أخذ «محمد بن عبد الله الجعفي» القراءة عن خيرة العلماء. وفي مقدمتهم:
«محمد بن الحسن بن يونس النحوي».
وبعد أن اكتملت مواهبه، وأصبح من المؤهلين جلس لتعليم القرآن، وحروف القراءات، واشتهر بالثقة، وصحّة السند، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، ومن الذين أخذوا عنه القراءة «أبو علي غلام الهرّاس» وغيره.
توفي «محمد بن عبد الله الجعفي» سنة اثنتين وأربعمائة.
ومن شيوخ «أبي علي غلام الهرّاس» بالكوفة: «محمد بن جعفر بن محمد ابن الحسن بن هارون أبو الحسن التميمي الكوفي». وهو من مشاهير القراء، ومن المحدثين، ومن علماء العربية. اثنى عليه الكثيرون، قال «أبو علي البغدادي»: كان «أبو الحسن التميمي» من جلة أهل العربية، ومن أهل الحديث، متقنا، فاضلا.
وقال «الحافظ الذهبي»: عمّر دهرا طويلا، وانتهى إليه علوّ الإسناد (١).
أخذ «محمد بن جعفر» القراءة، وحروف القرآن، عن عدد من العلماء وفي مقدمتهم: «محمد بن الحسن بن يونس».
وفي مقدمتهم: «محمد بن الحسن بن يونس».
كما أخذ حديث الهادي البشير ﷺ عن خيرة العلماء.
وبعد أن اكتملت مواهبه تصدّر لتعليم القرآن، والقراءات، وسنة النبي ﵊.
ومن الذين أخذوا عنه القراءة «أبو علي غلام الهرّاس».
стр. 912
ومن الذين أخذوا عنه الحديث: «أبو القاسم عبيد الله الأزهري».
توفي «محمد بن جعفر» بعد حياة حافلة بطلب العلم، وتعليم القرآن، والقراءات، وسنة النبي ﵊ في جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعمائة بالكوفة.
كما أن «أبا عليّ غلام الهرّاس» رحل إلى «دمشق» وأخذ العلم عن شيوخها.
ومن شيوخه بدمشق في القراءة: «الحسين بن عليّ بن عبيد الله بن محمد أبو علي الرهاوي السّلمي». وهو من خيرة العلماء، وشيخ القراء بدمشق مع «الأهوازي».
أخذ «أبو علي الرهاوي» القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: «الحسن ابن سعيد البزّار» وغيره كثيرون.
ثم تصدّر لتعليم القرآن، وذاع صيته بين الناس، ومن الذين أخذوا عنه القراءة «أبو علي غلام الهرّاس».
توفي «أبو علي الرهاوي» بدمشق سنة أربع عشرة وأربعمائة، ﵀ رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.
ومن شيوخ «أبي علي غلام الهراس» بدمشق: «الحسن بن علي بن إبراهيم ابن يزداد بن هرمز، أبو علي الأهوازي» وهو شيخ قراء دمشق في عصره، وأعلى القراء إسنادا، وهو من مشاهير القراء ومن المحدثين الثقات، ومن المؤلفين الكبار، قال عنه «الحافظ الذهبي»: «لقد تلقى الناس رواياته بالقبول، وكان يقرئ بدمشق من بعد سنة أربعمائة، وذلك في حياة بعض شيوخه» (١).
стр. 913
ولد سنة اثنتين وستين وثلاثمائة بالأهواز من بلاد خوزستان، وقرأ بها، وبتلك البلاد على شيوخ عصره، ثم قدم «دمشق» سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة فاستوطنها وأكثر من الشيوخ والروايات.
أخذ «أبو علي الأهوازي» القراءة عن خيرة العلماء عصره وفي مقدمتهم:
«إبراهيم بن أحمد بن محمد بن أحمد الطبري» ببغداد.
وأبو القاسم عبد الله بن نافع بن هارون العنبري» بالبصرة، وغيرهما كثير.
كما أخذ رحمه الله تعالى حديث الهادي البشير ﷺ عن مشاهير علماء الحديث.
وبعد أن اكتملت مواهبه تصدر لتعليم القرآن، وسنة النبي ﵊ وذاع صيته في الآفاق، وأقبل عليه الطلاب من كل مكان ينهلون من علمه ويأخذون عنه، وفي مقدمة من أخذ عنه القراءة أبو علي غلام الهرّاس.
توفي «أبو علي الأهوازي» رابع ذي الحجة سنة ست وأربعين وأربعمائة بدمشق، ﵀ رحمة واسعة.
ومن البلاد التي رحل إليها «أبو علي غلام الهرّاس» من أجل العلم «الجامدة» بكسر الميم، وهي قرية كبيرة جامعة من أعمال «واسط» تقع بين البصرة وواسط (١).
ومن شيوخه الذين أخذ عنهم القراءة بالجامدة: «محمد بن نزار بن القاسم ابن يحيى بن عبد الله أبو بكر التكريتي» بكسر التاء، وسكون الكاف، وهذه نسبة إلى «تكريت» وهي بلدة كبيرة فيها قلعة حصينة على «دجلة» على بعد ثلاثين فرسخا من بغداد (٢).
ومحمد بن نزار من خيرة علماء القراءات، ومن الثقات المشهورين، أخذ
стр. 914
القراءة على خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: «أبو بكر محمد بن الحسن النقاش، وهبة الله بن جعفر» وغيرهما.
وبعد أن اكتملت مواهب «محمد بن نزار» تصدّر لتعليم القرآن، وذاع صيته بين الناس، واشتهر بالثقة وجودة القراءة، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، وفي مقدمة من أخذ عنه القراءة «أبو علي غلام الهرّاس، والحسن بن القاسم الواسطي».
كما رحل «أبو علي غلام الهرّاس» إلى «مصر» للأخذ عن قرّائها، ومن الذين أخذ عنهم القراءة بمصر: «الفضل بن عبد الرزاق، أبو محمد الأندلسي»، وهو من خيرة العلماء ومن الثقات، قرأ القرآن على «أبي أحمد السامري».
ثم تصدّر لتعليم القرآن، واشتهر بحسن الأداء وصحّة القراءة، وأقبل عليه الطلاب، وفي مقدمة من أخذ عنه القراءة: «أبو علي غلام الهرّاس، والحسن ابن القاسم الواسطي».
ومن شيوخ «أبي علي غلام الهراس» بمصر: «أحمد بن سعيد بن أحمد بن عبد الله المعروف بابن نفيس، أبو العباس الطرابلسي الأصل ثم المصري».
وهو من القراء الثقات، انتهى إليه علوّ الإسناد، وعمّر حتى قارب المائة.
أخذ «ابن نفيس» القراءة على خيرة علماء عصره، وفي مقدمتهم: «أبو أحمد عبد الله السامري، وعبد المنعم بن غلبون» وغيرهما.
وبعد أن اكتملت مواهب «ابن نفيس» جلس لتعليم القرآن، وحروف القراءات واشتهر بالثقة، وتجويد القرآن، وتزاحم عليه الحفاظ من كل مكان، ومن الذين أخذوا عنه القراءة: «أبو علي غلام الهرّاس، ويوسف بن جبارة الهذلي». توفي «ابن نفيس» في رجب سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
стр. 915
رحمه الله رحمة واسعة.
كما رحل «أبو علي غلام الهرّاس» إلى «البصرة» للأخذ عن قرّائها، ومن الذين أخذوا عنهم القراءة: «علي بن محمد بن علّان بن الحسن، أبو الحسين البصري»، المقرئ، وهو من مشاهير علماء القراءات، ومن الثقات، أخذ القراءة عن «عبد الله بن عبدان». ثم تصدّر للقراءة، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، ومن الذين أخذوا عنه القراءة عرضا «أبو علي غلام الهرّاس».
