← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38076

مقدمات في علم القراءات

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (243 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ج- الدقائق المحكمة في شرح المقدمة: للقاضي زكريا بن محمد الأنصاري (ت ٩٢٦ هـ) (١). د- المنح الفكرية على متن الجزرية: لعلي بن سلطان محمد القاري (ت ١٠١٤ هـ) (٢). ٩ - جهد المقل: لمحمد بن أبي بكر الملقب بساجقلي زاده (ت ١١٥٠ هـ) وهو مطبوع (٣). ١٠ - نهاية القول المفيد في علم التجويد: لمحمد مكي نصر، وهو مطبوع (٤). ١١ - أحكام قراءة القرآن الكريم: لمحمود خليل الحصري (ت ١٤٠١ هـ) وهو مطبوع (٥). ١٢ - حق التلاوة: لحسني شيخ عثمان (٦). ١٣ - هداية القارئ في تجويد كلام الباري: للشيخ السيد عجمي المرصفي (ت ١٤٠٨ هـ). ١٤ - تنقيح الوسيط في علم التجويد: للدكتور محمد خالد منصور. والتأليف متتابع في هذا الفن ما بين مطول ومتوسط ومختصر. الفرق بين علمي التجويد والقراءات (٧): علم التجويد كما تقدم هو: «علم بقواعد وأحكام لكيفية النطق بالكلمات القرآنية على الكيفية التي أنزل بها على النبي الكريم ﷺ ».

стр. 177

وتقدم: أن علم التجويد يعتني بتحسين وتجويد الألفاظ القرآنية، من حيث إخراج كل حرف من مخرجه، ورده إلى أصله، وترتيبه، وإعطاؤه حقه ومستحقه من الصفات، وبعض المسائل التجويدية المتعلقة بتحسين اللفظ، إضافة إلى الوقف الصحيح والابتداء الصحيح، وخلاصة القول: أنه العلم الذي يعتني بتصحيح النطق بالكلمات القرآنية بلا تعسف ولا إفراط ولا تكلف. والتجويد وإن كان صناعة علمية لها قواعدها التي تعتمد على إخراج الحروف من مخارجها مع مراعاة صلة كل حرف بما قبله وما بعده في كيفية الأداء؛ فإنه لا يكتسب بالدراسة بقدر ما يكتسب بالممارسة والمران ومحاكاة من يجيد القراءة (١). أما علم القراءات فهو «العلم الذي يعني بكيفية أداء كلمات القرآن، واختلافها معزوا إلى ناقله»، وهو العلم الذي يعنى بنقل الروايات القرآنية المروية عن النبي ﷺ . وهذا لا يعني أن علم القراءات منفصل عن علم التجويد، بل إن علماء القراءات ينقلون هذه الروايات ويعلمونها طلابهم على وفق الكيفية المجودة المروية عن ﷺ ، ولكن جل اهتمامهم هو الاعتناء بهذه الروايات ونقلها، وضبطها؛ وإن كانت تروى مجودة. مما سبق يمكن القول بأن علمي التجويد والقراءات يشتركان فيما يلي: ١ - أن كليهما يرتبط بألفاظ القرآن من جهة يختلف فيها عن الآخر. ٢ - أن القراءات القرآنية المعزوة إلى ناقليها لا يمكن قراءتها منفكة عن الكيفية المجودة التي أنزل القرآن بها، بمعنى أن الأوجه المنقولة نقلت مجودة. ٣ - أن علم التجويد يعدّ جزءا من علم القراءات على اعتبار أن علم القراءات على ما تقدم ينقسم إلى قسمين: الأصول والفرش، وأن علم التجويد في كثير من مباحثه يعتبر من الأصول التي بحثها القراء. ويتضح أيضا أن علمي القراءات والتجويد يختلفان في أمرين (٢):

стр. 178

الأمر الأول: من حيث الموضوع: فإن علم التجويد لا يعنى باختلاف الرواة، وعزو الروايات لناقليها، بقدر عنايته بتحقيق الألفاظ وتجويدها وتحسينها، وهو مما لا خلاف في أكثره بين القراء؛ فإن القراء عموما متفقون على موضوعات مخارج الحروف والصفات، والقضايا الكلية للمد والقصر، وأحكام النون الساكنة والتنوين، والميم الساكنة، وغيرها. الأمر الثاني: من حيث المنهج: فإن منهج كتب القراءات هو المنهج النقلي؛ فإن كتب القراءات كتب رواية، بخلاف كتب التجويد فلا تعتني بالرواية، ولكنها كتب دراية، تعتمد على درجة مقدرة القارئ في ملاحظة أصوات اللغة، وتحليلها، ووصفها حال إفرادها أو تركيبها. وقد استفيد الفرق بين علمي التجويد والقراءات من نصوص وردت في كتاب: «الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة»، لمكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧ هـ). ومنها قوله في مقدمة الكتاب: «وإني لما رأيت هذه الحكمة البديعة والقدرة العظيمة في هذه الحروف التي نظمت ألفاظ كتاب الله- جل ذكره- ووقفت على تصرفها في مخارجها وترتيبها عند خروج الصوت بها، واختلاف صفاتها، وكثرة ألقابها ... قويت نيتي في تأليف هذا الكتاب وجمعه في تفسير الحروف ومخارجها، وصفاتها وألقابها، وبيان قويها وضعيفها، واتصال بعضها ببعض، ومناسبة بعضها لبعض، ومباينة بعضها لبعض، ليكون الوقوف على معرفة ذلك عبرة في لطف قدرة الله الكريم؛ وعونا لأهل تلاوة القرآن على تجويد ألفاظه وإحكام النطق به ... ولست أذكر في هذا الكتاب إلا ما لا اختلاف فيه بين أكثر القراء، فيجب على كل من قرأ بأي حرف كان من السبعة أن يأخذ نفسه بتحقيق اللفظ وتجويده، وإعطائه حقه على ما نذكره مع كل حرف من هذا الكتاب» (١). ومنها قوله حين تحدث عن أحكام تجويد الهمزة: «وقد تقدم ذكر أصول القراء واختلافهم في الهمز وتليينه وحذفه وبدله وتحقيقه وغير ذلك من أحكامه في غير هذا الكتاب فلا حاجة بنا إلى ذكر ذلك، وكذلك ما شابهه، فليس هذا كتاب اختلاف،

стр. 179

وإنما هو كتاب تجويد ألفاظ ووقوف على حقائق الكلام وإعطاء اللفظ حقه ومعرفة أحكام الحروف التي ينشأ الكلام منها، مما لا اختلاف في أكثره» (١). وقد بين محمد المرعشي الملقب ساج قلي زاده (ت ١١٥٠) الفرق بين علمي التجويد والقراءات بقوله: «إن قلت: ما الفرق بين علمي التجويد والقراءات؟ قلت: علم القراءات علم يعرف فيه اختلاف أئمة الأمصار في نظم القرآن في نفس حروفه أو في صفاتها، فإذا ذكر فيه شيء من ماهية صفات الحروف، فهو تتميم، إذ لا يتعلق الغرض به. وأما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف، فإذا ذكر فيه شيء من اختلاف الأئمة، فهو تتميم؛ كذا حقق في الرعاية» (٢). وقال المرعشي أيضا: «اعلم أن علم القراءة يخالف علم التجويد؛ لأن المقصود من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها. مثلا يعرف في علم التجويد أن حقيقة التفخيم كذا، وحقيقة الترقيق كذا، وفي القراءة- أي علم القراءات- يعرف فخمها فلان، ورققها فلان، وبهذا يندفع ما عسى أن يقال: علم القراءة يتضمن مباحث صفات الحروف، كالإدغام والإظهار والمد والقصر والتفخيم والترقيق، وهي مباحث علم التجويد» (٣). ثانيا: علم الرسم وعلم الضبط: علم الرسم: هو العلم الذي يبحث في معرفة خط المصاحف العثمانية وطريقة كتابتها والقواعد المتبعة فيها خلافا للرسم القياسي الإملائي، وقد اتفق أئمة الإقراء على لزوم مرسوم المصاحف فيما تدعو الحاجة إليه اختيارا واضطرارا، فيوقف على الكلمة الموقوف عليها على وفق رسمها في الهجاء وذلك باعتبار الأواخر (٤).

стр. 180

وعرفه الضباع بقوله: «علم تعرف به مخالفة المصاحف العثمانية لأصول الرسم القياسي، وموضوعه: حروف المصاحف العثمانية من حيث يبحث فيه عن عوارضها من الحذف والزيادة والبدل والفصل والوصل ونحو ذلك» (١). أما علم الضبط: فهو العلم الذي يبحث في طريقة نقط الكلمات والحروف القرآنية، نقط إعراب ونقط إعجام، وما يتعلق بذلك من رموز وحركات. وقال الضباع: «علم يعرف به ما يدل على عوارض الحروف التي هي الفتح والضم والكسر والسكون والشد والمد ونحو ذلك ... وموضوعه: العلامات الدالة على تلك العوارض من حيث وضعها وتركها وكيفيتها ومحلها ولونها وغير ذلك» (٢). وقد ألف في هذا العلم كتب كثيرة على امتداد العصور، ومن أهم هذه الكتب: ١ - المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار: ألفه أبو عمرو الداني ت ٤٤٤ هـ، وقد اشتهر هذا الكتاب شهرة فائقة، وزاد في شهرته وتداوله أن الإمام أبا القاسم الشاطبي (ت ٥٩٠ هـ) نظمه في قصيدته الرائية المشهورة باسم «عقيلة أتراب القصائد». وقد تتبع الداني مسائل الرسم ومباحثه وجعلها في أبواب وفصول تجمع المسائل المتشابهة في موضع واحد، وبيّن منهجه في ذلك بقوله: «هذا كتاب أذكر فيه إن شاء الله ما سمعته من مشيختي ورويته عن أئمتي من مرسوم خطوط مصاحف أهل الأمصار: المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام وسائر العراق المصطلح عليه قديما مختلفا فيه ومتفقا عليه، وما انتهى إليّ من ذلك وصح لديّ منه عن الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁ وعن سائر النسخ التي انتسخت منه الموجه بها إلى الكوفة والبصرة والشام، وأجعل جميع ذلك أبوابا وأصنفه فصولا، وأخليه من بسط العلل وشرح المعاني لكي يقرب حفظه ويخفّ متناوله على من التمس معرفته من طالبي القراءة وكاتبي المصاحف وغيرهم ... » (٣).

