رقم الترجمة/ ١٦٠ «أبو عبد الرّحمن السّلمي» ﵁ ت ٧٤ ه ـ (١)
الإمام الحجة، الزاهد، المحدث، الثقة، مقرئ الكوفة نحوا من أربعين سنة، أحد كبار التابعين.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثانية من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «أبو عبد الرحمن السلمي» في حياة النبي ﷺ ، وقرأ القرآن وجوّده، وبرع في حفظه، وإليه انتهت القراءة تجويدا وضبطا، بالكوفة.
أخذ القراءة عرضا عن «عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبيّ بن كعب» (٢).
وروى «حسين الجعفي» عن «محمد بن أبان» عن «علقمة بن مرثد» وعرض على «عليّ بن أبي طالب» (٣).
وروى «أبو إسحاق السّبيعي» عن «أبي عبد الرحمن السلمي» قال:
والدي علمني القرآن، وكان من أصحاب الرسول ﷺ (٤).
стр. 352
قال «عبد الواحد بن أبي هاشم»: حدثنا «محمد بن عبيد الله المقرئ ... عن «عاصم بن بهدلة، وعطاء بن السائب، ومحمد بن أبي أيوب، وعبد الله بن عيسى» أنهم قرءوا على «أبي عبد الرحمن السلمي» وذكروا أنه أخبرهم أنه قرأ على «عثمان» عامة القرآن، وكان يسأله عن «القرآن» فيقول: إنك تشغلني عن أمر الناس، فعليك ب «زيد بن ثابت» فإنه يجلس للناس، ويتفرغ لهم، ولست أخالفه في شيء من «القرآن» قال وكنت ألقى «عليا» فأسأله، فيخبرني ويقول: عليك ب «زيد» فأقبلت على «زيد» فقرأت عليه «القرآن» ثلاث عشرة مرة» اهـ (١).
وأخذ «أبو عبد الرحمن السلمي» الحديث عن «عمر بن الخطاب، وعثمان ابن عفان» ﵄.
وكان «أبو عبد الرحمن السلمي» مدرسة وحده يعلّم القرآن، وقد أخذ عنه عدد كثير أذكر منهم: «عاصم بن أبي النجود» أحد القراء السبعة المشهورين، ولا زالت قراءة «عاصم» من أشهر القراءات ويقرأ بها حتى الآن، كما تلقى القراءة عنه: «يحيى بن وثاب، وعطاء بن السائب، وعبد الله بن عيسى، ومحمد ابن أبي أيوب، وإسماعيل بن أبي خالد» وآخرون. وعرض عليه القرآن:
«الحسن- والحسين» ﵄ (٢).
كما أخذ الحديث عن «أبي عبد الرحمن السلمي» عدد كثير أذكر منهم:
«أبا إسحاق، وعلقمة بن مرثد، وعطاء بن السائب» (٣).
ولقد كان «لأبي عبد الرحمن السلمي» جهوده البارزة في تعليم القرآن
стр. 353
الكريم يوضح ذلك ما يلي: قال «أبو إسحاق»: كان «أبو عبد الرحمن السلمي» يقرئ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة» اهـ (١).
وقال «عطاء بن السائب»: كان «أبو عبد الرحمن» يقرئ وكان يبدأ بأهل السوق وقال: كنت أقرأ على «أبي عبد الرحمن وهو يمشي» اهـ (٢).
وروى «منصور» عن «تميم بن سلمة»، أن «أبا عبد الرحمن» كان إمام المسجد، وكان يحمل في اليوم المطير» اهـ (٣).
وكما كان «أبو عبد الرحمن» حجة في القرآن والقراءات، كان أيضا حجة وثقة في حديث الرسول ﷺ ، حديثه مخرّج في كتب السنة (٤).
قال «أبو عبد الرحمن»: «أخذنا «القرآن» عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وسيرث «القرآن» بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم، ووضع يده على الحلق» اهـ (٥).
وكان «أبو عبد الرحمن» من الزهاد المتصلين بالله تعالى، يشير إلى ذلك ما يلي: فعن «عطاء بن السائب» قال: دخلنا على «أبي عبد الرحمن» نعوده فذهب بعضهم يرجيه، فقال: أنا أرجو ربّي، وقد صمت له ثمانين رمضان انتهى (٦).
стр. 354
كما كان رحمه الله تعالى من الزهاد الذين لا يأخذون أجرا على تعليم القرآن، يوضح ذلك ما يلي: فعن «عبد الحميد بن أبي جعفر الفراء» عن أبيه، عن «أبي عبد الرحمن» أنه جاء وفي الدار «جزر» فقالوا: بعث بها «عمرو بن حريث» لأنك علمت ابنه «القرآن» فقال: «ردّ، إنا لا نأخذ على كتاب الله أجرا» اهـ (١).
وقال «أحمد بن أبي خيثمة» عن «عطاء بن السائب» قال: كان رجل يقرأ على «أبي عبد الرحمن» فأهدى له «فرسا» فردّها، وقال: ألا كان هذا قبل القراءة اهـ (٢).
توفي «أبو عبد الرحمن السلمي» سنة أربع وسبعين من الهجرة، بعد حياة حافلة في تعليم القرآن وتجويده، وقراءاته. ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 355
رقم الترجمة/ ١٦١ «عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني» ت ١١٧ ه ـ (١)
مولى محمد بن ربيعة علم من علماء التابعين، شيخ القراء، والإمام الحجة الحافظ.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثالثة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
قال «الذهبي»: أخذ «عبد الرحمن بن هرمز» القرآن عرضا عن «أبي هريرة وابن عباس، وعبد الله بن عياش».
ثم قال: قال «إبراهيم بن سعد»: كان الأعرج يكتب المصاحف (٢).
