رقم الترجمة/ ٤٨ «صالح بن عمر العسقلاني» (١) ت ٨٦٨ هـ
هو: صالح بن عمر بن رسلان بن نصير بن صالح علم الدين العسقلاني، البلقيني الأصل، القاهري، الشافعي. وهو من القراء، والفقهاء، والمحدثين، والمؤلفين.
ولد في ليلة الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة بالقاهرة، ونشأ بها في كنف والده فحفظ القرآن، وصلى به للناس التراويح بمدرسة والده في سنة تسع وتسعين وسبعمائة. كما حفظ كتاب العمدة، ومنهاج الأصول، والألفية في النحو.
أخذ «صالح بن عمر» كثيرا من العلوم على مشاهير علماء عصره، وفي مقدمتهم والده ﵀، والزين العراقي، والمجد البرماوي، والبيجوري، والحافظ ابن حجر، وغير هؤلاء.
تنقل «صالح بن عمر» في كثير من المناصب من الوعظ إلى التدريس إلى الافتاء حتى قال بعض أهل الأدب مثنيا عليه:
وعظ الأنام إمامنا الحبر الذي ... سكب العلوم كبحر فضل طافح
فشفى القلوب بعلمه وبوعظه ... والوعظ لا يشفي سوى من صالح
احتلّ «صالح بن عمر» مكانة سامية بين الناس مما جعل العلماء يثنون عليه، وفي هذا يقول «الإمام السخاوي»: وكان مصونا متقلّلا من الدنيا غاية في الذكاء، وسرعة الحفظ، فلازم الاشتغال بالفقه وأصوله والعربية،
стр. 807
والحديث، وغيرها من العلوم. وحج في سنة أربع عشرة وثمانمائة ولقي الحافظ الجمال بن ظهيرة، وغيره، ودخل «دمياط» فما دونها، ولم يزل ملازما لأخيه حتى تقدم، وأذن له في الافتاء، والتدريس، وخطب بالمشهد الحسيني بالقاهرة، وقرأ البخاري عند الأمير، وألبسه يوم الختم «خلعة». وكان إماما فقيها، عالما، قويّ الحافظة، سريع الإدراك، طلق العبارة، فصيحا، يتحاشى عدم الإعراب في مخاطبته بحيث لا يضبط عليه في ذلك شاذة ولا فاذّة، وكان بسّاما، بشوشا، طلق المحيا، فاشيا للسلام، مهابا، له جلالة، فكها، ذاكرا لكثير من المتون، والفوائد الحديثية، والمبهمات التي حصلها مستحضرا لجملة من الرقائق، والمواعظ والأشعار، حتى كان بعض الفضلاء يقول: إن الحضور بين يديه من المفرحات، شهما، مقداما، لا يهاب ملكا، ولا أميرا، سليم الصدر، لا يتوقف عن قبول من اعتذر إليه، معرضا عن تتبع زلات من يناوئه، غير مشتغل بتنقيصه، بل ربما يمنع من يشتغل في مجلسه بذلك» (١).
وبعد هذه الحياة الحافلة بالعلم والتصنيف، توفي «صالح بن عمر» سنة ثمان وستين وثمانمائة، ﵀ رحمة واسعة آمين.
стр. 808
رقم الترجمة/ ٤٩ «ابن الصّقر» (١) ت ٤٢٩ هـ
هو: الحسن بن علي بن الصقر أبو محمد البغدادي المقرئ الكاتب. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ، ضمن علماء الطبقة العاشرة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
أخذ «ابن الصقر» القراءة عن خيرة علماء عصره، وقد قرأ «لأبي عمرو ابن العلاء» البصري على زيد بن علي بن أحمد بن محمد بن عمران بن أبي بلال أبو القاسم العجلي الكوفي، شيخ العراق، وهو إمام حاذق ثقة. أخذ القراءة على مشاهير علماء عصره، وتتلمذ عليه الكثيرون، منهم: «ابن الصقر» توفي زيد بن علي ببغداد ٣٥٨ هـ.
وكان «ابن الصقر» آخر من قرأ على «زيد بن أبي بلال».
تصدّر «ابن الصقر» لتعليم القرآن، وحروف القراءات، واشتهر بالثقة والضبط، وجودة القراءة، وأقبل عليه الكثيرون يأخذون عنه، ويقرءون عليه.
ومن الذين أخذوا عنه القراءة القرآنية: أحمد بن الحسن بن خيرون، أبو الفضل البغدادي، استاذ مقرئ ثقة، أخذ القراءات عن عدد من العلماء وفي مقدمتهم: الحسن بن أحمد بن شاذان، والقاضي الحسين الصيمري، كما أخذ القراءات عن «ابن خيرون» إبراهيم بن محمد الهيثمي، وابن أخيه محمد بن عبد الملك، وآخرون. ومن تلاميذ «ابن الصقر» ثابت بن بندار أبو المعالي البقّال
стр. 809
الدينوري، ثم البغدادي، شيخ متقن صالح.
أخذ «ابن الصقر» القراءة عن: عبد الوهاب بن علي اللخمي، وعليّ بن طلحة البصري، وعبد الله بن محمد بن مكي، وأحمد بن محمد بن إسماعيل الظاهري. وأخذ القراءات عن «ابن الصقر» سبط الخياط، وهبة الله بن الطيري، وأحمد بن شنيف. ت ٤٩٨ هـ.
ومن تلاميذ «ابن الصقر»: عبد السيّد بن عتاب بن محمد بن جعفر بن عبد الله الحطاب- بالحاء المهملة- أبو القاسم البغدادي، الضرير، وهو مقرئ كبير مسند ثقة، أخذ «ابن عتّاب» القراءة عن «ابن الصقر» وأحمد بن رضوان، والحسن بن ملاعب، والحسن بن أبي الفضل الشرمقاني، وأبي الحسن الحمامي، وأبي العلاء الواسطي، وأبي طاهر محمد بن ياسين الحلبي، وأبي بكر محمد بن علي بن زلال، ومحمد بن عبد الله الشمعي، والحسين بن أحمد الحربي، وآخرون.
وأخذ القراءة عن «ابن عتاب» أبو علي بن سكرة الصدفي، ومحمد بن عبد الملك بن خيرون، وأبو الكرم بن الشهرزوري. ت ٤٨٧ هـ.
ومن تلاميذ «ابن الصقر» محمد بن عبد الله بن يحيى أبو البركات البغدادي الكرجي الشّيرجي الوكيل الخباز الشافعي، وهو إمام مقرئ ثقة، ولد سنة ستين وثلاثمائة، قرأ بالروايات على الحسن بن الصقر، وأبي العلاء الواسطي، ومحمد بن بكير النجار، وعلي بن طلحة، وسمع عبد الملك بن بشران، وتفقه على القاضي أبي الطيب.
وقرأ على «أبي البركات» أبو الكرم الشهرزوري، وأبو طاهر السلفي ختمة، وسمع منه وحدّث عنه هو وابن ناصر، وعبد الله بن النقور، قال عنه «ابن ناصر»: كان «أبو البركات» رجلا صالحا. وقال عنه «الحافظ الذهبي»: كان «أبو البركات أسند من بقي من القراء بالعراق». ت في ربيع
стр. 810
الأول سنة تسع وتسعين وأربعمائة من الهجرة.
ومن تلاميذ «ابن الصقر» عليّ بن عبد الرحمن بن هارون بن عيسى بن داود بن الجرار أبو الخطاب الوزير البغدادي الشافعي، وهو إمام مقرئ كامل حسن الكتابة، مجوّد.
ولد سنة تسع أو عشر وأربعمائة، وقرأ على «محمد بن عمر بن بكير النجار» وعلى «ابن الصقر» وقرأ عليه: «أبو محمد سبط الخياط، وأبو الكرم الشهرزوري، وسعد الله بن الدجاجي»، ونظم في القراءات كتابا، وانتهت إليه رئاسة القراءة، قال عنه «الحافظ أبو طاهر السلفي»: «أبو الخطاب بن الجراح» إمام اللغة، ونظمه في أعلى درجة، وخطه من أحسن الخطوط، وكان يصلي بأمير المؤمنين المستظهر بالله التراويح، توفي في ذي الحجة سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
احتل «ابن الصقر» مكانة سامية بين العلماء مما استوجب الثناء عليه، وفي هذا يقول «الحافظ الذهبي»: كان «ابن الصقر» رئيسا وافر الحرمة، عالي الرواية، أدرك السماع من مثل «إسماعيل الصفار» والكبار، ولكن لم يوجد له شيء. اه.