стр. 181

٢ - التبيين لهجاء التنزيل: ألفه أبو داود سليمان بن نجاح الأندلسي (ت ٤٩٦ هـ) وهو تلميذ أبي عمرو الداني وقد لازمه كثيرا وأخذ عنه القراءات (١)، وجعل هذا الكتاب في ستة مجلدات، ثم جرّد منه كتابا مختصرا سماه: التنزيل في هجاء المصاحف. ٣ - المنصف: منظومة لأبي الحسن علي بن محمد البلنسي (ت ٥٦٤ هـ) (٢). ٤ - عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد: منظومة نظمها أبو القاسم الشاطبي (ت ٥٩٠ هـ)، ضمّنها مسائل المقنع لأبي عمرو الداني، وزاد عليه أحرفا يسيرة جملتها ست كلمات (٣). وهذه المنظومة عدد أبياتها مائتان وثمان وتسعون بيتا تبدأ بقول الشاطبي: الحمد لله موصولا كما أمرا ... مباركا طيبا يستنزل الدّررا وآخرها قوله: تمت عقيلة أتراب القصائد في ... أسنى المقاصد للرسم الذي بهرا تسعون مع مائتين مع ثمانية ... أبياتها ينتظمن الدّرّ والدّررا (٤) وقد لقيت العقيلة اهتماما كبيرا من الشراح والدارسين، وكان أول من شرحها علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ) تلميذ الإمام الشاطبي (٥)، وسمى شرحه: الوسيلة إلى شرح العقيلة (٦). ٥ - مورد الظمآن في رسم أحرف القرآن: منظومة ألفها الخراز محمد بن محمد بن إبراهيم الأموي الشريشي، وكان الخراز قد نظم قصيدة سماها (عمدة البيان)، وذيّلها بالضبط المتصل بمورد الظمآن اليوم، لكنه أعاد نظم القسم الخاص بالرسم

стр. 182

وسماه (مورد الظمآن) وهو الذي نتحدث عنه هنا، وأبقى ما يتعلق بالضبط الذي كان في آخر عمدة البيان، متصلا بالنظم الجديد، وعدة أبيات مورد الظمآن أربعمائة وأربعة وخمسون بيتا، وعدة أبيات الضبط مائة وأربعة وخمسون بيتا، فيكون المجموع ستمائة وثمانية أبيات. وقد اشتهر القسم الخاص بالرسم من هذا النظم باسم (مورد الظمآن) بينما اشتهر الذيل الخاص بالضبط باسم (ضبط الخراز)، وقد جعل الخراز الرسم وفقا لقراءة نافع فيما يخص علاقة القراءة بالرسم من حذف وغيره واختلاف في رسم بعض الحروف (١). وقد لقيت هذه المنظومة عناية فائقة من الشراح فشرحها عدد كبير من العلماء، أولهم عبد الله بن عمر الصنهاجي تلميذ المؤلف. وشرحها الشيخ حسين بن علي الرجراجي وفرغ من شرحها سنة (٨٤٢ هـ) وسماه تنبيه العطشان (٢). وأشهر شروحها شرح ابن عاشر الأنصاري (ت ١٠٤٠ هـ بفاس) واسمه فتح المنان المروي بمورد الظمآن، ولما كانت قصيدة مورد الظمآن لا تشمل ما تثيره القراءات الأخرى غير قراءة نافع من وجوه الخلاف فقد حاول ابن عاشر تكميل هذا النقص بنظم ذيّل به شرحه لمورد الظمآن حيث يقول: «وهذا تذييل سميته الإعلان بتكميل مورد الظمآن، ضمنته بقايا خلافيات المصاحف في الحذف وغيره مما يحتاج إليها من تخطّى قراءة نافع إلى غيرها من قراءات السبعة» (٣). وقام الشيخ إبراهيم بن أحمد المارغني التونسي (ت ١٣٤٩ هـ) في العصر الحديث بشرح المورد والضبط والإعلان فرغ منه سنة (١٣٢٥ هـ)، وما أضافه في الإعلان، وسماه دليل الحيران شرح مورد الظمآن في رسم وضبط القرآن، وجعل شرح الذيل الذي كمل به ابن عاشر منظومة الخراز في آخر الكتاب، وسماه: «تنبيه الخلاف إلى شرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن» (٤).

стр. 183

ومن الشروح الحديثة على مورد الظمآن: «لطائف البيان في رسم القرآن شرح مورد الظمآن» للشيخ أحمد محمد أبو زيتحار، من علماء الأزهر، وهو شرح مدرسي يناسب طلبة معاهد القراءات (١). ٦ - جامع البيان في معرفة رسم القرآن: لعلي إسماعيل هنداوي. ثالثا: علم التحريرات: المقصود بالتحرير: العناية بتنقيح القراءة من أي خطأ أو خلل كالتركيب أي خلط وجه بوجه، وهو ما يسمى بالتلفيق (٢)، وقد نص كثير من العلماء على أن التلفيق حرام، وقال آخرون: إنه خطأ، وفرّق ابن الجزري بين ما يجوز لغة وما لا يجوز مبينا أن ما يجوز لغة إذا حصل فيه تلفيق بين بعض الوجوه فهو جائز ولكنه معيب لا يحسن من القراء. وقال الشيخ مصطفى الإزميري: التركيب حرام في القرآن على سبيل الرواية ومكروه كراهة تحريم على ما حققه أهل الدراية (٣)، وعلى هذا يكون المقصود من التحرير: التدقيق في القراءات وتقويمها والعمل على تمييز كل رواية على حدة من طرقها الصحيحة وعدم خلطها برواية أخرى. وقد كانت عادة السلف إفراد كل قارئ أو راو بختمة كاملة للقرآن الكريم، فكان الطالب لا ينهى أخذ القراءات السبع أو العشر إلا بسبع أو عشر ختمات أو أكثر، وهذا يستلزم وقتا طويلا وجهدا كبيرا، فنشأ ما يسمّى بجمع القراءات، ووضعت له الشروط التي تضمن سلامة القراءة وعدم تركيب الوجوه، وقد نص ابن الجزري على ذلك بقوله (٤): وقد جرى من عادة الأئمة ... إفراد كل قارئ بختمة حتى يؤهلوا لجمع الجمع ... بالعشر أو أكثر أو بالسبع

стр. 184

قال ابن الجزري: وتلقى الناس الجمع بالقبول، وقرأ به العلماء وغيرهم، لا نعلم أحدا كرهه (١). وبعد أن استقر العمل بجمع القراءات في ختمة واحدة في حال التلقي، تشعبت الطرق وكثرت الأوجه، فاحتاج الأمر إلى تنظيم هذه القراءات والتنبيه على عدم التركيب فيها، لأن من شروط الجمع عدم التركيب في القراءة الواحدة، وتمييز بعضها عن بعض، وإلا وقع فيما لا يجوز وقراءة ما لم ينزل (٢)، وهذه هي مهمة المحررين الذين قاموا بحصر الآيات التي تحتاج إلى تحرير وبينوا ما فيها من الأوجه الجائزة والممنوعة (٣). ومن أبرز العلماء الذين عنوا بعلم التحريرات: الشيخ مصطفى الإزميري، وعلي المنصوري، والسيد هاشم والشيخ المتولي وغيرهم. وكان عمل هؤلاء يقوم على مراعاة كتاب النشر وأصوله، ورد كل خلاف بين القراء إلى أصله، لأن كتاب النشر أول كتاب استوعب خلاصة ما في كتب القراءات السابقة بأسانيدها ومتونها حيث جمع نحو ألف طريق، وصفها ابن الجزري بقوله: هي أصح ما وجد في الدنيا وأعلاه، ولم نذكر فيها إلا ما ثبت عندنا أو عند من تقدمنا من أئمتنا عدالته، وتحقق لقيه لمن أخذ عنه، وصحت معاصرته، وهذا التزام لم يقع لغيرنا ممن ألف في هذا العلم (٤). ثم قال: وفائدة ما عيّناه وفصلناه من الطرق وذكرنا من الكتب هو عدم التركيب- يعني التلفيق- فإنها إذا ميزت وبينت ارتفع ذلك (٥). من فوائد علم التحريرات العمل على منع التركيب والتلفيق في قراءات القرآن، ومن فوائده أيضا بالنسبة لمتن الشاطبية والدرة وطيبة النشر، أنه مفصل لمجمل هذه المتون، وموضح لألفاظها ومقيد لمطلقها، وموفّ لشروطها ومنبه على ضعيفها (٦).

стр. 185

وعلم التحريرات يحتاج إلى اطلاع واسع وذهن ثاقب وانتباه لدقائق المسائل، ومع هذا فقد ألّف فيه جملة من العلماء، واعتنوا به أتمّ عناية حتى ميّزوا ما يجوز القراءة به مما لا يجوز، وبينوا كل ما يحتاج إليه القراء. ومن هذه الكتب: ١ - منظومة كنز المعاني بتحرير حرز الأماني: للشيخ سليمان الجمزوري (كان حيا سنة ١٢٠٩ هـ) وفي مطلعها يقول: إلهي لك الحمد الجميل على الولا ... وصل على المختار والآل والولا وبعد فهذا النظم فيه ذكرت ما ... تعقبه في النشر للحرز فاعقلا فما صح خلف الحرز فيه تركته ... وأذكر خلفا لم يصحّ معلّلا وقيدت بعض المطلقات بقيده ... وزدت شروطا ثم فصلت مجملا ورتبته كالحرز مع ذكر لفظ ما ... تيسر لي لفظا وإلا فأبدلا وسميته كنز المعاني محرّرا ... لحرز الأماني يا إلهي تقبلا (١) وقام الشيخ الجمزوري نفسه بشرح هذا النظم في كتاب سماه «الفتح الرحماني شرح كنز المعاني بتحرير حرز الأماني»، وقد حققه أستاذنا الشيخ عبد الرازق علي موسى وطبعته مؤسسة بيت الحكمة بالقاهرة سنة ١٤١٤ هـ- ١٩٩٤ م. ٢ - فتح القدير شرح تنقيح التحرير: ألفه الشيخ عامر السيد عثمان شرح فيه تنقيح التحرير للشيخ المتولي، وقد طبع الكتاب في شركة الشمرلي بالقاهرة، وبيّن مؤلفه أنه ألفه استجابة للحاجة الشديدة عند طلبة تخصص القراءات بكلية الدراسات العربية بالجامعة الأزهرية (٢). ٣ - فتح الكريم في تحرير أوجه القرآن الكريم وشرحه الفوز العظيم، ورسائل متعددة في تحرير مسائل متنوعة، جميعها للعلامة محمد المتولي (ت ١٣١٣ هـ)، الذي يعدّ من أوائل العلماء المحررين المدققين، وعمدة المصنفين المتأخرين في القراءات. ٤ - قواعد التحرير لطيبة النشر: لمحمد بن محمد جابر المصري.

