وقد أخذ عن «سويد» الحديث عدد كثير منهم: «داود بن رشيد، وعلي بن حجر، ومحمد بن هاشم البعلبكي» وخلق كثير (١).
توفي «سويد» سنة أربع وتسعين ومائة من الهجرة، بعد حياة حافلة بتعليم القرآن، وسنة النبي ﵊. رحم الله سويدا رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 282
رقم الترجمة/ ١٣٠ «أبو سهل البغدادي» ت ٣٤٥ ه ـ (١)
هو: صالح بن ادريس بن صالح بن شعيب أبو سهل البغدادي الوراق، نزيل دمشق استاذ ماهر ضابط متقن.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
تلقى «أبو سهل» القراءة عن خيرة العلماء وفي مقدمتهم: ابن مجاهد، وعلي ابن سعيد بن الحسن، وعبد الرحمن بن اسحاق الكوفي، ومحمد بن الأخرم، وعلي ابن الحسين بن السفر، ومحمد بن أحمد بن شنبوذ.
كما أخذ حروف القراءات عن مشاهير العلماء، وفي مقدمتهم: أحمد بن محمد ابن علي الديباجي، ومحمد بن جعفر العلاف، ومحمد بن أحمد بن قطن، ومحمد ابن القاسم الأنباري وآخرون (٢).
وأخذ «أبو سهل البغدادي» حديث النبي ﷺ عن خيرة العلماء، فقد حدث بدمشق عن يحيى بن محمد بن صاعد (٣).
تصدر «أبو سهل البغدادي» لتعليم القرآن وسنة النبي ﵊ واشتهر في الآفاق، وذاع صيته بين الأنام، وأقبل عليه الطلاب من كل مكان.
فمن الذين أخذوا عنه القراءة القرآنية: عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون. وعلي بن
стр. 283
محمد بن بشر الأنطاكي، وعلي بن داود الداراني، والمظفر بن أحمد الدمشقي وغير هؤلاء (١).
ومن الذين رووا عنه حديث الهادي البشير ﷺ «عبيد الله بن فطيس، وثمام بن محمد بن عبد الله الرازي، وعبد الرحمن بن عمر بن نصر» وغيرهم (٢).
واشتهر «أبو سهل البغدادي» بالثقة والإتقان وصحة الضبط، وقد أثنى عليه الكثيرون، وفي هذا يقول الحافظ «الذهبي»: «كان «أبو سهل البغدادي» شابا صالحا ناسكا، منقطع القرين من سادة المقرئين» اهـ (٣).
توفي «أبو سهل البغدادي» في ريعان شبابه عن نيف وأربعين سنة، وذلك في جمادى الاولى سنة خمس وأربعين، وثلاثمائة من الهجرة، بعد حياة حافلة بتعليم القرآن الكريم. رحم الله «أبا سهل البغدادي» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 284
رقم الترجمة/ ١٣١ «شبل بن عبّاد» ت ١٥٠ ونيف من الهجرة (١)
شيخ قراء مكة بعد «ابن كثير» هو «شبل بن عباد» أبو داود، المكي، الضابط، الثقة. وهو أجل أصحاب «ابن كثير». ولد «شبل» سنة سبعين من الهجرة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الرابعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
وقد أخذ «شبل» القراءات عن مشاهير علماء عصره، منهم: «ابن محيصن» و «عبد الله بن كثير» شيخ قراء مكة المكرمة، وهو الإمام الثاني بالنسبة للأئمة العشرة.
كما أخذ القراءات عن «شبل» عدد كثير، منهم: «إسماعيل القسط، وابنه داود بن شبل، وعكرمة بن سليمان، وعبد الله بن زياد، وحسن بن محمد، ووهب بن واضح» (٢).
كما روى عن «شبل» القراءة من غير عرض: «عبيد الله بن عقيل، وعلي ابن نصر، ومحمد بن صالح، وأبو حذيفة موسى بن مسعود، ويحيى بن سعيد
стр. 285
المازني» (١). وقد حدث «شبل» عن: «أبي الطّفيل، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح» وجماعة.
كما حدث عنه عدد كثير منهم: «سفيان بن عيينة، وأبو نعيم، وروح بن عبادة، ويحيى بن أبي بكير، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النّهدي، وعبيد بن عقيل» (٢). قال «يحيى بن معين»: «شبل بن عباد» من الثقات.
توفي «شبل» سنة نيّف وخمسين ومائة من الهجرة (٣). رحم الله «شبل بن عباد» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 286
رقم الترجمة/ ١٣٢ «شجاع بن أبي نصر» ت ١٩٠ ه ـ (١)
هو: شجاع بن أبي نصر، أبو نعيم البلخي، ثم البغدادي. ولد «شجاع» سنة عشرين ومائة ببلخ.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الخامسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
وقد تلقى «شجاع» القرآن على مشاهير علماء عصره، وفي مقدمتهم العالم الجليل: «أبو عمرو بن العلاء» البصري، الإمام الثالث من أئمة القراءات المشهورين.
كما سمع «شجاع» من «عيسى بن عمر، وصالح المرّي» (٢). كما أخذ «شجاع» الحديث عن خيرة العلماء منهم: «الأعمش» وغيره (٣).
وقد تتلمذ على «شجاع» عدد كثير أخذوا عنه القرآن وحروفه، في مقدمة هؤلاء: الإمام الحجة اللغوي الفقيه المحدث: «أبو عبيد القاسم بن سلام» صاحب التصانيف، كما أخذ عن «شجاع» القرآن: «محمد بن غالب، وأبو نصر القاسم بن علي، وأبو عمر الدوري» أحد رواة «أبي عمرو» (٤)، والحسن ابن عرفة، وسريج بن يونس، وهارون الحمّال.
стр. 287
وقد كان «شجاع» من الثقات، فقد وثّقه «أبو عبيد». وسئل عنه الإمام «أحمد بن حنبل» فقال: بخ بخ وأين مثله اليوم.
