رقم الترجمة/ ٥٣ «أبو بكر الطرازي» ت ٣٨٥ ه ـ (١)
هو: محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان أبو بكر الطرازي البغدادي، نزيل نيسابور مقرئ محقق.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن، كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «الطرازي» القراءة القرآنية عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: «أبو بكر بن مجاهد، وأحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي قتادة، وابن شنبوذ، وجعفر بن محمد السرنديبي، وأبو بكر الزيتوني، وعلي بن سعيد بن ذؤابة» (٢).
كما أخذ «أبو بكر الطرازي» حديث الهادي البشير ﷺ عن عدد من العلماء وفي هذا يقول: «الخطيب البغدادي»: سكن «أبو بكر الطرازي» «نيسابور، وحدث بها عن: أبي القاسم البغوي، وأبي بكر بن أبي داود، وأبي سعيد العدوي، ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبي بكر بن دريد وأحمد ابن موسى بن مجاهد، وعبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري» ثم يقول «البغدادي»: «وكان فيما بلغني يظهر التقشف وحسن المذهب، إلا أنه روى مناكير وأباطيل وفي هذا يقول «الخطيب البغدادي» حدثنا عنه ابنه علي، وأبو عبيد محمد بن أبي نصر النيسابوري وغيرهما، حدثنا أبو الحسن علي بن أبي بكر الطرازي بنيسابور حدثنا أبي، وأنبأنا أبو عبيد محمد بن أبي نصر ببغداد، أنبأنا
стр. 107
أبو بكر محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان الطرازي، حدثنا أبو سعيد الحسن بن علي بن زكريا، حدثنا خراش بن عبد الله الطحان، حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ «النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر، والنظر إلى الوجه القبيح يورث الكلح» اهـ.
يقول «البغدادي»: وهذا الحديث لم يروه «أبو سعيد العدوي» عن خراش عن أنس، وإنما رواه بإسناد آخر (١)، ثم يقول «البغدادي»: وكان أبو بكر الطرازي يحدث كثيرا من حفظه، ومن ذلك الحديث التالي. قال: وحدثنا خراش بن عبد الله حدثنا «أنس بن مالك» قال: قال رسول الله ﷺ : ما حسن الله خلق امرئ ولا خلقه فأطعمه النار. ثم يقول «البغدادي»:
وجميع نسخة «أبي سعيد العدوي» التي رواها عن خراش أربعة عشر حديثا، وليس فيها شيء من هذه الأحاديث اهـ (٢).
تصدر «أبو بكر الطرازي» لتعليم القرآن، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، وفي مقدمتهم: نصر بن أبي نصر الحداد، ومنصور بن أحمد العراقي وآخرون (٣).
أحتل «أبو بكر الطرازي» مكانة سامية بين العلماء مما استوجب الثناء عليه وفي هذا يقول «الحافظ الذهبي»: الطرازي نزيل نيسابور مقرئ ضابط، صالح على السند (٤). وقال الإمام «ابن الجزري»: كان «أبو بكر الطرازي» مقرئا محققا (٥).
توفي «أبو بكر الطرازي» سنة خمس وثمانية وثلاثمائة. ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 108
رقم الترجمة/ ٥٤ «أبو بكر العجلي» ت ٣٥٥ ه ـ (١)
هو: أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل بن الحسن بن البحتري أبو بكر العجلي المروزي ثم البغدادي الدقاق المعروف بالوليّ.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن، كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
تلقى «أبو بكر العجلي» القرآن الكريم وسنة الهادي البشير ﷺ عن خيرة العلماء، فمن الذين أخذ عنهم القراءة وحروف القرآن: والده، ومحمد بن يونس الزينبي، وابن مجاهد، وأحمد بن الحسن السمسار، وأحمد بن دبيس، والحسن بن علي بن بشار، ومحمد بن عبيد القاضي، وأحمد بن سهل الأشناني، والحسن بن الحباب، والقاسم بن محمد بن بشار وآخرون. وسمع كتاب الوقف والابتداء من أبي بكر بن الأنباري (٢).
ومن الذين أخذ عنهم حديث النبي ﷺ : «الحسن بن علي ابن الوليد الفارسي، وأحمد بن يحيى الحلواني ومحمد بن نصر الصائغ، ومحمد بن الليث الجوهري، وعبد الله بن محمد ابن ناجية، وأبو علي أحمد بن الحسن المقرئ، وقاسم بن محمد الأنباري، وأبو عيسى بن قطن السمسار» (٣).
تصدر «أبو بكر العجليّ» لتعليم القرآن وسنة النبي ﵊،
стр. 109
فأقبل عليه الطلاب وتتلمذ عليه الكثيرون، فمن الذين أخذوا عنه القراءة وحروف القرآن: «علي بن عبيد الله بن جناح، وإبراهيم بن أحمد الطبري، وأبو الحسن بن الحمامي» وغير هؤلاء (١) ومن الذين أخذوا عنه سنة الهادي البشير ﷺ : «عبيد الله بن محمد الكاتب، وعلي بن أحمد الرزاز، وآخرون (٢).
اشتهر «أبو بكر العجلي» بالثقة ودقة الضبط وصحة الرواية مما استوجب الثناء عليه وفي هذا المعنى يقول الخطيب البغدادي: «كان أبو بكر العجلي من الثقات» اهـ (٣). وقال الحافظ «الذهبي»: «كان أبو بكر العجلي من كبار المقرئين ومن ثقاتهم» اهـ (٤).
توفي «أبو بكر العجلي» ببغداد في رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائة بعد حياة حافلة بتعليم القرآن وسنة النبي ﵊. رحم الله «أبا بكر العجلي» رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.
стр. 110
رقم الترجمة/ ٥٥ «أبو بكر بن عيّاش» ت ١٩٣ ه ـ
شيخ الإسلام، الإمام، الحجة، القارئ، المحدث، الثقة. وقد اختلف المؤرخون في اسمه على عدة أقوال أشهرها أن اسمه: «شعبة» بن سالم الأسدي مولاهم الكوفي، مولى واصل الأحدب.
ولد «شعبة» رحمه الله تعالى سنة خمس وتسعين من الهجرة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الرابعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
يقول «أبو بكر» عن نفسه: قرأت القرآن وجوّدته ثلاث مرات على «عاصم ابن أبي النجود» اهـ (١). وقال «يحيى بن آدم»: قال لي «أبو بكر» تعلمت من «عاصم» «القرآن» كما يتعلم الصبيّ من المعلم، فلقي منّي شدّة، فما أحسن غير قراءته، وهذا الذي أخبرتك به من القرآن إنما تعلمته من عاصم تعلّما اهـ (٢). ومما تجدر الإشارة إليه أن «أبا بكر بن عياش» أحد الرواة عن «عاصم» المشهورين. ولا زالت رواية «أبي بكر» يتلقاها المسلمون بالرضا والقبول حتى الآن، وقد تلقيتها وقرأت بها، والحمد لله رب العالمين.
ويقول «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ: عرض «أبو بكر» القرآن أيضا فيما بلغنا على «عطاء بن السائب، وأسلم المنقري» (٣).