كما رحل «أبو علي غلام الهرّاس» إلى «مكة المكرمة» للأخذ عن قرّائها، ومن الذين قرأ عليهم: «محمد بن الحسين بن محمد أبو عبد الله الكارزيني» بفتح الكاف، والراء، وكسر الزاي، وهي نسبة إلى «كارزين» وهي من بلاد فارس، بنواحيها مما يلي البحر (١).
وهو إمام مقرئ مشهور، انفرد بعلو الإسناد في وقته.
أخذ حروف القراءات عن مشاهير العلماء، وفي مقدمتهم: «الحسن بن سعيد المطوعي» يقول «ابن الجزري»: وهو آخر من قرأ عليه. وبعد أن اكتملت مواهبه تصدّر لتعليم القرآن والقراءات، واشتهر بالثقة، وصحة القراءة، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، ومن الذين قرءوا عليه «أبو علي غلام الهرّاس».
لم يذكر المؤرخون تاريخ وفاته، إلا أن «الحافظ الذهبي» قال: «أبو عبد الله الكارزيني» مسند القرّاء في زمانه، تنقّل في البلاد، وجاور بمكة، وعاش تسعين سنة، أو دونها، لا أعلم متى توفي، إلا أنه كان حيا في سنة أربعين وأربعمائة، سألت الإمام «أبا حيان» عنه فكتب إليّ، إمام مشهور لا يسأل عن مثله (٢).
стр. 916
ومن شيوخ «أبي عليّ غلام الهراس» «بمكة المكرمة»: «محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يعقوب أبو عبد الله»، ويقال: أبو علي العجلي، وهو صاحب تلك القصيدة الرائية أولها:
لك الحمد يا ذا المنّ والجود والبرّ ... كما أنت أهل للمحامد والشكر
وهو من خيرة القراء المشهورين، ومن الثقات المعروفين. أخذ القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: «أحمد بن نصر الشذائي، وأبو الأشعث محمد بن حبيب الجارودي».
وبعد أن اكتملت مواهبه تصدّر لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة وأقبل الطلاب يأخذون عنه، ومن الذين قرءوا عليه: «أبو علي غلام الهرّاس».
ومن شيوخ «أبي علي غلام الهرّاس» بمكة المكرمة: «محمد بن عمر بن إبراهيم أبو الحسن» المقرئ المحدث، الفقيه البصري، المعروف بالذهبي، أحد مشاهير القراء، أخذ القراءة عرضا عن «الحسن بن محمد بن عبد الرحمن الرصافي».
ثم تصدّر لتعليم القرآن، واشتهر بصحة القراءة، وجودة الأداء، وأقبل عليه الطلاب من كل مكان، ومن الذين أخذوا عنه القراءة: «أبو علي غلام الهرّاس».
ومن شيوخ «أبي عليّ غلام الهرّاس» بمكة المكرمة: «علي بن الحسين بن عبد الله أبو القاسم القاضي البصري»، وهو من مشاهير القراء المعروفين بالثقة والأمانة، أخذ القراءة عرضا عن كل من: «محمد بن الحسن النقاش، وأبي بكر بن مقسم» ثم تصدر لتعليم القرآن، وعرف بالثقة، وحسن الأداء، وتزاحم عليه الطلاب، ومن الذين أخذوا عنه القراءة عرضا: «أبو علي غلام الهرّاس» فقد روى عنه القراءة عرضا.
стр. 917
ومن شيوخ «أبي علي غلام الهرّاس» في «مكة المكرمة»: «أحمد بن عبد الكريم بن عبد الله أبو الحسين الشينيزي، وهو من القراء المشهورين المتصدّرين، أخذ القراءة عن مشاهير العلماء، وفي مقدمتهم، «علي بن محمد بن إبراهيم بن خشنام».
ثم تصدّر لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة، وجودة القراءة، وأقبل عليه الطلاب يقرءون عليه، ومن الذين أخذوا عنه القراءة «أبو علي غلام الهرّاس».
ومن شيوخ «أبي علي غلام الهراس» في «مكة المكرمة»: «عبيد الله بن عمر بن محمد بن عيسى أبو الفرج المصاحفي»، وهو من مشاهير القراء الضابطين، أخذ القراءة عرضا عن: «ابن بويان، وزيد بن أبي بلال» وغيرهما.
وبعد أن اكتملت مواهبه جلس لتعليم القرآن، وأقبل الطلاب عليه، ومن الذين أخذوا عنه القراءة: «أبو علي غلام الهرّاس».
توفي «عبيد الله بن عمر» سنة إحدى وأربعمائة.
ومن شيوخ «أبي علي غلام الهرّاس» في القراءة: «محمد بن العباس أبو الفوارس الصّريفيني»، بفتح الصاد المهملة، وكسر الراء، وهذه نسبة إلى «صريفين» وهي قرية عظيمة.
أخذ «محمد بن العباس» قراءة «عاصم الجحدري» عن «عمر بن إبراهيم الكتاني، وعاش طويلا، ورحل إليه «أبو العزّ القلانسي» فقرأ عليه وبهذا ينتهي الحديث عن شيوخ «أبي علي غلام الهراس».
وحينئذ يتبيّن بجلاء ووضوح مدى اهتمام القراء بالرواية، وصحة السند والأخذ عن الثقات.
стр. 918
وبعد أن اكتملت مواهب «أبي علي غلام الهرّاس» تصدّر لتعليم القرآن، وفي هذا يقول «الإمام ابن الجزري»: وأقام بمصر فرحل الناس إليه من كل ناحية، يأخذون عنه، ويقرءون عليه، ومن الذين قرءوا عليه:
«محمد بن الحسين بن بندار، أبو العزّ الواسطي القلانسي»، شيخ العراق، ومقرئ القراء بواسط، صاحب التصانيف.
ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة بواسط، وقرأ بما قرأ به «أبو علي غلام الهرّاس» من الروايات عليه، ورحل إلى «أبي القاسم الهذلي» فقرأ عليه بكتاب «الكامل» في القراءات ثم دخل بغداد فقرأ بها لعاصم على: «محمد بن العباس الأواني». ثم تصدّر للإقراء بواسط، ورحل إليه من الأقطار الطلاب، يأخذون عنه، وفي مقدمة من قرأ عليه: «أبو الفتح بن زريق الحدّاد».
احتلّ «محمد بن الحسين» مكانة سامية مما جعل العلماء يثنون عليه، وفي هذا يقول «الإمام ابن الجزري»: كان بصيرا بالقراءات وعللها، وغوامضها، عارفا بطرقها، عالي الإسناد، وحصلت له سعادة بشيخه «أبي علي» وذلك أنه طاف البلاد، وحصّل الروايات، وجاء إلى «واسط» فقرأ عليه «أبو العزّ القلانسي» بما قرأ به على شيوخه، وألف «كتاب الإرشاد» في القراءات العشر، وهو مختصر كان عند «العراقيين» كالتيسير عندنا، وكتاب «الكفاية» وهو أكبر من «كتاب الإرشاد» (١).
ومن تلاميذ «أبي علي غلام الهرّاس» في القراءة: «علي بن عليّ بن جعفر ابن شيران: بكسر الشين المعجمة، أبو القاسم الواسطي الضرير».
وهو من القراء المشهود لهم بالثقة، وصحّة الإسناد، وجودة القراءة.
ولد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، ونشأ في بيت من البيوت العامرة بنور
стр. 919
القرآن، فقد كان والده رحمه الله تعالى من علماء القراءات، وقد استفاد «عليّ ابن عليّ» من هذه النشأة فقرأ القراءات على والده ببلدة «قيجطة».
كما أخذ القرآن والقراءات أيضا على غير والده من مشاهير العلماء، وفي مقدمتهم: «أبو علي غلام الهرّاس».
وبعد أن اكتملت مواهبه تصدّر لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة وحسن الأداء، وصحّة السند، وأقبل عليه الطلاب.
ومن الذين قرءوا عليه: «أبو الفتح نصر الله بن الكيّال، وأبو بكر عبد الله ابن الباقلاني» وغيرهما كثير.