توفي «شجاع» ببغداد سنة تسعين ومائة وله سبعون سنة. رحم الله «شجاعا» رحمة واسعة إنه سميع مجيب.
стр. 288
رقم الترجمة/ ١٣٣ «شعبة بن عياش» ت ١٩٣ ه ـ (١)
هو: شعبة بن عياش بن سالم أبو بكر الحنّاط بالنون، الأسديّ النهشلي الكوفي الإمام العالم راوي عاصم بن أبي النجود.
ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «شعبة» سنة خمس وتسعين من الهجرة، وبعد أن شبّ وترعرع واكتملت مواهبه أخذ القرآن عن خيرة العلماء: فقد عرض القرآن على «عاصم» ثلاث مرات، وعلى «عطاء بن السائب، وأسلم المنقري».
تصدر «شعبة» لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة وجودة القراءة وأقبل عليه الطلاب فتتلمذ عليه: «أبو يوسف يعقوب بن خليفة الأعشى، وعبد الرحمن بن أبي حماد، وعروة بن محمد الأسدي، ويحيى بن محمد العليمي، وسهل بن شعيب».
وروى عنه حروف القراءات سماعا من غير عرض عدد كثير منهم:
«إسحاق بن عيسى، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأحمد بن جبير، وبريد بن عبد الواحد، وحسين بن عبد الرحمن، وحسين بن علي الجعفي، وحماد بن أبي زياد، وطاهر بن أبي أحمد الزبيدي، وعبد الله بن عمرو بن أبي أمية، وعبد المؤمن ابن أبي حماد البصري، وعبد الجبار بن محمد العطاردي، وعبد الحميد بن صالح، وعبيد بن نعيم، وعلي بن حمزة الكسائي، والمعافي بن يزيد، والمعلى بن منصور الرازي، وميمون بن صالح الدارمي» وآخرون.
стр. 289
عمّر «شعبة» دهرا طويلا، واحتل مكانة سامية بين العلماء وقد أثنى عليه الكثيرون، وفي هذا يقول «ابن الجزري»: «كان «شعبة» إماما كبيرا، عالما، وعاملا، وكان يقول: أنا نصف الإسلام، وكان من أئمة السنة» (١).
ولما حضرته الوفاة بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية فقد ختمت فيها ثمان عشرة ألف ختمة (٢).
توفي «شعبة» بعد حياة حافلة بتعليم القرآن الكريم في جمادى الاولى سنة ثلاث وتسعين ومائة من الهجرة، وقيل: سنة أربع وتسعين. ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله
أفضل الجزاء.
стр. 290
رقم الترجمة/ ١٣٤ «أبو شعيب السّوسي» ت ٢٦١ ه ـ (١)
هو: صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل، أبو شعيب السوسي.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
يقول «ابن الجزري»: أخذ «أبو شعيب السوسي» القراءة عرضا وسماعا عن «أبي محمد اليزيدي» وهو من أجلّ أصحابه (٢).
ويقول «الذهبي»: قرأ «السوسي» على «اليزيدي» وسمع بالكوفة من «عبد الله بن نمير، وأسباط بن محمد»، وبمكة من «سفيان بن عيينة» (٣).
وقد جلس «السوسي» لتعليم القرآن حتى قارب التسعين. وقد أخذ عنه القراءة عدد كثير منهم: «ابنه أبو المعصوم، وموسى بن جرير النحوي، وأبو الحارث محمد بن أحمد الطرسوسي، وعلي بن محمد السعدي، ومحمد بن إسماعيل القرشي، وأبو الحارث محمد بن أحمد» وغيرهم كثير (٤).
يقول «الذهبي»: حدث عن «السوسي» «أبو بكر بن أبي عاصم، وأبو عروبة الحرّاني، وأبو علي محمد بن سعيد» اهـ (٥).
стр. 291
وقد اشتهرت قراءة «السوسي» وعمّت الآفاق، ولا زال المسلمون يتلقونها بالرضا والقبول، وقد تلقيتها، وقرأت بها والحمد لله رب العالمين.
توفي «السوسي» في أول سنة إحدى وستين ومائتين من الهجرة، وقد قارب تسعين سنة. رحم الله «السوسي» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 292
رقم الترجمة/ ١٣٥ «شعيب بن أيّوب» ت ٢٦١ ه ـ (١)
هو: شعيب بن أيوب بن زريق، أبو بكر الصريفيني، والمراد: صريفين واسط لا صريفين بغداد.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
وقد تلقى «شعيب بن أيوب» القراءة على مشاهير علماء عصره، وفي مقدمتهم: «يحيى بن آدم» فقد أخذ القراءة عنه عرضا وسماعا كما أثبته الإمام الداني (٢).
وقد تلقى «القرآن» على «شعيب بن أيوب» عدد كثير منهم: «محمد بن عمرو بن عون، ويوسف بن يعقوب الواسطي، وأبو بكر أحمد بن يوسف القافلاني، وأحمد بن سعيد الضرير»، وسمع منه الحروف «إسماعيل بن عرفة نفطويه» (٣).
كما أخذ «شعيب بن أيوب» الحديث عن خيرة علماء عصره، في مقدمتهم:
«يحيى القطان، وحسين بن علي الجعفي» (٤).
стр. 293
وقد روى عنه الحديث عدد كثير، منهم: «أبو داود» في سننه، وعبدان الأهوازي، وأبو بكر بن أبي داود، ومحمد بن مخلد، وعبد الله بن شوذب الواسطي، وآخرون (١).
وقد كان «شعيب بن أيوب» من الثقات، وفي هذا المعنى يقول «الذهبي»: كان شعيب رأسا في قراءة عاصم، وثّقه الدارقطني وغيره (٢).
توفي «شعيب بن أيوب» بواسط سنة إحدى وستين ومائتين. ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 294
رقم الترجمة/ ١٣٦ «أبو شعيب القوّاس» (١)
هو: صالح بن محمد أبو شعيب القواس الكوفي.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
تلقى «أبو شعيب القواس» القراءة عن خيرة العلماء وفي مقدمتهم: «حفص ابن سليمان» أحد رواة «عاصم» الكوفي الإمام الخامس بالنسبة للقراء المشهورين (٢).