وروى «ابن لهيعة» عن «أبي النضر» قال: كان «عبد الرحمن بن هرمز» أول من وضع العربية، وكان أعلم الناس بأنساب قريش، وقيل: إنه أخذ العربية عن «أبي الأسود الدّئلي» اهـ (٣). وقال «الذهبي»: سمع «عبد
стр. 356
الرحمن هرمز» أبا هريرة، وأبا سعيد الخدري وعبد الله بن مالك، وطائفة، وجوّد القرآن وأقرأه، وكان يكتب المصاحف، وسمع أيضا من «أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعمير مولى ابن عباس» وحدث عنه «الزهريّ، وأبو الزناد، وصالح ابن كيسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري»، وتلا عليه «نافع بن أبي نعيم» (١).
توفي «عبد الرحمن بن هرمز» بالاسكندرية سنة سبع عشرة ومائة، بعد حياة حافلة بتعليم القرآن الكريم. رحم الله «عبد الرحمن بن هرمز» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 357
رقم الترجمة/ ١٦٢ «عبد الرّزاق بن الحسن» بقى إلى حدود ٢٩٠ ه ـ (١)
هو: عبد الرزاق بن الحسن بن عبد الرزاق، ويقال: ابن عبد الله بن عمرو العجلي أبو القاسم، ويقال: أبو الحسين الأنطاكي الوراق، شيخ مقرئ.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السابعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «عبد الرزاق» القراءة عن خيرة العلماء وفي مقدمتهم: «أحمد بن جبير الأنطاكي، وقال «الداجوني»: إنه قرأ على «ابن ذكوان» أحد الرواة المشهورين عن «ابن عامر الشامي».
وذكر «الهذلي» عن «عبد الرزاق» روى القراءة أيضا عن: «البزّي» أحد الرواة المشهورين عن «ابن كثير المكي». ولا زالت قراءة «البزي» يتلقاها المسلمون حتى الآن. وقد تلقيتها وقرأت بها والحمد لله رب العالمين (٢).
وقد تصدر «عبد الرزاق» لتعليم القرآن، فأخذ عنه القراءة عدد كثير منهم:
«ابنه إبراهيم، وأحمد بن يعقوب التائب، ومحمد بن أحمد بن شنبوذ، ومحمد بن الحسن النقاش، ومحمد بن أحمد الداجوني، ومحمد بن محمد الوزير» وآخرون (٣).
كان «عبد الرزاق» من الأئمة الأعلام، يقول «أبو العلاء الحافظ»: كان «عبد الرزاق» إمام جامع دمشق اهـ.
стр. 358
لم يذكر المؤرخون تحديد زمن وفاة «عبد الرزاق» ولكن قال «أبو عبد الله الحافظ» بقي إلى حدود التسعين ومائتين. رحم الله «عبد الرزاق بن الحسن» رحمة واسعة وجزاه الله عن القرآن أفضل الجزاء.
стр. 359
رقم الترجمة/ ١٦٣ «عبد الله بن كثير» ت ١٢٠ ه ـ (١)
أحد علماء التابعين، شيخ القراء، وإمام أهل مكة. مولى «عمرو بن علقمة الكناني» وقد ولد بمكة سنة ثمان وأربعين هـ.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثالثة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
قال: «أبو نعيم»: عبد الله بن كثير الداري، مولى بني عبد الدار، كان ثقة (٢).
وقال «ابن عيينة»: لم يكن بمكة أحد أقرأ من «حميد بن قيس، وعبد الله ابن كثير» اهـ (٣).
وقال جرير بن حازم: رأيت عبد الله بن كثير فصيحا بالقرآن اهـ (٤).
وقال «ابن الجزري»: كان «ابن كثير» الإمام المجتمع على قراءته «بمكة» المكرمة، لم ينازعه فيها منازع.
стр. 360
وقال «مجاهد»: لم يزل «ابن كثير» الإمام المجتمع عليه في القراءة «بمكة» حتى مات.
وقال «الأصمعي» ت ٣١٥ هـ: قلت: «لأبي عمرو بن العلاء»: قرأت على «ابن كثير»؟ قال: نعم، ختمت عليه القرآن بعد ما ختمت على «مجاهد» وكان «ابن كثير» أعلم بالعربية من «مجاهد» وكان فصيحا، بليغا، مفوها، أبيض اللحية، طويلا، أسمر جسيما، يخضب بالحناء، عليه السكينة والوقار.
تلقى «ابن كثير» القرآن عن كل من: «أبي السائب عبد الله بن السائب المخزومي ت ٦٨ هـ، وأبي الحجاج مجاهد بن جبر ت ١٠٤ هـ و «درباس» مولى «ابن عباس».
وقرأ «عبد الله بن السائب» شيخ «ابن كثير» على: «أبي بن كعب» و «عمر بن الخطاب» ﵄.
وقرأ «مجاهد بن جبر» شيخ ابن كثير على: «عبد الله بن عباس، وعبد الله ابن السائب».
وقرأ «عبد الله بن عباس» على «أبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت».
وقرأ كل من زيد بن ثابت، وأبيّ بن كعب على رسول الله ﷺ . من هذا يتبيّن أن قراءة «ابن كثير» متواترة، ومتصلة السند بالنبي ﷺ ، ولا زال المسلمون يتلقون قراءة «ابن كثير» بالرضا والقبول حتى الآن، وأحمد الله تعالى أني تلقيتها وقرأت بها.
ولقد كان «ابن كثير» مدرسة وحده، وقد تتلمذ عليه الكثيرون منهم:
البزّي: أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبيّ بزّة ت ٢٥٠ هـ.
стр. 361
وقنبل: محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي ت ٢٩١ هـ.
وإسماعيل بن عبد الله القسطنطين ت ١٧٠ هـ.
والخليل بن أحمد الفراهيدي ت ١٧٠ هـ.
وسفيان بن عيينة ت ١٩٨ هـ.