وروى «يحيى بن آدم» عن «أبي بكر» قال: تعلمت من «عاصم»
стр. 111
خمسا خمسا، ولم أتعلم من غيره، ولا قرأت على غيره، واختلفت إليه نحوا من ثلاث سنين في الحرّ، والشتاء، والأمطار اهـ. وقال «عبيد بن يعيش» سمعت «أبا بكر» يقول: ما رأيت أقرأ من «عاصم»، فقرأت عليه، وما رأيت أفقه من «مغيرة» فلزمته اهـ (١).
ولقد تعلق قلب «أبي بكر» تعلقا عظيما منقطع النظير بالقرآن حتى كان لا يفتر لسانه عن قراءته، والروايات، التالية توضح ذلك.
يقول الذهبي: روى من وجوه متعددة أن «أبا بكر» مكث نحوا من أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة (٢). وقال «جعفر الخلدي» حدثنا «ابن مسروق» حدثنا «يحيى الجماني» قال: «لما حضرت «أبا بكر بن عياش» الوفاة بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك انظري إلى تلك الزاوية قد ختمت فيها ثمان عشرة ألف ختمة» اهـ (٣) يقول «الذهبي»: وقد حدث «أبو بكر بن عياش» عن «عاصم» وأبي إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير، وإسماعيل السدي، وحصين بن عبد الرحمن، وآخرين (٤).
وقد تلقى «القرآن» على «أبي بكر بن عياش» عدد كثير منهم: «أبو الحسن الكسائي، ويحيى العكيمي، وأبو يوسف الأعمش، وعبد الحميد بن حبان وعروة بن محمد الأسدي، ويحيى بن آدم، وآخرون.
كما حدّث عن «أبي بكر بن عياش»: ابن المبارك، والكسائي، ووكيع، وأبو داود، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو
стр. 112
كريب، والحسن بن عرفة، وهنّاد بن السرّي، وخلق كثير (١).
ولقد كان «لأبي بكر بن عياش» المكانة السامية المرموقة بين العلماء، فكان حجة منقطع النظير، مما استوجب ثناء العلماء عليه، والروايات التالية توضح ذلك:
قال «الحافظ يعقوب بن شيبة»: «كان «أبو بكر» معروفا بالصلاح البارع، وكان له فقه، وعلم بالأخبار» اهـ (٢) وقال «يحيى بن معين»: كان أبو بكر بن عياش ثقة، وقال غير واحد من العلماء: كان، ﵀، صدوقا (٣).
كما كان عليه رحمة الله تعالى من المتمسكين بسنة النبي ﵊ وفي هذا المعنى يقول «ابن المبارك»: ما رأيت أحدا أسرع إلى السنة من «أبي بكر بن عياش» اهـ (٤).
وكما اشتهر «أبو بكر بن عياش» بتعليم القرآن، وتلاوته له، اشتهر أيضا بالزهد والورع، ومن أدلة ذلك ما يلي:
قال «يحيى بن سعيد»: زاملت «أبا بكر بن عياش» إلى «مكة» فما رأيت أورع منه، لقد أهدى له رجل رطبا، فبلغه أنه من بستان أخذ من «خالد ابن سلمة المخزومي» فأتي آل
خالد، فاستحلّهم، وتصدق بثمنه (٥) وقال «يحيى ابن معين»: «لم يفرش «لأبي بكر بن عياش» فراش خمسين سنة (٦) وكان
стр. 113
«أبو بكر بن عياش» رحمه الله تعالى من الذين ينطقون الحكمة، فمن ذلك قوله:
«أدنى نفع السكوت السلامة، وكفى بها عافية، وأدنى ضرر المنطق الشهرة، وكفى بها بلية» (١). وقال «أبو هاشم الرفاعي»: سمعت «أبا بكر» يقول:
«الخلق أربعة: معذور، ومخبور، ومجبور، ومثبور، فالمعذور: البهائم والمخبور:
ابن آدم، والمجبور: الملائكة، والمثبور الجنّ» اهـ (٢).
توفي «أبو بكر بن عياش» سنة ثلاث وتسعين ومائة من الهجرة بعد حياة حافلة بتلاوة القرآن وتعليمه. ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 114
رقم الترجمة/ ٥٦ «أبو بكر بن مجاهد» ت ٣٢٤ ه ـ (١)
هو: أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي الحافظ الأستاذ البغدادي، شيخ الصنعة وشيخ القراء في عصره، والمقدم منهم على جميع أهل زمانه.
نشأ «أبو بكر بن مجاهد» منذ نعومة أظافره على حفظ القرآن، وأكبّ إكبابا منقطع النظير على قراءات القرآن، وتفسيره، واعرابه، وروايات حروفه وطرقه، تساعده في ذلك حافظة واعية لا يرتسم فيها شيء الا يثبت وكأنما يحفر فيها حفرا، كما كان يساعده ذكاء نافذ ومعرفة واعية بالرواية والقراء.
وقد مضى يختلف إلى شيوخ القراءات في عصره حتى أخذ عنهم جميعا، وكأنما تحولت حافظته سجلّا ضخما بجميع القراءات بطرقها ورواياتها الكثيرة. ومن أهم شيوخه «عبد الرحمن بن عبدوس» الثقة الضابط المحرر، تلميذ «أبي عمر الدوري» إذ يقول «ابن مجاهد»: قرأت على «ابن عبدوس» قراءة نافع من أول القرآن إلى خاتمته نحوا من عشرين ختمة.
ويذكر «ابن مجاهد» في مستهل حديثه عن «ابن كثير» وأسانيده لقراءته أنه قرأ بها على «قنبل» شيخ القراء بمكة المكرمة سنة مائتين وثمانية وسبعين للهجرة، مما يدل على أنه رحل لسماع القراءات إلى أمصارها في مكة المكرمة،
стр. 115
والمدينة المنورة، والكوفة والبصرة، ودمشق. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على شدّة تعلق «ابن مجاهد» بجمع الروايات، وحفظ الطرق والقراءات.
ومن يتتبع شيوخ «ابن مجاهد» يجدهم بلغوا العشرات وكلهم من خيرة علماء علم القراءات وحسبي أن أشير هنا إلى بعض هؤلاء: منهم: محمد بن إسحاق أبو ربيعة، ومحمد بن يحيى الكسائي الصغير، وأحمد بن يحيى ثعلب، وموسى بن إسحاق الأنصاري، وأحمد بن فرح، وإدريس بن عبد الكريم، والحسن بن العباس بن أبي مهران، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعبد الله بن أبي داود، وغير هؤلاء كثير (١).
وبعد أن تلقى «ابن مجاهد» جميع قراءات القرآن الكريم جلس للإقراء وتعليم المسلمين حروف القرآن الكريم. وفي هذا المعنى يقول عنه «ابن الجزري»:
وبعد صيت «ابن مجاهد» واشتهر أمره، وفاق نظراءه مع الدين والحفظ والخير، ولا أعلم أحدا من شيوخ القراءات أكثر تلاميذ منه، ولا بلغنا ازدحام الطلبة على أحد كازدحامهم عليه، حكى «ابن الأخرم»: أنه وصل إلى «بغداد» فرأى في حلقة «ابن مجاهد» نحوا من ثلاثمائة مصدّر (٢). وقال «علي بن عمر» المقرئ: كان «ابن مجاهد» له في حلقته أربعة وثمانون خليفة يأخذون على الناس (٣).