وقد تلقى القرآن على «أبي شعيب» عدد كثير منهم: «أحمد بن الحسن المالحاني، وأحمد بن الصفّار، وأحمد بن يزيد الحلواني، والحسن بن العباس الرازي، وعبد الله بن الهذيل، والصلت بن شنبوذ» وغيرهم كثير (٣).
لم يذكر المؤرخون تاريخ وفاة «أبي شعيب القواس». ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 295
رقم الترجمة/ ١٣٧ «ابن شنبوذ» ت ٣٢٨ ه ـ (١)
هو: محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت البغدادي، شيخ الإقراء بالعراق.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
اشتهر «ابن شنبوذ» بالرحلة إلى كثير من البلاد في طلب القراءات، ولذلك تلقى القراءات القرآنية وعرفها ودرسها صحيحها وشاذها عن عدد كبير من علماء الأمصار يعدون بالعشرات، منهم: إبراهيم الحربي، وأحمد بن بشار الأنباري، وأحمد بن نصر بن شاكر، وأحمد بن فرح، وأحمد بن أبي حماد، واسحاق الخزاعي، والحسن بن العباس الرازي، والحسن بن الحباب، والعباس بن الفضل الرازي، وقنبل أحد رواة ابن كثير، وغيرهم كثير (٢).
وقد تصدر «ابن شنبوذ» لتعليم القرآن وحفظه وتجويده، واشتهر بالعلم وأقبل الطلاب عليه من كل مكان، فتتلمذ عليه الكثيرون، وأخذوا عنه، من هؤلاء الذين تلقوا عنه القراءات: أحمد بن نصر الشذائي، وأبو الحسين أحمد بن عبد الله الجبّي، وإدريس بن علي المؤدب، وعلي بن الحسين الغضائري، والحسن بن سعيد المطوعي، وأبو بكر عبد الله بن أحمد القباب، ومحمد بن أحمد بن إبراهيم
стр. 296
الشنبوذي، وأبو بكر بن مقسم، ومحمد بن محمد بن أحمد الطرازي، وغير هؤلاء كثير (١).
ولم يقتصر «ابن شنبوذ» على تلقي القراءات القرآنية، بل أخذ حديث الهادي البشير ﷺ عن عدد من العلماء، منهم: أبو مسلم الكجّيّ، وبشر بن موسى، واسحاق بن إبراهيم الدّبري، وعبد الرحمن بن جابر الحمصيّ، وغيرهم كثير (٢).
وقد روى عن «ابن شنبوذ» الحديث عدد لا بأس به، منهم: أبو بكر بن شاذان، ومحمد بن اسحاق القطيعي، وأبو حفص بن شاهين وغيرهم (٣) وكان ابن شنبوذ من المعاصرين «لابن مجاهد»، وكانت بينهما خلافات كما هي عادة الأقران، ومع أن «ابن شنبوذ» كان من علماء القراءات ومن المشهود لهم بالتقوى إلا أنه ارتكب خطيئة كبيرة كانت السبب في تشويه سيرته وتعكير صفو حياته.
وذلك أنه تخير لنفسه حروفا من شواذ القراءات تخالف الإجماع، فقرأ بها، فصنف «أبو بكر بن الأنباري» وغيره كتبا في الرد عليه، وأنكروا عليه ذلك الأمر الذي يخالف إجماع المسلمين، وفي هذا المعنى يقول الإمام: «أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم» في أول كتاب: «البيان عن اختلاف القراءة:
وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا فزعم أن كل ما صح عنده وجه في العربية لحرف من القرآن يوافق خط المصحف فقراءته به جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بفعله
стр. 297
ذلك بدعة ضلّ بها عن قصد السبيل وأورط نفسه في منزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله، وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه، إذ جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسيّئ رأيه طريقا إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراءات من جهة البحث والاستخراج بالآراء دون الاعتصام والتمسك بالأثر المفترض على أهل الاسلام قبوله والأخذ به كابرا عن كابر وخالفا عن سالف (١).
وقال «الخطيب البغدادي» ت ٤٦٣ هـ: روى «ابن شنبوذ» عن خلق كثير من شيوخ الشام ومصر، وكان قد تخير لنفسه حروفا من شواذ القراءات تخالف الاجماع يقرأ بها، فصنف أبو بكر بن الأنباري وغيره كتبا في الرد عليه اهـ (٢).
وقال إسماعيل الخطبي ت ٣٥٠ هـ في كتاب التاريخ: اشتهر ببغداد أمر رجل يعرف «بابن شنبوذ»، يقرئ الناس ويقرأ في المحراب بحروف يخالف فيها المصحف مما يروى عن «عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب»، وغيرهما مما كان يقرأ به قبل جمع المصحف الذي جمعه «عثمان بن عفان» ﵁، ويتتبع الشواذ فيقرأ فيها ويجادل حتى عظم أمره وفحش، وأنكره الناس، فوجه السلطان «محمد بن المقتدر بن المعتضد» أبا العباس المعروف بالراضي بالله فقبض عليه في يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة من الهجرة وحمل إلى دار الوزير «محمد بن علي بن مقلة» ت ٣٢٨ هـ.
وأحضر القضاة والفقهاء والقراء، وناظره- الوزير ابن مقلة- بحضرتهم، فأقام الوزير على ما ذكر عنه الحجة، واستنزله الوزير عن ذلك فأبى أن ينزل عنه،
стр. 298
أو يرجع عما يقرأ به من هذه الشواذ المنكرة التي تخالف رسم المصحف، وأنكر ذلك جميع من حضر المجلس من القضاة، والفقهاء والقراء وأشاروا بعقوبته، ومعاملته بما يضطره إلى الرجوع عن رأيه، فأمر الوزير- ابن مقلة- بتجريده من ثيابه وضربه بالدّرة على قفاه، فضرب نحو العشرة ضربا شديدا فلم يصبر واستغاث، وأذعن بالرجوع والتوبة، فخلى عنه، وأعيدت عليه ثيابه، واستتيب وكتب عليه كتاب بتوبته وأخذ فيه خطه بالتوبة، اهـ (١).
