ورشا لما تعمق في النحو، اتخذ لنفسه مقرأ يسمّى مقرأ ورش، فلما جئت لأقرأ عليه قلت له: يا أبا سعيد إني أحب أن تقرئني مقرأ «نافع» خالصا، وتدعني مما استحسنت لنفسك، قال: فقلدته مقرأ «نافع» وكنت نازلا مع «ورش» في الدار، فقرأت عليه عشرين ختمة، بين حدر وتحقيق، فأما التحقيق فكنت أقرأ عليه في الدار التي كنا نسكنها في مسجد «عبد الله». وأما الحدر، فكنت أقرأ عليه إذا رابطت معه بالاسكندرية اهـ (١).
وقد كان «الازرق» رحمه الله تعالى مدرسة وحده، وقد تلقى عليه القرآن عدد كثير منهم: «إسماعيل بن عبد الله النحاس، ومحمد بن سعيد الأنماطي، وأبو بكر عبد الله بن مالك، وموّاس بن سهل» وآخرون (٢).
توفي «الازرق» في حدود الاربعين ومائتين من الهجرة بعد حياة حافلة بتعليم «القرآن الكريم». رحم الله «الازرق» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 632
رقم الترجمة/ ٢٨٧ «يوسف الأصم» ت ٣١٣ ه ـ (١)
هو: يوسف بن يعقوب بن الحسين بن يعقوب بن خالد بن مهران، أبو بكر الواسطي، المعروف بالأصم.
ولد «يوسف الأصم» سنة ثمان عشرة ومائتين في شعبان.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السابعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «يوسف الأصم» القراءة عن مشاهير علماء عصره منهم: «يحيى بن محمد العليمي، وابن أبي أيوب الصيرفيني، وأبو ربيعة عن «قنبل» فيما ذكره «الهذلي» وآخرون (٢).
كان «ليوسف الأصم» المكانة السامية بين العلماء.
وفي هذا يقول «ابن الجزري»: كان «يوسف الأصم» إماما جليلا ثقة مقرئا، كبير القدر وكان إمام جامع واسط وأعلى الناس إسنادا في قراءة «عاصم» اهـ (٣).
وقال «ابن خليع»: كان شيخنا «يوسف الأصم» حسن الأخذ قرأت عليه، وله نيّف وتسعون سنة اهـ (٤).
стр. 633
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري: «سمعت أبا بكر النقاش، يقول: ما رأيت عيناي مثل يوسف الأصم وذكر له مناقب كثيرة».
وقد تصدر «يوسف الأصم» للاقراء فتتلمذ عليه الكثيرون منهم: «أبو بكر النقاش، وعلي بن جعفر بن خليع، وعثمان بن سمعان، وأبو بكر بن يحيى العطّار، والحسن بن سعيد المطوعي، وإبراهيم بن عبد الرحمن البغدادي، ويوسف ابن محمد بن أحمد الضرير، وعبد العزيز بن عصام» وآخرون (١).
وقد روى «يوسف الأصم» الحديث عن خيرة العلماء، وفي هذا يقول «الخطيب البغدادي» قدم «يوسف الأصم» بغداد وحدث بها عن «محمد بن خالد بن عبد الله المرني» وروى عنه «أبو عمرو بن السمّاك» وقال: حدثنا ببغداد سنة ثلاث وتسعين ومائتين اهـ (٢).
وقال «أبو بكر النقاش»: كان «يوسف بن يعقوب» أصمّ إلا عن كتاب الله تعالى ومقعدا إلا عن فرائض الله، قال «الطبري»: لو لم يحك هذه الحكاية «النقاش» لما تحدثت بها اهـ (٣).
توفي «يوسف الأصم» في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 634
رقم الترجمة/ ٢٨٨ «يونس بن عبد الأعلى» ت ٢٦٤ ه ـ (١)
هو: يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة، أبو موسى الصدفيّ المصريّ.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة السادسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «يونس بن عبد الأعلى» في ذي الحجة سنة سبعين ومائة من الهجرة.
وقد أخذ «يونس بن عبد الأعلى» القراءة على مشاهير علماء عصره، منهم:
«ورش، ومعلي بن دحية» وروى القراءة عنه: «موّاس بن سهل، وأحمد بن محمد الواسطي، وأبو عبد الله محمد بن الربيع شيخ المطوعي، وأسامة بن أحمد، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن جرير الطبري، وعبد الله بن الهيثم، وغيرهم كثير (٢).
كما أخذ «يونس بن عبد الأعلى» الحديث عن مشاهير العلماء، منهم:
«سفيان بن عيينة، وابن وهب، والوليد بن مسلم، وأبي ضمرة، ومعن بن عيسى، والشافعي» وآخرون (٣).
стр. 635
قال «الذهبي»: وقد حدث عن «يونس بن عبد الأعلى»: الإمام مسلم، والنسائي، في كتابيهما، وأبو بكر بن زياد النيسابوري، وأبو عوانة الأسفراييني، وأبو طاهر أحمد بن محمد المديني، وبشر كثير من المشارقة والمغاربة، وانتهت إليه رئاسة العلم، وعلوّ الاسناد في الكتاب والسنة، وكان كبير الشهود بمصر اهـ (١).
وقال «ابن أبي حاتم»: سمعت أبي يوثق «يونس بن عبد الأعلى» ويرفع من شأنه اهـ (٢).
توفي «يونس» في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين من الهجرة، وله أربع وتسعون سنة. رحم الله «يونس» رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 636
رقم الترجمة/ ٢٨٩ «أبو يوسف الأعشى» ت في حدود ٢٠٠ ه ـ (١)
قارئ الكوفة، الحجة، الثقة.
هو: يعقوب بن محمد بن خليفة بن سعيد، أبو يوسف الأعشى التميمي الكوفي.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الخامسة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
تلقى «أبو يوسف» القرآن على مشاهير علماء عصره، وفي مقدمتهم «أبو بكر ابن عياش» وكان «أبو يوسف» أجلّ من قرأ على «ابن عياش».
وكان أبو يوسف من خيرة علماء عصره، يقول عنه «أبو بكر النقاش» كان «أبو يوسف» الأعشى صاحب قرآن، وفرائض، ولست أقدم عليه أحدا في القراءة على «أبي بكر» كما لا أقدّم أحدا على «يحيى بن آدم» عن «أبي بكر» اهـ (٢).
وقد تصدر «أبو يوسف» للإقراء بالكوفة فتتلمذ عليه الكثيرون منهم: «أبو جعفر محمد بن غالب الصيرفي، وأبو جعفر محمد بن حبيب»، كما أخذ عنه الحروف «أحمد بن جبير، وخلف بن هشام، وعمرو بن الصباح، ومحمد بن إبراهيم الخوّاص» (٣).