من هذا يتبين أن الذين تلقوا القرآن على «ابن مجاهد» وأخذوا عنه حروف القراءات عدد كثير أذكر منهم ما يلي: «إبراهيم بن أحمد الخطّاب، والحسن بن أحمد بن عبد
الغفّار الفارسي، والحسن بن سعيد المطوعي، والحسين بن خالويه
стр. 116
النحوي، والحسين بن محمد بن حبشي، وزيد بن علي، وعبد السلام بن بكّار، وعبد الله بن الحسين أبو أحمد السامري، وغير هؤلاء كثير (١). ويقول «الذهبي»:
آخر من روى السبعة لابن مجاهد «أبو اليمن الكندي» تفرد بعلوّ رواية الكتاب، عن «ابن توبة» عن «الصريفيني» عن «أبي حفص الكتّاني عنه» اهـ (٢). كما أكبّ «ابن مجاهد» على دراسة الحديث النبوي الشريف، وحدث عن عدد كبير من علماء الحديث منهم: «عبد الله بن أيوب المخزومي، ومحمد بن عبد الله الزهيري، وزيد بن إسماعيل الصائغ، وسعدان بن نصر، وأحمد ابن منصور الرمادي، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، ومحمد بن سعد العوفي، وعباس الدوري، وأبو رفاعة العدوي»، وغيرهم كثير (٣).
ولم يقتصر «ابن مجاهد» على تعليم القرآن وحروفه، بل تصدّر أيضا لرواية الحديث النبوي الشريف. ومن الذين رووا عنه: «أبو طاهر بن أبي هاشم، وأحمد بن عيسى، وأبو بكر الجعابي، وأبو القاسم بن النخاس، وأبو الحسين بن البوّاب، وأبو بكر بن شاذان، وطلحة بن محمد بن جعفر، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين» وآخرون (٤). بلغ «ابن مجاهد» القمّة في المجد وبعد الصيت، واحتل مكانة سامية مما استوجب ثناء العلماء عليه، وفي هذا يقول «الخطيب البغدادي»: كان «ابن مجاهد» ثقة، مأمونا، كتب إليّ «أبو طاهر محمد بن الحسين المعدّل» من الكوفة، عن «أحمد بن يحيى» النحوي، قال: في سنة ست وثمانين ومائتين، ما بقي في عصرنا هذا أحد أعلم بكتاب الله من «أبي بكر بن مجاهد» اهـ (٥). وقال «أبو عمرو الداني»: فاق «ابن مجاهد»
стр. 117
في عصره، سائر نظرائه من أهل صناعته، مع اتساع علمه، وبراعة فهمه، وصدق لهجته، وظهور نسكه (١).
توفي «ابن مجاهد» بعد حياة حافلة بتعليم القرآن، وسنة النبي ﵊ يوم الاربعاء في شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة من الهجرة. ودفن في مقبرة له بباب البستان في الجانب الشرقي ببغداد، وصلّى عليه «الحسن بن عبد الله الهاشمي». رحم الله «ابن مجاهد» رحمة واسعة إنه سميع مجيب.
стр. 118
رقم الترجمة/ ٥٧ «أبو بكر المعافري» (١)
هو: محمد بن عبد الله أبو بكر المعافري المصري، مقرئ مجود معروف قيم برواية ورش.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «المعافري» القراءة عرضا عن أبي بكر محمد بن القباب، وأبي العباس أحمد بن محمد بن القباب.
تصدر المعافري لتعليم القرآن. وقد روى عنه القراءة عرضا، خلف بن إبراهيم ابن خاقان، وسعيد بن عبد العزيز الثغري.
توفي المعافري بمصر سنة بضع وخمسين وثلاثمائة من الهجرة. ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 119
رقم الترجمة/ ٥٨ «أبو بكر بن مقسم» ت ٣٥٤ ه ـ (١)
هو: محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن الحسين بن محمد أبو بكر البغدادي العطار المقرئ النحوي المفسر.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «ابن مقسم» سنة خمس وستين ومائتين من الهجرة، وعمر كثيرا حيث توفي عن تسع وثمانين سنة.
أخذ «ابن مقسم» القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: «ابن إدريس ابن عبد الكريم، وداود بن سليمان، وحاتم بن اسحاق، وأبو العباس المعدل والعباس بن الفضل الرازي، وأحمد بن فرح المفسر، وعبد الله بن محمد بن بكار، ومضر بن محمد، وعلي بن الحسين الفارسي وآخرون (٢).
كما أخذ «ابن مقسم» حديث النبي ﷺ عن عدد من
стр. 120
العلماء: فقد سمع أبا السّري موسى بن الحسن، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وموسى بن اسحاق الأنصاري، وأبا العباس ثعلب، والحسن القطان، ومحمد بن الليث الجوهري، وإدريس بن عبد الكريم الحداد، وآخرين (١).
تصدر «ابن مقسم» لتعليم القرآن زمنا طويلا، فتتلمذ عليه الكثيرون، وفي مقدمتهم: «ابنه أحمد، وأبو بكر بن مهران، وعلي بن عمر الحمامي، والفرج بن محمد التكريتي، والحسن بن محمد الفحام، وإبراهيم بن أحمد الطبري، وعمر بن إبراهيم الكتاني، وعلي بن محمد العلاف، وأبو الفرج الشنبوذي، وغير هؤلاء (٢) كان «ابن مقسم» من الثقات، فقد وثّقه الخطيب البغدادي، والحافظ شمس الدين محمد بن علي الداوديّ، صاحب «طبقات المفسرين» حيث قال: «وكان «ابن مقسم» ثقة ومن أعرف الناس بالقراءات، وأحفظهم لنحو الكوفيين ولم يكن فيه عيب إلا أنه قرأ بحروف تخالف الإجماع، واستخرج لها وجوها من اللغة والمعني» اهـ (٣).
كما أثنى عليه العلامة «أبو عمرو الداني» حيث قال: «ابن مقسم» مشهور بالضبط والإتقان، عالم بالعربية، حافظ للغة، حسن التصنيف في علوم القرآن، وكان قد سلك مذهب «ابن شنبوذ» الذي أنكر عليه، فحمل الناس عليه لذلك (٤).
كما أثنى عليه «ابن العماد الحنبلي» صاحب كتاب «شذرات الذهب» حيث قال: «تصدر «ابن مقسم» للإقراء دهرا، وكان علامة في نحو
стр. 121
الكوفيين، سمع من ثعلب أماليه، وصنف عدة تصانيف، وله قراءة معروفة منكرة خالف فيها الإجماع» (١).
اشتهر «ابن مقسم» بالعلم، وقد صنف عدة مصنفات منها: كتاب الأنوار في تفسير القرآن، والمدخل الى علم الشعر، والاحتجاج في القراءات، وكتاب في النحو، وكتاب الوقف والابتداء في القرآن، وكتاب المصاحف، وعدد التمام، ومجالسات ثعلب ومفرداته، والرد على المعتزلة، والانتصار لقرّاء الأمصار، واللطائف في جمع هجاء المصاحف، وغير ذلك (٢).
