التشريع والقصص والمواعظ والحجاج والوعد والوعيد، وتلك حقيقة شاقّة بل لقد ظلّت مستحيلة على الزمن لدى جميع من عرفنا وسمعنا بهم من فحول علماء العربية والبيان.
وبيان ذلك، أن المعنى الذي يراد عرضه، كلما كان أكثر عموما وأغنى أمثلة وخصائص، كان التعبير عنه أيسر وكانت الألفاظ إليه أسرع، وكلما ضاق المعنى وتحدد ودقّ وتعمق، كان التعبير عنه أشق وكانت الألفاظ من حوله أقل.
ولذا كان أكثر الميادين الفكرية التي يتسابق فيها أرباب الفصاحة والبيان هي ميادين الفخر والحماسة والموعظة والمدح والهجاء، وكان أقل هذه الميادين اهتماما منهم وحركة بهم ميادين الفلسفة والتشريع ومختلف العلوم، وذلك هو السر في أنك قلّما تجد الشعر يقتحم شيئا من هذه الميادين الخالية الأخرى.
ومهما رأيت بليغا كامل البلاغة والبيان، فإنه لا يمكن أن يتصرف بين مختلف الموضوعات والمعاني على مستوى واحد من البيان الرفيع الذي يملكه، بل يختلف كلامه حسب اختلاف الموضوعات التي يطرقها، فربما جاء بالغاية من البراعة في معنى من المعاني، فإذا انصرف إلى غيره انخذل عن تلك الغاية ووقف دونها.
غير أنك لا تجد هذا التفاوت في كتاب الله تعالى، فأنت تقرأ آيات منه في الوصف، ثم تنتقل إلى آيات أخرى في القصة، وتقرأ بعد ذلك مقطعا في التشريع وأحكام الحلال والحرام، فلا تجد الصياغة خلال ذلك إلا في أوج رفيع عجيب من الإشراق والبيان. وتنظر فتجد المعاني كلها لاحقة بها شامخة إليها.
ودونك فاقرأ ما شئت من هذا الكتاب المبين متنقلا بين مختلف معانيه وموضوعاته لتتأكد من صدق ما أقول ولتلمس برهانه عن تجربة ونظر.
الخاصّة الثالثة (صلاحية صياغته لمخاطبة الناس عامة على اختلاف ثقافاتهم وعصورهم):
وثمة خاصّة ثالثة، لا تستطيع أن تجدها في غير هذا الكتاب العزيز.
وهي أن معانيه مصوغة بحيث يصلح أن يخاطب بها الناس كلهم على
стр. 107
اختلاف مداركهم وثقافتهم وعلى تباعد أزمنتهم وبلدانهم، ومع تطور علومهم واكتشافاتهم.
خذ آية من كتاب الله مما يتعلق بمعنى تتفاوت في مدى فهمه العقول، ثم اقرأها على مسامع خليط من الناس متفاوت في المدارك والثقافة، فستجد أن الآية تعطي كلّا منهم من معناها بقدر ما يفهم، وأن كلّا منهم يستفيد منها معنى وراء الذي انتهى عنده علمه.
ولسنا نقصد أن الآية تحتمل بذلك وجهين متناقضين أو فهمين متعارضين، بل هو معنى واحد على كل حال، ولكن له سطحا وعمقا وجذورا يتضمنها جميعا أسلوب الآية. فالعاميّ من الناس يفهم منه السطح القريب، والمثقف منهم يفهم مدى معينا من عمقه أيضا والباحث المتخصص يفهم منها جذور المعنى كله.
وخذ إن شئت آية أخرى من كتاب الله مما يتعلق بمعنى يتطور مع امتداد الزمن، ثم اعرضها على مسامع الصدر الأول من المسلمين، فإنهم يفهمون منها المعنى المراد كما هو
في طورهم وعصرهم، ثم اعرضها على مسامع من بعدهم فإنهم يفهمون معناها كما تطور في زمنهم، على أن كلا الفهمين من المدلولات القريبة للآية، وليس من قبيل التكلّف أو تحميل اللفظ ما لا يحمل، ولكن الفهم الثاني كان مطويا عن السابقين لعدم وجود ما ينبههم إليه إذ ذاك.
وفي القرآن الكثير من هذا وذاك، فلنعرض أمثلة منه:
من القبيل الأول قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً، فهذه الآية تصف كلّا من الشمس والقمر بمعنيين لهما سطح قريب يفهمه الناس كلهم، ولهما عمق يصل إليه المتأملون والعلماء، ولهما جذور بعيدة يفهمها الباحثون المتخصصون والآية تحمل بصياغتها هذه الدرجات الثلاث للمعنى، فتعطي كلّا حسب طاقته وفهمه دون أن يكون أيّ تعارض بينهما.
فالعاميّ من العرب يفهم منها أن كلّا من الشمس والقمر يبعثان بالضياء
стр. 108
إلى الأرض، وإنما غاير في التعبير بالنسبة لكلّ منهما، تنويعا للفظ. وهو معنى صحيح تدل عليه الآية. والمتأمل من علماء العربية يدرك من وراء ذلك أن الآية تدلّ على أن الشمس تجمع إلى النور الحرارة فلذلك سمّاها سراجا، والقمر يبعث بضياء لا حرارة فيه؛ وهو أيضا معنى صحيح تدل عليه الآية دلالة لغوية واضحة. أما الباحث المتخصص في شئون الفلك فيفهم من الآية إثبات أن القمر جرم مظلم وإنما يضيء بما ينعكس عليه من ضياء الشمس التي شبّهها بالسراج بالنسبة له؛ وهو أيضا معنى صحيح تدل الآية عليه بلغتها وصياغتها، فأنت تقول: غرفة منيرة إذا انعكس عليها الضوء من سراج في وسطها، ولا تقول قبس منير، إذ ينبعث النور من حقيقته وداخله، بل تقول قبس مضيء.
فالآية تتضمن هذه الدلالات الثلاث جملة واحدة، ولكنها- بأسلوبها العجيب- لا تخاطب الناس إلا بما يدركونه منها، كلّا حسب استعداده وطاقته الفكرية، وبذلك تكون الآية خطابا مفيدا لأضراب الناس كلهم.
ومن هذا القبيل أيضا قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها، يقرأ هذه الآية العربي الذي لا يعلم عن الأرض وهيئتها إلا الشكل الذي يراه وهو الامتداد والانبساط، فيفهم من قوله «دحاها» معنى الانبساط والامتداد، وهو فهم صحيح تدل عليه الكلمة بمعناها اللغوي القريب. ثم يقرؤها عالم الفلك أو المثقف العادي في هذا العصر، فيفهم من قوله: دَحاها معنى الاستدارة والتكوير، وهو أيضا فهم صحيح للكلمة، إذ هي تحمل في آن واحد كلّا من معنى الاستدارة والانبساط، وهو أدق ما توصف به الأرض. ولقد استعملت هذه الكلمة بكلا معنييها في هذه الأبيات لابن الرومي:
إن أنس لم أنس خبازا مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يلقى فيه بالحجر (١)
стр. 109
ومن القبيل الثاني قوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ لقد كان يقرأ هذه الآية أسلافنا، فلا يعنيهم من فهمها إلا قوله: والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، إذ كان ذلك القدر هو المنطبق على واقع حياتهم فيما تقصد إليه الآية من الحديث عن وسائل ركوب الإنسان وما في ذلك من نعمة الله عليه. فإذا قرءوا الجملة التي تليها وهي: ويخلق ما لا تعلمون، تاهوا بين تآويل وتفسيرات مختلفة. ويقرؤها إنسان هذا العصر فلا يشك في أن المراد بها هذه الوسائل الحديثة الأخرى التي أضيفت إلى الوسائل السابقة.
وهكذا تجد الآية خطابا لأهل العصور المتتالية كلها، وليست خاصّة بقوم دون قوم أو جيل دون جيل آخر.
فإذا تأملت في هذه الخاصّة بعد تينك السابقتين، رأيت نفسك أمام الدليل القاطع على أن هذا الكتاب إنما هو كلام ربّ العالمين إلى الناس كلهم.
وهيهات أن يقوى الطوق البشري على صياغة كلام يكون على قدر أفهام الناس المتفاوتة وعلومهم المختلفة، بحيث يشعر كل فريق أن الكلام إنما هو على قدر حاجته وفهمه.
الخاصّة الرابعة (ظاهرة التكرار للألفاظ والمعاني):
وقد كانت هذه الخاصة ولا تزال مجال بحث ودرس، وما أكثر ما ظنها بعض المستشرقين الأعاجم ثلمة يمكن التركيز عليها في نقد القرآن وإلحاق النقيصة به.
وفي القرآن من هذه الظاهرة نوعان: أما أحدهما فتكرار بعض الألفاظ أو الجمل وأما الثاني فتكرار بعض المعاني كالأقاصيص والأخبار.
فالنوع الأول منه:
يأتي على وجه التأكيد، ثم هو ينطوي بعد ذلك على نكت بلاغية أخرى كالتهويل، والإنذار، والتجسيم، والتصوير. وللتكرار أثر
стр. 110
بالغ في تحقيق هذه الوجوه البلاغية في الكلام. غير أنه لا ينبغي أن يذهب بك الوهم إلى أن أيّ تكرار للكلمة أو الجملة يفي بهذا الغرض، وأنها وسيلة قريبة المنال لكل قادر على الكلام. فالتكرار الذي من شأنه أن يرفع بقيمة الكلام إلى الفصاحة والسمو في التعبير، له قيود وحالات معينة لا ينبغي أن يتجاوزها، وليس أي تكرير في الكلام يبعث فيه التهويل أو التجسيم؛ ولو ذهبنا نشرح الصور المحمودة لتكرار الكلام وقيود ذلك- ولو شرحا يسيرا- لطال بنا البحث وخرجنا عمّا نحن بصدده، فارجع إليه إن شئت في مظانه وأماكنه (١).
وإذا سألت عن وجه العلاقة بين التكرار وهذه الصور البلاغية، فإن خير جواب على ذلك أن أضع فكرك وذوقك العربي أمام نماذج لهذا النوع من التكرار في هذا الكتاب المبين.
فمن ذلك قوله تعالى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ومنه قوله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ومنه قوله تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ومن ذلك تكرار كلمة أُولئِكَ في قوله ﷻ : أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ وتكرار ما أَنْتَ في قوله: وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ.
وكلّ ما في القرآن من تكرار الكلمة أو الجملة من هذا القبيل وعلى مثل هذا الإشراق، وما أحسبك سائلي بعد ذلك عن وجه الجمال أو التهويل أو التصوير في هذا التكرار إن كنت على شيء من السليقة العربية وذوقها.
وأما النوع الثاني منه:
وهو تكرار المعنى، كتكرار بعض القصص والأخبار، فهو أيضا ظاهرة بارزة في كتاب الله تعالى؛ ومردّ ذلك إلى غرضين هامين: الغرض الأول إنهاء حقائق الدين ومعاني الوعد والوعيد إلى النفوس بالطريقة التي تألفها وهي تكرار هذه الحقائق في صور وأشكال مختلفة من التعبير
стр. 111
والأسلوب. وفي بيان هذه الحكمة يقول الله : وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (طه: ١١٣). قال الزركشي:
وحقيقته- أي وحقيقة التصريف- إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى، خشية تناسي الأول لطول العهد به (١).
وهي من الطرائق التربوية التي سلكها هذا الكتاب المبين، ولنا إلى الحديث عنها عودة- إن شاء الله- عند الحديث عن خصائصه التربوية.
أما الغرض الثاني فهو إخراج المعنى الواحد في قوالب مختلفة من الألفاظ والعبارة، وبأساليب مختلفة تفصيلا وإجمالا، وتصريف الكلام في ذلك، حتى يتجلى إعجازه ويستبين قصور الطاقة البشرية عن تقليده أو اللحاق بشأوه.
وأنت تعلم أن هذا الكتاب إنما تنزّل لتحقيق أمرين: أولهما إقناع العقلاء من الناس بأنه ليس كلام بشر، ثانيهما إلزامهم بالشريعة التي فيها. فلا بدّ فيه من الوسائل التي تفي بتحقيق السبيل إلى كلا الأمرين.
ومن هنا، كان من المحال أن تعثر في القرآن كله على معنى يتكرر في أسلوب واحد من اللفظ ويدور ضمن قالب واحد من التعبير، بل لا بدّ أن تجده في كل مرة يلبس ثوبا جديدا من الأسلوب وطريقة التصوير والعرض، بل لا بدّ أن تجد التركيز في كل مرة منها على جانب معين من جوانب المعنى أو القصة.
ولنضرب لك مثالا على هذا الذي نقول: اقرأ قصة نوح في سورة هود، وهي ما بين قوله تعالى: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنّي لكم نذير مبين- وقوله ﷻ : تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ... الآية، وهي في جملتها اثنتان وعشرون آية، ثم ارجع فاقرأ القصة نفسها في سورة القمر من الآية ٩ إلى الآية ١٥ ثم اقرأها في سورة نوح، ثم تأمل في النصوص الثلاثة وقارن بين أسلوب كلّ منها وطريقته في العرض والتصوير والجانب المعنوي الذي يرتكز عليه التعبير في كلّ منها، فإنك إن تأملت في ذلك جيدا تخيلت أنك إنما تقرأ في
стр. 112
كل مرة خبرا جديدا يشوقك أمره وتفجئك أحداثه، وشعرت أن النفس بحاجة إلى أن يعرض عليها هذا الخبر من كلا الجانبين وبكلا الأسلوبين.
على أن هذا الغرض يعود إلى يعود إلى ما ذكرناه من كون القرآن خطابا للناس كلهم، ذلك أن في الناس من لا يكفيه الموجز من القول والخلاصة في الحديث، حتى ينصت إلى الأمر مفصلا مطنبا، وفي الناس من تكفيه الخلاصة ويقنعه الإيجاز، فاقتضى الأمر أن تتصرف المعاني القرآنية في طرائق مختلفة من التعبير والبيان. وقد اهتم الجاحظ بهذه الحكمة في التكرار القرآني أكثر من غيرها (١).
الخاصّة الخامسة (تداخل بحوثه وموضوعاته):
فأنت لا تجد فيه ما تجده في عامّة المؤلفات والكتب الأخرى من التنسيق والتبويب حسب الموضوعات، وتصنيف البحوث مستقلة عن بعضها. وإنما تجد عامّة موضوعاته وأبحاثه لاحقة ببعضها دونما فاصل بينها، وقد تجدها متمازجة متداخلة في بعضها في كثير من السور والآيات.
وقد حسب بعض محترفي الغزو الفكري أن هذه الخاصّة القرآنية ثلمة يمكن الدخول منها إلى اصطناع نقد أو محاولة تهديم أو بثّ تشكيك، فأخذوا يتساءلون عن موجب هذا التداخل والتمازج في معاني القرآن، ثم راحوا يجيبون عن تساؤلهم هذا بأنها البدائية والبساطة في منهج البحث ... وفيه إلماح- كما ترى- إلى أنه لا يعدو كونه مجموعة أفكار منتثرة أنتجها فكر إنسان! ...
والحقيقة، أن هذه الخاصّة في القرآن، إنما هي مظهر من مظاهر تفرده واستقلاله عن كل ما هو مألوف ومعروف من طرائق البحث والتأليف ...
وواضح لكل ذي عينين أن هذا الكتاب- وهو كتاب عربي مبين- نسق غير معهود في منهجه وأسلوبه وتعبيره؛ ويدلّك على ذلك كل هذه الخصائص الذي ذكرناها وشرحنا طرفا منها.
стр. 113
هذا شيء ...
وشيء آخر، هو أن من الخطأ في أصل النقد والبحث أن نحاكم القرآن في منهجه وأسلوبه، إلى ما تواضع عليه الناس اليوم، أو قبل هذا اليوم، أو إلى ما سيتواضعون عليه مع تطور الزمن- من طرائق البحث والتأليف وتنسيق المعايير.
فهذا الذي يتوافق عليه الكاتبون من تقسيم كتبهم إلى أبواب وفصول، ثم تضمين كل فصل منها لجملة معينة من الأبحاث والمعاني، ليس مردّه إلى أمر إلزامي أو مثل أعلى يفرض عليهم ذلك، وإنما الأمر فيه تابع للأغراض المتعلقة به، وهو في جملته عرف يعتادونه وطور يمرون عليه ويجتازونه بعد حين إلى غيره.
فما هي الحقيقة الثابتة التي تلزم كتاب الله تعالى بأن يسير في منهجه على طور من أطوار هؤلاء العباد وأن يتبع تنسيقهم الذي يضعون، أو أن تصنّف أبحاثه ومعانيه حسب المنهج الذي يشاءون؟!. هذا إلى أن المناهج- كما قلنا- تتناسخ والأساليب تتطور.
على أن الخاصّة تابع لحكمة عليا يدور معها المعنى القرآني كله، ذلك أن جملة ما في القرآن من مختلف المواضيع والمعاني الجزئية، إنما يدور جميعه على معنى كلّي واحد، هو دعوة الناس إلى أن يكونوا عبيد الله بالفكر والاختيار كما خلقهم عبيدا له بالجبر والاضطرار، وأن يدركوا أن أمامهم حياة ثانية بعد حياتهم هذه، وأن يستيقنوا ضالة هذه الحياة بالنسبة لتلك، في كلّ من خيرها وشرّها وسعادتها وشقائها.
فالقرآن شأنه أن يبثّ هذا المعنى الكلي الخطير من خلال جميع ما يعرضه من الأبحاث والموضوعات المختلفة من تشريع ووعد ووعيد وقصة وأمثلة ووصف؛ وإنما يتحقق ذلك بهذا النسق الذي جرى عليه من التداخل والتمازج في المعاني.
فهو حينما يبدأ بعرض قصة، لا يدعك تنسى- ولو في مرحلة من مراحلها- ذلك المعنى الكلّي الذي ذكرناه، فهو يمزجها بما ليس منها من تهديد أو وعد ووعيد أو نصيحة ووعظ، تحقيقا للغرض الذي من أجله تساق القصة،
стр. 114
وحفظا للفكر أن يتشتت مع أجوائها وأحداثها فينسى مساقها الأصلي.
وهو حينما يشرح لك أحكاما في العبادات أو المعاملات أو غيرها، يسلك بك أيضا المنهج ذاته، فهو يحاذر أن تستغرق في التأمل بهذه الأحكام من حيث هي علم أو فن برأسه، كما قد يحصل مع من ينكبّ على دراسة هذه الأحكام في الكتب العلمية الخاصّة بها، فيوصلها بآيات ليست منها، فيها وعد أو وعيد أو حديث عن الآخرة أو دليل على وجود الله وعظمته، ليتنبّه الفكر، ويظلل مستيقظا للحقيقة الكلية الكبرى التي تطوف بها جميع المعاني الأبحاث.
ولو أن القرآن اتبع في عرض معانيه، هذا الذي يسلكه الناس في تآليفهم وبحوثهم، فأفرد فصولا خاصة لعرض الأحكام والتشريع، ثم ميّز فصلا آخر للقصص، وجاء بفصل ثالث في وصف المغيبات كالجنة والنار، وهكذا ... -
نقول: لو درج القرآن على ذلك لفات تحقيق هذا الغرض الذي ذكرناه، ولما أمكن أن تكون هذه الفصول المتناثرة انعكاسا لمعنى كلي واحد تشترك كلها في بثّه والتوجيه إليه. ولئن أمكن أن يتذكر القارئ ذلك في تمهيد أو فصل من الفصول، فلسرعان ما ينساه عند ما يستغرق في قراءة أو دراسة الفصول الأخرى.
وإن هذا الذي نقول، ليس من الحقائق المستعصية أو الخافية على من يصدق التأمل والنظر في كتاب الله تعالى، ولكن في الناس من يقود عقله وراء غرض ما ... فيمضي يصطنع مشكلة، وهو بعقله الحرّ يعلم أنها ليست بمشكلة، ولكن الغرض الذي يسعى إليه لا يدعه يحرّر عقله من الأسر فيمضي متوكلا على الشيطان ليزعم أن الأبيض أسود، والموجود معدوم والشمس مظلمة.
هؤلاء الناس هم محترفو الغزو الفكري من المبشرين والمستشرقين أولا، ثم هم أذنابهم وذيولهم الذين ينعقون بما لا يفقهون ثانيا.
وبعد، فهذه جملة خصائص الأسلوب القرآني، عرضناها عرضا سريعا، ابتغاء تصورها في إطار عام شامل. ولنا عود- إن شاء الله- بالتفصيل إلى كثير مما قد أجملناه
خلال البحوث التالية.
стр. 115
إعجاز القرآن تعريفه، وجوهه، دليله، مظاهره
تمهيد لا بدّ منه:
الحديث عن إعجاز القرآن من أهم البحوث المتعلقة بالقرآن وآدابه وعلومه، وهو لبّها وجوهرها وأساسها وعمدتها.
ومع ذلك، فإنني أعلم أن كثيرا ممّن سيقرأ ما أكتبه في هذا البحث، لا يملكون إلا أن يحفظوا ما أقوله بعقولهم، دون أن يتذوقوه بقلوبهم، ويستيقنوه بأفكارهم.
والسبب أنهم عاشوا غرباء عن القرآن، لم تتهيأ لهم أسباب قراءته ولم يتوفروا على شيء من دراسته؛ إن في هؤلاء- ويا للأسف- من لم يسمع بالقرآن إلا في أحاديث الناس وما تقوله الكتب، ومن لم ينصت إلى شيء من آياته إلا في أمسيات التعازي أو عند افتتاح حفل أو لدى مصادفة عند فتح إذاعة.
وإنما يفقه الحديث عن إعجاز القرآن ويتذوقه، من درس القرآن قبل ذلك، فأتقن قراءته، تماما كما كان يتقنها أطفال «الكتّاب» في بلادنا قبل اليوم.
فهو الذي يكون قد تصور حقيقة القرآن، وتهيأ لفهم الحديث عن إعجازه.
أما من لم يتوفر على تصوره إلا في أصوات «المقرئين» وفي أمسيات التعازي، ومن إذا أراد أن يقرأ بضع آيات منه تلعثم وترطّن وثقلت كلماتها العربية على لسانه، فهيهات أن يفقه شيئا عن إعجاز القرآن ومظاهره ودلائله، إلا أن يحفظ ذلك حفظا ويبصمه بصما. ذلك لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فمن لم يتصور الشيء على حقيقته عجز عن إسناد أي حكم إليه.
стр. 116
ولقد قامت «ويا للأسف» حواجز كادت أن تصبح حصينة بين كثير من أفراد نشئنا المثقف وهذا الكتاب العظيم. ولم يعد سرّا خافيا أن هذا الحاجز إنما تكثف واستقرّ وتطاول، بفعل التخطيط الذي كانت ولا تزال تقوم به دوائر أجنبية، قصدا إلى إضعاف اللغة العربية في ألسنة أصحابها العرب وصدورهم، تحت شعارات وأهداف مزوّقة خادعة، كالدعوة إلى تبسيط قواعد العربية تارة، وترويج فكرة الجمع بين العربية والعاميّة أخرى، والدعوة إلى كسر عمود الشعر لإحلال ما يسمى ب «الشعر المنثور» مكانه تارة ثالثة.
والقصد البعيد من ذلك كله، هو إقامة هذا الحاجز بين الجيل وكتاب الله ، فإنه إذا حجز عنه، لم يعد يقدر على معرفته وإدراكه، وإذا لم يعد قادرا على معرفته، فأحر به أن لا يقدر على فهم شيء مما يقال حول إعجازه.
وإن هذه النتيجة لتنطوي على ربح عظيم لأولئك الذين يرقبون الأمر من بعيد، بمقدار ما تنطوي عليه من الخسارة الفادحة لهذا الجيل الذي نسي الكثيرون منه كل شيء إلا أنهم: عرب (١).
وعلى كلّ، فلا بدّ من الحديث عن إعجاز القرآن، وعلى من لم يتصور حقيقة القرآن بعد، أن يسرع فيتدارك ما فاته، وسيهون الأمر عليه إذا ما تصور أن أول زاد الأديب ومعلّم العربية إنما هو هذا الكتاب، فهو- من دون معرفته وإتقان تلاوته- لا يملك أن يقول شيئا في باب الأدب أو القواعد أو البيان، وما أخزى وأسوأ منظر ذاك الذي يقف ليلقي درسا في العربية، فإذا ما صادفته آية من القرآن، وجدت لسانه لا يدور بها إلا كما يدور لسان الأعجمي إذا أراد أن يبين بالعربية ويتفصح!! ..
ولست أتحدث- في هذا المقام- عن أي غاية لضرورة دراسة هذا الكتاب وإتقان تلاوته، غير الغاية التي نحن بصددها. إن المهم أن عالم العربية ليس عالما بشيء منها طالما ظل غريبا عن ينبوع العربية ومصدر سائر علومها.
стр. 117
وحسب هذه الضرورة دافعا لكل عربي أن يقبل على هذا الكتاب في دراسة واعية عميقة.
تعريف إعجاز القرآن:
أجمع عامّة الباحثين من علماء العربية والتشريع والفلسفة والفرق المختلفة أن القرآن معجز. فما معنى أنه معجز؟
لدينا في الجواب على هذا السؤال تعريفان للإعجاز، أحدهما هو المعتمد لدى جمهور العلماء والباحثين، والثاني تفرد به أبو إسحاق إبراهيم النظام (ت: ٢٣١) اللغوي والمعتزلي المعروف، ثم تبعه في ذلك بعض الناس من فرقته وجماعته.
فأما التعريف الأول، فهو أن القرآن قد سما في علوّه إلى شأو بعيد بحيث تعجز القدرة البشرية عن الإتيان بمثله؛ سواء كان هذا العلو في بلاغته أو تشريعه أو مغيباته.
وأما التعريف الثاني فهو أن الله قد صرف قدرات عباده وسلب همّتهم وحبس ألسنتهم عن الإتيان بمثله.
والفرق بين التعريفين، أن مصدر الإعجاز في التعريف الأول علوّ منزلة القرآن عن مستوى الطوق البشري، أما مصدره في التعريف الثاني فهو حبس القدرات وصرف الهمم عن معارضته وتقليده، أي فهو قد يكون، والحالة هذه، غير بعيد في منزلته البلاغية عن طاقة البشر، ولكن الله، تصديقا لنبيّه ولطفا به، صرف الناس عن تقليده ومحاكاته.
وأنت إذا تأملت في كلا التعريفين وفي الذي هو أقرب إلى العقل والفهم منهما، أدركت أن تعريف النظّام ومن شايعه فيه، لا معتمد من المنطق أو العقل له. وقد سخر كثير
من الباحثين، ومنهم الجاحظ، بهذا التفسير للإعجاز؛ وتكاثرت الردود عليه من كل صوب.
ولننقل لك منها كلام الإمام الباقلاني في كتابه، إعجاز القرآن يقول:
стр. 118
( ... لو لم يكن القرآن معجزا على ما وصفناه من جهة نظمه الممتنع، لكان مهما حطّ من رتبة البلاغة فيه، ووضع من مقدار الفصاحة في نظمه، كان أبلغ في الأعجوبة إذا صرفوا عن الإتيان بمثله، ومنعوا عن معارضته وعدلت دواعيهم عنه، فكان يستغني عن إنزاله على النظم البديع وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب. على أنهم لو كانوا صرفوا على ما ادّعاه- أي القائل بهذا التعريف- لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عمّا كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف، لأنه لم يتحدّوا إليه، ولم تلزمهم حجته. فلما لم يوجد في كلام من قبله مثله، علم أن ما ادّعاه القائل بالصرفة ظاهر البطلان).
ثم يقول بعد ذلك:
(ومما يبطل ما ذكروه من القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة- وإنما منع منها الصرفة- لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون المنع هو المعجز، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه، وليس هذا بأعجب مما لو قيل:
إن الكل قادرون على الإتيان بمثله، وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه بعد) (١).
أقول: وإن أيسر ما يوضح فساد تفسير إعجاز القرآن بالصرفة، أن الواقع قد خالف ذلك، فلم يصرف الناس في الحقيقة عن الإقبال إلى تقليده ومجاراته، بل قام في التاريخ- كما ستعلم- من حاول أن يعارض، وعارض وأتى بكلام زعم أنه قد حاكى به كلام الله ، ولكنه جاء مرذولا سمجا لا قيمة له. وأيضا ففيم سجد العرب من مشركين ومسلمين إذا لبلاغته حتى زعم بعضهم أنه السحر، وفيم كان المشركون يتواصون بعدم الذهاب إلى الكعبة في جنح الليل لسماع القرآن من محمد ﵊ حتى لا يفتن بذلك جنح الليل لسماع القرآن من محمد ﵊ حتى لا يفتن بذلك الدهماء عن دين أجدادهم، ثم ما هو إلا أن يتوارد هؤلاء المتواصون مع الليل، يختبئون خلف جدران الكعبة ليترنموا بسماع آيات القرآن؟ ... لو كان القرآن في
стр. 119
حقيقته كالكلام الذي يحسنه البشر، ولكن الله صرفهم عن مجاراته ومحاكاته، لما وقع كل ذلك ولا شيء منه.
ومع ذلك فإن تفسير إعجاز القرآن، كما يراه النظّام، هو في الحقيقة أقعد في باب الإعجاز وأدعى إلى معرفة أنه كلام الله ، إذ العجز عن الإتيان بالشيء المستطاع أعجب من العجز عن الإتيان بالأمر الرفيع الذي لا يدرك ولا يستطاع. ولكن المنطق هو الذي يتجافى عن رأيه وتحليله.
الدليل على ثبوت الإعجاز في كتاب الله في الجملة:
ونقصد بكلمة «في الجملة» قطع النظر عن أنواع الإعجاز القرآني، والأدلة التفصيلية الخاصة بكلّ منها. وإنما المراد هنا الوقوف على دليل علمي يصلح أن يكون برهانا على ثبوت المعنى الكلّي للإعجاز في القرآن، والشامل إجمالا للأنواع التي سنتحدث عن كلّ منها بشيء من التفصيل فيما بعد.
واعلم أنك مهما حاولت أن تكشف عن براهين الإعجاز، في القرآن، فلن تقع على برهان أبين وألزم من برهان التجربة والمشاهدة. وهو الذي عناه الخطابي في كتابه «بيان إعجاز القرآن» عند ما قال:
« ... والأمر في ذلك أبين من أن نحتاج إلى أن ندل عليه بأكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه» (١).
وبيان ذلك أن العرب بدءوا فسألوا محمدا ﷺ أن يأتيهم بآية تدل على صدق دعوته ورسالته. فأخبرهم الله تعالى بأن القرآن أعظم آية تدل على ما يريدون، وذلك في قوله ﷻ :
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ. قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (العنكبوت: ٥٠ و ٥١).
стр. 120
ولكن الكافرين أنكروا أن يكون في شيء من آي القرآن ما يدلّ على صدق محمد ﷺ في دعوته، وادّعوا أنه كتاب كغيره ليس فيه ما يعجز عن الإتيان بمثله، وأعرضوا عنه قائلين ما نقله الله عن لسانهم:
... قَدْ سَمِعْنا، لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا، إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (الأنفال: ٣١)، وحينئذ تحدّاهم الله- أو قل تحدّاهم القرآن إن شئت- أن يأتوا بسورة من مثله. وأفرغ هذا التحدي في قوالب مختلفة من اللفظ والأسلوب، وأنهضهم إلى الإتيان بمثله أو بمثل أقصر سورة منه، بالتقريع والتحميس ومختلف أشكال التّحدي فقال لهم مرة:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا- وَلَنْ تَفْعَلُوا- فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
(البقرة: ٢٣ و ٢٤).
وقال لهم مرة أخرى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (الإسراء:
٨٨).
وقال لهم مهيجا ومقرعا: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ، بَلْ لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (الطور: ٢٣ و ٢٤).
وقد كان من مقتضى قولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا، وما سمعوه من هذا التقريع والتحدي وما كان يعتلج في صدورهم من الحقد والكراهية لهذا الذي جاءهم، النبي ﷺ ، وما كانوا منصرفين إليه من البحث الدائب عن أيّ وسيلة يمكن الاعتماد عليها، لإفساد أمره عليه ومنع دعوته من السير في طريق النجاح- نقول: كان من مقتضى ذلك كله أن ينهضوا لمعارضته ومجاراته بفصول من كلامهم البليغ، ليقطعوا بذلك خطره عنهم وليعلنوا بذلك لمن قد يتحدث بهذا الذي يأتيهم به من القرآن، أنهم قد جاءوا بمثله وخير منه.
ولكنهم- على الرغم من كل هذا- لم يفعلوا شيئا، ولم يستجيبوا لتحدي القرآن الكريم في محاولة ما، غير أنهم تحولوا عن قولهم السابق: لو نشاء لقلنا
стр. 121
مثل هذا، إلى زعم أن محمدا إنما يأتيهم بسحر ... أو كهانة ... أو شعر فريد في بابه، كما قال الله تعالى عنهم: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (الزخرف: ٣٠).
ثم إن آيات التحدي هذه ظلت مسجلة في كتاب الله تعالى تقرع آذان العلماء والأدباء والشعراء والبلغاء على اختلاف نحلهم ومذاهبهم في كل عصر وقرن. فما استطاع واحد فيهم أن يسجّل إلى جانب هذا التحدي عملا ما يصلح أن يقال إنه قد عارض به القرآن فأتى بشيء حسن.
فهذا الواقع، من أجلى أدلة التجربة والمشاهدة على ثبوت صنعة الإعجاز للقرآن. إذ هو دلالة الواقع نفسه خلال التاريخ والقرون.
على أننا ندعم هذا البرهان بميزان الاستقراء التام الدّال على أن القرآن لا يمكن أن يكون كلام غير الله فنقول:
إن عجز العرب كلهم عن الإتيان بمثل القرآن، دليل جليّ على أنه لا يمكن أن يكون من تأليف أحد منهم كورقة بن نوفل، وبحيرا الراهب، أو غيرهما ... إذ إن الاحتمال مخالف لبرهان العجز الذي دلّت عليه التجربة المشاهدة، على أن القرآن فيه تعليق على أحداث وقعت بعد موت ورقة وبحيرة، فكيف يكون مع ذلك من إيحائهما أو تأليفهما.
ونمضي في الاستقراء والبحث، فنفرض أنه موحى به إليه ﷺ من قبل الجن ما دام أن الدليل قام على أنه ليس من كلام البشر.
غير أن هذا الفرض أيضا يستلزم نتائج باطلة تكشف عن بطلانه.
فالجان الذي يفرض أنه أوحى إلى محمد ﷺ بهذه الألفاظ، لا يوحي بها إليه إلا وهي مما يقدر الجن على إيجاد مثله. وليس ممكنا أبدا أن لا يقوم في وجه هذا المخلوق الجنّي أحد من أمثاله، يوحي بقرآن مثله حلال هذه القرون كلها إلى واحد من هؤلاء الناس الذين يشتهون أن يؤلفوا مثله، فلا يستطيعون هذا مع العلم بأن الله تعالى، كما تحدى بالقرآن الإنس، تحدى به الجن أيضا، فقال :
стр. 122
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (الشعراء: ٢١٢).
وكما يوجد في الإنس من يحقدون على الحق مع العلم بأنه الحق، فيتمنّون لو أمكنهم إفساد صفة الإعجاز في القرآن بأيّ وسيلة ممكنة، كذلك يوجد في الجن من يحقدون مثل هذا الحقد، ويتمنّون مثل هذا التمنّي.
فلما لم نر إنسانا أوحى إليه من قبل أحد الجان بمثل القرآن، أو بمثل بعض منه، علمنا بدليل الواقع المشاهد أنه ليس من تأليف الجان ولا من إيحائهم.
وهكذا يتكامل دليل الاستقراء التام على أن هذا القرآن الذي تنزل على محمد ﷺ ، ليس من تأليف أحد من الناس الذين كانوا في عصره، وليس من تأليف جني نفثه في روعه أو ألقى به إليه.
فانحصر العقل عند ضرورة الإيمان بما يقوله ويقرره هذا القرآن نفسه، من أنه ليس إلا كلام الله نزل به الروح الأمين على محمد ﷺ ليكون خاتمة المنذرين إلى العالم كله وهو ما يؤكده البيان الإلهي بقوله :
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (هود: ١٤).
ثم إن من أهم ما يزيد هذا البرهان التجريبي المحسوس والمشاهد، جلاء ويقينا، ما قد تعلمه من أن قلة من الناس حاولوا فعلا أن يأتوا بشيء من مثل القرآن في بلاغته ومضمونه، فقد كانوا يأنسون في أنفسهم من القدرة ما يجعلهم أهلا لهذه المغامرة. لكنهم ما إن أقدموا على ذلك حتى نزلوا عن المستوى الذي كانوا يقدرون عليه، وجاءوا بكلام بارد مضحك يسخر بعضه من بعض.
فمنهم مسيلمة بن حبيب الكذاب الذي تنبأ باليمامة في أواخر حياة النبي ﷺ فقد زعم أن له قرآنا آخر يوحى به إليه. وقد نقلوا له من قرآنه هذا كلاما سخيفا في كلّ من مبناه ومعناه.
стр. 123
وقد كان مسيلمة من فصحاء العرب، وكان إذا تكلم على سجيته جاء بكلام جيد، لا يوزن بشيء من السخف الذي انحطّ إليه عند ما حاول تقليد القرآن ومعارضته.
ومنهم آخرون، جاءوا مع فترات متقطعة من التاريخ، توفر لديهم حبّ المغامرة، وآنسوا في ملكاتهم القدرة على معارضة القرآن. ولكنهم حذروا الفضيحة والسخرية- على ما يبدو- وخافوا أن ينتهي أمرهم إلى مثل ما انتهى إليه أمر مسيلمة. فأخذوا يعارضون بعضا من سور القرآن على تكتم وفي نجوة من الناس، ثم إنهم لما عادوا إليه بالنظر والتأمل، فوجدوه غثاء لا قيمة له، وكلاما لا طعم فيه رأوا أن يخرجوا به على الناس بعد أن يلصقوه بمن خطر في بالهم من مشاهير الأدباء والكاتبين.
من هذا القبيل ما نسب إلى ابن المقفع من أنه اشتغل بمعارضة القرآن مدة ثم أقصر عن ذلك وتركه. وأغلب الظن أن الأمر إنما ألصق به إلصاقا على النحو الذي ذكرت.
ويقول الرافعي ﵀، معللا اختيار هؤلاء المجهولين لابن المقفع دون غيره: «وإنما نسبت المعارضة لابن المقفع دون غيره من بلغاء الناس، لأن فتنة الفرق الملحدة إنما كانت من بعده وكان البلغاء كافة لا يمترون في إعجاز القرآن وإن اختلفوا في وجه إعجازه، ثم كان ابن المقفع متهما عند الناس في دينه، فدفع بعض ذلك إلى بعض وتهيأت النسبة من الجملة» (١).
ومن هذا القبيل أيضا كلمات نسبت إلى أبي العلاء المعري، قيل إنه عارض بها القرآن. ونسبوا إليه من ذلك فيما نسبوا قوله:
(أقسم بخالق الخيل، والريح الهابّة بليل، إن الكافر لطويل الويل، وإن العمر لمكفوف الذيل، تعدّ مدارج السيل، وطالع التوبة من قبيل، تنج وما إخالك بناج).
стр. 124
قالوا: ولما أن قيل له: إن كلامك هذا لا يبدو فيه شيء من رواء القرآن وإشراقه، أجابهم: دعوه تصقله الألسن في المحاريب أربعمائة سنة، ثم انظروا كيف يكون.
وما من باحث، بل ما من متأمل عاقل، إلا ويدرك براءة المعري من هذا الهراء، ومن هذه الطريقة الغبية في الدفاع عن هذا الكلام، لأسباب من أهمها:
أولا: إن المعري لم يكن من الجهل بالواقع والتاريخ إلى حيث جعله يتوهم بأن الذين سجدوا لبلاغة القرآن، من العرب المشركين والمسلمين، لم يفعلوا ذلك إلا بعد أن صقلت تلك الآيات أسماعهم أربعمائة سنة ...
ثانيا: إن الرجل عرض في كتابه، رسالة الغفران، لسخف جاء به ابن الراوندي في كتاب له سمّاه «التاج» وهو سخف يشبه هذا الذي ألصقوه بأبي العلاء مما نحن في معرض حديثه، فتناول تاجه هذا، ومزقه بلسانه وقلمه شرّ ممزّق ثم تحدّث عن القرن حديث العاقل الذي يكرم نفسه من حيث يوقفها عند حدّها. ويؤكد أن لا مطمع لأي معارضة أو تقليد لهذا الكتاب، لأي إنسان مهما سما في قدراته وطاقاته العلمية والبلاغية. وهذا كلامه عن ذلك في رسالة الغفران:
( .. وأما ابن الراوندي، فلم يكن إلى المصلحة بمهدي، وأما «تاجه» فلا يصلح أن يكون نعلا، ولم يجد من عذاب وعلا (أي ملجأ) .. ويجوز أن ينظم تاجه عقارب، فما كان المحسن ولا المقارب .. وهل تاجه إلا كما قالت الكاهنة:
أف وتف، وجورب وخوف. قيل وما جورب وخف؟؟ .. قالت: واديان في جهنم) إلى أن قال: (وأجمع ملحد ومهتد وناكب عن المحجة ومقتد، أن هذا الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ كتاب بهر بالإعجاز، ولقي عدوه بالإرجاز، ما حذي على مقال، ولا أشبه غريب الأمثال، ما هو من القصيد الموزون ولا الرجز
стр. 125
من سهل وحزون، ولا شاكل خطابة العرب، ولا سجع الكهنة دوي الإرب، وجاء كالشمس اللائحة نورا للمسرّة البائحة وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. وإن الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون، فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق، والزهرة البادية في جدوب ذات نسق فتبارك الله أحسن الخالقين» (١).
أفيمكن، فيما قد يتصوره عقل عاقل، أن يجرد المعري هذه السياط الملهبة على ظهر ابن الراوندي، ثم يعمد فيضع هو أيضا ظهره تحت لهيبها؟
لا شك أن الأمر في حقيقته كما قلنا، أن مجهولين غامروا، فخابت جهودهم، فألصقوا خيبتهم بمن قد أحبّوا أن يلصقوها به من مشاهير العلماء أو الأدباء.
فهذا هو الدليل المادي الملموس على أن هذا القرآن قد أعجز البشر أن يأتوا بمثله .. إذ قد تبين أن الناس- منذ نزول القرآن إلى هذا اليوم- فريقان اثنان:
فريق أعلن عجزه عن إمكان الإتيان بمثله أو بما يدانيه، دون سابق تجربة ومحاولة وفريق جرّب وحاول، وبذل كل ما يملك من جهد، فلم يأت من عمله بشيء.
ومن خلال موقف كلا هذين الفريقين اللذين انقسم إليهما جميع الناس إلى هذا اليوم، يتكامل الدليل العملي على ثبوت صفة الإعجاز في القرآن.
وإنما يعرف الدليل على إعجازه من هذا الوجه فقط، سواء عرفت وجوهه وأسبابه أو لم تعرف.
إلا أننا سنحاول الآن ترسيخ هذا الدليل، عن طريق تحليل هذه الظاهرة
стр. 126
الإعجازية التي تتجلى في هذا الكتاب العظيم. وعن طريق الكشف عن وجوه هذا الإعجاز وأسبابه.
وفي يقيني أن العلماء يملكون مزيدا من وسائل الكشف عن هذه الوجوه وأسباب تجليتها، كلما تطاول الزمن، وازداد عمر القرآن طولا بين الناس، إذ إن ذلك هو شأن المعجزة المستمرة والباقية مدى الدهر.
وجوه الإعجاز القرآني
لن نطيل القول في بيان الخلاف الذي جرى بين علماء القرآن، حول حقيقة الأعجاز الثابتة في كتاب الله تعالى، بعد أن تكامل إجماعهم واتفقت كلمتهم على أن سمة الإعجاز حقيقة ثابتة في هذا الكتاب، بقطع النظر عن جوانبه ومظاهره.
فإن فيما سنعرضه من بيان هذه الوجوه والجوانب، وتحليل كلّ منها وإبراز الأدلة والبراهين عليها، بالقدر الذي يتّسع له مجال مثل هذا البحث، ما يقضي على أسباب ذلك الخلاف، ويجلي لنا معظم هذه الوجوه، على نحو لا تلحقه المرية ولا يطوله الشك.
ونقول: يجلي لنا معظم هذه الوجوه. ولا نقول: يجلي كلها. لأنّا لا نعلم ما الذي تحمله قوادم الأيام والعصور، ومستجدات الأفكار والعلوم، من أضواء على مزيد من وجوه الإعجاز في كتاب الله ، كيف لا وهو الكتاب الذي ضمنه الله تعالى معجزته الساطعة الباقية على مرّ الأجيال والدهور. بل كيف وهو القائل في محكم هذا التبيين:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (فصّلت: ٥٣).
ولنشرع الآن ببيان وجوه الإعجاز في القرآن، مع شرح مفصّل لكلّ منها، بحيث تظهر من خلاله الحجة على أن القرآن معجز فعلا من ذلك الوجه:
стр. 127
أولا: الإعجاز اللفظي أو البلاغي:
وإنما نقصد بهذا الوجه بديع نظمه، وعجيب تأليفه (١) وسمّوه في البلاغة إلى الحد الذي يعجز الطوق البشري عن الإتيان بمثله. وأنت تعلم أن البلاغة إنما تعني مطابقة الكلام لمقتضى الحال ودقة اللفظ في انطباقه على المعنى المراد.
والإنسان مهما أوتي من القدرة البيانية لا يستطيع أن يسمو إلى ذروة هذه الغاية للأسباب والعوائق التي سنتحدث عنها إن شاء الله.
واعلم أن إعجاز القرآن من هذا الوجه حجة- بشكل مباشر- على العرب وحدهم، لأنهم هم الذين يدركون هذا المعنى فيه. إلا أن العرب حجة، بدورهم، على سائر الناس، لأنهم إذا رأوا أن أرباب هذه اللغة وأدباءها قد قصر بهم الطوق عن إنشاء مثله، أدركوا أنه معجز وأنه ليس مما يقدر عليه البشر (٢).
مصدر الإعجاز البلاغي في القرآن:
وقبل أن نتحدث عن مظاهر الإعجاز البلاغي في القرآن، يجدر بنا أن نبين في كلمة جامعة أساس الإعجاز البلاغي ومصدره، في هذا الكتاب العظيم. فإن لهذه المظاهر التي سنتحدث عنها جذورا تنتهي إلى أساس واحد، إليه يردّ علم كل فرع وجانب تفصيلي.
ولعلّ أقصر طريق يمكن أن ينفذ منه الباحث إلى هذا المصدر أو الأساس الواحد، أن نتأمل فيما يملكه الإنسان- بمعناه الكلي- من الطاقة التعبيرية عن الأفكار والمعاني، وأن نبين من وراء ذلك الثغرات والنقائص التي تتلبس بطاقته هذه وتمنعه عن القدرة على التعبير عن كل ما يريد بالشكل الذي يريد .. فإذا تبينت لنا هذه النقائص والثغرات، أدركنا عندئذ أن أساس الإعجاز البلاغي في القرآن، إنما هو كونه مبرءا من تلك النقائض والثغرات.
стр. 128
ولقد قلنا إن مردّ البلاغة الكلامية إلى الدقة في مطابقة اللفظ للمعنى.
وإنما سبيل ذلك أن يتسارع إلى الذهن جميع ألفاظ هذه اللغة وما يسمى بمترادفاتها لينتقي منها ألصقها بالمعنى المراد والصورة المتخيلة. فبمقدار ما يتم التوافق الدقيق بين المعنى القائم في الذهن واللفظ الدّال عليه والمصوّر له، يتسامى الكلام في درجات البلاغة والبيان.
ولكن هل يتسنى للإنسان أن يحقق هذا التوافق بمعناه الكلي الدقيق؟
لن يتسنى للإنسان أيّا كان، تحقيق هذا الهدف مهما بذل من تحايل أو جهد، وذلك لسببين اثنين:
أولهما: أن المعاني والتصورات أغزر من الألفاظ وقوالب التعبير. ذلك لأن المعاني والأفكار والتصورات إنما تنبعث من داخل النفس الإنسانية، وهي منبع ثرّ لا يكاد ينضب لمختلف المعاني والتصورات والمشاعر.
أما الألفاظ والتعابير فإنما تقبل إلى الإنسان من الخارج، وهي بالإضافة إلى ذلك محصورة ومتناهية. لذا كان من المتفق عليه أن اللغة- مهما كان نوعها- لا تغطي إلا جزءا يسيرا من المعاني والمشاعر.
ألا ترى أن كلمة (الألم) تستعمل للدلالة على أنواع شتى من المشاعر والأحاسيس والمعاني، دون أن تنجدك اللغة بأي دلالات لفظية يمكن أن تستعمل للتفريق بين تلك الأنواع، وإنما أنت منها أمام هذه الكلمة أو ما قد يشبهها: (الألم)؟
وإن أحدنا ليستعمل كلمة (الجمال) عن عالم واسع من المشاعر والصور والمعاني، وهو يعلم أنها صور ومعان متنوعة متخالفة، وإن من الجدير أن يلقى الإنسان لكلّ منها تعبيرا مستقلا.
ولكن أحدنا لا يملك مع ذلك أن يعبّر عن هذه الصور والمعاني المتخالفة بأكثر من كلمة (الجمال) ومشتقاتها.
وكذلك شأن أكثر كلمات اللغة، ما من واحدة منها إلا
стр. 129
وتستعمل لطائفة من المعاني المتغايرة وإنما القاسم المشترك بينهما علاقات سطحية تصل ما بينها. فأنت لا تملك من اللغة إلا ما يعبّر عن هذه المعاني السطحية القريبة، بحيث إذا أردت الغوص على دقائق المعاني المتشعبة تخلفت عنك طاقة التعبير وبقيت مع مشاعرك الصامتة (١).
ثانيهما: أننا نقف من اللغة العربية أمام بحر عظيم من الكلمات والألفاظ- على ما فيها من القصور الذي ذكرناه-. ومعظم هذه الألفاظ مما يسمى بالمترادف. ومهما كان الكاتب أو المتكلم بليغا، ومهما كان يحفظ في ذهنه من متن اللغة وألفاظها ومترادفاتها، فلا يمكن أن تنتصب هذه المترادفات جميعها مكشوفة واضحة أمام خياله، كما تنتصب مضارب الأحرف من الآلة الكاتبة أمام ضاربها، لكي يلتقط من مجموعها ما هو أقرب إلى المعنى الذي يبغيه والشعور الذي يجول في صدره وإنما هو- عند التعبير- إنما يلقي حبال تفكيره إلى هذا اليم المتلاطم من الكلمات، ليلتقط منه ما قد يتسارع إليه ويسهل على لسانه. وفي اللغة من المترادفات الكثيرة ما ينجده لغرضه ويقوم بعضه مقام بعض في التعبير العام عن مقصوده.
بيد أن هذه الألفاظ إنما تعدّ مترادفة، إذا ما أريدت منها الدلالة الإجمالية على المعنى، وهي التي يقتنع بها العامة من المتكلمين، وهم الذين لا يطمعون في أكثر من إيصال خلاصة إحساساتهم وأفكارهم إلى الآخرين.
أما عند من يسبر أغوار هذه الكلمات ويستخرج ما يمتاز به كلّ منها من الخصائص والفروق، فهي ليست من المترادفات في شيء. بل لكلّ منها دلالته الخاصة وإشارته المتميزة وإيحاؤه الذي لا يشترك فيه غيره، وتصويره الذي ينفرد به عن سائر نظائره.
فقد تحسب مثلا أن كلّا من مضى، وذهب، وانطلق، يؤدي معنى
стр. 130
واحدا، وأن كلّا من: قعد، وجلس، شيء واحد في الدلالة، وأن كلّا من:
نام، ورقد، وهجع، متّحد في المقصود ولكن الحقيقة ليست كذلك. ففي كل كلمة من هذه المترادفات وصف تستقل بالدلالة عليه، وإن كان جميعها متفقا في الدلالة على أصل المعنى، بقطع النظر عن خصائص الفروق والأوصاف، كما يقول الإمام أحمد بن يحيى المعروف بثعلب.
وقد كان جمع من أهل اللغة في مجلس عند سيف الدولة، وفيهم أبو علي الفارسي، وابن خالويه. فقال ابن خالويه: أحفظ للسيف خمسين اسما. فتبسم أبو علي وقال: أما أنا فلا أحفظ له إلا اسما واحدا وهو السيف. قال ابن خالويه: فأين المهنّد والصارم وكذا وكذا .. فقال أبو علي: هذه صفات، وكأن الشيخ لا يفرّق بين الاسم والصفة.
فمن هنا تضيق السبل على من ينشد الدقة في التعبير والصدق في تصوير المعاني والمشاعر. إذ تسقط فائدة المترادفات من حسابه، لما يختصّ به كلّ منها من دلالة وصفة معينة، ولا يمكن أن يتمثل متن هذه اللغة كلها أمام عينيه، ليلتقط منها ما يأتي مفصّلا على قدر مشاعره وأفكاره. وإنما هو يأخذ منها- كما قلنا- ما تبادر إلى ذاكرته وقرب إلى لسانه.
وعندئذ إما أن يقع في تطويل لا فائدة منه، وإما أن يجنح إلى اختصار مفسد مخلّ، وإما أن يقع في كلامه على ألفاظ وتعابير تفسد عليه تصوره وتشوش على السامع مقصوده. وإذا اتسعت أمامه السبل في التعبير عن بعض معانيه وأفكاره، ضاقت عليه السبل لدى محاولة التعبير بدقة عن المعاني الأخرى.
وما كاتب من الكتاب أو بليغ من البلغاء، ممّن سمعت بهم قديما أو حديثا، إلا وفيه هذه النقائص أو واحدة منها.
فمن أجل هذين السببين، يعاني الإنسان- مهما سمت درجته البلاغية وطاقته التعبيرية- من العجز، تجاه محاولته التعبير عن المعاني والمشاعر التي يريد التعبير عنها بدقة. ولا ريب أنه عجز متفاوت تبعا لتفاوت القدرات البلاغية والتعبيرية، عند الناس. إلا أن العجز سمة ثابتة للجميع بمعناه الإجمالي.
стр. 131
فإذا تجلّت لك هذه الحقيقة، فلتعلم أن الإعجاز البلاغي في القرآن، ليس شيئا أكثر من كونه متحررا عن هاتين الظاهرتين اللتين يتجسد فيهما عجز الإنسان.
اقرأ ما شئت من سور القرآن وآياته، تجد أن كلّا من جانبي اللفظ والمعنى فيه متوافقان متطابقان أتمّ ما يكون الوفاق والتطابق. لا تشعر أن حرفا واحدا يفيض في جانب اللفظ عن المعنى ولا تشعر أن أيّ جانب في المعنى- مهما دقّ ولطف- قد تقاصر اللفظ أو التعبير عن الدلالة عليه.
فهذا هو مصدر الإعجاز البلاغي في كتاب الله تعالى.
ولكن ما الدليل على أن القرآن قد تسامى على هاتين الظاهرتين اللتين يتجسد فيهما عجز الإنسان لدى محاولة تعبيره عن المعاني والأفكار؟
يتجلى الدليل على ذلك من خلال شرح (ولو يسير) لمظاهر الإعجاز البلاغي، وهذا ما سنبدأ به الآن:
المظهر الأول (الكلمة القرآنية):
إن للكلمة القرآنية مزية لا تجدها في الكلمات التي يتكون منها كلام الناس وتعابيرهم مهما سمت في مدارج البلاغة والبيان.
فهي أولا: تتناول من المعنى سطحه وأعماقه وسائر صوره وخصائصه.
ولا تقف عند العموميات التي تقف عند حدودها تعبيراتنا البشرية التي تعاني من العجز الذي أوضحناه.
وهي ثانيا: تمتاز عن سائر مرادفاتها اللغوية بتطابق أتم مع المعنى المراد.
فمهما استبدلت بها غيرها، لم يسدّ مسدّها ولم يغن غناءها، ولم يؤد الصورة التي تؤديها (١).
стр. 132
ولك أن تسأل: ولكنك أوضحت آنفا عجز اللغة عن التعبير عن جميع المعاني والمشاعر، فكيف يتأتى للقرآن أن يسخر كلماته لما وراء الحدود التي تقف عندها طاقة اللغة ذاتها، وهو إنما يستعمل في تعبيراته اللغة ليس إلا؟؟
والجواب: أن القرآن يتناول- كما سترى- من الكلمات المترادفة أدقها دلالة، وأتمها تصويرا بالنسبة إلى نظائرها. فإذا استنفدت اللغة طاقتها ولا تزال بقية من المعنى أو الصورة شاردة وراء حدود اللغة، اتسعت لها الكلمة القرآنية وشملتها عن طريق ما تتسم به من جرس ووزن وإيقاع.
ولن تعثر مهما حاولت، على أي ضابط لهذا الجرس والوزن والإيقاع، مؤملا أن تطبقه في كلامك وتعبيرك. إنما هو الإحساس الذي يفيض به شعور القارئ عند تلاوته لهذه الكلمات أو سماعه لها مسبوكة مع بعضها، قائمة ضمن هيكلها القرآني الفريد.
فأغطش مثلا في قوله تعالى: أَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها مساو من حيث الدلالة اللغوية لأظلم. ولكن «أغطش» تمتاز بدلالة أخرى من وراء حدود اللغة يستقل بها الوزن وجرس الأحرف متآلفة مع بعضها. فالكلمة بهذه الدلالة تعبّر عن ظلام انتشر فيه الصمت وعمّ فيه الركود وتجلّت في أنحائه مظاهر الوحشة. ولست بحاجة- لفهم هذه الصورة من الكلمة- إلى وساطة لغة أو مراجعة قاموس وإنما هو إحساس ينبعث في نفسك من طبيعة الكلمة ووقع حروفها.
وكذلك «سكنا» من قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً فهي من حيث الدلالة اللغوية مثل قولك: هدوءا، طمأنينة .. ولكن المعنى الذي تبثه في شعورك الكلمة القرآنية، لا تجد شيئا منه في غيرها مهما تساوى معها في أصل الدلالة اللغوية.
إن طبيعة الأحرف التي تتكون منها كلمة «سكنا» مع توالي الفتحات على حروفها، تشعرك بذلك الهدوء الذي يبعث الطمأنينة وينشر الأمن والراحة في أنحاء النفس. دون أن تحتاج في ذلك إلى معرفة أي دلالة لغوية.
стр. 133
ثم حاول أن تحذف كلمة واحدة من كلمات هذه الآية، وأن تستبدل بها غيرها، مما يؤدي المعنى ذاته، مستعينا باللغة وقواميسها، فلسوف ترى أن اللغة كلها أعجز من أن تأتي بألفاظ مثلها أو خير منها في الدلالة على المعنى وتصوير الأحاسيس المطلوب تصويرها. ومهما غيّرت في الآية أفسدت من بهائها ونقصت من روعتها وإشراقها. ابحث عن أيّ كلمة تقوم مقام «فالق» في أداء المعنى وتصوير المراد وتجسيم الفكرة، أو ابحث عن أي كلمة أخرى تضعها موضع «الإصباح» في دلالتها على الحركة والانبثاق وبثّ الصورة المطلوبة، أو حاول أن تأتي بكلمة أخرى مكان «سكنا» أو بكلمة أخرى أدلّ وأخصر وأجمع من هذه الكلمة العجيبة «حسبانا» فإنك لن تملك من ذلك كله إلا إفساد الآية، وتشويه دلالتها.
وربما عجزت اللغة عن اللحاق بالصورة المحلقة التي يريد المتكلم أو الكاتب أن يبثّها في خيال السامع، فاضطر أن ينزل عن بساط خياله المحلّق، لحاقا بكلمة تقف دون الصورة التي يريدها، لا يجد في اللغة سواها، فيفسد بها الصورة كلها.
غير أن القرآن لا يعجزه أن تكون الكلمة دائما في مستوى المعنى المراد، على أدق وجه، فهو يصعد باللغة إلى المعنى أو الصورة المطلوبة، ولا ينزل بالمعنى أو الصورة إليها في حال من الأحوال.
انظر حينما يصف البيان الإلهي دعوة امرأة العزيز للنسوة اللاتي يتحدثن، منتقدات، عن مراودتها ليوسف عن نفسه، إلى جلسة رائعة مترفة في بيتها، لتطلعهنّ فيها على يوسف، فيعذرنها فيما أقدمت عليه ... لقد قدّمت لهنّ في ذلك المجلس طعاما ولا ريب. ولقد أوضح القرآن هذا، ولكنه لم يعبّر عن ذلك بالطعام، وهو اللفظ الذي لا بدّ أن يعبّر به أو بنظيره أيّ واحد من الناس مهما امتلك ناصية البلاغة والبيان، لم يعبّر البيان الإلهي بهذه الكلمة لأنها إنما تصوّر شهوة الجائعين من حوله، وتنقل الفكر والخيال إلى (المطبخ) بكل ما فيه من ألوان الطعام وروائحه وأسبابه.
فبماذا عبّر القرآن إذن؟ ... وأين في اللغة الكلمة التي تؤدي معنى الطعام
стр. 134
ولا تمسّ الصورة بأي تعكير أو تشويه؟
لقد أبدع القرآن لذلك تعبيرا عجيبا رائعا ... فانظر ماذا قال:
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ...
(يوسف: ٣١).
مُتَّكَأً كلمة قرآنية، تصور لك من الطعام ذلك النوع الذي لا يقدّم إلا ترفا وتفكها وتجميلا للمجلس وتوفيرا لمظاهر المتعة فيه، حتى إن الشأن فيه أن يكون الإقبال إليه على حالة من الراحة والاتكاء. والكلمة من الألفاظ الكثيرة التي أبدع القرآن صياغتها واشتقاقاتها فتعلق العرب بها من بعد، ولولا ذلك لما اهتدوا إليها ولخانتهم اللغة
في هذا الباب عن تصوير ما يريدون.
ونظرا إلى أن القرآن إنما تنزل خطابا للناس جميعهم، على تفاوت ثقافاتهم، واختلاف عصورهم فإن الكلمة القرآنية تنطوي على دلالات متعددة، تستجيب للظروف كلها ولأحوال الناس كلهم، إذا كانت تلك الكلمة تتعلق بمعنى يختلف من عصر إلى آخر أو يتفاوت فهم الناس له، حسب تفاوت ثقافاتهم وعلومهم.
ومكان الغرابة والعجب، في هذه الكلمات، أن دلالاتها لا تتناقض على الرغم من اختلافها، ولا يشرد شيء منها عن قواعد اللغة ومقتضياتها، فهي تحتضن في وقت واحد هذه الدلالات، لتقدم إلى كل عصر أو فئة من الناس ما هو أقرب إلى مألوف ذلك العصر أو ثقافة أولئك الناس. وجميعها دلالات صادقة صحيحة لا تنسخ واحدة منها الأخرى.
وأنت لو حاولت أن تلتقط من اللغة كلمات مرنة غنية بهذا الشكل، لرأيت أن الأمر يحتاج إلى جهد عظيم لا يمكن أن ترقى إليه طاقة البشر. مهما أوتي من قوة الحفظ وسموّ البيان.
من الأمثلة على ذلك أن القرآن حدّثنا عن مظاهر نعم الله على عباده، ومن جملتها النار. فنبّهنا إلى مختلف فوائدها لحياتنا، وأوضح أنها متاع يحتاج إليه في حالات السفر واجتياز القفار، ولتحضير الطعام، ولما وراء ذلك من أسباب
стр. 135
المتعة والرفاهية ... فكم هي الكلمات أو الجمل التي تتصور أنها وفّت بالتعبير عن هذه الفوائد كلها؟
إنها ليست أكثر من كلمة واحدة! ...
واسمع في ذلك قول الله : أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ، نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (الواقعة: ٧٢ و ٧٣).
المقوين! ... هذه هي الكلمة التي تحمل المعاني كلها. فالمقوين جمع مقو، أي نازل في القواء (وهو المكان القفر) أو مجتاز بها، وعليه قول النابغة:
يا دار مية بالعلياء فالسّند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد
والمقوين أيضا من القوى وهو الجوع، وعليه قول حاتم الطائي:
وإني لأختار القوى طاوي الحشا ... محاذرة من أن يقال لئيم
والمقوين أيضا جمع مقو، بمعنى مستمتع، كما قال مجاهد (١) وعموم الاستمتاع في هذا المعنى الثالث، إنما يفسره الزمن وتطور الأحوال وتقدّم أسباب الحياة والعيش.
فهل يطيق بشر، كائنا من كان، أن يخضع اللغة لمقاصده هذا الإخضاع العجيب، فيحشد مثل هذه المعاني المتباعدة في كلمة واحدة، تأتي طوع قصده ومراده، بدون أي تمحّل أو تكلف أو تقعر؟! ...
إن العقل لا يرتاب في أنها صنعة رب العالمين وكلامه.
ويتصل بهذا الذي نقول ما ذكرناه في الخاصة الثالثة من خصائص الأسلوب القرآني، وقد عرضنا في بيان ذلك لأمثلة كثيرة من القرآن، فارجع إليه إن شئت (٢).
стр. 136
المظهر الثاني: الجملة القرآنية:
ويتلخص مظهر الإعجاز في الجملة القرآنية في الأمور الثلاثة التالية:
١ - الاتساق اللفظي والإيقاع الداخلي.
٢ - دلالتها بأقصر عبارة على أوسع معنى.
٣ - إخراجها المعنى المجرد في مظهر الأمر المحسوس.
فلنتناول كلّا من هذه الأمور الثلاثة ببيان موجز يتلاءم مع طبيعة هذا البحث.
أولا: الاتساق اللفظي والإيقاع الداخلي:
لا بدّ أن تجد الجملة القرآنية مؤلفة من كلمات وحروف ذات أصوات يستريح لتآلفها السمع والصوت والنطق، ويتكون من اجتماعها على الشكل الذي رتبت عليه، نسق جميل ينطوي على إيقاع خفي رائع، ما كان ليتم لو نقصت الجملة كلمة أو حرفا أو اختلف ترتيب ما بينها بشكل من الأشكال.
والقرآن كله مثال على هذه الحقيقة الجليّة. ولكن إذا كان لا بدّ من أمثلة ونماذج نعرضها فإليك هذه الأمثلة، واعلم أن الجمل القرآنية كلها جارية على منوالها:
اقرأ مثلا قول الله تعالى: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (١).
واقرأ قول الله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (٢) وتأمل تناسق الكلمات في كل جملة منها. ثم دقّق نظرك، وتأمل تآلف الحروف الرخوة مع الشديدة ومع المهموسة والمجهورة وغيرها. ثم أمعن في تآلف الحركات والسكنات والمدود وتعاطفها مع بعضها. فإنك إذا تأملت في ذلك علمت أن هذه الجمل القرآنية إنما صبّت من الكلمات والحروف
стр. 137
والحركات في مقدار، وأن ذلك إنما قدّر تقديرا بعلم اللطيف الخبير، وهيهات للمقاييس البشرية أن تقرى على ضبط الكلام بهذه القوالب الدقيقة.
وعلى الرغم من أن القرآن لا ينضبط بشيء من أعاريض النظم وأوزانه المعروفة، إلا أنك تشعر مع ذلك بتوقيع موزون من تتابع كلماته، بحيث يؤلّف اجتماعها إلى بعضها لحنا مطربا يفرض نفسه على صوت القارئ العربي كيفما قرأ، إذا كانت قراءته صحيحة. كما تلاحظ لدى قراءتك لهذه الآيات.
ولعلّ من أبرز آثار هذه الظاهرة، أن حفظ القرآن غيبا أيسر على الإنسان من حفظ سائر أنواع النثر. ذلك لأنه منضبط بأوزان وإيقاعات خاصّة به، فيسهل بذلك حفظه والتنبّه إلى الخطأ الذي قد يقع القارئ فيه عند ما يقرؤه غيبا. بل المعروف لدى من مارس حفظ القرآن أن الخطأ قلّما يقع في حفظه وضبطه إلا من وجه واحد، هو ما قد يكون بين الآيات من تشابه، فيأتي الخطأ من خلط آية بأخرى والوقوع في اللبس بينهما.
ثانيا: دلالتها بأقصر عبارة على أوسع معنى:
وهذه ظاهرة جليّة تستطيع أن تتبينها في طريقة التعبير القرآني، مهما اختلفت بحوثه وموضوعاته لا تجد في الجملة القرآنية كلمة زائدة يصلح المعنى مع الاستغناء عنها، ولا تستطيع أن تترجم معناها بألفاظ عربية من عندك إلا في عدد من الجمل مهما حاولت الإيجاز والاختصار.
ولنستعرض طائفة من الأمثلة على ذلك، والقرآن كله، كما قلنا، مثال على هذه الحقيقة. حدّثنا القرآن عن الضمانات التي أعطاها لآدم بعد خلقه، مما يحتاجه الإنسان في حياته من كل ما يدخل في مقوّمات بقائه وعيشه. لقد وضع البيان الإلهي هذه الاحتياجات كلها في جملتين فقط وهما قوله خطابا لآدم:
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (طه: ١١٨ و ١١٩)، فتأمل في هاتين الجملتين، وألفاظهما وكيفية صياغتهما وكيف أنهما جمعتا أصول معايش الإنسان كلها من طعام وشراب وملبس
стр. 138
ومأوى. وانظر كيف عبّر عن تأمين حاجته إلى المسكن والمأوى بقوله: ولا تضحى ... أي لك أن لا تصيبك شمس الضحى أو يؤذيك لفحها بما نهيئه لك من المسكن الذي يؤويك (١).
وانظر إلى هذه الآية وقد تضمنت حكما من الأحكام الشرعية المهمة.
وهي قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (الأنفال: ٥٨). تأمل صياغة هذه الآية وطريقة دلالتها على المعنى الذي تعبّر عنه، تجد نفسك أمام أسلوب فريد ليس من دأب الإنسان أن يتأتى له التعبير بمثله.
وإليك ما يقوله ابن قتيبة وهو يحاول التعبير عن معنى هذه الآية بألفاظ عربية من عنده:
(ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ ...
الآية، لم تستطيع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها، وتصل مقطوعها، وتظهر مستورها فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضا فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت عليهم وآذانهم بالحرب، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء) (٢).
وحسبك أن تعلم أن الآيات المتضمنة لأحكام التشريع، قد لا تزيد على ثلاثمائة آية، إلا شيئا يسيرا وهي لا تبلغ معشار النصوص الفقهية التي دوّنها الفقهاء فيما بعد، ولكن قد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن من أبرز مظاهر الإعجاز في هذه الآيات أن الطريقة الفريدة في صياغة وتراكب جملها، تجعلها متسعة للدلالة على ذخر من المعاني الكثيرة التي لا يمكن التعبير عنها بطريقتنا المألوفة، إلا بواسطة مجلدات ...
خذ على سبيل المثال هذه الآية:
стр. 139
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ. فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (البقرة: ٢٢٣).
فهذه آية واحدة صيغت من ستة أسطر قرآنية، أي مما لا يزيد على ستين كلمة، وقد تضمنت ثلاثة وعشرين حكما مما يتعلق بنظام الأسرة، لم يستخرج واحد منها تمحلا ولا تكلفا. بل هو بين أن تكون الآية دلّت عليه بصريح المنطوق أو بجلي المفهوم أو بمقتضى النص. وأنت لو رحت تحاول التعبير عن هذه الأحكام بصياغة جليّة دون اختصار
مخلّ أو إطالة من غير لزوم، لاقتضى ذلك منك ما لا يقل عن خمسة وعشرين سطرا من الكلام أي خمسة أضعاف النص القرآني.
وانظر إلى أحكام الميراث في كتاب الله ، وتأمل كيف صيغت فيما لا يزيد عن ثلاثة عشر سطرا من أسطر القرآن، موزعة في آيتين. فلقد حوت هاتان الآيتان- في غير إخلال ولا تمحّل- أحوال الوارثين ونصيب كلّ منهم في كل حال من الأحوال. ولقد انبثق من هاتين الآيتين فن مستقل برأسه يمثّل شطرا كبيرا من أحكام الشريعة الإسلامية. وهو ما يسمى بعلم الميراث، وقد كتبت فيه مؤلفات مستقلة. وإنك لتعجب كيف اتّسع مضمون آيتين من القرآن لمدلولات كتاب برأسه ... ولكن انظر، وتأمل وقارن، فستجد أن هذا الذي تعجب منه حقيقة ثابتة.
ثالثا: إخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحسوس:
ولكي يتجلى لك معنى الإعجاز في هذه المزية الثالثة التي تمتاز بها الجملة القرآنية، ينبغي أن نمهد لذلك بما يلي:
إن الذي أوتي ملكة في الآداب والبلاغة العربية، لا يعدم أن يجد وسيلة
стр. 140
إلى تجسيد المعاني المجردة في كلامه وإخراجها في مظهر الأمر المحسوس. إلا أن هذه الوسيلة محصورة في استعمال الاستعارات والمجازات والتشبيهات. ولكل ذلك طرق محدودة لا مجال للخروج عليها. فهو يستطيع أن يصل بهذه الوسيلة إلى غايته التصويرية بمقدار وضمن حدود.
أما أن يجعل أحدنا من صياغة الجملة ذاتها ومن تآلف كلماتها مع بعض، مرآة يتجسد فيها المعنى المطلوب ويبرز محسوسا ومصورا أمام خيال القارئ، فذلك ما لا سبيل للإنسان إليه. وتلك هي الطريقة الغالبة لتصوير المعاني وتجسيدها أمام المخيلة في كتاب الله . فحتى عند ما تجد الجملة القرآنية بعيدة عن استعمال المجاز والاستعارة والكنايات، ترى هذه الظاهرة بارزة متجلية في جمل القرآن وآياته.
ولن نطيل القول هنا في هذا الجانب الثالث فسنتناوله إن شاء الله بالتفصيل وذكر الأمثلة في مبحث التصوير في القرآن.
ثانيا: الإعجاز بالغيبيات:
ونقصد بالغيبيات تلك الإخبارات المتعلقة بأحداث مقبلة، والتي لم يظهرها بعد أيّ شاهد من العقل أو الحس أو الدلائل التي تعوّد الإنسان على الاعتماد عليها. سواء تعلقت هذه الأخبار بأحداث عامة، أو تعلقت بأناس أو فئات بأعيانهم، أو تعلقت بنواميس كونية.
ففي القرآن آيات كثيرة أخبرت عن أحداث ستقع في زمن مقبل، وفيه آيات تحدّثت عن مصائر أشخاص بأعيانهم، وفيه نصوص تقرر قوانين ثابتة بالنسبة لكثير من المظاهر الكونية المحيطة بنا. وقد جاء الزمن فيما بعد بمصداق هذه الأخبار كلها، دون أن يكون عليها أيّ شاهد من قبل، من حس أو عقل أو أيّ بيّنة من البيّنات.
فمن النوع الأول قول الله : الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (الروم: ١ و ٢).
стр. 141
ومن المعلوم كما رواه الترمذي وغيره، وكما هو ثابت في التاريخ أن الفرس انتصروا في معركة بقيادة «شربزان» على الروم، وذلك أيام كسرى.
وكان المشركون يحبّون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإيّاهم أهل أوثان.
وكان المسلمون يحبّون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب. فلما أنزل الله هذه الآية، وفيها إخبار كما ترى بأن الروم سيعودون فينتصرون على الفرس في بضع سنين، أي في أقل من عشر سنين، خرج أبو بكر يصيح بها في نواحي مكة. فقال له: أناس من قريش، فذلك بيننا وبينكم، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى ... وذلك قبل تحريم الرهان. فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان. وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع؟ ثلاث سنين أو تسع سنين؟ فسمّوا بينهم ست سنين، فمضت السنوات الست قبل أن يظهر الروم، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس قال: وأسلم عند ذلك كثيرون ... وفي رواية أخرى أنه لما مرّت السنوات الست ولم يظهر الروم. قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: ارجع فزدهم في الرهان واستردهم في الأجل، ففعل أبو بكر: فغلبت الروم في أثناء الأجل.
ومنه قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ (الفتح: ٢٧).
ومعلوم أن هذه الآية نزلت في حالة لم يكن المسلمون يتوقعون أن يدخلوا فيها مكة لطواف أو غيره، فقد رأوا من المشركين صدّا وعسفا وإيذاء، ولكن العام الذي تلا تلك الحالة جاء فصدّق هذه الآية ولاحت للناس الحكمة من الصدّ والصلح، وتبين أن كل ذلك جاء مقدمة دقيقة وعجيبة بين يدي فتح مكة سلما كما شاءه الله . وهو ما أخبر الله عنه في آخر هذه الآية بقوله:
فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً.
ولو وضعت الأمر في ميزان التقديرات الفكرية والمنطقية، عند ما أنجز صلح الحديبية، لما رأيت أي دليل يمكن الاعتماد عليه، على أن ثمرة هذه الصلح سيكون فتح مكة عمّا قريب، وأيّ فتح؟ فتح سلمي لا تتناوش فيه السيوف، ولا يقع فيه قتال يذكر.
стр. 142
ومن النوع الثاني: آيات تحدّثت عن أشخاص بأعيانهم، أنبأت عن مصائرهم، وكشفت عن حكم الله المبرم في حقهم. من ذلك قول الله تعالى عن أبي لهب عبد العزّى بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ. سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ إنك إذا تأملت هذه الآيات وما قد تضمنته من إخبار
عن مستقبل هذا الرجل وما سيئول إليه حاله، علمت أن أحدا من الناس لا يملك أن يطلق هذا الوعيد ويسجله في عنق الزمن وعلى صفحة الدهر. فما الذي يدري هذا الإنسان أن أبا لهب سيثبت على كفره إلى الموت، وما هي ضمانات أنه لن يؤمن كما آمن الكثير ممّن هم أشد منه كفرا وأقسى عنادا؟ بل ما الذي يطمئن هذا الإنسان إلى أن أبا لهب لن ينهض به دافع التحدّي عند ما يسمع هذا الوعيد المسجل في حقه إلى أن يعلن إيمانه بالله ورسوله على الملأ، ليثبت بذلك أنه قد محا أسباب شقوته، وأن إخبار القرآن عن مصيره مخالف للواقع الذي تم.
إن بشرا من الناس لن يستوثق من تقلبات الزمن، وما قد يطرأ من الأحوال والأفكار الجديدة على أبي لهب وأمثاله، ونظرا لذلك فلن يجد من الجرأة ما يعتمد عليه في إطلاق مثل هذا الخبر الغيبي المخبوء في تلافيف المستقبل.
ومثله قول الله في حق الوليد بن المغيرة المخزومي:
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً، وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً، وَبَنِينَ شُهُوداً، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إلى قوله: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ....
إن هذا الإخبار الغيبي: سأرهقه صعودا ... سأصليه سقر ... ليس مما يتجرأ إنسان عليه لأن الإنسان يفرض الاحتمالات المختلفة للزمن، والأطوار المفاجئة العجيبة للإنسان، وهو ليس مطّلعا على ما قد يأتي به الغد أو ما قد يفاجأ به فكر الإنسان. ولكنه إخبار غيبي يصدر عمّن بيده مصير الزمن والمكان، وعمّن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وما ينتهي إليه حال أيّ إنسان.
стр. 143
وتدخل في هذا النوع تلك الآيات التي أخبرت عن اليهود وما قضى الله بشأنهم إلى قيام الساعة كقوله تعالى: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً (المائدة: ٦٤). وكقوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ (الأعراف: ١٦٧). وكقوله : وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ ... (الأعراف: ١٦٨).
وأنت إذا نظرت إلى تاريخ اليهود في العالم، وإذا تأملت ظاهرة انتشارهم وتفرقهم بين الأمم والشعوب، وكيف يختبئون خلف كل فتنة يهيجونها، ووراء كل نار يوقدونها، وكيف يبعث الله عليهم بين الحين والآخر من يسومهم سوء العذاب، وكيف أنهم- على الرغم من مراسهم لأسباب الفتن والحروب وسيطرتهم على الكثير من أسواق العالم وتجاراته- لم يأتوا من جهدهم بطائل، ولم تقم لهم قائمة يطمئنون إليها، بل ظلوا مقطعين في الأرض. أقول: إذا تأملت في ذلك كله أدركت أن إخبارات القرآن عنهم وقعت كما أخبر، وأن الزمن ماض في تحقيق المزيد منها.
إنك لتلاحظ تناقضا عجيبا في واقع اليهود وشأنهم الذي يتقلبون فيه.
فهم الذين يملكون ينابيع كثير من الثروات في العالم، وهم الذين كانوا ولا يزالون يلعبون بالذهب في أسواق العالم خفضا له ورفعا، وهم الذين يختبئون خلف الكثير من سياسات العالم وقياداته يوجهون وينذرون ويغرون ...
ولكنك تلاحظ أنهم- على الرغم من هذا كله- لم يستطيعوا أن ينشئوا لأنفسهم دولة مستقرة أو كيانا مطمئنا، وإن الأمم التي أنشأت كياناتها واستقرت في أوطانها، وصلت إلى ما ابتغته من ذلك منذ عصور بعيدة، باليسير مما يملكه اليهود ويسيطرون عليه.
فما تحليل هذا التناقض؟ ... تحليله الوحيد أن الأمر في جملته تصديق أمين لحكم الله فيهم ووعيد الله لهم، إنه قرار الله : وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً يلاحقهم في كل حين وعلى كل حال. وأنه حكم الله : وَإِذْ
стр. 144
تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ يهيمن عليهم في حالة العسر واليسر، وفي تقلبات البأس والضعف.
ومن النوع الثالث: آيات كثيرة تعلن، في بيانات حاسمة عن نواميس كونية، وتخبر أنها ستظل قوانين نافذة حاكمة على الناس كلهم وعلى الطاقة العلمية كلها، مهما تنوعت وتقدمت صعدا. فهي تستعصي على كل محاولات التغيير والتطوير، وإليك بعضا من هذه الآيات:
- وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (يس: ٦٨).
- أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (النساء: ٧٨).
- وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (المؤمنون: ١٨).
- وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: ٨٥).
- نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا (الزخرف: ٣٢).
تأمل في هذه التقارير القاطعة في أسلوبها، المطلقة عن قيود الزمان والمكان، المرسلة في قوة وإصرار إلى أعماق غيوب المستقبل، المتجاهلة بل المترفعة عن محاولات التطوير والعلم، أيمكن أن ينطق بها بشر؟ ... وهل الإنسان نفسه إلّا ذرّة من جزئيات الكون، فهو لا يدري ما الذي يأتي به الغد أو يتطور إليه العلم، أو تمتد إليه الطاقة؟
إن أعظم العلماء شأنا اليوم، يرى الحقيقة العلمية بعينيه، ثم يتحفظ مع ذلك في التعبير عنها، متوقعا أن يفاجأ في كل يوم بقيود أو حدود جديدة لها.
فأيّ رجل هذا الذي يستطيع أن ينهض من وراء القرون الغابرة، فيبعث إلى الدنيا كلها بتقرير علمي جازم يفصّل فيه أمر النواميس الكونية الراسخة، ويرفعها فوق هام البشرية مؤكدا أن أي طاقة، مهما كانت، لن تمتد إليها بأي تغيير؟
стр. 145
إنها معجزة الإخبار اللغوي، يقرره البيان الإلهي، صادرا عن الخالق ذاته، صاحب هذه النواميس ومبدعها، متحديا قدرات التطوير ووسائل البحث والتغيير. وتلك هي الدنيا وأجيالها، وطموح العلم والبحث فيها، كل ذلك خاضع خضوعه المطلق لهذه القوانين والنواميس.
ولعلّ هذه النماذج كافية لبيان ظاهرة الإعجاز الغيبي في القرآن. ولعلك تلاحظ أن ما يسمى عند بعضهم بالإعجاز العلمي يندرج تحت الإعجاز الغيبي، لأن الآيات التي تتضمن حقائق علمية صدقت عليها موازين العلوم والاكتشافات الحديثة، تتضمن حقائق غيبية في الوقت ذاته.
ثالثا: الإعجاز بالتشريع:
تحدّث كثير من الكاتبين عن الإعجاز التشريعي في القرآن، بطريقة لا أظن أنها تكشف حقيقة عن جانب جديد من الإعجاز القرآني، ينبع من أحكامه التشريعية. وقصارى ما ينتهي إليه ذهن القارئ أو المتتبع لهذه الطريقة، إن في القرآن تشريعا أصيلا وأحكاما مهمة وضرورية لمصالح الناس وإن علماء الشرائع والقانون لا غنى لهم، على مرّ العصور، عن الإفادة منها والرجوع إليها. أما أنا تشكل مظهرا من مظاهر الإعجاز في القرآن، فذلك شيء آخر قد يخفى على من يدرس الإعجاز التشريعي في القرآن بتلك الطريقة.
على أن الإعجاز التشريعي في القرآن، حقيقة بارزة لا تقبل ريبا ولا يكتنفها غموض، ولكن الأمر يحتاج إلى فهم حيثية الإعجاز التشريعي فيه، وهو ما فات التنبّه له، أو التنبيه إليه، لدى كثير من الباحثين.
ولا شك أن التنبّه إلى هذه الحيثية التي هي مكمن الإعجاز التشريعي في القرآن يحتاج إلى مقدمة، نوجزها فيما يلي:
من المعلوم فيما أجمع عليه علماء القانون والاجتماع، أن آخر ما يتوج به تقدم أيّ جماعة أو أمة في نهضتها المدنية والحضارية، هو تكامل البنية القانونية والتشريعية في حياتها. أي إن ظهور صياغة قانونية متكاملة في الأمة يعدّ الثمرة العليا لتقدمها الحضاري.