стр. 637
يقول «أبو العباس بن عقدة»: حدثنا «القاسم بن أحمد» حدثنا «أبو جعفر الشموني، عن «أبي يوسف الأعشى» قال: قال لي «أبو بكر»: يا أبا يوسف أنا أصلي خلف فلان، وهو يقرأ قراءة «حمزة بن حبيب الزيات» فقد شككني في بعض الحروف التي أقرؤها، فاعرض عليّ عرضة تكون لك، أتحفظها عنك، قال: فجلس له في أصحاب الشعير، فقرأ واجتمع الناس حوله يكتبون الحروف» اهـ (١).
ويقول «ابن الجزري»: لم أر أحدا أرخ وفاة «أبي يوسف» وعندي أنه توفي في حدود المائتين» اهـ (٢). رحم الله «أبا يوسف الأعشى» رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 638
رقم الترجمة/ ٢٩٠ «ابن يونس المطرّز» ت ٣٢٩ ه ـ (١)
هو: محمد بن يونس أبو بكر الحضرمي البغدادي المعروف بالمطرّز.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة الثامنة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
حفظ «ابن يونس» القرآن، وروى القراءة عرضا وسماعا عن خيرة علماء عصره وفي مقدمتهم: اسماعيل بن عبد ربه، ومحمد بن عبد الرحيم، وأحمد بن محمد بن صدقة، وجعفر بن محمد بن حرب، وعباس بن محمد الجوهري، وأحمد بن سعيد بن شاهين، وادريس بن عبد الكريم. وتصدر «ابن يونس» لتعليم القرآن الكريم، واشتهر بالدقة والضبط والاتقان فتتلمذ عليه الكثيرون.
وممن روى القراءة عنه: عبد الواحد بن أبي هاشم، وأحمد بن محمد بن المروذي، وآخرون (٢).
أخذ «ابن يونس» حديث الهادي البشير النذير ﷺ عن عدد من العلماء، منهم: أحمد بن عبيد الله الفرسي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وجعفر بن محمد بن كزال. ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وموسى بن اسحاق الأنصاري، ومحمد بن سهل بن الحسن العطار، وأحمد بن زيد بن هارون المكي، ومحمد بن أحمد بن الهيثم المصري.
كما تصدر «ابن يونس» لرواية حديث النبي ﷺ ، فأخذ عنه
стр. 639
الكثيرون. وممن روى عنه: «أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد النقاش، وأبو طاهر بن أبي هاشم، ومنصور بن محمد الحذاء، وأبو حفص بن شاهين، وأبو الحسين بن سمعون»، وآخرون (١).
ومن الأحاديث التي رويت عن «ابن يونس» الحديث التالي: قال الخطيب البغدادي: «أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرئ، أخبرنا أبو طاهر ابن أبي هاشم قال: حدثني محمد بن يونس المقرئ حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا ابن نمير، حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن حذيفة قال: «يا معشر القراء: اسلكوا الطريق ولئن سلكتموه لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا» اهـ (٢).
وقد جاءت السنة المطهرة حافلة بالأحاديث التي تبين فضل قراءة القرآن الكريم منها ما يلي: فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستتعب (٣) ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد (٤) أتلوه فإن الله يأجركم عن تلاوته كل حرف عشر حسنات. أما إني لا أقول: «الم» حرف، ولكن «ألف» حرف، ولام «حرف» وميم حرف (٥).
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال:
اقرءوا القرآن. فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة
стр. 640
وآل عمران، فانهما يأتيان يوم القيامة كانهما «غمايتان أو كأنهما غيابتان (١) أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما. اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تبين فضل قراءة القرآن (٢).
كان «ابن يونس» من الثقات، ومن حفاظ القرآن الاجلاء، وقد أثنى عليه الكثيرون من العلماء منهم:
الإمام الداني ت ٢٤٤ هـ حيث قال:
«كان «ابن يونس» إماما جليلا مقرئا متصدرا مشهورا اهـ (٣) وقال الخطيب البغدادي: «كان جليلا في القراءة ثقة» (٤) وقال «ابن الجزري»: كان «ابن يونس» مقرئا مشهورا حاذقا اهـ (٥).
توفي «ابن يونس» سنة تسع وعشرين وثلاثمائة من الهجرة بعد حياة حافلة بتعليم القرآن وسنة النبي ﵊. رحم الله «ابن يونس» رحمة واسعة إنه سميع
مجيب.
تمّ ولله الحمد والشكر
стр. 641
[الجزء الثانى]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، والصلاة والسلام على رسول الله الذي صحّ عنه في الحديث الذي رواه «عبد الله بن مسعود» ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله» فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول «الم» حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». (رواه الترمذي وقال:
حديث حسن صحيح غريب) وبعد:
فقد اهتم الصحابة رضوان الله عليهم بحفظ «القرآن الكريم» وقد أخذوه مشافهة عن رسول الله ﷺ . ثم جاء التابعون رحمهم الله تعالى فتلقوا «القرآن» وحروفه عن الصحابة. وجاء بعد التابعين: تابع التابعين فأخذوا عنهم «القرآن» ورواياته.
وهكذا ظلّ المسلمون يأخذون «القرآن» وقراءاته جيلا بعد جيل حتى وصل إلينا عن طريق التواتر، والسند الصحيح. وسيظل كذلك بإذن الله تعالى حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ولما ازدهرت حركة التأليف تصدّى الكثيرون من العلماء لجعل مصنفات
стр. 642
خاصّة ضمنوها التعريف بحفاظ «القرآن»، بما في ذلك بيان شيوخهم، وتلاميذهم. ومن العلماء الذين كانت لهم مصنفات خاصّة بطبقات القراء:
«الحسن بن أحمد الهمذاني» له كتاب: «معرفة القراء وأخبارهم (١).
«الخليفة بن الخياط» ت ٢٤٠ هـ، له كتاب «طبقات القراء وأخبارهم (٢).
«أبو معشر الطبري» ت ٤٧٨ هـ له كتاب «طبقات القراء» (٣).
«أبو بكر النقّاش» ت ٣٥١ هـ له كتاب «المعجم الكبير في أسماء القراء وقراءاتهم» (٤) «ابن مهران أحمد بن الحسن» ت ٣٨١ هـ، له كتاب «طبقات القراء» (٥).
«أحمد الفضل الباطرقاني» ت ٤٦٠ هـ، له كتاب «طبقات القراء» (٦) «محمد بن سهل العطار» ت ٥٦٩ هـ، له كتاب «معرفة القراء» (٧) «الحسن بن أحمد الهمذاني» ت ٥٦٩ هـ، له كتاب «الانتصار في معرفة قراء المدن والأمصار» (٨) «ابن الملقّن عمر بن علي» ت ٨٠٤ هـ، له كتاب «طبقات القراء» (٩)
стр. 643
«السخاوي محمد بن عبد الرحمن» ت ١٢١٤ هـ، له كتاب «تلخيص طبقات القراء (١).
«محمد بن عبد السلام الفاسي» ت ١٢١٤ هـ، له كتاب «طبقات المقرئين» (٢).
ومن نعم الله عليّ التي لا تحصى أن جعلني من حفظة كتابه، ومن قراء رواياته. وقد وفقني الله تعالى ووضعت «الجزء الأول» في تراجم القراء تحت عنوان: «معجم حفاظ القرآن عبر التاريخ».