وهكذا كانت حادثة «ابن شنبوذ» رادعا لكل من تريد له نفسه الخروج عن إجماع المسلمين ومحاولة القراءة بغير ما تواتر واشتهر عن رسول الله ﷺ .
حكم القراءة بالشاذ
فإن قيل: نريد بيان آراء العلماء في حكم القراءة بالشاذ. أقول: قبل الدخول في تفصيل ذلك يجدر بي أن أبين تعريف الشاذ فأقول: يقال: شذّ عنه يشذّ شذوذا بمعنى ندر عن جمهوره، وشذاذ الناس: الذين يكونون في القوم ليسوا في قبائلهم ولا منازلهم (٢).
من هذا يتبين أن مادة «شذذ» تدور حول الندرة، والتفرد، والقلة، والغرابة، والتفرق. أما عن بيان حكم القراءة بالشاذ فأقول وبالله التوفيق: من يتابع أقوال العلماء في ذلك، وأقوال الفقهاء في هذه القضية يستطيع أن يحكم بأن هناك شبه إجماع من علماء المسلمين على أنه تحرم القراءة بالشاذ في الصلاة وغيرها.
стр. 299
وهذا نموذج من أقوال العلماء في ذلك: قال الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ت ١٧٩ هـ: «من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يصلّ وراءه» اهـ (١).
وقال أبو حاتم السجستاني ت ٢٥٠ هـ: «لا تجوز القراءة بشيء من القراءات الشاذة لخروجها عن إجماع المسلمين، وعن الوجه الذي ثبت به «القرآن» وهو التواتر، وإن كان موافقا للعربية، وخط المصحف، لأنه جار من طريق الآحاد، نحو: (ملك يوم الدين)» بفتح الميم واللام ونصب الكاف، وهي قراءة «أنس» ﵁. وقال «الإمام أبو بكر الشاشي» ت ٥٠٧ هـ نقلا عن الشيخ القاضي الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي المروزي ت ٤٦٢ هـ وهو من كبار فقهاء الشافعيين: «إن الصلاة بالقراءة الشاذة لا تصح» اهـ (٢).
وقال «الشيخ محيي الدين النووي»: ت ٦٧٦ هـ وهو من كبار فقهاء الشافعية، «لا تجوز القراءة في الصلاة، ولا في غيرها بالقراءات الشاذة، وليست قرآنا لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأما القراءة الشاذة فليست متواترة، فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه سواء قرأ بها في الصلاة أو في غيرها، هذا هو الصواب الذي لا معدل عنه، ومن قال غير هذا فهو غالط أو جاهل» اهـ (٣).
وقال ابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن بن موسى ت ٦٤٣ هـ: هو ممنوع من القراءة، بما زاد على العشرة منع تحريم، لا منع كراهة في الصلاة وخارجها» (٤).
стр. 300
وكذلك صرح «ابن الحاجب وابن السبكي» بتحريم القراءة بالشاذ، واستفتى «الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني» ت ٨٥٢ هـ عن حكم القراءة بالشاذ فقال: «تحرم القراءة بالشاذ، وفي الصلاة أشد» (١).
فإن قيل: متى شذت القراءات؟ أقول: من يتتبع تاريخ القرآن الكريم يجد أن القرآن نزل منجما على نبينا محمد ﷺ خلال ثلاث وعشرين سنة مدة بعثته ﵊. وكان النبي ﷺ يعارض «جبريل» ﵇ بالقرآن كل عام في رمضان: وفي العام الذي نقل فيه النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى عارض «جبريل» بالقرآن مرتين.
إذا فكل ما نسخ من القرآن الكريم حتى العرضة الأخيرة يعتبر شاذا.
فإن قيل: من أول من تتبع القراءات الشاذة؟ أقول: قال «أبو حاتم السجستاني» ت ٢٥٠ هـ: «أول من تتبع بالبصرة وحده القراءات وألفها وتتبع الشاذ منها فبحث عن إسناده «هارون بن موسى» الأعور ت ١٩٨ هـ (٢).
فإن قيل: ما حكم تعلم وتدوين القراءات الشاذة؟ أقول: من يقرأ أقوال العلماء في ذلك يمكنه أن يحكم بأنه يجوز تعلم القراءات الشاذة وتعليمها نظريا لا عمليا، حيث لا تجوز القراءة بالشاذ.
كما يجوز تدوينها في الكتب، وبيان وجهها من حيث: اللغة، والإعراب، والمعنى. واستنباط الأحكام الشرعية، منها على القول بصحة الاحتجاج بها.
كما يجوز الاستدلال بها على وجه من وجوه اللغة العربية، كما أن القراءات الشاذة تتضمن الكثير من اللهجات العربية القديمة. فهي سجل حافل بذلك، والله أعلم.
стр. 301
رقم الترجمة/ ١٣٨ «شيبة بن نصاح» ت ١٣٠ ه ـ (١)
أحد أئمة التابعين، الإمام الثقة، شيخ القراء، ومقرئ المدينة المنورة. مولى «أم سلمة» أم المؤمنين ﵂، وأحد شيوخ «نافع بن أبي نعيم» أحد القراء السبعة المشهورين، ولا زال المسلمون يتلقون قراءة «نافع» بالرضا والقبول، وقد تلقيتها وقرأت بها والحمد لله رب العالمين.
قال «الذهبي»: أدرك «شيبة» أم المؤمنين «عائشة وأم سلمة» ﵄ (٢).
ثم قال: وقرأ «شيبة» «القرآن» على «عبد الله بن عياش» وأقول: وقرأ «عبد الله بن عياش» على «أبيّ بن كعب» ﵁، وقرأ «أبيّ» على النبي صلى عليه وسلّم.
ومن هذا يتبيّن أن قراءة «شيبة» صحيحة ومتصلة السند بالنبي ﵊.