ومع أن «ابن مقسم» كان من العلماء ومن المؤلفين إلا أنه وقع فيما وقع فيه «ابن شنبوذ» حيث أجاز القراءة بما يتفق رسم المصحف والعربية، دون الاعتداد بصحة السند، وفي هذا يقول: ابن الجزري: وله اختيار في القراءات رويناه في كتاب الكامل وغيره، رواه عنه أبو الفرج الشنبوذي، ويذكر أنه كان يقول: إن كل قراءة وافقت رسم المصحف ووجها في العربية فالقراءة بها جائزة، وإن لم يكن لها سند اهـ (٣).
وقد ذكر المؤرخون خروج «ابن مقسم» على إجماع العلماء حيث أجاز القراءة بغير المتواتر والمشهور من حروف القرآن، حيث قال جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي وقد ذكر حاله: أبو طاهر بن أبي هاشم المقرئ صاحب أبي بكر بن مجاهد في كتابه الذي سماه «كتاب البيان» فقال: وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا، فزعم أن كل من صح عنده وجه في العربية لحرف من القرآن يوافق خط المصحف فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها. وابتدع بقيله ذلك بدعة ضل بها عن
стр. 122
قصد السبيل، وأورط نفسه في مزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه إذ جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسيّئ رأيه طريقا إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراءات من جهة البحث، واستخرج بالآراء دون الاعتصام والتمسك بالأثر المفترض. وقد كان «أبو بكر بن مجاهد» شيخنا نسله من بدعته المضلة باستتابته منها وأشهد عليه الحكام والشهود بعد أن سئل البرهان علي صحة ما ذهب إليه فلم يأت بطائل ولم تكن له حجة قوية ولا ضعيفة، فاستوهب «أبو بكر بن مجاهد» تأديبه من السلطان عند توبته وإظهاره الاقلاع عن بدعته المضلة، فالله قد أعلمنا أنه حافظ كتابه من الزائغين بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١).
توفي «أبو بكر بن مقسم» يوم الخميس لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. ﵀ وغفر له إنه غفور رحيم.
стр. 123
رقم الترجمة/ ٥٩ «أبو بكر النقاش» ت ٣٥١ ه ـ (١)
هو: محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون بن جعفر بن مسند أبو بكر النقاش الموصلي الأصل ثم البغدادي.
ولد «أبو بكر النقاش» بالموصل سنة ست وستين ومائتين من الهجرة، وعني بالقراءات القرآنية من صغره.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
شغف «أبو بكر النقاش» منذ نعومة أظفاره بالقراءات القرآنية وفي سبيل ذلك وصل الى كثير من المدن والأمصار يأخذ عن شيوخها ويتلقى عن علمائها وفي هذا يقول الإمام «ابن الجزري»: طاف «أبو بكر النقاش» الأمصار وتجول في البلدان وكتب الحديث وقيد السنن، وصنف المصنفات في القراءات، والتفسير، وغير ذلك. وطالت أيامه، فانفرد بالإمامة في صناعته مع ظهور نسكه، وورعه، وصدق لهجته، وبراعة فهمه، وحسن اطلاعه، واتساع معرفته اهـ (٢).
стр. 124
وقال «الخطيب البغدادي»: كان أبو بكر النقاش عالما بحروف القرآن حافظا للتفسير، وله تصانيف في القراءات وغيرها من العلوم، وكان قد سافر الى الكثير من المدن شرقا وغربا، وكتب بالكوفة، والبصرة، ومكة، ومصر، والشام، والجزيرة، والموصل، والجبال، وبلاد خراسان وما وراء النهر. اهـ (١).
ويجمع المؤرخون على أن شيوخ «أبي بكر النقاش» بلغوا عددا كبيرا فمن الذين أخذ عنهم القراءات: أبو ربيعة، وأبو علي الحسين بن محمد الحداد المكي، ومحمد بن عمران الدينوري، ومدين بن شعيب البصري، وأبو أيوب الضبي، واسماعيل بن عبد الله النحاس، وادريس بن عبد الكريم، وأحمد بن فرح، وهارون الأخفش، وعبيد الله بن بكار، وغيرهم كثير (٢).
ومن الذين أخذ عنهم الحديث: اسحاق بن سفيان الختليّ، وإبراهيم بن زهير الحلواني، ومحمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، ومحمد بن علي بن زيد الصائغ المكي، وأحمد بن محمد بن رشد بن المصري، والحسين بن ادريس الهرويّ، وغيرهم كثير (٣).
تصدر «أبو بكر النقاش» لتعليم القرآن، وحروف القراءات، وسنة النبي ﵊، وذاع صيته، وأقبل عليه طلاب العلم من كل فج عميق، يأخذون عنه وينهلون من علمه ويقرءون مصنفاته.
ومن الذين أخذوا عنه القراءة القرآنية، محمد بن عبد الله بن أشتة، محمد بن أحمد الشنبوذي، والحسن بن محمد الفحام، والحافظ أبو الحسن الدارقطني، والفرج ابن محمد القاضي، وعبد الله بن عبد الصمد الوراق، وإبراهيم بن أحمد الطبري،
стр. 125
واحمد بن عبد الله بن الحسين البزاز، ومحمد بن الحسن بن الفضل القطان وغيرهم كثير (١).
ومن الذين رووا عنه سنة الهادي البشير ﷺ : أبو بكر بن مجاهد، وجعفر بن محمد، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين، ومحمد ابن الحسين بن الفضل، ومحمد بن أبي الفوارس، وأبو الحسن بن الحمامي المقرئ، وجماعة آخرون (٢).
وكان «أبو بكر النقاش» من المشهود لهم بالثقة، وفي هذا يقول الإمام «الداني» ت ٤٤٤ هـ: النقاش جائز القول، مقبول الشهادة، سمعت عبد العزيز بن جعفر يقول: كان النقاش يقصد في قراءة «ابن كثير، وابن عامر» لعلو إسناده فيهما، وكان له بيت مليء كتبا، وكان أبو الحسن الدارقطني يستملي له وينتقي للناس من حديثه اهـ (٣).
سمع «أبو بكر بن مجاهد» الحروف من جماعة كثيرة، وطاف الأمصار، وتجول في البلدان وكتب الحديث، وقيد السنن، وصنف المصنفات، وطالت أيامه فانفرد بالإمامة في صناعته مع ظهور نسكه وورعه وصدق لهجته وبراعة فهمه، وحسن اطلاعه واتساع معرفته اهـ (٤).
ترك «أبو بكر النقاش» ثروة علمية ضخمة حيث صنف في القراءات والتفسير وغير ذلك، ومن مصنفاته: كتاب التفسير في نحو اثني عشر ألف ورقة سماه «شفاء الصدور» أو «إشفاء الصدور» وكتاب «الموضح في معاني
стр. 126
القرآن» ودلائل النبوة، والقراءات بعللها، وكتاب العقل، وكتاب المناسك، وكتاب أخبار القصاص، وكتاب ذم الحسد، وكتاب أبواب في القرآن، وكتاب إرم ذات العماد، وكتاب المعجم الاوسط، والمعجم الأصغر، والمعجم الكبير في أسماء القراء وقراءاتهم، وكتاب السبعة بعللها الكبير، وكتاب السبعة الاوسط، وكتاب السبعة الأصغر، وغيرها كثير (١).