وقد حدث «ابن كثير» عن «عبد الله بن الزبير، وأبي المنهال عبد الرحمن ابن مطعم، وعكرمة، ومجاهد بن جبر» وغيرهم كثير.
كما روى عنه: «ابن جريج، وإسماعيل بن أمية، وزمعة بن صالح، وعمر ابن حبيب المكي، وحماد بن سلمة» وآخرون.
توفي «ابن كثير» سنة مائة وعشرين من الهجرة، عن خمس وسبعين سنة بعد حياة حافلة بتعليم القرآن وتجويده. رحم الله «ابن كثير» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 362
رقم الترجمة/ ١٦٤ «عبد الله بن عامر اليحصبي» ت ١١٨ ه ـ (١)
أحد مشاهير علماء التابعين، إمام أهل الشام في القراءة، وإليه انتهت مشيخة الإقراء بالشام.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثالثة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
قال «أبو عمرو بن العلاء»: أخذ «ابن عامر» القراءة عرضا عن «أبي الدرداء» وعن «المغيرة بن شهاب» صاحب «عثمان بن عفان» وقيل عرض «ابن عامر» «القرآن» على «عثمان» نفسه (٢).
قال «خالد بن يزيد المريّ»: سمعت «عبد الله بن عامر» يقول: قبض رسول الله ﷺ ولي سنتان، وانتقلت إلى دمشق، ولي تسع سنين انتهى (٣).
وقال «يحيى بن الحارث»: إن «ابن عامر» ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة (٤).
стр. 363
وقال «هشام بن عمّار»: حدثنا «عراك بن خالد» حدثنا «يحيى بن الحارث» قال: قرأت على «ابن عامر» وقرأ ابن عامر على «المغيرة بن شهاب» وقرأ «المغيرة» على «عثمان بن عفان» ﵁.
قال «هشام»: وهذا أصحّ عندنا اهـ (١).
وكان «ابن عامر» من مشاهير علماء عصره في القراءة والاقراء، ولا زالت قراءته يتلقاها المسلمون بالقبول حتى الآن، وهو أحد القراء السبعة المشهورين.
وقال «الذهبي»: ولي «ابن عامر» قضاء دمشق، بعد «أبي إدريس الخولاني» وحدث عن «معاوية، وفضالة بن عبيد، والنعمان بن بشير»، وغيرهم.
وروى عنه «محمد بن الوليد الزبيدي، وربيعة بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد، وعبد الله بن العلاء، وآخرون» اهـ (٢).
وقال: «يحيى بن الحارث»: كان «ابن عامر» قاضي الجند، وكان رئيس المسجد لا يرى فيه بدعة إلا غيّرها» اهـ.
توفي «ابن عامر» سنة ثمان عشرة ومائة، وله سبع وتسعون سنة، بعد حياة حافلة في تعليم القرآن الكريم. ﵀ رحمة واسعة.
стр. 364
رقم الترجمة/ ١٦٥ «أبو عبد الله الأصبهاني» ت ٢٥٣ ه ـ (١)
هو: محمد بن عيسى بن إبراهيم بن رزين أبو عبد الله الأصبهاني.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
وقد تلقى «الأصبهاني» القرآن على مشاهير علماء عصره. يقول عنه «ابن الجزري»: هو إمام في القراءات كبير مشهور له اختيار في القراءة أول وثان، أخذ القراءة عرضا وسماعا عن «خلاد بن خالد، والحسن بن عطية، وداود بن أبي طيبة، وسليمان بن داود الهاشمي، ويونس بن عبد الأعلى»، وروى الحروف عن «عبيد الله بن موسى، وإسحاق بن سليمان» اهـ (٢).
وقد تتلمذ على «الأصبهاني» عدد كثير منهم: «الفضل بن شاذان» وهو أكبر أصحابه، وأعلمهم، «ومحمد بن عبد الرحيم الأصبهاني، وجعفر بن عبد الله ابن الصباح،
والحسين بن إسماعيل الضرير، وأحمد بن الخليل بن أبي فراس، وإبراهيم بن أحمد بن نوح» وغيرهم كثير (٣).
وقد كان للأصبهاني مكانة سامية مما استوجب الثناء عليه، وفي هذا المعنى يقول «أبو نعيم الأصبهاني»: ما أعلم أحدا أعلم في وقته في فنّه منه، يعني:
القراءات اهـ.
стр. 365
وقال عنه «أبو حاتم» صدوق اهـ (١).
وكان «للأصبهاني» عدة مصنفات منها: «كتاب الجامع في القراءات، وكتاب في عدد آي القرآن، وكتاب في رسم القرآن (٢).
توفي «الأصبهاني» سنة ثلاث وخمسين ومائتين على خلاف في ذلك. ﵀ رحمة واسعة إنه سميع مجيب.
стр. 366
رقم الترجمة/ ١٦٦ «أبو عبد الله الحربي» (١)
هو: محمد بن عبد الله بن جعفر أبو عبد الله، ويقال: محمد بن جعفر أبو عبد الله البغدادي الحربي، مقرئ مجود.
قال «ابن الجزري»: وكلهم قال عنه «ابن جعفر»، سوى الدارقطني.
فقال ابن عبد الله: والصواب أنه «محمد بن عبد الله بن جعفر»، فمن قال:
«ابن جعفر» نسبه إلى جده، كذا صححه القصاع وأثبته غيره.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «أبو عبد الله» القراءة عن مشاهير العلماء، وفي مقدمتهم: «أحمد بن سهل الأشناني، وأحمد بن علي البزاز، ومحمد بن حبيب صاحب الأعشى» وغير هؤلاء (٢).
تصدر «أبو عبد الله الحربي» لتعليم القرآن، واشتهر بالتحقيق وتجويد الحروف، فأقبل عليه الطلاب من كل مكان. فمن الذين أخذوا عنه القراءة عرضا: أبو الحسن الدارقطني، وأحمد بن نصر الشذائي، وعمر بن إبراهيم الكناني قرأ عليه عدة ختمات، وأبو الفرج الشنبوذي وغيرهم (٣).