توفي «ابن الصقر» في جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وأربعمائة هـ وله اربع وتسعون سنة.
رحم الله «ابن الصقر» رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 811
رقم الترجمة/ ٥٠ «أبو طاهر الحلبيّ» (١) ت ٤٢٦ هـ
هو: محمد بن ياسين أبو طاهر البغدادي البزّار المعروف بالحلبي. إمام محقق أحد أعلام القرآن، وله مصنف في القراءات.
أخذ «أبو طاهر الحلبي» القراءة القرآنية عن عدد من العلماء، فقد أخذ الروايات عرضا عن: أبي الفرج الشنبوذي، ومحمد بن العلاف، وأبي حفص الكتاني.
بعد أن اكتملت مواهب «أبي طاهر الحلبي» تصدر لتعليم القرآن، وحروف القراءات، ومن الذين أخذوا عنه القراءات عرضا: «عبد السيّد بن عتاب، وعليّ بن الحسين الطريثيثي».
احتلّ «أبو طاهر الحلبي» مكانة سامية بين العلماء مما استوجب الثناء عليه.
في هذا المعنى يقول «الحافظ أبو عبد الله»: «أبو طاهر الحلبي» أحد الأعلام له مصنف في القراءات.
توفي في ربيع الأول ببغداد سنة ست وعشرين وأربعمائة. ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 812
رقم الترجمة/ ٥١ «طاهر بن غلبون» (١) ت ٣٩٩ هـ
هو: طاهر بن عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون بن المبارك أبو الحسن الحلبي نزيل مصر. ذكره «الذهبي» ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
نشأ «طاهر بن غلبون» في بيت العلم والمعرفة، فوالده الإمام المشهور «عبد المنعم بن عبيد الله» أحد علماء القراءات، ومؤلف كتاب «الإرشاد» وقد أخذ «طاهر» القراءة وحروف القرآن، عن عدد كبير من خيرة العلماء، وفي مقدمة هؤلاء «والده عبد المنعم» و «عبد العزيز بن علي» ثم رحل إلى «العراق» فقرأ بالبصرة على: محمد بن يوسف بن نهار الحرتكي، وعلي بن محمد الهاشمي، وعلي بن محمد بن خشنام، كما سمع حروف القراءات من «والده» ومن «إبراهيم بن محمد بن مروان، وعتيق بن ما شاء الله، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن محمد بن المفسّر، وأبي الفتح بن بدهن، وسمع سبعة «ابن مجاهد» من «أبي الحسن علي بن محمد بن إسحاق الحلبي المعدل» (٢).
تصدر «طاهر بن غلبون» لتعليم القرآن، وأخذ شهرة عظيمة ورثها عن والده، وأقبل عليه الطلاب من كل مكان، فقد روى القراءات عنه عرضا وسماعا «الإمام الكبير الحافظ أبو عمرو الداني، وإبراهيم بن ثابت الإقليسي وأحمد بن بابشاذ الجوهري، وأبو الفضل عبد الرحمن الرازي، وأبو عبد الله
стр. 813
محمد بن أحمد القزويني» (١).
احتل «طاهر بن غلبون» مكانة سامية بين العلماء مما استوجب الثناء عليه، يقول تلميذه «الإمام الداني»: لم ير في وقته مثله في فهمه وعلمه مع فضله، وصدق لهجته، كتبنا عنه كثيرا (٢).
وقال «الإمام ابن الجزري»: «طاهر بن غلبون نزيل مصر أستاذ عارف ثقة ضابط حجة محرر شيخ الداني، مؤلف كتاب «التذكرة» في القراءات الثمان» (٣).
وأقول: لقد استفاد «ابن الجزري» من كتاب «التذكرة» استفادة كبيرة، وهو أحد مصادره في القراءات، ولنستمع إلى «ابن الجزري» وهو يقول:
«قرأ بمضمنه القرآن كله على «أبي عبد الله محمد بن الصائغ وأبي محمد عبد الرحمن بن أحمد الشافعي، وإلى أثناء سورة «النحل» على الأستاذ «أبي بكر ابن أيدغدي بالديار المصرية» (٤).
توفي «طاهر بن غلبون» سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 814
رقم الترجمة/ ٥٢ «عبد الباقي بن الحسن» (١) ت ٣٩٣ هـ
هو عبد الباقي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن السقا أبو الحسن الخراساني الأصل الدمشقيّ المولد. ولد بدمشق ورحل إلى الأمصار طلبا للعلم والمعرفة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ، ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
أحب عبد الباقي القرآن والعلم منذ نعومة أظفاره، ورحل في سبيل ذلك إلى الأمصار، وأخذ عن الشيوخ وتلقى عن العلماء والمحدثين، يقول «ابن الجزري»: أخذ «عبد الباقي» القراءة عرضا عن: «إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم، وإبراهيم بن الحسن، وإبراهيم بن عمر، وإبراهيم بن عبد العزيز، وإبراهيم بن عبد الله بن محمد، وأحمد بن عبد الله بن الخشف، وأحمد بن صالح، وأحمد بن عبد الرحمن، والحسين بن عبد الله، وزيد بن أبي بلال، وصالح بن أحمد، وعبد الرحمن بن عمر البغدادي، وعبد الله بن علي، وعبيد الله بن إبراهيم، وعلي بن عبد الله بن محمد، وعلي بن محمد بن جعفر القلانسي، ونظيف بن عبد الله. ومحمد بن إبراهيم البلخي، ومحمد بن أحمد بن هارون، ومحمد بن زريق، ومحمد بن الحسين الديبلي» (٢).
كما أخذ «عبد الباقي» حديث الهادي البشير ﷺ عن عدد من العلماء،
стр. 815
وحدث عنهم، وفي هذا يقول «الحافظ الذهبي»: وحدث «عبد الباقي» عن «عبد الله بن عتاب الزّفتي، وأبي علي الحصائري، وجماعة (١).
تصدر «عبد الباقي» لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة وصحة القراءة، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، يقول «الإمام ابن الجزري»: «أخذ القراءة عن «عبد الباقي» عرضا: «فارس بن أحمد، وأكثر عنه وقال: قال لنا «عبد الباقي»: أدركت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الرزاق بأنطاكية، وجلست معه في مجلسه، وهو يقرئ سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ولم أقرأ عليه، ولما حصّل الروايات ورجع إلى دمشق يقرئ بها، حصل بينه وبين شيوخها اختلاف فتعصب له قوم، وتعصب آخرون عليه، حتى تطاول بعضهم إلى بعض فخرج منها إلى «الديار المصرية» (٢).
احتلّ «عبد الباقي مكانة سامية بين العلماء مما استوجب الثناء عليه. يقول «الإمام الداني»: كان «عبد الباقي» خيّرا، فاضلا، ثقة، مأمونا، إماما في القراءات، عالما بالعربية، بصيرا بالمعاني، قال لي «فارس بن أحمد» أحد تلاميذه عنه: إنه أدرك إبراهيم بن عبد الرزاق بأنطاكية، وجلس بين يديه في سنة اربع وثلاثين وثلاثمائة، وسمعت عبد الرحمن بن عبد الله يقول:
كان «عبد الباقي» يسمع معنا ببغداد على أبي بكر الأبهري، وكتب عنه كتبه في الشرح، ثم قدم «مصر» فقامت له بها رئاسة عظيمة، وكنا لا نظنه هناك، إذ كان ببغداد. اه (٣).
وقال «الإمام ابن الجزري»: كان عبد الباقي أستاذا حاذقا، ضابطا، ثقة، رحل إلى الأمصار» (٤).
стр. 816
توفي «عبد الباقي» بالاسكندرية، وقيل بمصر، بعد سنة ثمانين وثلاثمائة، بعد حياة حافلة بتعليم القرآن الكريم.
﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 817
رقم الترجمة/ ٥٣ «عبد الباقي بن فارس» (١) ت ٤٥٠ هـ
هو: عبد الباقي بن فارس بن أحمد أبو الحسن الحمصي، ثم المصري وهو مقرئ مشهور مجوّد، أخذ القراءة عن خيرة العلماء.
وقد روى القراءات عرضا عن والده فارس بن أحمد، أبو الفتح الحمصي الضرير نزيل مصر، وهو أستاذ كبير ضابط ومن الثقات، ولد بحمص سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ثم رحل، وأخذ القراءة عن عدد من العلماء، وفي مقدمتهم: «عمر بن محمد الحضرمي» و «عبد الله بن محمد الرازي» وآخرون.
ثم جلس لتعليم القرآن، وأقبل عليه الحفاظ، وفي مقدمتهم: ولده «عبد الباقي» والحافظ أبو عمرو الداني، وقال عنه: «لم ألق مثله في حفظه وضبطه، كان حافظا، ضابطا، حسن التأدية فهما بعلم صناعته، واتساع روايته مع ظهور فضله وصدق لهجته، توفي بمصر سنة إحدى وأربعمائة (٢).
ومن شيوخ «عبد الباقي بن فارس» في القراءة: «قسيم بن أحمد بن مطير أبو القاسم الظهراوي المصري، من ساكني مدينة «بلبيس» وهو مقرئ ضابط، مشهور، قال عنه «الإمام الداني»: كان «قسيم بن أحمد» ضابطا لرواية ورش يقصد فيها، وتؤخذ عنه وكان خيّرا فاضلا، سمعت «فارس بن أحمد» يثني عليه، وكان يقرئ بموضعه إذ كنت بمصر سنة سبع وتسعين وثلاثمائة (٣).
стр. 818
أخذ «قسيم بن أحمد» القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم جدّه لأمه «عبد الله بن عبد الرحمن» ويقال: محمد بن عبد الرحمن الظهراوي، صاحب «أبي بكر بن سيف».
جلس «قسيم بن أحمد» لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة، والضبط، وجودة القراءة، وأقبل عليه الطلاب، وفي مقدمة من أخذ عنه القراءة: «عبد الباقي ابن فارس» وأحمد بن محمد الصقلي»، وآخرون.
توفي «قسيم بن أحمد» سنة ثمان أو تسع وتسعين وثلاثمائة.
ومن شيوخ «عبد الباقي بن فارس» في القراءة: «عمر بن محمد بن عراك، أبو حفص الحضرمي المصري». وهو من الأئمة المشهورين، ومن الثقات المعروفين في قراءة «ورش» وكان إمام جامع مصر.
أخذ «عمر بن عراك» القراءة عن مشاهير العلماء، وفي مقدّمتهم: «أبو غانم المظفر بن أحمد» وسمع حروف القراءات من «أحمد بن محمد بن زكريا الصدفي» وآخرين.
جلس «عمر بن عراك» لتعليم القرآن، وذاع صيته، واشتهر بالثقة، وحسن القراءة، وأقبل عليه عدد كبير من حفاظ القرآن، وفي مقدمة من قرأ عليه: «عبد الباقي بن فارس، وتاج الأئمة، أحمد بن عليّ بن هاشم» وآخرون.
توفي «عمر بن عراك» بمصر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.
ومن شيوخ «عبد الباقي بن فارس» في القراءة: عبد الله بن الحسين بن حنون أبو أحمد السامري البغدادي، نزيل مصر، المقرئ اللغوي، مسند القراء في زمانه، قال عنه «الإمام الداني»: هو مشهور ضابط ثقة مأمون (١).
стр. 819
وقال عنه «الحافظ الذهبي»: سألت: «أبا حيان محمد بن يوسف الأندلسي» عن «أبي أحمد السامري» فأثنى عليه ووثقه (١).
ولد «عبد الله بن الحسين» سنة خمس أو ست وتسعين ومائتين، وأخذ القراءة عن مشاهير علماء عصره، وفي مقدّمتهم: «أبو بكر بن مجاهد، وأبو الحسن بن شنبوذ».
وبعد أن اكتملت مواهب «عبد الله بن الحسين» جلس لتعليم القراءة وحروف القراءات، واشتهر بالثقة والضبط، وأقبل عليه الطلاب، ومن الذين أخذوا عنه القراءة: «أبو الفتح فارس بن أحمد» وهو أضبط من قرأ عليه، وعبد الباقي بن فارس، وغيرهما كثير.
توفي «عبد الله بن الحسين» بمصر سنة ست وثمانين وثلاثمائة.
وبعد أن أصبح «عبد الباقي بن فارس» مؤهلا لتعليم القرآن، وحروف القراءات تصدر لذلك، وأقبل عليه الطلاب، وفي مقدّمة من أخذ عنه القراءة: «عبد الله بن سهل بن يوسف أبو محمد الأنصاري الأندلسي المرسي:
بضم الميم، وسكون الراء، نسبة إلى «مرسيّة» وهي بلدة من بلاد المغرب» (٢).
قال «أبو علي بن سكّرة»: هو إمام وقته في فنّه، لقيته بالمرّيّة (٣) لازم «أبا عمرو الداني» ثمانية عشر عاما، ورحل فلقي جماعة، قال: وجرت بينه وبين شيخه «الداني» عند قدومه منافسة ومقاطعة، وكان «أبو محمد» شديدا على أهل البدع، قوّالا بالحق مهيبا جرت له في ذلك أخبار كثيرة، وامتحن، ولفظته البلاد، وغرّب، وغمزه كثير من الناس، ودخل «سبتة» وأقرأ بها
стр. 820
مدّة، ثم خرج إلى «طنجة» ثم رجع إلى الأندلس فمات برندة (١).
أخذ «عبد الله بن سهل» القراءة عن عدد من العلماء وفي مقدمتهم: «أبو عمرو الداني، وعبد الباقي بن فارس» وقرأ القراءات على «أبي عمر الطلمنكي، ومكي بن أبي طالب القيسي».
ثم جلس لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة والحفظ، والأمانة، وأقبل عليه الطلاب، وفي مقدمة من أخذ عنه القراءة: «عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع». توفي «عبد الله بن سهل» «برندة» سنة ثمانين وأربعمائة.
ومن تلاميذ «عبد الباقي بن فارس» في القراءة: «محمد بن عبد الله بن مسبّح بن عبد الرحمن أبو عبد الله الفضّي المصري، وهو من أئمة القراءة المشهورين بالثقة وكثرة الروايات. أخذ القراءة عن مشاهير العلماء وفي مقدمتهم: «عبد الباقي بن فارس» وروى كتاب «الروضة» للمالكي سماعا عن «أبي الحسن علي بن حميد الواعظ، وإبراهيم بن إسماعيل بن غالب الخياط» وقرأ على «أبي معشر الطبري» بكتابه «سوق العروس».
ثم جلس «محمد بن المسبّح» لتعليم القراءات، واشتهر بالثقة والأمانة، وكثرة الروايات، وأقبل عليه الطلاب، يأخذون عنه، ومن الذين قرءوا عليه:
«الشريف أبو الفتوح ناصر بن الحسن، وزيد بن شافع اللخمي» وآخرون.
قال «ابن الجزري»: لا أدري متى توفي «محمد بن المسبّح» إلا أنه لم يصل إلى العشرين وخمسمائة.
وبعد حياة حافلة بتعليم القرآن، وحروف القراءات توفي «عبد الباقي بن فارس» في حدود الخمسين وأربعمائة.
﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 821
رقم الترجمة/ ٥٤ «عبد الرّحمن الخزرجي» (١) ت ٤٤٦ هـ
هو: عبد الرحمن بن الحسن بن سعيد أبو القاسم الخزرجي القرطبي، من أهل الأندلس وهو أستاذ محقق حجة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ، ضمن علماء الطبقة العاشرة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
رحل سنة ثمانين وثلاثمائة إلى المشرق في سبيل العلم والأخذ عن الشيوخ فحج أربع مرات، وأخذ عن كبار العلماء، وألف «كتاب المقاصد».
وفي مقدمة شيوخه الذين أخذ عنهم: كما قال «أبو علي الغسّاني»: عبد الله ابن الحسين بن حسنون أبو أحمد السامري البغدادي، نزيل مصر، المقرئ اللغوي مسند القراء في زمانه.
