«أبي» بيتا بعشرين دينارا وجهزني للحج، فلما صرت إلى «المدينة المنورة» أتيت مجلس «مالك» ومعي مسائل، فأتيته وهو جالس في هيئة الملوك وغلمان قيام، والناس يسألونه، وهو يجيبهم، فقلت: ما تقول في كذا؟ فقال: حصلنا على الصبيان يا غلام احمله، فحملني كما يحمل الصبيّ، وأنا يومئذ مدرك، فضربني بدرّة مثل درّة المعلمين سبع عشرة درّة، فوقفت أبكي، فقال: ما يبكيك أوجعتك هذه؟ قلت: إن «أبي» باع منزله، ووجّه بي أتشرف بك وبالسماع منك فضربتني، فقال: اكتب، فحدثني سبعة عشر حديثا، وأجابني عن المسائل» (١).
ويقول «الذهبي»: لقد كان هشام بن عمّار من أوعية العلم، وكان ابتداء طلبه للعلم وهو حدث قبل السبعين ومائة، وفيها قرأ «القرآن» على أيوب بن تميم، وعلى الوليد بن مسلم وجماعة (٢).
وقد كان «هشام بن عمّار» من الذين أوقفوا حياتهم لتعليم القرآن وسنة النبي ﵊.
يقول «ابن الجزري»: قد روى القراءة عن «هشام»، أبو عبيد القاسم ابن سلام قبل وفاته بنحو أربعين سنة، وأحمد بن يزيد الحلواني، وأحمد بن أنس، وإسحاق بن أبي حسّان، وأحمد بن المعلّى، وإبراهيم بن عباد، وإسحاق بن داود، وغيرهم كثير (٣).
لقد كان «هشام بن عمّار» من رجال الحديث الثقات، فقد وثقه يحيى ابن معين، وابن الجنيد، وأحمد العجلي، والنسائي. وقال «الدارقطني»: صدوق كبير المحلّ (٤).
стр. 597
وقد حدث عن «هشام بن عمّار» عدد كثير، وفي هذا المعنى يقول «الذهبي»: حدث عن «هشام» من كبار شيوخه: «الوليد بن مسلم، ومحمد بن شعيب».
وحدث عنه من أصحاب الكتب: «البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة»، وروى الترمذي عن رجل عنه، ثم يقول «الذهبي»: وحدث عنه بشر كثير، أذكر منهم: ولده «أحمد» وأبا زرعة الدمشقي، والرازي، وأبا حاتم، ويعقوب الفسوي، وإسحاق بن إبراهيم، وغيرهم كثير (١).
قال «أبو القاسم بن الفرات»: أخبرنا «أبو علي أحمد بن محمد الأصبهاني» المقرئ. قال: لما توفي «أيوب بن تميم» يعني: مقرئ دمشق، رجعت الإمامة حينئذ إلى رجلين أحدهما مشتهر بالقراءة والضبط، وهو «ابن ذكوان» فائتم به الناس، والآخر مشتهر بالنقل، والفصاحة، والرواية، والعلم، والدراية، وهو «هشام ابن عمّار» وكان خطيبا بدمشق، رزق كبر السنّ، وصحة العقل والرأي فارتحل إليه في نقل القراءة، والحديث اهـ (٢).
ولقد كان «هشام بن عمّار» خطيبا بارعا، وفي هذا المعنى يقول «عبدان الأهوازي» قال «هشام بن عمّار»: ما أعدت خطبة منذ عشرين سنة (٣).
وهذا الخبر إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على فصاحة «هشام بن عمّار» وكثرة علمه، وشدّة ذكائه.
وكان «هشام بن عمّار» مع فصاحته وبلاغته، وعلوّ منزلته في العلم، ينطق بالحكمة ويعلمها الناس، وفي هذا المعنى يقول «محمد بن خريم الخريمي»:
стр. 598
سمعت «هشام بن عمّار» يقول في خطبته: «قولوا الحقّ، ينزلكم الحقّ منازل أهل الحقّ، يوم لا يقضي إلا بالحقّ» اهـ (١) ولقد احتلّ «هشام بن عمّار» بين العلماء مكانة سامية، ومنزلة رفيعة، حول هذه المعاني السامية يقول «يحيى بن معين»: هشام بن عمار كيّس (٢).
وقال «هشام بن مرثد»: سمعت «ابن معين» يقول: «هشام بن عمّار أحبّ إليّ من «ابن أبي مالك» اهـ (٣).
كما كان «هشام بن عمّار» من المقرّبين إلى الله تعالى، ومن مستجابي الدعوة، وفي هذا المعني يقول «أبو عبيد الله الحميدي»: «أخبرني بعض أهل الحديث «أن هشام ابن عمّار» قال: سألت الله سبع حوائج فقضى لي منها ستّا، والواحدة ما أدري ما صنع فيها: سألته أن يغفر لي ولوالديّ، فما أدري ما صنع في هذه، وسألته أن يرزقني الحج ففعل، وسألته أن يعمّرني مائة سنة، ففعل، وسألته أن يجعلني مصدّقا على حديث رسول الله ﷺ ففعل، وسألته أن يجعل الناس يغدون إليّ في طلب العلم ففعل، وسألته أن أخطب على منبر دمشق ففعل، وسألته أن يرزقني ألف دينار حلالا ففعل» اهـ (٤).
توفي «هشام بن عمّار» في آخر المحرّم سنة خمس وأربعين ومائتين بعد حياة حافلة بخدمة الكتاب والسنة. ﵀ رحمة واسعة أمين.
стр. 599
رقم الترجمة/ ٢٧٤ «ابن هلال» ت ٣١٠ ه ـ (١)
هو: أحمد بن عبد الله بن محمد بن هلال، أبو جعفر الازدي المصري، استاذ كبير محقق ضابط.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره ابن الجزري ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «ابن هلال» القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: والده، واسماعيل ابن عبد الله النحّاس، وسمع حروف القراءات من «بكر بن سهل الدمياطي».
تصدر «ابن هلال» لتعليم القرآن فأخذ عنه الكثيرون، منهم: حمدان بن عون، وسعيد بن جابر، والحسن بن عبد الله، وعبد العزيز بن الفرح، وأحمد بن محمد بن الهيثم الشعراني، ومحمد بن أحمد بن أبي الإصبع، وعتيق بن ما شاء الله، والمظفر بن أحمد بن حمدان، وآخرون (٢).
توفي «ابن هلال» في ذي القعدة سنة عشر وثلاثمائة من الهجرة بعد حياة حافلة بتعليم القرآن الكريم. رحم الله «ابن هلال» رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.
