← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38076

مقدمات في علم القراءات

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (243 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تقسيمات أخرى للقراءات القرآنية: وهناك اعتبارات أخرى لتقسيم القراءات القرآنية على النحو التالي: أولا: باعتبار نوع الاختلاف الواقع في الكلمات القرآنية إلى قسمين أصول وفرش (١): القسم الأول: الأصول، أي: أصول القراءات، أو أصول القراءة، وهي تعني القواعد المطردة التي تنطبق على كل جزئيات القاعدة، والتي يكثر دورها، وتطرد، ويدخل في حكم الواحد منها الجميع، بحيث إذا ذكر حرف من حروف القرآن الكريم، ولم يقيد يدخل تحته كل ما كان مثله، فالتفخيم للخاء المفتوحة مثلا يكون مطردا في كل كلمة ترد في القرآن فيها خاء مفتوحة. وإنما سميت الأصول أصولا لأنها يكثر دورها ويطرد حكمها على جزئياتها. والأصول التي يذكرها علماء القراءات هي: الاستعاذة، والبسملة، وسورة أم القرآن، والإدغام الكبير، وهاء الكناية، والمد والقصر، والهمزتان من كلمة، ومن كلمتين، والهمز المفرد، ونقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، والسكت على الساكن قبل الهمز وغيره، ووقف حمزة وهشام على الهمز، والإدغام الصغير، والكلام في ذال: «إذ» ودال «قد» و «تاء التأنيث» ولام «هل وبل» وحروف قربت مخارجها، وأحكام النون الساكنة والتنوين، والفتح والإمالة وبين اللفظين، وإمالة هاء التأنيث وما قبلها في الوقف، ومذاهب القراء في الراءات واللامات، والوقف على أواخر الكلم، والوقف على مرسوم الخط، وياءات الإضافة، والياءات الزوائد. القسم الثاني: الفرش، وهو الكلمات التي يقل دورها وتكرارها من حروف القراءات المختلف فيها في القرآن الكريم، ولم تطرد، وقد أطلق عليها القراء فرشا لانتشارها كأنها انفرشت وتفرقت في السور وانتشرت؛ ولأنها لما كانت مذكورة في أماكنها من السور فهي كالمفروشة، فإن الفرش إذا ذكر فيه حرف فإنه لا يتعدى أول حرف من تلك السورة إلا بدليل أو إشارة أو نحو ذلك، ويبتدئ القراء بذكر الفرش من أول سورة البقرة إلى آخر سورة الناس، وقد سمى بعضهم الفرش فروعا مقابلة للأصول.

стр. 72

ومثاله ما ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [البقرة: ٩]، فقد قرأ الكوفيون الأربعة: عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: «يخدعون»، وقرأ الباقون من العشرة: «يخادعون». ثانيا: باعتبار نسبة القراءات لناقليها، أو ما يسمى: الفرق بين القراءة والرواية والطريق (١). فما نسب لإمام من الأئمة العشرة مما أجمع عليه الرواة عنه فهو قراءة، وكل ما نسب للراوي عن الإمام فهو رواية، وكل ما نسب للآخذ عن الراوي وإن سفل فهو طريق. - فمثلا: الفتح في لفظ «ضعف» في سورة الروم قراءة حمزة، ورواية شعبة، وطريق عبيد بن الصباح عن حفص، وكذلك إثبات البسملة قراءة المكي، ورواية قالون عن نافع، وطريق الأصبهاني عن ورش، وهكذا. ثالثا: تقسيم القراءات القرآنية باعتبار إلزام القارئ بأوجه قراءة أو رواية معينة، أو تخييره فيها إلى الخلاف الواجب والجائز. أولا: الخلاف الواجب: وهو عين القراءات والروايات والطرق بمعنى أن القارئ ملزم بالإتيان بها جميعا، فلو أخل بشيء منها عد ذلك نقصا في روايته، كأوجه البدل مع ذات الياء لورش فهي طرق وإن شاع التعبير عنها بالأوجه تساهلا. والخلاف الواجب يكون في أصول القراءة: ومثاله الخلاف في المد الجائز المنفصل، وكالخلاف في الإمالة، وغيرها من الأصول. ويكون أيضا في فرش الكلمات، ومثاله: الخلاف في قراءة لفظ: «فرهين» في قوله تعالى: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ [الشعراء: ١٤٩]، فقد قرأ ابن عامر والكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي وخلف بالألف: «فارهين»، وقرأ الباقون بدون ألف: «فرهين» (٢).

стр. 73

ثانيا: الخلاف الجائز: وهو الخلاف في الأوجه التي على سبيل التخيير، والإباحة كأوجه البسملة، وأوجه الوقف على عارض السكون، فالقارئ مخير في الإتيان بأي وجه منها وهو غير ملزم بالإتيان بها كلها فلو أتى بوجه منها أجزأه ولا يعتبر ذلك تقصيرا منه ولا نقصا في روايته، وهذه الأوجه الاختيارية لا يقال لها قراءات ولا روايات ولا طرق بل يقال لها أوجه فقط. ولذلك فإن من جهل الفرق بين الخلاف الواجب والجائز تعذرت عليه القراءة وخلط فيها (١).

стр. 74

الفصل الثالث التعريف بالقراء العشرة ورواتهم

стр. 75

الفصل الثالث التعريف بالقراء العشرة ورواتهم تحدثنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب عن مفهوم علم القراءات ونشأته ومراحله وشروط القراءة الصحيحة، وأنواع القراءات، وسيكون الحديث في هذا الفصل عن القراء العشرة ورواتهم إذ يجدر بالدارس أن يعرف طرفا من سيرة هؤلاء الأعلام الكبار الذين اتفق العلماء على اختيارهم من بين مئات بل ألوف القراء لأن كلّا منهم «ممن اشتهرت إمامته، وطال عمره في الإقراء وارتحال الناس إليه من البلدان» (١) إضافة إلى اشتهارهم بالثقة والأمانة وحسن الدين وكمال العلم، وإجماع أهل عصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة فيما قرءوا ورووا، ولم تخرج قراءاتهم عن خط المصحف (٢). المبحث الأول التعريف بالقراء العشرة ١ - نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم : اسمه ونسبه: أبو عبد الرحمن الليثي مولاهم، المدني إمام أهل المدينة في القراءة وأحد القراء السبعة الأعلام. أصله من أصبهان، كان أسود اللون حالكا، صبيح الوجه حسن الخلق فيه دعابة. - شيوخه: أخذ القراءة عرضا عن جماعة من تابعي أهل المدينة؛ عبد الرحمن ابن هرمز الأعرج وأبي جعفر يزيد بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، ويزيد بن رومان ومسلم بن جندب، وصالح بن خوّات والأصبغ بن عبد العزيز النحوي وعبد الرحمن ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والزهري.

стр. 76

قال نافع: قرأت على سبعين من التابعين. - تلاميذه: روى القراءة عنه عرضا وسماعا إسماعيل بن جعفر، وعيسى بن وردان وسليمان بن مسلم بن جماز ومالك بن أنس وهم من أقرانه، وإسحاق بن محمد وأبو بكر وإسماعيل ابنا أبي أويس ويعقوب بن جعفر، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعيسى بن مينا قالون، وسعد بن إبراهيم وأخوه يعقوب، ومحمد بن عمر الواقدي، والزبير بن عامر، وخلف بن وضاح، وأبو الذكر محمد بن يحيى، وأبو العجلان وأبو غسان محمد بن يحيى بن علي، وصفوان، ومحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن وهب، وهؤلاء من أهل المدينة. وموسى بن طارق أبو قرة اليماني، وعبد الملك بن قريب الأصمعي وخالد بن مخلد القطواني، وأبو عمرو بن العلاء، وأبو الربيع الزهراني، وخارجة بن مصعب الخراساني، وخلف بن نزال الأسلمي، وسقلاب بن شيبة، وعثمان بن سعيد (ورش)، وعبد الله بن وهب، ومحمد بن عبد الله بن وهب، ومعلى بن دحية، والليث بن سعد، وأشهب بن عبد العزيز، وحميد بن سلامة، وهؤلاء من أهل مصر. وعتبة بن حماد الشامي، وأبو مسهر الدمشقي، والوليد بن مسلم، وعراك بن خالد، وخويلد بن معدان، وهؤلاء من أهل الشام. وكردم المغربي، وأبو الحارث، وعبد الله بن إدريس الأودي، والغاز بن قيس الأندلسي عرض عليه القرآن وضبط عنه اختياره، وأبو بكر القورسي، ومحمد القورسي. - تصدره للإقراء: أقرأ نافع الناس دهرا طويلا أكثر من سبعين عاما، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة المنورة، قال أبو عبيد: وإلى نافع صارت قراءة أهل المدينة وبها تمسكوا إلى اليوم. وقال ابن مجاهد: وكان الإمام الذي قام بالقراءة بعد التابعين بمدينة رسول الله ﷺ نافع، قال: وكان عالما بوجوه القراءات، متبعا لآثار الأئمة الماضين ببلده. قال مالك بن أنس: قراءة أهل المدينة سنّة. قيل له: قراءة نافع؟ قال: نعم. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة. قلت: فإن لم يكن؟ قال: قراءة عاصم.