ظل «أبو بكر النقاش» يتلو كتاب الله تعالى حتى لفظ أنفاسه الأخيرة وفارق الدنيا وفي هذا يقول أبو الحسن بن الفضل القطاني: حضرت أبا بكر النقاش وهو يجود بنفسه في ثالث شوال سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، فجعل يحرك شفتيه ثم نادى بعلو صوته: (لمثل هذا فليعمل العاملون) يرددها ثلاثا ثم خرجت نفسه رحمه الله تعالى اهـ (٢). رحم الله أبا بكر النقاش رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.
стр. 127
رقم الترجمة/ ٦٠ ابن أبي بلال ت ٣٥٨ ه ـ (١)
هو: زيد بن علي بن أحمد بن محمد بن عمران بن أبي بلال أبو القاسم العجلي الكوفي شيخ العراق.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
قرأ «ابن أبي بلال» على عدد كبير من علماء القرآن، وفي مقدمتهم: أحمد بن فرح، وعبد الله بن عبد الجبار، والحسن بن العباس، وعبد الله بن جعفر السّواف، ومحمد بن أحمد الداجوني، وأبو بكر بن مجاهد، وأبو علي الحسن النقار، وأحمد بن إبراهيم القصباني، ومحمد بن يونس النحوي، وأبو مزاحم الخاقاني، وعبد الله بن القاسم الخياط وحماد بن أحمد وغيرهم كثير (٢).
وبعد أن بدت مواهب «ابن أبي بلال» جلس لتعليم القرآن وسنة النبي ﵊ واشتهر وذاع صيته وأقبل عليه طلاب العلم من كل مكان يأخذون عنه، ويقرءون عليه.
ومن الذين أخذوا عن «ابن أبي بلال» القراءة القرآنية: «بكر بن شاذان، وأبو الحسن الحمامي، وعبيد الله بن عمر المصاحفي، والحسن بن محمد بن الفحام، والحسن بن علي بن الصقر، وعبد الباقي بن الحسن، وعلي بن محمد بن
стр. 128
موسى الصابوني، وعلي بن محمد العلاف، والحسن بن خشيش، وأحمد بن الصقر وغير هؤلاء كثير (١).
يقول «الخطيب البغدادي»: «نزل «ابن أبي بلال» بغداد وحدّث بها عن محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، وعلي بن العباس المقانعي، وعبد الله ابن زيدان البجلي، ومحمد بن محمد بن عقبة الشيباني، وعبد الله بن أسيد الأصبهاني.
ثم يقول الخطيب البغدادي: وحدثنا عن «ابن أبي بلال» أبو الحسن بن زرقويه، وعلي بن أحمد الحمامي المقرئ، وأبو نعيم الأصبهاني، وكان صدوقا اهـ (٢).
ومن الأحاديث التي حدث بها «ابن أبي بلال» الحديث التالي: قال البغدادي: أخبرنا «أبو نعيم» حدثنا «أبو القاسم زيد بن علي بن أبي بلال المقرئ الكوفي- ببغداد- قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن الحسن بن أسيد الأصبهاني بالكوفة حدثنا «النضر بن هشام» قال: حدثنا «مروان بن صبيح» قال: حدثنا «عبد العزيز بن صهيب» عن «أنس بن مالك» قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاث من كن فيه فهي راجعة على صاحبها:
البغي، والمكر، والنكث، ثم قرأ رسول الله ﷺ : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ وقرأ: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ وقرأ: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ (٣).
احتل «ابن أبي بلال» مكانة سامية بين المسلمين وطلاب العلم واشتهر بين
стр. 129
الناس وذاع صيته، وعرف لدى الجميع بصدق الحديث. ودقة الضبط مما استوجب الثناء عليه. حول هذه المعاني يقول «ابن الجزري»: «ابن أبي بلال» شيخ العراق إمام حاذق ثقة اهـ (١).
توفي «ابن أبي بلال» ببغداد في جمادى الاولى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة من الهجرة بعد حياة حافلة بتعليم القرآن وسنة النبي ﷺ . رحم الله «ابن أبي بلال» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 130
رقم الترجمة/ ٦١ «ابن بنان» ت ٣٧٤ ه ـ (١)
هو: عمر بن محمد بن عبد الصمد بن الليث بن بنان أبو محمد البغدادي، مقرئ زاهد عابد.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «ابن بنان» القراءة وحروف القرآن عن خيرة العلماء. وفي هذا يقول «الإمام ابن الجزري»: عرض «ابن بنان» لابن كثير على الحسن بن الحباب وأبي ربيعة، وللدوري على أحمد بن فرح المفسر (٢).
كما حدث «ابن بنان» عن عدد من العلماء، حول هذا المعنى يقول الخطيب البغدادي: «أبو محمد المقرئ كان أحد عباد الله الصالحين، وحدث عن جعفر ابن محمد بن العباس البزاز، والحسين بن محمد بن عفير، وأبي القاسم البغوي، ومحمد بن سليمان المالكي البصري، وإبراهيم بن حماد القاضي، وأبي ذر بن الباغندي».
ثم يقول الخطيب البغدادي: حدثنا عنه بشرى بن عبد الله، ومحمد بن عمر ابن بكير، وعبد العزيز الازجي، وأبو محمد الجوهري.
стр. 131
ثم يقول: حدثني عبد العزيز بن علي حدثنا أبو محمد عمر بن محمد بن عبد الصمد المقرئ،- ببغداد- أخبرنا أبو علي محمد بن سليمان بن علي بن أبي أيوب- بالبصرة- حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
من زرع زرعا أو غرس غرسا فأكل منه إنسان أو بهيمة فهو له صدقة اهـ (١).
تصدر «ابن بنان» لتعليم القرآن واشتهر بالأمانة والصدق، وأقبل عليه طلاب العلم وحفاظ القرآن، ومن الذين أخذوا عنه القراءة القرآنية: الحسين بن أحمد (٢).
توفي «ابن بنان» يوم السبت التاسع من رجب سنة أربع وسبعين وثلاثمائة ودفن في مقبرة باب حرب بعد أن قارب التسعين. ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 132
رقم الترجمة/ ٦٢ «ابن بويان» ت ٣٤٤ ه ـ (١)
هو: أحمد بن عثمان بن محمد بن جعفر بن بويان الخراساني البغدادي الحربي.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «ابن بويان» سنة ستين ومائتين من الهجرة.
تلقى «ابن بويان» القراءة على مشاهير العلماء، وفي مقدمتهم: ادريس بن عبد الكريم، وأحمد بن الأشعث، ومحمد بن أحمد بن واصل، وأبو عيسى موسى بن إبراهيم الزينبي، والحسن بن العباس بن أبي مهران الجمال، وغير هؤلاء.