احتل «أبو عبد الله الحربي» مكانة سامية بين العلماء نظرا لتقواه وخوفه من
стр. 367
الله تعالى مما استوجب الثناء عليه. وفي هذا يقول الإمام الشنبوذي: «كان «أبو عبد الله الحربي» من سراة الشيوخ ومن صلحاء الناس» اهـ (١). وقال «الحافظ الذهبي»: كان محققا مجودا لحرف عاصم اهـ (٢).
لم يذكر المؤرخ تاريخ وفاة «أبي عبد الله الحربي». ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 368
رقم الترجمة/ ١٦٧ «عبد الله بن الحسين» ت ٣٨٦ ه ـ (١)
هو: عبد الله بن الحسين بن حسنون أبو أحمد السامري البغدادي، نزيل مصر مسند القراء في زمانه.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «عبد الله بن الحسين» سنة خمس أو ست وتسعين ومائتين من الهجرة.
أخذ «عبد الله بن الحسين» القرآن وحروف القراءات في باكورة حياته، ومن يقرأ كتب التاريخ يمكنه أن يحكم وهو مطمئن بأن عبد الله بن الحسين قرأ على عدد كبير جدا من علماء القراءات، وفي هذا يقول الإمام الداني ت ٤٤٤ هـ:
أخذ عبد الله بن الحسين القراءة عرضا عن محمد بن حمدون الحذاء، وأحمد بن سهل الأشناني، وأبي بكر بن مجاهد، وأبي الحسن بن شنبوذ، وأبي بكر بن مقسم، وأبي الحسن أحمد بن الرقي كذا قال «ابن سوار»، والحسن بن صالح، ومحمد بن الصباح المكي، وسلامة بن هارون، وأحمد بن محمد بن هارون بن بقرة، وأحمد بن عبد الله الطنافسي، وأبي العباس محمد بن يعقوب المعدل، وغير هؤلاء كثير ممن ذكرهم «الداني» (٢).
стр. 369
كما ذكر «الإمام ابن الجزري» عددا آخر من شيوخ عبد الله بن الحسين منهم: أبو محمد الحسن بن صالح الواسطي، وأبو الحسن علي بن أحمد الوزان، ومحمد بن محمد الباهلي، وموسى بن جرير النحوي، وأحمد بن الحسين المالحاني، والحسين بن أحمد المقرئ، وغيرهم عدد كثير (١). وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على علو إسناد الشيخ.
جلس «عبد الله بن الحسين» إلى تعليم القرآن وحروف القراءات زمنا طويلا واشتهر بالثقة والضبط وأقبل عليه حفاظ القرآن، وكثر طلابه، وحسبي أن أشير هنا إلى طرف يسير ممن أخذ عنه القرآن وحروف القراءات.
قال «الإمام ابن الجزري»: قرأ عليه «أبو الفتح فارس» وهو أضبط من قرأ عليه وأبو الفضل الخزاعي، ويوسف بن رباح، وأبو الحسين التنيسي الخشاب، ومحمد بن سليمان الأبيّ، وعبد الرحمن بن الحسن، وعبد الجبار بن أحمد الطرسوسي، وأبو العباس بن نفيس، ومحمد بن علي بن يوسف المؤدب، والحسين ابن إبراهيم الأنباري، وآخرون (٢).
اشتهر «عبد الله بن الحسين» بين العلماء بالثقة وصحة الرواية وقوة الصبر والاحتمال مما استوجب الثناء عليه، حول هذه المعاني السامية يقول «الإمام الداني»: «سألت «أبا حيان محمد بن يوسف الأندلسي» عن «أبي أحمد»، فأثنى عليه ووثقه» اهـ (٣). وقال عنه «الإمام الداني»: «هو مشهور ضابط ثقة مأمون» (٤).
توفي «عبد الله بن الحسين» بمصر ليلة السبت، ودفن يوم السبت لثمان بقين من المحرم سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وصلى عليه أبو حفص عمر بن عراك، ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 370
رقم الترجمة/ ١٦٨ «عبد الله الزّعفراني» (١)
هو: عبد الله بن محمد بن هاشم أبو محمد الزعفراني.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السابعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
تلقى «الزعفراني» القرآن عن خيرة العلماء منهم: «خلف بن هشام، ودحيم الدمشقي، والدوري، وأبو هشام الرفاعي، وعبيد بن الصباح، وعبد الوهاب بن فليح، وسليمان بن داود الزهراني، وهارون بن حاتم التميمي، ومحمد بن سعدان، وروح بن عبد المؤمن» وآخرون (٢).
وقد تصدر «الزعفراني» للاقراء ومن الذين تتلمذوا عليه: «علي بن الحسين الغضائري» فيما روى عنه «الأهوازي» (٣).
لم يذكر المؤرخون تاريخ وفاة «عبد الله الزعفراني». رحم الله «الزعفراني» رحمة واسعة إنه سميع مجيب.
стр. 371
رقم الترجمة/ ١٦٩ «عبد الله بن السّائب بن أبي السّائب المخزومي» ﵁ ت ٧٠ ه ـ (١)
صحابيّ جليل، قارئ أهل مكة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثانية من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
يقول «ابن الجزري»: روى «عبد الله بن السائب» القراءة عرضا عن «أبي بن كعب، وعمر بن الخطاب» (٢).
وعرض عليه «القرآن» «مجاهد بن جبر» و «عبد الله بن كثير» أحد القراء السبعة المشهورين، وقراءة «ابن كثير» لا زال المسلمون يتلقونها بالقبول حتى الآن (٣).