احتلّ «عليّ بن عليّ» مكانة سامية، ومنزلة رفيعة مما جعل العلماء يثنون عليه، يقول «الحافظ الذهبي»: حدّث «عليّ بن شيران» ببغداد بعد الخمسمائة، وبقي إلى بعد العشرين وخمسمائة.
وقال «ابن الجزري»: توفي سنة أربع وعشرين وخمسمائة. ﵀ رحمة واسعة.
ومن تلاميذ «أبي علي غلام الهرّاس» في القراءة: «المبارك بن الحسين بن أحمد، أبو الخير، البغدادي»، الغسّال الشافعي وهو من مشاهير القرّاء، ومن المحدثين الثقات.
وكان رحمه الله تعالى من الأدباء، والحذّاق.
احتل «المبارك بن الحسين» مكانة سامية، ومنزلة رفيعة بين العلماء مما جعلهم يثنون عليه، وفي هذا يقول «الحافظ الذهبي»: عني «المبارك بن الحسين» بالقراءات عناية كليّة، وتقدّم فيها، وطال عمره، وعلا سنده،
стр. 920
وقصده الطلبة لحذقه، وبصره بالفنّ (١).
أخذ «المبارك بن الحسين» القراءة عن مشاهير علماء عصره، وفي مقدمتهم:
«أبو علي غلام الهرّاس، وأبو بكر محمد بن الخياط»، وغيرهما كثير.
وبعد أن اكتملت مواهبه تصدّر لتعليم القرآن، وذاع صيته بين الناس وأقبل عليه الطلاب، ينهلون من علمه، ويأخذون عنه، ومن الذين قرءوا عليه: «المبارك بن أحمد بن الناعورة».
توفي «المبارك بن الحسين» سنة عشر وخمسمائة، ﵀ رحمة واسعة.
وهكذا أدّى «أبو علي غلام الهرّاس» رسالته، وقضى حياته متجوّلا في المدن، والقرى، من أجل الوقوف على قراءات القرآن، وأخذ عن الشيوخ الكبار، وعلا سنده، وبعد صيته، ثم توج حياته، وختمها بأفضل ما يكون، إذ جلس لتعليم كتاب الله تعالى، فكان ممن قال فيهم الهادي البشير ﷺ «خيركم من تعلم القرآن وعلّمه».
وظل رحمه الله تعالى على ذلك حتى وافاه الأجل المحتوم يوم الجمعة سابع جمادى الأولى سنة ثمان وستين وأربعمائة على الصحيح. ﵀ رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.
стр. 921
رقم الترجمة/ ٧٤ «أبو عمرو الدّاني» (١) ت ٤٤٤ هـ
هو: الإمام العلامة الحافظ شيخ الشيوخ، عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الأموي مولاهم القرطبي الداني بن الصيرفي. ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ، ضمن علماء الطبقة الحادية عشرة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
نشأ «أبو عمرو الدّاني» تحت رعاية والده رحمه الله تعالى في بلد العلم والمعرفة والدين «قرطبة» حاضرة الأندلس، وأعظم مدنها في ذلك الوقت، ومستقرّ خلافة الأمويين.
ولد الإمام الداني بقرطبة سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة من الهجرة. وقد نسب الإمام «أبو عمرو الدّاني» إلى «دانية» وهي مدينة عظيمة بالأندلس على ساحل البحر الرومي، لكونه سكنها آخر حياته وتوفي بها سنة ٤٤٤ هـ.
وقد نشأ الإمام الداني وترعرع في «قرطبة» التي كانت مركزا للعلم والمعرفة حيث كانت عامرة بالعلماء الأجلاء في شتى أنواع العلوم والمعرفة ما بين مقرئ وقارئ، ومحدث، ومفسّر، وأديب، وواعظ، وخطيب.
وسط هذا الجوّ الذي يشعّ منه العلم ابتدأ الإمام الداني طلب العلم سنة ست
стр. 922
وثمانين وثلاثمائة، وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أن حفظ القرآن الكريم وجوّده.
وقد انكبّ «الداني» على قراءة الكتب وملازمة الشيوخ، وقد تتلمذ «الداني» على خيرة علماء عصره، وفي مقدمتهم «والده» الذي أخذ عنه القراءات القرآنية.
ومن شيوخه الذين أخذ عنهم:
١ - خلف بن إبراهيم بن محمد بن جعفر بن حمدان بن خاقان أبو القاسم الخاقاني الاستاذ الضابط في قراءة «ورش». قرأ عليه «الداني» وعليه اعتمد في قراءة «ورش» وقال عنه: كان شيخي الخاقاني ضابطا لقراءة «ورش»، متقنا لها مجوّدا، مشهورا بالفضل والنسك، واسع الرواية، صادق اللهجة.
٢ - وطاهر بن عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون «أبو الحسن» الحلبي نزيل مصر، وهو أستاذ عارف، ثقة، ضابط، وحجة محرّر، مؤلف كتاب «التذكرة في القراءات الثمان». قال عنه الداني: لم ير في وقته مثله في فهمه، وعلمه، وفضله وصدق لهجته.
٣ - وعبد العزيز بن جعفر بن محمد بن إسحاق بن محمد بن خواستي، بضم الخاء المعجمة، وسكون السين المهملة، الفارسي، مقرئ نحوي شيخ، صدوق، فاضل، ضابط قرأ عليه «الداني» القراءات، وقال عنه: كان شيخي «عبد العزيز» خيّرا، فاضلا ضابطا، صدوقا.
٤ - وفارس بن أحمد بن موسى بن عمران أبو الفتح الحمصي الضرير، نزيل مصر قال عنه الداني: لم ألق مثله في حفظه وضبطه، حسن الأداء، واسع الرواية، متنسكا، فاضلا، صادق اللهجة.
٥ - ومحمد بن عبد الله أبو الفرج النجاد، روى عنه الداني حروف
стр. 923
القراءات وكان من القراء الثقات.
وقد رحل الإمام الداني في سبيل طلب العلم إلى كثير من الأقطار فبعد أن حفظ القرآن، وتلقى القراءات على شيوخ بلده، وكان عمره حينئذ ستا وعشرين سنة قرر الرحلة إلى المشرق حيث ينابيع العلم الأصيلة التي كانت تجذب أنظار الأندلسيين نحو المشرق، وذلك للاستكثار من الروايات، ووجوه القراءات، فارتحل من «الأندلس» واتجه نحو «القيروان» في «تونس» ومكث بها أربعة أشهر، ولقي جماعة من العلماء، وكتب عنهم، منهم «أبو الحسن القابسي».
ثم توجه نحو «مصر» ودخلها في اليوم الثاني من عيد الفطر سنة سبع وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، ومكث بها حتى نهاية العام الثاني. وقد تلقى في «مصر» القراءات، والحديث، والفقه عن أئمة من المصريين والبغداديين، والشاميين منهم: «فارس بن أحمد، وطاهر بن غلبون».
ثم توجه إلى مكة المكرمة سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. وحج بيت الله الحرام، وقرأ القرآن، والحديث على «أبي العباس أحمد بن البخاري» وغيره.
ثم عاد إلى «مصر» ومكث بها شهرا، ثم ارتحل إلى المغرب ومكث بالقيروان أشهرا، ثم عاد إلى الأندلس.
تصدر الإمام الداني لتعليم القرآن الكريم، وعلومه، واشتهر بالثقة والضبط، وصحة الرواية، وسعة العلم، فأقبل عليه طلاب العلم من كل مكان، وتتلمذ عليه الجم الغفير منهم:
١ - خلف بن إبراهيم أبو القاسم الطليطلي.
٢ - وخلف بن محمد بن خلف أبو القاسم الأنصاري.
٣ - ومحمد بن أحمد بن رزق بن الفصيح التجيبي الأندلسي.
стр. 924
٤ - ومحمد بن عيسى بن فرج أبو عبد الله التجيبي الطليطلي.
قال عنه الذهبي: كان أحد الحذّاق بالقراءات.