تصدر «ابن بويان» لتعليم القرآن الكريم، وذاع صيته في الآفاق، وأقبل عليه طلاب العلم يأخذون عنه حروف القرآن فتتلمذ عليه الكثيرون: إبراهيم بن أحمد الطبري، وإبراهيم بن عمر البغدادي، وأحمد بن نصر الشذائي، وطالب بن عثمان النحوي، وعبيد الله بن محمد بن أبي مسلم الفرضي، وعلي بن عمر الدارقطني، ومحمد بن الحسن الآدمي، والحسن بن محمد بن الحباب، وأحمد بن الحسين بن مهران وغيرهم كثير (٢).
كما أخذ «ابن بويان» حديث الهادي البشير ﷺ عن عدد
стр. 133
من علماء السنة المطهرة. فقد سمع «محمد بن علي الوراق، المعروف بحمدان، وكان عنده عنه جزء واحد من حسنه «علي بن أبي طالب» ﵁، كما سمع من موسى بن هارون الحافظ وادريس بن عبد الكريم الحداد.
كما تصدر «ابن بويان» لرواية حديث النبي ﵊. ومن الذين حدثوا عنه: أبو الحسن بن رزقويه، وأبو نصر أحمد بن محمد بن حسنود، وابن المفضل القطان وأحمد بن عمر الدلال (١).
اشتهر «ابن بويان» بالحفظ، والثقة وصحة الضبط، وفي هذا يقول أبو عمرو الداني ت ٤٤٤ هـ: «كان «ابن بويان» ثقة حافظا ضابطا مشهورا» (٢).
توفي «ابن بويان» سنة أربع وأربعين وثلاثمائة من الهجرة. بعد حياة حافلة بتعليم القرآن وسنة النبي ﵊. رحم الله «ابن بويان» رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.
стр. 134
رقم الترجمة/ ٦٣ «ابن جبير» ت ٢٥٨ ه ـ (١)
هو: أحمد بن جبير بن محمد بن جعفر بن أحمد بن جبير، أبو بكر، وقيل: أبو جعفر، الكوفي نزيل أنطاكية، وكان أصله من خراسان، ثم سافر إلى الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، ثم أقام بأنطاكية، فنسب إليها، وكان «ابن جبير» من أئمة القراء.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات ..
وكان «ابن جبير» من المحبين لقراءة القرآن الكريم، وقد تتلمذ منذ باكورة حياته على والده، ثم بعد ذلك أخذ القراءة على مشاهير علماء عصره: يقول «أبو عمرو الداني»: أخذ «أحمد بن جبير» القراءة عرضا وسماعا عن: الكسائي وعن سليم، وعبيد الله بن موسى، وعبد الوهاب بن عطاء، وأبي يوسف الأعشى، وحجاج بن محمد الأعور، والحسين بن عيسى، وعمرو بن ميمون، وغيرهم كثير (٢).
كما سمع «ابن جبير» بعض قراءة «عاصم» من «أبي بكر بن عيّاش» (٣). يقول «الذهبي»: روى عبد الباقي بن فارس، عن عبد الله بن عليّ، عن الحسين بن إبراهيم، قال: «قرأت على» أحمد بن جبير الكوفي»،
стр. 135
المعروف بالانطاكي لطول مقامه بها، وأخبرني أنه قرأ على «الكسائي» بالحروف التي عرضها على «أبي بكر بن عياش» (١) وقال «أبو طاهر بن أبي هاشم»: حدثنا «محمد بن يونس» حدثنا «أحمد ابن صدقة» حدثنا أحمد بن جبير بأنطاكية، قال: سمعت «أبا بكر بن عياش» وكنت أقول له فلان يقرأ عندنا كذا وكذا، فيقول: ... كان «عاصم» يقرأ كذا وكذا» اهـ (٢).
وقد تصدى «ابن جبير» للاقراء فتتلمذ عليه عدد كثير منهم «عبد الله ابن صدقة، ومحمد العباس بن شعبة، وشهاب بن طالب، والفضل ابن زكريا، والحسين بن إبراهيم بن أبي عجرم، وحمدان بن المغربل، وغيرهم كثير (٣).
وكان «ابن جبير» إماما جليلا ثقة ضابطا اهـ (٤). وقال عنه «أحمد بن يعقوب التائب»: «أدركته وأنا ابن عشرين سنة أو دونها وكان فصيحا عالما، وكان إذا قرأ تخاله لفخامة صوته، وجمهورية صوته بدويّا» اهـ (٥).
توفي «أحمد بن جبير» سنة ثمان وخمسين ومائتين يوم التروية، ودفن يوم عرفة بعد الظهر بباب الجنان. رحم الله «أحمد بن جبير» وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 136
رقم الترجمة/ ٦٤ «جعفر بن الصبّاح» ت ٢٩٤ ه ـ (١)
هو: جعفر بن عبد الله بن الصباح بن نهشل أبو عبد الله، الأنصاري الأصبهاني.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السابعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «ابن الصباح» القراءة القرآنية عن خيرة العلماء منهم: «أبو عمر الدوري» ومحمد بن عيسى الأصبهاني التميمي باختياره، والربيع بن ثعلب، وعبد الحميد بن بكّار وآخرون (٢).
وقد تلقى القرآن على «ابن الصباح» عدد كثير منهم: «محمد بن أحمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن أحمد الكسائي، وعليّ بن عبد العزيز» وغيرهم كثير (٣).
كما أخذ «ابن الصباح» أحاديث النبي ﷺ عن خيرة العلماء، فقد سمع من «إسماعيل بن موسى ابن بنت السّدي، وإبراهيم بن عبد الله الهروي» وجماعة (٤).
كما حدث عن «ابن الصبّاح» الكثيرون، منهم: «أبو حمد العسّال، وأبو القاسم الطبراني، وآخرون (٥).
توفي «ابن الصباح» سنة أربع وتسعين ومائتين على خلاف. رحم الله «ابن الصباح» رحمة واسعة إنه سميع مجيب.
стр. 137
رقم الترجمة/ ٦٥ «أبو جعفر الطّبري» ت ٣١٠ ه ـ (١)
هو: محمد بن جرير بن يزيد أبو جعفر الطبري أحد الأعلام وصاحب التفسير والتاريخ والتصانيف.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السابعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «أبو جعفر الطبري» «بآمد» عاصمة طبرستان سنة أربع وعشرين ومائتين من الهجرة.
لم يكد «أبو جعفر الطبري» يبلغ السنّ التي تؤهله للتعليم حتى عهد به والده إلى علماء «بآمد» وسرعان ما يتفتح عقله وتبدو عليه مخايل النبوغ وهو حدث.
وفي هذا يقول «الطبري» عن نفسه: حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين وكتبت الحديث وأنا في التاسعة من عمري (٢).
стр. 138
هذا الخبر إن دل على شيء فإنما يدلّ على ذكائه ونبوغه، لأنه من النادر أن يستطيع صبيّ في السابعة من عمره أن يحفظ القرآن كله. ومن النادر أيضا أن يستطيع صبيّ في التاسعة من عمره أن يكتب الحديث على الطريقة التي كان يسير عليها القدماء من الرواية والسند. وإذا كان المسلمون ارتضوا أن يصلي بهم غلام في الثامنة من عمره فهذا دليل على ثقتهم فيه، وتقديرهم له، وإعجابهم به.