وروى «ابن عيينة» عن «مجاهد بن جبر» أنه قال: كنا نفخر على الناس
стр. 372
بقارئنا «عبد الله بن السائب» وبفقيهنا «عبد الله بن عباس» وبمؤذننا «أبي محذورة» وبقاضينا «عبيد بن عمير» اهـ (١).
حدث «عبد الله بن السائب» عن «أبيّ بن كعب، وعمر بن الخطاب»، ﵄.
توفي «عبد الله بن السائب» في حدود سنة سبعين من الهجرة، بعد حياة حافلة في تعليم القرآن برواياته وقراءاته. يقول «ابن أبي مليكة»: رأيت «عبد الله بن عباس» ﵁ لما فرغ من دفن «عبد الله بن السائب» وقف على قبره فدعا له ثم انصرف اهـ (٢). رحم الله «عبد الله بن السائب» رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 373
رقم الترجمة/ ١٧٠ «عبد الله بن عبّاس» ﵁ ت ٦٨ ه ـ (١)
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثانية من حفاظ «القرآن الكريم».
ولد «ابن عباس» ﵁ بشعب «بني هاشم» قبل الهجرة بثلاث سنين وصحب النبي ﷺ نحوا من ثلاثين شهرا.
كان «ابن عباس» ﵁: أبيض- مديد القامة- جسيما- وسيما- صبيح الوجه- مهيبا- كامل العقل- ذكيّ النفس- له وفرة يخضب بالحناء.
قال عنه «عطاء» ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة إلا ذكرت وجه «ابن عباس» اهـ.
وقال «عكرمة»: كان «ابن عباس» إذا مرّ في الطريق قيل: أمرّ المسك، أم مرّ «ابن عباس»؟ وذلك لطيب رائحته. هاجر «ابن عباس» مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح.
стр. 374
قرأ «ابن عباس» القرآن الكريم على «أبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت» وقرأ «القرآن» على «ابن عباس» عدد كثير، منهم: مجاهد- وسعيد بن جبير- والأعرج- وعكرمة بن خالد- وسليمان بن قتّة شيخ «عاصم الجحدري» وآخرون.
حدث عن النبي ﷺ ، وعن «عمر- وعليّ- ومعاذ- وعبد الرحمن بن عوف- وأبي سفيان- وأبي ذرّ- وأبي بن كعب- وزيد بن ثابت» وآخرين.
وروى عنه: ابنه عليّ- وعكرمة- ومقسم- وكريب- وأنس بن مالك- وأبو الطفيل- وأبو أمامة- وعروة بن الزبير- وسعيد بن جبير- ومجاهد بن جبر وآخرون.
قال «ابن عباس» ﵁: لقد كنت أسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ اهـ.
وكان النبي ﷺ يحبّ «ابن عباس» حبا جمّا، ودعا له بالفقه والتأويل، كما دعا له بالفهم والعلم: فعن «سعيد بن جبير» قال:
قال «ابن عباس»: بتّ عند خالتي، فوضعت لرسول الله ﷺ غسلا فقال: من وضع هذا؟ قالوا: «عبد الله» قال: اللهم علمه التأويل، وفقّهه في الدين (١).
وروى «كريب» أن النبي ﷺ دعا «لابن عباس» أن يزيده الله فهما وعلما. وعن «عكرمة» عن «ابن عباس» قال: مسح النبي ﷺ رأسي، ودعا لي بالحكمة (٢).
стр. 375
وعن «ابن عباس» ﵄ قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وعنده «جبريل» فقال له «جبريل»: إنه كائن هذا حبر الأمة فاستوص به خيرا (١).
وعن «سعيد بن جبير» عن «ابن عباس» قال: كان «عمر» يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال:
إنه من قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني فقال: ما تقولون في قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله تعالى، ونستغفره إذا جاء نصر الله وفتح علينا.
وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئا، فقال لي: يا ابن عباس كذلك تقول؟ قلت لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ ، أعلمه الله إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ أي فتح مكة، فذاك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّابا فقال «عمر» ما أعلم منها إلا ما تعلم (٢).
وعن «محمد بن كعب» القرظي عن «ابن عباس» ﵄، أن «عمر بن الخطاب» ﵁ جلس في رهط من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين فذكروا ليلة القدر، فتكلم منهم من سمع فيها بشيء مما سمع، فقال «عمر»: ما لك يا ابن عباس صامتا؟ تكلم ولا تمنعك الحداثة، فقال «ابن عباس»: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى وتر يحب الوتر، فجعل أيام الدنيا تدور على سبع وخلق الإنسان من سبع، وخلق أرزاقنا من سبع، وخلق
стр. 376
فوقنا سبع سماوات، وخلق تحتنا أرضين سبعا، وأعطى من المثاني سبعا، ونقع في السجود من أجسادنا على سبع، والطواف بالكعبة سبعا، وبين الصفا والمروة سبع، ورمى الجمار بسبع، فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان والله أعلم.
فتعجب «عمر» وقال: ما وافقني فيها أحد عن رسول الله ﷺ إلا هذا الغلام (١).
ومناقب «ابن عباس» ﵄ كثيرة ومتعددة أذكر فيها ما يلي: قال «طاوس»: ما رأيت أحدا أشدّ تعظيما لحرمات الله من «ابن عباس» انتهى (٢).
وقال «الواقدي» أن «سعد بن أبي وقاص» ﵁ قال: ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا ألبّ لبّا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من «ابن عباس» لقد رأيت «عمر» يدعوه للمعضلات فيقول: قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإن حوله لأهل بدر اهـ (٣).
وحدث «الواقدي» عن «عبيد الله بن عبد الله» قال: كان «ابن عباس» قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبق- وفقه فيما احتج إليه من رأيه- وحلم- ونسب- وما رأيت أحدا أعلم بما سبقه من حديث رسول الله ﷺ ولا بقضاء «أبي بكر- وعمر- وعثمان» منه- ولا أعلم بما مضى- ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه، ولقد كنا نحضر عنه فيحدثنا العشية كلها في المغازي، والعشية كلها في النسب، والعشية كلها في الشعر اهـ (٤).