وقال عنه «ابن بشكوال»: كان عالما بوجوه القراءات، ضابطا لها، متقنا لمعانيها، إماما دينا، أخبرنا عنه غير واحد من شيوخنا ووصفوه بالتجويد، والمعرفة.
٥ - ومحمد بن يحيى بن مزاحم أبو عبد الله الأنصاري الخزرجي، الطليطلي مؤلف كتاب «المنهاج في القراءات».
قال عنه «الذهبي»: كان غاية في العربية، وله رحلة إلى مصر لقي فيها «القضاعي» وطبقته.
وقد صنف «الإمام الداني» الكثير من كتب القراءات، وعلوم القرآن بلغت مائة وعشرين مصنفا في القراءات والرسم والتجويد، وقد أقبل العلماء على تحقيق مصنفات الداني وإظهارها إلى حيّز الوجود، فمن الكتب التي تمت طباعتها حتى الآن:
١ - التيسير في القراءات السبع.
٢ - المقنع في رسم المصاحف.
٣ - الفرق بين الضاد والظاء.
٤ - المحكم في نقط المصاحف.
٥ - المكتفي في الوقف والابتداء.
توفي الداني «بدانية» سنة أربع وأربعين وأربعمائة من الهجرة، ﵀ رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.
стр. 925
رقم الترجمة/ ٧٥ «عمر بن رسلان» (١) ت ٨٠٥ هـ
هو: عمر بن رسلان بن نصير بن صلح بن شهاب، أبو حفص الكناني، البلقيني، ثم القاهري، الشافعي، وهو من خيرة العلماء العاملين، ومن القراء، والفقهاء، والمحدثين، واللغويين، والأصوليين، والمجتهدين.
ولد في ليلة الجمعة ثاني عشر شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ببلقينة، من الغربية إحدى مدن مصر، وحفظ بها القرآن، وصلى به وهو ابن سبع سنين، وحفظ الشاطبية، والمحرّر، والكافية الشافية في النحو، والمختصر الأصلي، وأقدمه أبوه القاهرة وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فعرض محافيظه على جماعة من العلماء مثل: «التقيّ السبكي، والجلال القزويني» وبهرهم بذكائه وكثرة محفوظاته وسرعة فهمه، ثم رجع به والده إلى بلدته.
ثم عاد به والده إلى القاهرة في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وقد ناهز الاحتلام فاستوطن القاهرة، وحضر الدروس على خيرة العلماء: ومن شيوخه في الفقه: «التقيّ السبكي».
وفي العربية، والصرف، والأدب، الأستاذ «أبو حيان»، ولازم «البهاء ابن عقيل»، وانتفع به كثيرا، وتزوج ابنته.
وسمع الحديث على مشاهير علماء الحديث وفي مقدمتهم: «ابن القمّاح، وابن غالي» وغيرهما.
стр. 926
وأجاز له الحافظان: «المزّي، والذهبي» وابن نباتة، وآخرون وحج مع والده سنة أربعين وسبعمائة، ثم بمفرده بعدها، وزار بيت المقدس.
وأذن له الأئمة بالافتاء، والتدريس، وعظمه أجلاء شيوخه، مثل «أبي حيان، والأصبهاني».
وناب في الحكم عن صهره: «ابن عقيل» واستقرّ بعده في التدريس بجامع «عمرو بن العاص» بالقاهرة.
وكان يدرس التفسير بجامع «ابن طولون». وولي إفتاء دار العدل رفيقا للبهاء السبكي، ثم قضاء الشام في سنة تسع وستين، عوضا عن «التاج السبكي» فباشره دون السنة.
ودخل «حلب» في سنة ثلاث وتسعين صحبة «الظاهر برقوق» واشتغل بها، وعيّن لقضاء مصر غير مرة، وشاع ذكره في الممالك قديما وحديثا، وعظمه الأكابر فمن دونهم.
احتلّ «عمرو بن رسلان» بعلمه مكانة سامية بين الجميع مما جعل العلماء يثنون عليه، ومما كتبه عنه «أبو حيان» قوله: «صار عمر بن رسلان إماما ينتفع به في الفنّ العربي مع ما منحه الله من علمه بالشريعة المحمدية بحيث نال في الفقه وأصوله الرتبة العليا، وتأهل للتدريس، والقضاء، والفتيا» (١).
وقال «البرهان الحلبي»: «رأيته رجلا فريد دهره، لم تر عيناي أحفظ منه للفقه، وأحاديث الأحكام، وقد حضرت دروسه مرارا وهو يقرئ في مختصر مسلم للقرطبي، ويقرئه عليه شخص مالكي، ويحضر عنده فقهاء المذاهب الأربعة، فيتكلم على الحديث الواحد من بكرة إلى قريب الظهر، وربما أذّن
стр. 927
الظهر ولم يفرغ من الحديث» (١).
ويعقب العلامة الشوكاني على هذا الخبر بقوله: «وهذا تبحر عظيم، وتوسع باهر فإن استغراق هذا الوقت الطويل في الكلام على حديث واحد يتحصل منه كراريس، وقد كان وقع الاتفاق على أنه أحفظ أهل عصره، وأوسعهم معارف، وأكثرهم علوما، ومع هذا فكان يتعانى نظم الشعر فيأتي بما يستحي منه، بل قد لا يقيم وزنه، والكمال لله وحده» اه (٢).
وقال «الشمس محمد بن عبد الرحمن العثماني» قاضي صفد في طبقاته:
«عمر بن رسلان، شيخ الوقت، وإمامه، وحجته، انتهت إليه مشيخة الفقه في وقته، وعلمه كالبحر الزاخر، ولسانه أفحم الأوائل والأواخر» اه (٣).
وقال «الإمام الشوكاني»: أثنى عليه أكابر شيوخه، قال «ابن حجّي» كان احفظ الناس لمذهب الشافعي، واشتهر بذلك وشيوخه موجودون، قدم علينا دمشق قاضيا وهو كهل فبهر الناس بحفظه، وحسن عبارته، وجودة معرفته، وخضع له الشيوخ في ذلك الوقت، واعترفوا بفضله، ثم بعد ذلك رجع إلى القاهرة، وتصدر للفتيا، فكان معول الناس عليه في ذلك، وكثرت طلبته فنفعوا، وأفتوا، ودرّسوا، وصاروا شيوخ بلادهم، وهو حيّ، وله نظم وسط، وتصانيف كثيرة لم تتمّ. يبتدئ كتابا، فيصنف منه قطعة ثم يتركه، وقلمه لا يشبه لسانه» اه (٤).
وقال «شمس الدين السخاوي»: وقال شيخنا في مشيخة البرهان: إنه استمرّ مقبلا على الاشتغال متفرغا للتدريس والفتوى إلى أن عمّر وتفرّد، ولم
стр. 928
يبق من يزاحمه، وكان كل من اجتمع به يخضع له لكثرة استحضاره، حتى يكاد يقطع بأنه يحفظ الفقه سردا من أول الأبواب إلى آخرها، لا يخفى عليه منه كبير أمر، وكان مع ذلك لا يحبّ أن يدرّس إلا بعد المطالعة. ثم يستطرد قائلا: واشتهر اسمه في الآفاق، وبعد صيته، إلى أن صار يضرب به المثل في العلم، ولا تركن النفس إلا إلى فتواه، وكان موفقا في الفتوى، يجلس لها من بعد صلاة العصر إلى الغروب، ويكتب عليها من رأس القلم غالبا، ولا يأنف إذا أشكل عليه شيء من مراجعة الكتب، ولا من تأخير الفتوى عنده إلى أن يحقق أمرها، وكان فيه من قوّة الحافظة وشدّة الذكاء ما لم يشاهد فيه مثله، وكان وقورا حليما، مهيبا سريع البادرة، سريع الرجوع، ذا همة عالية في مساعدة أصحابه، وأتباعه، وقد أفتى ودرس وهو شاب، وناظر الأكابر، وظهرت فضائله، وبهرت فوائده، وطار في الآفاق صيته، وانتهت إليه الرئاسة في الفقه، والمشاركة في غيره حتى كان لا يجتمع به أحد من العلماء إلا ويعترف بفضله، ووفور علمه، وحدّة ذهنه، وكان معظما عند الأكابر، عظيم السمعة عند العوام، إذا ذكر خضعت له الرقاب، حتى كان «الاسنوي» مع جلالة قدره يتوقّى الإفتاء مهابة له، وكانت آلة الاجتهاد فيه كاملة، وكان عظيم المروءة، جميل المودّة، كثير الاحتمال، مهيبا مع كثرة المباسطة لأصحابه، والشفقة عليهم، والتنويه بذكرهم» (١).