وقال «الذهبي»: قرأ القرآن على «شيبة» عدد كثير منهم: «إسماعيل ابن جعفر، وسليمان بن مسلم بن جماز» أحد رواة «أبي جعفر» المدني، الإمام الثامن، كما قرأ على «شيبة» «نافع» المدني، الإمام الاول من القراء السبعة (٣).
стр. 302
كما حدث «شيبة بن نصاح» عن «القاسم بن محمد، وخالد بن مغيث، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن»، وغير هؤلاء كثير. قال «الدوري» أحد رواة
«أبي عمرو بن العلاء»: حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: قرأت على «شيبة بن نصاح مولى» أم سلمة، فكان إمام أهل المدينة في القراءة، وقال «إسماعيل بن جعفر»: أخبرني «سليمان بن مسلم» أن «شيبة» أخبره أنه أتي به إلى «أم سلمة» أم المؤمنين، ﵂ وهو صغير، فمسحت رأسه ودعت له بالبركة» (١).
وقال «قالون»: كان «نافع» أكثر اتباعا «لشيبة» منه لأبي جعفر (٢).
وقال «ابن الجزري»: لما ماتت «سكينة» بنت «الحسين بن علي» ﵄، قدم شيبة فصلى عليها، وذلك إجلالا له وتقديرا لفضله (٣).
توفي «شيبة بن نصاح» سنة ثلاثين ومائة، بعد حياة حافلة بتعليم القرآن الكريم. رحم الله «شيبة بن نصاح» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 303
رقم الترجمة/ ١٣٩ «أبو صالح البرجمي» ت ٢٣٠ ه ـ (١)
هو: عبد الحميد بن صالح بن عجلان التميمي، أبو صالح البرجمي، الكوفي، مقرئ ثقة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «أبو صالح» القراءة عن خيرة العلماء في مقدمتهم: «أبو بكر بن عياش، وأبو يوسف الأعشى».
يقول «أبو صالح» عن نفسه: كنت أختلف أنا «وأبو يوسف الأعشى» إلى «أبي بكر بن عياش» فنجلس بين يديه معا، فيقرأ «أبو يوسف» على «أبي بكر» وأنا مشافهة بين يدي «أبي بكر» فالفتح لنا جميعا، والرد علينا جميعا، فإذا فرغ «أبو يوسف» من قراءته، درست عليه بحضرة «أبي بكر» فإن سها «أبو يوسف» عن حرف ردّ عليّ «أبو بكر» والناس من ورائنا مجتمعون اهـ (٢).
وقد أخذ «القرآن» عن «أبي صالح» عدد كثير منهم: «إسماعيل بن أبي
стр. 304
علي الخياط، وجعفر بن عنبسة، والحسين بن جعفر بن محمد بن قتّات، كما قرأ عليه «القاسم بن أحمد الخياط» ولم يكمّل (١).
توفي «أبو صالح البرجمي» سنة ثلاثين ومائتين من الهجرة. رحم الله «أبا صالح» رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 305
رقم الترجمة/ ١٤٠ «ابن الصبّاح» (١)
هو: محمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن الصباح، أبو عبد الله المكي الضرير المقرئ الجليل.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «ابن الصباح» القراءة عن عدد من العلماء منهم: «قنبل» أحد رواة ابن كثير المكي، الإمام الثاني بالنسبة إلى أئمة القراءات وهو من أجل أصحاب قنبل.
كما أخذ «ابن الصباح» القراءة عن أبي ربيعة محمد بن اسحاق، واسحاق الخزاعي، عن ابن فليح.
تصدر «ابن الصباح» لتعليم القرآن الكريم، فتتلمذ عليه الكثيرون، منهم:
علي بن محمد الحجازي، ومحمد بن زريق، وعبد الله بن الحسين، والحسين بن اسماعيل التنوخي، وآخرون (٢).
لم يذكر المؤرخون تاريخ وفاة «ابن الصباح». ﵀ رحمة واسعة إنه سميع مجيب.
стр. 306
رقم الترجمة/ ١٤١ «أبو طاهر الأنطاكي» ت ٣٨٠ ه ـ (١)
هو: محمد بن الحسن بن علي أبو طاهر الأنطاكي.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «أبو طاهر الأنطاكي» القراءة عن خيرة العلماء، قال «الحافظ أبو عمرو الداني»: «أخذ القراءة عرضا وسماعا عن «إبراهيم بن عبد الرزاق» وهو من جلة أصحابه، ومن أثبت الناس فيه (٢).
تصدر «أبو طاهر الأنطاكي» لتعليم القرآن، واشتهر بالدقة والثقة، وأقبل عليه طلاب العلم وحفاظ القرآن، وتتلمذ عليه الكثيرون. قال «الإمام ابن الجزري»: روى القراءة عنه عرضا «علي بن داود» الداراني وسماعا «أبو الطيب بن غلبون، وفارس بن أحمد، وعبيد الله بن مسلمة» وعرض عليه أيضا «أبو العباس بن نفيس، وأبو علي الرهاوي» (٣).
احتل «أبو طاهر الأنطاكي» مكانة سامية بين العلماء، فأثنى عليه الكثيرون، قال عنه «الذهبي»: أبو طاهر الأنطاكي أحد أعلام القرآن نزل مصر (٤). وقال «ابن الجزري» أبو طاهر الأنطاكي إمام كبير مقرئ شهير (٥).
стр. 307
قال «الامام الداني»: خرج أبو طاهر الأنطاكي من «مصر» إلى الشام، فتوفي في منصرفه قبل سنة ثمانين وثلاثمائة من الهجرة. ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 308
رقم الترجمة/ ١٤٢ «أبو طاهر البعلبكي» ت ٣٥٤ ه ـ (١)
هو: محمد بن سليمان بن أحمد بن ذكوان، أبو طاهر البعلبكي المؤذن مقرئ معمر صالح عالي السند.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «أبو طاهر البعلبكي» سنة أربع وستين ومائتين، واستقر «بصيدا» وأخذ القراءة عرضا عن هارون الأخفش، وحدث عن أحمد بن محمد بن يحيى ابن حمزة، وزكريا بن يحيى الخياط، وأحمد بن إبراهيم البشري، والحسين بن محمد ابن جمعة (٢).
