← Тараджим

Тараджим · id 38067

معجم حفاظ القرآن عبر التاريخ

محمد سالم محيسن

Полный текст (1 062 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن صفات «الطبري»: جرأته في الحق. ولا غرابة في أن يكون «الطبري» شجاع القلب، جريئا في إعلان ما يعتقده حقّا، لأنه قد استكمل الأسباب التي تسلحه بهذه الجرأة من علم واسع، وورع مشهور، واستهانة بالدنيا ومظاهرها. لهذا كان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم. وقد عرض عليه القضاء فأبى أن يقبله، وربما كان «ورعه» هو السبب في رفضه ولاية المظالم مخافة أن يجور في حكم من أحكامه. ويذكر أن «الخاقاني» لما تقلد الوزارة أرسل الى «الطبري» مالا كثيرا، فأبى أن يقبله فعرض عليه القضاء فامتنع (١). ومن صفات «الطبري» التواضع: يعرف في كثير من العلماء سماحة النفس، ودماثة الخلق، ورقة المعاملة، والتواضع الذي لا يمسّ كرامة المؤمن بل يعليها، من هؤلاء العلماء «أبو جعفر الطبري». فقد كان ﵀ ورعا زاهدا في الدنيا، راغبا عما بأيدي الناس، وكان عظيم الأنفة والإباء، فاستغنى بذلك عن الزهو والخيلاء. ومن مظاهر تواضع «الطبري» أنه كان يعطف على تلاميذه، ويتواضع في معاملتهم حبّا لهم، وثقتهم من حبّهم له. ذكر «ابن كامل» أن بعض تلاميذ «الطبري» آلمه في مجلس الأستاذ، فانقطع «ابن كامل» عن المجلس مدّة، ثم قابله «الطبري» فجعل يعتذر له، ويترضاه، ويترفق به، كأنه هو الذي آذاه. فرضي «ابن كامل» وعاد إلى مجلس «الطبري» (٢) ومن صفات «أبي جعفر الطبري» مضاء عزيمته: أولع «الطبري» بحبه

стр. 142

للعلم منذ حداثته إلى أن توفّاه الله تعالى. فقد وهب نفسه للعلم، وأعطى العلم أعظم نصيب من وقته ومن جهده. كانت عزيمته الماضية تتأبى على الفتور والكلال، فتسلح بالصبر، والنشاط. بهذه العزيمة طوّف في كثير من الأقطار، فسمع من كبار العلماء بطبرستان، والعراق، والشام، ومصر. وبهذه العزيمة قرأ كثيرا، وحفظ كثيرا، وألف كثيرا، وكان يستهين بالجهد المضني، ويستسهل الصعب المجهد. وبهذه العزيمة كان يقرأ وهو شديد المرض، فقد ذكر تلميذه «ابن كامل» أنه زاره قبل المغرب وهو شديد العلة، فرأى تحت مصلّاه «فردوس الحكمة» لعلي بن زين الطبري (١). وكانت عزيمته القويّة، تنشّطه إلى القراءة وهو في الخامسة والثمانين من عمره، ولم يكن يقنع بالقراءة في ذلك الوقت، بل كان يتدبّر ما يقرأ، ويتمعن فيه، ويخطّ بقلمه في كثير من المواضع (٢). وكانت ثمرات هذه العزيمة أنه خلّف ثروة عظيمة من المؤلفات في كثير من العلوم المختلفة، وهذا ما سيتضح جليا بإذن الله تعالى أثناء الحديث عن مؤلفاته. ومن صفات «أبي جعفر الطبري» ظرفه: كان «أبو جعفر الطبري» مع كثرة اشتغاله بالعلم إلا أنه لم يصرفه ذلك عن الدعابة، ووجاهة السمت، وأناقة المظهر، والتنعم بما أحله الله تعالى، فقد كان ظريفا في ظاهره، نظيفا في باطنه، حسن العشرة لمجالسيه، مهذبا في جميع أحواله. ومن صفات «الطبري» تعدد ثقافته: وحقا أن منهوم العلم لا يشبع، كما أن منهوم المال لا يقنع، وأنى لمنهوم العلم أن يشبع، وهو يجد في كل لون من

стр. 143

ألوان المعرفة كشفا عن جديد كان يجهله، ولذّة مستحدثة لا تغني عنها لذّة سابقة؟ وقد عرفنا من حياة «الطبري» أنه وهب نفسه للعلم، وقصر عليه حياته، وناط به حاضره، ومستقبله. ومن أهم ثقافة الطبري: العلوم الدينية من قراءات، وتفسير، وحديث، وفقه، وأصول. وهذه هي ثقافته الأصلية، ومعظم مؤلفاته تدور في فلكها. كان «الطبري» شافعيا أولا، ثم اجتهد وانفرد بمذهب مستقل، وقد مكنه علمه الواسع بالمذاهب المختلفة أن يؤلف كتابا: في «اختلاف الفقهاء» فيعرض آراءهم، وأدلتهم، ويناقشها. وكان الحديث النبوي الواحد يحمله على طلبه في مظانه، وفي هذا يقول «الطبري» عن نفسه: جئت إلى «أبي حاتم السجستاني» وكان عنده حديث في القياس عن «الأصمعي» عن «أبي زائدة» عن «الشعبي» فسألته عنه، فحدثني به (١). كان لأبي جعفر الطبري المكانة السامية، والمنزلة الرفيعة بين العلماء، وغيرهم من خاصة الناس، وعامتهم، مما استوجب الثناء عليه، وهذا قبس مما ذكره المؤرخون عنه. قال «أبو محمد عبد العزيز بن محمد الطبري» أحد تلاميذه: «كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ لأنه جمع من علوم الاسلام ما لا نعلمه اجتمع لأحد، ولا ظهر من كتب المصنفين، وانتشر من كتب المؤلفين ما انتشر له، وكان راجحا في علوم القرآن، والقراءات، واختلاف الفقهاء مع الرواية كذلك» اهـ (٢). وقال «الخطيب البغدادي»: «كان «أبو جعفر الطبري» أحد أئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد

стр. 144

جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء» اهـ (١). وقال «ابن خلكان»: «كان «أبو العباس بن سريج» يقول: «محمد ابن جرير الطبري» فقيه العالم» (٢). وقال «الحسن بن علي الأهوازي المقرئ»: ألف «الطبري» في القراءات كتابا جليلا كبيرا رأيته في ثمانية عشرة مجلدا بخطوط كبار، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشاذ، وعلل ذلك وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور» اهـ (٣). عاش «الطبري» حياة كانت من بدايتها إلى نهايتها ستا وثمانين سنة قضاها منذ الصغر إلى نهاية العمر بحثا عن العلوم والمعرفة. ومما لا شك فيه أن ثقافة «الطبري» كانت متنوعة، وكان علمه غزيرا، كل ذلك أهل «الطبري» ليترك ثروة علمية عظيمة من المؤلفات والمصنفات. في مقدمة مؤلفات «الطبري» كتابه: «جامع البيان في تفسير القرآن». قال عنه «السيوطي»: إنه جمع فيه بين الرواية والدراية ولم يشاركه في ذلك أحد

