلام محمد رشيد رضا عنه. وقد أورد الرازي في تفسيره -بعد ذكر هذا القول- أن هذا الوجه لا يتفق مع معنى الآية: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ، أي لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء والملائكة والشهداء.

стр. 2034

لكنه قال في الإجابة عن هذا: (أجاب الذاهبون إلى هذه الوجه بأن قالوا: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى بين من صفات أصحاب الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر؛ والسبب فيه أنه تعالى ميزهم عن أهل الجنة وأهل النار، وأجلسهم على تلك الشرفات العالية والأمكنة المرتفعة، ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، فيلحقهم السرور العظيم بمشاهدة تلك الأحوال، ثم استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، فحينئذ ينقلهم الله تعالى إلى أمكنتهم العالية في الجنة، فثبت أن كونهم غير داخلين في الجنة، لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم. وأما الطمع المذكور في الآية، فهو على ما ذكر هؤلاء، يكون معناه: اليقين، لا الطمع الذي لا يثق صاحبه بحصول المراد، وعلى هذا قوله تعالى عن إبراهيم: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: ٨٢] فهذا الطمع طمع يقين (١). ٩ - هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا فوقفوا، وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم، فيقع في مقابلة صغائرهم. حكاه ابن عطية القاضي أبو محمد في تفسيره (٢). ١٠ - ذكره ابن وهب عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف الذين ذكر الله في القرآن، أصحاب الذنوب العظام من أهل القبلة، وذكره ابن المبارك؛ قال: أخبرنا جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، فأقيموا ذلك المقام، إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم بسواد الوجوه، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض وجوههم. وفي رواية سعيد بن جبير عن عبد الله بن مسعود: (وكانوا آخر أهل الجنة دخولاً الجنة) (٣). ١١ - أنهم أولاد الزنا، ذكره أبو نصر القشيري عن ابن عباس (٤). ١٢ - أنهم ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار. قاله أبو مجلز لاحق بن حميد، فقيل له: لا يقال للملائكة رجال، فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم كما وضع على الجن في قوله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ [الجنّ: ٦] (٥). وذكر الطبري روايات عن أبي مجلز في تقوية هذا القول الذي يتزعمه، ويجادل في أن أهل الأعراف هم رجال من الملائكة. وهناك روايات كثيرة عن أبي مجلز لا حاجة إلى التطويل بذكرها، فهي لا تخلو – سواء أصحت نسبتها إليه أم لم تصح – عن كونها قولاً من الأقوال يحتاج لصحة إثباته إلى نص عن رسول الله ﷺ . على أن ابن كثير قد ذكر بعد إيراد الرواية عنه صحة نسبة هذا القول إلى أبي مجلز، ولكن حكم عليها بالغرابة، وعدم الانسياق مع الظاهر من وصف الملائكة، فقال: (وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد – أحد التابعين – وهو غريب من قوله، وخلاف الظهر من السياق) (٦). وقال محمد رشيد رضا في سبب حكم ابن كثير على قول أبي مجلز بالغرابة: (وإنما عده غريباً عنه لمخالفته لقول الجمهور، ولتسميته الملائكة رجالاً وهم لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة) (٧). ١٣ - أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم (فجعلوا هناك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم) (٨).

стр. 2035

ويعزى هذا القول إلى ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، والشعبي، والضحاك، وسعيد بن جبير، فمما يعزى إلى حذيفة بالسند، ما أخرجه الطبري عن الشعبي أنه قال: أرسل إلي عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعنده أبو الزناد، وعبد الله بن ذكوان مولى قريش، وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكراً ليس كما ذكر. فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا: هات، فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فبيانهم كذلك اطلع إليهم ربك ﵎ فقال: اذهبوا وادخلوا الجنة؛ فإني قد غفرت لكم. وفي رواية أخرى للشعبي عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف، قال: فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن النار، قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم. وعن عامر عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قوم كانت لهم ذنوب وحسنات، فقصرت ذنوبهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فهم كذلك حتى يقضي الله بين خلقه فينفذ فيهم أمره، وفيه روايات أخرى عن حذيفة وهي بمعنى ما سبق. ومما يعزى إلى ابن مسعود، ما أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود، قال: (يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم [الأعراف: ٨ - ٩]. ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح، قال: فمن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم ونظروا إلى أصحاب النار، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فيتعوذون بالله من منازلهم. قال فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نوراً فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نوراً، وكل أمة نوراً، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم: ٨]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ، فكان الطمع دخولاً، قال: فقال ابن مسعود: على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشراً، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة، ثم يقول: هلك من غلب وحداته أعشاره) (١). وينسب هذا الرأي أيضاً إلى ابن عباس، فإنه كان يقول: إن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهذا ما ينص عليه الطبري بسنده إلى ابن عباس أنه قال: (أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم) (٢). ويذكر قتادة عن ابن عباس أنه كان يقول: (الأعراف بين الجنة والنار، حبس عليه أقوام بأعمالهم)، وكان يقول: (قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم) (٣). ١٤ - هم مؤمنو الجن. ١٥ - هم قوم كانت عليهم ديون.
следующие страницы →