стр. 186

٥ - حل المشكلات وتوضيح التحريرات في القراءات: لمحمد عبد الرحمن الخليجي. ٦ - شرح تنقيح فتح الكريم في تحرير أوجه القرآن العظيم: لأحمد عبد العزيز الزيات. ٧ - تحرير الطرق والروايات من طريق طيبة النشر: لعلي المنصوري، (ت ١١٣٤ هـ). ٨ - تحرير النشر من طريق العشر: لمصطفى الإزميري (ت ١١٥٥ هـ). ٩ - مختصر بلوغ الأمنية على نظم تحرير مسائل الشاطبية: للضباع. رابعا: الوقف والابتداء: هو العلم الذي يبحث في معرفة ما يوقف عليه وما يبتدأ به من الكلام، ويلحق به أيضا ما يتعلق بكيفيات الوقف على الكلمة وكيفية الابتداء بها، وأهمية هذا العلم كبيرة إذ به يعرف تفسير القرآن وفهم كثير من معانيه، ولذلك روي عن كثير من السلف ما يؤكد أهمية معرفته والعناية به، قال علي ﵁: «الترتيل معرفة الوقوف وتجويد الحروف» (١)، وعن ابن عمر ﵄ قال: «لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على النبي ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها» (٢). وقال الهذلي: «هو حلية التلاوة وتحلية الدراية وزينة القارئ وبلاغة التالي وفهم المستمع وفخر العالم ... يعلم به الفرق بين المعنيين المختلفين ... والحكمين المتقاربين» (٣). ولأهمية العلم بمواضع الوقوف وكيفياته اشترط عدد من الأئمة على المجيز أن لا يجيز أحدا إلا بعد معرفته الوقف والابتداء (٤). ومما يدل على الصلة بين الوقف والمعنى، الحادثة المشهورة أن رجلا وقف أمام النبي ﷺ خطيبا فقال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما»، ووقف، فقال له النبي ﷺ : «بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد

стр. 187

غوى» (١)، فعدم مراعاة هذا الخطيب لموضع الوقف أدى إلى تغيير المعنى، وكان عليه أن يقف على: فقد رشد، ثم يبدأ الجملة التالية. وقد اعتنى علماؤنا بهذا العلم، وأولوه رعايتهم واهتمامهم وحرصوا على تبيين مواضع الوقف في القرآن الكريم، لإعانة القارئ على اختيار أماكن الوقف، واصطلحوا على تقسيم الوقف الاختياري إلى أنواع، وعلى إعطاء كل نوع منها رمزا يدل عليه للاختصار والتخفيف على القارئين، وإن اختلفوا في تحديد أنواع الوقف الاختياري، رغبة من بعضهم في زيادة التفريع والتنويع فجعلوها أنواعا كثيرة، ورغب آخرون في تقليل هذه الأنواع واختصارها. فمنهم من جعل مراتب الاختياري ثمانية هي: التام فالحسن فالكافي فالصالح فالمفهوم فالجائز فالبيان فالقبيح، ومنهم من جعلها ثلاثة: تام مختار، وكاف جائز، وقبيح متروك (٢). وعلى القارئ التمكن من معرفة كيفية الوقف على الألفاظ التي فيها أكثر من وجه أو التي وقع بين القراء خلاف فيها، أو التي يوقف عليها بموافقة الرسم تقديرا أو تحقيقا، بإثبات حروف أو حذفها، وهذا باب واسع دقيق، ومنه مثلا: - الألفاظ المرسومة بالتاء المفتوحة وتقرأ بالإفراد نحو: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة: ٢١٨]، وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [الواقعة: ٨٩] يقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب، ويقف عليها الباقون بالتاء. - الوقف بإضافة هاء الوقف في ألفاظ مثل: فِيمَ [النساء: ٩٧] وعَمَّ [النبأ: ١] وهُوَ وهِيَ وعَلَيْهِنَّ [النور: ٦٠]، وإِلَيَّ [الدخان: ١٨] ليعقوب، وافقه البزي في أحد الوجهين عنه في المثالين الأولين. - الوقف بإثبات بعض الحروف المحذوفة رسما، كإثبات ألف أَيُّهَ المرسوم بحذفها في [النور: ٣١، والزخرف: ٤٩، والرحمن: ٣١] لأبي عمرو والكسائي ويعقوب، ويقف الباقون بحذفها.

стр. 188

ومنه الوقف بإثبات الياء في نحو: وَاخْشَوْنِ [المائدة: ٣] وصالِ الْجَحِيمِ [الصافات: ١٦٣] ليعقوب، وفي نحو: هادٍ [غافر: ٣٣] وباقٍ [النحل: ٩٦] لابن كثير. - الوقف بقطع الموصول في ألفاظ مثل: وَيْكَأَنَّ وَيْكَأَنَّهُ [القصص: ٨٢] ورد عن الكسائي الوقف على (وي) وعن أبي عمرو: (ويك)، وورد عن الكسائي في أَلَّا يَسْجُدُوا [النمل: ٢٥]، وقراءته فيها بتخفيف اللام، جواز الوقف اضطرارا أو اختبارا على (ألا) و (يا) ويبدأ ب (اسجدوا) بهمزة مضمومة. - الوقف بحذف الهمزة أو إبدالها أو تسهيلها في ألفاظ لحمزة ولهشام، بما يوافقه الرسم تقديرا كالوقف لحمزة على كُفُواً [الإخلاص: ٤] بالنقل أي بفتح الفاء وألف بعدها، (كفا)، والوقف له بالنقل أو بالإدغام في مَوْئِلًا [الكهف: ٥٨] فيكون النطق بواو مكسورة بعدها لام وألف على وجه النقل، وبواو مشددة مكسورة بعدها لام وألف على وجه الإدغام (١). - الوقف بالروم وبالإشمام أو بدونهما في هاء الكناية وما يتفرع عن ذلك من أوجه متعددة إن كان في اللفظ مد عارض للسكون، أو اختلف القراء في حركة الهاء، فمثلا في لفظ أَرْجِهْ [الأعراف: ١١١ والشعراء: ٣٦] يجوز لمن قرأه بالهمز الوقف بالروم وبالإشمام لمن ضم الهاء، وبالروم لمن كسرها، ويمتنعان لمن قرأه بلا همز، ولمن قرأه بسكون الهاء، وفي هاء أَنْسانِيهُ [الكهف: ٦٣] يجوز الروم والإشمام لمن قرأ بضم الهاء- وهو حفص وحده- ويمتنعان لمن كسرها، وهذا التفصيل في المثالين مبني على المذهب الراجح في هاء الكناية في جواز دخول الروم والإشمام فيها بشروط (٢). من المؤلفات في الوقف والابتداء: ١ - إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله : لأبي بكر بن القاسم الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) وهو مطبوع.

стр. 189

٢ - القطع والائتناف: لأبي جعفر النحاس (ت ٣٣٨ هـ) وهو مطبوع. ٣ - المكتفى في الوقف والابتداء: لأبي عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ) وقد طبع عدّة مرات. ٤ - المرشد في معنى الوقف التام والحسن والكافي والصالح والجائز والمفهوم والبيان في تهذيب القراءات وتحقيقها وعللها: للحسن بن علي بن سعيد العماني (ت بعد ٥٠٠ هـ) وقد اختصره شيخ الإسلام زكريا الأنصاري (ت ٩٢٦ هـ) بكتاب أسماه: المقصد بتلخيص ما في المرشد. ٥ - الوقف والابتداء: لأبي الحسن علي بن أحمد الغزّال (ت ٥١٦ هـ). ٦ - الوقف والابتداء: واشتهر باسم: وقوف القرآن، أو: علل الوقوف (١) لمحمد بن طيفور السجاوندي (ت ٥٦٠). ٧ - الاقتداء في معرفة الوقف والابتداء: لعبد الله بن محمد النكزاوي (ت ٦٨٣ هـ). ٨ - الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء: لابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ). ٩ - منار الهدى في بيان الوقف والابتداء: لأحمد بن عبد الكريم بن محمد الأشموني (من علماء القرن الحادي عشر). بالإضافة إلى بحث هذا العلم في كتب علوم القرآن والقراءات ومن العلماء من أفرد إحدى قضايا أو مسائل الوقف بتصنيف، مثل كتاب: شرح كلا وبلى ونعم والوقف على كل واحدة منهن في كتاب الله لمكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ)، ووقوف النبي ﷺ في القرآن لمحمد بن عيسى المغربي (٢). خامسا: علم توجيه القراءات: هو علم غايته بيان وجوه القراءات القرآنية، واتفاقها مع قواعد النحو واللغة، ومعرفة مستندها اللغوي تحقيقا للشرط المعروف (موافقة اللغة العربية ولو بوجه)، كما يهدف علم التوجيه إلى ردّ الاعتراضات والانتقادات التي يوردها بعض النحاة واللغويين والمفسرين على بعض وجوه القراءات.