стр. 77

- صفاته وثناء العلماء عليه: - كان نافع إذا تكلم يشمّ من فيه رائحة المسك، فسئل: أتتطيب كلما قعدت تقرئ الناس؟ قال: ما أمسّ طيبا، ولكني رأيت فيما يرى النائم النبي ﷺ وهو يقرأ في فيّ، فمن ذلك الوقت أشمّ من فيّ هذه الرائحة. - قال المسيبي: قيل لنافع: ما أصبح وجهك وأحسن خلقك! قال: كيف لا أكون كذلك وقد صافحني رسول الله ﷺ ، وعليه قرأت القرآن- يعني في النوم-. - قال قالون: كان نافع من أطهر الناس خلقا ومن أحسن الناس قراءة، وكان زاهدا جوادا، صلى في مسجد النبي ﷺ ستين سنة. - قال الليث بن سعد: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، وإمام الناس في القراءة بالمدينة نافع. - قال الأعشى: كان نافع يسهّل القرآن لمن قرأ عليه إلا أن يقول له إنسان: أريد قراءتك. - عن نافع قال: كنت أقرأ جالسا، فمرّ بي عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فقال: يا ابن أخي، متى تقرأ قائما؟ إذا كبرت، إذا سقمت؟ قال: فما قرأت بعد ذلك قاعدا إلا خيل إلي أنه تمثّل بين عينيّ. - وثقه يحيى بن معين والنسائي وأبو حاتم وليّنه أحمد، وهو قليل الحديث، ولم يرو له شيء في الكتب الستة. - وفاته: لما حضرت نافعا الوفاة قال له أبناؤه: أوصنا. قال: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. توفي سنة ١٦٩ هـ وقيل ١٧٠ هـ وقيل غير ذلك. رحمه الله تعالى (١). ٢ - ابن كثير المكي: - اسمه ونسبه: عبد الله بن كثير، أبو معبد المكي الداري، وفي هذه النسبة أقوال: منها أنه كان عطارا، والعطار تسمية العرب داريا لأن العطر إنما يجلب من

стр. 78

دارين بالبحرين، ومنها أنه من بني الدار رهط تميم الداري، ومنها أنه الذي لا يبرح داره ولا يطلب معاشا. والصواب الأول. - مولده: ولد بمكة عام (٤٥) للهجرة ولقي كثيرا من الصحابة منهم: عبد الله بن الزبير وأبو أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، كما لقي مجاهد بن جبر ودرباس مولى ابن عباس، وروى عن هؤلاء. - شيوخه: أخذ القراءة عرضا عن عبد الله بن السائب، ومجاهد بن جبر ودرباس. - تلاميذه: روى القراءة عنه: إسماعيل بن عبد الله القسط، وإسماعيل بن مسلم، وجرير بن حازم، والحارث بن قدامة، وحمّاد بن سلمة، وحمّاد بن زيد، وخالد بن القاسم، والخليل بن أحمد، وسليمان بن المغيرة، وشبل بن عباد، وابنه صدقة بن عبد الله بن كثير، وطلحة بن عمرو، وعبد الله بن زيد بن يزيد، وعبد الملك بن جريج، وعلي بن الحكم، وعيسى بن عمر الثقفي، والقاسم بن عبد الواحد، وقزعة ابن سويد، وقرة بن خالد، ومطرف بن معقل، ومعروف بن مشكان، وهارون بن موسى، ووهب بن زمعة، ويعلى بن حكيم، وابن أبي فديك، وابن أبي مليكة، وسفيان بن عيينة، والرحّال، وأبو عمرو بن العلاء. - صفاته: كان فصيحا بليغا مفوّها، ذا سكينة ووقار، عالما بالعربية، ولم يزل هو الإمام المجتمع عليه في القراءة بمكة حتى مات. - صفاته الخلقية: كان طويلا جسيما أسمر أشهل العينين، أبيض اللحية، يخضب بالحناء. قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو (أي البصري): قرأت على ابن كثير؟ قال: نعم، ختمت على ابن كثير بعد ما ختمت على مجاهد، وكان ابن كثير أعلم بالعربية من مجاهد. - وفاته: توفي ابن كثير ﵀ سنة (١٢٠ هـ) بمكة، قال سفيان بن عيينة: حضرت جنازة ابن كثير الداري سنة عشرين ومائة (١).

стр. 79

٣ - أبو عمرو البصري :- اسمه ونسبه: هو الإمام الكبير والعلم الشهير، في علم القراءات واللغة العربية زبّان بن العلاء ابن العريان بن عبد الله التميمي المازني البصري أبو عمرو أحد القراء السبعة (١). مولده وشيوخه: ولد بمكة سنة ثمان وستين للهجرة، وبدأ يطلب العلم يافعا، فقرأ بمكة والمدينة والكوفة والبصرة، ولقي كثيرا من العلماء والشيوخ، وحظي بالسماع من بعض الصحابة كأنس بن مالك ﵁، وقرأ على الحسن البصري، وحميد بن قيس الأعرج، وأبي العالية الرياحي، وسعيد بن جبير، وشيبة بن نصاح، وعاصم بن أبي النجود، وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وابن كثير المكي وغيرهم (٢). بلغ اهتمامه بالعلم درجة كبيرة فأخذ عن عدد وافر من العلماء «وكانت كتبه ودفاتره ملء بيت إلى السقف» (٣) وكان كثير المطالعة والبحث والتدقيق في مسائل العلوم، لا سيما القراءات والعربية والشعر وأيام العرب، يدل على ذلك ما رواه ابن الجزري قال: «مرّ الحسن بأبي عمرو وحلقته متوافرة والناس عكوف عليه فقال: لا إله إلا الله، لقد كادت العلماء أن يكونوا أربابا، كل عزّ لم يوطد بعلم فإلى ذل يؤول» (٤). وكان يقرئ الناس القرآن في مسجد البصرة (٥)، وكان إذا دخل شهر رمضان لم يتمّ فيه بيت شعر (٦) وذلك لانشغاله بالعلم والقراءة والإقراء، وتعظيمه شهر رمضان. - ثناء العلماء عليه: أثنى عليه العلماء كثيرا وذكروا من فضائله وطيب خصاله ما يشهد له بالمقام الرفيع، فمن ذلك قول أبي عبيدة:

стр. 80

«أبو عمرو أعلم الناس بالقراءات والعربية وأيام العرب والشعر» (١). وكان يونس بن حبيب يقول: «لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله في كل شيء، كان ينبغي أن يؤخذ بقول أبي عمرو بن العلاء» (٢). وقال الأصمعي: «لم أر بعد أبي عمرو أعلم منه» (٣). وكان أبو عمرو يعرف نفسه جيدا ويعرف موضعه من العلم والمعرفة، وفي هذا يقول: «ما رأيت أحدا قبلي أعلم مني» وقال للأصمعي: «لو تهيأ لي أن أفرغ ما في صدري في صدرك لفعلت، لقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كتبت ما قدر الأعمش على حملها، ولولا أن ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ لقرأت كذا وكذا وذكر حروفا» (٤). وهذا القول يدل على حرص أبي عمرو على تعليم العلم وتبليغه للناس، كما يدل على حرصه وتثبته في الرواية فهو لا يقرأ إلا بما قرئ، لأن القراءة سنة متبعة، ولا تجوز القراءة بما صح لغة إذا لم يصح سنده ويثبت نقله. وكان أبو عمرو عاملا بعلمه، صاحب زهد وتقوى يراقب الله ويخشاه، فقد استمر مدة طويلة «يختم القرآن في كل ثلاث ليال» (٥) وهذا أمر لا يطيقه إلا عظماء الرجال وأصحاب الهمم العالية. وكان قد نقش على فصّ خاتمه هذا البيت: وإن امرأ دنياه أكبر همّه ... لمستمسك منها بحبل غرور (٦) وهو بيت مشتمل على معان عظيمة في الزهد والتقلل من الدنيا وعدم الانشغال بها لأنها دار الغرور والفتنة.

стр. 81

أما كراماته: فمنها ما ذكره صاحبه وتلميذه عبد الوارث، قال: «حججت سنة من السنين مع أبي عمرو بن العلاء وكان رفيقي فمررنا ببعض المنازل فقال: قم بنا، فمشيت معه، فأقعدني عند ميل وقال: لا تبرح حتى أجيئك، وكان منزل قفر لا ماء فيه، فاحتبس عليّ ساعة فاغتممت، فقمت أقفيه الأثر فإذا هو في مكان لا ماء فيه، فإذا عين وهو يتوضأ للصلاة، فنظر إلي فقال: يا عبد الوارث اكتم عليّ ولا تحدث بما رأيت أحدا فقلت: نعم يا سيد القراء. قال عبد الوارث: فو الله ما حدثت به أحدا حتى مات» (١)، وهذه الحادثة تؤكد منزلة أبي عمرو من الولاية وحسن الصلة بالله سبحانه، حيث فجّر له عين ماء في الأرض المجدبة، ليتوضأ ويشرب منها، وهو مع ذلك لا يفاخر ولا يريد أن يطلع أحد على هذا السر الذي بينه وبين ربه . ولأن أبا عمرو بهذه المنزلة من العلم والزهد والصدق فقد أقبل عليه الناس ينهلون من علمه ويقرءون عليه القرآن، وقد توقع شعبة أن ستكون قراءة أبي عمرو هي القراءة المعتمدة بين الناس، قال وهب بن جرير: قال لي شعبة: تمسك بقراءة أبي عمرو فإنها ستصير للناس إسنادا، قال ابن الجزري: «وقد صح ما قاله شعبة ﵀، فالقراءة التي عليها الناس اليوم بالشام والحجاز واليمن ومصر هي قراءة أبي عمرو فلا تكاد تجد أحدا يلقن القرآن إلا على حرفه خاصة في الفرش، وقد يخطئون في الأصول، ولقد كانت الشام تقرأ بحرف ابن عامر إلى حدود الخمسمائة فتركوا ذلك لأن شخصا قدم من أهل العراق وكان يلقن الناس بالجامع الأموي على قراءة أبي عمرو فاجتمع عليه خلق واشتهرت هذه القراءة عنه وأقام سنين كذا بلغني وإلا فما أعلم السبب في إعراض أهل الشام عن قراءة ابن عامر وأخذهم بقراءة أبي عمرو، وأنا أعدّ ذلك من كرامات شعبة» (٢). قرأ على أبي عمرو عدد كبير من الناس: فقد روى القراءة عنه عرضا وسماعا أحمد بن محمد بن عبد الله الليثي وأحمد بن موسى اللؤلؤي وإسحاق بن يوسف بن يعقوب الأزرق وحسين بن علي الجعفي والأصمعي وعبد الوارث بن سعيد ويحيى اليزيدي وغيرهم، وروى عنه الحروف محمد بن الحسن بن أبي سارة وسيبويه (٣).