وقرأ عليه «عبد الباقي بن الحسن، وجعفر بن أحمد بن الفضل» وروى عنه أبو الحسين بن جميع، وأبو عبد الله بن منده (٣).
توفي «أبو طاهر البعلبكي» سنة أربع وخمسين وثلاثمائة من الهجرة. ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 309
رقم الترجمة/ ١٤٣ «طاهر بن غلبون» ت ٣٩٩ ه ـ (١)
هو: طاهر بن عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون بن المبارك، أبو الحسن الحلبي، نزيل مصر.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
نشأ «طاهر بن غلبون» في بيت العلم والمعرفة، فوالده الإمام المشهور «عبد المنعم بن عبيد الله» أحد علماء القراءات، ومؤلف كتاب «الإرشاد».
وقد أخذ «طاهر» القراءة وحروف القرآن عن عدد كبير من خيرة العلماء، وفي مقدمة هؤلاء: والده «عبد المنعم، وعبد العزيز بن علي»، ثم رحل إلى «العراق» فقرأ بالبصرة على: محمد بن يوسف بن نهار الحرتكي، وعلي بن محمد الهاشمي، وعلي بن محمد بن خشنام.
كما سمع حروف القراءات من «والده» ومن «إبراهيم بن محمد بن مروان، وعتيق بن ما شاء الله، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن محمد بن المفسر، وأبي الفتح بن بدهن، وسمع لسبعة «ابن مجاهد» من أبي الحسن علي ابن محمد بن اسحاق الحلبي المعدل (٢).
تصدر «طاهر بن غلبون» لتعليم القرآن وأخذ شهرة عظيمة ورثها عن والده،
стр. 310
وأقبل عليه الطلاب من كل مكان، فقد روى القراءة عنه عرضا وسماعا:
«الإمام الكبير الحافظ أبو عمرو الداني» وإبراهيم بن ثابت الاقليسي، وأحمد بن باشاذ الجوهري، وأبو الفضل عبد الرحمن الرازي، وأبو عبد الله محمد بن أحمد القزويني (١).
احتل «طاهر بن غلبون» مكانة سامية بين العلماء مما استوجب الثناء عليه، يقول تلميذه «الإمام الداني»: لم ير في وقته مثله في فهمه وعلمه مع فضله، وصدق لهجته، كتبنا عنه كثيرا (٢).
وقال «الإمام ابن الجزري»: «طاهر بن غلبون» نزيل مصر أستاذ عارف، ثقة ضابط حجة محرر شيخ الداني، مؤلف كتاب التذكرة في القراءات الثمان (٣).
وأقول: لقد استفاد «ابن الجزري» من كتاب «التذكرة» استفادة كبيرة وهو أحد مصادره في القراءات، ولنستمع إلى ابن الجزري وهو يقول: قرأت بمضمنه القرآن كله على: أبي عبد الله محمد بن الصائغ، وأبي محمد عبد الرحمن ابن أحمد الشافعي، وإلى أثناء سورة النحل على الأستاذ أبي بكر بن أيدغدي بالديار المصرية (٤).
توفي «طاهر بن غلبون» سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. رحم الله «طاهر بن غلبون» رحمة واسعة إنه سميع مجيب.
стр. 311
رقم الترجمة/ ١٤٤ «أبو طاهر بن أبي هاشم» ت ٣٤٩ ه ـ (١)
هو: عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم أبو طاهر البغدادي البزاز الإمام النحوي والأستاذ الكبير أحد الأعلام.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «أبو طاهر» في رجب سنة ثمانين ومائتين، وبعد أن شب عوده تتلمذ على خيرة العلماء يأخذ عنهم القرآن والحديث والنحو، وغير ذلك من أنواع المعرفة.
ومن يقرأ كتب التراجم والتاريخ يجد أن شيوخ «أبي طاهر» بلغوا من الكثرة عددا كثيرا، وحسبي أن أشير هنا إلى قبس منهم: فمن العلماء الذين أخذ عنهم «أبو طاهر» القرآن وحروف القراءات، «أحمد بن سهل الأشناني، وأبو عثمان سعيد بن عبد الرحيم الضرير، وأبو بكر بن مجاهد، وإبراهيم بن غرفة، وإبراهيم بن محمد بن أيوب، وأحمد بن رستم، وأحمد بن فرح، وأحمد بن علي بن الحسن، وأحمد بن محمد الشعراني، وغيرهم كثير (٢).
ومن العلماء الذين أخذ عنهم «أبو طاهر» حديث النبي ﷺ :
«محمد بن جعفر القتات، وعبيد بن محمد المروزي، وأحمد بن فرح الضرير، وعبد الله بن محمد بن ياسين، ومحمد بن الحسين بن شهريار، ومحمد بن الحسين الأشناني، ومحمد بن العباس اليزيدي، ووكيع القاضي، وأبو بكر بن أبي داود،
стр. 312
وصالح بن أبي مقاتل، وأبو بكر بن أبي مجاهد، وأبو مزاحم الخاقاني»، وغير هؤلاء كثير (١).
وكما كان «أبو طاهر» من علماء القراءات والحديث كان أيضا من علماء النحو واللغة، وكان كوفي المذهب، وقرأ على «ابن درستويه» بعض كتاب «سيبويه» (٢).
وبعد أن اكتملت مواهب أبي طاهر جلس لتعليم القرآن وسنة الهادي البشير ﵊، فذاع صيته، واشتهر بين الناس، وأقبل عليه طلاب العلم يأخذون عنه، ويتتلمذون عليه، فكثر طلابه وعظمت حلقة درسه، وكان يقرئ في سكة «عبد الصمد بن علي بن عبد الرحمن بن العباس» ببغداد.