стр. 190

بدأ هذا العلم منذ وقت مبكر حيث كانت مسائله تبحث على شكل جزئيات متناثرة في كتب اللغة والتفسير وكتب معاني القرآن، ثم كان ابن جرير الطبري المفسر (ت ٣١٠ هـ) من أوائل من تتبعوا القراءات القرآنية توجيها وبيانا من خلال تفسيره «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» حيث اعتنى ﵀ بذكر وجوه القراءات المختلفة وبيان وجه كل منها من حيث اللغة والاستشهاد لها بما يحضره من شواهد الشعر والنثر، ولكنه في أثناء ذلك تعرض بالانتقاد والردّ لبعض وجوه القراءات الصحيحة زاعما أنها خالفت مقاييس اللغة وقواعد النحو، وجاعلا ما قرره النحاة واللغويون هو الأصل الذي تحاكم إليه القراءات. ولا ريب أن هذا خطأ منهجي، لأن القراءات التي تواتر نقلها وقطع بصحتها لا يجوز ردّها بحال، مع أن الدراسة المستفيضة أثبتت أن ما قرره النحاة من قواعد قاصر عن استيعاب جميع ما جاء في لغة العرب. ولابن جرير ﵀ هنة أخرى في موضوع التوجيه وهي أن كان يوجه القراءتين أحيانا ويختار إحداهما على الأخرى، والحق أن القراءة ما دامت ثابتة في النقل مقطوعا بصحتها فهي معتمدة لا يفضل غيرها عليها، ويبدو أن مسألة التفضيل هذه أيضا نابعة من مقياس الأفشى في اللغة والأقيس في العربية. وبعد الطبري جاء كثير من العلماء الذين اعتنوا بهذا الجانب عناية فائقة وأفردوا له كتبا مستقلة ومن هؤلاء: ١ - أبو علي الفارسي (الحسن بن عبد الغفار ت ٣٧٧ هـ)، له كتاب بعنوان: الحجة للقراء السبعة أئمة الأمصار بالحجاز والعراق والشام الذين ذكرهم ابن مجاهد. الكتاب اهتم بتوجيه فرش الحروف، فأبان عن علل القراءات ووجوه اختلافها، يمتاز أسلوبه بالاستطراد الكثير، فهو ينتقل بالقارئ من الكلام على الحرف والخلاف فيه والاحتجاج له إلى تفسير الآية فيغوص في الأعماق مستخرجا من كنوز المعاني ودرر الحقائق ما ينتزع إعجاب القارئ بسعة علمه ونفاذ فكره، ويتناول الكلمة وما يتفرع عنها من معان ودلالات، مبينا هذه المعاني وشواهدها من اللغة، ثم الوجوه الإعرابية أو العلل الصرفية، ويناقش جميع ذلك ويحشد له الشواهد والأدلة فيشبعه ولا يترك بعده زيادة لمستزيد.

стр. 191

٢ - مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ) له كتاب: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها. موضوع الكتاب: الكشف عن وجوه القراءات مع نسبة كل قراءة إلى من قرأ بها من السبعة وبيان الوجه اللغوي أو العلة النحوية التي تتجه عليها كل قراءة. والكتاب جعله المؤلف شرحا لكتابه التبصرة الذي اكتفى فيه بذكر القراءة ومن قرأ بها، فهو يتتبع في الكشف كتاب التبصرة فيشرحه، وفي هذا يقول: «وها أنا ذا حين أبدأ بذلك أذكر علل ما في أبواب الأصول دون أن أعيد ذكر ما في كل باب من الاختلاف إذ ذاك منصوص في الكتاب الذي هذا شرحه، وأرتب الكلام في علل الأصول على السؤال والجواب، ثم إذا صرنا إلى فرش الحروف ذكرنا كل حرف ومن قرأ به، وعلته وحجة كل فريق ثم أذكر اختياري في كل حرف، وأنبه على علة اختياري لذلك كما فعل من تقدّمنا من أئمة المقرئين، فهذا الكتاب كتاب فهم وعلم ودراية، والكتاب الأول كتاب نقل ورواية ... » (١). ٣ - الحجة للقراءات السبع: لابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ) وهو كتاب مختصر يورد كل قراءة ويوجهها بإيجاز. ٤ - حجة القراءات: لأبي زرعة ابن زنجلة (ت نحو ٤١٠ هـ) وهو في مجلد كبير، ومؤلفه يوجه قراءات السبعة وينتصر لها، ويستشهد بالشواهد الشعرية وأقوال العرب وقواعد اللغة. ٥ - الموضح في القراءات الثمان وعللها: لابن أبي مريم الشيرازي (ت بعد ٥٦٥ هـ). - ومن مصادر التوجيه والاحتجاج كثير من كتب التفسير وخصوصا: الكشاف عن وجوه التأويل وعيون الأقاويل: للزمخشري (ت ٥٣٨ هـ). الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي (ت ٦٧٦ هـ). البحر المحيط: لأبي حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ). الدر المصون: للسمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ).

стр. 192

وهذه الكتب توجّه القراءات القرآنية في ثنايا التفسير، عند التعرض للكلمة التي فيها أكثر من قراءة على نحو ما فعل الطبري، ولكن مع اختلافات في المنهج وطريقة العرض. ومن كتب التوجيه كتب اعتنت بالقراءات الشواذّ، واهتمت ببيان إعرابها ووجهها في اللغة، وانسجامها مع الفصيح من كلام العرب، ومن هذه الكتب: - المحتسب في تبيين شواذ القراءات والإيضاح عنها: لأبي الفتح بن جني (ت ٣٩٢ هـ) وهو في توجيه القراءات الشاذة ونسبتها، وتخريجها والتماس عللها وحججها. - إعراب القراءات الشواذّ: لأبي البقاء العكبري (ت ٦١٦ هـ)، وهو يتناول إعراب القراءات الشاذة في القرآن كله من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس، آية آية وسورة سورة، وهو لا يقتصر على إعراب القراءات الشاذة، وإنما يعرب كذلك القراءات السبع والعشر، ويستعين بالآراء النحوية التي يجوز تخريج تلك القراءات عليها، ويستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشواهد الشعرية والأمثال والحكم، وكانت مهمته في هذا الكتاب تعليل القراءات والتماس وجوهها في العربية (١). سادسا: علم تراجم القراء (طبقات القراء): وهو العلم الذي يعتني بالترجمة لمشاهير القراء، وبيان نبذة عن الحياة الشخصية لكل قارئ منهم من حيث سنة ولادته، ووفاته، ورحلاته في طلب العلم، ونشأته العلمية، ونشاطاته العلمية في التأليف والتدريس، وذكر أهم المواقف المؤثرة في حياة كل قارئ منهم. وقد أخذ التأليف في هذا العلم عدة صور، هي: الصورة الأولى: التأليف المتخصص في هذا الفن، وذلك بإفراد تراجم القراء في كتب خاصة، ومن أشهر هذه الكتب كتابان متقدمان، وكتاب متأخر معاصر.

стр. 193

أما الكتابان المتقدمان، فهما: معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار للإمام الذهبي، وغاية النهاية في طبقات القراء للإمام ابن الجزري، وفيما يلي إلقاء الضوء على هذين الكتابين لأهميتهما وتخصصهما، بذكر منهج كل إمام ثم ذكر ثلاثة نماذج لترجمة بعض القراء الوارد ترجمتهم فيهما، وذلك على النحو التالي: أ- معرفة القراء الكبار: ألفه شيخ الإسلام الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) وترجم فيه لمشاهير القراء من عصر الصحابة إلى عصره ﵀، ورتبه على الطبقات فجعله ثماني عشرة طبقة واحدة، ومع أنه أراد أن يكون كتابه هذا خاصا بالقراء الكبار الذين لهم تراجم حافلة دون غيرهم ممن هم أقل شأنا، إلا أنه كثيرا ما خالف هذا المنهج فترجم لقراء مغمورين، ولقراء مجهولين أيضا. وقد بلغ عدد الذين ترجم لهم سبعمائة وأربعة وثلاثين قارئا. - نماذج لبعض الترجمات في المعرفة للذهبي: ١ - القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ): قال عنه الذهبي: «أبو عبيد الأنصاري، مولاهم، البغدادي، الإمام أحد الأعلام، وذو التصانيف الكثيرة في القراءات، والفقه، واللغة، والشعر، قال أبو عمرو الداني: أخذ القراءة عرضا وسماعا عن الكسائي، وشجاع بن أبي نصر، وإسماعيل بن جعفر، وعن حجاج بن محمد، وعن أبي مسهر، وهشام بن عمار. قال الداني: إمام أهل دهره، في جميع العلوم، صاحب سنة، ثقة مأمون. وكان يجتهد ولا يقلد أحدا، ويذكر في طبقة الشافعي وأحمد وإسحاق، وكان هو أعلمهم بلغات العرب، ومن جلالته، قال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: الحق يجب لله، أبو عبيد أفقه مني وأعلم، وقال الحسن بن سفيان، سمعت ابن راهويه يقول: نحن نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا. وقال أبو قدامة: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو عبيد أستاذ، وقال الدارقطني: ثقة، إمام جبل، توفي أبو عبيد سنة أربع وعشرين ومائتين» (١).

стр. 194

٢ - محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ): ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، ورحل في طلب العلم، وله عشرون سنة. قال عنه الذهبي: «الإمام أبو جعفر، صاحب المصنفات والتفسير والتاريخ، قرأ القرآن على سليمان بن عبد الرحمن الطلحي، صاحب خلاد، وسمع حرف نافع من يونس بن عبد الأعلى ... قال الخطيب: كان أحد أئمة العلم يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، عارفا بأيام الناس وأخبارهم. وقال أبو محمد الفرغاني صاحب ابن جرير: إن قوما من تلامذة محمد بن جرير، حسبوا له منذ بلغ الحلم إلى أن مات، ثم قسموا على تلك المدة أوراق مصنفاته، فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة، توفي سنة عشر وثلاث مائة» (١). ٣ - أبو عمر الطلمنكي (ت ٤٢٩ هـ): قال عنه الذهبي: «أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي عيسى لب بن يحيى المعافري الأندلسي، المقرئ الحافظ، نزيل قرطبة، ولد سنة أربعين وثلاث مائة. وكان رأسا في علم القرآن، قراءاته وأحكامه وناسخه ومنسوخه ومعانيه، رأسا في معرفة الحديث وطرقه، حافظا للسنن، ذا عناية بالآثار والسنة، إماما في أصول الديانات، ذا هدي وسمت، ونسك، وصمت. قال أبو عمرو الداني: كان فاضلا ضابطا، شديدا في السنة. وقال ابن بشكوال في كتاب «الصلة»: كان سيفا مجردا على أهل الأهواء والبدع، قامعا لهم، غيورا على الشريعة، شديدا في ذات الله، توفي سنة تسع وعشرين وأربع مائة» (٢).