стр. 145

قبله، ولا بعده اهـ (١). وقال «الخطيب البغدادي»: إن كتابه في التفسير لم يصنف أحد مثله اهـ. التزم «الطبري» منهجا خاصا في تصنيف كتابه، ويتميز هذا المنهج بعدة سمات، أهمها ما يلي: أولا: الاعتماد على المأثور: ذلك أنه اعتمد على التفسير بالمأثور مما روى عن النبي ﷺ ومما روى عن الصحابة والتابعين، متتبعا طريق الاسناد الدقيقة في سلاسل الروايات، وبهذا اصطبغ تفسيره بأنه سجّل لما أثر من الروايات. لكنه كان في أكثر تفسيره يلخص الفكرة العامة التي يستنبطها من هذه الروايات، ويصوغها بقوله، ثم يعقب عليها بذكر الروايات التي قد تختلف في التفصيل والايجاز. ثانيا: دقة الإسناد: كان «الطبري» أمينا في ذكر السند، وفي تسجيل أسماء الرواة، لأنه اتصل بكثير من العلماء، وسمع منهم، فإذا كان قد سمع هو وغيره قال، حدثنا، وإذا كان قد سمع وحده، قال: حدثني. ثالثا: الإكثار من الأحاديث النبوية. رابعا: الإكثار من الاستشهاد بالقراءات القرآنية وتخريجها. مثال ذلك قوله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢).

стр. 146

قال: اختلف القراء في قراءة قوله تعالى: «أفمن أسّس بنيانه» فقرأ بعض قرّاء أهل المدينة وهو «نافع» ومعه «ابن عامر» الشامي، بضم الهمزة، وكسر العين على البناء للمفعول، و «بنيانه» بالرفع نائب فاعل. وقرأت عامة قراء الحجاز، والعراق بفتح الهمزة والسين فيهما على البناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود على «من» و «بنيانه» بالنصب مفعول به. ثم قال: وهما قراءتان متفقتان في المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقوله تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى (١). قال: اختلف القراء في قراءة قوله تعالى: «ماذا ترى» فقرأته عامة قراء أهل المدينة، والبصرة، وبعض أهل الكوفة بفتح التاء، والراء، وألف بعدها، بمعنى أيّ شيء تأمر. وقرأ عامة قراء الكوفة: «ماذا ترى» بضم التاء، وكسر الراء، وياء بعدها، بمعنى ماذا تشير وماذا ترى من صبرك. ومن مؤلفات «الطبري» تاريخ الأمم والملوك، واختلاف الفقهاء، وتهذيب الآثار، وتفصيل الثابت عن رسول الله ﷺ من الأخبار، وكتاب آداب القضاة، وكتاب أدب النفوس الجيدة والأخلاق النفيسة وكتاب المسند المجرد، ورسالة البصير في معالم الدين، وكتاب مختصر مناسك الحج، وكتاب الفرائض، وكتاب الموجز في الأصول، وكتاب مسند «ابن عباس» ﵄، واختيار من أقاويل الفقهاء، وكتاب المسترشد، وفضائل «عليّ بن أبي طالب وابن عباس» ﵄. وكتاب فضائل «أبي بكر وعمر» ﵄، وكتاب في تعبير الرؤيا إلى غير ذلك من المصنفات المفيدة والنافعة.

стр. 147

قال «أبو محمد الفرغاني» صاحب ابن جرير: إن قوما من تلامذة «محمد ابن جرير» حسبوا له منذ بلغ الحلم إلى أن مات ثم قسموا على تلك المدّة أوراق مصنفاته، فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة اهـ (١). توفي «ابن جرير الطبري» في شوال سنة عشر وثلاثمائة ببغداد، بعد حياة حافلة بتعليم القرآن وسنة النبي ﵊. رحم الله «ابن جرير الطبري» رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.

стр. 148

رقم الترجمة/ ٦٦ «جعفر المشحلائي» ت بعد ٣٣٠ ه ـ (١) هو: جعفر بن سليمان أبو أحمد، وقيل: أبو الحسين المشحلائي: بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وحاء مهملة، نسبة إلى قرية «مشحلايا» قرية من أعمال حلب. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. أخذ «جعفر المشحلائي» القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: «أبو شعيب السوسي» الراوي المشهور عن «أبي عمرو بن العلاء البصري». ولا زالت قراءة «السوسي» يتلقاها المسلمون بالقبول حتى الآن (٢). تصدر «جعفر المشحلائي» لتعليم القرآن. واشتهر بالثقة والضبط وعمر طويلا، فتتلمذ عليه الكثيرون، وفي مقدمة من أخذ عنه القراءة: «عبد الله بن المبارك، وعبد المنعم بن غلبون»، وهو الذي روى الإدغام الكبير منصوصا (٣). توفي «جعفر المشحلائي» بعد حياة حافلة بتعليم القرآن بعد الثلاثين وثلاثمائة من الهجرة. ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.

стр. 149

رقم الترجمة/ ٦٧ «جعفر النّصيبي» ت ٣٠٧ ه ـ (١) هو: جعفر بن محمد بن أسد أبو الفضل الضرير النصيبي المعروف بابن الحمامي، قارئ ضابط حاذق. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السابعة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. أخذ «جعفر النصيبي» القرآن عن خيرة العلماء وفي مقدمتهم: «أبو عمر الدوري» أحد رواة «أبي عمرو بن العلاء» البصريّ، ولا زالت قراءة «أبي عمر الدوري» يتلقاها المسلمون بالقبول وقد تلقيتها وقرأت بها والحمد لله رب العالمين. وقد اشتهر «جعفر النصيبي» بالقراءة والاقراء، وقد تتلمذ عليه الكثيرون منهم: «محمد بن علي الجلندا، ومحمد بن علي بن حسن العطوفي». كما روى عنه حروف القرآن «عبد الله بن أحمد بن ذي زويه، وإبراهيم بن أحمد الخرقي» (٢). توفي «جعفر النصيبي» سنة سبع وثلاثمائة من الهجرة. رحم الله «أبا جعفر النصيبي» رحمة واسعة إنه سميع مجيب.