ولد سنة خمس أو ست وتسعين ومائتين، وتوفي بمصر ليلة السبت لثمان بقين من المحرم سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وصلى عليه «أبو حفص عمر بن عراك».
قال «الإمام الداني»: أخذ «أبو أحمد السامري» القراءة عرضا عن «محمد ابن حمدون الحذاء، وأحمد بن سهل الأشناني، وأبي بكر بن مجاهد، وأبي الحسن بن شنبوذ، وأبي بكر بن مقسم، والحسن بن صالح، ومحمد بن الصباح المكي، وسلامة بن هارون»، وغيرهم كثير.
стр. 822
تصدّر «أبو أحمد السامري» لتعليم القرآن، وتتلمذ عليه الكثيرون، وفي مقدمتهم: «أبو الفتح فارس بن أحمد، وهو أضبط من قرأ عليه، وأبو الفضل الخزاعي، ويوسف بن رباح، وأبو الحسين التّنيسي الخشاب، وعبد الرحمن بن الحسن، وعبد الجبار بن أحمد الطرسوسي، وأبو العباس بن نفيس»، وغير هؤلاء كثير.
قال «الحافظ الذهبي»: قرأ «عبد الرحمن الخزرجي» بالأندلس على: «عليّ ابن محمد بن إسماعيل بن محمد بن بشر أبو الحسن الأنطاكي التميمي نزيل الأندلس وشيخها، وهو إمام حاذق مسند ثقة ضابط. ولد بانطاكية سنة تسع وتسعين ومائتين، وتوفي يوم الجمعة ليومين بقيا من شهر ربيع الأول، سنة سبع وسبعين وثلاثمائة بقرطبة.
أخذ «أبو الحسن الأنطاكي» القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم:
«إبراهيم بن عبد الرزاق، وأحمد بن محمد بن خشيش، ومحمد بن جعفر بن بيان البغدادي، ومحمد بن النضر بن الأخرم، وأحمد بن صالح البغدادي».
تصدّر «أبو الحسن الأنطاكي» لتعليم القرآن، ومن الذين أخذوا عنه القراءة، «أبو الفرج الهيثم بن أحمد الصباغ، وإبراهيم بن مبشّر، وعتبة بن عبد الملك، ومحمد بن عمر الغازي، وأبو المطرز القنازعي، ومحمد بن يوسف النجار، وعبيد الله بن سلمة بن حزم» وغيرهم كثير.
ومن شيوخ «عبد الرحمن الخزرجي»: «محمد بن علي بن أحمد بن محمد أبو بكر الأذفوي المصري». ولد «أبو بكر الأذفوي» سنة أربع وثلاثمائة، وتوفي بمصر يوم الخميس لسبع خلون من ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.
أخذ «أبو بكر الأذفوي» القراءة عن خيرة العلماء، فقد أخذ القراءة عرضا عن المظفر بن أحمد بن حمدان، وسمع حروف القراءات من أحمد بن
стр. 823
إبراهيم بن جامع، وسعيد بن السكن، والعباس بن أحمد، ولزم «أبا جعفر النحّاس».
تصدر «أبو بكر الأذفوي» لتعليم القرآن. ومن الذين أخذوا عنه القراءة:
«محمد بن الحسين بن النعمان، والحسن بن سليمان وعبد الجبار بن أحمد الطرسوسي، وابنه أبو القاسم أحمد بن أبي بكر الأذفوي، وعتبة بن عبد الملك، وأبو الفضل الخزاعي».
احتلّ «أبو بكر الأذفوي» مكانة سامية، ومنزلة رفيعة بين العلماء مما جعلهم يثنون عليه.
وفي هذا يقول «الإمام الداني»: انفرد «أبو بكر الأذفوي» بالإمامة في دهره في قراءة «نافع» رواية «ورش» مع سعة علمه، وبراعة فهمه، وصدق لهجته، وحسن اطلاعه، وتمكنه من علم العربية، وبصره بالمعاني.
وقال «الحافظ الذهبي»: برع «أبو بكر الأذفوي» في علوم القرآن، وكان سيّد أهل عصره بمصره، له كتاب التفسير في مائة وعشرين مجلّدا، موجود بالقاهرة. اه (١).
قال «ابن الجزري»: سمّاه الاستغناء في علوم القرآن، ألّفه في اثنتي عشرة سنة. اه (٢).
وكما أخذ «عبد الرحمن الخزرجي» القراءة عن خيرة العلماء، أخذ أيضا حديث الهادي البشير ﷺ عن خيرة المحدثين، وفي هذا يقول «الحافظ الذهبي»: «قال «عبد الرحمن الخزرجي» عن نفسه: ومن شيوخي في الحديث:
«أبو بكر المهندس، وأبو مسلم الكاتب، والحسن بن إسماعيل الضرّاب وأبو
стр. 824
محمد بن أبي زيد» اه (١).
احتل «عبد الرحمن الخزرجي» مكانة سامية، ومنزلة رفيعة، مما استوجب ثناء العلماء عليه، وفي هذا يقول «أبو عمر أحمد بن مهدي»: كان «عبد الرحمن الخزرجي» من أهل العلم بالقراءات، حافظا للخلاف، مجوّدا للأداء، بصيرا بالنحو، مع الخير، والحال الحسن. اه (٢).
تصدّر «عبد الرحمن الخزرجي» لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة وصحة القراءة وأقبل عليه حفاظ القرآن من كل مكان يأخذون عنه، وفي هذا يقول «الحافظ الذهبي»: «وأقرأ الناس دهرا في مسجد بقرطبة، وفي الجامع، وقرأ عليه «يحيى بن إبراهيم بن أبي زيد، أبو الحسن اللواتي المرسي المعروف بابن البيّاز، صاحب كتاب «النبذ النامية» شيخ الأندلس، وهو إمام كبير. قرأ على «عبد الرحمن الخزرجي» وأبي عمرو الداني، وأبي عمر أحمد بن محمد الطلمنكي، ومكي بن أبي طالب، وعبد الجبار الطرسوسي بمصر، وقيل: لم يقرأ عليه القرآن، وإنما سمع الحروف».
تصدّر «ابن البياز» لتعليم القرآن، وتتلمذ عليه الكثيرون وفي مقدمتهم:
«أبو الحسن عليّ بن أحمد بن الباذش، ومحمد بن الحسن بن غلام الفرس، وعليّ بن عبد الله بن ثابت، وسليمان بن يحيى، وعيسى بن حزم الغافقي، وسمع كتاب «التلقين»، من مؤلفه «القاضي عبد الوهاب».
توفي «ابن البياز» في ثالث المحرّم سنة ست وتسعين وأربعمائة وله تسعون سنة.
وقال «ابن الجزري»: قرأ على «عبد الرحمن الخزرجي»: «خلف بن
стр. 825
إبراهيم» و «أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الحق، أبو جعفر الخزرجي».
وقرأ «أحمد بن عبد الرحمن» على «مكي بن أبي طالب» احزابا من القرآن، ثم قرأ السبع على «عبد الرحمن بن الحسن الخزرجي» وعلى «أبي عبد الله بن الطرفي».
تصدر «أحمد بن عبد الرحمن» لتعليم القرآن، ومن الذين قرءوا عليه:
«محمد بن سمرة» و «عبد الرحمن بن عليّ الخزرجي».
توفي «أحمد بن عبد الرحمن» سنة إحدى عشرة وخمسمائة عن تسعين سنة.
ومن تلاميذ «عبد الرحمن الخزرجي»: «عبد الله بن سهل بن يوسف أبو محمد الأنصاري الأندلسي»، مقرئ الأندلس، وهو أستاذ ماهر محقق، ثقة، مصدّر.
أخذ «عبد الله بن سهل» القراءة عن خيرة العلماء وفي مقدمتهم: «أبو عمر الطلمنكي، ومكي بن أبي طالب القيسي، وأبو عمرو الداني، وعبد الجبار الطرسوسي بمصر، وخلف بن غصن الطائيّ، وعبد الباقي بن فارس، وعبد الرحمن بن الحسن، ومحمد بن سليمان، ومحمد بن سفيان صاحب كتاب «الهادي». يقول «الإمام ابن الجزري» بعد أن ذكر أساتذة «عبد الله بن سهل» قال: «وهؤلاء شيوخ ما نعلم أحدا جميع بينهم سواه» (١).