وقال «الصلاح الأقفهسي»: كان «عمر بن رسلان» أحفظ الناس لمذهب الشافعي، لا سيما لنصوصه، مع معرفة تامة بالتفسير، والحديث والأصول، والعربية، مع الذهن السليم، والذكاء الذي على كبر السنّ لا يتغيّر، يفزع إليه في حلّ المشكلات فيحلّها، ويقصد لكشف المعضلات فيكشفها ولا يملّها، ولولا أن نوع الإنسان مجبول على النسيان لكان معدوما فيه، فلم يكن في عصره في الحفظ وقلة النسيان من يماثله بل ولا يدانيه، ولي قضاء دمشق،
стр. 929
وهي إذ ذاك غاصة بالفضلاء، فأقروا له بالتقدم في العلوم، ولم ينازعه واحد منهم في منطوق ولا مفهوم (١).
وقال «التقي الفاسي»: كان «عمر بن رسلان» واسع المعرفة بالفقه والحديث، وغيرهما، موصوفا بالاجتهاد.
وممن ترجمه «ابن خطيب الناصرية، وابن قاضي شهبة، والمقريزي».
وحكى العلاء البخاري، فيما سمعه منه «العز السنباطي» قال: قدم علينا من أخذ عن «البلقيني» فسألناه عنه فقال: هو في الفقه وكذا في الحديث بحر، وفي التفسير أيضا على طريقة «البغوي» وسألناه عنه في العقليات فقال: يقرئ تفسير «البيضاوي» للمبتدئ، والمتوسط، ولا يخرج عن عهدته للمنتهي (٢).
وحكى «البساطي» عن شيخه «قنبر» أنه قال: ما جلست بمصر للإقراء حتى درت على حلق مشايخها كلهم، حتى «الخولاني» فلم أر فيهم مثل «البلقيني» في الحفظ.
وقال «شمس الدين السخاوي»: وفي كلام «الوليّ العراقي» في أواخر شرحه لجمع الجوامع ما يشير لأن «عمر بن رسلان» مجتهد، أو كونه هو والتقيّ السبكي طبقة واحدة، وكان في صفاء الخاطر، وسلامة الصدر بمكان بحيث يحكى عنه ما يفوق الوصف، وقيامه في إزالة المنكر شهير، وردعه لمن يخوض فيما لا يليق مستفيض، وكان يقول: ما أحد يقرئ الفرائض إلا وهو تلميذي، أو تلميذ تلميذي وقد أخذ الناس عنه طبقة بعد طبقة، بل وأخذت عنه طبقة ثالثة.
ولم يزل «عمر بن رسلان» متفردا في جميع العلوم حفظا، وسردا لها حتى
стр. 930
توفاه الله تعالى قبل عصر يوم الجمعة حادي عشر ذي القعدة سنة خمس وثمانمائة بالقاهرة، وصلى عليه ولده «الجلال» صبيحة الغد بجامع الحاكم، ودفن بمدرسته التي أنشأها بالقرب من منزله في حارة «بهاء الدين» عند ولده «البدر محمد» ورثاه جماعة، وأبدع مرثية فيه وهي تزيد على مائة بيت للشيخ «السخاوي» وأولها:
يا عين جودي لفقد البحر بالمطر ... واذري الدموع ولا تبقي ولا تذري
رحم الله «عمر بن رسلان» رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 931
رقم الترجمة/ ٧٦ «أبو عمر الطلمنكي» (١) ت ٤٢٩ هـ
هو: أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري المالكي الطلمنكي من طلمنكة، بفتح الطاء واللام والميم وسكون النون، وفتح الكاف من ثغر الأندلس الشرقي، نزيل قرطبة.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ، ضمن علماء الطبقة العاشرة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
ولد «الطلمنكي» سنة أربعين وثلاثمائة، ورحل إلى المشرق، فقرأ على:
«عليّ بن محمد الأنطاكي، وعمر بن عراك، وعبد المنعم بن غلبون، ومحمد بن علي الأدفوي، ومحمد بن الحسين بن النعمان».
ثم رجع إلى الأندلس بعلم كثير وكان أول من أدخل القراءات إليها، حيث جلس لتعليم القرآن وحروف القراءات، وتتلمذ عليه الكثيرون، منهم:
«عبد الله بن سهل، ومحمد بن عيسى المغامي، ويحيى بن إبراهيم». وروى عنه بالإجازة محمد بن أحمد بن عبد الله الخولاني، وهو آخر من روى عنه.
صنف «الطلمنكي» الكثير من الكتب منها: الدليل إلى معرفة الجليل مائة جزء، وكتاب تفسير القرآن، نحو مائة جزء أيضا، وكتاب الوصول إلى معرفة
стр. 932
الأصول، وكتاب البيان في إعراب القرآن، وغير ذلك كثير.
وقد أثنى عليه الكثيرون من العلماء، وفي هذا يقول «الذهبي»: كان رأسا في علوم القرآن: قراءاته، وإعرابه، وأحكامه، رأسا في معرفة الحديث وطرقه، حافظا للسنن، ذا عناية بالأثر والسنة، إماما بأصول الديانات ذا هدى وسمت ونسك وصمت» اه.
وقال «أبو القاسم بن بشكوال»: كان سيفا مجرّدا على أهل الأهواء والبدع، قامعا لهم، غيورا على الشريعة، شديدا في ذات الله.
ثم قصد بلده في آخر عمره، فتوفي بها في ذي الحجة سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
﵀ رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.
стр. 933
رقم الترجمة/ ٧٧ «عمر بن عراك» (١) ت ٣٨٨ هـ
هو: عمر بن محمد بن عراك بن محمد أبو حفص الحضرمي المصري الإمام أستاذ في قراءة ورش.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
أخذ «ابن عراك» القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: «حمدان بن عون، وعبد المجيد بن مسكين، وقسيم بن مطير، وأبو غانم المظفر بن أحمد، ومحمد بن جعفر العلاف». وسمع الحروف من «أحمد بن محمد بن زكريا الصدفي، وأحمد بن إبراهيم بن جامع، والحسن بن أبي الحسن العسكري».
تصدر «ابن عراك» لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة وصحة الضبط، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه، ويتلقون القراءة وحروف القرآن.
ومن الذين قرءوا عنه: «تاج الأئمة أحمد بن علي بن هاشم، وفارس بن أحمد، وعتبة بن عبد الملك، والحسين بن إبراهيم الأنباري».
وكان يقول: أنا كنت السبب في تأليف «أبي جعفر النحاس» كتاب «اللامات» (٢) توفي ابن عراك بمصر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة من الهجرة، ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 934
رقم الترجمة/ ٧٨ «عمر الكتّانيّ» (١) ت ٣٩٠ هـ
هو: عمر بن إبراهيم بن أحمد بن كثير أبو حفص الكتاني البغدادي.
ذكره «الذهبي» ت ٨٤٨ هـ ضمن علماء الطبقة التاسعة عن حفاظ القرآن كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
ولد «الكتاني» سنة ثلاثمائة من الهجرة. وأخذ القراءة وحروف القرآن عن خيرة العلماء، وفي هذا يقول «الإمام ابن الجزري»: سمع «الكتاني» حروف القرآن من إبراهيم بن عرفة نفطويه، وقرأ على الأشناني، ولم يختم عليه، وعرض القرآن على «علي بن سعيد القزاز، وبكار، وعمر بن جناد، ومحمد بن الحسن النقاش، وأحمد بن عثمان بن بويان، ومحمد بن علي الرقي، وزيد بن أبي بلال، وأحمد بن محمد بن هارون الورّاق». وروى القراءة عن «عبيد الله ابن بكير»، وسمع كتاب السبعة من «ابن مجاهد» اه (٢).