стр. 82

ومن أخبار أبي عمرو أنه خرج مع أبيه هاربين من الحجاج، قال: فبينما نحن نسير إذا أعرابي على بعير له ينشد: لا تضيقنّ بالأمور فقد تف ... رج غماؤها بغير احتيال ربما تكره النفوس من الأم ... ر لها فرجة كحل العقال فقال أبي: ما الخبر؟ قال: مات الحجّاج. فكنت بقوله (فرجة) أسر مني بقوله: مات الحجّاج (١) والفرجة (بالفتح) من الهم و (بالضم) من الحائط. وبقي أبو عمرو يقرئ الناس ويعلمهم حتى كانت وفاته سنة أربع وخمسين ومائة بالكوفة، قال أبو عمرو الأسدي: «لما أتى نعي أبي عمرو أتيت أولاده فعزيتهم عنه، وهنا لك أقبل يونس بن حبيب فقال: نعزيكم وأنفسنا بمن لا نرى شبها له آخر الزمان، والله لو قسم علم أبي عمرو وزهده على مائة إنسان لكانوا كلهم علماء زهادا، والله لو رآه رسول الله ﷺ لسره ما هو عليه» (٢). رحم الله أبا عمرو شيخ القراء والنحاة وأستاذ العربية والشعر والأدب- وجزاه عن القرآن وأهله خير الجزاء. ٤ - عبد الله بن عامر الشامي: - مولده: في السنة الثامنة للهجرة وفي ضيعة يقال لها (رحاب)، وهي اليوم بلدة صغيرة تابعة لمحافظة المفرق في شمال الأردن، ولد الإمام الكبير والتابعي الجليل عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم اليحصبي، أبو عمران، إمام أهل الشام وشيخ القراء بها. وكانت الأردن وبقية بلاد الشام آنذاك تحت حكم الرومان، ومن المعروف أن السنة الثامنة للهجرة قد شهدت أول صدام عسكري بين المسلمين والروم حيث دارت معركة مؤتة الشهيرة بين الجانبين، وكان ذلك إيذانا ببدء العمل الجهادي والفتح الإسلامي خارج نطاق الجزيرة العربية.

стр. 83

وبعد ما اندفعت طلائع المدّ الإسلامي وضمت إليها بلاد الشام بعد موقعة اليرموك الفاصلة، وحينما صارت دمشق الشام حاضرة من حواضر الإسلام الكبرى، بدأ كثير من الأسر والقبائل تنتقل إليها لتنعم بالعيش في أفياء عدل الإسلام وكان ابن عامر ممن ارتحلوا إلى دمشق مع أهله وهو ابن تسع سنين، وهناك قدّر له أن يطلب العلم على أيدي عدد من أصحاب رسول الله ﵊ وهم الذين كانوا أساتذة الدنيا ومعلمي البشرية، وكان العلم كالماء والهواء يتمتع بتحصيله كل راغب دون منة ولا عناء، فالفتح الإسلامي كان فتحا فكريا وعلميا قبل أن يكون فتحا عسكريا، وكانت المدارس ودور العلم تنتشر وتزداد كلما اتسعت رقعة الفتوح. ومن أبرز الصحابة الذين لقيهم ابن عامر وسمع منهم: معاوية بن أبي سفيان، والنعمان بن بشير، وواثلة ابن الأسقع، وفضالة بن عبيد، وأبو الدرداء. ونبغ في كثير من العلوم وخصوصا علم القرآن الذي هو مصدر العلوم ومعينها، إذ كانت قراءة القرآن آنذاك مقدمة على كل العلوم، ومن أتقنها وبرع فيها فهو الإمام المفضل والقدوة المبجل، وفي هذا المعنى كان الصحابة يقولون: «كان الرجل إذا حفظ سورة البقرة وآل عمران جد فينا» أي كانت له مكانة بيننا وعرفنا له قدره وفضله. - شيوخه: كان ابن عامر أحد الطلبة النجباء الحريصين على القرآن الكريم قراءة وتدبرا وعملا فقد أخذ القراءة عرضا عن أبي الدرداء، والمغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وفضالة بن عبيد، وصار رأسا وإماما في القراءة والإقراء، وفي ذلك يقول ابن مجاهد التميمي «وعلى قراءة ابن عامر أهل الشام والجزيرة» وهذا القول دليل على مكانة ابن عامر حيث صارت قراءته في ذلك الزمان قراءة عامة المسلمين في الشام والجزيرة. قال ابن الجزري: «ولا زال أهل الشام قاطبة على قراءة ابن عامر تلاوة وصلاة وتلقينا إلى قريب الخمسمائة». عاش ابن عامر بين أهل دمشق دهرا طويلا، نذر نفسه للقرآن والعلم والدعوة، وتولى عددا من المناصب، حيث كان إمام الجامع بدمشق وهو الذي كان ناظرا على عمارته حتى فرغ.

стр. 84

قال تلميذه يحيى بن الحارث الذماري: «كان ابن عامر رئيس الجامع، لا يرى فيه بدعة إلا غيّرها». كما ولي القضاء بدمشق بعد أبي إدريس الخولاني، فكان قاضيا موفقا إذ اجتمع فيه من الصفات والشمائل ما يطمح إليه الطامحون إلى الكمال. وصفه الأهوازي بقوله: «كان عبد الله بن عامر إماما عالما ثقة فيما أتاه، حافظا لما رواه، متقنا لما وعاه، عارفا فهما، قيّما فيما جاء به، صادقا فيما نقله، من أفضل المسلمين وخيار التابعين، وأجلّة الراوين، لا يتّهم في دينه ولا يشكّ في يقينه، ولا يرتاب في أمانته، ولا يطعن عليه في روايته، صحيح نقله فصيح قوله، عليا في قدره مصيبا في أمره، مشهورا في عمله، مرجوعا إلى فهمه، لم يتعدّ فيما ذهب إليه الأثر، ولم يقل قولا يخالف فيه الخبر» (١). وهذه الشهادة من الأهوازي وهو العالم الجليل والقارئ الكبير جديرة أن تكتب بماء الذهب، لأنها شهادة من عارف خبير بحق عالم كبير، ولأنها أبرزت جوانب من صفات ابن عامر وأخلاقه، جديرة أن تكون محل القدوة والتأسي. - تلاميذه: وقد أفاد من علم ابن عامر ومنهجه كثيرون، وصار له تلامذة وأتباع ورثوا علمه من بعده، وراحوا ينشرونه بين الناس على منهج أمة (اقرأ) في التعلم والتعليم ونشر آفاق العلم والفكر إلى أقصى مدى ممكن، فكان من هؤلاء التلامذة البررة يحيى بن الحارث الذماري، وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وسعيد ابن عبد العزيز، وخلاد بن يزيد بن صبيح المري، ويزيد بن أبي مالك، كل هؤلاء رووا القراءة عرضا عن ابن عامر، بالإضافة إلى مئات ممن أخذوا عنه وأفادوا من علمه. وهؤلاء التلاميذ صار منهم علماء كبار أجلاء، فقد صار سعيد بن عبد العزيز مفتيا لدمشق في أيام بني أمية، ومن العلماء العاملين الأخيار، وصار يحيى بن الحارث إمام الجامع الأموي وشيخ الإقراء بدمشق بعد ابن عامر، وكان ثقة عالما خيرا فاضلا.

стр. 85

- وفاته: توفي ابن عامر ﵀ بدمشق يوم عاشوراء سنة ثمان عشرة ومائة، بعد أن بلغ مائة وعشر سنوات، كانت حافلة بالعلم والعطاء والخير. ﵀ رحمة واسعة وأجزل له الأجر والمثوبة وجزاه عن المسلمين خير الجزاء (١). ٥ - عاصم الكوفي: - اسمه ونسبه: عاصم بن- بهدلة- أبي النّجود (بفتح النون)، أبو بكر الأسدي مولاهم الكوفي الحنّاط، شيخ الإقراء بالكوفة وأحد السبعة. - شيوخه: أخذ القراءة عن زر بن حبيش وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي عمرو الشيباني. - تلاميذه: روى القراءة عنه أبان بن تغلب، وأبان بن يزيد العطار، وإسماعيل بن مجالد، والحسن بن صالح، وحفص بن سليمان، والحكم بن ظهير، وحمّاد بن سلمة، وحماد بن زيد، وحماد بن أبي زياد، وحماد بن عمرو، وسليمان بن مهران الأعمش، وسلام بن سليمان أبو المنذر، وسهل بن شعيب، وأبو بكر شعبة بن عياش، وشيبان بن معاوية، والضحاك بن ميمون، وعصمة بن عروة، وعمرو بن خالد، والمفضل بن محمد، والمفضل بن صدقة، ومحمد بن رزيق، ونعيم بن ميسرة، ونعيم بن يحيى، وغيرهم كثير، وروى عنه حروفا من القرآن، أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، والحارث بن نبهان، وحمزة الزيات، والحمّادان (ابن سلمة، وابن زيد) والمغيرة الضبي، ومحمد بن عبد الله العزرمي، وهارون بن موسى (٢). - أقوال العلماء فيه وثناؤهم عليه :- كان قارئ أهل الكوفة ومقرئهم بعد أبي عبد الرحمن السلمي- في مسجده- وإمامهم الذي تمسكوا بقراءته واقتدوا به فيها بعد التابعين إلى وقتنا هذا (٣).