تصدّر «عبد الله بن سهل» لتعليم القرآن، وفي مقدمة من قرأ عليه: «عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع».
احتلّ «عبد الله بن سهل» منزلة رفيعة، ومكانة سامية بين العلماء مما جعلهم يثنون عليه، وفي هذا يقول «أبو علي بن سكرة»: «عبد الله بن سهل» إمام
стр. 826
وقته في فنّه، لقيته بالمريّة، ولازم «أبا عمرو الداني» ثمانية عشر عاما، ورحل فلقي جماعة، ثم يقول: وكان «أبو محمد شديدا على أهل البدع قوّالا بالحق مهيبا، جرت له في ذلك أخبار كثيرة» اه (١).
توفي «عبد الله بن سهل» سنة ثمانين وأربعمائة هـ.
ومن تلاميذ «عبد الرحمن الخزرجي»: «الحسين بن عبيد الله بن سعيد أبو علي الحضرمي»، وهو شيخ مقرئ، قرأ على «عبد الرحمن الخزرجي» وقرأ عليه: «علي بن أحمد بن خلف بن الباذش».
قال «عبد الرحمن الخزرجي»: ومن شيوخي في «القرآن»: «عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون، أبو الطيب الحلبي نزيل مصر، وهو: أستاذ كبير ماهر، محرر، ضابط ثقة،
صالح».
ولد ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وثلاثمائة بحلب، وانتقل إلى مصر فسكنها.
أخذ «أبو الطيب بن غلبون» القراءة عن خيرة العلماء، فقد روى القراءة عرضا وسماعا عن: «إبراهيم بن عبد الرزاق، وإبراهيم بن محمد بن مروان، وأحمد بن بلال، ومحمد بن أحمد بن إبراهيم البغدادي، وأحمد بن الحسين النحوي، وأحمد بن موسى، وجعفر بن سليمان، والحسين بن خالويه، والحسن ابن حبيب الحصائري، وصالح بن إدريس، وعبد الله بن أحمد بن الصقري، وعلى بن محمد المكي، وعمر بن بشران، ومحمد بن جعفر الفريابي، ومحمد بن علي العطوفي، ونجم بن بدر، وصالح بن إدريس، وعبد الله بن أحمد بن الصقر، وعلي بن محمد المكي، ونصر بن يوسف».
تصدّر «أبو الطيب بن غلبون» لتعليم القرآن، واشتهر بين الناس بالثقة،
стр. 827
وجودة القراءة، وأقبل عليه الطلاب من كل مكان يأخذون عنه. ومن الذين أخذوا عنه القراءة: ولده «أبو الحسن طاهر» وأحمد بن علي الرّبعي، وأبو جعفر أحمد بن عليّ الأزدي، وأحمد بن عليّ تاج الأئمة، وأحمد بن نفيس، والحسن بن عبد الله الصقلي، وخلف بن غصن، وأبو عمر الطلمنكي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن الأستاذ، وعبد الرحمن الخزرجي، وأبو عبد الله محمد بن سفيان، وأبو الحسين محمد بن قتيبة الصقلي، ومكي بن أبي طالب.
احتل «أبو الطيب بن غلبون» مكانة سامية، ومنزلة رفيعة، واشتهر بالثقة مما جعل العلماء يثنون عليه، وفي هذا يقول «الإمام أبو عمرو الداني»: كان «أبو الطيب بن غلبون» حافظا للقراءات ضابطا، ذا عفاف، ونسك وفضل، وحسن تصنيف (١).
توفي «أبو الطيب بن غلبون» بمصر في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة.
﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
وبعد حياة حافلة بتعليم القرآن توفي عبد الرحمن الخزرجي سنة ست وأربعين وأربعمائة للهجرة.
﵀ رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.
стр. 828
رقم الترجمة/ ٥٥ «عبد السّلام بن الحسين» (١) ت ٤٠٥ هـ
هو: عبد السلام بن الحسين بن محمد بن طيفور أبو أحمد البصري ثم البغدادي شيخ عارف ثقة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
ولد «عبد السلام» سنة تسع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة. قرأ القرآن على عدد من العلماء وفي مقدمتهم: «الحسين بن إبراهيم الصائغ، وعلي بن محمد خشنام، وعلي بن محمد بن صالح الهاشمي، وعلي بن أبي رجاء، وأبو العباس الكيّال» وآخرون. كما أخذ «ابن طيفور» حديث الهادي البشير ﷺ عن عدد من العلماء وحدّث به، في هذا يقول «الخطيب البغدادي»: «سكن ابن طيفور بغداد وحدث بها عن محمد إسحاق بن عبّاد التمّار، وجماعة من البصريين» اه.
تصدر «ابن طيفور» لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة وصحة السند، وجودة القراءة، وطيب النفس، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه القرآن الكريم، وسنة الهادي البشير ﷺ ، ومن الذين قرءوا عليه: «أبو علي الشرمقاني، والحسن بن علي العطار، والحسن بن محمد بن إبراهيم المالكي، وأبو الحسن الخياط، وعبد الواحد بن شيطا، ونصر بن عبد العزيز الشيرازي، وعبد الملك بن سابور» وآخرون.
стр. 829
احتل «ابن طيفور» مكانة سامية، ومنزلة رفيعة، وسمعة حسنة، مما استوجب ثناء العلماء عليه، حول هذه المعاني يقول «الخطيب البغدادي»:
«حدثني عنه «عبد العزيز الأزجي» وغيره، وكان صدوقا، عالما، أديبا، قارئا للقرآن، عارفا بالقراءات، وكان يتولى ببغداد النظر في دار الكتب، وإليه حفظها والإشراف عليها».
ثم يقول «البغدادي»: سمعت «أبا القاسم عبيد الله بن علي الرقي الأديب يقول: «كان عبد السلام البصري» من أحسن الناس تلاوة للقرآن، وإنشادا للشعر، وكان سمحا سخيا، وربما جاء السائل وليس معه شيء يعطيه فيدفع إليه بعض كتبه التي لها قيمة كثيرة، وخطر كبير. اه.
وقال «الخطيب البغدادي»: حدثني علي بن الحسن التنوخي أن «عبد السلام البصري» توفي من يوم الثلاثاء التاسع عشر من المحرم سنة خمس وأربعمائة. وقال غيره: ودفن في مقبرة الشونيزي عند قبر «أبي علي الفارسي» ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 830
رقم الترجمة/ ٥٦ «عبد الله بن سهل» (١) ت ٤٨٠ هـ
هو: عبد الله بن سهل بن يوسف أبو محمد الأنصاري الأندلسي المرسي:
بضم الميم، وسكون الراء، وهي نسبة إلى «مرسية»، وهي بلدة من بلاد المغرب، وقد نسب إليها جماعة من العلماء (٢).
وهو من خيرة القراء المشهورين، المشهود لهم بالثقة والأمانة، قال عنه «ابن الجزري»: «عبد الله بن سهل مقرئ الأندلس، استاذ، ماهر، محقق، مصدّر، ثقة» (٣).
وقال «أبو الأصبغ بن سهل»: «أشكلت عليّ مسائل من علم القرآن، لم أجد من يشفيني فيها حتى لقيت «أبا محمد بن سهل» (٤).
أخذ «عبد الله بن سهل» القراءة عن مشاهير العلماء وفي مقدمتهم: «أحمد ابن محمد بن عبد الله، أبو عمر الطلمنكي»، الأندلسي، نزيل قرطبة. وهو من القراء المشهود لهم بالثقة وصحة الإسناد.
ولد سنة أربعين وثلاثمائة، ورحل إلى المشرق فقرأ على الكثيرين، وفي مقدمتهم: «عمر بن عراك، وعبد المنعم بن غلبون».
стр. 831
وبعد أن اكتملت مواهبه، تصدر لتعليم القرآن، وحروف القراءات، وذاع صيته بين الناس، وأقبل عليه الطلاب من كل مكان يأخذون عنه، ومن الذين قرءوا عليه: «عبد الله بن سهل».