وأخذ «الكتاني» حديث الهادي البشير ﷺ عن عدد من العلماء، وفي هذا يقول «الخطيب البغدادي»: سمع «الكتاني» أبا القاسم البغوي، وأحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي، ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبا سعيد العدوي، وأبا حامد محمد بن هارون الحضرمي، والفضل بن منصور الزبيدي، وإبراهيم ابن عبد الصمد الهاشمي، وأبا بكر النيسابوري، وأبا بكر بن مجاهد، وغيرهم.
стр. 935
كما حدثنا عنه «الأزهري، وعبد العزيز الأزجي، والتنوخي، وأبو الفضل ابن الكوفي.
ثم يقول «الخطيب البغدادي»: وكان ثقة ينزل ناحية نهر الدجاج، وذكره «محمد بن أبي الفوارس» فقال: «كان لا بأس به» (١).
تصدر «الكتاني» لتعليم القرآن، واشتهر بالثقة وصحة القراءة، وتتلمذ عليه الكثيرون، ومن الذين أخذوا عنه القراءة: عيسى بن سعيد الأندلسي، وأبو نصر أحمد بن محمد بن إسحاق المقري، ومحمد بن جعفر الخزاعي، وأحمد ابن الفتح، والحسن بن الفحّام. وسمع منه كتاب السبعة عبد الله بن هزار مرد الصريفيني، وأحمد بن محمد بن يوسف، وعلي بن القاسم بن إبراهيم شيخ أبي عليّ الحدّاد، وقرأ عليه الحسن بن عليّ العطّار، والحسن بن أبي الفضل الشرمقاني، وعبيد الله بن أحمد بن علي الكوفي، وكان الكتاني يقرئ بمسجده ببغداد (٢).
توفي «الكتاني» في رجب سنة تسعين وثلاثمائة، وله تسعون سنة ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 936
رقم الترجمة/ ٧٩ «فارس بن أحمد» (١) ت ٤٠١ هـ
هو: فارس بن أحمد بن موسى بن عمران أبو الفتح الحمصي الضرير، نزيل مصر، الأستاذ الكبير، مؤلف كتاب المنشآت في القراءات الثمان، وأحد الحذّاق بفن القراءات.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ في مقدمة علماء الطبقة العاشرة من حفاظ القرآن. كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
ولد «فارس بن أحمد» بحمص سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ثم رحل إلى القاهرة واستوطنها إلى أن توفاه الله.
أخذ «فارس بن أحمد» القراءة القرآنية عن عدد من العلماء، وفي مقدمتهم: «عبد الباقي بن الحسن، وعبد الله بن الحسين، وعليّ بن عبد الله الجلّاء، ومحمد بن الحسن، وأبو طاهر الأنطاكي، ومحمد بن صبغون الملطي، وعبد الله بن محمد الرازي، ومحمد بن علي، وأبو الفرج الشنبوذي، وأبو عدي عبد العزيز بن علي».
وروى حروف القراءات عن: «أحمد بن محمد بن جابر، وجعفر بن أحمد البزّاز، وجعفر بن محمد بن الفضل».
وبعد أن اكتملت مواهب «فارس بن أحمد» جلس لتعليم القرآن وحروف القراءات واشتهر بالثقة وصحة القراءة، والإتقان، وأقبل عليه حفاظ القرآن،
стр. 937
يأخذون عنه، ويتعلمون منه، وتتلمذ عليه الكثيرون، وفي مقدمة من قرأ عليه: ولده عبد الباقي، والحافظ أبو عمرو الداني الإمام المشهور.
احتلّ «فارس بن أحمد» مكانة سامية ومنزلة رفيعة، مما استوجب الثناء عليه. في هذا المعنى يقول تلميذه «أبو عمرو الداني»: لم ألق مثله في حفظه، وضبطه، كان حافظا، ضابطا، حسن التأدية، فهما بعلم صناعته، واتساع روايته مع ظهور نسكه وفضله، وصدق لهجته».
توفي «فارس بن أحمد» بمصر سنة إحدى وأربعمائة من الهجرة، وله ثمان وستون سنة.
﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 938
رقم الترجمة/ ٨٠ «أبو الفتح بن شيطا» (١) ت ٤٥٠ هـ
هو: عبد الواحد بن الحسن بن أحمد بن عثمان بن شيطا: بكسر الشين، أبو الفتح البغدادي، وهو أستاذ كبير ومن الثقات، ومؤلف كتاب: «التذكار في القراءات العشر».
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ، ضمن علماء الطبقة العاشرة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
ولد «ابن شيطا» سنة سبعين وثلاثمائة. أخذ «ابن شيطا» القراءات عن خيرة العلماء وفي مقدمتهم: «عليّ بن محمد بن يوسف بن يعقوب بن عليّ أبو الحسن بن العلاف البغدادي»، وهو أستاذ مشهور ثقة، ضابط، ولد سنة عشر وثلاثمائة، وتوفي سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
أخذ «ابن العلّاف» القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: «أبو بكر النقاش، وأبو طاهر بن أبي هاشم، وأبو علي الحسن النقّار، وزيد بن أبي بلال، ومحمد بن عبد الله المؤدّب، وهبة الله بن جعفر، ومحمد بن عليّ بن الهيثم، وعبد العزيز بن محمد بن الواثق بالله، ومحمد بن أحمد السلمي».
جلس «ابن العلاف» لتعليم القرآن، وفي مقدمة من قرأ عليه: «أبو الفتح ابن شيطا، والحسن بن محمد البغدادي، وأحمد بن محمد القنطري، وعبد الله بن محمد الذارع، وعثمان بن علي الدّلّال، وأبو علي الشرمقاني، والحسن بن عليّ العطار،
стр. 939
وأحمد بن رضوان الصيدلاني، وأحمد بن محمد بن أحمد الحدّادي، وأحمد بن محمد بن يوسف الأصبهاني، وعليّ بن محمد بن فارس الخياط».
ومن شيوخ «ابن شيطا»: «علي بن أحمد بن عمر بن حفص بن عبد الله أبو الحسن الحمامي»، شيخ العراق، وهو من الأئمة الثقات، ومن القراء المسندين، ولد سنة ثمان
وعشرين وثلاثمائة، وتوفي سنة سبع عشرة وأربعمائة.
وهو في سن التسعين.
أخذ «أبو الحسن الحمامي» القراءة عن خيرة العلماء، وفي مقدمتهم: «أبو بكر النقاش، وأبو عيسى بكّار، وزيد بن عليّ، وهبة الله بن جعفر، وعبد الواحد بن عمر، وعليّ بن محمد بن جعفر القلانسي، ومحمد بن علي بن الهيثم، وعبد العزيز بن محمد الواثق بالله، وأحمد بن محمد بن هارون الورّاق، وعبد الله ابن الحسن بن سليمان النخّاس، وأحمد بن عبد الرحمن الوليّ، وأبو بكر بن مقسم، وإسماعيل بن شعيب النهاوندي».
جلس «أبو الحسن الحمامي» لتعليم القرآن، وفي مقدمة من قرأ عليه: «أبو الفتح بن شيطا» وأحمد بن الحسن بن اللحياني، وأحمد بن مسرور، وأحمد بن علي الهاشمي، والحسن بن البنّاء، والحسن بن أبي الفضل الشرمقاني، والحسن ابن عليّ العطّار، والحسن بن محمد المالكي، والحسين بن أحمد الصفّار» وغير هؤلاء.