стр. 600
رقم الترجمة/ ٢٧٥ «ورش» ت ١٩٧ ه ـ (١)
هو: عثمان بن سعيد بن عدي المصري المقرئ المشهور بورش، والورش:
شيء يصنع من اللبن، ونافع شيخه في القراءة هو الذي لقّبه بورش لشدة بياضه.
وقيل: إن نافعا لقبه «بالورشان» وهو طائر معروف، فكان يقول له، اقرأ يا ورشان، ثم خفف وقيل ورش، وكان لا يكرهه ويقول أستاذي نافع سماني به.
ولد ورش سنة عشر ومائة من الهجرة.
وكان «ورش» رحمه الله تعالى أشقر، سمينا، مربوعا، وإليه انتهت رئاسة الاقراء بالديار المصرية في زمانه.
ذكره «الذهبي» ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الخامسة من علماء القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
وقد قرأ ورش القرآن وجوّده عدة مرات على شيخه «نافع» القارئ المدني، والإمام الاول بالنسبة لأئمة القراءات. ولقراءة ورش المصري، على «نافع» المدني قصة لطيفة يرويها المؤرخون، وهذا موجزها.
قال «الداني»: أخبرنا «علي بن الحسن، وعلي بن إبراهيم» عن «محمد ابن سلمة العثماني» قال: قلت لأبي: أكان بينك وبين ورش مودّة؟
قال: نعم، حدثني «ورش» قال: خرجت من مصر لأقرأ على «نافع»
стр. 601
فلما وصلت إلى المدينة المنورة صرت إلى مسجد «نافع» فإذا هو لا تطاق القراءة عليه من كثرتهم، وإنما يقرئ ثلاثين، فجلست خلف الحلقة، وقلت لإنسان من أكبر الناس عند «نافع»؟ فقال لي: كبير الجعفريين، فقلت: كيف به، قال: أنا أجيء معك إلى منزله، وجئنا إلى منزله فخرج شيخ، فقلت: أنا من «مصر» جئت لأقرأ على «نافع» فلم أصل إليه وأنا أريد أن تكون الوسيلة إليه، فقال: نعم وكرامة، وأخذ طيلسانه ومضى معنا إلى «نافع» وكان لنافع كنيتان: «أبو رويم، وأبو عبد الله» فبأيّهما نودي أجاب، فقال له الجعفري:
هذا وسيلتي إليك جاء من «مصر» ليس معه تجارة، وإنما جاء للقراءة خاصّة، فقال: أي «نافع»: ترى ما ألقى من أبناء المهاجرين والأنصار، فقال صديقه الجعفري: تحتال له، فقال لي «نافع» أيمكنك أن تبيت في المسجد؟ قلت:
نعم، فبتّ في المسجد، فلما أن كان الفجر جاء «نافع» فقال: ما فعل الغريب؟ فقلت: ها أنا رحمك الله، قال: أنت أولى بالقراءة.
قال أي «ورش»: وكنت مع ذلك حسن الصوت مدّادا به، فاستفتحت فملأ صوتي مسجد رسول الله ﷺ فقرأت ثلاثين آية، فأشار بيده أن اسكت، فسكتّ، فقام إليه شابّ من الحلقة فقال: يا معلّم أعزّك الله نحن معك وهذا رجل غريب، وإنما رحل للقراءة عليك وقد جعلت له عشرا، واقتصرت على عشرين، أي تنازلت له عن عشر آيات من المقدار المخصّص لي وسأكتفي بقراءة عشرين آية فقط. ولعلّ السبب في ذلك هو حسن قراءة «ورش» وجمال صوته.
يقول «ورش» قرأت عشر آيات فقام فتى آخر فقال كقول صاحبه، فقرأت عشر آيات، وقعدت حتى لم يبق أحد ممن له قراءة.
فقال «نافع»: «اقرأ فأقرأني خمسين آية، فما زلت أقرأ عليه خمسين في خمسين حتى قرأت عليه ختمتان قبل أن أخرج من المدينة المنورة» اهـ (١).
стр. 602
ومما تجدر الإشارة إليه أن قراءة «ورش» اشتهرت بين المسلمين، واستفاضت، ولا زال المسلمون في كل مكان يتلقونها بالرضا والقبول، وقد تلقيتها وقرأت بها والحمد لله رب العالمين.
ونظرا لشهرة قراءة ورش بين المسلمين فهناك مصاحف قرآنية تطبع طباعة خاصة متضمنة أصول قراءة ورش.
ومن أصول قراءة ورش أنه يقرأ بالمدّ الطويل في كل من المدّ المنفصل والمتصل، ويقرأ أيضا بمدّ حرفي اللين إذا وقع بعدها همز، كما يقرأ بنقل حركة الهمز إلى الساكن الصحيح الذي قبله، إلى غير ذلك من الأحكام، وكلها مبيّنة ومدوّنة في الكتب المختصة بذلك.
وبعد أن رجع ورش من المدينة المنورة إلى موطنه «مصر» جلس يقرئ الناس حتى وافته منيته.
قال «إسماعيل النحاس»: قال لي «أبو يعقوب الأزرق»: إن «ورشا» لما تعمّق في النحو وأحكمه، اتخذ لنفسه مقرئا يسمّى مقرئ ورش (١). ومما لا شك فيه أن «ورشا» رحمه الله تعالى كان مدرسة وحده، وقد تتلمذ عليه الكثيرون منهم: أحمد بن صالح الحافظ، وداود بن أبي طيبة، وأبو يعقوب الأزرق، وعبد الصمد بن عبد الرحمن بن القاسم، ويونس بن عبد الأعلى، وسليمان بن داود، وآخرون.
وكما اشتهر ورش بقراءة القرآن، اشتهر أيضا بالثقة والأمانة، وكان حجة في القراءة.
توفي «ورش» بمصر سنة سبع وتسعين ومائة من الهجرة. بعد حياة حافلة بتعليم القرآن الكريم وتجويده. رحم الله «ورشا» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء. والله أعلم.
стр. 603
رقم الترجمة/ ٢٧٦ «الوليد بن عتبة» ت ٢٤٠ ه ـ (١)
هو: الوليد بن عتبة بن بنان أبو العباس الأشجعي الدمشقي.
ذكره «الذهبي ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة ضمن حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «الوليد بن عتبة» سنة ست وسبعين ومائة من الهجرة. وأخذ القراءة عن مشاهير علماء عصره: فقد عرض القرآن على «أيوب بن تميم» كما روى القراءة عن «الوليد بن مسلم وضمرة بن ربيعة» (٢).