стр. 86

- وكان في قراءته متبعا آثار من قبله، غير مخالف فيها لما مضى عليه السلف (١). - قال أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن من عاصم بن أبي النجود. - وقال يحيى بن آدم: ثنا حسن بن صالح قال: ما رأيت أحدا قط كان أفصح من عاصم، إذا تكلم كاد يدخله خيلاء (٢). - قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عاصم فقال: رجل صالح خيّر ثقة، فسألته: أي القراءة أحبّ إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، فإن لم تكن فقراءة عاصم (٣). - قال ابن الجزري: وثقه أبو زرعة وجماعة، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وحديثه مخرج في الكتب الستة (٤). - جمع بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن (٥). - روايته الحديث: روى عن أبي رمثة رفاعة بن يثربي التميمي، والحارث بن حسان البكري، وكانت لهما صحبة، وحديثه عن أبي رمثة في مسند أحمد، وحديثه عن الحارث في كتاب أبي عبيد القاسم ابن سلام (٦). - أسانيد قراءة عاصم: قرأ عاصم على أبي عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب، وقرأ أبو عبد الرحمن على عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود، وقرأ هؤلاء على رسول الله ﷺ (٧). وقال أبو بكر بن عياش: قال لي عاصم: ما أقرأني أحد حرفا إلا أبو عبد الرحمن وكان تعلّم من عثمان وعرض على عليّ، قال عاصم: وكنت أرجع من عند أبي

стр. 87

عبد الرحمن فأعرض ما تعلمت منه على زر بن حبيش، قال أبو بكر لعاصم: لقد استوثقت يا أبا بكر، وقرأ زر على عليّ وعبد الله، وقرآ على رسول الله ﷺ (١). - وفاته: قال أبو بكر بن عياش: دخلت على عاصم وقد احتضر، فجعلت أسمعه يردد هذه الآية يحققها حتى كأنه يصلي: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢] فعلمت أن القراءة منه سجية (٢). توفي آخر سنة ١٢٧ هـ- بالكوفة وقيل بالسماوة وهو يريد الشام ودفن بها (٣). ٦ - حمزة بن حبيب الزيات الكوفي: - اسمه ونسبه: الإمام العلم والحافظ الحجة، أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات الكوفي، التيمي مولاهم. قال فيه سفيان الثوري: غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض، وقال أيضا: «ما قرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر» شهد له العلماء بالفضل والعلم والزهد والورع، وتتلمذ على يديه خلق لا يحصون، وكتب له التوفيق في حياته فكان أستاذا كبيرا نهض بحق العلم، فأقرأ الناس القرآن وعلمهم مما علمه الله تعالى. ولد حمزة سنة ٨٠ هجرية فيكون قد أدرك عصر الصحابة، ولا يستبعد أن يكون رأي بعضهم، وحسبه أنه عاش في تلك القرون المشهود لها بالخير، ونشأ بالكوفة. - شيوخه: أخذ العلم على علماء الكوفة وقرائها، فقرأ على حمران بن أعين، وأبي إسحاق السبيعي، والأعمش، وجعفر الصادق، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومغيرة بن مقسم، وغيرهم، وكانت الكوفة آنذاك مصرا من أمصار الإسلام العظيمة، فيها للعلم والفكر مراكز ومدارس، ومنها تنطلق جيوش الفتح الظافرة لتجاهد في سبيل الله، وتخرج الناس من الظلمات إلى النور.

стр. 88

عرف حمزة بلقب الزيات، لأنه كان تاجرا، يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان، ويجلب من حلوان الجبن والجوز (١). ولم يكن عمله بالتجارة يحول بينه وبين تعلم العلم وتعليمه، فالعالم يبذل علمه وينشره حيثما حلّ وأينما نزل، وكلما اتسع مجال اتصاله بالناس، ازداد حرصه على نشر العلم بينهم، فالعلم أمانة ومسئولية، والعالم سوف يسأل عن علمه ماذا فعل به. - ثناء العلماء عليه: وقد عرف العلماء لحمزة فضله وعلمه وزهده وورعه، فأثنى عليه منهم كل من عرفه، ونقلت لنا كتب التراجم فيضا من أقوالهم فيه تصرح بإجلالهم له واعترافهم بقدره، ومن ذلك: قال أبو حنيفة لحمزة: «شيئان غلبتنا عليهما لا ننازعك فيهما، القرآن والفرائض» (٢). وترجم له ياقوت الحموي في معجمه فقال: «إليه المنتهى في الصدق والورع والتقوى، وإليه صارت الإمامة في القراءة بعد عاصم والأعمش، وكان إماما حجة ثقة ثبتا رضيا قيما بكتاب الله، بصيرا بالفرائض خبيرا بالعربية، حافظا للحديث عابدا زاهدا خاشعا قانتا لله ورعا، عديم النظير» (٣). ولقد بلغ من زهده وورعه وعظيم فضله أن الناس كانوا يعتقدون بولايته وكرامته، وفي هذا يقول ابن فضيل: «ما أحسب أن الله يدفع البلاء عن أهل الكوفة إلا بحمزة» (٤). أما قراءته فكان طلبة العلم يتسابقون إلى أخذها وتعلمها، لدقته وضبطه وتحريه، وكان شيخه الأعمش إذا رآه مقبلا يقول لمن حوله: هذا حبر القرآن، وهي شهادة من الأعمش (الإمام الجليل الحافظ) تدل على مقدار إتقان حمزة وتفوقه في علم القراءات خاصة.

стр. 89

وكان شعيب بن حرب يقول لأصحابه: ألا تسألونني عن الدر؟ يعني قراءة حمزة (١). وكان من منهجه أن يقرئ القرآن حتى يتفرق الناس، وهذا يعني أنه يمكث في الدرس مدة طويلة، ثم ينهض فيصلي أربع ركعات، ثم يصلي ما بين الظهر والعصر، وما بين المغرب والعشاء (٢). وهذا يدل على صبره وحرصه على تعليم القرآن، كما يدل على كثرة عبادته، ورغبته في الطاعة والعمل الصالح، وصدق الإمام الشاطبي إذ يقول فيه: وحمزة ما أتقاه من متورع ... إماما صبورا للقرآن مرتلا - تلاميذه: أما تلاميذه الذين أخذوا عنه فقد كانوا كثيرين جدا منهم إبراهيم بن أدهم، وإبراهيم بن طعمة، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وبكر بن عبد الرحمن، وجعفر بن محمد الخشكني، وحجاج بن محمد، وخالد بن يزيد الطبيب، وخلاد بن خالد الأحول، وأبو الأحوص سلام بن سليم وسفيان الثوري، وشعيب بن حرب، وعلي بن حمزة الكسائي، ويحيى بن زياد الفراء، ويحيى بن المبارك اليزيدي وغيرهم. - وفاته: بقي حمزة يقرئ القرآن، ويعلم الناس حتى لقي ربه مرضيا، سنة (١٥٦ هـ)، بمدينة حلوان، في آخر سواد العراق، ﵀ رحمة واسعة وجزاه عن القرآن وأهله خير الجزاء. ٧ - الكسائي: - اسمه ونسبه: علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الأسدي مولاهم، وهو من أولاد الفرس من سواد العراق. أبو الحسن الكسائي، نسبة إلى كساء أحرم فيه. - شيوخه: أخذ القراءة عرضا عن حمزة الزيات، عرض عليه أربع مرات، ومحمد ابن أبي ليلى، وعيسى بن عمر الهمداني، وروى الحروف عن أبي بكر بن عياش

стр. 90

وإسماعيل ويعقوب ابني جعفر عن نافع، وعن عبد الرحمن بن أبي حماد، وأبي حيوة شريح بن يزيد، والمفضل بن محمد الضبي، وزائدة بن قدامة عن الأعمش، ومحمد بن الحسن بن أبي سارة وقتيبة بن مهران، ورحل إلى البصرة فأخذ اللغة عن الخليل. - تلاميذه: أخذ عنه القراءة عرضا وسماعا، إبراهيم بن زاذان وإبراهيم بن الحريش وأحمد بن جبير، وأحمد بن أبي سريج، وأحمد بن أبي ذهل، وأحمد بن منصور البغدادي، وأحمد بن واصل، وإسماعيل بن مدّان، وحفص بن عمر الدوري، وحمدويه بن ميمون، وحميد بن ربيع الخزاز، وزكريا بن وردان، وسريج بن يونس، وسورة بن المبارك، وأبو حمدون الطيب بن إسماعيل، وعبد الرحمن بن واقد، وعبد الرحيم بن حبيب، وعبد القدوس بن عبد المجيد، وعبد الله بن أحمد بن ذكوان، وعبيد الله بن موسى، وعدي بن زياد، وعلي بن عاصم، وعمر بن حفص المسجدي، وعيسى بن سليمان، والفضل بن إبراهيم، وفورك بن شبويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وقتيبة بن مهران، والليث بن خالد، ومحمد بن سفيان، ومحمد بن سنان، ومحمد بن واصل، والمطلب بن عبد الرحمن، والمغيرة بن شعيب، وأبو توبة ميمون بن حفص، ونصير بن يوسف، وأبو إياس هارون بن علي الكسائي (ابن الكسائي نفسه) وهارون بن عيسى، وهارون بن يزيد، وهاشم بن عبد العزيز البربري، ويحيى بن آدم، ويحيى بن زياد الخوارزمي، فهؤلاء المكثرون عن الكسائي. أما المقلون عنه فهم: إسحاق بن إسرائيل، وحاجب بن الوليد، وحجاج بن يوسف بن قتيبة، وخلف بن هشام البزار، وزكريا بن يحيى الأنماطي، وأبو حيوة شريح بن يزيد، وصالح الناقط، وعبد الواحد بن ميسرة القرشي، وعلي بن خشنام، وعمر بن نعيم بن ميسرة، وعروة بن محمد الأسدي، وعون بن الحكم، ومحمد بن زريق، ومحمد بن سعدان، ومحمد بن عبد الله بن يزيد الحضرمي، ومحمد بن عمر الرومي، ومحمد بن المغيرة، ومحمد بن يزيد الرفاعي، ويحيى بن زياد الفراء، ويعقوب الدورقي، ويعقوب الحضرمي روى عنه الحروف (١).