стр. 195

من خلال استقراء كتاب معرفة القراء الكبار يتبين أن منهج الإمام الذهبي في إيراده التراجم كان على النحو التالي: ١ - قسم الكتاب إلى طبقات بحسب الفترة الزمانية التي عاش فيها القارئ. ٢ - يذكر اسم القارئ، ونسبه، ويصدر الترجمة عادة بذكر أهم الألقاب التي أطلقت عليه: كالإمام، الحافظ، القارئ، الإمام العلم، مقرئ الكوفة، الكوفي، القارئ العابد أحد الأعلام، وعن الحسن البصري قال: «سيد أهل زمانه علما وعملا، المقرئ المفسر أحد الأعلام»، وعن علي بن داود الدارني قال: «إمام جامع دمشق ومقرئه» (١). ٣ - يذكر أهم الشيوخ الذين تلقى عنهم القارئ القرآن والقراءات بالسند المتصل. ٤ - يتبع ذلك بذكر أهم التلاميذ الذين أخذوا عنه القرآن والقراءات، ومن منهج الإمام الذهبي أنه لا يستطرد في ذكر الشيوخ والتلاميذ كصنيع الإمام ابن الجزري في غاية النهاية. ٥ - يذكر أهم الروايات المتعلقة بسيرة الإمام العلمية والعملية، وبعض مجهوداته في القراءة والإقراء، وبعض المواقف التعليمية، ومواقف القدوة. ٦ - يختم الترجمة بذكر سنة الوفاة، ومكانها، وذكر الخلاف في ذلك إن وجد. ب- غاية النهاية في طبقات القراء: للحافظ ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) اختصره من كتابه الكبير الذي سماه نهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات، واستوعب فيه جميع التراجم التي وردت في كتاب أبي عمرو الداني وكتاب الذهبي وزاد عليهما نحو الضعف (٢)، ورتبه على حروف المعجم مبتدئا بحرف الألف ثم الباء ثم التاء وهكذا، وبعد أن يذكر أسماء القراء مرتبين في الحرف الواحد، يذكر المنسوبين والملقبين، أي من اشتهروا بنسبتهم أو ألقابهم، ولا يترجم لهم عادة بل يذكر النسبة أو اللقب وبجانبه الاسم ليبحث الباحث عنه في اسمه بحسب الحرف كأن يقول مثلا: الآمدي أحمد بن عبد الله (٣) فيعرف الباحث أن الآمدي ستكون ترجمته فيمن اسمه أحمد.

стр. 196

ثم بعد ذلك يذكر الأبناء، وبالطريقة نفسها فيقول مثلا: ابن الأحدب محمد بن محمد بن عبد الملك (١) وهكذا. - نماذج لبعض الترجمات من غاية النهاية: ١ - أبو عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ): قال عنه ابن الجزري: «عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر أبو عمرو الداني الأموي المعروف في زمانه بابن الصيرفي الإمام العلامة الحافظ أستاذ الأستاذين، وشيخ مشايخ المقرئين، ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، قال أبو عمرو: وابتدأت بطلب العلم في سنة ست وثمانين، ورحلت إلى المشرق في سنة سبع وتسعين، ودخلت مصر في شوال منها، فمكثت بها سنة، وحججت، ودخلت الأندلس في ذي القعدة سنة تسع تسعين وثلاثمائة، وخرجت إلى الثغر سنة ثلاث وأربعمائة، فسكنت سرقسطة سبعة أعوام، ثم رجعت إلى قرطبة، قال: وقدمت دانية سنة سبع عشرة، قال ابن الجزري: فاستوطنها حتى مات». ثم ذكر جملة من شيوخه الذين أخذ عنهم القراءة، وجملة من تلاميذه الذين تلقوه القراءة عنه. «قال ابن بشكوال: كان أحد الأئمة في علم القرآن، ورواياته، وتفسيره، ومعانيه، وطرقه، وإعرابه، وجمع في ذلك تواليف حسانا يطول تعدادها، وله معرفة بالحديث وطرقه، وأسماء رجاله ونقلته، وكان حسن الخط جيد الضبط من أهل الحفظ والذكاء والتفنن دينا تقيا ورعا سنيا. قال بعض الشيوخ: لم يكن في عصره بمدد أحد يضاهيه في حفظه وتحقيقه، وكان يقول: ما رأيت شيئا إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، ولا حفظته فنسيته، وكان يسأل عن المسألة مما يتعلق بالآثار، وكلام السلف، فيوردها بجميع ما فيها مسندة من شيوخه إلى قائلها»، قال ابن الجزري: «ومن نظر كتبه علم مقدار الرجل، وما وهبه الله تعالى فيه، فسبحان الفتاح العليم، ولا سيما كتاب جامع البيان فيما رواه في القراءات السبع، وله كتاب التيسير المشهور ومنظومته الاقتصاد أرجوزة مجلد ... » ثم ذكر جملة من مصنفاته.

стр. 197

قال ابن الجزري: «توفي الحافظ أبو عمرو بدانية يوم الاثنين منتصف شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ودفن من يومه بعد العصر، ومشى صاحب دانية أمام نعشه، وشيعه خلق عظيم رحمه الله تعالى» (١). ٢ - مكي بن أبي طالب (٤٣٧ هـ): قال ابن الجزري: «مكي بن أبي طالب بن حيوس بن محمد بن مختار أبو محمد القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي، إمام علامة محقق عارف أستاذ القراء والمجودين، ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة بالقيروان»، ثم ذكر شيوخه وتلاميذه، «قال أحمد بن مهدي المقري: كان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية وحسن الفهم والخلق، جيد الدين والعقل، كثير التأليف في علوم القرآن محسنا مجودا عالما بمعاني القراءات». قال ابن الجزري: «ومن تأليفه التبصرة في القراءات، والكشف عليه، وتفسيره الجليل، ومشكل إعراب القرآن، والرعاية في التجويد، والموجز في القراءات، وتواليفه تنيف عن ثمانين تأليفا، مات في ثاني المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة» (٢). ٣ - الإمام الشاطبي (٥٩٠ هـ): القاسم بن فيرة بكسر الفاء بعدها ياء آخر الحروف ساكنة؛ ثم راء مشددة مضمومة بعدها هاء، ومعناه بلغة عجم الأندلس: الحديد، ابن خلف بن أحمد أبو القاسم، وأبو محمد الشاطبي الرعيني الضرير، ولي الله الإمام العلامة أحد الأعلام الكبار والمشتهرين في الأقطار، ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بشاطبة من الأندلس، وقرأ ببلده القراءات وأتقنها على أبي عبد الله محمد بن أبي العاص النفري. وكان إماما كبيرا أعجوبة في الذكاء كثير الفنون آية من آيات الله تعالى غاية في القراءات حافظا للحديث بصيرا بالعربية إماما في اللغة، رأسا في الأدب مع الزهد والولاية والعبادة.

стр. 198

ورحل فاستوطن قاهرة مصر، وأقرأ بها القرآن، وبها ألف قصيدته هذه يعني الشاطبية، وذكر أنه ابتدأ أولها بالأندلس إلى قوله: جعلت أبا جاد، ثم أكملها بالقاهرة. وقال ابن الجزري: ومن وقف على قصيدتيه علم مقدار ما آتاه الله في ذلك خصوصا اللامية التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها، فإنه لا يعرف مقدارها إلا من نظم على منوالها، أو قابل بينها، وبين ما نظم على طريقها، ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن، بل أكاد ولا في غير هذا الفن فإنني لا أحسب أن بلدا من بلاد الإسلام يخلو منه، بل لا أظن أن بيت طالب علم يخلو من نسخة منه. توفي رحمه الله تعالى في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة بالقاهرة ودفن بالقراءة بين مصر والقاهرة (١). ومن خلال استقراء كتاب غاية النهاية يتبين أن منهج الإمام ابن الجزري في إيراده التراجم لا يخرج عن منهج الإمام الذهبي في معرفة القراء الكبار غير أننا نجد الفروقات التالية: ١ - عند ذكره الألقاب التي أطلقت على الإمام أو يطلقها عليه هو، نجده يتوسع في ذلك عما عليه الإمام الذهبي. ٢ - توسع الإمام ابن الجزري في ذكر شيوخ وتلاميذ القراء بصورة أكبر مما عليه ذكر الإمام الذهبي للشيوخ والتلاميذ. ٣ - بالمقارنة بين ما أورده الإمام الذهبي وابن الجزري في تراجم القراء، فإننا نجد أن ابن الجزري ينقل عامة ما ذكره الإمام الذهبي في المعرفة بدون زيادة غالبا. ٤ - توسع الإمام ابن الجزري في ذكر الكتب التي ألفها كل قارئ من القراء الذين أورد تراجمهم، ولا نجد هذا الجانب واضحا في صنيع الإمام الذهبي. ومن الملاحظ أن كتب تراجم القراء وطبقاتهم فيها قصور بصفة عامة، من وجوه:

стр. 199

أولا: لم نجد من ألف بعد ابن الجزري في تراجم القراء مصنفا خاصا بالقراء الذين عاشوا بعده، إلا ما ألفه الدكتور محمد سالم محيسن وسيأتي الحديث عنه. ثانيا: أن الكتب المشهورة ككتاب الذهبي وابن الجزري أغفلت كثيرا من القراء ولم تشر إليهم، فالحاجة إلى كتب التراجم متجددة ومستمرة. ثالثا: أن كتابي الذهبي وابن الجزري- رحمهما الله تعالى- قد أعطيا صورة فيها بعض الغموض لدى الترجمة لبعض القراء، بمعنى: أن النصوص الواردة في ترجمة إمام من الأئمة لا تعطي تصورا شاملا عن الشخصية من جوانبها المختلفة، وفي بعض الترجمات لا يذكر فيها إلا سنة الولادة والوفاة ونزر يسير من الشيوخ والتلاميذ، دون التعرض لأي جانب من الجوانب المهمة في حياة الإمام. رابعا: يلاحظ أن ما ذكره الإمامان في بعض التراجم ليس فيه شيء له صلة بحال الإمام في القراءة والإقراء. خامسا: ليس في التراجم رسم منهجية متواضعة أو متقدمة متعلقة بالقراءة أو الإقراء، وقد خلت هذه التراجم من التعليق على النصوص، والتحليل للمصطلحات التي يذكرها المترجم، وكان المتوقع في مثل هذه الكتب أن تعنى بالجوانب المنهجية المتعلقة بسيرة الأئمة في القراءة والإقراء، وهذا يدعو الباحثين في زماننا إلى ضرورة إعادة النظر في ما كتبه علماؤنا الأجلاء في طبقات القراء، وصياغتها صياغة جديدة يراعى فيها ما يلي: ١ - لم يذكر الإمامان منهج النبي ﷺ في القراءة والإقراء في حين أن النبي ﷺ هو سيد القراء مطلقا، ولذلك فإن دراسة متأنية لتوجيه النبي ﷺ الصحابة كيف يتلقون القرآن، وكيف يؤدونه، يحتاجها المتخصصون، وطلاب الدراسات القرآنية والمتخصصون في الشريعة بشكل عام. ٢ - الشمول والإحاطة في السيرة الشخصية والعلمية والعملية للإمام. ٣ - العناية بالمصطلحات في علم القراءات والتي يمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام: القسم الأول: مصطلحات قديمة، وما زالت مستعملة إلى يومنا هذا بمعناها القديم، مثل مصطلح: الأحرف السبعة، والعرضة الأخيرة، والرواية، والتلقي،

