← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38086

من روائع القرآن

محمد سعيد البوطي

Полный текст (281 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن المعلوم كما رواه الترمذي وغيره، وكما هو ثابت في التاريخ أن الفرس انتصروا في معركة بقيادة «شربزان» على الروم، وذلك أيام كسرى. وكان المشركون يحبّون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإيّاهم أهل أوثان. وكان المسلمون يحبّون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب. فلما أنزل الله هذه الآية، وفيها إخبار كما ترى بأن الروم سيعودون فينتصرون على الفرس في بضع سنين، أي في أقل من عشر سنين، خرج أبو بكر يصيح بها في نواحي مكة. فقال له: أناس من قريش، فذلك بيننا وبينكم، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى ... وذلك قبل تحريم الرهان. فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان. وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع؟ ثلاث سنين أو تسع سنين؟ فسمّوا بينهم ست سنين، فمضت السنوات الست قبل أن يظهر الروم، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس قال: وأسلم عند ذلك كثيرون ... وفي رواية أخرى أنه لما مرّت السنوات الست ولم يظهر الروم. قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: ارجع فزدهم في الرهان واستردهم في الأجل، ففعل أبو بكر: فغلبت الروم في أثناء الأجل. ومنه قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ (الفتح: ٢٧). ومعلوم أن هذه الآية نزلت في حالة لم يكن المسلمون يتوقعون أن يدخلوا فيها مكة لطواف أو غيره، فقد رأوا من المشركين صدّا وعسفا وإيذاء، ولكن العام الذي تلا تلك الحالة جاء فصدّق هذه الآية ولاحت للناس الحكمة من الصدّ والصلح، وتبين أن كل ذلك جاء مقدمة دقيقة وعجيبة بين يدي فتح مكة سلما كما شاءه الله . وهو ما أخبر الله عنه في آخر هذه الآية بقوله: فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً. ولو وضعت الأمر في ميزان التقديرات الفكرية والمنطقية، عند ما أنجز صلح الحديبية، لما رأيت أي دليل يمكن الاعتماد عليه، على أن ثمرة هذه الصلح سيكون فتح مكة عمّا قريب، وأيّ فتح؟ فتح سلمي لا تتناوش فيه السيوف، ولا يقع فيه قتال يذكر.

стр. 142

ومن النوع الثاني: آيات تحدّثت عن أشخاص بأعيانهم، أنبأت عن مصائرهم، وكشفت عن حكم الله المبرم في حقهم. من ذلك قول الله تعالى عن أبي لهب عبد العزّى بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ. سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ إنك إذا تأملت هذه الآيات وما قد تضمنته من إخبار عن مستقبل هذا الرجل وما سيئول إليه حاله، علمت أن أحدا من الناس لا يملك أن يطلق هذا الوعيد ويسجله في عنق الزمن وعلى صفحة الدهر. فما الذي يدري هذا الإنسان أن أبا لهب سيثبت على كفره إلى الموت، وما هي ضمانات أنه لن يؤمن كما آمن الكثير ممّن هم أشد منه كفرا وأقسى عنادا؟ بل ما الذي يطمئن هذا الإنسان إلى أن أبا لهب لن ينهض به دافع التحدّي عند ما يسمع هذا الوعيد المسجل في حقه إلى أن يعلن إيمانه بالله ورسوله على الملأ، ليثبت بذلك أنه قد محا أسباب شقوته، وأن إخبار القرآن عن مصيره مخالف للواقع الذي تم. إن بشرا من الناس لن يستوثق من تقلبات الزمن، وما قد يطرأ من الأحوال والأفكار الجديدة على أبي لهب وأمثاله، ونظرا لذلك فلن يجد من الجرأة ما يعتمد عليه في إطلاق مثل هذا الخبر الغيبي المخبوء في تلافيف المستقبل. ومثله قول الله في حق الوليد بن المغيرة المخزومي: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً، وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً، وَبَنِينَ شُهُوداً، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إلى قوله: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ .... إن هذا الإخبار الغيبي: سأرهقه صعودا ... سأصليه سقر ... ليس مما يتجرأ إنسان عليه لأن الإنسان يفرض الاحتمالات المختلفة للزمن، والأطوار المفاجئة العجيبة للإنسان، وهو ليس مطّلعا على ما قد يأتي به الغد أو ما قد يفاجأ به فكر الإنسان. ولكنه إخبار غيبي يصدر عمّن بيده مصير الزمن والمكان، وعمّن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وما ينتهي إليه حال أيّ إنسان.

стр. 143

وتدخل في هذا النوع تلك الآيات التي أخبرت عن اليهود وما قضى الله بشأنهم إلى قيام الساعة كقوله تعالى: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً (المائدة: ٦٤). وكقوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ (الأعراف: ١٦٧). وكقوله : وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ ... (الأعراف: ١٦٨). وأنت إذا نظرت إلى تاريخ اليهود في العالم، وإذا تأملت ظاهرة انتشارهم وتفرقهم بين الأمم والشعوب، وكيف يختبئون خلف كل فتنة يهيجونها، ووراء كل نار يوقدونها، وكيف يبعث الله عليهم بين الحين والآخر من يسومهم سوء العذاب، وكيف أنهم- على الرغم من مراسهم لأسباب الفتن والحروب وسيطرتهم على الكثير من أسواق العالم وتجاراته- لم يأتوا من جهدهم بطائل، ولم تقم لهم قائمة يطمئنون إليها، بل ظلوا مقطعين في الأرض. أقول: إذا تأملت في ذلك كله أدركت أن إخبارات القرآن عنهم وقعت كما أخبر، وأن الزمن ماض في تحقيق المزيد منها. إنك لتلاحظ تناقضا عجيبا في واقع اليهود وشأنهم الذي يتقلبون فيه. فهم الذين يملكون ينابيع كثير من الثروات في العالم، وهم الذين كانوا ولا يزالون يلعبون بالذهب في أسواق العالم خفضا له ورفعا، وهم الذين يختبئون خلف الكثير من سياسات العالم وقياداته يوجهون وينذرون ويغرون ... ولكنك تلاحظ أنهم- على الرغم من هذا كله- لم يستطيعوا أن ينشئوا لأنفسهم دولة مستقرة أو كيانا مطمئنا، وإن الأمم التي أنشأت كياناتها واستقرت في أوطانها، وصلت إلى ما ابتغته من ذلك منذ عصور بعيدة، باليسير مما يملكه اليهود ويسيطرون عليه. فما تحليل هذا التناقض؟ ... تحليله الوحيد أن الأمر في جملته تصديق أمين لحكم الله فيهم ووعيد الله لهم، إنه قرار الله : وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً يلاحقهم في كل حين وعلى كل حال. وأنه حكم الله : وَإِذْ

стр. 144

تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ يهيمن عليهم في حالة العسر واليسر، وفي تقلبات البأس والضعف. ومن النوع الثالث: آيات كثيرة تعلن، في بيانات حاسمة عن نواميس كونية، وتخبر أنها ستظل قوانين نافذة حاكمة على الناس كلهم وعلى الطاقة العلمية كلها، مهما تنوعت وتقدمت صعدا. فهي تستعصي على كل محاولات التغيير والتطوير، وإليك بعضا من هذه الآيات: - وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (يس: ٦٨). - أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (النساء: ٧٨). - وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (المؤمنون: ١٨). - وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: ٨٥). - نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا (الزخرف: ٣٢). تأمل في هذه التقارير القاطعة في أسلوبها، المطلقة عن قيود الزمان والمكان، المرسلة في قوة وإصرار إلى أعماق غيوب المستقبل، المتجاهلة بل المترفعة عن محاولات التطوير والعلم، أيمكن أن ينطق بها بشر؟ ... وهل الإنسان نفسه إلّا ذرّة من جزئيات الكون، فهو لا يدري ما الذي يأتي به الغد أو يتطور إليه العلم، أو تمتد إليه الطاقة؟ إن أعظم العلماء شأنا اليوم، يرى الحقيقة العلمية بعينيه، ثم يتحفظ مع ذلك في التعبير عنها، متوقعا أن يفاجأ في كل يوم بقيود أو حدود جديدة لها. فأيّ رجل هذا الذي يستطيع أن ينهض من وراء القرون الغابرة، فيبعث إلى الدنيا كلها بتقرير علمي جازم يفصّل فيه أمر النواميس الكونية الراسخة، ويرفعها فوق هام البشرية مؤكدا أن أي طاقة، مهما كانت، لن تمتد إليها بأي تغيير؟

стр. 145

إنها معجزة الإخبار اللغوي، يقرره البيان الإلهي، صادرا عن الخالق ذاته، صاحب هذه النواميس ومبدعها، متحديا قدرات التطوير ووسائل البحث والتغيير. وتلك هي الدنيا وأجيالها، وطموح العلم والبحث فيها، كل ذلك خاضع خضوعه المطلق لهذه القوانين والنواميس. ولعلّ هذه النماذج كافية لبيان ظاهرة الإعجاز الغيبي في القرآن. ولعلك تلاحظ أن ما يسمى عند بعضهم بالإعجاز العلمي يندرج تحت الإعجاز الغيبي، لأن الآيات التي تتضمن حقائق علمية صدقت عليها موازين العلوم والاكتشافات الحديثة، تتضمن حقائق غيبية في الوقت ذاته. ثالثا: الإعجاز بالتشريع: تحدّث كثير من الكاتبين عن الإعجاز التشريعي في القرآن، بطريقة لا أظن أنها تكشف حقيقة عن جانب جديد من الإعجاز القرآني، ينبع من أحكامه التشريعية. وقصارى ما ينتهي إليه ذهن القارئ أو المتتبع لهذه الطريقة، إن في القرآن تشريعا أصيلا وأحكاما مهمة وضرورية لمصالح الناس وإن علماء الشرائع والقانون لا غنى لهم، على مرّ العصور، عن الإفادة منها والرجوع إليها. أما أنا تشكل مظهرا من مظاهر الإعجاز في القرآن، فذلك شيء آخر قد يخفى على من يدرس الإعجاز التشريعي في القرآن بتلك الطريقة. على أن الإعجاز التشريعي في القرآن، حقيقة بارزة لا تقبل ريبا ولا يكتنفها غموض، ولكن الأمر يحتاج إلى فهم حيثية الإعجاز التشريعي فيه، وهو ما فات التنبّه له، أو التنبيه إليه، لدى كثير من الباحثين. ولا شك أن التنبّه إلى هذه الحيثية التي هي مكمن الإعجاز التشريعي في القرآن يحتاج إلى مقدمة، نوجزها فيما يلي: من المعلوم فيما أجمع عليه علماء القانون والاجتماع، أن آخر ما يتوج به تقدم أيّ جماعة أو أمة في نهضتها المدنية والحضارية، هو تكامل البنية القانونية والتشريعية في حياتها. أي إن ظهور صياغة قانونية متكاملة في الأمة يعدّ الثمرة العليا لتقدمها الحضاري.

стр. 146

ولا يمكن أن تنعكس هذه الظاهرة بحال من الأحوال، أي فلم تصادف أن تجد جماعة من الناس بدأت سيرها في طريق الرقي والحضارة بإرساء بناء قانوني متكامل لحياتها، بحيث جعلت منه منطلقها إلى الثقافة والرقي الاجتماعي والاقتصادي والعلمي. ذلك لأن الأمة التي لم تتقدم حضاريا بعد، والتي لا تزال تعيش في عهد البداوة وفي ظل الأعراف القبلية، ليس في حياتها الاجتماعية من التعقيد ما يشعرها بالحاجة إلى سن قانون ووضع تشريع. غير أنها تزداد شعورا بذلك، تدريجا كلما تقدمت حضاريا وازداد تركيبها تعقيدا. غير أن الذي ظهر في الجزيرة العربية، قبل أربعة عشر قرنا، عكس هذا الذي أجمع عليه علماء القانون والاجتماع، وعرفه الناس من تجارب الأمم ووقائع التاريخ ... فلقد ظهر فجأة بين تلك الجماعات الأميّة من أهل الجزيرة العربية، قانون متكامل يتناول الحقوق المدنية، والأحوال الشخصية ويرسم العلاقات الدولية ويضع نظام السلم والحرب ويضبط آثارهما ... كل ذلك، ولما تتعلم تلك الجماعات بعد شيئا عن معنى المجتمع الذي يحتاج إلى قانون، ولما تأخذ بنصيب من العلم أو الحضارة والثقافة مما يعدّ خطوات أساسية لا بدّ من اجتيازها في طريق الوصول إلى المستوى الذي يوجد الشعور بالحاجة إلى وضع تشريع وقانون. ففكّر ما طاب لك التفكير، هل تجد من حلّ لهذا اللغز العجيب، إلا في اليقين بأن الكتاب الذي حوى هذا التشريع. إنما أنزل وحيا من عند الله ولم يؤلّف من قبل أيّ بشر على وجه الأرض ... وإلا فأين المفر من أعجوبة لا يقبلها عقل أيّ مفكر: أن تؤلف قبائل تظلها حياة البداوة البدائية البسيطة قانون توثيق العقود، ونظام توزيع التركات والمواريث، وضوابط السلم والحرب ثم تمر الأجيال وتتطور الظروف والأحوال دون أن يشعر أي باحث منصف بأيّ موجب حقيقي لتغيير شيء من هذه النظم والأحكام، بل تعقد لدراسته المؤتمرات العالمية بعد مرور أربعة عشر قرنا من وجوده، وتطبيق المسلمين له، ويجمع أساطين الفقه والقانون على أعقاب هذه المؤتمرات- على اختلاف مللهم ومذاهبهم- على الأهمية البالغة لهذا

стр. 147

التشريع وعلى ضرورة دراسته والإفادة منه في الدراسات المختلفة ... أفيكون هذا التشريع الذي اتّسم بهذا الخلود من وضع جماعات من العرب والأعراب الأميين الذي يحكمهم نظام البادية وأعراف القبيلة؟ ... أي مجنون هذا الذي يصدّق مثل هذا الخلط والهراء؟ ... من أجل هذا اللغز الذي لا يحلّ إلا باليقين بأن هذا القرآن كلام الله، ذهب الباحثون المستشرقون ومن لفّ لفّهم يمينا ويسارا، في البحث عن تحليل مقبول لقصة هذا التشريع الذي ظهر فجأة في الجزيرة العربية، فمرّة فرضوا أنه مقتبس عن القانون الروماني، ولما رأوا أنه لا توجد أيّ جسور واصلة ما بين هذه الفرضية وواقع الجزيرة العربية آنذاك، تحولوا عن هذا القول إلى فرض أنه مقتبس عن الشرائع اليهودية ... ولما أعوزهم الدليل على هذا الزعم العجيب، قالوا فلعلّه مقتبس عن شريعة حمورابي. كل هذا، فرارا من لغز عجيب يلزمهم- إن هم لم يقبلوا وجها من هذه الوجوه- بالقول بأن هذا التشريع ظهر هكذا في جو الجزيرة العربية، دون أن ينبع من أرضها لأنه غير معقول أو أن ينزل من سمائها، لأنهم لا يريدون أن يعترفوا بنبوّة محمد ﵊. ونحن نقول: أما أنه لا يمكن أن يكون قد نبع من أرضها، فهو صحيح، لأن فاقد الشيء لا يعطيه بل لا يستشعر الحاجة إليه. وأما أنه لا يمكن أن يكون قد نزل من سمائها، فهذا ما نخالف فيه إن أردنا أن نحلّ اللغز حلّا يقبله المنطق والعقل. بل نقول إنه لا يمكن إلا أن يكون شرعا منزّلا من السماء أي من لدن ربّ العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المبلغين له بلسان عربي مبين. فإن لم نحلّ اللغز عن طريق اليقين بهذه الحقيقة، فلنعلم أن اللغز سيظل قائما. وسيظل كل عاقل في حيرة من أمر هذا التشريع ومصدره، ولن يحلّ شيئا من الأشكال تلك الافتراضات العشوائية التي لا تعتمد على أيّ بينة أو برهان أو حتى إشارة يستأنس بها. فهذه هي خلاصة القول عن الإعجاز التشريعي في القرآن. أما القول

стр. 148

عن دقة هذا التشريع وسعته ومقوّمات خلوده وصلاحيته، فحدّث عن ذلك ولا حرج، والكلام في ذلك متشعب، وطويل الذيل. إلا أن الحديث في ذلك خارج في جملته عن حقيقة الإعجاز الذي نتكلم عنه. وإنما مكمن الإعجاز التشريعي هو ما قد أوضحناه بشكل موجز. رابعا: مظهر جلال الربوبية: لم أجد من فصل القول في هذا الجانب من الإعجاز القرآني، على الرغم من أنه من أبرز ما يظهر حقيقة الإعجاز القرآني، فهو الجانب الذي لا يمكن أن يخفى حتى على العامّة الذين لا يتمتعون بدراية واسعة للبلاغة العربية أو الثقافة العامّة. إذا كانوا ممّن يقرءون القرآن بتأمل وتدبّر. ومما لا ريب فيه أن أكثر الناس الذين يقرءون كتاب الله تعالى، وقد وقر في أنفسهم أن هذا الكلام لا يمكن أن ينطق به بشر من الناس، دون أن يعلموا البرهان الواضح على يقينهم هذا، إنما يستشعرون في الحقيقة، هذا النوع الذي نحن بصدد شرحه وتحليله، وهو ما أسميناه: مظهر جلال الربوبية في القرآن، إلا أن من الطبيعي أن القارئ الذي لا يتمتع بثقافة أو دراية علمية واسعة لا يمكن أن يعبّر عن مصدر شعوره أو يقينه الذي تأثر به. ولكي نحلّل هذا الجانب المهم من الإعجاز القرآني، يجب أن ننبّه إلى حقيقة علمية ونفسية لا يقع فيها ريب ولا مراء. فما هي؟ من المعلوم أن الكلام مرآة دقيقة لطبيعة المتكلم. فما تتجلى الأغوار النفسية لشخص على شيء كما تتجلى على ما قد يكتبه أو يقوله. وكلما تبسط الإنسان وزاد من حديثه الذي يكتبه أو يقوله، ازدادت خصائصه النفسية جلاء ووضوحا. لذا لم يكن من اليسير أن يقلّد كاتب كاتبا آخر في أسلوبه إذا كتب. فلا يستطيع الرجل أن يتقمص نفسية المرأة في كتابته، ولا يستطيع كاتب معاصر- مهما بلغ في السيطرة على أسلوبه وقلمه- أن يقلّد كاتبا عاش قبل هذا العصر. ولقد حاول كثيرون أن يقلدوا أسلوب الجاحظ وغيره فما استطاعوا إلى ذلك

стр. 149

سبيلا. ذلك لأن الأسلوب ليس طريقة معينة في صوغ العبارة فقط، بل هو قبل ذلك مرآة لنفسية صاحب الأسلوب. فلئن استطاع الكاتب أن يقلّد الآخر في صوغ العبارات، فهيهات أن يستطيع تقليده في إبراز نفسية كنفسيته. فمن هنا يأتي العجز عن أن يتقمص أي كاتب أسلوب غيره. وليزداد الأمر وضوحا لك، افرض أن العقاد ﵀ أحبّ أن يقلّد- وهو الكاتب القدير- أسلوب المازني ﵀ في مرحه ودعابته، أفيستطيع أن يفعل ذلك بنجاح؟ من البداهة بمكان أنه لا يقدر لأن ما طبع عليه العقاد من الجدّ والغوص إلى أعماق المعاني، يحول دون إمكان ظهوره بمظهر إنسان مرح يتناول الأحداث والمعاني من جوانبها السطحية المضيئة ... ولو أن المازني أراد هو الآخر أن يقلّد أسلوب العقاد. لوقع في براثن العجز ذاته، لأنه لا يستطيع أن يتجرد عن طبعه ويرتدي طبعا آخر لم يفطر عليه ... فإذا اتضح لنا أن الفوارق النفسية والطبيعية تحول دون إمكان تقليد كلّ منّا للآخر في أسلوب الكتابة والقول، على الرغم من وجود الإنسانية العامّة قاسما مشتركا بين الجميع، فأحرى- في باب البداهة والوضوح- أن لا يستطيع إنسان من الناس أيّا كان، أن يتجرد عن بشريته وطبيعته، ثم يجعل من نفسه إلها يتصف بكل ما لا بدّ أن يتّصف به الإله من الصفات الربانية المضادة للطبيعة البشرية، وينطق بكلام تبرز فيه هذه الألوهية بكل ما فيها من خصائص وصفات، وكل ما تمتاز به من تجرد عن مظاهر البشرية والضعف الإنساني. ولكي نرى تطبيق هذه الحقيقة على كتاب الله تعالى، يجب أن نلاحظ أن الآيات القرآنية، تنقسم إلى طائفتين: أما طائفة منها فيتحدث فيها الله على ألسنة أنبياء أو أشخاص آخرين، وذلك في نطاق القصص أو الإخبار عن أقوالهم. ولا كلام لنا في هذا الصدد عن هذه الطائفة من الآيات. الطائفة الثانية آيات ذاتية، أي يتكلم فيها الله عن ذاته آمرا أو ناهيا أو مخبرا، فإذا تأملت في هذه الآيات، رأيتها تتسم بجلال الربوبية وصفات الألوهية، ولم تجد فيها أي معنى من المعاني البشرية والصفات

стр. 150

الإنسانية، كما ستجد الآن من خلال الأمثلة التي سنذكرها. فإذا كان الإنسان عاجزا عن تقليد أسلوب أخيه الإنسان: بسبب حواجز الطبائع المتخالفة، أفيكون قادرا على صياغة كلام بعيد عن شوائب البشرية، تشعّ منه رهبة الربوبية وينشر من حوله جبروت الألوهية، أي: أفيقدر الإنسان أن يجعل من نفسه ربّا للعالمين وينطق باسمه محليا نفسه بصفاته بعد أن عجز أن يجعل من نفسه زيدا من الناس من أمثاله وأن ينطق بأسلوبه ويرتدي صفاته؟ ... إن هذا مستحيل بلا شك ... ذلك لأن الطبيعة البشرية لا يمكن أن تتخلى عن الإنسان لحظة من لحظات حياته، ومن ثم فهي لا بدّ أن تعوقه عن القدرة على هذا الأمر. وإذا حاول أن يجرّب عن طريق الصنعة والتمثيل، فإنه لن يأتي إلا بكلام متنافر متهافت في وحيه ودلالته، لا يدل إلّا على ما أقامه في نفسه من ازدواج متكلف كاذب في الطبع والشعور. وإليك بعض الأمثلة القرآنية التي يشعّ فيها جلال الربوبية وصفات الألوهية من خلق وإعدام وقدرة وإحاطة ... إلخ، تأملها جيدا، وتساءل مع نفسك: أفيمكن أن تكون هذه الآيات مما قد نطق به بشر مثلنا من الناس: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ، وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا، ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا، وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها، كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا مريم: ٦٨ - ٧٢. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ، لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (طه: ١٤ - ١٧). وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ، وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا، إِذاً لَأَذَقْناكَ

стр. 151

ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً، وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها، وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا، سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (الإسراء: ٧١ - ٧٧). إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ، يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً، ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (ق: ٤١ - ٤٤). فتأمل في هذه الآيات التي يتجلى فيها جلال الربوبية، ثم قل لي: أفتجد أن مثل هذا الكلام مما يمكن لبشر من الناس أن يصطنعه اصطناعا وأن ينطق به تمثيلا أو أن يتحلى به تزويرا؟ أمّا إنّ الطبع لغلّاب، وليقم أي فرعون من الفراعنة المتألهين أو المتجبرين، ثم ليجرب أن ينطق بمثل هذا الكلام الذي يتنزل من عرش الربوبية ويغمر النفس بالرهبة والجلال، فإن لسانه سيدور في فمه على غير هدى، وإذا تكلم فسيأتي بكلام يكشف بعضه بعضا فيه محاولة التمثيل وليست فيه صنعته إذ هو مما لا يسلس القياد فيه لتصنّع ولا لتمثيل. إن بشرية الإنسان وضعفه يمنعانه- أيّا كان مسلما أو كافرا- من أن يقول: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ أو يقول: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أو أن يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ. وإن هو حاول أن يقول شيئا من هذا فسيلتوي عليه لسانه ويتعثر بضعفه ومخلوقيته ثم لن ينجح في النطق بمثل هذا الكلام. وانظر، فقد صوّر الله لنا بمحكم بيانه المعجز ألوهية فرعون الزائفة، وكلامه الذي حاول أن يبثّ فيه دعوى ألوهيته وربوبيته، وصوّر لنا من خلال ذلك كيف أن كلامه جاء تكذيبا لطموحه وربوبيته الزائفة. وذلك عند ما قال عنه: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (القصص: ٣٨).

стр. 152

إنّه يدّعي الربوبية، ويزعم أن لا إله لهم غيره، ثم يطلب من هامان أن يوقد على الطين، فيجعل له منه برجا عاليا يصعد عليه ليبحث من هناك عن إله موسى! ... فانظر كيف صوّر القرآن بشرية فرعون التي فرضت نفسها على كلامه لتكذبه فيما يزعم ولتسخر من عظم دعواه أمام ضآلة ذاته، صوّر ذلك في قوله: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ ... يدّعي الربوبية ويريد الصعود إلى أجواء السماء ثم لا يرى سبيلا إلى ذلك إلا أن يستعين بالطين وأسباب الطين ... إن الذي يضطر إلى الاستعانة بالطين، فيما يسعى إلى تحقيقه، لا يمكن إلا أن يكون ذلك المخلوق الضعيف الذي خلق من طين. ثم إنه يقول: لعلّي أطلع إلى إله موسى، ولعلّ أداة رجاء. والرجاء من أبرز دلائل الضعف وتقاصر القدرة. ذلك لأن الذي يرجو شيئا، إنما يظهر تعلق قلبه وانصراف نفسه إليه دون أن يستيقن أنه قادر على بلوغ فعله. إذ كانت رغبته فيه أقوى من قدرته عليه، فهو يعلّل نفسه بالأمل. إنّ الرب الحقيقى أجلّ من أن يكون على هذه الحال، ولكنها الفطرة البشرية تأبى إلّا أن تفرض نفسها على لسان صاحبها، سواء أكان مؤمنا أم كافرا، متجبرا كان أم متألها. فهذا الجانب من الإعجاز القرآني، لا يتوقف إدراكه أو الشعور به على سعة علم أو ثقافة أو بلاغة. بل لا بدّ أن يتنبه إليه كل متدبر لتلاوة القرآن متأمل فيما يقرأ، مهما كانت ثقافته ودرايته. غير أنه قد لا يحسن التعبير عمّا يشعر به، ولا يقدر على تحليله وشرح أسبابه. وإذا رأيت من إذا تلا القرآن تأثر به قائلا: إن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن بشر، فاعلم أنه متفاعل مع هذا الوجه الأخير الذي فرغنا من شرحه وتحليله.

стр. 153

غير أن كل هذا الذي أوضحناه من الوجوه المختلفة للإعجاز في هذا الكتاب الربّاني لا يتجلّى شيء منه إلا لقلب لم تخنقه أغشية الكبر والعناد، فأقبل إلى القرآن يتأمله متجردا عن أي عناد أو أسبقية إلى ضلالة عاهد نفسه أن لا يتحول عنها. فأما من قد ران على قلبه الكبر والعصيان، ومرّ بالقرآن على هذه الحال. فقد لا يتنبه إلى شيء مما ذكرنا ولا يتأثر به، وإن نبهه المنبهون واستثاره الناصحون، كيف وهو الذي يقول القرآن في حقه وحق أمثاله: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (الإسراء: ٨٢). ويقول أيضا: وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ... (فصّلت: ٤٤). نسأل الله تعالى أن يلهمنا الحق والرشد، وأن لا يصدّنا بفعل شهواتنا وأهوائنا عن الحق الذي أنزله على رسله وأنبيائه، إنه على كل شيء قدير. الذين كتبوا في إعجاز القرآن والكاتبون في إعجاز القرآن من العلماء وأئمة البيان كثير، وأول من كتب في ذلك الجاحظ ﵀ (ت: ٢٥٥) فقد ألّف في ذلك كتابا سمّاه (نظم القرآن) ثم ألّف أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي (ت: ٣٠٦) كتابه إعجاز القرآن وجاء من بعده عبد القاهر الجرجاني (ت: ٤٧١) فشرحه شرحا مستفيضا سمّاه: المعتضد. كما ألّف كتابه المشهور (دلائل الإعجاز). ثم جاء أبو عيسى الرماني (ت: ٣٨٥) فألّف هو الآخر كتابا في إعجاز القرآن، وظهر من بعده كتاب القاضي أبو بكر الباقلاني (ت: ٤٠٣) واسمه أيضا: إعجاز القرآن، وهو كتاب جليل سلك فيه مؤلفه أقرب الوسائل إلى كشف جوانب الإعجاز القرآني وتذوقه. وكتب بعدهم كثيرون في هذا الباب، كالإمام الخطابي وفخر الدين الرازي وابن أبي الأصبع. أما في عصرنا فأحسب أن خير من كتب في هذا الموضوع

стр. 154

المرحوم مصطفى صادق الرافعي صاحب كتاب إعجاز القرآن. أما سيد قطب ﵀ فقد عالج نواحي خاصة من إعجاز القرآن. فأبدع فيها وأجاد، ومن خير آثاره في ذلك، التصوير الفني في القرآن، ومشاهد يوم القيامة في القرآن. هذا إلى جانب تفسيره العظيم. في ظلال القرآن، فقد نهج فيه نهجا جديدا قد يكون بعيدا عن تحقيق المسائل والقضايا العلمية، ولكنه لامس حاجة في نفوس كثيرين من الناس وهي التطلّع إلى الكشف عن وجدانيات القرآن وأسراره وتبسيطها وتقريبها للأفهام بعيدا عن التأملات العلمية والفكرية العويصة.

стр. 155

موضوعات القرآن وطريقة عرضه لها تدور بحوث القرآن كلها على غرض رئيسي واحد، هو دعوة الناس كلهم إلى أن يكونوا عبيدا لله بالفكر والاختيار كما خلقهم عبيدا له بالجبر والاضطرار (١). وتلك هي خلاصة ما ينطوي عليه الدين الحق الذي ألزم الله به عباده منذ أن خلق آدم ﵊ إلى أن بعث خاتم الأنبياء محمدا ﷺ . وكلّ ما في القرآن من موضوعات، متفرع عن هذا المقصد الرئيسي الأسمى. إذ كان لا بدّ، لكي يدين الناس بالعبودية لله وحده من أن يطّلعوا على دلائل وجوده ووحدانيته وأن يستيقنوا قيام الناس لرب العالمين من بعد الموت، وأن الذي ينتظرهم إذ ذاك إما سعادة عظيمة في جنات الخلد أو شقاء وبيل في نار تتلظى. فكان لا بدّ من أن يعرض القرآن لموضوع العقيدة وكلياتها، وضرورة إيمان كل إنسان عاقل لها. فهذا هو الموضوع الأول، وطريقة عرض القرآن له تقرير كليات العقيدة التي لا بدّ من الاعتقاد بها، من وحدانية الله وبعث الناس بأرواحهم وأجسادهم يوم القيامة، والحساب والصراط والجنة والنار وما إلى ذلك، ثم عرض الأدلة على هذه الكليات، وأهمها وجود الله ووحدانيته بأسلوب يشترك في

стр. 156

فهمه سائر أصناف الناس وطبقاتهم، ولذلك تراه ينبّه الناس إلى أدلة الكون وما يشيع فيه من دقة النظام وروعة الخلق وجمال التنسيق، دون أن يعرض لشيء من الأدلة المنطقية الفلسفية أو العلمية التي تختصّ بفهمها فئات معينة من الناس، اللهمّ إلا أن تدل الآية على شيء من ذلك من وراء دلالتها على القدر المشترك الذي يفهمه الناس كلهم، ففي القرآن من ذلك كثير وقد مرّ بيانه فيما مضى. وإذا تأملت في معالجة القرآن لموضوع العقيدة، فإنك قلّما تجده يعرض للدليل على أصل وجود الله ، وإنما هو يقرر وحدانيته وينبّه العقول إلى الأدلة المختلفة على ذلك. والسبب هو أن وجود الله أمر مفروغ منه لا نزاع ولا حاجة إلى البحث فيه، وإنكار وجوده أو الشك فيه شيء لا يتصوره عقل عاقل. فهذا ما أراد القرآن أن يوحي به عند ما لم يعرض للاستدلال على أصل وجود الخالق إلا في آيات قليلة. والحقيقة أن نزعة الحديث عن وجود الله والشك فيه أو فرض عدم وجوده، شيء لم يعرف إلا في القرون الأخيرة، أما فيما مضى فقد كان الإيمان بوجود الخالق ﷻ أمرا مفروغا منه، أما مظاهر الضلال فإنما كانت تحوم حول تفسير هذا الخالق أو توهم تعدده ووجود شركاء له، أو توهم حلوله في الأفلاك العشرة أو العقول العشرة كما كان يتخيل بعض فلاسفة اليونان. ثم كان لا بدّ من عرض العبر والآيات المختلفة التي مرّت مع التاريخ كي يستنير بها العقل في مجال اعتباره واستدلاله، وكي تتجلى مظاهر عظمة الله وقدرته فيما سجله الزمن من واقع وأحداث. فمن أجل ذلك عرض القرآن لموضوع آخر هو: القصص، قصص الأمم الخالية وما آل إليه أمرها من الهلاك والدمار، وقصص كثير من الأنبياء الذي تعاقبوا على الدعوة إلى دين واحد، وكرروا إبلاغ الناس حقيقة واحدة لم يختلفوا عليها ولم يتفرعوا عنها في طرائق متعددة أو متباينة. ولا نطيل الحديث عن القصة وكيفية عرض القرآن لها، فإن لذلك فصلا خاصا به سيأتي إن شاء الله. ثم كان لا بدّ أن تقوم حياة الناس في دنياهم على نظام معين يضمن لهم

стр. 157

مصالحهم وأسباب عيشهم، ويجمعهم على صراط من التحابب والتعاون، فكان من مقتضى ذلك أن يعرض لموضوع ثالث، هو: التشريع، وقد أوضح القرآن في عرضه لهذا الموضوع الأحكام المتعلقة بسائر المعاملات المدنية المختلفة، حيث قرر الأحكام المتعلقة بالبيوع والإيجار والشركات وعامة العقود المالية وغيرها، وقرر الأحكام المتعلقة بمختلف الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث وسائر ما يتعلق بذلك من أحكام الأسرة، وتحدّث عن الجنايات والجرائم المختلفة وعقوباتها، وعمّا ينبغي أن تكون عليه علاقة المسلمين، كدولة، بالدول والجماعات الأخرى. والحاصل أن القرآن قد عرض لعامة ما يسمى اليوم بالقوانين المدنية الجنائية، والنظم الدستورية والإدارية، والقانون الدولي. غير أن طريقة عرض القرآن لهذه النظم والأحكام، اختلفت إلى ثلاث طرق وذلك حسب اختلاف متعلقات تلك الأحكام. فمنها ما نصّ القرآن على حكمه بعبارات حاسمة واضحة منفصلة لا تعليق فيها ولا إبهام أو إجمال، وذلك مثل فريضة الميراث وحقوق كلّ من الورثة في مال الموروث، ومثل عقوبات بعض الجرائم كالزنا والسرقة والقذف وجريمة القتل وقطع الطرق؛ ومثل كثير من مسائل الأحوال الشخصية. ومنها ما اكتفى ببيان حكمه من وجوب أو حرمة أو إباحة ... وعرّف بها إجمالا، ثم وكل إيضاح الشروط والصفات وكيفية التطبيق إلى بيان الرسول ﷺ ، وذلك مثل عامّة العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة، ومثل كثير من أحكام المعاملات. ومنها ما وضع فيه المبادئ الأساسية وقرر بحقه الأحكام الكلية ثم أناط تعيين الاحتمالات ووجوه التطبيق فيه بأعراف الناس وتطورات الزمن والأحوال. ثم كان لا بدّ، لتقوم حياة الناس على مبدأ قويم ونظام صالح، ولتتوفر ضمانات تطبيق ما وضعه أمامهم من الأحكام التشريعية- من أن يحيا القلب الإنساني بمراقبة الله في كل الظروف والأحوال وأن تقوم بين الناس

стр. 158

وشائج من الأخلاق الفاضلة والمحبة والإيثار وما إلى ذلك. فمن أجل ذلك عرض القرآن لموضوع رابع وهو: الأخلاقيات، فعني به عناية كبرى، وجعله من الثمرات الأولى للإيمان بالله ، وأوضح أن هناك تلازما شديدا بين عبودية الإنسان لله والسلوك الأخلاقي الفاضل في المجتمع. والطريقة القرآنية لعرض هذا الموضوع، أنه يربط بين مبادئ العقيدة والإيمان بالله ، والمبادئ السلوكية في الحياة، ويكشف عن التلازم الذي بينهما، وأن الثانية دائما نتيجة وثمرة للأولى. فهو يوضح لك الرابطة المتينة بين اعتقادك بأنك عبد لله ، والتواضع ولين الجانب لإخوانك من الناس، ويأمرك بالثاني من حيث أمرك وألزمك بالأول فهو يقول مثلا: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (١). وهو يوضح لك التلازم بين اعتقادك بأن الرزق إنما يأتي من عند الله وبتقديره، وبأن المال هو مال الله جعل الناس خلفاء فيه، وبين ما ينبغي أن تلتزمه بصدد الإنفاق، من القصد في ذلك وعدم الإقتار ولا الإسراف، ويوضح لك أن الثاني نتيجة للأول دائما. فهو يقول: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢) ثم يوضح أساس هذا الأمر قائلا: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣). أي فالقرآن يقوّم المعايير الأخلاقية تقويما دينيا، ويجعل وجه ضرورة الالتزام بها الإيمان بالله بكل ما يستلزمه من توابع ومتممات، بل إنه ليهدد أولئك الذين يفضلون العثوّ والفساد في الأرض بأخلاقهم السيئة، بأن أفئدتهم وعقولهم لن تتفتح لفهم الحقائق وأنها ستظل منصرفة عن أن تعي شيئا

стр. 159

من دلائل الإيمان بالله، فهو يقول مثلا: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ... (١). فهذه جملة الموضوعات التي يتناولها القرآن بالبحث وتلك هي طريقة عرضه لها ذكرناها بسرعة واختصار، وهي كما قلت لك فروع عن المقصد الأول الذي خاطب القرآن من أجله البشر، ألا وهو أن يدخل الناس في العبودية لله بالإيمان والعبادة طوعا كما أدخلهم فيها بالفطرة والطبع كرها.

стр. 160

التّصوير في القرآن مظهره ورسائله تمهيد: يقول علماء العربية والبيان: الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء. والخبر هو- كما تعلم- الحديث عن معنى قد وقع، على سبيل الاطلاع عليه لمن كان جاهلا، أو التذكير به لمن كان ناسيا؛ والإنشاء هو تحصيل معنى عن طريق استفهام أو طلب. فشأن الكلام- على كل حال- مرتبط بالمعنى، إخبارا به أو استفهاما عنه أو طلبا له، وليس له شأن بما وراء ذلك. وما هو المعنى؟ ... إنه عبارة عن كل ما يدركه العقل، فكل ما علمه العقل فهو معنى. ومن هنا، كانت صلة الكلام بالعقل دائما؛ والمتكلم إنما يخاطب في الناس عقولهم؛ فإذا أدرك العقل واستوعب، حمل إلى مكامن الإحساس والوجدان من ذلك المعنى ما يلائمه من التأثيرات المختلفة. فتفاعل الإحساس بها وتأثر. غير أن لكلام القرآن طريقة أخرى في الخطاب. إنه لا يخاطب العقل وحده، على نحو ما نعلم من طبيعة سائر أنواع الكلام. ولكنه يخاطب كلّا من العقل والخيال والشعور معا؛ أو قل إنه يحمل إلى العقل معنى يخاطبه به وينهاه إليه، وينفث في المشاعر والخيال إحساسا

стр. 161

بصورة ذلك وينبههما إلى ما فيه من حركة وحياة. وكلام القرآن، لا يعثر على هذا السبيل في الخطاب اتفاقا؛ أو بأن يتهيأ له سبيل إلى تشبيه أو استعارة أو مجاز، حتى إذا تجاوز ذلك عاد إلى النسق المألوف والكلام المعتاد. بل هو في القرآن نسق مطّرد، وطريقة متبعة، وسبيل عرفت به وعرف بها؛ سواء كان يأمر وينهى، أو يخبر ويقصّ، أو يعلّم ويشرّع، أو يتحدث عن غيب أو يحذر من عذاب. وسرّ العجب والإعجاز في ذلك، كلّ من حقيقتين اثنتين: الأولى: أن المعاني، في حقيقتها، ليست إلا مجردات اعتبارية، يهضمها ويدركها العقل وحده. فتحوّلها إلى صورة مما تألفه العين ويدركه الشعور والخيال، مما لا يقدر عليه الإنسان إلا في حدود ضيقة وبالنسبة لمعان معينة. الثانية: أن الألفاظ، ليست إلا حروفا صوتية جامدة، فتحولها إلى ريشة تنبع من رأسها الأصباغ والألوان المختلفة المطلوبة لتحيل المعنى إلى صورة في لوحة يتأملها الخيال، بل تكاد أن تدركها العين قبل أن يستوعبها العقل- أمر لا يقوى عليه شيء مما نسمّيه المجاز أو البلاغة والبيان. ومع ذلك فإن لكلّ من المعنى واللفظ في القرآن شأنا آخر! ... فليست المعاني في القرآن مجردات اعتبارية لا يدركها إلا العقل، وإنما هي صورة حيّة تمرّ بخيال القارئ، ويلمسها إحساسه، وتكاد أن تراها عينه. وليست الألفاظ في القرآن تلك الحروف التي لا تدل إلّا على المعنى، بل هي ينبوع يفيض بالصور والأحاسيس والألوان. وآية هذا الذي نقول- قبل أن نعرض للدليل التطبيقي- أن تتذكر انطباعاتك النفسية والشعورية تجاه القرآن عند ما كنت تتلوه أو تنصت إليه في زمان طفولتك (إن كنت ممّن أتيح لهم أن يمارسوا تلاوة القرآن في عهد الطفولة)؛ فستتذكر أنه قد كانت لخيالك جولة كبرى ونشاط غريب في آفاق واسعة بعيدة أثناء تلاوته أو الإنصات إليه؛ وستردّك ذاكرتك إلى صور وأشكال وأخيلة غريبة منطبعة في خلدك، كلما قرأت شيئا من آياته.

стр. 162

وإن في خزانة فكري اليوم لنماذج كثيرة من هذه الأخيلة والصور التي انطبعت فيها مما كانت ترسمه الآيات في ذهني أيام كنت منكبّا على دراسة القرآن وتعلمه، وأنا طفل، والكثير منها غريب ومضحك! .. ولقد كنت أحسب فيما مضى أن مردّ ذلك إلى حالة خاصة بي هي الجهل أو نحوه، ولكن لدى دراسة معاني القرآن وما تيسر من آدابه، علمت أن ذلك هو شأن القرآن وعمله في الأخيلة كلها، ورأيت الكاتب والإنسان الكبير: سيد قطب ﵀ يذكر هذا المعنى ويصف الصورة التي كانت ترسمها هذه الآية في خياله إذ هو طفل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١). وأهمية الطفولة بالذات، لكشف هذا الجانب من أسلوب القرآن ومنهجه هي أن الطفل بمقدار ما يكون استعداده لتلقي المعاني المجردة ضعيفا، يكون استعداده لتصور الرسوم والتقاط الأشكال قويا؛ فللطفل خيال مشبوب، ومرآة صافية سرعان ما يلتقط بهما صور الأشياء. ومن هنا كانت لهذه الظاهرة قيمة كبرى في كشف معنى «التصوير القرآني» والبرهنة عليه. فلا يهمنا إذا، أن تثبت هذه الصور في ذهن الطفل مشوّهة أو ناقصة أو غير ذات دلالة، لأن ذلك هو شأن تخيّل الصورة دون إدراك المعنى، ولكن المهم أنه يجد في هذا الكتاب ما يخاطب خياله، وإن لم يجد فيه إلا القليل مما يخاطب عقله، على حين أن ذلك لا يتفق له بالنسبة للكتب الأخرى اللهمّ إلا تلك التي صيغت خصيصا من أجله. ثم إن التصوير القرآني يتدرج في مظاهر متعددة بوسائل مختلفة، وكثيرا ما تجد هذه المظاهر كلها مجتمعة في نصّ واحد، وقد تجد بعضها متفرقا في نصوص متعددة.

стр. 163

فأول مظهر للتصوير، هو إخراج مدلول اللفظ من دائرة المعنى المجرد إلى الصورة المحسوسة والتخيلة. المظهر الثاني: تحويل الصور من شكل صامت إلى منظر متحرك حيّ. المظهر الثالث: تضخيم المنظر وتجسيمه حينما يكون الجو والمشهد يقتضيان ذلك. والوسيلة القريبة إلى تحقيق هذه المظاهر، لا تعدو أن تكون استعارة، أو مجازا مرسلا، أو تشبيها وتمثيلا. وهذه الوسائل التي وضع عليها علم البيان إنما هي قواعد استخلصت واستنبطت من التصوير الذي انطوى عليه أسلوب القرآن الكريم؛ فالقرآن هو الأساس لهذه القواعد وليس العكس كما قد يتوهم. أما الوسيلة البعيدة، فلسنا نملك منها إلا الوصف التقريبي؛ إذ هي سر إعجازه وهي الغاية التي تقف دونها طاقة أئمة البيان. وكل ما نستطيع أن نقول عنها أنها الكيفية اللطيفة الدقيقة التي تتألف الكلمات على وفقها وتتناسق الحروف والحركات وما يتبعها من مدود وشدّات على أساسها، فتخرج الكلمة والجملة في قالب من اللفظ وطريقة الأداء يبث في الإحساس والخيال صورة مجسّمة حيّة للمعنى! .. ولو ذهبت تفكر، لتقف على القاعدة التي بها يتم تصوير اللفظ للمعنى، كي تتخذ منها دستورا لصياغة الكلام، على نحو ما فعل العلماء في استنباط قواعد الاستعارة والمجاز وغيرهما- لما انتهيت إلى شيء! ... كل ما يمكن للفكر أن يعلمه، وكل ما يمكن للحس أن يشعر به، هو أن هذه الألفاظ القرآنية تلصق صورة المعنى وشكله بإحساسك، وإن لتناسق حروفها المعينة وتوالي حركاتها المتنوعة مدخلا وأثرا كبيرا في هذا التصوير. ثم إنك قد تجد الجملة كلها تحمل إلى خيالك صورة المعنى وتبث فيه الحركة والحياة، وقد تجد كلمة واحدة تؤدي هذه المهمة كلها. وما أظنك إلا مستعجلا في الانتقال إلى عرض نماذج وأمثلة لكل هذا الذي نقول، فلنكتف بما ذكرناه من التقرير والتعريف النظري، ولنبدأ بذكر

стр. 164

بعض الأمثلة. ونقول، قبل عرض الأمثلة، كما قال المرحوم سيد قطب: إن الأمثلة على هذا الذي نقول هي القرآن كله حيثما تعرض لغرض من الأغراض، وحيثما شاء أن يعبّر عن معنى مجرد أو حالة نفسية، أو صفة معنوية، أو نموذج إنساني، أو حادثة واقعة أو قصة ماضية، أو مشهد من مشاهد يوم القيامة، أو حال من حالات النعيم والعذاب (١). وإليك الآن هذه النماذج: ١ - أوضح الله لرسوله أنه لا جدوى من أن يضيق صدره بكفر الكافرين، وإلا فليجهد جهده وليعمل كل ما بوسعه في تقديم آية لهم، إن كان قادرا، يبرهن بها على صدقه ويدخل بها الإيمان في قلوبهم. فالتعبير عن هذا المعنى بمثل هذه الألفاظ أو نحوها مما هو مألوف ومقدور عليه، وهو معنى يخاطب به العقل والفكر مباشرة، ولكن انظر إلى التعبير القرآني: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٢). فقد صوّر أولا التألم من إعراضهم، في صورة شيء قد كبر وضخم حجمه ينوء الرسول ﷺ تحت ثقله ويضيق ذرعا به. ثم صوّر الجهد الذي لن يأتي منه بطائل إن هو أجهد نفسه به، بصورة من يريد أن يتخلص من كل الثقل العالق به، فهو ينبعث، في قلق وبحث دائبين، نحو كل الجهات، وخلف كل حجاب وستر، ليعثر على ما قد ينشط به من هذا العقال المتشبث به. فأنت ترى الآية قد أخرجت هذا المعنى الفكري في مظهر شيء محسوس، ثم بثّ فيه الحركة والحياة كما قد رأيت، ثم جسّمت الفكرة نفسها في هذه الصورة الحيّة المتحركة وخاطبت بذلك كله الخيال قبل أن تخاطب مجرد الفكر والذهن.

стр. 165

٢ - أمر الله رسوله ﷺ إن هو التقى بجموع الكافرين الذين أصرّوا على عنادهم، أن يشتد في قتالهم حتى تحقيق بهم الهزيمة ويدخل في قلوبهم الرعب. فانظر إلى الأداة التي استعملها في التعبير عن هذا المعنى: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ، فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١). فقد أخرج معنى التلاقي الذي يكون بين المسلمين وأعدائهم، في صورة من ظل يتربص بشيء حتى ظفر به ووقع عليه وعبّر عن ذلك بقوله: تَثْقَفَنَّهُمْ بمجموع ما تحمله هذه الكلمة من الدلالة ومن الصياغة اللفظية، ومن تناسق السكنات والحركات والتشديد البارز بينها. ثم أخرج معنى إلحاق الهزيمة، في صورة فريدة عجيبة، هي صورة جند أقوياء أشدّاء انقضوا في هجوم صاعق على طلائع أعدائهم أو الصفوف الأولى منهم؛ فأخذ الرعب والفزع منهم كل مأخذ حتى سرى ذلك منهم إلى من خلفهم من بقية الجموع فتبعثروا في كل جهة قبل أن يصل إليهم السوء ويلامسهم. لا ريب أنك إنما تتسمع إلى هذا الوصف بخيالك وإحساسك، ولا ريب أنك تتصوره الآن منظرا حيّا في فلاة واسعة، أو على مسرح يعجّ بالحركة الصاخبة. وقد استنفد بيان هذه الصورة بضعة أسطر كما رأيت. فتأمل كيف صاغها بيان التنزيل في أقل من سطر واحد! .. ٣ - وصف الله المنافقين بالجبن وبيّن أن ما يتظاهرون به من الشجاعة كذب، وأن الرعب سرعان ما يستولي على قلوبهم فينهزمون، لا يلوون على شيء. فانظر كيف عبّر عن هذا المعنى: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا، لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٢). فتأمل كيف بسط معنى الهزيمة والجبن على هذه اللوحة التصويرية الرائعة، وأخرج هذا المعنى الفكري في صورة جماعات من الناس تائهة زائغة العين لما سيطر عليها من الرعب، فهي تنقذف هنا وهناك بحثا عن المأمن والمهرب في حركات عجيبة غريبة. وقد يحسب صاحب النظرة

стр. 166

العجلى أن هذه الكلمات الثلاث: ملجأ، مغارات، مدّخل، مترادفة المعنى. ولكنها في الحقيقة ليست كذلك، بل كلّ منها تصوّر في الذهن شكلا معينا للملاذ الذي يبحث عنه المنهزم والخائف، بدءا من الشكل الطبيعي المألوف وهو الملجأ العادي من دار أو غرفة أو جماعة من الناس، إلى الشكل الذي لا يألفه ويرضيه إلا من اشتد خوفه وهو المغارة في باطن الأرض أو بطن الجبل، إلى الشكل الذي هو أبعد في القبول والإلف من كليهما وهو: المدّخل، أي المكان الضيق الذي لا يستطيع هذا الخائف أن يقتحمه إلا بجهد ولا يكاد أن يستقر فيه إلا تضاؤلا والتصاقا. وانظر كيف تؤدي كلمة «مدّخلا» هذه الصورة وتجسمها في الحسّ بوزنها وجرسها وشدة الدال فيها، ثم تأمل فيما تصوره في خيالك كلمة: لَوَلَّوْا إِلَيْهِ. ثم فيما تتركه كلمة: يَجْمَحُونَ من الصورة الضاحكة الساخرة، ثم تأمل في صورة هاتين الكلمتين، فمهما شرحت وفصّلت، فلن أبين أكثر مما يبينه خيالك وشعورك وأنت تتأمل جرسهما ووقعهما. ثم ارجع النظر مرة أخرى إلى الجملة كلها لتبصر الريشة الإلهية العجيبة وهي تصوّر الهزيمة والجبن والقلق النفسي هذا التصوير المتحرك الساخر، وكيف تتجسد الصورة في خيالك حتى لتكاد العين الباصرة تراها واليد اللامسة تتقراها. ٤ - أخبر الله رسوله أن مسئولية كل عمل متلبسة بصاحبه خيرا كان أم شرّا؛ فلا يسأل إنسان عمّا لم يعلم، ولا ينبعث الشر من مصدر طيرة أو شؤم، وإنما ينبعث من فاعله الذي فعله. فتأمل كيف عبّر عن هذا المعنى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١). إذا تأملت في هذا التعبير، بعد أن علمت أن العرب في الجاهلية كانوا يرون في مظاهر بعض الأنواء والحيوانات والطيور سببا وباعثا للمصائب والشرور، تخيلت صورة إنسان قد تجمعت كل أسباب الشؤم والطيرة المختلفة فالتصقت به وتعلقت بعنقه، ليدل بذلك على أن الذي

стр. 167

يقوده إلى الشر إنما هو ذاته نفسها، وإذا كان لا بدّ أن هناك مصدر طيرة وشؤم، فإنه على كل حال مصدر متعلق به ولا ينفك عنه. وإنما أخرج المعنى بهذا المظهر الحسيّ الملموس، ليكون أوقع في النفس وأدلّ على المقصود وليحمل التعبير معنى السخرية بأوهام الجاهلية وسخافتها. ٥ - أخبر الله تعالى أنه جعل من الليل والنهار دليلين على وجود الخالق العظيم ووحدانيته، وأنه جعل الليل لتهدأ فيه الرجل ويستريح الإنسان، وجعل النهار مضيئا ليتهيأ فيه السعي والعمل، ولكنه لم يعبّر عن هذا المعنى بهذه الطريقة وإنما قال: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ (١) وإذا قرأت هذه الآية، أسرع خيالك فتصور حيوانين أو شبحين عظيمين أحدهما يظل مطبقا عينيه لا يفتحهما على النور، والآخر يظل فاتحا عينيه لا يطبقهما على ظلام. فأما الأول فيتجسد فيه ظلام الليل وانطواؤه وهدوؤه، والآخر يتجسد فيه ضياء النهار وحركته والتماعه. ٦ - أخبر الله تعالى عن كراهية أهل الجاهلية للأنثى إذ تولد في دار أحدهم وبيّن أن الكرب يأخذ من أحدهم كل مأخذ إذا ما أخبر بأنثى قد ولدت له، وأنه يراوده فكرة أن يدفنها في التراب حيّة، ولكنه عبّر عن هذا الشعور النفسي بأسلوب تصويري تسجد له البلاغة في أسمى مظاهرها وألوانها. يقول الله : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ، أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢). فقد صوّر تهكم من حوله به بكلمة بُشِّرَ ثم صوّر شدة الكرب الذي انتابه بقوله: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، ثم صوّر وقع النبأ

стр. 168

الذي حمله إليه القوم مبشرين- أي متهكمين ومشفقين- بقوله: يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ، ثم صوّر الحيرة التي تراوده ويطوف بخاطره بقوله: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ . وردّد النظر والفكر في هذه الكلمة: يدسّه، لتبصر كيف أنها تشفّ عن الغيظ والعصبية والشدة وقد تلبست بها حالة الرجل وأعضاؤه، وكيف تصور لك الدفع المغتاظ للرحمة في مظهرها الضعيف المتألم المسالم! .. ٧ - أخبر الله الناس أنه ما من خبر من الغيبيات التي أخبر الله بها إلا وسيأتي يوم يتضح فيه صدقه ووقوعه كما أخبر به. فانظر إلى التعبير القرآني عن ذلك: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١)، وأنا فما أذكر أنني قرأت هذه الآية مرة إلا وتخيلت أن في جو السماء شبحا يسبح في أنحائه لا يدري الناس ما هو، والكل رافع رأسه محدق بنظره يتأمله وكلّ منهم يتوهمه حسبما يخيل إليه؛ والجميع ينتظرون ساعة هبوطه واستقراره في الأرض ليعلموا حقيقته وليتخلصوا من أوهامهم وتخيلاتهم فيه. إن الله يصوّر الإخبار عن قيام الساعة وما يلوذ بها من الغيبيات، بصورة هذا الشيء الذي ظاف حوله لغو كثير من القول، وأبى كثير من الناس أن يؤمنوا بحقيقته تبعا لما جاء من كلاب رب العالمين، ليقول لهم إن لهذا الشيء مكانا وزمانا يستقر فيهما عيانا أمام أبصاركم، ولسوف تعلمون حينئذ، دون أن يفيدكم العلم. وتصوّر مثل هذا التصوير كلمة مُرْساها في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ... (٢) فالساعة في تعبير الآية كالسفينة محجوبة عن الأعيان في غمار بحر عظيم متلاطم، والمنكرون يستعجلون في طلب إرسائها عند الشاطئ ليشاهدوا حقيقتها بأعينهم. ٨ - بيّن الله أن الأموات سوف يبعثون من قبورهم وتعود إليهم الحياة

стр. 169

ليواجهوا جزاءهم، وأن ذلك يسير على الله ، فجاء التعبير القرآني عن ذلك بهذا الشكل: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً، ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (١). ولا ريب أنك إذا قرأت هذه الآية تصورت أمامك أرضا واسعة المدى تتشقق عن أشخاص هنا وهناك يخرجون منها ليسرعوا إلى حيث لا يدرون. أجل، فالآية تترك في ذهن القارئ هذه الصورة الحيّة المتحركة، ليتصور الأمر البعيد واقعا يشاهده أمام عينيه في بساطة ويسر. ٩ - قرّر الله أن من سنّته في الكون أن يعرض الأمم للمصائب والمحن، فإن لم يتنبهوا بذلك للخضوع والتوبة والتضرّع إلى الله، غمسهم الله تعالى في أصناف الملذات، حتى إذا فرحوا بذلك واستغرقوا في لهوهم وانشغالهم عن الله أهلكهم الله على حين غرّة، فقال في ذلك: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٢). فانظر إلى قوله: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ لكأن أسباب النعيم والترف واللذائذ ممتلئة في مخازن من وراء أبواب، فما هو إلا أن فتحت هذه الأبواب حتى اندلقت عليهم من كل جانب ومن كل نوع .. ثم تأمل في قوله: فَأَخَذْناهُمْ وأي تصوير لضئلة شأنهم ونسيانهم أنفسهم أبلغ وأروع من هذه الكلمة: أخذناهم. ثم انظر كيف يتقارب الزمن الطويل متحركا متنقلا من مشهد إلى آخر في هذه الآية، وذلك بوحي وتصوير تتابع هذه الأحرف والكلمات: فَلَمَّا ... حَتَّى إِذا ... بَغْتَةً ... فَإِذا هُمْ ... مشهد من وراء آخر، ومرحلة تلي ما قبلها، قد تكون الفترة بينهما طويلة، ولكن التعبير القرآني يقارب ما بين هذه المراحل في بضع كلمات، ويصوّرها في ذهن القارئ، وكأنها تاريخ سريع يمرّ من أمامه.

стр. 170

١٠ - ومن التصوير الرائع البديع الذي تنفرد به كلمة واحدة قوله تعالى: ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ (١). والمقصود الأصلي هو استنكار تكاسل بعض المسلمين أمام داعي الجهاد في سبيل الله. ولكن انظر إلى الأداة التعبيرية عن ذلك اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ. لقد أخرج معنى الكسل الذي هو من مدركات العقل في صورة جرم ثقيل كلما حاولت أن ترتفع به إلى الأعلى انحطّ بك إلى الأرض، وهو من الثقل بحيث لا ينفك عالقا وملتصقا بكل ما هو دون، من أرض وغيرها. وكما يقول سيد قطب: لو أنك حذفت الشدة من الكلمة فقلت «تثاقلتم» لخفّ الجرس وضاع الأثر المنشود ولتوارت الصورة المطلوبة التي رسمها اللفظ واستقلّ برسمها (٢). ١١ - أنبأنا الله تعالى عن دخول هذا الكون كله تحت سلطانه وأنه ليس إلا شيئا ضئيلا بالنسبة لملكه وعظيم قدرته، ولكنه وضع هذا المعنى في صورة مخيّلة محسوسة يمتلئ بها الخيال والحس، ويذوب فيها الشعور. يقول الله : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ... (٣). فأنت لست من هذه الآية أمام كلمات الملك والسلطان والعظمة ونحوها مما هو من مفهومات الفكر المتأمل ... ولكنك أمام الهول العجيب الذي يذهب له الحس وتخشع له المشاعر: الأرض جميعا شيء صغير في قبضة الله والسموات كلها بأجرامها العظيمة قد طويت كما يطوى البساط أو الصفيحة، فهي ليست إلا جرما صغيرا لا تكاد تدركه العين مخبوءة في يمين الله . وليس هناك من يمين، ولا قبضة، ولا طي بالمعنى الحسي المعروف، ولكنه التخييل والتجسيم للمعنى الذهني، كي يفيض الشعور والخيال إحساسا به.

стр. 171

١٢ - وربما اقتضى المشهد في بعض الأحيان أن تمثل الصورة أمام الخيال شاخصة صامتة لا حراك فيها، وذلك كما في قوله تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (١) والمعنى المقصود لفت النظر إلى الأمم التي جاءت ومضت وتركت آثارها من ورائها. ولكنه أقام من هذه اللوحة التصويرية في الآية تعبيرا مجسما له. وهي صورة صامتة شاخصة، تبصر فيها بيوتا خالية قد سقط بعضها على بعض ... وتبصر في جانب منها بئرا متروكة معطلة، وقصرا لا تزال فيه جدران باقية قائمة ... ولا والله، ما تلوت هذه الآية مرة إلا ورأيتني أمام لوحة فنية رائعة صوّرتها كلمات هذه الآية في رسم معبّر نادر، يجلله صمت رهيب، تلوح عليه آثار القرون والسنين!! ... وبعد، فهذه أمثلة قليلة، قس كلام القرآن كله عليها. ولن نستطيع أن نفيض في بيان الأمثلة والنماذج؛ فقد التزمنا في هذا الكتاب القصد في البحث، كي يتسع المجال لعرض المسائل والبحوث الأخرى، ولو أردنا أن نستقصي الكلام في تصوير القرآن ومقوّماته ومظاهره، لجفّ المداد ونفد الورق دون أن نوفي البحث حقه: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً. فإن كنت قد ألقيت السمع إلى ما قلنا وأنت شهيد بعقلك الصافي المتحرر، وقفت على الحق في كل الذي ذكرنا، وأدركت أن نظيره مثله مما لم نقل، وأيقنت أن هذه المعجزة التي تصورت كلاما يتلى ليست مما يصوغه بشر، ولا ينبغي أن تكون مادة كذب كذب بها محمد ﷺ على الله، بعد أن عاش أربعين عاما يتوقّى الكذب فيها على الناس.

стр. 172

أما إن كنت تتسمع إلى ما أقول بأذن يجثم من ورائها عناد متحكم، أو غيظ متغلب، أو غرض مستعبد، أو هوى لا قبل لك به، فليس للمنطق أيّ حيلة مع مثل هذه الأذن وإن بدت أنها صاغية. ولقد جسّد الله هذا الغيظ والغرض والهوى، في صورة محسوسة منظورة، إذ قال: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١).

стр. 173

الأمثال في القرآن ضرب المثل في غضون الكلام، يعتبر لونا متميزا من ألوان التشبيه ويعتبر أحيانا لونا خاصّا من ألوان الاستعارة، فإن كان الممثل له مذكورا في الكلام كان تشبيها، وإن كان محذوفا فهو استعارة. وبين المثل الذي يضرب والقصة التي تورد، فارق كبير، وإن كان يجمعهما قدر مشترك من تنبيه الذهن إلى أخذ العبرة وقياس الحال على الحال. فالأمثال لا يشترط صحتها على أنها واقعة تاريخية ثابتة: وإنما يشترط فقط إمكان صحتها أي وقوعها، حتى يتسنى للذهن تصورها كما لو أنها وقعت فعلا، فمن أجل ذلك يمكن الربط بين المثال والمعنى الممثل له، حيث يلبس نسيجا ماديا محسوسا يتصوره الذهن ويألفه الخيال. ولكن الأمثال لا يشترط أيضا عدم صحتها في نطاق الواقع التاريخي فربما ضرب المثل بقصة واقعة. وفي القرآن من ذلك كثير. وإنما تسمى القصة عندئذ تمثيلا، لأنها سيقت مساق التمثيل بها، ولم تورد على أساس الإخبار عنها. وفي القرآن نافذة عريضة كبرى على هذه الأمثلة. بل قلّما يخلو معنى من المعاني التي يعرضها القرآن، من الارتباط بمثال مقرّب يكسوه ثوبا يحسّ به ويتجسد فيه. ولسنا الآن بصدد تحليل القيمة البلاغية لضرب الأمثال، وبيان كيفية استعمالها والاستفادة منها في أنواع الحديث وأصول المخاطبات. وإنما الذي

стр. 174

يهمنا في هذا الصدد أن نتلمس أبرز الخصائص التي تظهر في أمثلة القرآن، وعلاقة ذلك ببلاغته وإعجازه. ونستطيع أن نوجز هذه الخصائص في الأمور التالية: أولا- تعتبر أمثلة القرآن على اختلافها، لوحات فنية رائعة لتصوير مشاهد الطبيعة بأشكالها وأنواعها المختلفة، وفي هذه اللوحات مشاهد ألفتها العرب وعرفتها في حياتها النوعية الخاصة، وفيها ما لم تعرفه ولا رأته ولا سمعت به مما قد يعرفه بعض الأمم والشعوب الأخرى. فالقرآن إذ يضرب الأمثلة بهذه المشاهد المنتزعة من مظاهر الكون وصوره، يؤلّف بين القيم والمبادئ المجردة التي تنزل من أجلها، والمشاهد الطبيعية التي يعيش الإنسان في أكنافها؛ وفي ذلك من إبراز وحدة الحقائق الكونية وترابطها الكلي ببعضها ما يطول شرحه ويعظم خطره، وليس لنا في هذه العجالة سبيل إلى بسط القول في ذلك. ثانيا- تأخذ الأمثلة في أغلب الأحيان طابع القصة في عرض الجزئيات وتفصيل صفاتها، وذلك على خلاف المألوف عند العرب من تكثيف المثال وعرضه في أقل قدر ممكن من الكلمات. فالعرب قد يضربون المثل للشيء الخادع بالسراب، دون تعريج على أيّ تفصيل في المثال أو بسط لصورته، ولكن القرآن عند ما يضرب به المثل يبسط منه صورة حيّة يتراءى فيها كيف ينخدع الظمآن به، ثم يسعى وراءه، حتى إذا جاءه فوجئ بأنه ليس شيئا، ووجد بدلا عنه ثمرة انخداعه من الجهد الضائع والانقطاع عن الرفقة والطريق: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (النور: ٣٩). ثالثا- كثيرا ما تأتي أمثلة القرآن كلاما كاملا مستقلا بذاته، أي دون ذكر للمعنى الممثل له على غرار ما هو معروف في مألوف اللغة العربية وأسلوبها. وإنما يكون المعنى الممثّل له في هذه الحال مطويا، يشار إليه في تضاعيف المثال ذاته، بحيث لا يجهل السامع أو القارئ المعنى الكلي الذي سيق له

стр. 175

المثال، وذلك على غرار الاستعارة وكيفية دلالتها على المعنى الأصلي المقصود. ولا ريب أن سوق المثال بهذا الأسلوب يأتي أبلغ وألصق بالمعنى المراد، إذا لم يكن في سياق الكلام ما يدعو إلى التصريح به. فمن هذا القبيل قوله : وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ، هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ (١) فقد ضرب الله مثال البحرين للمؤمن والكافر، والحديث عن المؤمن والكافر مطوي في تضاعيف المثال، يدلّ عليه السياق. ومنه أيضا قوله : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا (٢) فهو مثال للفرق بين من لم يتخذ مع الله شريكا فهو لا يبغي الخير ولا يتقي الضرّ إلّا من قبله، ومن ثم فهو لا يسعى لإرضاء غيره، ومن اتخذ مع الله شركاء له فقلبه أوزاع بينهم، وهم فيما بينهم متشاكسون متنافسون على مكاسب الألوهية ومقتضياتها، فهو لا يدري بأيّهم يربط قلبه ولأيّهم يعطي ولاءه! ... ولكن هذا المعنى المقصود مطوي في المثال الذي ضربه الله تعالى، وهو مثال رجلين أحدهما يتعلق به شركاء متشاكسون متنافسون كلّ يدّعي انفراده بالسلطان الكامل عليه، والآخر موصول الولاء بشخص واحد فهو سلّم له ومسئول تجاهه. ومنه أيضا قوله : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (الأعراف: ٥٨). وإنما هو مثال للقلوب، فقلب سليم يقبل الموعظة والذكرى، وقلب فاسق قاس ينبو عن ذلك. هذه أبرز خصائص الأمثال في كتاب الله تعالى. ولنعرض الآن نماذج مختلفة لهذه الأمثلة، نتلمس من خلالها القيمة

стр. 176

البلاغة التي فيها، وسمة الإعجاز التي تتميز بها، والأسلوب القرآني في تقريب البعيد، وتجسيد المجردات، وتهويل ما ينبغي تهويله من معاني التهديد والوعيد: ١ - يقول الله تعالى في تمثيل حال المنافقين: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً، فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ، يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فهما مثالان، يدل كلّ منهما في الجملة على أن شأن المنافق أن يتحلّى بظاهر من الدين ليكسب منه غنائمه ويتقي مغارمه، ولكنه يبوء بنهاية تنقلب غنائمه فيها وبالا عليه، فلا تكسبه خيرا ولا تحرز له نفعا. وانظر كيف يعبّر عن ذلك المثال الأول: إن حالهم أشبه بحال من أشعل نارا ليستضيء بها، ولكنها ما كادت تضيء ما حوله وما كاد يطمئن إلى إمكان الاستفادة منها، حتى انطفأت وعاد ما حولها إلى ظلام وبقي صاحبها يتيه بين الوحشة والحسرة. وهذا هو معنى المثال الثاني: أو إن حالهم كحال أصحاب مطر غزيرة في ليلة ظلماء مليئة بوميض البرق وزمجرة الرعد، إذا أومض عليهم البرق كاد أن يتخطف منهم أبصارهم وإذا داهمهم قصف الرعد جعلوا أصابعهم في آذانهم من مخافته واتقائه. وهم أثناء ذلك يحاولون أن يستفيدوا من ومضات النور الذي يلمع لهم بين الحين والآخر، فيسيرون في ضيائه كلما أومض، ويتربصون بأنفسهم كلما أظلم. أي إنهم متلبسون في ظاهرهم بالإسلام الذي هو كصيّب من المطر، ولكنهم في قلق شديد من تبعاته ووظائفه وأحكامه، وعلى طمع من التعلّق بمنافعه وخيراته الدنيوية، فهم لا يزالون كذلك: يسرعون للاستفادة من

стр. 177

ثماره كلما لاحت لهم، وينكمشون أو يتوارون من تبعاته ووظائفه وزواجره كلما أقبلت تواجههم! .. والتمثيل هنا مسوق في تفصيل صوره وأجزائه مساق وصف قصصي كما ترى، وهو من خصائص أمثلة القرآن كما قد ذكرنا آنفا. ثم هو مبني على تشبيه مجموع حالة بمجموع حالة أخرى دون النظر إلى مقارنة أو تشبيه أجزاء الحالين ببعضهما. قال الزمخشري في شرح هذين التمثيلين: [والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه، أن التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة، لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، وهو القول الفحل والمذهب الجزل. بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها عن بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك، فتشبهها بنظائرها ... وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامّت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها ... ] (١). ٢ - يقول الله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ. أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ، ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (النور: ٣٩، ٤٠). يشبه الله تعالى ما قد يبدو أنه مبرور من أعمال الكفار، في عدم فائدته وانقطاع الجدوى منه- إذ كان مؤسسا على باطل من الكفر بالله بمثالين اثنين، أحدهما سراب (٢) يراه الناظر بالفلاة، وقد غلبه العطش فيحسبه ماء، حتى إذا أضنى نفسه في المجيء إلى مكانه ضاع عنه

стр. 178

ولم يجده شيئا. ويمزج البيان الإلهي في آخر هذا التمثيل بين المشبّه والمشبه به، أو قل إنه يؤلف بينهما في الربط بنهاية واحدة، وذلك عند ما يقول: ووجد الله عنده فوفّاه حسابه. فقد كان الحديث إلى ما قبل هذه الجملة عن ظمئان اغترّ بسراب، وفي نهاية المثل اتضح أن الظمآن لم يكن غير هذا الكافر الذي اغترّ بظاهر أعماله الإنسانية، وراح ينتظر ثمراتها وآثارها الخيّرة، حتى إذا جاء يوم الحساب وحانت ساعة القطاف، راعه أنه لم يجد لأعماله الصالحة أثرا، بل وجد بدلا منها إله الذي لم يكن يتوقع أن يراه، ووفّاه حسابه على الحقائق التي كان يبطنها في قلبه لا على المظهر الزائف الذي كان يتجلى به بين قومه وأصحابه. أما المثال الثاني فهو بحر هائل بعيد الغور تكاثفت فوقه ظلمات متراكمة تألفت من ظلمة البحر ذاته وظلمة أمواجه العاتية وظلمة السحب الداكنة من فوقه؛ فهي ظلمات ثلاث تراكمت بعضها فوق بعضها إلى أن غشيت جو السماء وكاد الرجل أن يضلّ فيها حتى عن ذاته. وإنما الظلام في المعنى الممثّل له ظلام الكفر بالله ؛ وإنما القصد أن الكفر إذا حاق بالقلب اصطبغت الأعمال كلها بلونه وتأثرت بظلامه ولم يعد في شيء منها بصيص ضياء، فهي لا تزيد صاحبها إلا ضلالا ولا تكسبه إلا مزيدا من الغواية والخذلان! ... والمثل- كما تعلم- لا يعرفه إلا من يعبر المحيطات من البحارة وأمثالهم، فهناك يتكاثف مثل هذا الظلام تبعا لحالات وظروف معينة فهو شيء لا يعرفه سكان الجزيرة العربية ولا ما حولها. فالتمثيل به ينطوي على دليل من أهم أدلة الإعجاز، ويؤكد ما ينبغي أن يعلمه كل مسلم من أن هذا الكتاب إنما هو كلام الله ، لم يتدخل في صياغة شيء منه أي بشر من الناس كائنا من كان. ٣ - قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ

стр. 179

وَاتَّبَعَ هَواهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ، ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١). ضرب الله تعالى هذا النبأ مثلا لكفار بني إسرائيل، إذا علموا نبوّة سيدنا محمد ﷺ حتى إنهم كانوا يستفتحون به على المشركين، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. والنبأ في الآية، نبأ واحد من علماء بني إسرائيل وقيل من الكنعانيين اسمه بلعام بن باعوراء، أوتي علم بعض كتب الله تعالى، ولكنه انسلخ منها وركب متن الضلالة، إذ أخلد إلى متاع الدنيا وفضّل الركون إلى أهوائها وشهواتها. فلم ينفعه إذ ذاك علمه. وغدا في تعلقه بالدنيا كالكلب يلهث في كل حال إن جاع أو شبع، إن اهتاج أو ترك، وهو من أبرز الحيوانات التي تعرف بهذا الشأن. أي فغدا الرجل يلهث وراء الدنيا ومغانمها في كل حال لا يقعده عن ذلك شبع ولا غنى. فمثل هؤلاء اليهود في ضلالتهم عن الحق الذي لم يجهلوه، بسبب ميلهم إلى المغانم الدنيوية، كمثل ذلك الرجل الذي لم ينفعه علمه لما أخلد إلى الدنيا وأهوائها، بل لم يعد يغنيه امتلاؤه وشبعه عن مواصلة السعي وراءها والانحطاط في شهواتها. وهذا المثل- كما ترى- منتزع من قصة واقعة، وليس مجرد فرضية مؤلفة. فهو مثال وقصة بآن واحد، وإنما عدّدناها في الأمثال لا في القصص لأنها سيقت مساق المثل، إذ جردت من تفاصيلها القصصية واعتصرت منها معالم العبرة مكثفة موجزة، ولأن الله سمّاه مثلا إذ قال في نهاية الآية: ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا. ومن هذا القبيل قوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٢) إلى آخر

стр. 180

قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ... الآية. فهي قصة ذات تفصيل وأحداث ومراحل، ولكنها سيقت مساق المثل فكانت مثالا من أمثلة القرآن، وكانت في الوقت نفسه قصة واقعة يجب التصديق بها. ومنه أيضا قوله : إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ... (١) إلى آخر الآيات. فهي أيضا قصة واقعة ولكنها سيقت مساق المثل ولم تورد على أساس مجرد الإخبار عنها. ولقد اشتهى بعض الكاتبين أن يصطنع اللبس بين المثل الفرضي الذي يورده القرآن والقصة الواقعية التي يخبر عنها، ثم حلّ المشكلة المصطنعة بأن اعتبر قصص القرآن كلها مجرد أمثال سيقت للبيان والتقريب، ولم تذكر للحمل على التصديق بما في مضمونها! .. والحقيقة أنه لا يوجد أي لبس بين المثال الفرضي والقصة الحقيقة، وما رأينا عالما ولا مفسرا ممّن مضى قبلنا أحسّ بشيء من هذا اللّبس أو تكلم عنه. فما من عاقل إلا وهو يدرك أن قصة يوسف، وموسى، ونوح، ومريم، وعاد، وثمود، ومدين، أخبار ثابتة لا يلحقها الريب ولا يطولها التأويل، وما من قصة منها إلا ويوجد بين يديها أو من خلفها ما ينبّه القارئ إلى واقعيتها وصدقها وإلى أنها ليست فرضية من فرضيات الوهم والخيال، وكقوله تعالى: نحن نقصّ عليك نبأهم بالحق (٢). وكقوله: نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن (٣). وكقوله : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (٤). وكقوله: تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (٥).
следующие страницы →