ويسعدني أن أضيف إلى المكتبة القرآنية «الجزء الثاني» لتراجم القراء.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
المدينة المنورة الجمعة ٨ جمادى الثانية ١٤١٠ هـ الموافق ٥ يناير ١٩٩٠ م خادم العلم والقرآن الدكتور محمد بن محمد بن محمد بن سالم بن محيسن غفر الله له
стр. 644
رقم الترجمة/ ١ «إبراهيم بن أحمد» (١) ت ٨٧٠ هـ
هو: إبراهيم بن أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج المقدسي الدمشقي الشافعي. ولد في ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة سبع وسبعين وسبعمائة بصفد، ونشأ بها فحفظ القرآن تجويدا على «الشهاب حسن بن حسن الفرغني» إمام جامعها، وحفظ بعض «المنهاج» في فقه الشافعي.
ثم انتقل من «صفد» قريبا من سنّ البلوغ مع أبيه إلى «الشام» فأخذ الفقه عن الشرق «الغربي» وغيره، ثم لازم «النور الأنباري» حتى حمل عنه الكثير من الفقه، والعربية، واللغة، وانتفع به كثيرا في علوم الأدب وغيرها.
ثم رحل إلى «مصر» سنة أربع وثمانمائة تقريبا، فأخذ عن «السراج البلقيني» ولازمه مدة سنة كما أخذ عن «الكمال الدميري» بعض مصنفاته.
وبعد أن قضى بمصر بضع سنوات يأخذ عن علمائها، عاد إلى بلده «باعون» وهي قرية من قرى «حوران» بالقرب من «عجلون» فأقام بها على أحسن حال، وأجمل طريقة.
ثم باشر نيابة الحكم عن أبيه، والخطابة بجامع بني أمية، وتولى مشيخة الشيوخ، وكان حسن السيرة، محمود العاقبة في جميع الأعمال التي قام بها، ومما اشتهر عنه أنه كان يتمسك بالحق ولا يلتفت إلى وساطة الكبراء، وشفاعة الشفعاء.
وقد ترك للمكتبة الإسلامية والعربية بعض المؤلفات منها: «مختصر الصحاح للجوهري» وهو مختصر حسن لطيف. وله ديوان خطب، ورسائل،
стр. 645
وديوان شعر أتى فيه نحو مائة وخمسين مقطوعا، أودع كلا منها معنى غريبا غير الآخر، ومن شعره:
سل الله ربك ما عنده ... ولا تسأل الناس ما عندهم
ولا تبتغ من سواه الغنا ... وكن عبده لا تكن عبدهم
وله أيضا:
سئمت من الدنيا وصحبة أهلها ... وأصبحت مرتاحا إلى نقلتي منها
والله ما آسى عليها وإنني ... وإن رغبت في صحبتي راغب عنها
وله أيضا:
إذا استغنى الصديق وصا ... ر ذا وصل وذا قطع
ولم يبدا احتفالا بي ... ولم يحرص على نفعي
فأنأى عنه واستغني ... بجاه الصبر والقنع
وأحسب أنه ما مرّ ... في الدنيا على سمعي
ثم أصبح «إبراهيم بن أحمد» شيخ الأدب بالبلاد الشامية بغير مدافع، كذا وصفه كل من «السخاوي» في تاريخه، وابن حجر في معجمه. وقال «المقريزي»: إنه مهر في عدة فنون سيما الأدب فله النظم الجيّد.
وكان يحكى أن «الزينبي عبد الباسط» قال له إن مراسلاتك المسجعة إلينا تبلغ أربعة مجلدات. يفهم من هذا أنه كان بارعا في الكتابة، يقول «الشوكاني»: والحاصل أنه وقع الاتفاق من جميع من ترجم له على أنه لم يكن في عصره من يدانيه في النظم والنثر (١).
توفي «إبراهيم بن أحمد» يوم الخميس رابع عشر ربيع الأول سنة سبعين
стр. 646
وثمانمائة، وصلّى عليه بالجامع المظفري، ودفن بالروضة من سفح قاسيون.
﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 647
رقم الترجمة/ ٢ «إبراهيم بن ثابت» (١) ت ٤٣٢ هـ
هو: إبراهيم بن ثابت بن أخطل أبو إسحاق الأقليشي المقرئ نزيل مصر.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ، ضمن علماء الطبقة العاشرة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
تلقى «إبراهيم بن ثابت» القراءات القرآنية على خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: «طاهر بن عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون، أبو الحسن الحلبي نزيل مصر، أستاذ عارف، ثقة ضابط وحجة، محرّر، شيخ الإمام الداني، ومؤلف كتاب «التذكرة» في القراءات الثمان.
رحل إلى العراق، وأخذ القراءات عن خيرة العلماء، قال عنه «الإمام الداني»: لم ير في وقته مثله في فهمه وعلمه مع فضله وصدق لهجته كتبنا عنه كثيرا» اهـ ت بمصر ٣٩٩ هـ.
ومن شيوخ «إبراهيم بن ثابت» عبد الجبار بن أحمد بن عمر بن الحسن أبو القاسم الطرسوسي، مؤلف كتاب «المجتبي الجامع» وهو أستاذ متصدر ثقة، نزل مصر، وكان شيخها ت ٤٢٠ هـ.
توفي «إبراهيم بن ثابت» سنة ٤٣٢ هـ ﵀ رحمة واسعة. آمين.
стр. 648
رقم الترجمة/ ٣ «إبراهيم الجعبري» (١) ت ٧٣٢ هـ
هو: إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل بن أبي العباس أبو محمد الجعبري نسبة إلى قلعة «جعبر» وتقع على نهر الفرات بين بالس والرقة قرب صفين.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ، ضمن علماء الطبقة الثامنة عشرة من علماء القراءات. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «الجعبري» في قلعة جعبر في حدود سنة أربعين وستمائة من الهجرة.
ونشأ في أسرة عريقة في العلم والدين، حيث كان والده من أعيان ووجهاء «قلعة جعبر» وقد اشتهر بمؤذن جعبر، كما ألف والده «المحرر في الفقه، والمنتقى في الأحكام» (٢).
اتجه «الجعبري» منذ نعومة أظفاره وهو في التاسعة من عمره إلى تحصيل العلم، وكان يتمتع بذاكرة قوية، وحافظة أمينة، فحفظ القرآن الكريم مبكرا، كما حفظ كتاب «التيسير» في القراءات السبع، وكتاب «التعجيز في مختصر الوجيز في الفقه على مذهب الإمام الشافعي».
رحل «الجعبري» إلى بعض البلاد الإسلامية من أجل طلب العلم والسماع من الشيوخ، والاستزادة من الثقافة والمعرفة. فكانت رحلته الأولى إلى
стр. 649
«بغداد» بعد عام ستين وستمائة من الهجرة، فالتحق بالمدرسة النظامية، وحضر دروس المشايخ بالمدرسة المستنصرية، وحضر مجالس كبار العلماء، وتلقى القراءات السبع على «أبي الحسن علي بن عثمان البغدادي».