стр. 200

والحرف، القسم الثاني: مصطلحات قديمة، وبقيت مستعملة في زماننا، ولكن معناها قد تغير مثل مصطلح الاختيار، فقد كان يعنى في الأزمنة الأولى اختيار رواية وتلق وأداء، بخلاف معنى هذا المصطلح في زماننا: فإنه يعني أصل الأخذ بالرخصة الواردة في الأحاديث الواردة في الأحرف السبعة، وأنه اختيار أداء وقراءة، لا اختيار رواية، القسم الثالث: مصطلحات قديمة، واندثرت، ولم يبق لها وجود، كقراءة العامة، القسم الرابع: مصطلحات لم تكن موجودة من قبل، ولكنها نشأت متأخرة نظرا لنشوء المصطلحات في كافة الفنون، ومنها: مصطلح توجيه القراءات، تحرير القراءات، وغيرهما كثير، مما يتطلب من الكاتبين في تراجم القراء أن يحللوا كل مصطلح من هذه المصطلحات، ويوضحوا معناها، وموقع هذا المصطلح من علم القراءات قديما وحديثا. ٤ - تحليل النصوص التي أوردها الإمامان الذهبي، وابن الجزري، واستخراج المصطلحات القرآنية والمتعلقة بعلم القراءات، وتدوينه، وبيان معانيها، والوقوف على معاني هذه النصوص والتعليق عليها بما يزيل إيهام بعض العبارات فيها، واستنتاج منهاج القراء في القراءة والإقراء. ٥ - نفي الشبهات الواردة على بعض هذه النصوص، فبعض النصوص قد يفهم منها معنى غير مراد، كاختيار بعض القراء رواية معينة، أو اختيارها بسبب وجاهتها في العربية، ومن ذلك ما ذكر عن الإمام أبي عمرو بن العلاء، «قال اليزيدي: كان أبو عمرو قد عرف القراءات، فقرأ من كل قراءة بأحسنها، وبما يختار العرب، ومما بلغه من لغة النبي ﷺ وجاء تصديقه في كتاب الله » (١) فهذا النص يشير إلى مصطلحات وإشكالات ينبغي تجليتها والوقوف على معناها، وهي بلا ريب تتطلب توجيها وتفصيلا، كقراءة أبي عمرو بأحسن القراءات، فما الحسن المقصود هنا، وما علاقاته بالرواية والتلقي، وما موقف القراء من هذه القضية شكلا ومضمونا، كل هذه تساؤلات على الباحثين المعاصرين الإجابة عنها بما هو متعارف عليه في قواعد علم القراءات ...

стр. 201

٦ - العناية بأسانيد القراء، وتقييدها ودراستها دراسة علمية، والإشارة إلى موقع كل قارئ من القراء المترجم لهم من هذا السند. ٧ - الترجمة للقراء المعاصرين ترجمة وافية، مع بيان مناهجهم. وعلى كل حال فإن الدراسات المتخصصة والمتعمقة في مناهج القراء وترجماتهم ما زالت في خطواتها الأولى، وتحتاج من الباحثين المعاصرين المزيد من الجمع والمقابلة والمقارنة والتحليل والتوظيف لإيجاد قواعد واضحة مستنبطة من سيرة أئمتنا القراء تكون منهجا مستقرا ينتفع منه القراء المعاصرون للسير على سنن النبي ﷺ والصحابة والتابعين في القراءة والإقراء. وأما الكتاب المتأخر، فهو معجم حفاظ القرآن عبر التاريخ للدكتور محمد سالم محيسن رحمه الله تعالى (ت ١٤٢٢ هـ). والدكتور محيسن لم يبين منهجه في إيراده التراجم، غير أنه قال في مقدمة كتابه: «وبما أن حفاظ القرآن لهم المكانة السامية، والمنزلة الرفيعة في نفسي وفكري، فقد رأيت من الواجب نحوهم أن أقوم بتجلية بعض الجوانب المشرقة على هؤلاء الأعلام ليقتفي آثارهم من شرح الله صدره للإسلام. فأمسكت بقلمي- رغم كثرة الأعمال المنوطة بي- وطوفت بفكري، وعقلي بين المصنفات التي كتبت شيئا عن هؤلاء الحفاظ بدءا من صحابة رسول الله ﷺ ورتبت الأعلام حسب حروف الهجاء ليسهل الرجوع إليها عند اللزوم ... » (١). وبالنظر في الكتاب نجد أن مؤلفه لم يخرج عن كتابي الإمامين الذهبي وابن الجزري بشيء من الزيادة في الاستقصاء والتتبع والتوجيه للروايات والتحليل، ويبدو أنه لم يسلك منهجا واضحا في إيراد التراجم، غير أنه ذكر سيرة بعض القراء المعاصرين اختصارا. الصورة الثانية: ذكر تراجم الأئمة القراء ضمن كتب التراجم والأعلام العامة، وكتب الطبقات مثل:

стр. 202

- الدرر الكامنة بأعيان المائة الثامنة لابن حجر. - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي. - الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة لنجم الدين الغزي. - سير أعلام النبلاء للذهبي. - طبقات المفسرين: للداودي. الصورة الثالثة: الترجمة المستفيضة لبعض أعلام القراء في مقدمة تحقيق بعض الكتب، ومن أمثلة ذلك: ١ - ترجمة الحافظ ابن الجزري: للدكتور أحمد محمد مفلح القضاة، في تحقيقه كتاب تحبير التيسير (١). ٢ - ترجمة الإمام أبي عمرو الداني: للدكتور غانم قدوري الحمد، في تحقيقه كتاب، التحديد في الإتقان والتجويد. ٣ - ترجمة الإمام مكي بن أبي طالب: للدكتور أحمد حسن فرحات، في تحقيقه كتاب الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة (٢)، وكذلك ترجمة الإمام نفسه في مقدمة تحقيق كتاب الإبانة عن معاني القراءات، تحقيق الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي (٣). ٤ - ترجمة ابن الباذش: للدكتور عبد المجيد قطامش في تحقيقه كتاب الإقناع في القراءات السبع (٤). ٥ - ترجمة أبي الحسن طاهر بن عبد المنعم بن غلبون الحلبي: للدكتور أيمن رشدي سويد في مقدمة تحقيقه للتذكرة في القراءات الثمان (٥).

стр. 203

٦ - ترجمة محمد بن خليل القباقبي: للدكتور أحمد خالد شكري في مقدمة تحقيقه لإيضاح الرموز ومفتاح الكنوز (١). ٧ - ترجمة أبي العز القلانسي: للدكتور عمر حمدان الكبيسي في مقدمة تحقيقه إرشاد المبتدي (٢). ويمتاز هذا النوع من الترجمة بالإحاطة والشمول والاستقصاء لمعظم ما كتب عن الإمام عن التمحيص والتدقيق، ولكن هذه الطريقة في الترجمة تكون بعيدة عن ربط التراجم بعضها ببعض، وتغيب فيها بعض الجوانب المنهجية في مصطلحات القراءة، وتحليلها، وعلى كل حال فهي خطوة جيدة في طريق الترجمة المتكاملة المنهجية. الصورة الرابعة: دراسة ترجمة إمام من أئمة القراءة ضمن موضوع مخصوص يتعلق بالإمام مثل: ١ - كتاب «الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام، اختياراته ومنهجه في القراءة» للدكتور محمد موسى نصر. ٢ - وكتاب قراءة عبد الله بن مسعود، مكانتها مصادرها إحصاؤها: للدكتور محمد أحمد خاطر. الصورة الخامسة: وهي إفراد ترجمة إمام في كتاب مستقل، يعنى بالجوانب التفصيلية الدقيقة لحياة الإمام والعصر الذي عاش فيه، وطلبه العلم، ورحلاته فيه، وتلاميذه وشيوخه، ومنهجه في القراءة والإقراء بصورة منهجية استقرائية مقارنة. ومن أبرز ما ألف على هذه الشاكلة: كتاب: «الإمام الشاطبي سيد القراء» للدكتور إبراهيم محمد الجرمي، حيث فصّل في الشاطبي وعصره بذكر الحياة السياسية في عصره واسمه وكنيته ولقبه ومولده ونشأته، وطلبه للعلم، وأولاده، وصفاته كالإخلاص والحفظ والورع والصبر على المصائب إلى غير ذلك من الآداب والخصال، ثم تعرض لشخصيته العلمية فذكر أساتذته وشيوخه، ثم أسانيده في القراءة، ثم تلامذته،

стр. 204

ثم مذهبه الفقهي والعقدي، ومكانته عند العلماء وثناؤهم عليه، ومصنفاته، الشاطبية: من حيث مكانتها عند العلماء وتحليلها ورموزها وأبوابها وفوائدها اللغوية والنحوية والوعظية، واقتباساتها الحديثية، وطبعاتها وشراحها ومختصراتها، وكتاب عقيلة أتراب القصائد في الرسم، وكتاب ناظمة الزهر في عد الآي، ثم ذكر وصفا لمجلس إقراء الإمام الشاطبي، ثم ختم دراسته بذكر آرائه القرآنية والفقهية واللغوية، ثم ذكر مروياته وشعره (١). ويعدّ هذا النوع من الدراسات المستفيضة التي تعطي تصورا منهجيا واضحا يعتمد على الدقة والاستقراء والتحليل والتمحيص والوصول للحقائق، ورسم صورة واضحة لمنهج الإمام في القراءة والإقراء. وهذا النمط من الدراسات هو الذي ينبغي أن يسود وأن يشجع لتظهر نتاجات علمية ناضجة في تراجم القراء. ومن الدراسات المتخصصة التي أفردت إماما مستقلا بترجمة ما يلي: ١ - مصعب بن عمير ﵁ لمحمد حسن بريغش، ضمن سلسلة أعلام المسلمين (٣). ٢ - عبد الله بن مسعود ﵁ لعبد الستار الشيخ، ضمن سلسلة أعلام المسلمين (٢٤). ٣ - زيد بن ثابت كاتب الوحي وجامع القرآن، لصفوان داودي، سلسلة أعلام المسلمين (٣٢)، وهي دراسة متعمقة للسيرة الشخصية والعلمية لهذا الإمام، كما أن فيها تفصيلا دقيقا مقارنا في موضوع جمع القرآن في زمن أبي بكر وعثمان ﵄، وما صنعه عثمان ﵁ من جمع الناس على العرضة الأخيرة رسما ورواية (٢). ٤ - الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي لشهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ).