ومن شيوخ «أبي الفتح بن شيطا»: أحمد بن عبد الله بن الخضر بن مسرور، أبو الحسن السوسنجردي»، وهي نسبة إلى قرية بنواحي بغداد يقال لها: «سوسنجرد». وهو من القراء المشهورين، ومن الثقات، ولد سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، وتوفي سنة اثنتين وأربعمائة عن ثمانين سنة ونيف.
أخذ «السوسنجردي» القراءة عن عدد من العلماء، وفي مقدمتهم: زيد بن أبي بلال، وعبد الواحد بن أبي هاشم، وعلي بن محمد بن جعفر بن خليع،
стр. 940
ومحمد بن خليع، ومحمد بن عبد الله بن أبي مرّة الطوسي، وبكار بن أحمد.
تصدر «أحمد السوسنجردي» لتعليم القرآن، ومن الذين قرءوا عليه: «أبو الفتح بن شيطا» وأبو علي غلام الهراس، وأبو بكر محمد بن عليّ الخياط، وأبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم المالكي، ونصر بن عبد العزيز الفارسي، والحسن بن علي العطار، وعبد الملك بن شابور.
ومن شيوخ «أبي الفتح بن شيطا»: عبد السلام بن الحسين بن محمد بن طيفور أبو أحمد البصري ثم البغدادي، وهو شيخ عارف ثقة، قرأ على:
الحسين بن إبراهيم الصائغ، وعليّ بن محمد بن خشنام، وعلي بن محمد بن صالح الهاشمي، وعلي بن أبي رجاء، وأبي العباس الكيّال.
تصدّر «ابن طيفور» لتعليم القرآن، وفي مقدمة من قرأ عليه: «أبو الفتح ابن شيطا، وأبو علي الشرمقاني، والحسن بن عليّ العطّار، والحسن بن محمد بن إبراهيم المالكي، وأبو الحسن الخياط، ونصر بن عبد العزيز الشيرازي، وعبد الملك بن شابور».
وأخذ «أبو الفتح بن شيطا» حديث الهادي البشير ﷺ عن عدد من العلماء، وفي هذا يقول «الخطيب البغدادي»:
سمع «أبو الفتح بن شيطا»: أبا بكر بن إسماعيل الورّاق، وأبا محمد بن معروف القاضي، وعيسى بن عليّ بن عيسى، وإسماعيل بن سعد بن سويد، ومحمد بن عمرو بن بهتة، كتبنا عنه، وكان ثقة عالما بوجوه القراءات، بصيرا بالعربية، حافظا لمذاهب القراء، وسألته عن مولده فقال: ولدت يوم الاثنين السادس عشر من رجب سنة سبعين وثلاثمائة. اه (١).
وقال عنه «الإمام ابن الجزري»: «ابن شيطا، أبو الفتح البغدادي،
стр. 941
الأستاذ الكبير الكامل ثقة رضيّ» (١).
تصدر «أبو الفتح بن شيطا» لتعليم القرآن، ومن الذين قرءوا عليه الاستاذ أبو طاهر بن سوار، وأبو الفضل محمد بن محمد بن الصباغ، وروى عنه حروف القراءات من كتابه «التذكار»: «الحسن بن محمد الباقرجي».
توفي «أبو الفتح بن شيطا» سنة خمسين وأربعمائة هـ. ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 942
رقم الترجمة/ ٨١ «ابن الفحّام السّامري» (١) ت ٤٠٨ هـ
هو: الحسن بن محمد بن يحيى بن داود أبو محمد الفحام المقرئ الفقيه البغدادي السامري شيخ مصدر بارع.
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ، ضمن علماء الطبقة التاسعة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
أخذ «ابن الفحام» القراءة القرآنية على خيرة العلماء وفي مقدمتهم: «أبو بكر النقاش، وابن مقسم، ومحمد بن أحمد بن الخليل، وبكار بن أحمد، وجعفر بن عبد الله السامري، وسلامة بن الحسن الموصلي، وزيد بن أبي بلال وعليّ بن إبراهيم بن خشنام المالكي، وعمر بن أحمد الحبّال، وعبد الله بن محمد الوكيل، وأبو الطيب الدلاء، وجعفر بن محمد بن غيالي، ويوسف بن علان».
كما أخذ «ابن الفحام» حديث الهادي البشير ﷺ عن عدد من العلماء وفي مقدمتهم: أحمد بن علي بن يحيى بن حسان السامري، وإسماعيل بن محمد
الصفار، ومحمد بن عمرو الرزاز، ومحمد بن الفرحان الدوري.
تصدّر «ابن الفحام» لتعليم القرآن، وسنة النبي ﵊ واشتهر بالثقة وطال عمره، وأقبل عليه الطلاب، وتتلمذ عليه الكثيرون وفي مقدمتهم: «نصر بن عبد العزيز الفارسي، وأبو علي غلام الهراس، والحسن ابن علي العطار، وعلي بن محمد بن فارس الخياط، وأبو علي البغدادي، وعبد الملك بن شابور» وآخرون.
стр. 943
قال «الخطيب البغدادي»: كان «ابن الفحام» ثقة على مذهب الإمام الشافعي وقد حدثني عنه: «أبو سعد السمان الرازي، ومحمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري»، وغيرهما.
قال «ابن الجزري»: «ليس هو بصاحب الآيات المنزلة في أهل البيت كما قيل».
توفي «ابن الفحام» ببغداد سنة ثمان وأربعمائة من الهجرة. رحم الله «ابن الفحام» رحمة واسعة وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 944
رقم الترجمة/ ٨٢ «ابن الفحّام» (١) ت ٥١٦ هـ
هو: عبد الرحمن بن عتيق بن خلف أبو القاسم الفحام الصقلي. ولد «ابن الفحام» سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة من الهجرة. وقيل: سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
وبعد أن حفظ «ابن الفحّام» القرآن الكريم رحل من جزيرة صقلية مسقط رأسه إلى «مصر» في سبيل طلب العلم والقراءات.
وقد أخذ القراءات عن عدد من خيرة العلماء منهم:
١ - أحمد بن سعيد بن أحمد بن نفيس المصري المقرئ. وكان «ابن نفيس» إماما ثقة، صحيح الرواية، انتهى إليه علوّ الإسناد وعمّر حتى قارب المائة، وكان حجة في القراءات.
٢ - وعبد الباقي بن فارس بن أحمد أبو الحسن الحمصي ثم المصري.
٣ - نصر بن عبد العزيز بن أحمد بن نوح الفارسي الشيرازي مقرئ الديار المصرية ومن علماء القراءات المحققين، وله كتاب «الجامع في القراءات العشر».
قال «أبو القاسم بن الفحّام»: قال لنا أبو الحسن نصر الفارسي إنه قرأ
стр. 945
بالطرق والروايات، والمذاهب المذكورة في كتاب «الروضة» لأبي علي المالكي البغدادي، على شيوخ «أبي عليّ» المذكورين في «الروضة» كلهم القرآن كله وأن «أبا علي» كان كلما قرأ جزءا من القرآن قرأت مثله.
وكلما ختم ختمة ختمت مثلها حتى انتهيت إلى ما انتهى إليه من ذلك.
٤ - وإبراهيم بن سليمان بن غالب أبو إسحاق المصري المعروف بابن الخياط المالكي، وهو شيخ مقرئ مشهور وعدل. روى كتاب «الروضة» سماعا وتلاوة عن مؤلفه «أبي علي الحسن بن محمد البغدادي» وقرأ على إسماعيل بن عمرو بن راشد.
كما أخذ «ابن الفحّام» «النحو» عن خيرة علماء اللغة، وفي مقدمتهم «أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ بن داود بن سليمان بن إبراهيم النحوي الجوهري المصري».
وطاهر هذا من العلماء المشهورين بالمصنفات النافعة المفيدة ومن تصانيفه «المقدمة في النحو» وشرحها، وشرح الجمل للزجاج وكان يتولى تحرير الكتب الصادرة من ديوان الإنشاء بالديار المصرية إلى الأطراف ليصلح ما لعلّه يجد بها من لحن خفيّ.