стр. 150

رقم الترجمة/ ٦٨ «ابن الجلندا» ت بعد ٣٤٠ ه ـ (١) هو: محمد بن علي بن الحسن بن الجلندا أبو بكر الموصلي، مقرئ متقن ضابط. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. أخذ «ابن الجلندا» القراءة عرضا عن خيرة العلماء، منهم: محمد بن اسماعيل القرشي، والفضل بن داود المدني، والفضل بن أحمد الزبيدي، ومحمد ابن هارون التمار، والحسن بن الحسين الصواف، وجعفر بن محمد بن أسد، وأحمد ابن سهل الأشناني، وأبو بكر بن مجاهد، وأحمد بن عبد ربه ابن عياش وآخرون (٢). تصدر «ابن الجلندا» لتعليم القرآن، فتتلمذ عليه الكثيرون، منهم: عبد الباقي بن الحسن بن السقاء وغيره (٣). واشتهر «ابن الجلندا» باتقان القرآن الكريم وضبط حروفه وبرع في القراءات. مما استوجب الثناء عليه وفي هذا المعنى يقول «الذهبي»: اشتهر «ابن الجلندا» بالضبط والإتقان وبرع في القراءات (٤). وقال عنه

стр. 151

«الإمام الداني»: «ابن الجلندا» مشهور بالضبط والاتقان اهـ (١). قال «ابن الجزري»: توفي «ابن الجلندا» فيما أحسب سنة بضع وأربعين وثلاثمائة من الهجرة. رحم الله «ابن الجلندا» رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.

стр. 152

رقم الترجمة/ ٦٩ «أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني المخزومي» ت ١٢٨ ه ـ (١) أحد أئمة التابعين، وعلم من علماء القراءات، الثقة من المشهورين شيخ القراءات بالمسجد النبوي الشريف. أحد القراء العشرة المشهورين، وقراءة «أبي جعفر» من القراءات المتواترة التي لا زال الناس يتلقونها بالقبول، وقد تلقيتها وقرأت بها، والحمد لله رب العالمين. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثالثة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. قال «ابن الجزري»: عرض «أبو جعفر» القرآن على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة اهـ (٢). وروى القراءة عنه عدد كثير لأنه كان مدرسة وحده، منهم: «نافع ابن أبي نعيم» أحد القراء السبعة المشهورين، ولا زالت قراءة «نافع» يتلقاها المسلمون بالقبول، وقد قرأت بها والحمد لله رب العالمين. كما أخذ القراءة عن «أبي

стр. 153

جعفر»: سليمان بن مسلم بن جماز، وعيسى بن وردان، وأبو عمرو بن العلاء، وعبد الرحمن بن زيد، وولداه: إسماعيل، ويعقوب، وآخرون. قال «يحيى بن معين»: كان «أبو جعفر» إمام أهل المدينة في القراءة فسمى القارئ لذلك (١). وقال «مالك بن أنس»: كان «أبو جعفر» رجلا صالحا، يقرئ الناس بالمدينة اهـ (٢). وقال «مجاهد»: حدثوني عن «الأصمعي» عن «أبي الزناد» قال: لم يكن أحد أقرأ للسنة من «أبي جعفر» وكان يقدم في زمانه على «عبد الرحمن ابن هرمز» اهـ (٣). وقال «الذهبي»: فأما قراءة «أبي جعفر» فدارت على «أحمد بن زيد الحلواني» عن «قالون، عن عيسى بن وردان»، عن «أبي جعفر» قرأ بها «الفضل بن شاذان الداري، وجعفر بن الهيثم عن الحلواني»، وأقرأ بها «الزبير ابن محمد العمري»، عن قراءته على «قالون» بإسناده، وأقرأها «سليمان بن داود الهاشمي، عن سليمان بن مسلم بن جماز» عن «أبي جعفر» وأقرأها «الدوري» عن إسماعيل بن جعفر عن «أبي جعفر» اهـ (٤). ومن يقرأ تاريخ «أبي جعفر» يتبين له بجلاء ووضوح أنه كان من الزهاد، المتصدقين، الذين يصومون صيام داود ﵇، يوضح ذلك النصوص التالية: فعن «سبط الخياط» قال: روى «ابن جماز عنه» أنه كان يصوم يوما ويفطر

стр. 154

يوما، واستمرّ على ذلك مدة من الزمان، فقال له بعض أصحابه في ذلك فقال: إنما فعلت ذلك أروض به نفسي لعبادة الله تعالى اهـ (١). وقال «ابن الجزري»: قرأت بخط الأستاذ «أبي عبد الله القصّاع» أن «أبا جعفر» كان يصلي في جوف الليل أربع تسليمات يقرأ في كل ركعة بالفاتحة، وسورة من طوال المفصل، ويدعو عقبها لنفسه، والمسلمين، ولكل من قرأ عليه وقرأ بقراءته بعده وقبله اهـ (٢). وقال «سليمان بن مسلم»: أخبرني «أبو جعفر» أنه أتى به إلى «أم سلمة» أم المؤمنين ﵂، وهو صغير فمسحت على رأسه، ودعت له بالبركة اهـ (٣). وعن «عبد الرحمن بن زيد بن أسلم»: كان «أبو جعفر» يصلي خلف القراء في رمضان يلقنهم، وكان بعده «شيبة بن نصاح» جعلوه كذلك اهـ (٤). كما كان «أبو جعفر» رحمه الله تعالى من المتصدقين الذين يخفون أنفسهم ابتغاء رضوان الله تعالى، يوضح ذلك الخبر التالي: فعن «مالك بن أنس» قال: كان «أبو جعفر» إذا مرّ سائل وهو يصلي بالليل، دعاه فيستتر منه، ثم يلقي إليه إزاره اهـ (٥). ومن نعم الله على «أبي جعفر» ﵀، أن الله أكرمه غاية الإكرام فتفضل عليه في الدنيا ومنحه القرآن، وسنة النبي ﵊ أما في الدار

стр. 155

الآخرة وهي لا زالت مجهولة إلا أنا نرجو من الله تعالى له جنة عرضها السموات والارض. ومما يدل على قبوله عند الله تعالى ومغفرته له ما يلي: روى «محمد بن منصور» المدني قال: حدثنا «محمد بن إسحاق المسيبي، حدثني «أبي» عن «نافع» قال: لما غسّل «أبو جعفر» بعد وفاته نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، قال: فما شك أحد ممن حضر أنه نور القرآن» اهـ (١). وقال «شيبة بن نصاح» وكان ختنه على ابنة «أبي جعفر»: ألا أريكم منه عجبا؟ قالوا: بلى، فكشف عن صدره، فإذا «دوّارة» بيضاء مثل اللبن، فقال «أبو حازم» وأصحابه: هذا والله نور القرآن، قال: «سليمان»: فقالت لي: «أم ولده» بعد ما مات: صار ذلك البياض غرة بين عينيه اهـ (٢). وقال «سليمان بن أبي سليمان» رأيت «أبا جعفر» على الكعبة في المنام، فقلت: أبا جعفر، فقال: نعم، أقرئ إخواني السلام وأخبرهم أن الله جعلني من الشهداء الأخيار المرزوقين اهـ (٣). توفي «أبو جعفر يزيد بن القعقاع» سنة ثمان وعشرين ومائة من الهجرة، عن نيف وتسعين سنة، بعد حياة حافلة في تعليم القرآن، والزهد، والتقرب إلى الله تعالى. رحم الله «أبا جعفر» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.