стр. 205

٥ - الإمام أبو عمرو الداني وكتابه جامع البيان في القراءات السبع: للدكتور عبد المهيمن طحان. ٦ - شيخ القراء الإمام ابن الجزري: للدكتور محمد مطيع الحافظ. ٧ - الإمام المتولي وجهوده في علم القراءات للدكتور إبراهيم الدوسري، وهو رسالة ماجستير قدمت لجامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية بالرياض عام ١٤١١ هـ تعرض فيها الباحث للتعريف بحياة المتولي وعصره ومؤلفاته، وضمّن بحثه دراسة جادّة لقيمة مؤلفات المتولي وتأثيره فيمن بعده وتأثره بمن سبقه من العلماء. سابعا: علم الفواصل: الفاصلة: هي آخر كلمة في الآية، ويعبر عنها برأس الآية (١)، وعلم الفواصل: هو العلم الذي يبحث في أحوال آيات القرآن الكريم من حيث عدد الآيات في كل سورة، وما هي رأس الآية أو خاتمتها (٢). وقد اعتنى العلماء عناية بالغة بتتبع الفواصل في القرآن الكريم، حيث كانت المصاحف القديمة خالية من تحديد مواضعها، حتى تطور الأمر إلى وضع ثلاث نقط عند رأس الآية، ثم تطورت النقط الثلاث فصارت دائرة، ثم كتب رقم الآية في داخلها. ويدلّ اختلاف العلماء في عدد آي القرآن الكريم على أن في تحديدها مجالا للاجتهاد، وليست كلها توقيفية، وقد ورد في الحديث أنه ﷺ كان يقف على رءوس الآي، إلا أنه قطعا كان يقف على غير رءوس الآي أيضا إما للاستراحة كما في الآيات الطويلة أو لبيان المعنى. ولذا خلص عدد من الأئمة في هذا العلم إلى جعله قسمين: قسم توقيفي، وآخر قياسي (٣)، ووضعوا بناء عليه طرق التعرف إلى رأس الآية وهي: ١ - مساواة الآية لما قبلها وما بعدها طولا وقصرا.

стр. 206

٢ - مشاكلة الفاصلة لغيرها مما هو معها في السورة في الحرف الأخير منها أو فيما قبله. ٣ - الاتفاق على عدّ نظائرها في القرآن الكريم. ٤ - انقطاع الكلام عندها (١). ومما ينبغي التنبيه إليه أن الاختلاف في عدد وآيات السور أمر شكلي لا يؤثر على نص القرآن شيئا، ولا يزيد فيه كلمات أو ينقصها منه، إنما هو خلاف في تحديد مواقع انتهاء الآيات، ولتوضيح ذلك تذكر الأمثلة التالية: أ- سورة الإخلاص أربع آيات عند أكثر علماء العدد وخمس آيات عند بعضهم، ويرجع الاختلاف فيها إلى قوله تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ أهو آية أم آيتان، فمن جعله آية كانت السورة عنده أربع آيات على النحو التالي: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ. ومن عدّه آيتين كانت السورة عنده خمس آيات: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ (٣) وَلَمْ يُولَدْ (٤) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٥). ب- سورة الزلزلة: ثمان آيات عند عدد من علماء العدد وتسع آيات عند باقيهم، والمختلف فيه لفظ (أشتاتا) فمن عده آية كانت عدد الآيات عنده تسعا، ومن لم يعده كان عدد الآيات عنده ثمانيا. علماء العدد: اعتمد معظم المؤلفين في عدد آيات القرآن الكريم على نسبة الخلاف في العدد إلى سبعة مذاهب، هي: ١ - المدني الأول: هو ما يرويه نافع عن شيخيه أبي جعفر وشيبة، وعدد الآيات فيه (٦٢١٧). ٢ - المدني الأخير: هو ما يرويه إسماعيل بن جعفر عن سليمان بن جماز عن أبي جعفر وشيبة، وعدد الآيات فيه (٦٢١٤). ٣ - العدد المكي: هو ما يرويه أبو عمرو الداني عن ابن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ ، وعدد الآيات فيه (٦٢١٠).

стр. 207

٤ - العدد البصري: هو ما يرويه الداني عن عاصم الجحدري وعطاء بن يسار وعدد الآيات فيه (٦٢٠٤). ٥ - العدد الدمشقي: هو ما يرويه الداني عن يحيى الذماري عن ابن عامر عن أبي الدرداء، وعدد الآيات فيه (٦٢٢٧) وقيل (٦٢٢٦). ٦ - العدد الحمصي: هو ما أضيف إلى شريح بن يزيد الحمصي، وعدد الآيات فيه (٦٢٣٢). ٧ - العدد الكوفي: هو ما يرويه حمزة وسفيان عن علي بن أبي طالب، وعدد الآيات فيه (٦٢٣٦) (١). علاقة علم العدد بعلم القراءات: يحتاج القارئ إلى أن يكون على اطلاع على علم العدد، خاصة في الألفاظ التي يختلف حكمها باختلاف عدّها أو عدمه، وذلك في باب الإمالة، حيث أمال بعض القراء رءوس آي إحدى عشرة سورة، ومنهم من قلّلها، وفي هذه السور ألفاظ اختلف في عدّها، وهي ممالة أو مقللة إن كانت من رءوس الآي، وليست كذلك إن لم تكن معدودة، وقد جرى اعتماد القراء في العدّ على العدد المشهور في بلدانهم، ففي قراءة نافع يعتمد العدد المدني الأخير، وفي قراءة أبي عمرو يعتمد العدد البصري، وفي قراءة الكوفيين يعتمد العدد الكوفي. وفي المثال التالي توضيح ما سبق: لفظ (طغى) من قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغى [النازعات: ٣٧] يعدّ رأس آية عند البصريين والكوفيين والدمشقي والحمصي، وليس معدودا عند المدنيين والمكي فيقرأ بالتقليل لأبي عمرو لأنه من رءوس آي السورة، ويقرأ لورش عن نافع بالوجهين: الفتح والتقليل لأنه ليس من رءوس الآي عنده (٢).

стр. 208

من المؤلفات في علم الفواصل: ١ - البيان في عد آي القرآن: لأبي عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ) وهو مطبوع. ٢ - ناظمة الزهر في أعداد آيات السور: للشاطبي (ت ٥٩٠ هـ) منظومة ولها شروح كثيرة منها: أ- القول الوجيز في فواصل الكتاب العزيز: لأبي عيد رضوان بن محمد المخللاتي (ت ١٣١٣ هـ)، وهو مطبوع بتحقيق عبد الرازق بن موسى علي. ب- بشير اليسر شرح ناظمة الزهر: لعبد الفتاح القاضي (ت ١٤٠٣ هـ). ٣ - أقوى العدد في معرفة العدد: لأبي الحسن السخاوي (ت ٦٤٣ هـ)، جعله ضمن كتابه: جمال القراء وكمال الإقراء. ٤ - المدد في معرفة العدد: لإبراهيم بن عمر الجعبري (ت ٧٣٢ هـ). ٥ - أرجوزة في علم الفواصل لمحمد بن أحمد المتولي (ت ١٣١٣ هـ) وله شرح اسمه: المحرر الوجيز في عدّ آي الكتاب العزيز لعبد الرازق بن علي إبراهيم موسى. ٦ - الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن منظومة لعبد الفتاح القاضي (ت ١٤٠٣ هـ) وشرحها الناظم باسم: نفائس البيان. وشرحها عبد الرازق بن علي إبراهيم موسى باسم: مرشد الخلان إلى معرفة عدّ آي القرآن. ٧ - الفاصلة في القرآن لمحمد الحسناوي، وهو كتاب مختلف في منهجه عن الكتب السابقة، حيث بحث في: أركان الفاصلة، وأبنيتها، وجمالها، وإيقاعها، وفي علاقة الفاصلة بالمقطع وبالسورة وأنواع الفواصل وختم بعضها بأسماء الله الحسنى ودلالات ذلك. كما بحث في علم الفواصل وذكر جوانب منه كثير ممن كتب في علوم القرآن، والقراءات، والتفسير، وكانوا يذكرون الخلاف في عدد الآيات قبل الشروع بتفسير السورة أو بيان ما فيها من أوجه القراءة.

стр. 209

الفصل السادس شبهات حول القراءات القرآنية وردها

стр. 210

الفصل السادس شبهات حول القراءات القرآنية وردها حاول عدد من أعداء الإسلام قديما وحديثا إثارة الشبه والشكوك والمطاعن في القرآن الكريم، بغية صد الناس عنه وإبعادهم عن هدايته، وكان علماء المسلمين لهم بالمرصاد، فردّوا كيدهم في نحرهم، وبينوا بطلان هذه الشبه والافتراءات بالأدلة الدامغة، وانقلب أصحاب تلك الشبه خائبين. وكانت الشبه المثارة على القرآن الكريم متنوعة في موضوعاتها وأساليبها ومصادرها، وسنقتصر في هذا الكتاب على عرض عدد من الشبه التي أثيرت حول القراءات القرآنية وردها بما يشفي الغليل ويداوي العليل. الشبهة الأولى: عدم تواتر القراءات: زعم عدد ممن لم يمهر في علم القراءات ولم يتمكن منه أن القراءات غير متواترة، لأنها منقولة بأسانيد آحاد، ولأنه لا يستطيع أحد أن يثبت تواترها، وقد ردّد هذه الشبهة عدد من العلماء (١). ومنهم من اقتصر على نفي التواتر عن القراءات الثلاث بعد إثبات تواتر القراءات السبع، والزعم بأن القراءات الثلاث إنما هي مشتهرة مستفيضة فقط ولا تصل في ثبوتها إلى درجة التواتر. الرد على هذه الشبهة: التواتر: هو ما يرويه جماعة تحيل العادة وقوع الكذب منهم مصادفة واتفاقا، عن جماعة كذلك من أول السند إلى منتهاه فلا يتحقق التواتر إلا إذا وجد العدد الموصوف بما ذكر في الطبقات من بدء السند إلى نهايته.