стр. 377
وقال «طاوس»: ما رأيت أورع من «ابن عمر» ولا أعلم من «ابن عباس» اهـ (١).
توفي «ابن عباس» بالطائف سنة ثمان وستين هـ وصلى عليه «محمد ابن الحنفية» وقال: مات ربانيّ الأمة اهـ. رضي الله عن «ابن عباس» وجزاه عن القرآن وأهله أفضل الجزاء.
стр. 378
رقم الترجمة/ ١٧١ «عبد الله بن عمر بن الخطّاب» ﵁ ت ٧٣ ه ـ (١)
مفتي الأمة- وشيخ الإسلام- والإمام القدوة- الفصيح العفيف- صاحب الجود والحياء- والزهد والورع.
ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ في الطبقات ضمن علماء القراءات، وقال: وردت الرواية عنه في حروف القرآن (٢).
أسلم «عبد الله بن عمر» وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه قبل البلوغ، واستصغر يوم «أحد» فأول غزواته «الخندق». وهو ممن بايع النبي ﷺ تحت الشجرة.
روى «ابن عمر» علما كثيرا نافعا عن النبي ﷺ ، وعن أبيه وأبي بكر- وعثمان- وعلي- وبلال- وصهيب- وزيد بن ثابت- وابن مسعود- وعائشة- وأخته حفصة.
стр. 379
كما روى عنه عدد كثير أذكر منهم: آدم بن علي- وأسلم مولى أبيه- وأبا ذؤيب- وأنس بن سيرين- وبشر بن حرب- وبكر المزني- وبلال بن عبد الله- وثابت البناني- وحبيب بن أبي مليكة- وآخرين (١).
وكان «ابن عمر» ﵄: ربعة كأنه بدر- يخضب بالصفرة- إزاره إلى نصف الساق.
كان النبي ﷺ يحبه حبا جما، وقد بشره بالجنة: فعن «ابن عمر» ﵄ قال: كنت شاهد النبي ﷺ في حائط نخل، فاستأذن «أبو بكر» فقال النبي ﷺ : «ائذنوا له وبشروه بالجنة» ثم «عمر» كذلك، ثم «عثمان» فقال: «بشروه بالجنة على بلوى تصيبه» فدخل يبكي ويضحك، فقال: «عبد الله بن عمر» فأنا يا نبي الله؟
قال: «أنت مع أبيك» (٢).
وكان «ابن عمر» ﵄ من الشبان الذين نشئوا في طاعة الله يدل على ذلك الآثار الآتية: فعن «ابن مسعود» ﵁ أنه قال: «إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا «عبد الله بن عمر» اهـ (٣).
وعن «جابر» ﵁ أنه قال: «ما منا أحد أدرك الدنيا إلا وقد مالت به إلا «ابن عمر» اهـ (٤).
وقالت «عائشة» أم المؤمنين ﵂: «ما رأيت أحدا ألزم للأمر الأول من «ابن عمر» اهـ (٥).
стр. 380
وقال «طاوس»: ما رأيت أورع من «ابن عمر» اهـ (١).
كما كان ﵁ زاهدا في الدنيا، يوضح ذلك ما يلي: قيل ل «نافع»:
ما كان يصنع «ابن عمر» في منزله؟ قال: لا تطيقونه الوضوء لكل صلاة- والمصحف فيما بينهما اهـ (٢).
وكان «ابن عمر» ﵄ يتمثل دائما قول الله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (٣) وهناك أكثر من دليل على ذلك: فعن «نافع» مولى «ابن عمر» قال:
«كان ابن عمر إذا اشتدّ عجبه بشيء من ماله قرّبه لربّه ، قال «نافع»: وكان رقيقه قد عرفوا ذلك منه، فربما شمّر أحدهم فيلزم المسجد، فإذا رآه «ابن عمر» على تلك الحالة الحسنة أعتقه، فيقول له أصحابه: يا أبا عبد الرحمن والله ما بهم إلا أن يخدعوك، فيقول «ابن عمر»: فمن خدعنا بالله تخدّعنا له.
قال «نافع»: فلقد رأيتنا ذات عشية وراح «ابن عمر» على نجيب له قد أخذه بمال عظيم، فلما أعجبه سيره أناخه مكانه ثم نزل عنه، فقال: يا نافع، انزعوا زمامه، ورحله، وحللوه، وأشعروه، وأدخلوه في «البدن» (٤).
وعن «ابن عمر» ﵄ قال: لما نزلت: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ دعا «ابن عمر» جارية له فأعتقها، وقال: والله إن كنت لأحبك في الدنيا، اذهبي فأنت حرة لوجه الله (٥).
стр. 381
وعن «نافع» قال: كان «ابن عمر» لا يعجبه شيء من ماله إلا خرج منه لله ، قال: وكان ربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفا، قال:
وأعطاه «ابن عمر» مرتين ثلاثين ألفا، فقال: يا نافع، إني أخاف أن تفتنني دراهم «ابن عمر» اذهب فأنت حرّ (١).
ولقد فاق «ابن عمر» أهل زمانه في الجود- والسخاء، يوضح ذلك ما يلي:
فعن «نافع» مولى «ابن عمر» قال: «أتى ابن عمر ببضعة وعشرين ألفا فما قام حتى أعطاها» اهـ.
وعن «نافع» أنه قال: «ما مات «ابن عمر» حتى أعتق ألف إنسان، أو زاد» اهـ.
وعن «نافع» قال: «بعث معاوية إلى «ابن عمر» بمائة ألف فما حال عليه الحول وعنده منها شيء» اهـ.
وعن «نافع» أنه قال: «إن كان «ابن عمر» ليفرق في المجلس ثلاثين ألفا، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مزعة لحم» اهـ.