توفي «أبو عمر الطلمنكي» في ذي الحجة سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
ومن شيوخ «عبد الله بن سهل» في القراءة: «مكي بن أبي طالب بن حموش أبو محمد القيسي»، القيرواني، الأندلسي، وهو من مشاهير القراء المحققين، ومن الثقات المجوّدين، ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة بالقيروان، ورحل إلى كثير من المدن من أجل العلم وللأخذ عن الشيوخ، ومن المدن التي رحل إليها: «مكة المكرمة، مصر، وبيت المقدس».
ألّف: «مكي بن أبي طالب» الكثير من الكتب بلغت أكثر من ثمانين كتابا، قال رحمه الله تعالى: «ألفت كتابي «الموجز في القراءات» بقرطبة، سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وألفت كتاب «التبصرة» بالقيروان سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وألفت «مشكل الإعراب» في الشام ببيت المقدس سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وألفت باقي تواليفي بقرطبة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة (١).
احتلّ «مكيّ بن أبي طالب» منزلة رفيعة بين الناس مما جعل العلماء يثنون عليه، وفي هذا يقول صاحبه «أحمد بن مهدي المقري»: «كان مكي بن أبي طالب من أهل التبحّر في علوم القرآن، والعربية، حسن الفهم والخلق، جيّد الدين والعقل، كثير التأليف في علوم القرآن، محسنا، مجوّدا، عالما بمعاني القراءات» (٢).
أخذ «مكي بن أبي طالب» القراءات عن مشاهير علماء عصره، وفي
стр. 832
مقدمتهم: «أبو الطيب عبد المنعم بن غلبون» فقد أخذ عنه القراءات بمصر.
وبعد أن اكتملت مواهبه تصدّر لتعليم القرآن، وحروف القراءات، وذاع صيته بين الناس، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، وينهلون من علمه، ومن الذين قرءوا عليه: «عبد الله بن سهل».
توفي «مكي بن أبي طالب» في المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.
ومن شيوخ «عبد الله بن سهل» في القراءة: «عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد أبو عمرو الداني الأمويّ مولاهم القرطبي، المعروف في زمانه بابن الصيرفي»، ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. وهو من أشهر العلماء في علوم القرآن الكريم، وأعلاهم إسنادا.
قال رحمه الله تعالى: «وابتدأت بطلب العلم في سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة، ورحلت إلى المشرق في سنة سبع وتسعين، ودخلت مصر في شوّال فمكثت بها سنة،
وحججت، ودخلت الأندلس في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وخرجت إلى «الثغر» سنة ثلاث وأربعمائة، فسكنت «سرقسطة» سبعة أعوام ثم رجعت إلى «قرطبة» قال: وقدمت «دانية» سنة سبع عشر وأربعمائة».
فاستوطنها حتى توفاه الله تعالى.
احتلّ «أبو عمرو الداني» مكانة سامية، ومنزلة رفيعة بين الجميع، ولا زالت ذكراه عطرة حتى الآن، ومصنفاته انتفع بها آلاف طلاب العلم، والعلماء، ولو كتبت مؤلفات عن «أبي عمرو الداني» فلن توفيه حقه، في هذا المقام يقول «ابن بشكوال»:
كان «أبو عمرو الداني» أحد الأئمة في علم القرآن، ورواياته، وتفسيره،
стр. 833
ومعانيه، وطرقه، وإعرابه، وجمع في ذلك تواليف حسانا يطول تعدادها، وله معرفة بالحديث، وطرقه، وأسماء رجاله، ونقلته، وكان حسن الخط، جيّد الضبط من أهل الحفظ، والذكاء، والتفنن، ديّنا، فاضلا، ورعا، سنيّا (١).
وقال «المغامي»: كان «أبو عمرو الداني» مجاب الدعوة، مالكيّ المذهب، قرأت بخط شيخنا «الحافظ عبد الله بن محمد بن خليل» ﵀، قال بعض الشيوخ، لم يكن في عصره، ولا بعد عصره أحد يضاهيه في حفظه، وتحقيقه، وكان يقول: «ما رأيت شيئا إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، ولا حفظته فنسيته. وكان يسأل عن المسألة مما يتعلق بالآثار، وكلام السلف فيوردها بجميع ما فيها مسندة من شيوخه إلى قائلها» اه (٢).
وقال «الإمام ابن الجزري»: سمع «أبو عمرو الداني» الحديث من جماعة، وبرّز فيه، وفي أسماء رجاله، وفي القراءات علما وعملا، وفي الفقه، والتفسير، وسائر أنواع العلوم. ثم يقول «ابن الجزري»:
ومن نظر كتبه علم مقدار الرجل، وما وهبه الله تعالى فيه، فسبحان الفتّاح العليم» (٣).
ترك «أبو عمرو الداني» الكثير من المصنفات النافعة المفيدة، من هذه المصنفات كتابه «جامع البيان» فيما رواه في القراءات السبع، وكتاب «التيسير» في القراءات السبع، وهو مشهور لدى علماء القراءات، وأقول: قد قرأت بمضمّن هذا الكتاب، والحمد لله رب العالمين، وأقرأت به تلاميذي.
ومن مصنفاته «كتاب المقنع في رسم المصاحف، وكتاب المحكم في نقط المصاحف»، وأقول: هذان الكتابان يعتبران من المراجع الأصيلة في رسم
стр. 834
المصاحف ونقطها، يرجع إليها كل من له معرفة ودراية برسم المصحف وضبطه. وهناك الكثير من المؤلفات يطول ذكرها.
أخذ «أبو عمرو الداني» القراءة عن مشاهير علماء عصره، وفي مقدمتهم:
«خلف بن إبراهيم بن خاقان، وأبو الحسن طاهر بن عبد المنعم بن غلبون» وغيرهما كثير.
وبعد أن اكتملت مواهبه تصدّر لتعليم القرآن، وحروف القراءات، وذاع صيته بين الناس، وتزاحم الناس على الأخذ عنه، ومن الذين قرءوا عليه:
«عبد الله بن سهل».
توفي «أبو عمرو الداني» بدانية يوم الاثنين منتصف شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ﵀ رحمة واسعة.
ومن شيوخ «عبد الله بن سهل» في القراءة: عبد الجبّار بن أحمد بن عمر ابن الحسن، أبو القاسم الطرسوسي؛ بفتح الطاء والراء المهملتين، نسبة إلى «طرسوس» وهي من بلاد «الثغر» بالشام، يقول «السمعاني»: وكان يضرب بعيدها المثل، إذ كان أهلها يتزينون ويخرجون بالأسلحة الكثيرة المليحة، والخيل الحسان، ليصل الخبر إلى الكفار فلا يرغبون في قتالهم، وقد كان هذا قبل أيامنا، والساعة صار هذا البلد في ايدي الفرنج (١).
وكان استيلاؤهم عليها سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو تاريخ «محنة طرسوس».
ولد «عبد الجبار بن أحمد» سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وكان من مشاهير القراء المشهود لهم بالثقة، والأمانة، وجودة القراءة، وصحة الإسناد يقول عنه «أبو عمرو الداني»:
стр. 835
«كان شيخا فاضلا، ضابطا، ذا عفاف، ونسك، رأيته وشاهدته، وكان كثيرا ما يقصد شيخنا «فارس بن أحمد» يذاكره في مجلسه» اه (١).
أخذ «عبد الجبار بن أحمد» القراءة عن مشاهير العلماء، وفي مقدمتهم:
«أبو أحمد السامري» عرض عليه حروف القراءات كلها بمصر، بعد أن رحل إليها، كما أخذ القراءات أيضا عن «أبي بكر الأذفوي».
وبعد أن اكتملت مواهبه، صنف كتاب «المجتبى الجامع في القراءات» وأصبح شيخا لقراء مصر، وأقبل عليه الطلاب من كل مكان يأخذون عنه، ويتلقون عليه القراءات، ومن الذين أخذوا عنه القراءة: «عبد الله بن سهل» وأبو الطاهر إسماعيل بن خلف» صاحب «كتاب العنوان» في القراءات.
توفي «عبد الجبار بن أحمد» بمصر في آخر شهر ربيع الأول أو أول ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة.