стр. 211

وهذا المعنى متحقق في قراءات الأئمة العشرة، فقد رواها معظم الصحابة عن رسول الله ﷺ ، ورواها عن الصحابة التابعون، وأتباع التابعين فمن بعدهم، ورواها عنهم أمم لا يحصون كثرة وعددا في جميع العصور والأجيال، ولم تخل أمة من الأمم ولا عصر من العصور ولا مصر من الأمصار من الكثرة والجمّ الغفير، ممن يروي القراءات وينقلها لغيره، إلى وقتنا هذا (١). فالقراءات العشر متواترة جملة وتفصيلا، وهو ما عليه أئمة القراءة والفقه والأصول (٢). أما الطعن في تواتر القراءات الثلاث أيضا، فمردود أيضا، فهي ثابتة كالقراءات السبع. قال عبد الوهاب بن علي السبكي (ت ٧٧١ هـ): «والقول بأن القراءات الثلاث غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به ممن يعتبر قوله في الدين» (٣). وقد عمد ابن الجزري إلى ذكر أسماء عدد من أئمة القراءة قرءوا بالقراءات الثلاث من زمنه إلى أن وصل إلى الأئمة الثلاثة، والعدد في كل طبقة منها لم يقلّ عن الحد الأعلى للعدد الذي ذكره بعض العلماء لقبول التواتر، وعلق بقوله: «فثبت من ذلك أن القراءات لثلاث متواترة» (٤). كما أن قراءات الأئمة الثلاثة لا تخرج عن قراءة السبعة إلا في حروف يسيرة، وأبو جعفر من شيوخ نافع، وقرأ يعقوب على سلام الطويل، وقرأ سلام على أبي عمرو وعاصم، أما خلف فقراءته لم تخرج عن قراءة الكوفيين (٥). وأما أسانيد القراء فهي أسانيد آحاد، لأنه يستحيل إحصاء جميع من قرأ بهذه القراءة أو تلك، فهي قراءات ذائعة في مختلف البلدان وفي عصور متوالية، وليس مراد هذه الأسانيد الحصر بل التوثيق، ومع ذلك فلو جمعت الأسانيد المتداولة بين

стр. 212

القراء واستخرج منها أسماء الأئمة الذين قرءوا بالقراءات في العصور المتعددة لبلغ العدد المطلوب للتواتر وزاد عليه، ونسبة القراءة إلى نافع مثلا لا يعني اقتصارها عليه بل هو المختار لتمثيل هذه القراءة من بين الآلاف الكثيرين الذين يقرءون بها، ويرجع السبب في اختيار هؤلاء دون غيرهم إلى ملازمتهم تلك القراءة، وتجردهم للإقراء وإفنائهم أعمارهم في هذا العلم، مع الثقة والعدالة وحسن السيرة، فإضافة القراءة إليهم: «هي إضافة اختيار ودوام ولزوم لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد» (١). الشبهة الثانية: أن مصدر اختلاف القراءات رسم المصحف: حيث كان المصحف خاليا من النقط والشكل وطبيعة رسم بعض كلماته بالحذف أو بالزيادة أدت إلى اختلاف أوجه قراءة ألفاظه، فالرسم- عند مثيري هذه الشبهة- هو الذي حدا بابن عامر إلى أن يقرأ (شركائهم) مجرورة بدلا من أن يقرأها شُرَكاؤُهُمْ لأنها هكذا في المصحف (٢)، واعتمادا على موافقة الرسم قرأ بعض القراء: (سأورثكم) بدلا من سَأُرِيكُمْ (٣) إلى غير ذلك من الأمثلة (٤). الرد على هذه الشبهة: أن هذا الزعم يرده الواقع، فاختلاف القراءات مصدره التلقي عن رسول الله ﷺ وليس رسم المصحف، حيث لم يكونوا يعتمدون على الكتابة أصلا، وحين كتب عثمان المصاحف وأرسلها إلى الأمصار الإسلامية بعث مع كل مصحف قارئا ليعلم الناس القراءة الصحيحة (٥)، ولو كان جائزا للناس استخراج القراءات المختلفة من

стр. 213

الرسم لما احتاج الأمر إرسال القارئ مع المصحف، فمدار اختلاف القراءة الرواية لا الرسم. ومن أوضح ما يرد به على هذه الشبهة، وجود ألفاظ وردت في المصحف في أكثر من موضع، ويحتمل رسمها أن تقرأ بأكثر من وجه، إلا أن اختلاف القراء فيها محصور ببعض هذه الأماكن، فلفظ (ملك) مثلا ورد في مواضع أولها مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] وقد اختلف القراء في هذا الموضع فقرءوه بالألف وبدونها، أما بقية المواضع فلم يختلفوا فيها مع ما كان قراءتها رسما ولغة بهذين الوجهين وبغيرهما من الأوجه الكثيرة (١). وهذا يدل على أن القراءة إنما تؤخذ بالمشافهة والسماع ولا تؤخذ من رسم المصحف وخطه (٢). فخلو المصحف من النقط والشكل كان معينا له على استيعاب القراءات الصحيحة والأوجه المتعددة، ولم يكن موجبا للاختلاف أو مصدرا لهذه القراءات، والاعتماد في القراءة إنما هو المشافهة والنقل والتلقي. الشبهة الثالثة: جواز القراءة بالمعنى : ردد هذه الشبهة عدد من المستشرقين وأتباعهم زاعمين جواز إبدال لفظ مكان آخر إذا كان يؤدي المعنى نفسه، معتمدين على بعض روايات الأحرف السبعة وآثار عن عدد من القراء يمكن أن يدل ظاهرها على ما ذهبوا إليه (٣).

стр. 214

الرد على هذه الشبهة : لو كانت القراءة بالمعنى حاصلة فعلا لكان بين أيدينا الآن آلاف المصاحف المختلفة نتيجة لذلك. وإن القول بجواز تبديل لفظ بآخر يؤدي إلى ذهاب الإعجاز الذي هو من أهم مميزات القرآن الكريم، وإن كل لفظ فيه مقدر في موضعه خير تقدير، ومعبر أصح تعبير، ولا يمكن أن يسدّ أي لفظ آخر مسدّه. وأما ما اعتمد عليه مثيرو هذه الشبهة من روايات وآثار، مثل حديث: «ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة» (١) وما يروى عن ابن مسعود أنه كان يقرئ رجلا: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ [الدخان: ٤٣ - ٤٤] وكان الرجل يقول: طعام اليتيم فقال له ابن مسعود: أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر. قال: نعم. قال: فقل (٢)، فإنها لا تصلح حجة لهم، فالحديث يراد به تبيين أن الحروف التي نزل بها القرآن متفق مفهومها، لا يكون في شيء منها المعنى وضده، ولا يختلف الوجه منها عن معنى وجه آخر بما يضاده، كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده. أما الأثر المروي عن ابن مسعود فإنه ضعيف السند لا يصح الاحتجاج به (٣)، وعلى فرض صحته فإنه يحمل على أنه أراد توضيح المعنى له ليكون ذلك وسيلة إلى النطق بالصواب، قال القرطبي: «ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره، لأن ذلك إنما كان من عبد الله تقريبا للمتعلم وتوطئة منه للرجوع إلى الصواب واستعمال الحق والتكلم بالحرف على إنزال الله وحكاية رسول الله ﷺ (٤).

стр. 215

الشبهة الرابعة: تناقض معنى القراءات : زعم المستشرق جولد زيهر: وجود التناقض بين القراءات في المعنى، واستدل على ذلك بالقراءتين المتناقضتين في أول سورة الروم، أولاهما غُلِبَتِ الرُّومُ بالبناء للمجهول، وسَيَغْلِبُونَ بالبناء للفاعل والقراءة الثانية ببناء (غلبت) للفاعل وسَيَغْلِبُونَ للمفعول، وهاتان قراءتان متعارضتان في المعنى (١). الرد على هذه الشبهة : إن القراءة الأولى، وهي ببناء غَلَبَتْ للمفعول هي القراءة المتواترة الصحيحة، أما القراءة الثانية ببناء (غلبت) للفاعل فهي قراءة شاذة، والقراءة الشاذة لا تقوى على معارضة القراءة الصحيحة ولا تصلح لمقابلتها، فالقراءة الشاذة ليست قرآنا، ولا يجوز قراءتها على أنها من القرآن، أو إيهام السامع ذلك، وإنما تروى للاحتجاج بها في الفقه واللغة أو للعلم بها (٢) ولذا فلا ينبغي أن يقال إن في هذا الموضع قراءتين، بل هي قراءة واحدة صحيحة والقراءة الأخرى لا تصح ولا تعدّ قراءة (٣). وعلى فرض التسليم بصحتها فإنه يمكن الجمع بين القراءتين، بأن كلا منهما تتحدث عن حادثة، فالقراءة الأولى تتحدث عن انتصار الفرس على الروم، وتبشر بانتصار الروم على الفرس خلال بضع سنين، وأن ذلك النصر المبشّر به سيترافق مع نصر آخر للمسلمين على المشركين، وهذا ما حصل فقد تزامن انتصار الروم على الفرس، مع غزوة بدر التي انتصر فيها المسلمون على المشركين. أما القراءة الثانية فتخبر أن الروم انتصروا على سواد الشام وتبشر المسلمين بالانتصار على الروم بعد ذلك ببضع سنين، وقد غزا المسلمون الروم في السنة التاسعة من نزول الآية وفتحوا بعض بلادهم. فهذا المعنى الذي أفادته هذه القراءة لا يتناقض مع المعنى الذي أفادته القراءة القراءة، لأن التناقض لا يتحقق إلا إذا توارد شيئان متضادان على أمر واحد وفي زمن
следующие страницы →