وقد تلقى عنه القرآن عدد كثير منهم: «أحمد بن نصر بن شاكر» «ونعيم بن كثير، وعبد الله بن محمد بن هاشم الزعفراني». كما روى عنه الحروف «أحمد ابن يزيد الحلواني» و «الفضل بن الأنطاكي» وكما كان «الوليد بن عتبة» معلم للقرآن الكريم، فقد كان أيضا من رواة حديث النبي ﷺ ، وقد حدّث عنه عدد كثير منهم: «أبو داود» في سننه، ومحمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، وجعفر الفريابي، وعمر بن سعد، وآخرون (٣).
وقد اشتهر «الوليد بن عتبة» بالضبط والاتقان وصحة القراءة، وفي هذا
стр. 604
المعنى يقول «أبو زرعة الدمشقي»: كان القراء بدمشق الذين يحكمون القراءة الشامية العثمانية، ويضبطونها: هشام، وابن ذكوان، والوليد بن عتبة» (١).
وقال عنه الإمام البخاري: «الوليد بن عتبة» معروف الحديث (٢).
توفي «الوليد بن عتبة» سنة أربعين ومائتين من الهجرة. بعد حياة حافلة بتعليم القرآن وسنة النبي ﵊. ﵀ «الوليد بن عتبة» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 605
رقم الترجمة/ ٢٧٧ «وهب بن واضح» ت ١٩٠ ه ـ (١)
هو: وهب بن واضح أبو الإخريط، ويقال أبو القاسم المكي.
قال عنه «الذهبي»: انتهت إليه رئاسة الإقراء بمكة (٢).
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الخامسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
وقد تلقى «وهب بن واضح» القرآن على مشاهير علماء عصره منهم: «شبل ابن عبّاد، ومعروف بن مشكان، وإسماعيل بن عبد الله القسط» وآخرون (٣).
قال أبو عمرو الداني: أخذ «وهب بن واضح» القراءة عرضا عن «إسماعيل بن عبد الله القسط» ثم عرض على «شبل ومعروف».
وقد روى عن «وهب بن واضح» القرآن عدد كثير منهم: «أحمد بن محمد القوّاس، وأحمد ابن محمد البزّي.، أحد الرواة المشهورين عن ابن كثير (٤)، ولا زال المسلمون يتلقون قراءة «البزّي» حتى الآن، وقد تلقيتها وقرأت بها والحمد لله رب العالمين.
توفي «وهب بن واضح» سنة تسعين ومائة من الهجرة، بعد حياة حافلة بتعليم القرآن الكريم، ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 606
رقم الترجمة/ ٢٧٨ «يحيى بن آدم» ت ٢٠٣ ه ـ (١)
هو: يحيى بن آدم بن سليمان بن خالد أبو زكريا الصّلحي مولى آل أبي معيط الكوفي، صاحب أبي بكر بن عياش.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الخامسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
روى «يحيى بن آدم» القراءة عن «أبي بكر بن عياش» سماعا، وقال:
سألت «أبا بكر بن عياش» عن هذه الحروف فحدثني بها كلها، وقرأتها عليه حرفا حرفا، وقيدتها على ما حدثني بها اهـ (٢).
وقال «ابن الجزري»: وروى «يحيى بن آدم» القراءة أيضا عن «الكسائي» وهو الإمام السابع من أئمة القراءات.
وقال «أبو عمرو الداني» وغيره، روى «يحيى بن آدم» حروف عاصم سماعا من غير تلاوة عن «أبي بكر بن عياش اهـ (٣).
стр. 607
وقال «أبو طاهر بن أبي هاشم»: حدثنا «علي بن أحمد العجلي» وغيره، قالوا: حدثنا «أبو هشام» قال: حدثنا «يحيى بن آدم» قال: سألت «أبا بكر بن عياش» عن حروف «عاصم» التي في هذه الكراسة أربعين سنة، قال: فحدثني بها كلها، وقرأها عليّ حرفا حرفا، فنقطتها، وقيدتها، وكتبت معانيها على معنى ما حدثني بها سواء، ثم قال: أقرأنيها «عاصم» كما حدثتك حرفا حرفا اهـ (١).
ولقد كان «يحيى بن آدم» مدرسة وحده، فقد أخذ عنه القراءات عدد كثير منهم: «الإمام أحمد بن حنبل، وأحمد بن عمر الوكيعي، وشعيب بن أيوب الصريفيني، وأبو حمدون الطيب بن إسماعيل، وخلف بن هشام البزّار، الإمام العاشر من أئمة القراءات» (٢).
كما تلقى «يحيى بن آدم» القراءات عن مشاهير العلماء، أخذ أيضا الحديث عن أفضل العلماء، منهم: «عيسى بن طهمان، ويونس بن أبي إسحاق، وفضيل ابن مرزوق، ومفضل بن مهلهل، وسفيان الثوري، ومسعر بن كدام، وآخرون» (٣).
وكما كان «يحيى بن آدم» معلما لكتاب الله تعالى، كان أيضا من رواة الحديث عن النبي ﵊، وقد روى عنه عدد كثير، وفي مقدمتهم:
الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى ابن معين، وأبو كريب، وعبد بن حميد، وهارون الحمّال، والحسن ابن علي ابن عفان، وخلق كثير (٤).
يقول «الذهبي»: أثبت الروايات عن «أبي بكر بن عياش» رواية
стр. 608
«يحيى ابن آدم» وما ذكر صاحب التيسير، غيرها اهـ (١).
وقد كان «يحيى بن آدم» من العلماء الثقات، فقد وثقه «ابن معين، والنسائي» وسئل عنه «أبو داود» فقال: ذاك واحد الناس اهـ (٢).
كما كان «يحيى بن آدم» ﵀ من خيرة علماء عصره، ولذلك ذكره الكثيرون من العلماء بالفضل وأثنوا عليه: يقول «علي بن المديني»: رحم الله «يحيى بن آدم» لقد كان عنده علم كثير اهـ (٣).
وقال «ابن الجزري»: سئل «الإمام أحمد بن حنبل» عن «يحيى بن آدم» فقال: «ما رأيت أحدا أعلم، ولا أجمع للعلم منه، وكان عاقلا حليما، وكان من أروى الناس عن «أبي بكر بن عياش» اهـ (٤).