وقرأ القراءات العشر على «الحسين بن الحسن المنتجب التكريتي» ت ٦٨٨ هـ وأسند القراءات بالإجازة عن الشريف أبي البدر الداعي ت ٦٦٨ هـ وأخذ الفقه عن أبي العزّ محمد بن عبد الله البصري الشافعي المدرّس بالمدرسة النظامية.
وهذه الرحلة تعتبر أعظم رحلاته التي قام بها، حيث أدرك الفوائد العلمية، واتسع أفقه العلمي، وارتفع مستواه، وبرع في القراءات، فكتب فيها كتابه «نزعة البررة في قراءات الأئمة العشرة»، وكتابه «عقود الجماعة في تجويد القرآن» وعرضهما على شيخه منتجب الدين التكريتي.
ثم كانت رحلته الثانية إلى «دمشق» فسمع من كبار الحفاظ منهم «الفخر ابن البخاري» ت ٦٩٠ هـ والفخر بن الفخر البعلبكي ت ٦٩٩ هـ.
وباحث، وناظر، وأفاد الطلبة كثيرا (١).
ثم رحل بعد ذلك إلى «مدينة الخليل» بفلسطين وكان ذلك قبل عام ثمانية وثمانين وستمائة، وأقام بها بضعة وأربعين عاما حتى توفاه الله. وقد تولى «الجعبري» في «مدينة الخليل» القضاء، والإفتاء، والخطابة، ونشر العلم بشتى الوسائل المختلفة سواء كان بالتدريس أو التأليف وقد عمر طويلا حتى أدركه الأحفاد.
يفهم مما تقدم أن «الجعبري» اجتهد في طلب العلم وتحصيله وبذل في سبيل ذلك كل عمره، وزهرة شبابه، حتى وصل إلى أرقى المناصب العلمية في زمانه.
стр. 650
وقد تتلمذ «الجعبري» على عدد كبير من خيرة العلماء، في كثير من العلوم المختلفة، وفي مقدمة شيوخه في القراءات:
١ - شمس الدين أبو الحسن، علي بن عثمان بن محمود الوجوهي الحنبلي البغدادي، وهو شيخ مقرئ، ماهر محقق مجود، عني بالقراءات والأداء، قرأ عليه «الجعبري» القراءات السبع، وقرأ عليه «كتاب التجريد» لابن الفحام، وسمّع عليه كتاب «الوقف والابتداء» لابن عباد، وقرأ عليه صحيح البخاري، وعوارف المعارف (١).
٢ - شمس الدين أبو البدر محمد بن عمر بن القاسم الشريف الرشيدي العباسي الواسطي، شيخ القراء بالعراق، وإمام بارع. قرأ القراءات العشر على «أبي بكر عبد الله بن الباقلاني» وروى عنه الجعبري بالإجازة (٢).
٣ - إبراهيم بن محمود بن سالم أبو محمد الأزجي البغدادي، المعروف بابن الخير الحنبلي، أجاز «الجعبري» بالقراءات (٣).
٤ - مجد الدين أبو أحمد عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الجيش الحنبلي البغدادي، وكان واسع الرواية، وشيخ القراء ببغداد. وقد أخذ الروايات عن «الفخر محمد بن أبي الفرج الموصلي» وسمع منه كتبا كثيرة في القراءات. كما قرأ على «عبد العزيز الناقد» وروى عنه أكثر من ثلاثين كتابا في القراءات. وقد أخذ عنه «الجعبري» القراءات الثلاث. توفي مجد الدين سنة ٦٧٦ هـ.
٥ - منتجب الدين أبو علي، الحسين بن الحسن بن أبي السعادات التكريتي وهو عالم حاذق بالقراءات. انتهى إليه الإقراء ببغداد. يقول «الجعبري»:
стр. 651
قرأت عليه من حفظي «درّة الأفكار في القراءات العشر» توفي منتجب الدين سنة ٦٨٨ هـ ببغداد (١).
٦ - جمال الدين يوسف بن جامع بن أبي البركات أبو إسحاق القفصي بضم القاف، وسكون الفاء، الحنبلي البغدادي. وهو أستاذ كبير مؤلف محقق عالم، ألف كتاب «الشافي في القراءات العشر» قال عنه «الحافظ الذهبي»:
كان جمال الدين رأسا في القراءات عارفا باللغة، والنحو، جمّ الفضل. وكان لا يتقدمه أحد في زمانه في الاقراء. قال «الجعبري»: قرأت عليه «كتاب المصباح» وكتاب «التذكرة»، ووقف ابن الأنباري، توفي «جمال الدين» سنة ٦٨٢ هـ (٢).
وبعد أن اكتملت مواهب «الجعبري» وأصبح من العلماء تصدر لتعليم القرآن وعلومه وقراءاته، واشتهر بالثقة والاتقان وسعة العلم، أقبل عليه الطلاب من كل مكان يأخذون عنه ويقرءون عليه، فتتلمذ عليه الكثيرون وفي مقدمتهم:
١ - علي بن أبي محمد بن أبي سعد بن عبد الله أبو الحسن الواسطي المعروف بالديواني، توجه إلى الخليل فأخذ عن «الجعبري» نظم «كتاب الإرشاد» في قصيدة لامية سماها «جمع الأصول» وكان خاتمة المقرئين بواسط مع الدين والتحقيق ت ٧٤٣ هـ (٣).
٢ - الحافظ الذهبي محمد بن أحمد بن عثمان أبو عبد الله شمس الدين. عني بالقراءات من صغره، قرأ على «الجعبري» كتابه «نزعة البررة في القراءات العشرة» ت ٧٤٨ هـ، بدمشق (٤).
стр. 652
٣ - محمد بن جابر بن محمد بن قاسم أبو عبد الله شمس الدين الوادي.
يقول في ترجمة شيخه «الجعبري»: حضرت مجلس إقرائه التفسير والفقه الشافعي، ورويت عنه الحديث، والقراءات، وغيرها. ت ٧٤٩ هـ، بتونس (١).
٤ - إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن أبو إسحاق الشامي، نزيل القاهرة، قرأ على «الجعبري» القرآن الكريم من أوله إلى قوله تعالى:
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ت بمصر سنة ٧٣٢ هـ (٢).
٥ - محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن جامع أبو المعالي ابن اللبان الدمشقي، رحل إلى «الخليل» وقرأ على «الجعبري» نصف حزب جمعا للسبعة، ثم أقبل على الإقراء فلم ير في زمانه أحسن استحضارا منه للقراءات.
وولي مشيخة الإقراء بالديار الأشرفية، وبجامع التوبة، والجامع الأموي، وأقرأ الناس زمانا، ورحل الناس إليه من الأقطار، وبعد صيته، واشتهر اسمه، وانتفع به الخلق ت ٧١٥ هـ (٣).