стр. 91

* تنبيه: ورد ذكر قتيبة بن مهران في شيوخ الكسائي وفي تلاميذه، وذلك أن قتيبة قال: قرأت على الكسائي، وقرأ عليّ الكسائي، وكان قتيبة قد صحب الكسائي أكثر من خمسين سنة، وشاركه في عامة شيوخه وروى عنهم (١). وقال قتيبة أيضا: قرأت القرآن من أوله إلى آخره على الكسائي، وقرأ الكسائي القرآن من أوله إلى آخره عليّ، وعنه قال: صحبت الكسائي في إحدى وخمسين سنة وشاركته في عامة أصحابه ... وقال: قرأت على أبي الحسن الكسائي نيفا وعشرين ختمة ... وقرأت على الكسائي اختياره، وقرأ الكسائي عليّ قراءة أهل المدينة (٢). - أقوال العلماء فيه وثناؤهم عليه: - قال عنه يحيى بن معين: ما رأيت بعيني هاتين أصدق لهجة من الكسائي. - قال الشافعي: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي. - قال أبو عبيد: كان الكسائي يتخيّر القراءات، فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا، وكان من أهل القراءة، وهي كانت علمه وصناعته، ولم يجالس أحدا كان أضبط ولا أقوم بها منه. - قال ابن مجاهد: فاختار من قراءة حمزة وقراءة غيره، قراءة متوسطة غير خارجة عن آثار من تقدّم من الأئمة، وكان إمام الناس في القراءة في عصره، وكان يأخذ الناس عنه ألفاظه بقراءته عليهم. - قال أبو بكر الأنباري: اجتمعت في الكسائي أمور، كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم في الغريب، وكان أوحد الناس في القرآن، فكانوا يكثرون عليه حتى لا يضبط الأخذ عليهم، فيجمعهم ويجلس على كرسي، ويتلو القرآن من أوله إلى آخره، وهم يسمعون ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادي (٣).

стр. 92

- قال الأندرابي: كان قارئ أهل الكوفة ومقرئهم بها، وإمامهم الذي تمسكوا بقراءته، واقتدوا به فيها بعد حمزة، من وقتهم إلى وقتنا، وكان كثير الرواية للحديث والعلم، عالما بما مضى عليه السلف من القراءة (١). صحب الكسائي هارون الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويجلّه، ويقرأ عليه ويأتمّ به ويسأله. وكان قبل ذلك يطوف بالبلاد ويقرئ الناس، قال ابن ذكوان: أقمت على الكسائي أربعة أشهر وقرأت عليه القرآن غير مرة (٢). وهذا يعني أن الكسائي قدم الشام وأقام بها مدة. قال ابن الجزري: وقفت على ما يدل أن الكسائي دخل الشام وأقرأ بجامع دمشق (٣). - مؤلفاته: ألف الكسائي كتبا كثيرة منها: كتاب معاني القرآن، وكتاب القراءات، والعدد واختلافهم فيه، والنوادر الكبير، والنوادر الأوسط، والنوادر الأصغر، وكتابا في النحو، وكتاب الهجاء، ومقطوع القرآن وموصوله، والمصادر، والحروف، والهاءات، وكتاب أشعار. - وفاته: توفي ﵀ سنة (١٨٩ هـ) بقرية (أرنبوية) من قرى الري (٤)، وكان بصحبة هارون الرشيد، متوجهين إلى خراسان، ومات معه أيضا محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، فأسف الرشيد لذلك وقال: دفنا الفقه والنحو بالريّ، وكان الكسائي قد بلغ السبعين عند وفاته (٥)، ورثاه أبو محمد اليزيدي فقال: تصرمت الدنيا فليس خلود ... وما قد نرى من بهجة سيبيد لكل امرئ كأس من الموت مترع ... وما إن لنا إلا عليه ورود ألم تر شيبا شاملا ينذر البلى ... وأن الشباب الغضّ ليس يعود

стр. 93

سنفنى كما أفنى القرون التي خلت ... فكن مستعدا فالفناء عتيد أسيت على قاضي القضاة محمد ... وفاضت عيوني والعيون جمود وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا ... بإيضاحه يوما وأنت فقيد وأقلقني موت الكسائي بعده ... وكادت به الأرض الفضاء تميد وأذهلني عن كل عيش ولذة ... وأرق عيني والعيون هجود هما عالمانا أوديا وتخرّما ... فما لهما في العالمين نديد فحزني متى يخطر على القلب خطرة ... بذكرهما حتى الممات جديد (١) ٨ - أبو جعفر يزيد بن القعقاع: - اسمه ونسبه: يزيد بن القعقاع المخزومي، أبو جعفر المدني القارئ، أحد القراء العشرة، تابعي مشهور كبير القدر. - شيوخه: عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وروى عنهم. - تلاميذه: روى القراءة عنه نافع بن أبي نعيم، وسليمان بن مسلم بن جمّاز، وعيسى بن وردان، وأبو عمرو، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإسماعيل ويعقوب ابناه، وميمونة بنته. هو من التابعين، أتي به إلى أم سلمة وهو صغير، فمسحت على رأسه ودعت له بالبركة، أقرأ الناس في المدينة قبل وقعة الحرّة، والحرّة سنة (٦٣ هـ)، وكان إمام أهل المدينة في القراءة، كان ثقة قليل الحديث. - أقوال العلماء فيه وثناؤهم عليه: - قال أبو الزناد: لم يكن أحد أقرأ للسنة من أبي جعفر، وكان يقدّم في زمانه على عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. - قال الإمام مالك: كان أبو جعفر رجلا صالحا يقرئ الناس بالمدينة (٢).

стр. 94

- كان أبو جعفر رجلا صالحا عابدا زاهدا كثير العبادة، كان يصوم يوما ويفطر يوما يروّض نفسه على العبادة، وكان يصلي في الليل أربع تسليمات يقرأ في كل ركعة بالفاتحة وسورة من طوال المفصل، ويدعو عقيبها لنفسه وللمسلمين ولكل من قرأ عليه وقرأ بقراءته بعده وقبله (١). - إسناد قراءته: قرأ أبو جعفر على ابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عياش، وقرأ هؤلاء على أبي بن كعب، وقرأ أبي على رسول الله ﷺ ، كما قرأ أبو جعفر على خباب بن الأرت ... وقيل إنه قرأ على زيد بن ثابت، وسنه تحتمل ذلك (٢). - عن قتيبة بن مهران قال: سألت سليمان بن مسلم بن جماز، فقلت: أقرأت على أبي جعفر وشيبة ونافع؟ قال: نعم، قد قرأت على أبي جعفر وشيبة ونافع، وسألته فقلت له: أتقرأ بقراءة أبي جعفر أو نافع؟ فقال: أقرئ الناس بقراءة نافع، وإذا كنت وحدي فأحبّ إليّ أن أقرأ، بقراءة أبي جعفر (٣). - وفاته: قال سليمان بن جمّاز: شهدت أبا جعفر حين حضرته الوفاة، وجاء أبو حازم الأعرج، ومشيخة معه كانوا من جلسائه، فانكبّوا عليه يصرخون فلم يجبهم، قال شيبة- وكان ختنه على ابنته-: ألا أريكم منه عجبا؟ قالوا: بلى. قال: فكشف عن صدره وإذ دوّارة بيضاء مثل اللبن. فقال أبو حازم وأصحابه: هذا والله نور القرآن (٤). وروى المسيبيّ عن نافع أنه قال: لمّا غسل أبو جعفر القارئ نظروا فإذا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فما شك أحد أنه نور القرآن (٥). وروي عن سليمان بن أبي سليمان العمري قال: رأيت أبا جعفر القارئ على الكعبة (أي في المنام)، فقلت: أبو جعفر؟ قال: نعم، أقرئ إخواني السلام، وأخبرهم أن الله تعالى جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين، وأقرئ أبا حازم

стр. 95

السلام، وقل له: يقول أخوك أبو جعفر: الكيس الكيس، فإن الله ﵎ وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيّات (١). توفي ﵀ بالمدينة في خلافة مروان سنة ثلاثين ومائة، وقيل غير ذلك (٢). ٩ - يعقوب بن إسحاق الحضرمي :- اسمه ونسبه: الإمام العلم والأستاذ الكبير يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري، أبو يوسف، وأبو محمد قارئ أهل البصرة ومقرئهم وإمامهم الذي تمسكوا بقراءته بعد أبي عمرو بن العلاء (٣). هو قارئ معمّر عاش ثمانيا وثمانين سنة، ومن عجيب الموافقات أن أباه وجدّه وجد أبيه عاش كل منهم ثمانيا وثمانين سنة (٤). قضى زمانه في طلب العلم وتعليمه، فكان يجود بوقته في تعلم مسائل العلم وتتبع دقائقه وأخذه عن الشيوخ والعلماء فقرأ القرآن على أبي المنذر سلام بن سليمان الطويل كما قرأ على ابن محيصن، ومجاهد، ومهدي بن ميمون، وشعيب بن الحبحاب، وأبي الأشهب العطاردي ويونس بن عبيد وغيرهم (٥)، وروى عن حمزة والكسائي كذلك (٦). ولكثرة من لقي من العلماء والفضلاء حصل علما كثيرا غزيرا في كثير من جوانب المعرفة فصار إماما في القراءات والعربية والفقه، وكان من أعلم أهل زمانه بمذاهب النحاة في القرآن الكريم ووجوه الاختلاف فيه (٧). قال أبو حاتم السجستاني: «كان يعقوب أعلم من رأيت بلغات العرب وألفاظها وأشعارها وأيامها وبالنحو، وما رأيت أقرأ من يعقوب» (٨).