стр. 156

رقم الترجمة/ ٧٠ «ابن جمّاز» ت بعد السبعين ومائة ه ـ (١) هو: سليمان بن مسلم بن جماز، وقيل سليمان بن سالم بن جماز بالجيم والزاي مع تشديد الميم أبو الربيع الزهري، مولاهم المدني، مقرئ جليل ضابط. ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. تلقى «ابن جمّاز» القراءة عن خيرة العلماء، فقد عرض على «ابي جعفر يزيد بن القعقاع، وشيبة بن نصاح» ثم عرض على «نافع بن أبي رويم» وقرأ بحرف «أبي جعفر، ونافع». اشتهر «ابن جماز» بالثقة، وصحة الضبط، وجودة القراءة، وتتلمذ عليه طلاب العلم، فمن الذين أخذوا عنه القراءة: «إسماعيل بن جعفر، وقتيبة بن مهران» وآخرون. توفي «ابن جماز» بعد حياة حافلة بتعليم القرآن بعد السبعين ومائة من الهجرة حسبما ذكر «ابن الجزري». ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.

стр. 157

رقم الترجمة/ ٧١ «الجمّال الازرق» ت في حدود ٣٠٠ ه ـ (١) هو: الحسين بن علي بن حمّاد بن مهران أبو عبد الله الجمال الازرق الرازي، ثم القزويني. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السابعة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. أخذ «الجمّال الازرق» القراءة عن خيرة العلماء منهم: «أحمد بن يزيد الحلواني، وأحمد بن الصباح بن أبي سريج عن «أبي عمرو بن العلاء» ومحمد بن إدريس الدنداني، وسليمان بن داود الهاشمي، وعليّ بن أبي نصر» وغيرهم كثير (٢). وقد تلقى القرآن على «الجمال الأزرق» عدد كثير منهم: «محمد بن أحمد ابن شنبوذ، وأحمد بن محمد الرازي، والحسن بن سعيد المطوعي، ومحمد بن الحسن النقاش، وأحمد بن مالك القصّار، وأبو بكر بن مجاهد، وغيرهم كثير (٣). توفي «الجمال الأزرق» في حدود سنة ثلاثمائة من الهجرة بعد حياة حافلة بتعليم القرآن الكريم. رحم الله «الجمال الأزرق» رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.

стр. 158

رقم الترجمة/ ٧٢ «أبو حاتم السّجستاني» ت ٢٥٥ ه ـ (١) هو: سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد أبو حاتم السجستاني، إمام البصرة في النحو والقراءة واللغة والعروض. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ضمن علماء القراءات. كان «أبو حاتم» من النابهين المتعلقين بعلوم اللغة والقرآن. وقد تلقى القرآن على مشاهير علماء عصره، في مقدمتهم: «يعقوب الحضرمي» الإمام الثامن من أئمة القراءات. كما عرض القرآن على «سلام الطويل وأيوب ابن المتوكل». وروى الحروف عن «إسماعيل بن أبي أويس، ومحمد بن يحيى القطيعي، وسعيد بن أوس، وعبيد بن عقيل» (٢). كما أخذ «أبو حاتم السجستاني» النحو، واللغة على مشاهير علماء عصره وفي هذا المعنى يقول «المبرّد»: سمعت «أبا حاتم» يقول: قرأت كتاب سيبويه على «الأخفش الاوسط»: سعيد بن مسعدة مرتين، ثم يقول «المبرّد»: وكان

стр. 159

«أبو حاتم» كثير الرواية عن «أبي زيد الأنصاري، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، والأصمعي. كما كان عالما باللغة، والشعر، حسن العلم بالعروض، واخراج المعمّى، وله شعر جيّد، ويصيب المعنى» اهـ (١). وقد تتلمذ على «أبي حاتم» عدد كثير منهم: «محمد بن سليمان المعروف بالزردقي، وعليّ بن أحمد المسكيّ، وأبو سعيد العسكري، وأبو بكر بن دريد، وأحمد بن حرب، وأحمد بن الخليل العنبري، والحسين بن تميم، وغيرهم كثير (٢). لقد كان «أبو حاتم من حفاظ القرآن الذين لا يلحنون. يقول «ابن الجزري»: «روينا عن «الحسين بن تميم» البزّاز أنه قال: صلّى «أبو حاتم» بالبصرة ستين سنة بالتراويح وغيرها فما أخطأ يوما، ولا لحن يوما، ولا أسقط حرفا، ولا وقف إلا على حرف تام» اهـ (٣). كما كان «أبو حاتم» من المتهجدين المستغفرين بالأسحار. فعن «محمد بن إسماعيل الخفاف» قال: «كان «أبو حاتم» وأبواه، جعلوا الليل بينهم أثلاثا: فكان أبوه يقوم الثلث، وأمه تقوم الثلث، وأبو حاتم يقوم الثلث فلما مات أبوه جعل الليل نصفين، فلما ماتت أمّه جعل «أبو حاتم» يقوم الليل كله» اهـ (٤). وقد احتل «أبو حاتم» بين قومه المنزلة السامية الرفيعة، وقد أثنى عليه الكثيرون من العلماء: قال «ابن دريد»: كان «أبو حاتم، يتبحر في الكتب. ويخرّج المعمّى، حاذق بذلك، دقيق النظر فيه» اهـ (٥).

стр. 160

وكان «أبو حاتم» متبحرا في كثير من العلوم، والدليل على ذلك مصنفاته المتعددة في القرآن، واللغة، وغيرهما، يقول «القفطي»: كتابه في القراءات مما يفخر به أهل البصرة، فإنه أجلّ كتاب صنف في هذا النوع في زمانه (١). كما ذكر «القفطي» «لأبي حاتم» عدّة مصنفات أذكر منها ما يلي: L ١ كتاب إعراب القرآن كتاب الطير كتاب النبات كتاب الفصاحة كتاب النخلة كتاب الأضداد كتاب الهجاء كتاب الادغام كتاب الكرم كتاب الإبل كتاب الاتباع كتاب الزرع ٢ L كتاب ما تلحن فيه العامة كتاب المذكر والمؤنث كتاب المقصور والممدود كتاب المقاطع والمبادئ كتاب القسي والنبال والسهام كتاب السيوف والرماح كتاب حلق الإنسان كتاب الشتاء والصيف كتاب النحل والعسل كتاب الخصب والقحط كتاب اختلاف المصاحف كتاب الشوق إلى الاوطان إلى غير ذلك من المصنفات المفيدة والنافعة. توفي «أبو حاتم» سنة خمس وخمسين ومائتين من الهجرة. رحم الله «أبا حاتم» وجزاه الله أفضل الجزاء.