٦ - محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم شمس الدين البغدادي، يعرف بالمطرز الكتبي، رحل إلى «الخليل» وقرأ على «الجعبري» بالقراءات العشر، ت ٧٤٩ هـ (٤).
٧ - أحمد بن محمد بن يحيى بن نحلة- بحاء مهملة- المعروف بسبط السلعوس أبو العباس النابلسي ثم الدمشقي. قرأ القراءات على «الجعبري» «بالخليل» وانتفع به خلق كثيرون، توفي بدمشق سنة ٧٣٢ هـ (٥).
стр. 653
٨ - أبو بكر عبد الله بن أيدغدعي بن عبد الله الشمس الشهير بابن الجندي شيخ القراء بمصر، قرأ القراءات العشر على الجعبري، ألف شرحا على الشاطبية تضمن إيضاح شرح «الجعبري» كما ألف كتاب «البستان في القراءات الثلاث عشرة» ت بمصر سنة ٧٦٩ هـ (١).
من هذا يتبين أن «الجعبري» كان له الأثر الواضح في تعليم القرآن والقراءات، فنال بذلك منزلة علمية بارزة مرموقة بين أقرانه ومعاصريه، فمدحوه، وأثنوا عليه.
وفي هذا يقول تلميذه «العلامة الحافظ الذهبي»: شيخ بلد الخليل العلامة الجعبري صاحب الفنون، ومقرئ الشام، له التصانيف المتقنة في القراءات، والحديث، والأصول، والعربية، والتاريخ وغير ذلك. اه.
وقال تلميذه «ابن جابر الوادي آشي»: «الجعبري» الشيخ الفقيه المقرئ الخطيب، قاضي بلد الخليل، حضرت مجلس إقرائه التفسير والفقه الشافعي، ورويت عنه الحديث، والقراءات، وغيرهما. اه (٢).
وقال «صلاح الدين الصفدي»: الشيخ الإمام العلامة الجعبري شيخ القراء، ألف في كثير من العلوم، واشتهر ذكره، وتصانيفه تقارب المائة، كلها جيدة، محررة، رأيته غير مرة ببلد الخليل، وسمعت كلامه، وكان حلو العبارة، ساكنا، وقورا، ذكيا، له قدرة تامة على الاختصار. اه (٣).
وقال «اليافعي»: الجعبري الشيخ الجليل الإمام العلامة المقرئ وشيخ القراء صاحب الفضائل الحميدة، والمباحث المفيدة، والتصانيف العديدة. اه (٤).
стр. 654
وقال «تاج الدين السبكي»: كان «الجعبري» فقيها مقرئا، متقنا، له التصانيف المفيدة في القراءات، والمعرفة بالحديث. اه (١).
وقال «جمال الدين الأسنوي»: كان «الجعبري» إماما في القراءات عارفا بالفقه والعربية. اه (٢).
وقال «الحافظ ابن كثير»: كان «الجعبري» من المشايخ المشهورين بالفضائل والرئاسة، والخير والديانة، والعفة والصيانة. اه (٣).
وقال «عبد الرحمن العليمي»: «الجعبري» الشيخ الإمام العالم العلامة القدوة المحقق المقرئ، شيخ الخليل، رحل الناس إليه ووليّ مشيخة «الخليل» (٤).
فهذا الثناء العاطر على «الجعبري» يصوّر لنا تصويرا واضحا شخصية هذا العالم المتبحر في العلوم، فضلا عن علوّ مكانته العلمية، ومؤلفاته المفيدة، فقد ترك للمكتبة الإسلامية الكثير من المصنفات في شتى علوم المعرفة: القراءات، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والفقه وأصوله، والنحو والصرف، واللغة، والبلاغة، والأدب، والعروض.
فمؤلفاته في القراءات بلغت ستة عشر مصنفا، وفي علوم القرآن ثلاثة وثلاثين، وفي علوم الحديث سبعة عشر، وفي الفقه أربعة عشر.
توفي «الجعبري» «بالخليل» سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة من الهجرة. ﵀ رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.
стр. 655
رقم الترجمة/ ٤ «إبراهيم بن حسن» (١) ت ١٢٢٣ هـ
هو: إبراهيم بن حسن بن أحمد بن محمد اليعمري. وهو من خيرة حفاظ القرآن، ومن الفقهاء العاملين، المشهورين بالزهد، والتقوى، والعمل بكتاب الله تعالى وسنة النبي ﵊.
ولد «إبراهيم بن حسن» سنة أربع وستين ومائة وألف، وقرأ القرآن الكريم على خيرة العلماء وفي مقدمتهم: «صالح الجرادي» كما أخذ علومه على عدد من العلماء، فأخذ الفقه، والفرائض على «السيد علي بن حسن الصعدي» وأخذ علم السنة على العلامة «الحسين بن عبد الله الكبسي».
وانتفع بعلمه فعمل به، وعكف على العبادة، وتحلّى بالزهد، وانتهى إليه الورع، وحسن السمت، والتواضع، والاشتغال بخاصة النفس واتفق الناس على الثناء عليه، والمدح لشمائله. توفي «إبراهيم بن حسن» لعشرين خلت من شهر شوال سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف.
﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 656
رقم الترجمة/ ٥ «إبراهيم الطّبري» (١) ت ٣٩٣ هـ
هو: إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق الطبري المالكي البغدادي. ولد سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن، كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «إبراهيم الطبري» القراءة عن عدد كبير من خيرة حفاظ القرآن يقول «ابن الجزري»: قرأ «إبراهيم الطبري» على أحمد بن عثمان بن بويان، وأحمد بن عبد الرحمن الولي، وأبي بكر النقاش، وأبي بكر بن مقسم، ومحمد بن علي بن الهيثم، وأبي عيسى بكار، ومحمد بن الحسن بن الفرج الأنصاري، وعبد الواحد بن عمر بن أبي هاشم، ومحمد بن عبد الله بن محمد بن مرة بن أبي عمر الطوسي النقاش، وعبد الوهاب بن العباسي.
وقرأ الحروف على أحمد بن عبد الله بن محمد المكي عن العنزي صاحب البزّي، وإبراهيم بن أحمد بن الحسن القرماسيني عن أبي بكر الأصبهاني وغيره، وأبي سليمان محمد بن عبد الله بن سلميان بن الطيب بن يوسف السعدي، الدمشقي عن أحمد بن عبد الله بن ذكوان وعثمان بن أحمد بن عبد الله الدقيقي عن صاحب خلف، وأبي بكر أحمد جعفر بن أحمد الشعيري عن صاحب أبي حمدون، وغير هؤلاء كثير (٢).
стр. 657
وقد رحل «أبو إسحاق الطبري» في سبيل العلم إلى كثير من الأمصار يأخذ عن علمائها، وفي هذا المعنى يقول «الخطيب البغدادي»: كان «إبراهيم الطبري» أحد الشهود ببغداد، وذكرني «أبو القاسم التنوخي» أنه شهد أيضا بالبصرة، وواسط، والأهواز، والكوفة، ومكة، والمدينة المنورة، قال: وأم بالناس في المسجد الحرام أيام الموسم وما تقدم فيه من ليس بقرشي غيره.