كما كان «لابن عمر» ﵄ المكانة العلمية والمنزلة السامية: فعن «مالك» ﵀ أنه قال: «كان إمام الناس عندنا بعد «زيد بن ثابت» «عبد الله بن عمر» مكث ستين سنة يفتي الناس» اهـ.
مات «ابن عمر» سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وكان عمره سبعا وثمانين سنة. ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 382
رقم الترجمة/ ١٧٢ «عبد الله بن عمرو بن العاص» ﵁ ت ٦٥ ه ـ (١)
علم من حفاظ القرآن، صاحب الفضائل- والمقام الراسخ في العلم والعمل- العابد الزاهد- الإمام الحبر.
ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ في الطبقات ضمن علماء القراءات، وقال: وردت الرواية عنه في حروف القرآن (٢).
أسلم «عبد الله بن عمرو» قبل أبيه، وحمل عن النبي ﷺ علما كثيرا.
وكان «عبد الله بن عمرو» طويلا- سمينا- أحمر اللون- عظيم البطن.
وقد روى «عبد الله عن عمرو» عن: أبي بكر- وعمر- ومعاذ- وأبيه- وسراقة بن مالك- وعبد الرحمن بن عوف- وأبي الدرداء- وعن غيرهم ..
وقد حدث عنه عدد كبير أذكر منهم: ابنه محمد- ومولاه أبا قابوس- وحفيده شعيب بن محمد- ومولاه إسماعيل- وأنس بن مالك- وأبا أمامة بن سهل- وسعيد بن المسيب- وعروة- وغيرهم.
стр. 383
وكان «عبد الله بن عمرو» قد أتم حفظ القرآن في حياة النبي ﷺ وقد عكف على قراءته- وتدبره- وترتيله: يقول «ابن جريج» عن «عبد الله بن عمرو» قال: «جمعت القرآن فقرأته كله في ليلة، فقال رسول الله ﷺ : «اقرأه في شهر» قلت: يا رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: «اقرأه في عشرين»
قلت: دعنى أستمتع، قال «اقرأه في سبع ليال» قلت: دعني يا رسول الله أستمتع» رواه النسائي.
وحينما تقدمت به السن، ووهن منه العظم، كان يتذكر دائما نصح النبي ﷺ له فيقول: يا ليتني قبلت رخصة الرسول ﵊.
وكان «عبد الله بن عمرو» صاحب عقلية حافظة، ولنستمع إليه وهو يقول:
«حفظت عن رسول الله ﷺ ألف مثل» اهـ (١).
وقال عنه «أبو هريرة» ﵁: «لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني إلا ما كان من «عبد الله بن عمرو» فإنه كان يكتب ولا أكتب» اهـ (٢).
وقد أحب الرسول ﷺ «عبد الله بن عمرو» حبّا جمّا، وأثنى عليه وعلى والديه، يوضح ذلك الخبر التالي: قال «طلحة بن عبيد الله» ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نعم أهل البيت «عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله» اهـ (٣).
وكان «عبد الله بن عمرو» ﵄ من الذين لا يتعلقون بزخارف الدنيا يوضح ذلك الخبر التالي:
стр. 384
وكان «عبد الله بن عمرو» ﵄ من الحكماء، وقد أثر عنه في ذلك الشيء الكثير: فعن «عياش بن عياش» عن «أبي عبد الرحمن» قال: سمعت «عبد الله بن عمرو بن العاص» يقول: إن الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها» (١).
وعن «حميد بن هلال» أن «عبد الله بن عمرو» قال: «من سقى مسلما شربة ماء باعده الله من جهنم شوط فرس» اهـ.
وكان يقول: «دع ما لست منه في شيء، ولا تنطق فيما لا يعنيك» (٢).
وعن «ابن هبيرة» أن «عبد الله بن عمرو» قال: «إنه في الناموس الذي أنزل الله تعالى على «موسى» ﵇: أن الله تعالى يبغض من خلقه ثلاثة: الذي يفرق بين المتحابين، والذي يمشي بالنمائم، والذي يلتمس البريء ليعنّته» (٣).
وعن «خالد بن يزيد» أن «عبد الله بن عمرو» قال: «مكتوب في التوراة من حفر حفرة سوء لصاحبه وقع فيها» (٤).
وكان «عبد الله بن عمرو» ورعا شديد التمسك بآداب الرسول ﷺ والأدلة على ذلك كثيرة ومتعددة:
فعن «عمرو بن شعيب» عن أبيه قال: «انطلقت مع «عبد الله بن عمرو ابن العاص» إلى البيت، فلما جئنا دبر الكعبة قلت له: ألا تتعوذ؟ قال: أعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى اذا استلم الحجر قام بين الركن والباب، فوضع
стр. 385
صدره، ووجهه، وبسط ذراعيه ثم قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل» (١).
ومما يدل على عدم تعلّق عبد الله بن عمرو بزخارف الدنيا، الخبر التالي:
فعن «أبي عبد الرحمن الحبليّ» قال: سمعت «عبد الله بن عمرو» يقول:
«لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة أحبّ إليّ من أن أكون عاشر عشرة أغنياء، فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا، يقول:
يتصدق يمينا وشمالا» اهـ (٢).
وكان «عبد الله بن عمرو» كثير البكاء من خشية الله تعالى، يوضح ذلك الأثر التالي: فعن «يعلى بن عطاء» عن «أم عبد الله» أنها كانت تصنع الكحل «لعبد الله بن عمرو» وكان يكثر من البكاء: يغلق عليه بابه، ويبكي حتى رمصت عيناه اهـ.
ومنذ أن دخل «عبد الله بن عمرو» الإسلام، وقلبه مضاء بنور الله وكان ﵁ ذا مكانة عالية بين العابدين والزاهدين والمتواضعين والخاشعين.