стр. 161

رقم الترجمة/ ٧٣ «أبو الحارث» ت ٢٤٠ ه ـ (١) هو: الليث بن خالد أبو الحارث البغدادي ثقة معروف حاذق ضابط. ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. أخذ «أبو الحارث» القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: «الكسائي» وهو من جلة أصحابه. وروى حروف القراءات عن «حمزة بن القاسم الأحول، وعن اليزيدي». تصدر «أبو الحارث» لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة والضبط وأخذ عنه الكثيرون منهم: «سلمة بن عاصم، صاحب الفراء، ومحمد بن يحيى الكسائي الصغير، والفضل بن شاذان، ويعقوب بن أحمد التركماني» وآخرون. توفي «أبو الحارث» سنة أربعين ومائتين من الهجرة بعد حياة حافلة بتعليم القرآن. ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.

стр. 162

رقم الترجمة/ ٧٤ «ابن الحباب» ت ٣٠١ ه ـ (١) هو: الحسن بن الحباب بن مخلد الدقاق، أبو علي، البغدادي، شيخ متصدر للقراءة مشهور، ثقة، ضابط من كبار الحذاق. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السابعة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. قال «الخطيب البغدادي»: كان «ابن الحباب» أصله من «واسط» كثير الحديث، قريب الأمر، وكان ثقة يسكن الجانب الشرقي، وقد قارب التسعين، ولم يغيّر شيبه اهـ (٢). وقال «ابن الجزري»: روى «ابن الحباب» القراءة عرضا وسماعا عن «البزّي» وهو الذي روى «التهليل» عنه عند الختم، وبه قرأ «الداني» على شيخه «فارس» من طريقه ثم يقول «ابن الجزري» وقرأ «ابن الحباب» أيضا على «محمد بن غالب الأنماطي، وبشر بن هلال» اهـ (٣). يقول «الخطيب البغدادي»: وقد سمع «ابن الحباب» محمد بن حميد الرازي، ومحمد بن سليمان لوين، ومحمد بن إسماعيل المبارك، ومحمد بن يحيى ابن أبي سمنية، ومحمد بن سهل بن عسكر البخاري (٤).

стр. 163

وقد جلس «ابن الحباب» للاقراء، وقد تلقى عليه القرآن الكثيرون، منهم: «ابن مجاهد، وابن الأنباري، وأبو بكر محمد ابن القاسم، وأحمد بن عبد الرحمن ابن الفضل الوليّ وأحمد بن صالح بن عمر، وأحمد بن مسلم الختلي، وأحمد بن عبيد الله، وأبو بكر النقاش، وأبو الحسن بن شنبوذ، وعبد الواحد بن عمر بن أبي هاشم، وغيرهم كثير» (١). وقد كان «ابن الحباب» من الثقات، وفي هذا المعنى يقول «الخطيب البغدادي»: حدثني «عليّ بن محمد بن نصر» قال: سمعت «حمزة بن يوسف» يقول: وسألت «الدارقطني» عن «الحسن بن الحباب بن مخلد الدقاق المقرئ ببغداد، فقال: ثقة» اهـ (٢). توفي «ابن حباب» سنة إحدى وثلاثمائة من الهجرة وقد قارب التسعين. رحم الله «ابن الحباب» رحمة واسعة إنه سميع مجيب.

стр. 164

رقم الترجمة/ ٧٥ «ابن حبش» ت ٣٧٣ ه ـ (١) هو: الحسين بن محمد بن حبش- بفتح الحاء وسكون الباء- ابن حمدان، أبو علي الدينوري نسبة إلى مدينة «دينور»، وهي مدينة من أعمال «الجبل» وبينهما وبين همذان عشرون ونيف فرسخا وهي مدينة كثيرة الثمار والزروع وينسب إليها جماعة من علماء القرآن والحديث والأدب (٢). ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. أخذ «ابن حبش» القراءة عن خيرة العلماء. وفي مقدمتهم: أبو عمران موسى بن جرير الرقي. وإبراهيم بن حرب الحراني، والعباس بن الفضل الرازي، وأبو بكر بن مجاهد، وإبراهيم بن عبد الرزاق الأنطاكي، والحسن بن بدر، ومحمد ابن أحمد بن الحسن الشعيري وغير هؤلاء. تصدر «ابن حبش» لتعليم القرآن الكريم واشتهر بالثقة والضبط وجودة القراءة، وأقبل عليه حفاظ القرآن وتتلمذ عليه الكثيرون منهم: محمد بن المظفر الدينوري، وأبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي، ومحمد بن إبراهيم البصير، وأبو العلاء محمد بن علي الواسطي، وأحمد بن عبد الواسع، وأبو غانم الكرجي، وأبو الحسن علي بن محمد الخباز وغيرهم كثير (٣).

стр. 165

احتل «ابن حبش» مكانة سامية بين العلماء مما استوجب الثناء عليه، حول هذا المعنى يقول «الداني»: «ابن حبش» تقدم في علم القراءات، مشهور بالإتقان ثقة مأمون اهـ (١). قال «الإمام ابن الجزري»: ابن حبش حاذق ضابط متقن، وإنه كان يأخذ لجميع القراء بالتكبير في جميع السور وقرأت أنا بالتكبير من طريقه عن السوسي (٢). توفي «ابن حبش» سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة من الهجرة، ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.

стр. 166

رقم الترجمة/ ٧٦ «أبو الحسن الأنطاكي» ت ٣٧٧ ه ـ (١) هو: علي بن محمد بن اسماعيل بن محمد بن بشر أبو الحسن الأنطاكي التميمي نزيل الاندلس وشيخها. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. ولد «أبو الحسن الأنطاكي» بأنطاكية سنة تسع وتسعين ومائتين من الهجرة. أحب «أبو الحسن الأنطاكي» الرحلة في طلب العلم، فدخل بعض البلاد الإسلامية ليستمع من مشايخها، ويأخذ عن علمائها مثل: دمشق ومصر حتى أصبح من العلماء المشهورين الحذاق، وفي هذا يقول: «ابن الجزري»: لزم «أبو الحسن الأنطاكي» إبراهيم بن عبد الرزاق نحوا من ثلاثين سنة، وخرج من أنطاكية مع أمه للحج في شوال سنة ثمان وثلاثين وانصرف إلى دمشق، فوصل إليه موت شيخه «إبراهيم بن عبد الرزاق» فنزل «مصر» وأقرأ بها إلى أن وجّه «المستنصر بالله» أمير الأندلس قاصدا إلى «مصر» وكتب معه أن يجهز إليه مقرئا، يقرئ الناس بالأندلس فوجه إليه بأبي الحسن، فقدم الاندلس مع «أمه» ودخل «قرطبة» في شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة (٢).