ثم يقول «الخطيب البغدادي»: وسكن «إبراهيم الطبري» بغداد وحدث بها عن «إسماعيل بن محمد الصفار، وأبي عمرو بن السمّاك، وأحمد بن سليمان العباداني، وعلي بن إدريس الستوري» ومن في طبقتهم وبعدهم. اه.
ثم يقول: وكان «أبو الحسن الدارقطني» خرج له خمسمائة جزء، وكان كريما سخيا مفضلا على أهل العلم، حسن المعاشرة، جميل الأخلاق، وداره مجمع أهل القرآن، والحديث، وكان ثقة. اه (١).
تصدر «إبراهيم الطبري» لتعليم القرآن، وتتلمذ عليه الكثيرون وفي مقدمتهم: الحسين بن علي العطار، والحسن بن أبي الفضل الشرمقاني وأبو علي الأهوازي، وأبو علي البغدادي صاحب كتاب «الروضة» وأبو نصر أحمد بن مسرور، وأحمد بن رضوان، وأبو عبد الله محمد بن يوسف الأفشيني، روى عنه الحروف (٢).
احتل «إبراهيم الطبري» مكانة سامية مما استوجب ثناء العلماء عليه، يقول «الإمام ابن الجزري»: كان «الطبري» ثقة، مشهورا، أستاذا (٣).
توفي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 658
رقم الترجمة/ ٦ «إبراهيم بن عمر» (١) ت ٨٨٥ هـ
هو: إبراهيم بن عمر بن حسن بن الربا: بضم الراء بعدها باء موحدة خفيفة، ابن أبي بكر البقاعي. نزيل القاهرة ثم دمشق.
وهو أستاذ ثقة ضابط حجة، قارئ، محدث، مفسّر، مؤلف.
ولد تقريبا سنة تسع وثمان مائة بقرية من عمل «البقاع» ثم تحوّل إلى «دمشق» ثم فارقها ودخل بيت المقدس، ثم رحل إلى «القاهرة»، وفي القاهرة اتصل بعلمائها وأخذ عنهم القراءات القرآنية، والفقه، والنحو، وغير ذلك من العلوم.
فقد قرأ القراءات على «الجزري» جمعا بالعشرة، إلى سورة «البقرة».
وقرأ على «التاج بن بهادر» الفقه، والنحو.
وأخذ عن «الحافظ ابن حجر، وأبي الفضل المغربي» وغيرهما وبرع في جميع العلوم وفاق الأقران.
ثم صنف الكثير من الكتب في شتى العلوم، وفي هذا يقول «محمد بن علي الشوكاني» ت ١٢٥٠ هـ:
ومن أمعن النظر في كتاب «إبراهيم بن عمر» الذي جعله في المناسبات بين الآي والسور علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علمي المعقول، والمنقول.
стр. 659
ثم يستطرد «الشوكاني» قائلا: وكثيرا ما يشكل عليّ شيء في الكتاب العزيز فأرجع إلى مطولات التفسير، ومختصراتها، فلا أجد ما يشفي، وأرجع الى هذا الكتاب فأجد ما يفيد في الغالب (١).
وقد رحل «إبراهيم بن عمر» إلى الحجاز فأدّى فريضة الحج، ثم عاد إلى «القاهرة» وجلس للتعليم، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، ويتتلمذون عليه في شتى الفنون. ثم عاد إلى «دمشق» بعد حياة حافلة بطلب العلم، والتعليم والتصنيف فوافاه الأجل المحتوم وتوفي ليلة السبت ثامن عشر رجب سنة خمس وثمانين وثمانمائة، ودفن خارج «دمشق» من جهة قبر عاتكة.
وتذكر لنا كتب التاريخ أن «إبراهيم بن عمر» رثى نفسه في حياته فقال:
نعم انني عما قريب لميت ... ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
كأنك بي أنعى عليك وعندها ... ترى خيرا صمّت له الأذنان
فلا حسد يبقى لديك ولا قلى ... فينطق في مدحي بأيّ معان
وتنظر أوصافي فتعلم أنها ... علت عن مدان في أعزّ مكان
فكم من عزيز بي بذل جماحه ... ويطمع فيه ذو شقا وهوان
فيا ربّ من تفجأ بهول يودّه ... ولو كنت موجودا لديه دعاني
رحم الله «إبراهيم بن عمر» وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 660
رقم الترجمة/ ٧ «إبراهيم بن محمّد» (١) ت ٨٤١ هـ
هو: إبراهيم بن محمّد بن خليل البرهان الطرابلسي الأصل الشاميّ المولد، الشافعي.
وهو من خيرة العلماء والقراء، والمحدثين، والفقهاء، ولد في ثاني عشر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بالجلّوم: بفتح الجيم، وتشديد اللام المضمومة، توفي والده وهو صغير، فكفلته أمه وانتقلت به إلى «دمشق» فحفظ بها بعض القرآن، ثم رجعت إلى «حلب» فنشأ بها وأدخلته أمه مكتب الأيتام فأكمل به حفظ القرآن، وصلى به التراويح في رمضان.
ثم قرأ تجويد القرآن على خيرة العلماء وفي مقدمتهم: «الحسن السائس المصري، والشهاب بن أبي الرضى».
وأخذ الفقه عن جماعة من خيرة الفقهاء منهم: «ابن العجمي» وأخذ الحديث عن مشاهير علماء الحديث، أمثال: «الزين العراقي، والبلقيني، وابن الملقّن» كما أخذ اللغة عن «مجد الدين» صاحب «القاموس المحيط».
رحل «إبراهيم بن محمد» إلى كثير من الأقطار من أجل العلم والأخذ عن العلماء الثقات. فرحل إلى «مصر» مرتين، والاسكندرية، ودمشق، وبيت المقدس، وغزة، والرملة، ونابلس، وحماه، وحمص، وطرابلس، وبعلبك.
روي عنه أنه قال: مشايخي في الحديث نحو المائتين، ومن رويت عنه شيئا
стр. 661
من الشعر دون الحديث بضع وثلاثون، وفي العلوم غير الحديث نحو الثلاثين.
وقد جمع كل أساتذته كل من «النجم بن فهد، والحافظ بن حجر».
واستقرّ بحلب، ولما هاجمها «تيمور لنك» طلع بكتبه إلى القلعة، فلما دخل البلد وسلبوا الناس كان فيمن سلب حتى لم يبق معه شيء، ثم أسروه وبقي معهم، إلى أن رحلوا إلى «دمشق» فأطلق سراحه، ورجع إلى بلده.
وقد اجتهد «إبراهيم بن محمد» في الحديث اجتهادا كبيرا، وسمع العالي، والنازل، وقرأ البخاري أكثر من ستين مرّة، ومسلما نحو العشرين.