стр. 96

ولقد كان هذا الإمام عاملا بعلمه حريصا على أن يكون ما حصله من العلم سبيلا للهداية والتقوى وخشية الله ، فكان كما وصفه الذين ترجموا له: «زاهدا ورعا ناسكا» (١) بل إن تنسكه وخشوعه في الصلاة بلغ درجة عالية حتى قيل إنه سرق رداؤه عن كتفه وهو في الصلاة ولم يشعر به وردّ إليه ولم يشعر لشغله بالصلاة (٢)، وهذا يعني أن الصلاة والتدبر فيها قد ملك عليه فؤاده حتى شغله عن كل شيء واستغرق في الخشوع لدرجة أنه لم يعد يدري ما يدور حوله، فهو في عالم الصلاة وأجوائه الفسيحة يحلق مناجيا ربه متجردا من الدنيا ومتعها وأحوالها. وكان يعقوب أيضا ثقة صدوقا متبعا آثار من قبله من الأئمة غير مخالف لهم في القراءة، وثّقه أحمد بن حنبل وأبو حاتم، وقال أبو حاتم فيه: صدوق، هو أعلم من رأيت بالحروف والاختلاف في القرآن وعلله ومذاهبه ومذاهب النحو، وأروى الناس لحروف القرآن ولحديث الفقهاء (٣). وكونه متبعا آثار من قبله من الأئمة غير مخالف لهم في القراءة يؤكد على أمر جدير بالاهتمام وهو أن القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول وليس لأحد أن يزيد فيها او ينتقص منها، وقد اتفقت كلمة أهل العلم على أن القراءة سنة، وأنه لا مجال فيها للتشهي ولا للرأي أو القياس، فالقراءة رواية محققة متقنة يضبطها القارئ عن شيوخه العدول الضابطين ولا يحيد عما رواه وتعلمه قيد شعرة. وهي مسألة تؤكد لنا أن طريق أخذ القرآن هي النقل بالمشافهة والمشامّة وإنما كانت قواعد التجويد لحراسة الرواية والحفاظ عليها من أن يتطرق إليها نسيان أو وهم. كان يعقوب- ﵀ حريصا على نشر العلم وتبليغه بكل وسيلة ممكنة، فأخذ يقرئ الناس ويعلمهم مستشعرا أهمية ما يقوم به من جهد مبارك، وأنه كلما كان أثره أكبر في هذا المجال كان أجره أعظم، فالرسول ﷺ يقول: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» ويقول: «بلغوا عني ولو آية». - تلاميذه: كثر تلاميذ يعقوب الذين أخذوا عنه العلم ونقلوا عنه القراءات بالسند المتصل إلى رسول الله ﷺ فكان منهم: زيد ابن أخيه أحمد، وكعب بن إبراهيم،

стр. 97

وروح بن عبد المؤمن، ومحمد بن المتوكل المعروف برويس، وأبو حاتم السجستاني، وفهد بن الصقر، وحميد بن الوزير، والمنهال بن شاذان، وأبو بشر القطان، ومسلم ابن سفيان المفسر، ومحمد بن وهب الفزاري، وعبد الله بن بحر الساجي، وعبدان ابن يحيى، وداود بن أبي سالم، والوليد بن حسان وغيرهم (١) كما وجد في تأليف الكتب وتدوين العلم فيها وسيلة نافعة لأن الطلبة يحرصون على نسخها وحفظها ونشرها بين الناس وفي ذلك إحياء للعلم وإيقاظ للهمم، فألف كتابه الجامع الذي ذكر فيه اختلاف وجوه القراءات ونسب كل حرف إلى من قرأ به، وكتاب وقف التمام وغير ذلك (٢). وكان يعقوب ﵀ حريصا على تلاوة القرآن بإتقان وإحكام، فعرضه ختمات كثيرة على عدد من العلماء؛ بالتحقيق تارة وبالحدر تارة ليطمئن على سلامة أدائه وحسن تجويده وفي هذا يقول: «قرأت على سلّام الطويل القرآن في سنة ونصف، وقرأت على شهاب بن شرنفة المجاشعي في خمسة أيام» (٣). فقراءته في سنة ونصف تدل على تؤده وأناة وتحقيق، وقراءته في خمسة أيام تؤكد إتقانه وقدرته على القراءة المحققة في الحدر، على حد قول ابن مجاهد حين سئل: من أقرأ الناس، فقال: من حقق في الحدر» (٤). وقد كتب لقراءة يعقوب أن يتداولها الناس ويقرءوا بها مدة طويلة وفي هذا يقول الداني: «وائتم بيعقوب في اختياره عامة البصريين بعد أبي عمرو فهم أو أكثرهم على مذهبه» (٥). وكان يعقوب صاحب جاه ومكانة، حيث عرف له الناس قدره وأكرموه لعلمه وورعه حتى بلغ من جاهه أنه كان يحبس ويطلق (٦). ومن أحسن ما قيل في مدحه شعرا. قول أبي الحسين الأديب (٧):

стр. 98

وما كان كالحضرمي إذا ... تفاخر أهل بلدان أديب قارئ طبّ ... لبيب حبر قرآن غزير العلم لا ساه ... ولا واه ولا وان تقي فاضل برّ ... تقيّ الدين رباني وهي أبيات تصف شيئا مما كان عليه يعقوب من العلم والفضل والزهد والتقوى. - وفاته: توفي يعقوب سنة ٢٠٥ هـ، وله من العمر ثمان وثمانون سنة، ﵀ رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والقرآن خير الجزاء. ١٠ - خلف بن هشام البزار: - اسمه ونسبه: الثقة الكبير الزاهد العابد العالم الإمام خلف بن هشام بن ثعلب ابن خلف، أبو محمد الأسدي البغدادي البزار (١)، أحد القراء العشرة المعروفين، وأحد الرواة عن سليم عن حمزة الزيات. أصله من (فم الصلح) والصلح كورة فوق واسط لها نهر يستمد من دجلة على الجانب الشرقي يسمى (فم الصلح) (٢). - مولده ونشأته العلمية: ولد سنة (١٥٠ هـ) وعرف منذ صغره بالذكاء والنباهة، فقد أتم حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين (٣)، وهي سنّ مبكرة، حفظ القرآن عندها كثير من العلماء المتقنين وهذا يعني أهمية العناية بالصغار ليحفظوا ويتقنوا، لأن أذهانهم أقدر على الحفظ والاستظهار. وبدأ بطلب العلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة (٤)، فبرع وتقدم حتى شهد له سليم ابن عيسى صاحب حمزة بأنه لم يخلف ببغداد من هو أقرأ منه (٥).

стр. 99

وقد أعانه على طلب العلم همة وقادة وقلب سئول، ورغبة قوية في التعلم والتلقي والأخذ عن العلماء، وكان له من الغنى واليسار ما يذلل له الصعوبات التي كثيرا ما تكون عقبة أمام طلبة العلم. وكان سخيا بماله، يبذله على التعلّم وفهم المسائل، حتى ليكاد من يطالع سيرته يرميه بالإسراف، ومما يدل على ذلك قوله: «أشكل عليّ باب من النحو فأنفقت ثمانين ألف درهم حتى حفظته أو قال عرفته» (١) ويدل على ذلك أيضا أنه كان يكلف الوراقين بالكتابة له، بل كان له ورّاق مختص به هو أحمد بن إبراهيم المعروف ب (ورّاق خلف) (٢) وكذا أخوه إسحاق بن إبراهيم الذي روى عن خلف اختياره (٣). ولم يقتصر خلف في طلبه على مدرسة واحدة من مدارس القراء بل أخذ قراءة أهل المدينة عن إسحاق المسيبي عن نافع بن أبي نعيم، وقراءة أهل مكة عن عبيد بن عقيل عن شبل بن عباد عن ابن كثير، وقراءة أهل البصرة عن عبد الوهاب بن عطاء عن أبي عمرو البصري وقراءة عاصم الكوفي عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن عاصم، وأخذ عن سليم عن حمزة (٤)، وقال خلف أيضا: كنت أحضر بين يدي عليّ بن حمزة الكسائي وهو يقرأ على الناس، وينقطون مصاحفهم بقراءته (٥). وقد بلغ من حرصه وشدة تحريه أنه قال: قرأت على سليم بن عيسى القرآن مرارا كثيرة، وكنت أسأله عند الفراغ من القرآن، أأروي عنك بهذه القراءة التي قرأتها عليك عن حمزة؟ فيقول: نعم، قال: وسمعته يقول: قرأت القرآن على حمزة عشر مرات (٦). - قراءته واختياره: كان حرص العلماء على تلقي قراءة خلف والأخذ عنه دليلا على ثقتهم بعلمه وصحة نقله وروايته، بل كان بعضهم يرى أن خلفا أضبط الناس

стр. 100

للقراءة وأقومهم بها، قال مسلمة بن عاصم (صاحب الفرّاء): «كتبت الحروف من غير وجه، ما اعتمدت إلا على ما حدّثني به خلف بن هشام البزار، لأنه يقرأ كيف أخذ وكيف أدّى» (١) ولأنه كان من العلماء بوجوه القراءات واختلاف الروايات فقد «اختار اختيارا حسنا غير خارج عن الأثر» (٢) والمقصود أنه استقل بقراءة يقرأ بها حتى صارت منهجا ومدرسة، بعد أن كان راويا من رواة قراءة حمزة. وفي اختياره خالف حمزة في مائة وعشرين حرفا. قال ابن الجزري: «تتبعت اختياره فلم أره يخرج عن قراءة الكوفيين في حرف واحد بل ولا عن حمزة والكسائي وأبي بكر إلا في حرف واحد وهو قوله تعالى في الأنبياء: (وحرام على قرية) قرأها كحفص والجماعة بألف، وروى عنه أبو العز القلانسي في إرشاده السكت بين السورتين فخالف الكوفيين» (٣). واشتهرت قراءة خلف شهرة فائقة في بعض البلاد، وفي هذا يقول أبو الحسن محمد بن عبد الله النقاش الحربي: فأول من قرأت عليه إسحاق بن إبراهيم المروزي وقرأ على خلف وقرأ على سليم وقرأ على حمزة وكان لا يقرأ ولا يقرئ إلا بهذا الحرف لا يحسن غيره، فخلفه ابنه محمد فقرأت عليه أيضا ... وقرأت بعده على جماعة منهم أبو الحسن علي بن محمد بن نيزك، وأبو الحسن محمد بن إبراهيم، وإبراهيم بن إسحاق المعروف بغلام جلّان، وأبو بكر بن أسد المؤدب باختيار خلف كله. قال: ولم يكن يعرف عندنا بالربض غير اختياره ولا يقرأ إلا به (٤). - شيوخه: أما شيوخه الذين قرأ عليهم فهم كثيرون منهم سليم بن عيسى، وعبد الرحمن بن أبي حماد، ويعقوب بن خليفة الأعشى، وأبو زيد سعيد بن أوس، وروى الحروف عن إسحاق المسيبي، وإسماعيل بن جعفر، وعبد الوهاب بن عطاء،