стр. 167

أخذ «أبو الحسن الأنطاكي» القراءة عن عدد كبير من علماء القراءات، وفي هذا يقول «الإمام ابن الجزري»: أخذ القراءة عرضا عن «إبراهيم بن عبد الرزاق، وأحمد بن محمد بن حشيش، ومحمد بن جعفر بن بيان البغدادي، ومحمد بن النضر بن الأخرم، وأحمد بن صالح البغدادي، وأحمد بن يعقوب التائب». ثم يقول «ابن الجزري»: وقد وقع في كتاب «المستنير» لابن سوار أن «أبا الحسن الأنطاكي قرأ على اسماعيل النحاس عن الازرق عن ورش وهذا مما لا يصح، فإن النحاس توفي قبل مولد «الأنطاكي» هذا بنحو عشر سنين وأكثر. ولكن لما دخل الأنطاكي «مصر» سنة ثلاثين وثلاثمائة كان جماعة من أصحاب «النحاس» موجودين، فيحتمل أن يكون قرأ على بعضهم والله أعلم اهـ (١). تصدر «أبو الحسن الأنطاكي» لتعليم القرآن وحروفه، واشتهر بالثقة وحسن القراءة وأقبل عليه حفاظ القرآن وتتلمذ عليه عدد كبير، وفي مقدمتهم: «أبو الفرج الهيثم بن أحمد الصباغ، وإبراهيم ابن مبشر، وعتبة بن عبد الملك، ومحمد ابن عمر الغازي، وأبو المطرز القنازعي، ومحمد بن يوسف النجار، وعبيد الله بن سلمة بن حزم شيخ أبي عمرو الداني وآخرون» (٢). لم تقتصر جهود أبي الحسن الأنطاكي على تعليم القرآن، بل شملت أيضا بعض المصنفات النافعة في القراءات. يقول «الإمام الداني»: «أخذ أبو الحسن الأنطاكي» القراءة عرضا وسماعا عن «إبراهيم بن عبد الرزاق، ومحمد بن الأخرم وصنف قراءة ورش» اهـ (٣).

стр. 168

احتل «أبو الحسن الأنطاكي» مكانة سامية بين العلماء مما استوجب الثناء عليه، وفي هذا يقول «أبو الوليد بن الفرضي»: أدخل أبو الحسن الى الاندلس علما جما، وكان بصيرا بالعربية والحساب، وله حظ في الفقه، قرأ الناس عليه، وسمعت أنا منه، وكان رأسا في القراءات، لا يتقدمه أحد في معرفتها في وقته (١). وقال «الإمام الداني»: «أبو الحسن الأنطاكي» مشهور بالفضل والعلم، والضبط وصدق اللهجة اهـ (٢). وقال «القفطي»: رحل «أبو الحسن الأنطاكي» إلى الاندلس، فأدخل إليها علما كثيرا من القراءات والرواية لحديث كثير عن الشاميين والبصريين، وكان بصيرا بالعربية والحساب. وله حظ في الفقه على مذهب الشافعي. قرأ الناس عليه بالاندلس، وكتبوا عنه، وسمعوا منه اهـ (٣). وقال «الإمام ابن الجزري»: «أبو الحسن الأنطاكي» شيخ الأندلس، وإمام حاذق، مسند، ثقة ضابط، اهـ (٤). توفي «أبو الحسن الأنطاكي» سنة سبع وسبعين وثلاثمائة بقرطبة، ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.

стр. 169

رقم الترجمة/ ٧٧ «الحسن الجمّال» ت ٢٨٩ ه ـ (١) هو: الحسن بن العباس بن أبي مهران الجمّال بالجيم المعجمة، أبو علي الرازي، شيخ عارف حاذق ثقة، إليه المنتهى في الضبط والتحرير، أقرأ ببغداد وغيرها. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السابعة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. وقد تلقى «الجمّال» القراءة على خيرة العلماء منهم: «أحمد بن قالون، وأحمد الحلواني، ومحمد بن عيسى الأصبهاني، وأحمد بن صالح المصري، والقاسم ابن أحمد الخياط، وغيرهم كثير» (٢). وقد تتلمذ على «الجمال» عدد كثير منهم: «ابن مجاهد، وابن شنبوذ، وابن المنادي، والنقاش، وعبد الجليل الزيات، والحسن بن الحباب، وأحمد بن عثمان بن بويان، وأحمد بن حمّاد صاحب السطاح، وغير هؤلاء كثير» (٣). قال «الخطيب البغدادي»: سكن «الجمّال» بغداد، وحدث بها عن «سهل بن عثمان العسكري، وعبد المؤمن بن علي الزعفراني، وعبد الله بن هارون الفروي، ويعقوب بن حميد بن كاسب». وروى عنه «يحيى بن محمد بن صاعد، ومحمد ابن مخلد وأبو عمرو بن السمّاك، وعبد الصمد بن علي الطستي» (٤). توفي «الحسن الجمّال» في رمضان سنة تسع وثمانين ومائتين. رحم الله «الحسن الجمّال» رحمة واسعة إنه سميع مجيب.

стр. 170

رقم الترجمة/ ٧٨ «الحسن بن أبي الحسن البصري» ت ١١٠ ه ـ (١) شيخ أهل البصرة، ومفتيها، سيّد أهل زمانه علما وعملا، حافظ القرآن، العامل بآدابه وتعاليمه، أحد أئمة التابعين. مولى «زيد بن ثابت» ﵁، وكانت «أم الحسن البصري» مولاة لأم سلمة أم المؤمنين ﵂. ويسار أبوه من سبي «ميسان» وهي أرض واسعة كثيرة القرى، والنخل، بين البصرة وواسط. سكن «يسار» المدينة، وأعتق، وتزوج في خلافة «عمر» ﵁ فولد له «الحسن» لسنتين بقيتا من خلافة «عمر» ﵁، ثم نشأ الحسن بوادي القرى، وحضر الجمعة مع «عثمان» ﵁، وسمعه يخطب، وشهد يوم «الدار» وله يومئذ أربع عشرة سنة. قال «محمد بن سعد» كان «الحسن» ﵀ جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، حجة، مأمونا، عابدا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، وسيما اهـ (٢).