واشتغل بالتصنيف: فكتب تعليقا لطيفا على سنن «ابن ماجة» وشرحا مختصرا على البخاري سماه: «التلقيح لفهم قارئ الصحيح» وهو في أربعة مجلدات. و «المقتضى في ضبط ألفاظ الشفا» في مجلّد. و «نور النبراس على سيرة ابن سيّد الناس» في مجلدين. وكتاب «التيسير على ألفية العراقي» وشرحها مع زيادة أبيات غير مستغنى عنها. وكتاب «نهاية السول في رواة الستة الأصول» في مجلد ضخم، وكتاب «الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث» في مجلد. وكتاب «التبيين لأسماء المدلسين» في كراستين.
قال «السخاوي»: كان «إبراهيم بن محمد» إماما، علامة، حافظا خيّرا، ديّنا، ورعا، متواضعا، وافر العقل، حسن الأخلاق، متخلقا بجميل الصفات، جميل العشرة، محبّا للحديث وأهله، كثير النصح والمحبة لأصحابه، ساكنا متعففا عن التردد إلى بني الدنيا، قانعا باليسير، طارحا للتكلف، رأسا في العبادة والزهد والورع، مديم الصيام والقيام، سهلا في التحدث، كثير الانصاف والبشر لمن يقصده للأخذ عنه خصوصا الغرباء، مواظبا على الاشتغال، والاقبال على القراءة بنفسه، حافظا لكتاب الله، كثير التلاوة له، صبورا على الإسماع، ربما أسمع اليوم كاملا من غير ملل ولا ضجر، عرض
стр. 662
عليه قضاء الشافعية ببلده فامتنع (١).
لم يزل «إبراهيم بن محمد» على جلالته وعلوّ قدره حتى توفّاه الله تعالى يوم الاثنين سادس عشر شوال سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وهو يتلو القرآن، ولم يغب له عقل، ودفن بالجبل عند أقاربه.
﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 663
رقم الترجمة/ ٨ «إبراهيم بن محمد» (١) ت ٩٢٣ هـ
هو: إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن علي بن مسعود بن رضوان المقدسي ثم القاهري الشافعي. وهو من خيرة القراء، والفقهاء، المشهود لهم بالثقة والإتقان.
ولد ليلة الثلاثاء ثامن عشر ذي القعدة سنة ست وثلاثين وثمان مائة ببيت المقدس ونشأ به.
وحفظ «القرآن» وهو ابن سبع سنين، ثم جوّده «لابن كثير المكي وأبي عمرو البصري».
أخذ «إبراهيم بن محمد» علومه عن خيرة العلماء: فأخذ عن «سراج الرومي» العربية، والأصول، والمنطق. وعن «يعقوب الرومي» العربية، والمعاني، والبيان في البلاغة.
ثم رحل «إبراهيم بن محمد» إلى «القاهرة»، من أجل الاستزادة من العلم والتقى بالعلماء وأخذ عنهم: فقرأ على «الجلال المحلى» شرحه لجمع الجوامع في أصول الفقه. وقرأ على غيره الكثير من العلوم المتعددة.
ثم رحل إلى «مكة المكرمة» سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة، وأدى فريضة الحج، والتقى بعلماء «مكة» وأخذ عنهم، ومن شيوخه بمكة المكرمة «التقي بن فهد، وأبو الفتح المراغي، والمحب الطبري» وغير هؤلاء.
وبعد أن كملت مواهب «إبراهيم بن محمد» ولي قضاء الشافعية بالقاهرة
стр. 664
في ذي الحجة سنة ست وتسعمائة.
وجلس للتدريس واشتهر بين الناس بالثقة، والضبط، وأقبل عليه الطلاب واستقر في تدريس تفسير القرآن الكريم بجامع «ابن طولون» وغيره من الجوامع، والمدارس، ودرّس عدة فنون.
وعرف عن «إبراهيم بن محمد» قول الشعر، ومن ذلك قوله:
دموعي قد نمت بسرّ غرامي ... وباح بوجدي للوشاة سقامي
فأضحى حديثي بالصبابة مسندا ... بمرسل دمعي من جفون دوامي
احتل «إبراهيم بن محمد» مكانة سامية بين الناس مما جعل العلماء يثنون عليه، وفي هذا يقول العلامة الشوكاني: برع «إبراهيم بن محمد» في الفنون، وأذن له غير واحد بالإقراء والإفتاء وصنّف التصانيف منها:
«شرح الحاوي» في مجلّد ضخم، و «شرح قواعد الإعراب» في نحو عشرة كراريس، و «شرح العقائد» لابن دقيق العيد، و «شرح المنهاج الفرعي».
وله مختصرات كثيرة منها: «تهذيب المنطق للتفتازاني، والورقات في أصول الفقه، لإمام الحرمين، وشذور الذهب في النحو، وعقائد النسفي، واختصر الرسالة القشيرية» وله مصنفات غير هذه (١).
ظلّ «إبراهيم بن محمد» يعلّم، ويصنف، حتى توفاه الله تعالى يوم الجمعة ثاني شهر المحرم سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وصلى عليه الخليفة «المتوكل على الله» العباسي عقب صلاة الجمعة.
стр. 665
رقم الترجمة/ ٩ «أحمد بن إبراهيم» (١) ت ٧٠٨ هـ
هو: أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن عاصم بن مسلم بن كعب، أبو جعفر، الأندلسي، النحوي، القارئ، المحدث، الفقيه. وهو من خيرة العلماء الثقات المشهود لهم بالأمانة والثقة.
ولد سنة سبع وعشرين وستمائة.
أخذ «أحمد بن إبراهيم» علومه عن خيرة العلماء: فقد قرأ بالقراءات السبع، على «أبي الحسن الساوي». وأخذ الكثير من العلوم عن «إسحاق بن إبراهيم الطوسي» بفتح الطاء، وإبراهيم بن محمد بن الكمال» وغيرهما.
وبعد أن كملت مواهبه جلس للتعليم، واشتهر بالثقة، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، وفي مقدمة من أخذ عنه «العلامة أبو حيان الأندلسي» وعليه تخرج وصار علّامة عصره في القراءة، والحديث.
صنف «أحمد بن إبراهيم» للمكتبة الإسلامية الكتب النافعة المفيدة، ومن مصنفاته: كتاب في التفسير سمّاه: «ملاك التأويل» وكتاب «تاريخ علماء الأندلس» وغيرهما.
احتلّ «أحمد بن إبراهيم» مكانة سامية بين العلماء مما جعلهم يثنون عليه، وفي هذا يقول تلميذه العلّامة «أبو حيان الأندلسي»: كان «أحمد بن إبراهيم» يحرّر اللغة، وكان أفصح عالم رأيته، وتفقه عليه خلق (٢).
وقال غيره: «إنه انفرد بالإفادة، ونشر العلم، وحفظ الحديث وتمييز
стр. 666
صحيحه من سقيمه».
وقال بعض من ترجم له: «كان ثقة قائما بالمعروف، والنهي عن المفكر، دافعا لأهل البدع، وكان معظّما عند الخاصة، والعامة» (١).
وبعد حياة حافلة بطلب العلم وتعليمه، وتصنيف الكتب، توفي «أحمد بن إبراهيم» سنة ثمان وسبعمائة، من ثاني عشر شهر ربيع الأول.