رحل «أبو جعفر الطبري» في سبيل طلب العلم إلى: العراق، والشام، والحجاز، ومصر، ولقد كانت مصر ثريّة بعلمائها الذين أخذ عنهم «الطبري».
فقد أخذ عن «يونس بن عبد الأعلى الصدفي» قراءة «حمزة، وورش».
كما أخذ «الطبري» القراءة عن خيرة العلماء وفي مقدمتهم: «سليمان بن عبد الرحمن بن حامد، والعباس بن الوليد بن مزيد، كما روى حروف القراءات سماعا عن: «أبي كريب محمد بن العلاء، وأحمد بن يوسف التغلبي» وغير هؤلاء كثير (١).
كما أخذ حديث النبي ﷺ عن خيرة العلماء منهم: «محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وأحمد بن منيع البغوي، ومحمد بن حميد الرازي، وأبو كريب محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وأبو سعيد الأشجّ» وغيرهم كثير (٢).
وفي «مصر» أخذ فقه الشافعي على «الربيع بن سليمان المرادي، واسماعيل بن إبراهيم المزني، ومحمد بن عبد الله بن الحكم».
وقد تصدر «أبو جعفر الطبري» لتعليم القرآن فتتلمذ عليه الكثيرون منهم:
стр. 139
«محمد بن أحمد الداجوني، وعبد الواحد بن عمر، وعبد الله بن أحمد الفرغاني، ومحمد بن محمد بن فيروز الكرجي شيخ الأهوازي»، وغيرهم كثير (١).
ومن الذين تتلمذوا على «أبي جعفر الطبري» القاضي أبو بكر أحمد قاضي الكوفة، وقد اشتهر بعلمه في الفقه، والقراءات، والتفسير، والأدب، والتاريخ، وله عدّة مؤلفات منها: كتاب في السير، وكتاب في غريب القرآن، وكتاب في القراءات، وكتاب في التاريخ، وكتاب المختصر في الفقه، وغير ذلك. ومن تلاميذ «الطبري» «أبو الحسن أحمد بن يحيى بن علم الدين».
وهو صاحب كتاب «المدخل إلى مذهب الطبري»، وكتاب «الاجماع في الفقه على مذهب أبي جعفر الطبري». ومنهم «أبو الفرج المعافي بن زكريا النهرواني» القاضي المشهور. وله كتاب «التحرير» في أصول الفقه، وكتاب «الحدود والعقود» في أصول الفقه أيضا، وكتاب «القراءات»، وغير ذلك.
ومنهم: «علي بن عبد العزيز بن محمد الدولابي» مؤلف كتاب القراءات، وكتاب أصول الكلام، وكتاب إثبات الرسالة. ومنهم: «أبو بكر محمد بن أحمد ابن أبي الثلج الكاتب. وأبو القاسم بن المراد مؤلف كتاب الاستقصاء في الفقه وأبو الحسن الدقيقي الحلواني، صاحب كتاب الشروط، وكتاب الرد على المخالفين.
وغير هؤلاء ممن تتلمذوا على «أبي جعفر الطبري» فانتهجوا نهجه، واصطبغوا بصبغته، وصار الطابع المميز لكل منهم أنه تخرج من مدرسة الطبري.
أما عن معالم شخصية «الطبري» فقد كان طويل القامة، نحيف الجسم، أسمر اللون، واسع العينين، كبير اللحية، وهب حياته للعلم، ولم يتزوج قط.
كما أن كتب التاريخ تذكر «لأبي جعفر الطبري» عدة صفات أهمها ما
стр. 140
يلي: منها أنه كان «ورعا» كما كان والده أيضا ورعا تقيا. وليس معنى هذا أنه ورث هذه الصفة عن والده، بل معناه أنه تأثر بأبيه ومحاكاته له.
ومن مظاهر ورعه أنه كان مع اشتغاله بالتأليف والتدريس يحرص على قراءة قدر من القرآن الكريم، اعتاد أن يقرأه، وكانت قراءته للقرآن تجمع بين الترتيل الجيّد الممثل للمعاني، وبين الخشوع المصور للجلال، حتى لقد كان بعض سامعيه يقول إنه لم يكن يظن أن إنسانا يحسن أن يقرأ هذه القراءة. ووصفه «عبد العزيز بن محمد الطبري» بأنه كان مجوّدا في القراءة، موصوفا بذلك، يقصده القراء ليصلوا خلفه، ويسمعوا قراءته وتجويده (١).
قال «أبو علي الطوماري»: كنت أحمل القنديل في شهر رمضان بين يدي «أبي بكر بن مجاهد» لصلاة التراويح، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره، ومررنا على مسجده فاجتازه ولم يدخله، وسار حتى وقف على باب مسجد «الطبري» وكان «الطبري» يقرأ سورة «الرحمن» فاستمع لقراءته طويلا ثم انصرف. فقلت له: يا أستاذ تركت الناس ينتظرونك، وجئت تسمع قراءة «الطبري»؟ فقال: «يا أبا علي، دع عنك، ما ظننت أن الله خلق بشرا يحسن أن يقرأ هذه القراءة» (٢).
ومن الصفات التي اتصف بها: «إباؤه» وعزّة نفسه، فلم يستهن بكرامة نفسه مرة، وقد لزمته هذه الصفة طيلة حياته، حتى كان يرفض الهدايا والمنح، لأنه جرى على ألا يقبل هدية لا يستطيع أن يكافئ بمثلها، فإن كانت فوق طاقته ردّها، واعتذر إلى مهديها. وكثيرا ما رفض هدايا الوزراء، والكبراء على تشوقهم إلى أن يقبلها.
стр. 141
ومن صفات «الطبري»: جرأته في الحق. ولا غرابة في أن يكون «الطبري» شجاع القلب، جريئا في إعلان ما يعتقده حقّا، لأنه قد استكمل الأسباب التي تسلحه بهذه الجرأة من علم واسع، وورع مشهور، واستهانة بالدنيا ومظاهرها. لهذا كان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم.
وقد عرض عليه القضاء فأبى أن يقبله، وربما كان «ورعه» هو السبب في رفضه ولاية المظالم مخافة أن يجور في حكم من أحكامه. ويذكر أن «الخاقاني» لما تقلد الوزارة أرسل الى «الطبري» مالا كثيرا، فأبى أن يقبله فعرض عليه القضاء فامتنع (١).
ومن صفات «الطبري» التواضع: يعرف في كثير من العلماء سماحة النفس، ودماثة الخلق، ورقة المعاملة، والتواضع الذي لا يمسّ كرامة المؤمن بل يعليها، من هؤلاء العلماء «أبو جعفر الطبري».
فقد كان ﵀ ورعا زاهدا في الدنيا، راغبا عما بأيدي الناس، وكان عظيم الأنفة والإباء، فاستغنى بذلك عن الزهو والخيلاء. ومن مظاهر تواضع «الطبري» أنه كان يعطف على تلاميذه، ويتواضع في معاملتهم حبّا لهم، وثقتهم من حبّهم له.