стр. 171

وقال «الذهبي»: كان «الحسن» رجلا تام الشكل، مليح الصورة، بهيّا، وكان من الشجعان الموصوفين اهـ (١). وقال «محمد بن سلّام»: حدثنا «أبو عمرو الشّعّاب» بإسناد له قال: كانت «أم سلمة» ﵂ تبعث «أم الحسن» في الحاجة فيبكي وهو طفل، فتسكته «أم سلمة» بثديها، وتخرجه إلى أصحاب رسول الله ﷺ وهو صغير فكانوا يدعون له، فأخرجته إلى «عمر» ﵁ فدعا له وقال: «اللهم فقهه في الدين، وحبّبه إلى الناس» اهـ (٢). ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثالثة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. قال «ابن الجزري»: قرأ «الحسن البصري» على «حطّان بن عبد الله الرقاشي» عن «أبي موسى الأشعري» وعلى «أبي العالية» عن «أبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت» ﵄. ثم قال: وروى القراءة عنه «أبو عمرو بن العلاء» وسلام بن سليمان الطويل، ويونس بن عبيد، وعاصم الجحدري (٣). وقال «الذهبي»: وروى «الحسن البصري» عن: «عمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن ابن سمرة، والنعمان بن بشير، وابن عباس، وعمرو بن تغلب، ومعقل بن يسار، وانس بن مالك، وجمع من الصحابة» اهـ (٤). كما روى عنه عدد كثير منهم: «شيبان النحوي، ويونس بن عبيد، وابن

стр. 172

عون، وحميد الطويل، وثابت البنانيّ، ومالك بن دينار، وهشام بن حسان، وجرير بن حازم، ومبارك بن فضالة، وأبان بن يزيد العطار، وشبيب بن شيبة، وأشعث بن سوار وغيرهم كثير (١). وكان «الحسن البصري» خطيبا رقيق القلب، فعن «مبارك بن فضالة» قال: حدثنا «الحسن البصري» عن «أنس بن مالك» ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة، يسند ظهره إليها، فلما كثر الناس قال: «ابنوا لي منبرا له عتبتان، فلما قام على «المنبر» يخطب، حنّت «الخشبة» إلى رسول الله ﷺ قال: أي أنس وأنا في المسجد، فسمعت للخشبة حنين الواله، فما زالت تحنّ حتى نزل إليها، فاحتضنها فسكنت» اهـ. وكان «الحسن البصري» إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: «يا عباد الله الخشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقا إليه، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إلى لقائه» اهـ (٢). وكان «الحسن البصري» رحمه الله تعالى من الزهاد، الصوّامين: فعن «السّري بن يحيى» قال: كان «الحسن» يصوم البيض، والأشهر الحرم والاثنين، والخميس اهـ (٣). ولقد كان للحسن البصري المكانة السامية، والمنزلة الحسنة بين المسلمين، والدليل على ذلك ثناء الناس عليه، يوضح ذلك الأقوال الآتية:

стр. 173

قال «قتادة»: ما كان أحد أكمل مروءة من «الحسن البصري» (١). وقال «هشام بن حسّان»: كان «الحسن» أشجع أهل زمانه (٢). وقال «قتادة» كان «الحسن» من أعلم الناس بالحلال والحرام (٣). وقال «حميد بن يونس»: ما رأينا أحدا أكمل مروءة من «الحسن» (٤). وقال «عوف»: ما رأيت رجلا أعلم بطريق الجنة من «الحسن» (٥). وقال «أبو عمرو بن العلاء»: ما رأيت أفصح من «الحسن» والحجاج (٦). وكان «الحسن البصري» ﵀ ينطق بالحكمة فمن أقواله: ١ - روى «حوشب» عن «الحسن» أنه قال: يا ابن آدم، والله إن قرأت القرآن وآمنت به، ليطولنّ في الدنيا حزنك، وليشتدّنّ في الدنيا خوفك، وليكثرنّ في الدنيا بكاؤك (٧). ٢ - وقال «هشام بن حسان»: سمعت «الحسن» يحلف بالله، ما أعزّ أحد الدرهم إلا أذلّه الله اهـ (٨). ٣ - وروى «ضمرة بن ربيعة» عن «الحسن» أنه قال: «من كذّب بالقدر فقد كفر اهـ (٩).

стр. 174

٤ - وروى «صالح المريّ» عن «الحسن» أنه قال: ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك اهـ (١). ٥ - وقال «مبارك بن فضالة»: سمعت «الحسن» يقول: فضح الموت الدنيا، فلم يترك فيها لذي لبّ فرحا اهـ (٢). يروى أنه في مرض الموت أغمي عليه ثم أفاق إفاقة فقال: لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم اهـ. توفي «الحسن البصري» بعد حياة حافلة بالعلم والعمل. ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء. وكان ذلك سنة عشر ومائة عن ثمان وثمانين سنة.

стр. 175

رقم الترجمة/ ٧٩ «أبو الحسن الحلواني» ت ٢٥٠ هـ ونيف (١) هو: أحمد بن يزيد بن يزداذ الصفّار أبو الحسن الحلواني. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. يقول «ابن الجزري»: قرأ «الحلواني» بمكة على «أحمد بن محمد القوّاس، وبالمدينة المنورة على «قالون» رحل إليه مرتين، وإسماعيل وأبي بكر بن أبي أويس، وبالكوفة والعراق على «خلف، وخلاد، وجعفر بن محمد الخشكني، وأبي شعيب القوّاس، وحسين بن الأسود» وآخرين (٢). كما تتلمذ على «الحلواني» الكثيرون، منهم: «الفضل بن شاذان، وابنه العبّاس بن الفضل، ومحمد بن بسّام، ومحمد بن عمرو بن عون الواسطي، وأحمد بن الهيثم، والحسن بن العباس الجمّال، والحسين بن علي بن حماد الأزرق، وغيرهم كثير» (٣). توفي «الحلواني» سنة نيّف وخمسين ومائتين من الهجرة. بعد حياة حافلة بتعليم القرآن، ﵀ رحمة واسعة. وجزاه الله أفضل الجزاء.

стр. 176

رقم الترجمة/ ٨٠ «أبو الحسن الخاشع» ت في حدود ٣٩٠ ه ـ (١) هو: علي بن اسماعيل بن الحسن بن اسحاق أبو الحسن البصري القطان، المعروف بالخاشع. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. اعتنى «أبو الحسن الخاشع» بالقراءات القرآنية منذ باكورة حياته، ورحل إلى كثير من المدن الإسلامية يأخذ من علمائها. ويتلقى عن قرائها حتى ذاع صيته واشتهر بين المسلمين ويحدثنا التاريخ أنه رحل إلى المدن التالية: مكة المكرمة، أنطاكية، عسقلان، حمص، مصر. وكان نتيجة هذه الرحلات أنه أخذ عن الكثيرين من العلماء، وفي هذا يقول «الإمام ابن الجزري»: «أخذ أبو الحسن الخاشع القراءة عرضا بمكة عن أبي بكر بن عيسى بن بندار صاحب قنبل، أحد الرواة المشهورين عن ابن كثير المكي». وأخذ بأنطاكية القراءة عن الأستاذ إبراهيم بن عبد الرزاق، وأخذ بعسقلان عن أبي الحسن علي بن محمد بن عامر العامري. وأخذ «بحمص» عن قيس بن محمد الصوفي إمام جامع «حمص». وأخذ بالصعيد الأعلى بمصر عن أحمد بن عثمان بن عبد الله الأسواني عن قراءته على أحمد بن عبيد الله البصري. وأخذ «أبو الحسن الخاشع» القراءة بغير هذه المدن عن: أحمد بن محمد بن بقرة، ومحمد بن عبد العزيز بن الصباح، وأبي العباس المطوعي، وعلي بن خشنام المالكي، ومحمد بن عبيد الله الرازي، وغير هؤلاء كثير (٢).