وابن الفحام هو الذي طلب من «ابن بابشاذ» أن يشرح له مقدمته في النحو فأملى عليه شرحها.
تصدر «ابن الفحّام» لتعليم القرآن وحروفه، واشتهر بالثقة وجودة القراءة وصحة الضبط والاتقان، وأقبل عليه طلاب العلم، وحفاظ القرآن يأخذون عنه فتتلمذ عليه الكثيرون. ومن تلاميذه:
١ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الحافظ، أبو طاهر السّلفي وله علوّ في إسناد الحديث والقراءات مع الثقة والعلم.
стр. 946
٢ - وأحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام بن الحطية، أبو العباس اللخمي الفارسي ثم المصري وهو إمام صالح عارف بالقراءات وصحة الضبط. عيّن لقضاء «مصر» سنة
ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
٣ - ومحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الطفيل، أبو الحسن العبدي الإشبيلي.
وقد عني بالقراءات، واشتهر بالصدق والاتقان ونظم أرجوزة في القراءات.
٤ - ويحيى بن سعدون بن تمام ضياء الدين أبو بكر الأزدي القرطبي إمام عارف، علامة.
ولد بقرطبة سنة ست وثمانين وأربعمائة من الهجرة، وقرأ بها القراءات، ثم رحل إلى الإسكندرية فقرأ على «ابن الفحّام» ونزل بالموصل. قال عنه «الذهبي» كان «ابن سعدون» ثقة محققا، واسع العلم ذا دين ونسك وورع ووقار.
٥ - وعبد الرحمن بن خلف الله بن محمد بن عطية أبو القاسم القرشيّ، الإسكندري، المالكي، المؤدب.
وكان ثقة، وشيخا صالحا، أقرأ الناس مدة على صدق واستقامة.
لقد احتلّ «ابن الفحّام» مكانة سامية بين العلماء مما استوجب الثناء عليه، وفي هذا يقول «أبو الربيع سليمان بن عبد العزيز المقرئ الأندلسي»: ما رأيت أعلم بالقراءات، ووجوهها من «ابن الفحّام» وإنه ليحفظ القراءات كما نحفظ نحن القرآن. اه (١).
стр. 947
وقال «الذهبي»: كان «ابن الفحّام» من الثقات، وثّقه «أبو طاهر أحمد ابن محمد السلفي، وعليّ بن المفضل. اه (١).
وقال «القفطي»: كان «ابن الفحّام» حافظا للقراءات، صدوقا، متقنا، عالما. اه (٢).
وقال «السيوطي»: انتهت إلى «ابن الفحّام» رئاسة الإقراء بالاسكندرية علوّا ومعرفة. اه (٣).
وقال «جمال الدين»: قصد الناس «ابن الفحّام» من شتى النواحي لعلوّ إسناده، وإتقانه. اه (٤).
وبالجملة، فقد كان «ابن الفحّام» إماما محققا، ثقة، متقنا، وقد وهب حياته لخدمة القراءات القرآنية تعلّما وتعليما، وصنف كتابه المشهور في القراءات «التجريد لبغية المريد».
توفي «ابن الفحّام» في ذي القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة من الهجرة وقد جاوز التسعين.
رحم الله «ابن الفحّام» رحمة واسعة إنه سميع مجيب.
стр. 948
رقم الترجمة/ ٨٣ «أبو الفرج النجاد» (١) ت ٤٢٩ هـ
هو: محمد بن يوسف بن محمد أبو الفرج الأموي الأندلسي القرطبي، يعرف بالنجاد، وهو خال الإمام الحافظ «أبي عمرو بن العلاء».
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ، ضمن علماء الطبقة العاشرة من حفاظ القرآن.
كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ، ضمن علماء القراءات.
ولد «أبو الفرج النجاد»، ببلدة «يسير» بعد سنة خمسين وثلاثمائة من الهجرة.
أخذ «أبو الفرج النجاد» القراءة عن خيرة العلماء، وفي هذا يقول الحجة «أبو عمرو الداني»: أخذ «أبو الفرج النجاد» القراءة عرضا عن: أبي أحمد السامري، وأبي الحسن عليّ بن بشر الأنطاكي وغيرهما من أهل الضبط والإتقان، والمعرفة بما يقرأ ويقرئ، وكان معه نصيب وافر من علم العربية، وعلم الفرائض والحساب. اه.
تصدر «أبو الفرج النجاد» لتعليم القرآن الكريم، وفي هذا يقول «الحافظ الذهبي»: أقرأ الناس بقرطبة في مسجده من بعد سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، ثم نزح في الفتنة وسكن «الثغر» وأقرأ الناس به دهرا ثم ردّ إلى قرطبة وبها توفي في صدر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وأربعمائة. اه.
﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.
стр. 949
رقم الترجمة/ ٨٤ «أبو الفضل الخزاعي» (١) ت ٤٠٨ هـ
هو: محمد بن جعفر بن عبد الكريم بن بديل أبو الفضل الخزاعي الجرجاني، مؤلف كتاب «المنتهى في الخمسة عشر»، يشتمل على مائتين وخمسين رواية، وكتاب «تهذيب الأداء في السبع».
ذكره «الذهبي» ت ٧٤٨ هـ، في مقدمة علماء الطبقة العاشرة من حفاظ القرآن، كما ذكره «ابن الجزري» ت ٨٣٣ هـ ضمن علماء القراءات.
أخذ «أبو الفضل الخزاعي» القراءة القرآنية عن عدد من العلماء وفي مقدمتهم: «الحسن بن سعيد المطوعي، وأبو علي بن حبش، وأحمد بن محمد ابن الشارب، وأبو أحمد الساوي، ومحمد بن الحسن الأدمي، وأبو القاسم منصور بن محمد الوراق، وعقيل بن علي البصري، وأبو جعفر عمر بن إبراهيم ابن أحمد الكتاني، والحسن بن الحسين الصواف، وعلي بن أحمد بن عبد الله بن حميد، وعمر بن علي الطبري، ومحمد بن أحمد بن علّان، وإبراهيم بن أحمد المروزي، وعمر بن البغدادي، ومحمد بن غريب، وجعفر بن علي بن موسى الضرير، ومحمد بن خليل الأخفش، ومحمد بن عبيد بن الخليل، وأحمد بن محمد ابن عيسى، وأحمد بن محمد بن الفتح، وعبد الله بن يعقوب، ومحمد بن عيسى المؤدب، وأحمد بن القاسم بن يوسف، وإبراهيم بن أحمد اللبناني، وأحمد بن عبد الرحمن الأنطاكي، ومحمد بن عبد الجبار، ويوسف بن محمد الضرير، وحمد ابن عبد الواسع، وعثمان بن أحمد بن سمعان، ومحمد بن يحيى الملاح، وإبراهيم
стр. 950
ابن أحمد الطبري، ومحمد بن الحسين الجعفي، وطلحة بن محمد بن جعفر، وأحمد بن جعفر الخلال، والحسن بن بشر الأزدي، وعلي بن القاسم، وأحمد ابن نصر الشذائي، وأبو الطيب الحضيني، وأبو القاسم النخاس، وأبو الحسن ابن خشنام، وعلي بن محمد الهاشمي».
مما تقدم يتبين بجلاء ووضوح علوّ إسناد «أبي الفضل الخزاعي»، ويظهر بجلاء أيضا كثرة أساتذته الذين أخذ عنهم القراءات.
وبعد أن اكتملت مواهب «أبي الفضل الخزاعي» تصدّر لتعليم القرآن، وحروف القراءات، والتصنيف، واشتهر بالثقة، وحسن الأداء، وأقبل عليه الطلاب يأخذون عنه. ومن الذين أخذوا عنه القراءة: «أبو العلاء الواسطي، وأحمد بن الفضل الباطرقاني، وعبد الله بن شبيب الأصبهاني، وأبو بكر أحمد ابن محمد بن إبراهيم المروزي» وآخرون.
توفي «أبو الفضل الخزاعي» سنة ثمان وأربعمائة من الهجرة. ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله أفضل الجزاء.