ومن شيوخ «عبد الله بن سهل» في القراءة: «خلف بن غصن أبو سعيد الطائي، القرطبي». وهو من خيرة القراء المشهود لهم بالثقة، والضبط والعدل.
أخذ القراءة عن مشاهير القراء وفي مقدمتهم: «أبو الطيب عبد المنعم بن غلبون، وعمر بن عراك» وغيرهما كثير. ثم تصدّر «خلف بن غصن» لتعليم القرآن، وقراءاته، وذاع صيته بين الناس، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، ومن الذين قرءوا عليه «عبد الله بن سهل».
توفي «خلف بن غصن» في المحرم سنة سبع عشرة وأربعمائة.
ومن شيوخ «عبد الله بن سهل» في القراءة: «عبد الباقي بن فارس بن أحمد، أبو الحسن الحمصي، ثم المصري». وهو مقرئ ثقة، متصدر، مجوّد، صحيح السند، عمّر دهرا، أخذ «عبد الباقي بن فارس» القراءة وحروف
стр. 836
القرآن عن عدد من القرّاء، وفي مقدّمتهم «والده» رحمهما الله تعالى، إذ نشأ في بيت عامر بقراءة القرآن، وتعليم القراءات.
وقرأ «لورش» على «عمر بن عراك، وقسيم الظهراوي».
وبعد أن وجد نفسه أهلا للتدريس جلس لذلك، واشتهر بين الناس بالثقة، وحسن الأداء، ومن الذين قرءوا عليه: «عبد الله بن سهل، وأبو القاسم ابن الفحام».
توفي «عبد الباقي بن فارس» في حدود الخمسين وأربعمائة.
ومن شيوخ «عبد الله بن سهل» في القراءة: «عبد الرحمن الحسن بن سعيد، أبو القاسم الخزرجي، القرطبي»، من أهل الأندلس، رحل إلى المشرق سنة ثمانين وثلاثمائة، فحج أربع مرّات، وأخذ العلم والقراءات عن الكبار، وألف كتاب «المقاصد».
كان «عبد الرحمن بن الحسن» من مشاهير القراء، ومن الثقات المعروفين، أخذ القراءة عن عدد من خيرة العلماء، وفي مقدّمتهم: «أبو أحمد السامري، وأبو الطيب بن غلبون».
وقرأ بالأندلس على «أبي الحسن الأنطاكي».
ثم تصدر «عبد الرحمن بن الحسن» لتعليم القرآن، وذاع صيته بين الناس، فأقبلوا يأخذون عنه، فقرأ عليه «خلف بن إبراهيم» خطيب قرطبة، وعبد الله ابن سهل» وغيرهما كثير.
توفي «عبد الرحمن بن الحسن» سنة ست وأربعين وأربعمائة. ﵀ رحمة واسعة.
ومن شيوخ «عبد الله بن سهل» في القراءة: «محمد بن سليمان بن محمود أبو
стр. 837
سالم أو أبو عبد الله الأبيّ الأندلسي»، دخل الأندلس في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. وهو من خيرة القراء، المشهود لهم بالثقة، والأمانة، وصحة الإسناد، قال عنه «الإمام الذهبي»: وكان ذكيّا، حافظا.
أخذ «محمد بن سليمان» القراءة عن عدد من العلماء، وفي مقدمتهم:
«أبو أحمد عبد الله بن الحسين السامري».
وبعد أن أصبح أهلا للتدريس، وتعليم كتاب الله تعالى، جلس لذلك، واشتهر بالثقة، وجودة القراءة، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، ومن الذين قرءوا عليه: «عبد الله بن سهل».
لم يذكر المؤرخون تاريخ وفاة «محمد بن سليمان».
ومن شيوخ «عبد الله بن سهل» في القراءة: «محمد بن سفيان أبو عبد الله القيرواني المالكي»، وهو من مشاهير القراء، ومن العلماء المؤلفين، وهو صاحب كتاب «الهادي» في القراءات، وهو من المشهود لهم بالثقة، وصحة الإسناد، رحل إلى «مصر» من أجل الأخذ عن شيوخها، فقرأ على «إسماعيل ابن محمد المهري» برواية «ورش» عن نافع. وعرض الروايات على «أبي الطيب ابن غلبون» رحل إليه قبل سنة ثمانين وثلاثمائة، ثم عاد من «مصر».
احتلّ «محمد بن سفيان» مكانة سامية، مما جعل العلماء يثنون عليه، يقول «الحافظ الذهبي»: سمع معنا «محمد بن سفيان» على الشيخ «أبي الحسن عليّ ابن محمد بن خلف الفقيه، القابسي».
وكان ذا فهم، وحفظ، وستر، وعفاف، خرج من «القيروان» لأداء فريضة الحج سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، فحج، وجاور بمكة، ثم أتى المدينة
стр. 838
المنورة، فمرض وتوفي بها (١).
تصدّر «محمد بن سفيان» لتعليم القرآن، وحروف القراءات، ومن الذين قرءوا عليه: «عبد الله بن سهل».
توفي «محمد بن سفيان» بالمدينة المنورة سنة خمس عشرة وأربعمائة.
وبعد أن اكتملت مواهب «عبد الله بن سهل» والأخذ عن مشاهير القراء، تصدّر لتعليم القرآن، وحروف القراءات، واشتهر بالثقة، وجودة القراءة، وأقبل الطلاب يأخذون عنه، ومن الذين قرءوا عليه: «عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع، أبو الحسن الأندلسي، وهو من خيرة القراء المشهود لهم بالثقة، وحسن الأداء. ولد قبل الثلاثين وأربعمائة.
وكانت له مكانة سامية بين العلماء، وفي هذا يقول «ابن بشكوال»: كان شيخا صالحا، مجوّدا، حسن الصوت بالقرآن (٢).
أخذ «عبد العزيز بن عبد الملك» القراءة عن خيرة القراء، وفي مقدّمتهم «عبد الله بن سهل».
وبعد أن اكتملت مواهبه تصدر لتعليم القرآن، ومن الذين قرءوا عليه:
«أبو عبد الله محمد بن الحسن بن غلام الفرس».
وبعد حياة حافلة بالعلم، توفي «عبد الله بن سهل» سنة ثمانين وأربعمائة ﵀ رحمة واسعة.
стр. 839
رقم الترجمة/ ٥٧ «عبد الله بن شبيب» (١) ت ٤٥١ هـ
هو: عبد الله بن شبيب بن عبد الله بن محمد بن تميم أبو المظفر الأصبهاني، وهو مقرئ، متصدر، صالح، ضابط، سئل عنه إسماعيل بن الفضل الحافظ، فقال: إمام زاهد عابد عالم بالقراءات، كثير السماع (٢).
وقال عنه «الحافظ الذهبي»: كان بليغ الخطابة، مليح الوعظ، كبير القدر (٣). أخذ «عبد الله بن شبيب» القراءة عن عدد من العلماء وفي مقدمتهم:
«محمد بن جعفر بن عبد الكريم بن بديل، ركن الإسلام، أبو الفضل الخزاعي الجرجاني»، وهو إمام حاذق ثقة، مشهور صاحب المؤلفات، صنف كتاب «المنتهى في القراءات الخمس عشرة» وهو يشتمل على مائتين وخمسين رواية، كما ألّف «كتاب تهذيب الأداء» في القراءات السبع، وكتاب «الواضح».
أخذ «محمد بن جعفر» القراءة عن عدد من خيرة العلماء، وفي مقدمتهم:
«أحمد بن محمد بن الشارب» وآخرون.
وبعد أن اكتملت مواهبه تصدر لتعليم القرآن وحروف القراءات، واشتهر بالثقة وجودة القراءة، وأقبل عليه الطلاب، وفي مقدمة من روى عنه القراءة «أبو العلاء الواسطي».
стр. 840
توفي «أبو الفضل الخزاعي» سنة ثمان وأربعمائة.
ومن شيوخ «عبد الله بن شبيب» في القراءة: «محمد بن عبد الرحمن بن جعفر، أبو بكر، ويقال: أبو علي المعروف بالمصري»، وهو إمام متصدر مقرئ استاذ زاهد. أخذ القراءة عن خيرة علماء عصره، وفي مقدمتهم: «محمد ابن جعفر بن محمود الأشناني، وأبو العباس المطوعي». ثم جلس «محمد بن عبد الرحمن» لتعليم القرآن، وأقبل عليه الطلاب، ومن الذين قرءوا عليه: «أبو المظفر عبد الله بن شبيب» وقال عنه: لم تر عيناي مثله في حضر، ولا في سفر» (١).