ومن الذين أخذوا عن «أبي طاهر» القراءة عرضا وسماعا: أحمد بن عبد الله ابن الخضر، وأبو الفرج أحمد بن موسى، وعبد العزيز بن جعفر بن خواستي، وعبيد الله بن عمر المصاحفي، وعلي بن عمر الحمامي، وعلي بن الحسين الذهبي، وعلي بن العلاف، وجعفر بن محمد بن الفضل، وغيرهم كثير (٣).
ومن الذين أخذوا عن «أبي طاهر» حديث النبي ﷺ :
إبراهيم بن مخلد بن جعفر المعدل، وأبو الحسن بن الحمامي المقرئ (٤).
كان «أبو طاهر» رقيق القلب، يبكي من خشية الله تعالى، حول هذا المعنى يقول «الخطيب البغدادي»: «أخبرنا علي بن أبي علي، حدثني أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد الله الشاهد قال: كنت أمشي يوما مع أبي طاهر ابن أبي هاشم المقرئ، وكان أستاذي فاجتزنا بمقابر «الخيزران» فوقف عليها
стр. 313
ساعة ثم التفت إليّ فقال لي: يا أبا القاسم ترى لو وقف هؤلاء هذه المدة الطويلة على باب ملك الروم ما رحمهم؟ فكيف تظن بمن هو أرحم الراحمين؟ وبكى» اهـ (١).
اشتهر أبو طاهر بالثقة وصحة الضبط وتقوى الله تعالى وإتقانه لقراءة القرآن مما استوجب الثناء عليه، وفي هذا المعنى يقول الحافظ «الذهبي»: «وقد أطنب أبو عمرو الداني» في وصفه وقال: لم يكن بعد «ابن مجاهد» مثل «أبي طاهر» في علمه وفهمه مع صدق لهجته واستقامة طريقته، قرأ عليه خلق كثير. وكان ينتحل في النحو مذهب الكوفيين وكان بارعا فيه اهـ (٢).
وقال الامام «الداني»: «سمعت عبد العزيز الفارسي» يقول: «لما توفي ابن مجاهد، رحمه الله تعالى أجمعوا على أن يقدموا شيخنا «أبا طاهر» فتصدر للإقراء في مجلسه وقصده الأكابر، فتحلقوا عنده كعقيل بن البصري وكان من جلة أصحاب «ابن مجاهد» وكأبي بكر الجلاء ونظرائهما» اهـ (٣).
وقال «الخطيب البغدادي»: «كان «أبو طاهر» من أعلم الناس بحروف القرآن ووجوه القراءات وله في ذلك تصانيف عدة» اهـ (٤).
وقال «القفطي» في تاريخ النحاة: لم ير بعد «ابن مجاهد» في القراءات مثل «أبي طاهر» (٥).
توفي «أبو طاهر» في شوال سنة تسع وأربعين وثلاثمائة من الهجرة بعد حياة حافلة بتعليم القرآن وسنة النبي ﵊. رحم الله «أبا طاهر» رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 314
رقم الترجمة/ ١٤٥ «طلحة بن عبيد الله القرشي» ﵁ ت ٣٦ ه ـ (١)
علم من حفاظ «القرآن الكري» وأحد العشرة المبشرين بالجنة.
ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ في الطبقات ضمن علماء القراءات وقال:
وردت عنه الرواية في حروف «القرآن». وصفه النبي ﷺ بأنه الجواد، والفياض. كان من السابقين إلى الإسلام.
كان «طلحة» ﵁: حسن الوجه- يضرب إلى الحمرة- مربوعا- إلى القصر هو أقرب- رحب الصدر- بعيد ما بين المنكبين- ضخم القدمين- كثير الشعر- ليس بالجعد القطط ولا بالسبط- إذا مشى أسرع- وإذا التفت التفت جمعا.
حدث عنه بنوه: يحيى- وموسى- وعيسى- والسائب بن يزيد- ومالك ابن أوس- وأبو عثمان النهدي- وقيس بن أبي حازم- ومالك بن أبي عامر الأصبحي- والأحنف بن قيس- وأبو سلمة بن عبد الرحمن- وآخرون.
стр. 315
ولقد أحبه الرسول ﷺ وأثنى عليه ثناء عاطرا: فعن «جابر» ﵁ أن النبي ﷺ قال: من أراد أنه ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه فلينظر إلى «طلحة بن عبيد الله» اهـ.
قال «أبو نعيم» حدثنا سليمان بن أحمد فقال: لما رجع النبي ﷺ من «أحد» صعد «المنبر» فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ هذه الآية:
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (١) فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ فأقبل «طلحة بن عبيد الله» وعليه ثوبان أخضران، فقال: «أيها السائل هذا منهم» اهـ (٢).
كما كان «طلحة» ﵁ شجاعا لا يهاب الأعداء وهناك أكثر من شاهد على ذلك: فعن «عائشة» أم المؤمنين ﵂ قالت: كان «أبو بكر» إذا ذكر يوم «أحد» قال: ذلك كله يوم طلحة، قال «أبو بكر»:
كنت أول من فاء يوم «أحد» فقال لي رسول الله ﷺ ولأبي عبيدة بن الجراح: «عليكما صاحبكما» يريد «طلحة» فأصلحنا من شأن النبي ﷺ ثم أتينا «طلحة» في بعض تلك «الجفار» (٣) فإذا به بضع وسبعون أو أقلّ أو أكثر، بين طعنة، وضربة، ورمية، وإذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه اهـ (٤).
стр. 316
وروى «قبيصة» عن «جابر» قال: صحبت «طلحة بن عبيد الله» فما رأيت رجلا أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه اهـ (١).
وحدث «الترمذي» عن «عقبة بن علقمة اليشكري» قال: سمعت «عليا» ﵁ يوم «الجمل» يقول: سمعت من «في» رسول الله ﷺ يقول: «طلحة- والزبير جاراي في الجنة» اهـ (٢).
وكان «طلحة» ﵁ من أثرياء الصحابة، يدل على ذلك الآثار الآتية: قال «الحميدي» حدثنا «ابن عيينة» حدثنا «عمرو بن دينار» قال: أخبرني «مولى» لطلحة، قال: كانت غلة طلحة كل يوم ألفا وافيا.