стр. 101

ويحيى بن آدم، وعبيد بن عقيل، وروى رواية قتيبة عنه، وسمع من الكسائي الحروف، ولم يقرأ عليه القرآن. قال أبو علي الأهوازي في مفردة الكسائي قال الفضل بن شاذان عن خلف: إنه قرأ على الكسائي، والمشهور عند أهل النقل لهذا الشأن أنه لم يقرأ عليه وإنما سأله عنها وسمعه يقرأ القرآن إلى خاتمته وضبط ذلك عنه بقراءته عليهم (١). - تلاميذه: روى عنه القراءة كثيرون عرضا وسماعا، فمنهم: ورّاقة أحمد بن إبراهيم، وأخوه إسحاق بن إبراهيم، وإبراهيم بن علي القصار، وأحمد بن يزيد الحلواني، وإدريس بن عبد الكريم الحداد، وأحمد بن زهير، وسلمة بن عاصم، وأحمد بن البرائي، وعبد الله بن عاصم شيخ الغضائري، وعلي بن الحسين بن سلم ومحمد بن إسحاق شيخ ابن شنبوذ، ومحمد بن الجهم، ومحمد بن مخلد الأنصاري، ومحمد بن عيسى، والفضل بن أحمد الزبيدي، وعلي بن محمد بن نازك، وإبراهيم ابن إسحاق، ومحمد بن إبراهيم، ومحمد بن سعيد الضرير، وأبو بكر بن أسد المؤدب، وعبيد بن عقيل، وعبد الوهاب بن عطاء، وموسى بن عيسى، وأبو الوليد عبد الملك بن القاسم، وعمر بن فائد فيما ذكره الهذلي (٢). وكان رجلا صدوقا صالحا كثير العلم والرواية عن السلف، عالما بوجوه قراءات الأئمة وله كتاب حسن صنفه في القراءات (٣). أنشد أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم (٤): أيها السامع علما من خلف ... نلت من علم الهدى نلت الهدف إنما البزار حبر فاضل ... فضله في الشرق والغرب عرف واستفد من علمه صدقا فما ... أصبح العلم يلقّى لخلف ثم بالقرآن قد قاربه ... غلب الباقي طرا والسلف من عليه قرأ القرآن من ... غامض القرآن حرفا لم يخف زاده الله ثباتا طالما ... في كتاب الله والعلم اختلف

стр. 102

- وفاته: توفي ببغداد سنة ٢٢٩ هـ وهو مختف من الجهمية (١). ﵀ رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والقرآن خير الجزاء. أسانيد القراء العشرة (٢): قرأ نافع على جماعة من التابعين، منهم أبو جعفر يزيد بن القعقاع وأبو داود عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وشيبة بن نصاح، ومسلم بن جندب الهذلي، ويزيد ابن رومان، وقرأ هؤلاء على أبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ . وقرأ ابن كثير على عبد الله بن السائب المخزومي الصحابي، ومجاهد بن جبر، ودرباس مولى ابن عباس، وقرأ عبد الله بن السائب على أبي بن كعب، وأخذ مجاهد ودرباس عن ابن عباس عن أبي بن كعب وزيد بن ثابت عن النبي ﷺ . وقرأ أبو عمرو على مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة بن خالد المخزومي، وعطاء بن أبي رباح وابن كثير وابن محيصن، وحميد بن قيس الأعرج، ويزيد بن القعقاع، ويزيد بن رومان، وشيبة بن نصاح، والحسن البصري، ويحيى بن يعمر. وقرأ سعيد بن جبير على ابن عباس، وقرأ عكرمة على ابن عباس وابن عمر، وقرأ عطاء على أبي هريرة، وقرأ ابن محيصن على مجاهد ودرباس وسعيد بن جبير، وقرأ حميد بن قيس على مجاهد. وقرأ الحسن البصري على حطان بن عبد الله الرقاشي وأبي العالية الرياحي، وقرأ حطان على أبي موسى الأشعري (٣)، وقرأ أبو العالية على أبي بن كعب وزيد بن ثابت وابن عباس، وعمر بن الخطاب (٤). وقرأ يحيى بن يعمر على ابن عمر وابن عباس وأبي الأسود الدؤلي، وقرأ أبو الأسود على عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب (٥).

стр. 103

وقرأ ابن عامر الشامي على أبي الدرداء الصحابي، والمغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وقرأ أبو الدرداء على الرسول ﷺ ، وقرأ المغيرة على عثمان بن عفان. وقرأ عاصم الكوفي على أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش، وقرأ أبو عبد الرحمن على عثمان وعليّ وأبيّ وزيد بن ثابت وابن مسعود، وقرأ زرّ على عثمان وابن مسعود. وقرأ حمزة الزيات على سليمان بن مهران الأعمش وابن أبي ليلى وحمران بن أعين، وأبي إسحاق السبيعي، ومنصور بن المعتمر، ومغيرة بن مقسم، وجعفر الصادق وغيرهم. وقرأ الأعمش على إبراهيم النخعي وزر بن حبيش وعاصم وغيرهم، وقرأ النخعي على الأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس (١)، وقرآ على ابن مسعود. وقرأ ابن أبي ليلى على الأعمش وغيره، وقرأ حمران على عبيد بن نضلة ويحيى ابن وثاب، وقرأ عبيد على ابن مسعود، وقرأ يحيى بن وثاب على عبيد (٢). وقرأ أبو إسحاق السبيعي على علقمة والأسود وزر بن حبيش. وقرأ منصور بن المعتمر على الأعمش، وقرأ المغيرة بن مقسم على عاصم، وقرأ جعفر الصادق على أبيه محمد الباقر عن زين العابدين عن الحسين عن علي عن النبي ﷺ (٣). وقرأ الكسائي على حمزة الزيات وعيسى بن عمر الهمداني، وابن أبي ليلى وغيرهم. وقرأ عيسى بن عمر على عاصم والأعمش (٤) وغيرهما. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وعلى ابن عباس وأبي هريرة، وقرأ هؤلاء الثلاثة على أبي بن كعب، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة أيضا على زيد بن ثابت.

стр. 104

وقرأ يعقوب البصري على أبي المنذر سلام بن سليمان الطويل، وشهاب بن شرنفة، ومهدي بن ميمون، وأبي الأشهب جعفر بن حيان العطاردي، وأبي عمرو البصري، وقرأ أبو المنذر على عاصم وأبي عمرو وتقدم سندهما، وقرأ شهاب على هارون بن موسى الأعور، وقرأ هارون على أبي عمرو، وعلى عاصم الجحدري، وقرأ عاصم الجحدري على الحسن البصري، وسليمان بن قتة، وقرأ سليمان على ابن عباس. وقرأ مهدي على شعيب بن الحبحاب، وقرأ شعيب على أبي العالية الرياحي، وقرأ أبو العالية على أبي وزيد. وقرأ أبو الأشهب على أبي رجاء عمران بن ملحان العطاردي، وقرأ أبو رجاء على ابن عباس وأبي موسى الأشعري. وقرأ خلف البزار على سليم بن عيسى، ويعقوب بن خليفة الأعشى وأبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري، وروى القراءة أيضا عن الكسائي وعن يحيى بن آدم عن شعبة. وقرأ سليم على حمزة، وتقدم سنده. وقرأ الأعشى على شعبة (١)، وقرأ شعبة على عاصم وقرأ أبو زيد على المفضّل عن عاصم، وقرأ أيضا على أبي عمرو.

стр. 105

المبحث الثاني الرواة عن القراء العشرة كانت خطة ابن مجاهد التميمي حين اختار القراء السبعة ليدوّن أصول وفرش قراءاتهم أن يختار اثنين فقط من تلامذة ورواة كل قارئ- وليس بالضرورة أن يكون هذان ممن أخذوا مباشرة عن القارئ- كما سيأتي بيانه. وهذا الاختيار كان محاولة لحصر وجوه الخلاف بين القراءات عامة، تسهيلا على طلبة العلم، وبيانا لما بين المرويات عن القارئ الواحد من اختلاف. وقد تتابع المؤلفون بعد ابن مجاهد على هذا المنهج بالنسبة للسبعة، فلما أضيفت قراءات الثلاثة المتممين للعشرة، روعي أيضا منهج ابن مجاهد في إثبات الخلاف بين اثنين من رواة كل واحد من القراء الثلاثة. ١ - راويا نافع :* قالون: واسمه عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى الزرقي (أبو موسى) مولى بني زهرة ومعلم العربية وقارئ المدينة ونحويّها، لقبه نافع (قالون) لجودة قراءته لأن معناها بلغة الروم (جيد) قرأ على نافع سنة (١٥٠ هـ)، وختم عليه ختمات عديدة، قال النقاش: قيل لقالون: كم قرأت على نافع؟ قال: ما لا أحصيه كثرة إلا أني جالسته بعد الفراغ عشرين سنة. - شيوخه: كما أخذ على آخرين منهم عيسى بن وردان أحد رواة أبي جعفر. - تلاميذه: منهم: ابناه إبراهيم وأحمد، وإبراهيم بن الحسين الكسائي، وإبراهيم بن محمد المدني، وأحمد بن صالح المصري، وأحمد بن يزيد الحلواني وغيرهم. وكان قالون أصم شديد الصمم، وكان يقرأ عليه القرآن فينظر إلى شفتي القارئ ويرد عليه اللحن والخطأ. - وفاته: توفي سنة (٢٢٠ هـ) بالمدينة المنورة (١).