ويقول «الذهبي»: قال «أبو أسامة»: ما رأيت «يحيى بن آدم» إلا ذكرت «الشعبي» يعني أنه كان جامعا للعلم، ثم يقول «أبو أسامة»: كان «عمر ابن الخطاب» ﵁ في زمانه رأس الناس، وكان بعده «ابن عباس» ﵄، ثم كان بعده «الشعبيّ» في زمانه، وكان بعد «الشعبي» «الثوري» في زمانه، وكان بعد الثوري «يحيى بن آدم» (٥).
توفي «يحيى بن آدم» بفم الصلح، وهي قرية من قرى «واسط» وذلك في شهر ربيع الاول سنة ثلاث ومائتين، وهو في عشر السبعين، وذلك بعد العمل المتواصل من أجل تعليم كتاب الله تعالى، وسنة النبي ﷺ . رحم الله «يحيى بن آدم» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 609
رقم الترجمة/ ٢٧٩ «يحيى الذّماريّ» ت ١٤٥ ه ـ (١).
شيخ القراءات بدمشق، وإمام الجامع الأموي، الثقة، الثبت.
هو: يحيى بن الحارث بن عمرو بن يحيى الذماري.
وذمار قرية من اليمن على بعد مرحلتين من «صنعاء». وقرية «ذمار» ينسب إليها نفر من أهل العلم، منهم: «أبو هشام عبد الملك بن عبد الرحمن» سمع «الثوري» وغيره.
ومنهم: «مروان أبو عبد الملك» القارئ، قرأ القرآن على: «زيد بن واقد، ويحيى بن الحارث» وحدث عنهما، وولّى قضاء دمشق (٢).
وقد أخذ «يحيى الذماري» القراءة عرضا عن «عبد الله بن عامر» الدمشقي، وهو الإمام الرابع بالنسبة للقراء أو الأئمة العشرة.
وقد خلف «يحيى الذماري» «ابن عامر» بعد وفاته.
كما قرأ «يحيى الذماري» على «نافع بن أبي نعيم» المدني، ونافع هو الإمام الأول بالنسبة للأئمة العشرة.
стр. 610
وقد ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الرابعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
وقد روى «يحيى الذّماري» عن مشاهير علماء عصره، منهم: «سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وأبو الأشعث الصنعاني».
وقد أخذ القراءة عن «يحيى الذماري» عدد كثير، منهم: «سعيد بن عبد العزيز، وثور بن يزيد، وهشام بن الغازي، ويحيى بن حمزة ومحمد بن شعيب بن سابور، وهبة بن الوليد وصدقة بن عبد الله، وغير هؤلاء كثير.
كما حدث عنه «الاوزاعي، وصدقة بن خالد».
وكان «ليحيى الذماري» اختيار في القراءة خالف فيه شيخه «ابن عامر».
وقال «الذهبي»: سئل «يحيى الذماري» عن آي القرآن فأشار بيده ستة آلاف، ومائتان، وعشرون آية.
وأقول: هذا هو عدد آي القرآن عند علماء الشام.
وهو ما يرويه «يحيى الذماري» وينسب هذا العدد إلى «عثمان بن عفان» ﵁.
أما بقية علماء عدد آي القرآن فبيانها كما يلي: فأهل الكوفة يعدون آي القرآن ستة آلاف ومائتين، وسبع عشرة آية، وهذا العدد هو ما يرويه «نافع المدني» عن شيخيه: «شيبة بن نصاح، وأبي جعفر يزيد بن القعقاع».
وأهل البصرة يعدون آي القرآن ستة آلاف ومائتين وأربع عشرة آية، وهذا العدد هو ما يرويه «ورش» عن «نافع» عن شيخيه.
стр. 611
وأهل مكة يعدّون آي القرآن ستة آلاف ومائتين، وعشرة آية، وهذا العدد هو ما يرويه «مجاهد بن جبر» عن «ابن عباس» عن «أبي بن كعب» ﵄.
وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي في منظومته: «ناظمة الزهر»:
ولما رأى الحفاظ أسلافهم عنوا ... بها دوّنوها عن أولي الفضل والبرّ
فعن نافع عن شيبة ويزيد أو ... المدني إذ كل كوف به يقري
وحمزة مع سفيان قد أسنداه عن ... عن عليّ عن أشياخ ثقات ذوي خبر
والآخر إسماعيل يرويه عنهما ... بنقل ابن جماز سليمان ذي النشر
وعدّ عطاء بن اليسار كعاصم ... هو الجحدري في كل ما عدّ للبصري
ويحيى الذماري للشامي وغيره ... ردوا لعدد المكّي أبيّ بلا نكر
بأن رسول الله عدّ عليهم ... له الآي توسيعا على الخلف في اليسر
وقد سئل «أبو حاتم» عن «يحيى الذماري» فقال: ثقة، وكان عالما بالقراءة في دهره بدمشق اهـ.
وقال «يحيى بن معين»: «يحيى الذماري» ثقة.
стр. 612
وقال «أبو أيوب» كان «يحيى الذماري» يقف خلف الأئمة يردّ عليهم إذا أخطئوا.
توفي «يحيى الذماري» سنة خمس وأربعين ومائة، وله تسعون سنة بعد حياة حافلة بتعليم القرآن، ورواياته. رحم الله «يحيى الذماري» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 613
رقم الترجمة/ ٢٨٠ «يحيى العليمي» ٢٤٣ ه ـ (١)
هو: يحيى بن محمد بن قيس، العليمي، الأنصاري الكوفي.
ولد «العليمي» سنة خمسين ومائة من الهجرة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
تلقى «العليمي» القراءة عن مشاهير علماء عصره، في مقدمتهم: «حمّاد ابن أبي زياد» عن «عاصم» كما أخذ القراءة عرضا عن «أبي بكر بن عياش» عن «عاصم» أيضا، ولا زالت قراءة «أبي بكر» يتلقاها المسلمون بالرضا والقبول حتى الآن، وقد تلقيتها وقرأت بها والحمد لله رب العالمين.
يقول «ابن الجزري»: والصحيح أن «العليمي» قرأ على كل من «أبي بكر بن عياش، وحمّاد بن أبي زياد» سنة سبعين ومائة من الهجرة، وهو ابن عشرين سنة، ثم يقول: وقال «الأستاذ أبو إسحاق» الطبري في كتابه «الاستبصار»: قرأت على «ابن خليع» القلانسي، قال: قرأت على «يوسف ابن يعقوب» الواسطي، وقال: قرأت على «العليمي» وقال: قرأت على «حماد ابن أبي زياد» سنة سبعين ومائة اهـ (٢).
وقد قرأ على «العليمي» «يوسف بن يعقوب الأصم» وكانت قراءته على
стр. 614
«العليمي» سنة أربعين ومائتين، وللعليمي تسعون سنة (١).