توفي «عبد الله بن عمرو» سنة خمس وستين من الهجرة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة بعد حياة حافلة بالعكوف على قراءة «القرآن الكريم» رضي الله عن «عبد الله بن عمرو» وجزاه الله أفضل الجزاء، إنه سميع مجيب.
стр. 386
رقم الترجمة/ ١٧٣ «عبد الله بن عيّاش» ت ٧٠ ه ـ (١)
هو: عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة أبو الحارث المخزومي المكي ثم المدني.
ولد بالحبشة، وذلك أن والده كان قديم الإسلام فهاجر إلى الحبشة، فولد له «عبد الله» بها (٢).
وعبد الله بن عياش من التابعين، وقيل: إنه رأى النبي ﷺ وهو صغير: وذلك أن النبي ﵊ جاء إلى بعض بيوت آل ربيعة، إما لعيادة أو لغير ذلك، فقالت له «أسماء بنت مخرمة التميميّة» وهي أم أولاد «عياش»: يا رسول الله، ألا توصيني؟ فأوصاها بوصية، ثم أتى بصبيّ من ولد عياش ذكرت به مرضا، فجعل النبي ﷺ يرقيه ويتفل عليه، فجعل الصبي يفعل مثل ذلك فينهاه بعض أهل البيت فيكفّهم النبي ﵊ عنه (٣).
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثانية من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
قرأ «عبد الله بن عياش» القرآن على «أبيّ بن كعب» ﵁ كما سمع الحديث من «عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس ومن أبيه عياش» ﵃ أجمعين (٤).
стр. 387
وقد تلقى القرآن على «عبد الله بن عياش» عدد كثير منهم: «مولاه: أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، وعبد الرحمن بن هرمز، ومسلم بن جندب، ويزيد بن رومان» (١).
وكان «عبد الله بن عياش» أقرأ أهل المدينة في زمانه. وقد تلقى الحديث عن «عبد الله بن عياش» عدد كثير منهم: «ابنه الحارث، ونافع مولى «ابن عمر» وسليمان بن يسار» (٢).
توفي «عبد الله بن عياش» بعد سنة سبعين من الهجرة. ﵀ رحمة واسعة إنه سميع مجيب.
стр. 388
رقم الترجمة/ ١٧٤ «عبد الله بن محمد» ت ٣٧٨ ه ـ (١)
هو: عبد الله بن محمد أبو محمد القضاعي الأندلسي، المعروف بمقرون.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
اشتهر «عبد الله بن محمد» بكثرة الترحال إلى الأقطار ليأخذ عن علمائها، ويقرأ على قرائها، وفي هذا يقول «الحافظ الذهبي»: «أبو محمد القضاعي الأندلسي نزيل وهران، ثم مالقة، ثم نزيل قرطبة قدمها بأمر «الحكم» أمير الأندلسي في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، فأقرأ الناس بها على باب مسجد الجامع بحرف نافع من رواية ورش، وكان ينحو في قراءته نحو قراءة البصريين (٢).
أخذ «عبد الله بن محمد» القراءة عن خيرة العلماء، وفي هذا يقول «الإمام الداني»: «أخذ عبد الله بن محمد» القراءة عرضا عن أبي الفضل عبد الحكم بن إبراهيم المقرئ، صاحب أبي بكر بن سيف (٣).
تصدر «عبد الله بن محمد» لتعليم القرآن، وفي مقدمة من أخذ عنه القراءة «أبو بكر قاسم بن مسعود» (٤).
توفي «عبد الله بن محمد» بقرطبة سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 389
رقم الترجمة/ ١٧٥ «عبد الله بن مسعود» رضى الله عنه ت ٣٢ ه ـ (١)
ذكره «أبو عبيد القاسم بن سلام» ت ٢٢٤ هـ ضمن علماء الصحابة الذين أتموا حفظ «القرآن الكريم».
كما ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الأولى من حفاظ «القرآن».
كان «ابن مسعود» ﵁: نحيفا، قصيرا، شديد الأدمة لطيفا، فطنا، شديد الذكاء.
كان ﵁ من خيرة الصحابة، ومن السابقين إلى الإسلام، يقول عن نفسه: «لقد رأيتني سادس ستة، وما على ظهر الأرض مسلم غيرنا» اهـ (٢).
شهد «بدرا» واحتزّ رأس «أبي جهل» عليه لعنة الله.
وكان يتولى فراش الرسول ﷺ ، ووساده، وسواكه، ونعله، وطهوره.
стр. 390
أتم «عبد الله بن مسعود» ﵁ حفظ القرآن في حياة النبي ﵊.
قال «عروة بن الزبير» ﵁: «أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله ﷺ «عبد الله بن مسعود» اهـ (١).
ويروى ان النبي ﷺ مرّ بابن مسعود وهو يقرأ حرفا حرفا فقال: «من سرّه أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليسمعه من «ابن مسعود» اهـ (٢) ومما تجدر الإشارة إليه أن «ابن مسعود» ﵁ كان إماما في تجويد القرآن، وترتيله، وتحقيقه، وحسن صوته، وقد كان يقرأ القرآن في غير رمضان مرة كل جمعة، وفي رمضان كان يقرؤه في ثلاث.
وإلى «ابن مسعود» تنتهي قراءة «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف البزار، والأعمش»، وهم علماء القراءات بالكوفة.
وقد تلقى القرآن على «ابن مسعود» عدد كثير أذكر منهم:
١ - علقمة بن قيس.
٢ - الأسود بن يزيد النخعي.
٣ - مسروق بن الأجدع.
٤ - عبيدة السلماني.
٥ - أبا عبد الرحمن السلمي.
قال: «الشعبي»: «ما دخل الكوفة أحد من الصحابة أنفع علما، ولا أفقه صاحبا من «عبد الله بن مسعود».