стр. 106

* ورش: اسمه عثمان بن سعيد بن عبد الله، أبو سعيد المصري، لقبه نافع (ورشا) لبياضه، والورش شيء أبيض يصنع من اللبن، وقيل غير ذلك، وغلب عليه هذا اللقب حتى صار لا يعرف إلا به. هو شيخ القراء والمحققين بمصر في زمانه، ولد بمصر سنة (١١٠ هـ) ورحل إلى نافع بالمدينة فعرض عليه القرآن عدة ختمات وذلك سنة (١٥٥ هـ). - تلاميذه: عرض عليه القرآن كثيرون، منهم: أحمد بن صالح، وداود بن أبي طيبة، وأبو الربيع داود بن سليمان المهري، وأبو الأشعث عامر بن سعيد الجرشي، وعبد الصمد بن عبد الرحمن، وأبو يعقوب الأزرق وغيرهم. كان ثقة حجة في القراءة، حسن الصوت، إذا قرأ يهمز ويمدّ ويشدد ويبين الإعراب، لا يملّه سامعه. - وفاته: توفي ورش ﵀ بمصر سنة (١٩٧ هـ) (١). ٢ - راويا ابن كثير المكي :* البزي: أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة، مقرئ مكة ومؤذن المسجد الحرام ولد سنة (١٧٠ هـ). - شيوخه: قرأ على أبيه، وعبد الله بن زياد وعكرمة بن سليمان ووهب بن واضح. - تلاميذه: قرأ عليه إسحاق بن محمد الخزاعي، والحسن بن الحباب، وأحمد ابن فرح، وأبو ربيعة محمد بن إسحاق، ومحمد بن هارون، وموسى بن هارون، ومضر بن محمد الضبي وأبو علي الحداد، وغيرهم. والبزي هو الذي روى حديث التكبير مرفوعا من آخر الضحى. قال البزي: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على إسماعيل بن عبد الله ابن قسطنطين، فلما بلغت والضحى قال: كبّر عند خاتمة كل سورة، فإني قرأت على عبد الله بن كثير فلما بلغت والضحى قال: كبّر حتى تختم، وأخبره ابن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك، وأخبره ابن عباس

стр. 107

أن أبي بن كعب أمره بذلك، وأخبره أبي أن النبي ﷺ أمره بذلك، قال الحاكم: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجه البخاري ولا مسلم (١). - وفاته: توفي البزي سنة (٢٠٥ هـ) بمكة وله ثمانون سنة (٢) ﵀* قنبل: هو محمد بن عبد الرحمن بن خالد المخزومي مولاهم، أبو عمر المكي، شيخ القراء بالحجاز في زمانه، لقبه (قنبل) لأنه من أهل بيت بمكة يعرفون بالقنابلة، ولد سنة (١٩٥ هـ). - شيوخه: أخذ القراءة عرضا عن أحمد بن محمد بن عون النبال، وروى عن البزي. - تلاميذه: منهم: أبو ربيعة محمد بن إسحاق، ومحمد بن عبد العزيز بن عبد الله ابن الصباح، وإسحاق بن أحمد الخزاعي، ومحمد بن حمدون، والعباس بن الفضل، وأحمد بن محمد بن هارون، وأحمد بن موسى بن مجاهد، ومحمد بن أحمد بن شنبوذ ... وغيرهم. انتهت إليه رئاسة الإقراء بالحجاز، ورحل الناس إليه من الأقطار. توقف عن الإقراء قبل وفاته بسبع سنين، حيث طعن في السنّ وشاخ. - وفاته: توفي سنة إحدى وتسعين ومائة بمكة ﵀ عن ست وتسعين سنة (٣). ٣ - راويا أبي عمرو البصري :* الدوري: حفص بن عمر بن عبد العزيز، أبو عمر الدوري النحوي، والدوري نسبة إلى الدور، موضع ببغداد، إمام القراءة وشيخ الناس في زمانه، ثقة ثبت كبير ضابط ... رحل في طلب القراءات وقرأ بسائر الحروف السبعة وبالشواذ وسمع من ذلك شيئا كثيرا.

стр. 108

- شيوخه: قرأ على إسماعيل بن جعفر عن نافع، وعلى أخيه يعقوب بن جعفر عن ابن جماز عن أبي جعفر، وسليم عن حمزة، ومحمد بن سعدان عن حمزة، وعلى الكسائي لنفسه ولأبي بكر عن عاصم، وحمزة بن القاسم عن أصحابه، ويحيى اليزيدي وشجاع بن أبي نصر البلخي. - تلاميذه: قرأ عليه وروى القراءة عنه أحمد بن حرب شيخ المطوعي، وأحمد ابن فرج بالجيم، وأحمد ابن فرح (بالحاء) أبو جعفر المفسر المشهور، وأحمد بن يزيد الحلواني، وأحمد بن مسعود السراج، وإسحاق بن إبراهيم العسكري، وإسماعيل بن أحمد، وإسماعيل بن يونس بن ياسين، وعبد الرحمن بن عبدوس، ومحمد بن حمدون القطيعي، قال أبو داود: ورأيت أحمد بن حنبل يكتب عن أبي عمر الدوري، وقال أحمد بن فرح المفسر: سألت الدوري: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق. - وفاته: توفي سنة (٢٤٠ هـ) (١) ﵀. * السوسي: صالح بن زياد بن عبد الله الرستبي، أبو شعيب السوسي الرّقّي. مقرئ ضابط محرر ثقة. - شيوخه: أخذ القراءة عرضا وسماعا عن يحيى اليزيدي، وهو من أجلّ أصحابه. - تلاميذه: روى القراءة عنه ابنه محمد (أبو المعصوم)، وموسى بن جرير النحوي، وأبو الحارث محمد بن أحمد الطرسوسي الرقي وأحمد بن محمد الرافقي، وأحمد بن حفص المصيصي، ومحمد بن سعيد الحراني، وعلي بن محمد السعدي، وأحمد بن يحيى الشمشاطي، ومحمود بن محمد الأديب الأنطاكي، وموسى بن جمهور، وأحمد بن شعيب النسائي الحافظ، وجعفر بن سليمان المشحلائي وغيرهم. - وفاته: توفي في أول سنة (٢٦١ هـ) وقد قارب السبعين.

стр. 109

روى الدوري والسوسي عن يحيى بن المبارك اليزيدي عن أبي عمرو البصري (١). ٤ - راويا ابن عامر الشامي: * هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة، أبو الوليد السلمي، الدمشقي، إمام أهل دمشق وخطيبهم، ومقرئهم ومفتيهم ومحدّثهم. - شيوخه: أخذ القراءة عرضا عن أيوب بن تميم وعراك بن خالد وسويد بن عبد العزيز والوليد بن مسلم، وصدقة بن خالد، ومدرك بن أبي سعد، وعمر بن عبد الواحد وروى الحروف عن عتبة بن حماد ومعلّى بن دحية عن نافع وروى عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة والدراوردي ومسلم بن خالد الزنجي وغيرهم. - تلاميذه: روى القراءة عنه أبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد بن يزيد الحلواني، وأحمد بن أنس، وإبراهيم بن دحيم، وإسحاق بن أبي حسان، وإسماعيل بن الحويرس، وموسى بن جمهور، والعباس بن الفضل، وأبو زرعة عبد الرحمن بن عمر وهارون بن موسى الأخفش وغيرهم. وروى عنه الوليد بن مسلم ومحمد بن شعيب وهما من شيوخه والبخاري في صحيحه، وأبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم، ووثقه يحيى بن معين والنسائي والدارقطني. - فضائله: كان فصيحا علامة واسع الرواية، خطيبا مفوها، رزق كبر السن وصحة العقل والرأي، ارتحل الناس إليه في القراءات والحديث. - وفاته: توفي سنة (٢٤٥ هـ) بدمشق (٢)، ﵀. * ابن ذكوان: عبد الله بن أحمد بن بشر بن ذكوان، أبو عمرو القرشي الفهري الدمشقي، الإمام الأستاذ الشهير، الراوي الثقة شيخ الإقراء بالشام وإمام جامع دمشق.

стр. 110

- شيوخه: أخذ القراءة عرضا عن أيوب بن تميم، وهو الذي خلفه في القيام بالقراءة بدمشق، وقرأ على الكسائي حين قدم الشام، وروى الحروف عن إسحاق المسيبي عن نافع. - تلاميذه: روى القراءة عنه ابنه أحمد، وأحمد بن أنس وأحمد بن المعلى، وأحمد بن يوسف التغلبي، وأبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، وهارون بن موسى الأخفش وغيرهم. - مؤلفاته: كتاب أقسام القرآن وجوابها، ما يجب على قارئ القرآن عند حركة لسانه. - فضله وأقوال العلماء فيه: قال أبو زرعة الدمشقي: لم يكن بالعراق ولا بالحجاز ولا بالشام ولا بمصر ولا بخراسان في زمان ابن ذكوان أقرأ عندي منه. قال ابن ذكوان: أقمت على الكسائي سبعة أشهر، وقرأت عليه القرآن غير مرة. - وفاته: توفي ﵀ سنة (٢٤٢ هـ) بدمشق (١). ٥ - راويا عاصم الكوفي: * شعبة: أبو بكر بن عياش بن سالم الكوفي الأسدي الحنّاط. - شيوخه: عرض القرآن على عاصم ثلاث مرات، وعلى عطاء بن السائب، وأسلم المنقري. - تلاميذه: عرض عليه يعقوب بن خليفة الأعشى وعبد الرحمن بن أبي حماد، وعروة بن محمد الأسدي، ويحيى بن محمد العليمي، وسهل بن شعيب، وروى عنه الحروف سماعا إسحاق بن عيسى، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأحمد بن جبير والكسائي، وأبو عمر الدوري وغيرهم. - عمّر طويلا، ولكنه قطع الإقراء قبل موته بسبع سنين، وكان إماما كبيرا عالما عاملا، وكان من أئمة السنة.
следующие страницы →