توفي «العليمي» سنة ثلاث وأربعين ومائتين عن ثلاث وتسعين سنة. ﵀ «العليمي» رحمة واسعة إنه سميع مجيب.
стр. 615
رقم الترجمة/ ٢٨١ «يحيى بن وثاب» ت ١٠٣ ه ـ (١)
أحد كبار التابعين، شيخ القراء، وأحد الأئمة الأعلام.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثالثة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
قال «أبو نعيم» اسم أبيه «وثاب»: «يزدويه بن ماهويه» سباه «مجاشع بن مسعود» السّلمي من «قاشان» إذ افتتحها.
وكان «وثاب» من أبناء أشرافها، ثم وقع في سهم «ابن عباس» ﵄. فسماه «وثّابا» وتزوج فولد له «يحيى» ثم استأذن «ابن عباس» في الرجوع إلى «قاشان» فأذن له، فدخل هو وابنه «يحيى» الكوفة، فقال «يحيى»: يا أبت إني آثرت العلم على المال، فأذن له في المقام، فأقبل على «القرآن» وتلا على أصحاب «عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود» حتى صار أقرأ أهل زمانه، فأورث وثاب عقبه، فحازوا رئاسة الدارين، لأن «يحيى» فاق نظراءه في القرآن، والآثار.
وفاق خالد بن وثاب وولداه، أزهر، ومخلد في رئاسة الدنيا والولايات
стр. 616
واتصلت رئاسة عقبه إلى أيامنا بأصبهان، ولهم الصيت والذكر والثروة والثناية (١).
وقال «أبو عمرو الداني»: أخذ «يحيى بن وثاب» القراءة عرضا عن «علقمة بن قيس» ومسروق، والأسود، والشيباني، والسلمي» اهـ.
وقال «الذهبي»: الثبت أنه قرأ القرآن كله على «عبيد بن نضلة، صاحب علقمة» اهـ (٢).
وروى «أبو بكر بن عياش» عن «عاصم» قال: تعلم «يحيى بن وثاب» من «عبيد بن أبي نضلة» آية آية، وكان والله قارئا (٣).
وقال «يحيى بن آدم»: سمعت «الحسن بن صالح» يقول: قرأ «يحيى ابن وثاب» على «علقمة بن قيس» وقرأ «علقمة» على «ابن مسعود» ﵁. فأيّ قراءة أفضل من هذه (٤).
وقال «ابن خاقان»: وكان من قراء أهل الكوفة «يحيى بن وثاب، وعاصم، والأعمش، وكان هؤلاء من بني أسد موالي، وكان أقدم الثلاثة وأعلاهم «يحيى بن وثاب» اهـ (٥).
وقال «الذهبي»: حدث «يحيى بن وثاب» عن «ابن عباس، وابن عمر»، وروى مرسلا عن «عائشة، وأبي هريرة، وابن مسعود»، وروى أيضا
стр. 617
عن «ابن الزبير، ومسروق، وعلقمة، والأسود بن يزيد، وعبيدة السّلمي وأبي عمرو الشيباني» اهـ (١).
قال «الذهبي»: وقرأ على «يحيى بن وثاب» «الأعمش، وطلحة بن مصرف، وأبو حصين، وحمدان بن أعين، وغيرهم» وحدث عنه «عاصم، وأبو العميس عتبة المسعودي، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشيباني، وقتادة، والأعمش وغيرهم» اهـ (٢).
وروى «يحيى بن عيسى الرملي» عن «الأعمش» قال: كان «يحيى بن وثاب» من أحسن الناس صوتا بالقراءة، ربما اشتهيت أن أقبّل رأسه من حسن قراءته، وكان إذا قرأ لا تسمع في المسجد حركة، كأن ليس في المسجد أحد (٣).
توفي «يحيى بن وثاب» سنة ثلاث ومائة من الهجرة، بعد حياة حافلة في تعليم القرآن وسنة الرسول ﵊. رحم الله «يحيى بن وثاب» وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 618
رقم الترجمة/ ٢٨٢ «يحيى اليزيديّ» ت ٢٠٢ ه ـ (١)
هو: يحيى بن المبارك بن المغيرة أبو محمد العدوي البصري المعروف باليزيدي لصحبته يزيد بن منصور الحميري خال «المهدي» وكان يؤدب ولده.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الخامسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
وقد أخذ «اليزيدي» القراءة عرضا عن «أبي عمرو بن العلاء» الإمام الثالث من أئمة القراءات، وقد خلف «اليزيدي» «أبا عمرو» البصري في القراءة بالبصرة. كما أخذ «اليزيدي» القراءة أيضا عن «حمزة ابن حبيب الزيات» الإمام السابع من أئمة القراءات.
يقول «الذهبي»: وقد اتصل «اليزيدي» بالرشيد، وأدّب «المأمون» وكان ثقة، علامة، فصيحا، مفوّها، بارعا في اللغة والأدب، أخذ اللغة عن «الخليل ابن أحمد الفراهيدي» وغيره، حتى قيل: إنه أملى عشرة آلاف ورقة عن «أبي عمرو» خاصة اهـ (٢).
وقد أنجب «اليزيدي» عدة أولاد كلهم علماء فضلاء، وهم: محمد، وعبد الله، وإبراهيم، وإسحاق، وإسماعيل، وكلهم تلقوا عنه العلم، والقرآن الكريم.
стр. 619
ويقول «ابن الجزري»: ولليزيدي اختيار في القراءة خالف فيه «أبا عمرو ابن العلاء» في حروف يسيرة، قرأت به من كتاب «المنهج، والمستنير» وغيرهما وهي عشرة أشياء (١).
يقول يحيى اليزيدي عن نفسه: كان أبي يعني «المبارك» صديقا «لأبي عمرو بن العلاء» فخرج أبي إلى مكة، فذهب «أبو عمرو» يشيّعه، وكنت مع «أبي» فأوصى «أبي» «أبا عمرو» بي، ثم مضى، فلم يرني «أبو عمرو» حتى قدم «أبي» فذهب «أبو عمرو» يستقبله، ووافقني عند «أبي» فقال: يا أبا عمرو كيف رضاك عن «يحيى»؟ فقال: ما رأيته منذ
فارقتك إلى هذا الوقت، فحلف أبي أن لا أدخل البيت حتى أقرأ على «أبي عمرو» القرآن كله قائما، فلم أجلس حتى ختمت «القرآن» على «أبي عمرو» (٢).