انتهى (٣).
وقال «إبراهيم التيمي» عن أبيه قال: كان طلحة يغلّ بالعراق أربع مائة ألف، ويغلّ بالسراة عشرة آلاف دينار، ولقد كان يرسل إلى «عائشة» أم المؤمنين ﵂ إذا جاءت غلته كل سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن صبيحة التيمي ثلاثين ألفا» اهـ (٤).
وقال «الواقدي»: حدثنا إسحاق بن يحيى- عن موسى بن طلحة أن «معاوية» سأله: كم ترك «أبو محمد» من العين؟ قال: ترك ألفي ألف درهم، ومائتي ألف درهم، ومن الذهب مائتي ألف دينار، فقال «معاوية»:
عاش حميدا سخيّا شريفا اهـ (٥).
стр. 317
ولقد كان «طلحة بن عبيد الله» من الأسخياء البررة الأوفياء، والدليل على ذلك الآثار الآتية:
فعن «أبي إسماعيل الترمذي» أن «طلحة» أتاه مال من «حضرموت» سبع مائة ألف، فبات ليلته يتململ، فقالت له زوجته: ما لك؟ قال: تفكرت منذ الليلة فقلت: ما ظن رجل بربّه يبيت وهذا المال في بيته؟ قالت: فأين أنت عن بعض أخلائك، فإذا أصبحت فادع بجفان، وقصاع فقسّمه فقال لها: رحمك الله إنك موفقة بنت موفق، وهي: «أم كلثوم بنت الصديق» ﵄:
فلما أصبح دعا بجفان فقسّمها بين المهاجرين والأنصار.
وعن «علي بن زيد» قال: جاء أعرابي إلى «طلحة» يسأله، فتقرب إليه برحم، فقال: إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك، إنّ لي أرضا قد أعطاني بها «عثمان» ثلاث مائة ألف فاقبضها، وإن شئت بعتها من «عثمان» ودفعت إليك الثمن، فقال: الثمن، فأعطاه اهـ.
وعن «سعدى» بنت عوف المريّة قالت: دخلت على «طلحة» يوما وهو خائر، فقلت: ما لك؟ لعل رابك من أهلك شيء؟ قال: لا والله، ونعم حليلة المسلم، ولكن مال عندي قد غمني، فقلت: ما يغمّك؟ عليك بقومك، قال: يا غلام ادع لي قومي فقسمه فيهم، فسألت الخازن: كم أعطى؟ قال: أربع مائة ألف.
قتل «طلحة» في موقعة «الجمل» سنة ست وثلاثين من الهجرة، وهو ابن ثنتين وستين سنة. رضي الله عن «طلحة بن عبيد الله» وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 318
رقم الترجمة/ ١٤٦ «طلحة بن محمد» ت ٣٨٠ ه ـ (١)
هو: طلحة بن محمد بن جعفر أبو القاسم، ويقال: أبو محمد البغدادي، الشاهد، غلام «ابن مجاهد» ووراقة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «الذهبي» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «طلحة بن محمد» في شهر ربيع من سنة إحدى وتسعين ومائتين. أخذ «طلحة» على «ابن مجاهد» واستملى عليه ولذا يقال له: غلام ابن مجاهد، كما روى القراءة أيضا عن أبي بكر محمد بن عمران الدينوري، والحسن بن محمد الحداد (٢).
حدث «طلحة بن محمد» عن عدد من العلماء، يقول «الخطيب البغدادي»: حدث عن «عمر بن إسماعيل بن أبي غيلان الثقفي، ومحمد بن العباس اليزيدي، وعبد الله بن زيدان، ومحمد بن الحسين الأشناني، وأبي القاسم البغوي، وأبي بكر بن داود، وأحمد بن القاسم أخي الليث الفرائضي وأبي الصخرة الشامي، ويحيى بن مجاهد، وغير هؤلاء (٣).
تصدر «طلحة بن محمد» لتعليم القرآن، وتتلمذ عليه الكثيرون، ومن الذين
стр. 319
قرءوا عليه: القاضي أبو العلاء، وأبو أحمد عبد الله بن عبدويه العطار، وأبو الفضل الخزاعي (١).
وقد روى عن «طلحة بن محمد» الحديث الكثيرون. يقول «الخطيب البغدادي» حدثنا عنه عمر بن إبراهيم الفقيه، والازهري، وأبو محمد الخلال، وعبد العزيز بن علي الازجي، وعلي بن المحسن التنوخي، والحسن بن علي الجوهري (٢).
توفي «طلحة بن محمد» سنة ثمانين وثلاثمائة وله تسعون سنة، ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 320
رقم الترجمة/ ١٤٧ «أبو الطيب الأنطاكي» ت ٣٤٠ ه ـ (١)
هو: أحمد بن يعقوب التائب، أبو الطيب الأنطاكي.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
روى «أبو الطيب الأنطاكي» القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: بكر ابن سهل الدمياطي، وأحمد بن المعلى، وعبيد الله بن صدقة، ومحمد بن حفص الخشاب صاحب السوسي، وإسحاق بن أحمد الخزاعي وآخرون.
تصدر «أبو الطيب الأنطاكي» لتعليم القرآن فتتلمذ عليه الكثيرون، منهم:
علي بن أحمد بن بشر الأنطاكي، وعبيد الله بن عمر البغدادي، وعلي بن محمد وآخرون (٢).
كما أخذ «أبو الطيب الأنطاكي» حديث النبي ﷺ عن خيرة علماء عصره، وفي مقدمتهم: أبو أمية الطرسوسي، وعثمان بن خرّزاد، وجماعة آخرون (٣).
وقد احتل أبو «الطيب الأنطاكي» مكانة سامية، واشتهر بمعرفته للقراءات القرآنية، وفي هذا يقول الذهبي: «قال بعض الشيوخ»: «لم يكن بعد «ابن مجاهد» أعرف من أحمد بن يعقوب التائب بحروف القراءة» (٤).