﵀ رحمة واسعة، وجزاه إليه أفضل الجزاء.
стр. 667
رقم الترجمة/ ١٠ «أحمد بن إسماعيل» (١) ت ٧٨٣ هـ
وأحمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن عمر بن بريدة، بالتصغير، الشهاب الإبشيطي، القاهري الأزهري الشافعي.
كان رحمه الله تعالى من خيرة القراء، والفقهاء، والمحدثين، والمؤلفين. ولد سنة اثنتين وثمان مائة بإبشيط: بكسر الهمزة ثم موحدة ساكنة بعدها شين معجمة، ثم ياء تحتية، وطاء مهملة: قرية من قرى المحلة الكبرى من الغربية إحدى مدن مصر، ونشأ ببلدته، وحفظ القرآن، وكذا العمدة، والتبريزي، وأخذ الفقه عن «ابن الصواف، وابن حميد» وتلا القرآن على الشيخ «الرمسيسي».
ثم انتقل إلى القاهرة في سنة عشرين وثمان مائة، وقطن بالجامع الأزهر مدّة من الزمن لتلقي العلم عن العلماء، فأخذ الفقه عن «البرهان البيجوري» والشمس البرماوي» وغيرهما. وأخذ المنطق عن «العز بن عبد السلام» والنحو عن «الشهاب أحمد الصنهاجي» وغيره، وسمع الحديث عن جماعة منهم:
الحافظ ابن حجر».
وبرع في كثير من العلوم منها: الفقه، وأصوله، وعلوم العربية، والفرائض والحساب، والعروض، والمنطق، وغير ذلك.
تصدّر «أحمد بن إسماعيل» للإقراء، واشتهر بين الناس بالثقة وكثرة العلم، وجودة القراءة، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه. وممن أخذ عنه «البكري، والجوهري» وغيرهما.
стр. 668
عرف «أحمد بن إسماعيل» بقول النظم، ومن نظمه في السبع المنجيات:
المنجيات السبع منها الواقعة ... وقبلها ياسين تلك الجامعة
والخمس الانشراح والدخان ... والملك والبروج والإنسان
احتلّ «أحمد بن إسماعيل» مكانة سامية، ومنزلة رفيعة بين الخاص والعام مما جعل العلماء يثنون عليه، وفي هذا يقول «الإمام الشوكاني»: عرف «أحمد ابن اسماعيل» بالزهد، والعبادة، ومزيد التقشف، والإيثار، والانعزال، والإقبال على الخير مع قلة ذات يده، بحيث لم يكن في بيته شيء يفرشه، لا حصير ولا غيره، بل كان ينام على «باب». ثم حج في سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وزار المسجد النبوي الشريف، وسلم على رسول الله ﷺ ، وانقطع بالمدينة المنورة، وعظم انتفاع أهلها به، وكان ذلك كلمة إجماع، وصار في غالب السنين يحج من المدينة المنورة، ثم جاور بمكة، في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة (١).
ترك «أحمد بن إسماعيل» للمكتبة الإسلامية بعض التصانيف منها: «ناسخ القرآن ومنسوخه» ونظم «أبي شجاع» في الفقه الشافعي، ونظم «الناسخ والمنسوخ» للبارزي، وشرح «الرحبية» و «المنهج»، و «مختصر ابن الحاجب» و «تصريف ابن مالك» وإيساغوجي، والخزرجية، وغير ذلك.
وبعد هذه الحياة المزهرة بالعلم، والتصنيف، والتعليم، توفي «أحمد بن إسماعيل» بالمدينة المنورة بعد عصر يوم الجمعة تاسع رمضان سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة. ودفن بالبقيع بالقرب من قبر الإمام مالك رحمهما الله تعالى.
стр. 669
رقم الترجمة/ ١١ «أحمد بن إسماعيل» (١) ت ٧٩٣ هـ
هو: أحمد بن إسماعيل بن عثمان التبريزي القاهري، ثم الرومي الشافعي عالم بلاد الروم. وهو من خيرة العلماء في القراءات، والفقه، والحديث، والنحو.
ولد سنة ثلاث عشرة وثمان مائة بقرية من «كوران» ثم حفظ «القرآن الكريم» وقرأ بالسبعة على «القزويني البغدادي» وقرأ عليه «الكشاف» وحاشيته «للتفتازاني».
كما أخذ عن «القزويني البغدادي» الكثير من العلوم مثل: النحو، والبيان، والمعاني، والعروض، والفقه، وغير ذلك. كما أخذ عن «الجلال الحلواني» علوم العربية، وهكذا اشتغل بتحصيل العلوم حتى برع في علوم العربية، والبلاغة وغير ذلك من العلوم العقلية.
ثم جال في «بغداد، وديار بكر» وبعد ذلك رحل إلى «دمشق» في حدود الثلاثين وثمان مائة فلازم «العلاء البخاري» وانتفع به.
ثم قدم مع شيخه «الجلال الحلواني» بيت المقدس، وقرأ عليه في كتاب «الكشاف» للتفتازاني.
ثم قدم «القاهرة» في حدود سنة خمس وثلاثين وثمان مائة، وهو فقير جدّا، فأخذ عن «ابن حجر» «البخاري» وشرح الألفية للعراقي، ولازمه.
وسمع صحيح مسلم عن «ابن الزركشي» ولازم الشيخ «الشرواني» كثيرا وقرأ عليه «صحيح مسلم والشاطبية». ولازم حضور مجالس العلماء كمجلس قراءة البخاري بحضرة «السلطان» وغيره. واتصل بالكمال البازري فنوّه به
стр. 670
حتى اشتهر، وناظر الأماثل.
واشتهر بالطلاقة، والبراعة حتى ذاع صيته فانثالت عليه الدنيا وأتته طائعة.
جلس «أحمد بن إسماعيل» للتعليم واشتهر بين الناس بالثقة وكثرة العلم وأقبل عليه الطلاب، يأخذون عنه، وانتفع به الكثيرون.
ثم خرج من «القاهرة» وعاد إلى «الروم» وعظم أمره عند ملك «الروم» وحسنت حاله بحيث لم يكن عند السلطان «محمد مراد» أحظى منه، وما زال يترقى في المناصب حتى استقر في قضاء العسكر، ثم انتقل من قضاء العسكر إلى منصب الفتوى، وتردد إليه الأكابر.
وقد مدح «السلطان محمد مراد» بعدة قصائد، ومما جاء فيها:
هو الشمس إلا أنه الليث باسلا ... هو البحر إلا أنه مالك البرّ
صنّف «أحمد بن إسماعيل» بعض الكتب النافعة المفيدة منها: شرح على البخاري، وعمل تفسيرا للقرآن الكريم.
ثم أنشأ «باسطنبول» جامعا ومدرسة سمّاها «دار الحديث» وانثالت عليه الدنيا، وعمّر الدور، وانتشر علمه.
ولم يزل على جلالته حتى مات في أواخر سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة وصلى عليه السلطان.
﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.