وقد تلقى «القرآن» على «اليزيدي» عدد كثير منهم: «أبو عمر الدوري، وأبو شعيب السوسي» وقراءة «الدوري، والسوسي» لا زال المسلمون يتلقونها بالرضا والقبول حتى الآن، وقد تلقيتها وقرأت بها والحمد لله رب العالمين.
كما أخذ القراءة عن «اليزيدي»: أبو حمدون الطيب بن إسماعيل، وعامر ابن عمر الموصلي، ومحمد بن سعدان، وأحمد بن جبير، ومحمد بن شجاع، وأبو أيوب سليمان بن الحكم الخياط، وآخرون.
وقد ألف «اليزيدي» عدّة مصنفات منها: كتاب نوادر اللغة، وكتاب المقصور وكتاب الشّكل، وكتاب في النحو.
توفي «اليزيدي» سنة اثنتين ومائتين من الهجرة، بعد حياة حافلة بتعليم القرآن الكريم، ولغة العرب. رحم الله اليزيدي رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 620
رقم الترجمة/ ٢٨٣ «يحيى بن يعمر البصري» ت قبل سنة ٩٠ ه ـ (١)
أحد أئمة التابعين، الإمام الكبير، قاضي مرو، وشيخ القراء والنحاة، وأحد أوعية العلم. أخذ القراءة عرضا عن «ابن عمر، وابن عباس» ﵄.
و «أبي الأسود الدؤلي» (٢).
وقرأ عليه عدد كبير منهم: «عبد الله بن أبي إسحاق، وأبو عمرو بن العلاء» البصري أحد القراء السبعة المشهورين، ولا زالت قراءة «أبي عمرو» يتلقاها المسلمون بالرضا والقبول، وقد تلقيتها وقرأت بها والحمد لله رب العالمين.
قال «البخاري» في تاريخه: حدثنا «حميد بن الوليد» عن «هارون بن موسى» قال: أول من نقط المصاحف «يحيى بن يعمر» اهـ (٣).
قال «الذهبي»: حدث «يحيى بن يعمر» عن «أبي ذر الغفاري، وعمّار ابن ياسر» مرسلا، وعن «عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر» وعن غيرهم (٤).
стр. 621
وحدث عن «يحيى بن يعمر» الكثيرون، منهم: «قتادة، وعطاء الخراساني، وسليمان التيمي، ويحيى بن عقيل»، وغيرهم (١).
توفي «يحيى بن يعمر» قبل التسعين من الهجرة، بعد حياة حافلة بتعليم القرآن الكريم. رحم الله «يحيى بن يعمر» رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 622
رقم الترجمة/ ٢٨٤ «يزيد بن رومان المدني» ت ١٢٠ ه ـ (١)
شيخ قراء المدينة المنورة، والإمام الكبير، المحدث، الثقة.
مولى آل «الزبير بن العوام».
قرأ «يزيد بن رومان» على «عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة».
وقرأ «عبد الله بن عياش» على «أبيّ بن كعب» وقرأ «أبيّ بن كعب» على النبي ﷺ .
من هذا يتبين أن قراءة «يزيد بن رومان» صحيحة ومتصلة السند بالنبي ﵊.
وروى القراءة عن «يزيد بن رومان» عدد كثير في مقدمتهم: «نافع بن أبي نعيم» أحد القراءة السبعة المشهورين، وإمام المدينة في الاقراء وشيخها.
«وأبو عمرو بن العلاء» إمام البصرة وشيخها، ولا زالت قراءة كل من «نافع، وأبي عمرو» يتلقاها المسلمون بالرضا والقبول، وقد تلقيتها وقرأت بها والحمد لله رب
العالمين.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثالثة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
стр. 623
قال «الذهبي»: قرأ «يزيد بن رومان» على «عبد الله بن عياش» وسمع من «عروة بن الزبير» وهو ثقة، ثبت، حديثه في الكتب الستة، وهو أحد شيوخ «نافع» في القراءة، وثقه ابن معين وغيره. وكان فقيها قارئا محدثا» اهـ (١).
وقد حدث عنه «أبو حازم الأعرج، ومحمد بن إسحاق، وجرير بن حازم، ومالك بن أنس، وجماعة» اهـ (٢).
وقد اختلف المؤرخون في تاريخ وفاة «يزيد بن رومان» فقيل توفي سنة عشرين ومائة، وقيل سنة تسع وعشرين، وقيل سنة ثلاثين ومائة، بعد حياة حافلة في تجويد القرآن وتعليمه، ورواية سنة الهادي البشير ﷺ .
رحم الله «يزيد بن رومان» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 624
رقم الترجمة/ ٢٨٥ «يعقوب الحضرمي» ت ٢٠٥ ه ـ (١)
هو: «أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي».
الامام الكبير، عالم القراءات، والنحو، والفقه، والحديث، الحجة، الثقة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الخامسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
قال «ابن الجزري»: وكان «يعقوب الحضرمي» إماما كبيرا، ثقة، عالما، صالحا، دينا، انتهت إليه رئاسة القراءة بعد «أبي عمرو بن العلاء البصري» وكان إمام جامع «البصرة» سنين (٢).
وقال «طاهر بن غلبون»: كان «يعقوب الحضرمي» إمام أهل البصرة بالجامع، لا يقرأ إلا بقراءته اهـ (٣).
ولقد تتلمذ «يعقوب الحضرمي» على مشاهير علماء عصره وأخذ عنهم القراءات القرآنية، ولنستمع إليه وهو يقول عن نفسه: «قرأت على «سلام»
стр. 625
في سنة ونصف، وقرأت على «شهاب بن شرنفة المجاشعيّ» في خمسة أيام، وقرأت على «شهاب بن مسلمة بن محارب المحاربي» في تسعة أيام، وقرأ «مسلمة» على «أبي الأسود الدؤلي» على «الإمام علي بن أبي طالب» ﵁ اهـ (١).
وأقول: لقد تتبعت شيوخ «يعقوب الحضرمي» فوجدته قرأ على كل من:
١ - أبي المنذر سلام بن سليمان المزني ت ١٧١ هـ ٢ - شهاب بن شرنفة المجاشعيّ ت ١٦٢ هـ ٣ - أبي يحيى مهدي بن ميمون ت ١٧١ هـ ٤ - أبي الأشهب جعفر بن حبان ت ١٦٥ هـ.
وقرأ «أبو المنذر سلام بن سليمان المزني» على كل من:
١ - «عاصم» الكوفي، وهو الإمام الخامس.
٢ - «وأبي عمرو بن العلاء» وهو الإمام الثاني.
وقرأ «شهاب بن شرنفة» شيخ يعقوب على كل من:
١ - أبي عبد الله هارون بن موسى العتكي الأعور ت ١٩٨ هـ ٢ - المعلى بن عيسى وقرأ «أبو يحيى مهدي بن ميمون» شيخ يعقوب على كل من:
١ - شعيب بن الحبحاب البصري ت ١٣٠ هـ ٢ - أبي العالية الرياحي.
وقرأ «أبو الأشهب» شيخ يعقوب على:
стр. 626
«أبي رجاء عمران بن ملحان العطاردي» ت ١٠٥ هـ.
وقرأ «أبو رجاء العطاردي» على «أبي موسى الأشعري» وقرأ «أبو موسى الأشعري» على رسول الله ﷺ (١).
من هذا يتبين أن قراءة «يعقوب الحضرمي» صحيحة، ومتواترة، ومتصلة السند بالنبي ﷺ .
ولا زال المسلمون يتلقونها بالرضا والقبول حتى الآن.
وقد تلقيتها وقرأت بها والحمد لله رب العالمين.
كما تتلمذ على «يعقوب الحضرمي» عدد كثير، لأنه كان مدرسة وحده، منهم: «زيد ابن أخيه أحمد، وكعب بن إبراهيم، وعمر السراج، وحميد بن الوزير، والمنهال بن شاذان، ورويس: عبد الله محمد بن المتوكل، وروح: أبو الحسن بن عبد المؤمن».
ولقد بلغ «يعقوب الحضرمي» المكانة السامية، والمنزلة الرفيعة، في تعليم القرآن، ورواياته، وقراءاته، مما استوجب ثناء العلماء عليه:
يقول «أبو القاسم الهذلي»: لم ير في زمن «يعقوب» مثله، كان عالما بالعربية ووجوهها، والقرآن واختلافه، فاضلا، تقيّا، نقيّا، ورعا، زاهدا، بلغ من زهده أنه سرق رداؤه عن كتفه في الصلاة، ولم يشعر، وردّ إليه ولم يشعر، لشغله بالصلاة اهـ (٢).
هو: أعلم من رأيت بالحروف، والاختلاف في القرآن، وعلله، ومذاهب النحو، وأروى الناس لحروف القرآن، ولحديث الفقهاء (٣).
стр. 627
وقال «ابن أبي حاتم» سئل «أحمد بن حنبل» عن «يعقوب الحضرمي» فقال: صدوق، وسئل عنه: «أبي» فقال: صدوق اهـ (١).
وقال «أبو الحسن بن المنادي» في أول كتابه «الايجاز والاقتصار في القراءات الثمان»: كان يعقوب الحضرمي أقرأ أهل زمانه وكان لا يلحن في كلامه، وكان السجستاني من أحد غلمانه اهـ (٢).
وقال «السعيدي»: كان «يعقوب الحضرمي» من أعلم أهل زمانه بالقرآن، والنحو، وغيره، وأبوه، وجدّه.
وقال «الأهوازي»: أنشدني فيه «أبو عبد الله محمد بن أحمد»:
أبوه من القراء كان وجدّه ... ويعقوب في القراء كالكوكب الدري
تفرّده محض الصواب ووجهه ... فمن مثله في وقته وإلى الحشر
وقال «مروان بن عبد الملك»: سمعت «أبا حاتم» يقول: «يعقوب بن إسحاق» من أهل بيت العلم بالقرآن، والعربية، وكلام العرب، والرواية الكثيرة، والحروف، والفقه، وكان أقرأ القراء، وكان أعلم من أدركنا، ورأينا بالحروف، والاختلاف في القرآن، وتعليله، ومذاهب أهل النحو، وأروى الناس لحروف القرآن، وحديث الفقهاء اهـ (٣).
وقال «ابن الجزري»: ومن أعجب العجب، بل من أكبر الخطإ جعل قراءة
стр. 628
«يعقوب» من الشواذ، الذي لا تجوز القراءة به، ولا الصلاة، وهذا شيء لا نعرفه قبل إلّا في هذا الزمان ممن لا يقول على قوله، ولا يلتفت إلى اختياره، فليعلم أنه لا فرق بين قراءة «يعقوب» وقراءة غيره من السبعة عند أئمة الدين المحققين، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه اهـ (١).
توفي «يعقوب الحضرمي» في ذي الحجة سنة ٢٠٥ هـ خمس ومائتين من الهجرة بعد حياة حافلة بتعليم القرآن وقراءاته. رحم الله «يعقوب الحضرمي» رحمة واسعة وجزاه
الله أفضل الجزاء.
стр. 629
رقم الترجمة/ ٢٨٦ «أبو يعقوب الأزرق» ت في حدود ٢٤٠ ه ـ (١)
هو: يوسف بن عمرو بن يسار أبو يعقوب الازرق المدني ثم المصري.
الإمام الحجة الضابط المحقق الثقة:
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «يعقوب الازرق» القراءة على مشاهير علماء عصره: فقد أخذ القراءة عرضا وسماعا عن «ورش» وهو الذي خلفه في القراءة والاقراء بمصر. كما عرض القرآن على «سقلاب»، وغيره (٢).
قال «أبو الفضل الخزاعي»: «أدركت أهل مصر، والمغرب على رواية «أبي يعقوب الازرق» عن «ورش» لا يعرفون غيرها (٣).
وقال «الذهبي»: «لزم «الازرق» «ورشا» مدة طويلة، وأتقن عنه الأداء وجلس للإقراء، وانفرد عن «ورش» بتغليظ اللامات، وترقيق الراءات (٤).
وأقول: الترقيق من الرقة، وهو ضد السمن، فهو عبارة عن انحاف ذات الحرف ونحوله.
стр. 630
والتفخيم من الفخامة وهي العظمة، والكثرة، فهو عبارة عن ربوّ الحرف وتسمينه فهو والتغليظ واحد، إلا أن المستعمل في الراء ضدّ الترقيق التفخيم.
والمستعمل في اللام التغليظ ضدّ الترقيق.
يقول «ابن الجزري» في ترقيق الراءات وتفخيمها: القراءات في مذاهب القراء عند أئمة المصريين والمغاربة، وهم الذين روينا رواية «ورش» من طريق «الازرق» من طرقهم على أربعة أقسام: قسم اتفقوا على تفخيمه، وقسم اتفقوا على ترقيقه، وقسم اختلفوا فيه عن كل القراء وقسم اختلفوا فيه عن بعض القراء.
وتفصيل الكلام عن هذه الأقسام الاربعة يرجع إليه في الكتب المعنية بذلك مثل كتاب «النشر في القراءات العشر» لابن الجزري (١).
ويقول «ابن الجزري» بالنسبة لتغليظ اللام: «قد اختص المصريون بمذهب عن «ورش» في اللام لم يشاركهم فيها سواهم، ورووا من طريق الأزرق، وغيره عن «ورش» تغليظ اللام إذا جاورها حرف تفخيم، واتفق الجمهور منهم على تغليظ اللام إذا تقدمها: «صاد، أو طاء، أو ظاء» بشروط ثلاثة وهي أن تكون اللام مفتوحة، وأن يكون أحد هذه الثلاثة مفتوحا، أو ساكنا، واختلفوا في غير ذلك» اهـ (٢).
وأقول: قراءة «الازرق» عن «ورش» مشهورة، ومتواترة، ولا زال المسلمون يتلقونها بالرضا والقبول حتى الآن، وقد تلقيتها وقرأت بها والحمد لله رب العالمين.
قال «أبو بكر بن سيف»: سمعت «أبا يعقوب الازرق» يقول: «إن
стр. 631
ورشا لما تعمق في النحو، اتخذ لنفسه مقرأ يسمّى مقرأ ورش، فلما جئت لأقرأ عليه قلت له: يا أبا سعيد إني أحب أن تقرئني مقرأ «نافع» خالصا، وتدعني مما استحسنت لنفسك، قال: فقلدته مقرأ «نافع» وكنت نازلا مع «ورش» في الدار، فقرأت عليه عشرين ختمة، بين حدر وتحقيق، فأما التحقيق فكنت أقرأ عليه في الدار التي كنا نسكنها في مسجد «عبد الله». وأما الحدر، فكنت أقرأ عليه إذا رابطت معه بالاسكندرية اهـ (١).
وقد كان «الازرق» رحمه الله تعالى مدرسة وحده، وقد تلقى عليه القرآن عدد كثير منهم: «إسماعيل بن عبد الله النحاس، ومحمد بن سعيد الأنماطي، وأبو بكر عبد الله بن مالك، وموّاس بن سهل» وآخرون (٢).
توفي «الازرق» في حدود الاربعين ومائتين من الهجرة بعد حياة حافلة بتعليم «القرآن الكريم». رحم الله «الازرق» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 632
رقم الترجمة/ ٢٨٧ «يوسف الأصم» ت ٣١٣ ه ـ (١)
هو: يوسف بن يعقوب بن الحسين بن يعقوب بن خالد بن مهران، أبو بكر الواسطي، المعروف بالأصم.
ولد «يوسف الأصم» سنة ثمان عشرة ومائتين في شعبان.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السابعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «يوسف الأصم» القراءة عن مشاهير علماء عصره منهم: «يحيى بن محمد العليمي، وابن أبي أيوب الصيرفيني، وأبو ربيعة عن «قنبل» فيما ذكره «الهذلي» وآخرون (٢).
كان «ليوسف الأصم» المكانة السامية بين العلماء.
وفي هذا يقول «ابن الجزري»: كان «يوسف الأصم» إماما جليلا ثقة مقرئا، كبير القدر وكان إمام جامع واسط وأعلى الناس إسنادا في قراءة «عاصم» اهـ (٣).
وقال «ابن خليع»: كان شيخنا «يوسف الأصم» حسن الأخذ قرأت عليه، وله نيّف وتسعون سنة اهـ (٤).
стр. 633
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري: «سمعت أبا بكر النقاش، يقول: ما رأيت عيناي مثل يوسف الأصم وذكر له مناقب كثيرة».
وقد تصدر «يوسف الأصم» للاقراء فتتلمذ عليه الكثيرون منهم: «أبو بكر النقاش، وعلي بن جعفر بن خليع، وعثمان بن سمعان، وأبو بكر بن يحيى العطّار، والحسن بن سعيد المطوعي، وإبراهيم بن عبد الرحمن البغدادي، ويوسف ابن محمد بن أحمد الضرير، وعبد العزيز بن عصام» وآخرون (١).
وقد روى «يوسف الأصم» الحديث عن خيرة العلماء، وفي هذا يقول «الخطيب البغدادي» قدم «يوسف الأصم» بغداد وحدث بها عن «محمد بن خالد بن عبد الله المرني» وروى عنه «أبو عمرو بن السمّاك» وقال: حدثنا ببغداد سنة ثلاث وتسعين ومائتين اهـ (٢).
وقال «أبو بكر النقاش»: كان «يوسف بن يعقوب» أصمّ إلا عن كتاب الله تعالى ومقعدا إلا عن فرائض الله، قال «الطبري»: لو لم يحك هذه الحكاية «النقاش» لما تحدثت بها اهـ (٣).
توفي «يوسف الأصم» في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 634
رقم الترجمة/ ٢٨٨ «يونس بن عبد الأعلى» ت ٢٦٤ ه ـ (١)
هو: يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة، أبو موسى الصدفيّ المصريّ.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «يونس بن عبد الأعلى» في ذي الحجة سنة سبعين ومائة من الهجرة.
وقد أخذ «يونس بن عبد الأعلى» القراءة على مشاهير علماء عصره، منهم:
«ورش، ومعلي بن دحية» وروى القراءة عنه: «موّاس بن سهل، وأحمد بن محمد الواسطي، وأبو عبد الله محمد بن الربيع شيخ المطوعي، وأسامة بن أحمد، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن جرير الطبري، وعبد الله بن الهيثم، وغيرهم كثير (٢).
كما أخذ «يونس بن عبد الأعلى» الحديث عن مشاهير العلماء، منهم:
«سفيان بن عيينة، وابن وهب، والوليد بن مسلم، وأبي ضمرة، ومعن بن عيسى، والشافعي» وآخرون (٣).
стр. 635
قال «الذهبي»: وقد حدث عن «يونس بن عبد الأعلى»: الإمام مسلم، والنسائي، في كتابيهما، وأبو بكر بن زياد النيسابوري، وأبو عوانة الأسفراييني، وأبو طاهر أحمد بن محمد المديني، وبشر كثير من المشارقة والمغاربة، وانتهت إليه رئاسة العلم، وعلوّ الاسناد في الكتاب والسنة، وكان كبير الشهود بمصر اهـ (١).
وقال «ابن أبي حاتم»: سمعت أبي يوثق «يونس بن عبد الأعلى» ويرفع من شأنه اهـ (٢).
توفي «يونس» في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين من الهجرة، وله أربع وتسعون سنة. رحم الله «يونس» رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.