ومن شيوخ «عبد الله بن شبيب» في القراءة: «عليّ بن أحمد بن عمر بن حفص بن عبد الله أبو الحسن الحمامي»، شيخ العراق، ومسند الآفاق، وهو ثقة، بارع، متصدر.
قال عنه «الخطيب البغدادي»: كان «أبو الحسن الحمامي» صدوقا، دينا، تفرّد بأسانيد القرآن وعلوها (٢).
ولد «أبو الحسن الحمامي» سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وأخذ القراءة عن خيرة علماء عصره، وفي مقدمتهم: «زيد بن عليّ، وهبة الله بن جعفر».
ثم تصدر «أبو الحسن الحمامي» لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة والضبط وجودة القراءة، وأقبل عليه حفاظ القرآن يأخذون عنه، ومن الذين قرءوا عليه: «أحمد بن مسرور، والحسن بن أبي الفضل الشرمقاني».
توفي «أبو الحسن الحمامي» يوم الأحد الرابع من شعبان سنة سبع عشرة وأربعمائة بين الظهر والعصر، ودفن بمقبرة «الإمام أحمد بن حنبل».
стр. 841
ومن شيوخ «عبد الله بن شبيب» في القراءة: «الفضل بن محمد بن عبد الله، أبو القاسم العطّار البغدادي»، وهو إمام ثقة، ضابط، قارئ، مشهور، أخذ القراءة عن عدد من العلماء وفي مقدمتهم: «أبو القاسم زيد بن أبي بلال».
ثم تصدر لتعليم القرآن، وفي مقدمة من قرأ عليه: «أبو المظفر عبد الله بن شبيب بن عبد الله الأصبهاني». كما أخذ «عبد الله بن شبيب» حديث الهادي البشير ﷺ عن خيرة العلماء، وفي هذا يقول «الحافظ الذهبي»: «وحدّث عن جدّه: «أبي بكر محمد بن يحيى، والحافظ أبي عبد الله بن منده» (١).
وبعد أن اكتملت مواهب «عبد الله بن شبيب» جلس لتعليم القرآن، وأقبل عليه حفاظ القرآن يأخذون عنه، ومن الذين قرءوا عليه: «يوسف بن علي بن جبارة بن محمد ابو القاسم الهذلي»، وهو أستاذ كبير، ثقة، ضابط اشتهر بكثرة الترحال للأخذ عن الشيوخ، فطاف البلاد في طلب القراءات، وجملة من أخذ عنهم ثلاثمائة وخمسة وستون شيخا، من آخر المغرب إلى باب فرغانة.
وكان «أبو القاسم الهذلي» من المؤلفين، فقد ألف كتاب «الكامل، والوجيز، والهادي» واستفاد المسلمون من مصنفاته.
أخذ «أبو القاسم الهذلي» القراءات القرآنية عن عدد كبير من مشاهير القراء، اذكر منهم: «أحمد بن عليّ بن هاشم، واحمد بن نفيس».
وبعد أن اكتملت مواهب «أبي القاسم الهذلي» تصدر لتعليم القرآن، واشتهر بين الناس بالثقة، والحفظ، وجودة القراءة، وأقبل عليه الطلاب من كل مكان، وكما كثرت شيوخه كثر ايضا طلابه وفي مقدمتهم: «أبو بكر بن محمد بن زكريا الأصبهاني، وقرأ عليه بمضمّن كتابه «الكامل» وسمعه منه
стр. 842
«أبو العز القلانسي» وغيره.
وبعد حياة حافلة بالرحلات في طلب العلم، والتنقل في المدن والبلاد، والتصنيف، والتعليم توفي «أبو القاسم الهذلي» سنة خمس وستين وأربعمائة.
ومن تلاميذ «عبد الله بن شبيب» في القراءة: «إسماعيل بن الفضل بن أحمد أبو الفضل السرّاج، المعروف بالإخشيد»، وهو إمام ثقة، حافظ، ومن القراء المشهورين، روى حروف القراءات عن «أبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي، وعبد الله بن شبيب»، وغيرهما.
ثم تصدر لتعليم القرآن وأقبل عليه الكثيرون، ومن الذين قرءوا عليه: «أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني».
وبعد حياة حافلة بطلب القراءات، وسنة النبي ﵊ وتعليم القرآن وحروف القراءات، توفي «عبد الله بن شبيب» في صفر سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.
﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله افضل الجزاء.
стр. 843
رقم الترجمة/ ٥٨ «عبد المنعم بن غلبون» (١) ت ٣٨٩ هـ
هو: عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون بن المبارك، أبو الطيب الحلبي نزيل مصر، ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
ولد «ابن غلبون» ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وثلاثمائة بحلب، وانتقل إلى «مصر» فسكنها حتى توفاه الله تعالى.
أخذ «ابن غلبون» القراءة وحروف القرآن على خيرة العلماء.
وفي هذا يقول «الإمام ابن الجزري»: «روى عبد المنعم بن غلبون القراءة عرضا وسماعا عن: إبراهيم بن عبد الرزاق، وإبراهيم بن محمد بن مروان، وأحمد بن محمد بن بلال، ومحمد بن أحمد بن إبراهيم البغدادي، وأحمد بن الحسين النحوي، وأحمد بن موسى، وجعفر بن سليمان، والحسين بن خالويه، والحسن بن حبيب الحصائري، وصالح بن إدريس، وعبد الله بن أحمد بن الصقر، وعلي بن محمد المكي، وعمر بن بشران، ومحمد بن جعفر الفريابي» وآخرين (٢).
تصدر «عبد المنعم بن غلبون» لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة وصحة القراءة
стр. 844
وجودة الضبط، وأقبل عليه حفاظ القرآن يأخذون عنه وتتلمذ عليه الكثيرون وفي مقدمتهم: «ولده أبو الحسن طاهر»، فقد عرض عليه القراءات، واشتهر مثل والده وصنف كتاب «التذكرة» في القراءات.
ومن الذين أخذوا القراءة عن «عبد المنعم بن غلبون»: أحمد بن عليّ الربعي، وأبو جعفر أحمد بن علي الأزدي، وأحمد بن علي تاج الأئمة، وأحمد ابن نفيس، والحسن بن عبد الله الصقلي، وخلف بن غصن، وأبو عمر الطلمنكي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن الأستاذ، وأبو عبد الله محمد بن سفيان، وأبو الحسين محمد بن قتيبة الصقلي، ومكي بن أبي طالب القيسي، وأحمد بن أبي الربيع، وأبو عبد الله مسلم شيخ غالب بن عبد الله (١).
اشتهر «عبد المنعم بن غلبون» بين الناس، وصنف كتاب «الإرشاد في القراءات، وقد استفاد منه الكثيرون من قراء القرآن الذين جاءوا من بعده.
كما احتل مكانة سامية بين العلماء مما استوجب الثناء عليه. وفي هذا يقول «الإمام أبو عمرو الداني»: كان «عبد المنعم بن غلبون» حافظا للقراءة، ضابطا، ذا عفاف ونسك وفضل، وحسن تصنيف، وكان الوزير جعفر بن الفضل معجبا به، وكان يحضر عنده المجلس مع العلماء. اه (٢).
وقال «أبو علي الغساني»: «كان ابن غلبون ثقة خيارا» (٣).
وقال «الإمام ابن الجزري»: كان «عبد المنعم بن غلبون» نزيل مصر أستاذا ماهرا كبيرا، كاملا، محررا، ضابطا، ثقة، خيّرا، صالحا، ديّنا.
اه (٤). ومن الأدلة على تقواه، وصلته بالله تعالى، أنه وجد على بعض مؤلفاته
стр. 845
بخطه هذان البيتان:
صنّفت ذا العلم أبغي الفوز مجتهدا ... لكي أكون مع الأبرار والسعدا
في جنّة في جوار الله خالقنا ... في ظلّ عيش مقيم دائم أبدا
توفي «عبد المنعم بن غلبون» بمصر في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.