стр. 177

تصدر «أبو الحسن الخاشع» لتعليم القرآن، واشتهر بالإتقان وجودة القراءة، وأقبل عليه الطلاب، ومن الذين قرءوا عليه: أبو بكر محمد بن عمر بن ذلال، وأبو علي الأهوازي، وأبو نصر أحمد بن مسرور الخباز وآخرون (١). احتل أبو الحسن الخاشع مكانه سامية بين العلماء لخلقه واهتمامه بالقرآن الكريم مما استوجب الثناء عليه. وفي هذا يقول الحافظ «الذهبي»: أقرأ أبو الحسن الخاشع ببغداد مدة، واشتهر ذكره وطال عمره. وصنف في القراءات (٢). ويقول الإمام «ابن الجزري» «أبو الحسن الخاشع» استاذ مشهور رحال محقق، اعتنى بالفن» اهـ (٣). لم يذكر المؤرخون تاريخ وفاته، إلا أن «ابن الجزري» قال: «بقي إلى حدود التسعين وثلاثمائة، ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء».

стр. 178

رقم الترجمة/ ٨١ «أبو الحسن الدارقطني» ت ٣٨٥ ه ـ (١) هو: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود الإمام الحافظ، أبو الحسن الدارقطني البغدادي صاحب التصانيف وأحد الأعلام الثقات. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات. ولد «الدارقطني» سنة ست وثلاثمائة من الهجرة. وما أن بدأت مواهبه حتى أخذ يرحل إلى الأقطار يأخذ عن علمائها ويتلقى عن شيوخها وقد رحل في ذلك إلى كل من مصر، والشام، وأخذ القرآن وحروف القراءات عن عدد كبير من خيرة العلماء، وفي هذا يقول الإمام «ابن الجزري»: «عرض الدارقطني القراءات على أبي بكر النقاش، وأبي الحسن أحمد بن جعفر بن المنادي، ومحمد بن الحسن الطبري، ومحمد بن عبد الله الحربي، وأبي بكر محمد بن عمران التمار، ومحمد بن أحمد بن قطن، وأبي الحسن بن بويان، وأحمد بن محمد الديباجي، وسمع كتاب السبعة من أبي بكر بن مجاهد (٢).

стр. 179

وكان إماما في القراء، والنحويين، سألته عن العلل والشيوخ، وصادفته فوق ما وصف لي، وله مصنفات يطول ذكرها (١)، منها: «المختلف والمؤتلف في أسماء الرجال وغريب اللغة، وكتاب القراءات، وكتاب السنن، والمعرفة بمذاهب الفقهاء» (٢). وقال: البرقاني أحد تلاميذه: كان الدارقطني يملي عليّ العلل من حفظه» (٣). وقال أبو ذر الهروي: قيل للحاكم: هل رأيت مثل الدارقطني؟ فقال: هو لم ير مثل نفسه، فكيف أنا (٤). ومما يدل على فصاحة لسان «الدارقطني» الكثير من الآراء والأخبار، أذكر منها الخبر التالي: يقول «الخطيب البغدادي»: حدثني «الازهري» أن «أبا الحسن الدارقطني» لما دخل مصر كان بها شيخ علوي من أهل مدينة رسول الله ﷺ ، فقال له «مسلم بن عبيد الله» وكان عنده كتاب النسب عن الخضر بن داود عن الزبير بن بكار. وكان «مسلم» أحد الموصوفين بالفصاحة المطبوعة على العربية. فسأل الناس «أبا الحسن الدارقطني» أن يقرأ كتاب النسب، ورغبوا في سماعة بقراءته، فأجابهم إلى ذلك، واجتمع في المجلس من كان بمصر من أهل العلم والأدب، والفضل، فحرصوا على أن يحفظوا على أبي الحسن لحنة، أو يظفروا منه بسقطة، فلم يقدروا على ذلك، حتى جعل «مسلم» يعجب ويقول له: «وعربية أيضا» اهـ (٥). وكان الدارقطني ملمّا بكثير من العلوم يحفظها عن ظهر قلب، وفي هذا يقول

стр. 180

«الخطيب البغدادي»: «حدثنا محمد بن علي الصوري قال: سمعت أبا محمد رجاء بن محمد بن عيسى المعدل يقول: سألت أبا الحسن الدارقطني: فقلت له: رأى الشيخ مثل نفسه؟ كما أخذ الدارقطني حديث الهادي البشير ﷺ عن عدد من خيرة العلماء. وفي هذا يقول «الخطيب البغدادي»: سمع «أبا القاسم البغوي» وأبا بكر بن أبي داود، ويحيى بن صاعد، وبرز بن الهيثم القاضي، وأحمد بن اسحاق البهلول. وعبد الوهاب بن أبي حية، والفضل بن أحمد الزبيدي، وأبا عمر محمد بن يوسف القاضي، وأبا سعيد العدوي، ويوسف بن يعقوب النيسابوري، وأبا حامد بن هارون الحضرمي، وأحمد بن عيسى السكين البلدي. وإسماعيل بن العباس الوراق، وإبراهيم بن حماد القاضي، وخلقا كثيرا من هذه الطبقة ومن بعدهم (١). تصدر «الدارقطني» إلى تعليم القرآن وسنة النبي ﵊. يقول «الإمام ابن الجزري»: «تصدر «الدارقطني» في أواخر عمره للإقراء، وألف في القراءات كتابا جليلا لم يؤلف مثله، وهو أول من وضع أبواب الأصول قبل «الفرش». ولم يعرف مقدار الكتاب إلا من وقف عليه، ولم يكمل حسن كتاب «جامع البيان» لأبي عمرو الداني ت ٤٤٤ هـ إلا لكونه نسجا على منواله. وروى عن الدارقطني حروف القراءات من كتابه هذا محمد بن إبراهيم بن أحمد. ثم يقول: «ابن الجزري»: «وقد رحل «الدارقطني» إلى مصر والشام. وهو كبير فأفاد، وروى عنه خلق وأئمة كبار مثل: العلامة أبي حامد الأسفراييني، وأبي ذر المعروي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البرقاني، وعبد الغني الازدي،
следующие страницы →