ذكر «ابن كامل» أن بعض تلاميذ «الطبري» آلمه في مجلس الأستاذ، فانقطع «ابن كامل» عن المجلس مدّة، ثم قابله «الطبري» فجعل يعتذر له، ويترضاه، ويترفق به، كأنه هو الذي آذاه. فرضي «ابن كامل» وعاد إلى مجلس «الطبري» (٢) ومن صفات «أبي جعفر الطبري» مضاء عزيمته: أولع «الطبري» بحبه
стр. 142
للعلم منذ حداثته إلى أن توفّاه الله تعالى. فقد وهب نفسه للعلم، وأعطى العلم أعظم نصيب من وقته ومن جهده. كانت عزيمته الماضية تتأبى على الفتور والكلال، فتسلح بالصبر، والنشاط. بهذه العزيمة طوّف في كثير من الأقطار، فسمع من كبار العلماء بطبرستان، والعراق، والشام، ومصر.
وبهذه العزيمة قرأ كثيرا، وحفظ كثيرا، وألف كثيرا، وكان يستهين بالجهد المضني، ويستسهل الصعب المجهد. وبهذه العزيمة كان يقرأ وهو شديد المرض، فقد ذكر تلميذه «ابن كامل» أنه زاره قبل المغرب وهو شديد العلة، فرأى تحت مصلّاه «فردوس الحكمة» لعلي بن زين الطبري (١).
وكانت عزيمته القويّة، تنشّطه إلى القراءة وهو في الخامسة والثمانين من عمره، ولم يكن يقنع بالقراءة في ذلك الوقت، بل كان يتدبّر ما يقرأ، ويتمعن فيه، ويخطّ بقلمه في كثير من المواضع (٢).
وكانت ثمرات هذه العزيمة أنه خلّف ثروة عظيمة من المؤلفات في كثير من العلوم المختلفة، وهذا ما سيتضح جليا بإذن الله تعالى أثناء الحديث عن مؤلفاته.
ومن صفات «أبي جعفر الطبري» ظرفه: كان «أبو جعفر الطبري» مع كثرة اشتغاله بالعلم إلا أنه لم يصرفه ذلك عن الدعابة، ووجاهة السمت، وأناقة المظهر، والتنعم بما أحله الله تعالى، فقد كان ظريفا في ظاهره، نظيفا في باطنه، حسن العشرة لمجالسيه، مهذبا في جميع أحواله.
ومن صفات «الطبري» تعدد ثقافته: وحقا أن منهوم العلم لا يشبع، كما أن منهوم المال لا يقنع، وأنى لمنهوم العلم أن يشبع، وهو يجد في كل لون من
стр. 143
ألوان المعرفة كشفا عن جديد كان يجهله، ولذّة مستحدثة لا تغني عنها لذّة سابقة؟
وقد عرفنا من حياة «الطبري» أنه وهب نفسه للعلم، وقصر عليه حياته، وناط به حاضره، ومستقبله.
ومن أهم ثقافة الطبري: العلوم الدينية من قراءات، وتفسير، وحديث، وفقه، وأصول. وهذه هي ثقافته الأصلية، ومعظم مؤلفاته تدور في فلكها.
كان «الطبري» شافعيا أولا، ثم اجتهد وانفرد بمذهب مستقل، وقد مكنه علمه الواسع بالمذاهب المختلفة أن يؤلف كتابا: في «اختلاف الفقهاء» فيعرض آراءهم، وأدلتهم، ويناقشها. وكان الحديث النبوي الواحد يحمله على طلبه في مظانه، وفي هذا يقول «الطبري» عن نفسه: جئت إلى «أبي حاتم السجستاني» وكان عنده حديث في القياس عن «الأصمعي» عن «أبي زائدة» عن «الشعبي» فسألته عنه، فحدثني به (١).
كان لأبي جعفر الطبري المكانة السامية، والمنزلة الرفيعة بين العلماء، وغيرهم من خاصة الناس، وعامتهم، مما استوجب الثناء عليه، وهذا قبس مما ذكره المؤرخون عنه. قال «أبو محمد عبد العزيز بن محمد الطبري» أحد تلاميذه: «كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ لأنه جمع من علوم الاسلام ما لا نعلمه اجتمع لأحد، ولا ظهر من كتب المصنفين، وانتشر من كتب المؤلفين ما انتشر له، وكان راجحا في علوم القرآن، والقراءات، واختلاف الفقهاء مع الرواية كذلك» اهـ (٢). وقال «الخطيب البغدادي»: «كان «أبو جعفر الطبري» أحد أئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد
стр. 144
جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء» اهـ (١).
وقال «ابن خلكان»: «كان «أبو العباس بن سريج» يقول: «محمد ابن جرير الطبري» فقيه العالم» (٢).
وقال «الحسن بن علي الأهوازي المقرئ»: ألف «الطبري» في القراءات كتابا جليلا كبيرا رأيته في ثمانية عشرة مجلدا بخطوط كبار، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشاذ، وعلل ذلك وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور» اهـ (٣).
عاش «الطبري» حياة كانت من بدايتها إلى نهايتها ستا وثمانين سنة قضاها منذ الصغر إلى نهاية العمر بحثا عن العلوم والمعرفة.
ومما لا شك فيه أن ثقافة «الطبري» كانت متنوعة، وكان علمه غزيرا، كل ذلك أهل «الطبري» ليترك ثروة علمية عظيمة من المؤلفات والمصنفات.
في مقدمة مؤلفات «الطبري» كتابه: «جامع البيان في تفسير القرآن».
قال عنه «السيوطي»: إنه جمع فيه بين الرواية والدراية ولم يشاركه في ذلك أحد
стр. 145
قبله، ولا بعده اهـ (١). وقال «الخطيب البغدادي»: إن كتابه في التفسير لم يصنف أحد مثله اهـ.
التزم «الطبري» منهجا خاصا في تصنيف كتابه، ويتميز هذا المنهج بعدة سمات، أهمها ما يلي:
أولا: الاعتماد على المأثور:
ذلك أنه اعتمد على التفسير بالمأثور مما روى عن النبي ﷺ ومما روى عن الصحابة والتابعين، متتبعا طريق الاسناد الدقيقة في سلاسل الروايات، وبهذا اصطبغ تفسيره بأنه سجّل لما أثر من الروايات. لكنه كان في أكثر تفسيره يلخص الفكرة العامة التي يستنبطها من هذه الروايات، ويصوغها بقوله، ثم يعقب عليها بذكر الروايات التي قد تختلف في التفصيل والايجاز.
ثانيا: دقة الإسناد:
كان «الطبري» أمينا في ذكر السند، وفي تسجيل أسماء الرواة، لأنه اتصل بكثير من العلماء، وسمع منهم، فإذا كان قد سمع هو وغيره قال، حدثنا، وإذا كان قد سمع وحده، قال: حدثني.
ثالثا: الإكثار من الأحاديث النبوية.
رابعا: الإكثار من الاستشهاد بالقراءات القرآنية وتخريجها.
مثال ذلك قوله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢).