البلاغة التي فيها، وسمة الإعجاز التي تتميز بها، والأسلوب القرآني في تقريب البعيد، وتجسيد المجردات، وتهويل ما ينبغي تهويله من معاني التهديد والوعيد:
١ - يقول الله تعالى في تمثيل حال المنافقين:
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً، فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ، يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فهما مثالان، يدل كلّ منهما في الجملة على أن شأن المنافق أن يتحلّى بظاهر من الدين ليكسب منه غنائمه ويتقي مغارمه، ولكنه يبوء بنهاية تنقلب غنائمه فيها وبالا عليه، فلا تكسبه خيرا ولا تحرز له نفعا.
وانظر كيف يعبّر عن ذلك المثال الأول: إن حالهم أشبه بحال من أشعل نارا ليستضيء بها، ولكنها ما كادت تضيء ما حوله وما كاد يطمئن إلى إمكان الاستفادة منها، حتى انطفأت وعاد ما حولها إلى ظلام وبقي صاحبها يتيه بين الوحشة والحسرة.
وهذا هو معنى المثال الثاني: أو إن حالهم كحال أصحاب مطر غزيرة في ليلة ظلماء مليئة بوميض البرق وزمجرة الرعد، إذا أومض عليهم البرق كاد أن يتخطف منهم أبصارهم وإذا داهمهم قصف الرعد جعلوا أصابعهم في آذانهم من مخافته واتقائه. وهم أثناء ذلك يحاولون أن يستفيدوا من ومضات النور الذي يلمع لهم بين الحين والآخر، فيسيرون في ضيائه كلما أومض، ويتربصون بأنفسهم كلما أظلم.
أي إنهم متلبسون في ظاهرهم بالإسلام الذي هو كصيّب من المطر، ولكنهم في قلق شديد من تبعاته ووظائفه وأحكامه، وعلى طمع من التعلّق بمنافعه وخيراته الدنيوية، فهم لا يزالون كذلك: يسرعون للاستفادة من
стр. 177
ثماره كلما لاحت لهم، وينكمشون أو يتوارون من تبعاته ووظائفه وزواجره كلما أقبلت تواجههم! ..
والتمثيل هنا مسوق في تفصيل صوره وأجزائه مساق وصف قصصي كما ترى، وهو من خصائص أمثلة القرآن كما قد ذكرنا آنفا. ثم هو مبني على تشبيه مجموع حالة بمجموع حالة أخرى دون النظر إلى مقارنة أو تشبيه أجزاء الحالين ببعضهما.
قال الزمخشري في شرح هذين التمثيلين: [والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه، أن التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة، لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، وهو القول الفحل والمذهب الجزل. بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها عن بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك، فتشبهها بنظائرها ... وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامّت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها ... ] (١).
٢ - يقول الله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ. أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ، ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (النور: ٣٩، ٤٠).
يشبه الله تعالى ما قد يبدو أنه مبرور من أعمال الكفار، في عدم فائدته وانقطاع الجدوى منه- إذ كان مؤسسا على باطل من الكفر بالله بمثالين اثنين، أحدهما سراب (٢) يراه الناظر بالفلاة، وقد غلبه العطش فيحسبه ماء، حتى إذا أضنى نفسه في المجيء إلى مكانه ضاع عنه
стр. 178
ولم يجده شيئا. ويمزج البيان الإلهي في آخر هذا التمثيل بين المشبّه والمشبه به، أو قل إنه يؤلف بينهما في الربط بنهاية واحدة، وذلك عند ما يقول:
ووجد الله عنده فوفّاه حسابه. فقد كان الحديث إلى ما قبل هذه الجملة عن ظمئان اغترّ بسراب، وفي نهاية المثل اتضح أن الظمآن لم يكن غير هذا الكافر الذي اغترّ بظاهر أعماله الإنسانية، وراح ينتظر ثمراتها وآثارها الخيّرة، حتى إذا جاء يوم الحساب وحانت ساعة القطاف، راعه أنه لم يجد لأعماله الصالحة أثرا، بل وجد بدلا منها إله الذي لم يكن يتوقع أن يراه، ووفّاه حسابه على الحقائق التي كان يبطنها في قلبه لا على المظهر الزائف الذي كان يتجلى به بين قومه وأصحابه.
أما المثال الثاني فهو بحر هائل بعيد الغور تكاثفت فوقه ظلمات متراكمة تألفت من ظلمة البحر ذاته وظلمة أمواجه العاتية وظلمة السحب الداكنة من فوقه؛ فهي ظلمات ثلاث تراكمت بعضها فوق بعضها إلى أن غشيت جو السماء وكاد الرجل أن يضلّ فيها حتى عن ذاته.
وإنما الظلام في المعنى الممثّل له ظلام الكفر بالله ؛ وإنما القصد أن الكفر إذا حاق بالقلب اصطبغت الأعمال كلها بلونه وتأثرت بظلامه ولم يعد في شيء منها بصيص ضياء، فهي لا تزيد صاحبها إلا ضلالا ولا تكسبه إلا مزيدا من الغواية والخذلان! ...
والمثل- كما تعلم- لا يعرفه إلا من يعبر المحيطات من البحارة وأمثالهم، فهناك يتكاثف مثل هذا الظلام تبعا لحالات وظروف معينة فهو شيء لا يعرفه سكان الجزيرة العربية ولا ما حولها. فالتمثيل به ينطوي على دليل من أهم أدلة الإعجاز، ويؤكد ما ينبغي أن يعلمه كل مسلم من أن هذا الكتاب إنما هو كلام الله ، لم يتدخل في صياغة شيء منه أي بشر من الناس كائنا من كان.
٣ - قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
стр. 179
وَاتَّبَعَ هَواهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ، ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١).
ضرب الله تعالى هذا النبأ مثلا لكفار بني إسرائيل، إذا علموا نبوّة سيدنا محمد ﷺ حتى إنهم كانوا يستفتحون به على المشركين، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.
والنبأ في الآية، نبأ واحد من علماء بني إسرائيل وقيل من الكنعانيين اسمه بلعام بن باعوراء، أوتي علم بعض كتب الله تعالى، ولكنه انسلخ منها وركب متن الضلالة، إذ أخلد إلى متاع الدنيا وفضّل الركون إلى أهوائها وشهواتها.
فلم ينفعه إذ ذاك علمه. وغدا في تعلقه بالدنيا كالكلب يلهث في كل حال إن جاع أو شبع، إن اهتاج أو ترك، وهو من أبرز الحيوانات التي تعرف بهذا الشأن. أي فغدا الرجل يلهث وراء الدنيا ومغانمها في كل حال لا يقعده عن ذلك شبع ولا غنى.
فمثل هؤلاء اليهود في ضلالتهم عن الحق الذي لم يجهلوه، بسبب ميلهم إلى المغانم الدنيوية، كمثل ذلك الرجل الذي لم ينفعه علمه لما أخلد إلى الدنيا وأهوائها، بل لم يعد يغنيه امتلاؤه وشبعه عن مواصلة السعي وراءها والانحطاط في شهواتها.
وهذا المثل- كما ترى- منتزع من قصة واقعة، وليس مجرد فرضية مؤلفة.
فهو مثال وقصة بآن واحد، وإنما عدّدناها في الأمثال لا في القصص لأنها سيقت مساق المثل، إذ جردت من تفاصيلها القصصية واعتصرت منها معالم العبرة مكثفة موجزة، ولأن الله سمّاه مثلا إذ قال في نهاية الآية: ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا.
ومن هذا القبيل قوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٢) إلى آخر
стр. 180
قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ... الآية. فهي قصة ذات تفصيل وأحداث ومراحل، ولكنها سيقت مساق المثل فكانت مثالا من أمثلة القرآن، وكانت في الوقت نفسه قصة واقعة يجب التصديق بها.
ومنه أيضا قوله : إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ... (١) إلى آخر الآيات. فهي أيضا قصة واقعة ولكنها سيقت مساق المثل ولم تورد على أساس مجرد الإخبار عنها.
ولقد اشتهى بعض الكاتبين أن يصطنع اللبس بين المثل الفرضي الذي يورده القرآن والقصة الواقعية التي يخبر عنها، ثم حلّ المشكلة المصطنعة بأن اعتبر قصص القرآن كلها مجرد أمثال سيقت للبيان والتقريب، ولم تذكر للحمل على التصديق بما في مضمونها! ..
والحقيقة أنه لا يوجد أي لبس بين المثال الفرضي والقصة الحقيقة، وما رأينا عالما ولا مفسرا ممّن مضى قبلنا أحسّ بشيء من هذا اللّبس أو تكلم عنه.
فما من عاقل إلا وهو يدرك أن قصة يوسف، وموسى، ونوح، ومريم، وعاد، وثمود، ومدين، أخبار ثابتة لا يلحقها الريب ولا يطولها التأويل، وما من قصة منها إلا ويوجد بين يديها أو من خلفها ما ينبّه القارئ إلى واقعيتها وصدقها وإلى أنها ليست فرضية من فرضيات الوهم والخيال، وكقوله تعالى: نحن نقصّ عليك نبأهم بالحق (٢). وكقوله: نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن (٣). وكقوله : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (٤). وكقوله: تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (٥).
стр. 181
ولكن الكاتب الذي فعل هذا، شاقه أن يخلد سخافة صاحب «في الشعر الجاهلي» عسى أن يطبّل الناس له، كما قد طبّلوا لذاك، سواء جاء ذلك التطبيل ضربا على القفا أو صفعا من الأمام، ما دام أنه تطبيل يذهب بالصيت ويشهره بين عامة الناس.
وبعد، فأحسب أنني لست بحاجة إلى أن أطيل في عرض النماذج من أمثلة القرآن. فالاستقصاء عسير، والنموذج يكتفي فيه بأقلّ مما أوردناه.
والغرض أن تدرك من وراء هذا الذي ذكرناه مدى أهمية الأمثلة في كتاب الله تعالى، وقد أفردها بالتأليف الإمام أبو الحسن الماوردي (٣٦٤ - ٤٥٠) وأن تتنبه إلى أن جانبا كبيرا من الإعجاز القرآني إنما يطلّ من هذه الأمثال من ناحيتي الأسلوب والمضمون، وأن تعلم بأن المعنى مهما ألبس ثوبا مطرزا من البيان والإشراق، فإنه يظل بعيدا عن مرأى العين والخيال حتى يتجسد في مثال مما يمسّه الحسّ والشعور.
ولأضع أمامك تحقيقا لهذا الحق وخاتمة لهذا البحث، وهو خلاصة ما قاله الشيخ عبد القاهر الجرجاني في هذا المقام:
[واعلم أن ما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو أبرزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبّهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها وشبّ من نارها ... فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم ... وإن كان اعتذارا كان إلى القبول أقرب وللقلوب أخلب، وإن كان وعظا كان أشفى للصدر وأدعى إلى الفكر ...
وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى قول البحتري:
دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل يد في الندى وضريب
كالبدر أفرط في العلو وضوؤه ... للعصبة السارين جدّ قريب
وفكّر في حالك وحال المعنى معك، وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني ولم تتدبر نصرته إياه وتمثيله له فيما يملي على الإنسان عيناه ويؤدي إليه
стр. 182
ناظراه، ثم قسهما على الحال وقد وقفت عليه وتأملت طرفيه، فإنك تعلم بعد ما بين حالتيك، وشدّة تفاوتهما في تمكّن المعنى لديك، وتحبّبه إليك، ونبله في نفسك؛ وتوفيره لأنسك، وتحكم لي بالصدق فيما قلت، وبالحق فيما ادّعيت] (١).
стр. 183
القصّة في القرآن أغراضها، خصائصها
موضوع القصة في القرآن، يشترك مع موضوعات القرآن الأخرى، في القصد إلى تحقيق الغرض الكلّي الذي تنزل القرآن من أجله. فللقصة في القرآن إذا غرض أساسي، هو تحقيق المعنى الكلي الذي جاء به القرآن إلى الناس.
ولكنّ لها، إلى جانب ذلك، أغراضا فرعية، لا تخرج في هدفها الأول عن ذلك الغرض الأساسي.
ونحن نلخص هذه الأغراض في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: إثبات الوحي الإلهي والرسالة النبوية لرسول الله ﷺ
فقد كان ﵊، كما علمت، أميّا. وقد علم التاريخ ورجاله أنه لم يقصد إلى أحد من علماء اليهودية أو النصرانية يسمع منهم أخبار عيسى وموسى وغيرهما من الأنبياء السابقين عليهم صلوات الله وسلامه. ولو فعل ذلك، لما كتمه عن الناس ولا موّه عليهم، كيف وقد عرف بين قومه طوال أربعين سنة من العمر بالأمانة والصدق والوفاء مع الناس.
فلما جاء القرآن بقصص الأنبياء السابقين والأمم الغابرة، على نحو يتفق جملة وتفصيلا مع ما أثبته التوراة والإنجيل من عرض تلك الأخبار والقصص، كان ذلك دليلا لا يقبل الشك بأن هذا القرآن ما كان حديثا يفترى، ولكنه وحي من الله (١).
стр. 184
ولتنبيه الناس إلى هذه الدلالة، يعقب الله على كل قصة ينتهي من عرضها بما يثير الانتباه إلى أن هذه المعلومات لا يمكن أن تكون قد أتت إلى محمد ﵊ إلّا من نافذة الوحي المجرد فهو يقول بعد الانتهاء من ذكر قصة مريم وولادتها وكفالة زكريا لها: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (١) ويقول بعد عرض قصة يوسف بتفصيلها الواسع المعروف ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (٢).
ويقول، بعد ذكر قصة موسى وفرعون وما يتعلق بهما من أخبار:
كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٣) ويسرد علينا قصة موسى نفسها بتفصيل أوسع، وأسلوب مختلف في سورة القصص، حتى إذا انتهى من بيانها وتصويرها، عاد يخاطب محمدا ﵊ بهذه الآيات:
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ، وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا، وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤).
الأمر الثاني: العبرة والموعظة
، وتأتي في أحد مظهرين:
الأول: بيان مدى قدرة الله تعالى وبالغ جبروته وسطوته، والكشف عمّا حاق بالأمم الماضية من فنون العذاب والهلاك، لتجبّرها وعنادها واستكبارها
стр. 185
على الحق. للتنبيه على أن مثل ذلك يوشك أن يقع بمن أبى إلا أن يمشي على دربهم متّبعا خطاهم.
ومن الأمثلة على ذلك، تلك القصص المتتالية السريعة التي تقرأها في سورة: القمر. فقد سيقت على هذا المساق، وهو الكشف عن جبروت الله وبالغ قدرته، وأن أخذه للظالمين أليم شديد. ولذلك تجده عند ما ينتهي من عرضها، الواحدة إثر الأخرى، ومن بيان ما حاق بكل أمة من الأمم الباغية من أنواع الدمار المختلفة، يتجه بالخطاب إلى الناس قائلا: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ؟ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ؟ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (١).
ومن ذلك ما تقرأه من قصص الأمم الغابرة في سورة هود، فقد أريد منها التنبيه إلى ضرورة عدم الاغترار بشيء مما يتخيله الإنسان في نفسه قوة أو علما أو سلطانا، وإلى أن الله تعالى إنما يمهل ... فإذا شاء أخذ. وإذا أخذ لم يفلت.
ولذلك ختم البيان القرآني تلك القصص بهذه الآيات:
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ. وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (٢).
المظهر الثاني: التنبيه إلى أن الدين السماوي الذي بعث به الأنبياء واحد، وأن رسالات الرسل والأنبياء واحدة لا تعارض فيها ولا اختلاف.
ومن أمثلة ذلك، ما تقرؤه في سورة مريم من قصة عيسى ﵊ وكيفية ولادته، فهو يقول في آخرها: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣).
стр. 186
ومن ذلك ما تقرأه في سورة الأعراف، من قصة عاد وثمود وأهل مدين، فهو يبدأ قصة كلّ من هذه الأمم ببيان أنه أرسل إليها رسولا يخبرها بوجود الله تعالى وأنه واحد لا شريك له.
فهو يقول: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (١).
ثم يقول: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ....
وإنما ذلك، ليتبين أن بعثة هؤلاء الرسل إنما كانت لتأكيد حقيقة واحدة لا خلاف حولها؛ بل إنه لا يجوز اختلافهم حولها، ما دام جميعهم أنبياء ورسلا صادقين.
الأمر الثالث: تثبيت فؤاد الرسول ﷺ في مجال الدعوة
، وحمله على الصبر على ما قد يراه من أذى قومه له، وبيان أن الله ينصر رسله مهما نزل بهم من العذاب وطاف حولهم من البلاء.
ولا شك أن في ذكر أخبار الأنبياء من قبله وما كابدوه من إيذاء قومهم، ثم نصر الله لهم، ما يدعوه إلى التحمّل والصبر ويبثّ في قلبه روحا من الطمأنينة والنشاط.
تقرأ من الأمثلة على ذلك قوله تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ... (٢).
وقوله تعالى: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ، إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣).
وليس معنى هذا الذي ذكرناه من أغراض القصة القرآنية، أن هذه
стр. 187
الأغراض موزّعة على النصوص القصصية في القرآن بحيث ينفرد كل نص منها بغرض، بل المراد هو اجتماع هذه الأغراض، أو الحكم، التي ذكرناها معا في مختلف النصوص القصصية في كتاب الله تعالى.
فهذا القدر الذي ذكرناه، يكفي في بيان أهداف القصة في القرآن.
منهج القصة في القرآن:
للقصة في القرآن منهج فريد، لا يشبه أي أسلوب من الأساليب المعهودة للقصة.
وهي تتبع في ذلك الأغراض التي سيقت من أجلها، مما عرضنا له آنفا باختصار، فقد تبين لك أن القصة في القرآن ليست عملا فنيا مقصودا لذاته، وإنما هي مسوقة لغرض ديني مهما تنوعت أقسامه وتفرعت أشكاله.
غير أنك قد علمت أن القرآن يتخذ من الجمال الفني أداة لتحقيق هذا الغرض، وما الإعجاز في مجموع مظاهره وأنواعه إلا أداة أيضا لتحقيق المقصد الديني. فإن المتأمل إذا أدرك إعجازه آمن بأنه من عند الله، وإذا آمن بذلك اعتصم به وتمسك بما جاء فيه.
وهكذا، فإن المنهج الذي تسير عليه القصة في القرآن أثر من آثار الغرض الذي سيقت من أجله؛ وهو منهج يقوم- في الوقت نفسه- على أروع مظاهر الجمال الفني والإشراق البياني.
ويمكن أن نلخصها في المظاهر التالية:
المظهر الأول: التكرار. فأنت تجد أن القصة الواحدة قد تكررت في القرآن مرات عديدة، كقصة موسى وفرعون، وكقصة نوح، وقصة خلق آدم.
غير أن هذا ليس تعبيرا دقيقا عن هذه الظاهرة. فالذي يحدث، عند تكرار القصة أكثر من مرة في القرآن، ليس هو التكرار بمعناه المعروف. إنما الذي يحدث هو أن القرآن يتناول من القصة الواحدة في كل مرة جانبا معينا
стр. 188
فيها، وهو الجانب الذي تستدعيه المناسبة. وقد يحدث أن يتكرر عرض القصة نفسها أو عرض الجانب الواحد منها، بحسب الظاهر؛ ولكن تلك القصة أو ذلك الجانب منها ينطوي على عبر وعظات متعددة، فيقتضي الغرض الديني أن يعاد ذكرها عند ما تأتي مناسبة كل عبرة من عبرها، فتلبس القصة في كل مرة من الأسلوب والإخراج التصويري ما يناسب المعنى الذي سيقت بصدده، حتى لكأنّك منها أمام قصة جديدة لم تتكرر على مسامعك ولم تعرض أحداثها على خاطرك من قبل. وإذا أردت أن تقف على مثال لهذا فاقرأ سورة هود وأمعن فيما تجد فيها من قصص الأنبياء والأمم الغابرة ثم اقرأ سورة القمر، ففيها عود إلى تلك القصص نفسها، ولكنك تلاحظ من اختلاف الأسلوب والعرض وجرس الألفاظ ما يخيل إليك أنك أمام قصص وأخبار لم تكن تعلم بها، ثم إنك تجد فيها من المعاني والعظات ما لم تكن قد تنبّهت إليه في المرة الأولى.
المظهر الثاني: الاقتصار من حوادث القصة على ما يتعلق به الغرض.
ومن أجل هذا فإنك قلّما تجد القرآن يسرد حوادث القصة سردا تاريخيا، تبعا لسلسلة الوقائع والأحداث. لأن ذلك يبعد القصة عن مقصدها الذي أوضحناه.
ولنعرض أمثلة لذلك، قصّ علينا القرآن في سورة (الكهف) قصة أصحاب الكهف، فبدأها بهذه الآيات.
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ، إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً، وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً، هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١).
فأنت ترى أنه بدأ فوصف أصحاب الكهف بأنهم فتية انفردوا عن أقوامهم بالإيمان بالله ووحدانيته مخالفين ما عليه سائرهم من الشرك
стр. 189
والكفر، وأنهم من أجل ذلك عزموا على أن يعتزلوهم ويخرجوا من بينهم. ثم تمضي القصة على هذا المنوال.
فمن هم هؤلاء القوم؟ وفي أي بلدة كانوا يسكنون؟ وكم كان عدد هؤلاء الفتية؟ وما هي أسماؤهم؟
هذه أسئلة كان من مقتضى السرد التاريخي أن تجيب القصة عنها، ولكنها لو أوضحت ذلك وسارت في تتمتها على هذه الطريقة لما وفت بالغرض الديني الذي تستهدفه، ولانصرف فكر القارئ إلى تتبّع أحداث تاريخية يريد أن يعرفها، ولغفل بذلك عن العبرة والعظة التي سيقت القصة من أجلهما.
وعند ما يقصّ علينا القرآن قصة خلق آدم، وسكناه في الجنة ثم نزوله إلى الأرض، لا يتحدث عن وصف نزوله إلى الأرض وحياته فيها بأكثر من قوله:
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١).
ففي أي مكان من الأرض نزل؟ وكيف كانت معيشته وسكناه إذ ذاك؟
إن الاجابة على مثل هذه الاستيضاحات، وإن كانت مما يتشوف إليه الفكر، من شأنها أن تقصي القارئ عن الانتباه إلى المقصود من سرد القصة. فحسبه، لكي لا يشتّ ذهنه وراء الأحداث التاريخية، أن يعلم من القصة ما يحمله على الانصياع للمقصد الديني الذي تنطوي عليه.
ولكن ربما اقتضى الغرض في بعض الأحيان أن تسرد القصة من أولها إلى آخرها، وأن يسير البيان القرآني في عرضها بأسلوب يتتبع سلسلة الوقائع والأحداث مع التعرّض لبيان كثير من جزئيات القصة التي لا تكاد تنطوي في الظاهر على عبرة أو فائدة توجيهية. وذلك عند ما يكون الغرض الرئيسي هو إثبات الوحي الإلهي وتأكيد نبوّة الرسول ﵊، أو عند ما يكون الغرض تصحيح قصة أو حادثة تاريخية وقع فيها خلط أو لغو.
فمن قبيل الأول، قصة يوسف ﵇، فقد عرضت عرضا
стр. 190
تفصيليا تضمن حياة يوسف وتاريخها منذ طفولته إلى وفاته، وإنك لتجد في عرضها كثيرا من الصور الجزئية يتناولها القرآن بالكشف عنها، مما لا تكاد تجده في عرض القصص الأخرى. والمقصود من ذلك تنبيه الأذهان إلى الوحي الذي يؤيّد به الرسول ﷺ ، فيطلعه على ما لم يكن يعرف من قبل.
ومن قبيل الثاني قصة مريم في سورة آل عمران، وقصة ولادة عيسى ﵊ في سورة مريم. ففي كلّ من السورتين سرد تفصيلي للقصة وسير طبيعي مع مراحلها الواقعية، وكشف لمختلف الجوانب المتعلقة بها، إذ الغرض من عرض القصتين تصحيح ما ادّعاه بعض أهل الكتاب من بنوّة عيسى بن مريم لله ، فاقتضى ذلك عرض حقيقة الواقعة عرضا مفصّلا شافيا يزيل الغموض والإشكال ويكشف بطلان ما توهمه بعض الناس.
المظهر الثالث: إقحام النصائح والعظات في ثنايا القصة، وهو مظهر عام يشمل شتى الموضوعات القرآنية كما أوضحنا فيما مضى.
فالقرآن لا يدع القارئ يندمج مع موضوع من مواضيعه وينصرف إليه بكل تفكيره، دون أن يفصل بين أجزائه بفواصل من العظات تنبهه إلى المقصود من كل هذه المباحث، وتربط على قلبه برباط من الخشية والمراقبة الإلهية عند قراءتها والتأمّل فيها.
فمن أجل ذلك لم تكن في القرآن فصول خاصة في التشريع، وفصول خاصة في سرد المغيبات من جنة ونار وما يتعلق بهما. وقد أوضحنا هذا عند الحديث عن خصائص الأسلوب القرآني فارجع إليه إن شئت.
ولنضع أمامك الآن بعض الأمثلة لدمج عبارات الموعظة والتذكير بخشية الله في ثنايا القصة وخلال سردها.
يقول الله تعالى في سورة طه، أثناء عرضه لقصة موسى مع فرعون:
قالَ فَمَنْ- رَبُّكُما يا مُوسى، قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى، قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى، قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ
стр. 191
السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى، مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (١).
فقد تحولت الآيات هنا عن القصة وسردها إلى التذكير بعظمة الله ومظاهر ألوهيته ودلائل وجوده؛ حتى إن ضمير الخطاب فيها تحول عن خطاب موسى لفرعون إلى خطاب الله للناس كلهم كما تجد في سرد الآيات.
وفي سورة الكهف، تتابع الآيات عرض قصة أصحاب الكهف، وفي أثناء ذلك تلتفت عن القصة لتخاطب الرسول ﷺ والمسلمين ببعض الأوامر والعظات:
يقول الله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً، وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢).
فأنت ترى كيف هيّأت الآيات أثناء عرض القصة مناسبة لتوجيه هذه العظات إلى رسول الله ﷺ ليسمعها المسلمون فيتعظوا ويتمسكوا بها، ثم ما هو إلا أن يعود السياق إلى تتميم القصة بعد ذلك.
المظهر الرابع: العرض التصويري، فأسلوب القرآن عند ذكر قصة من القصص، لا يخبرك عنها إخبارا ولكنه يمرّ بشريط حيّ لها على مخيلتك وإحساسك، وقد تحدّثنا عن التصوير في القرآن وعرضنا أمثلة له، فإذا كان ذلك جليّا في عامة بحوث القرآن، فإنه ليزداد جلاء وقوة عند عرض قصة أو مشهد من خبر. ولا نطيل في إيضاح هذا الأمر بعد الذي ذكرناه في الفصل السابق، ولكن ما عليك إذا أردت أن تقف على التصوير القرآني في القصة إلا
стр. 192
أن تعود إلى ما كتبه المرحوم سيد قطب في ذلك في كتابه «التصوير الفني في القرآن».
المظهر الخامس: التنويع في الاستهلال بالقصة ووضع المدخل إليها، وأنت تعلم أن أهم مظاهر التشويق في القصة ينبغي أن يكون متجمعا وبارزا في أولها، حتى يندفع القارئ بذلك إلى المضي في استطلاعها والتأمل في مختلف مراحلها.
فالقصة في القرآن، تبدأ في كثير من الأحيان، بأغرب مشهد يلفت النظر فيها، حتى إذا أثار ذلك انتباه القارئ، انطلق البيان القرآني في عرض سائر مشاهدها المتلاحقة، وقد يكون هذا المشهد الذي أقيم في مدخل القصة، متأخرا من حيث سلسلة الوقائع والأحداث المتلاحقة فيها، فيعمد البيان القرآني العظيم إلى استدراك ما تركه من قبل، ويعرضه خلال القصة بمناسبة ما، وفي إطار يزيد من جمال العرض وروعته.
ولنقرأ- مثالا لذلك- قصة موسى وفرعون في أول سورة طه. انظر إلى هذا المشهد الذي افتتح به مدخلا للقصة:
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١).
لا ريب أنه كما ترى، مشهد يلفت النظر ويبعث على الانتباه والتطلّع إلى ما وراءه. ولكن البداءة به فوّتت- كما ترى- على القارئ معرفة ما سبق ذلك من الأحداث؛
فيستدركها البيان القرآني في ثنايا العرض ويصوّرها للقارئ وكأنها قصة ضمن قصة.
وانظر كيف حانت المناسبة، وكيف عادت القصة إلى عرض الأحداث من أولها بمناسبة معينة. فعند ما ذهب موسى إلى حيث رأى النار المشتعلة، سمع هناك نداء الله يكلّمه ويضعه أمام مسئولية الرسالة التي سيكلف بها،
стр. 193
فيقول موسى إنه وحده ضعيف عن تحمّل هذه المهمة الشاقة، فليكن أخوه هارون معينا له ومساعدا في ذلك. فيجيبه الله إلى ذلك ويذكره ممتنّا بنعمه التي أسبغها عليه منذ ولادته إلى اليوم، وهكذا تأتي المناسبة وتعود القصة من أولها بهذا الشكل:
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى، إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ، وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ، فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً، فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (١).
ولعلّه لا يخفى عليك أن هذا الأسلوب في عرض القصة يعتبر من أحدث الأساليب الفنية في إخراج الروايات والقصص كتابة وتمثيلا.
غير أن هذا الأسلوب لا يعتبر الطريقة المفضلة دائما، فقد يكون العمل الفني بالنسبة لبعض القصص يحتاج إلى طريقة أخرى في الاستهلال والعرض.
فمن ذلك أن ينتزع أهم مظاهر العبرة من القصة، فتصاغ بشكل خلاصة لها، ثم يوضع تمهيدا ومدخلا إليها. وذلك كالطريقة التي ابتدأت بها قصة أهل الكهف. فقد مهّد لها أولا بهذه الخلاصة عنها:
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً.
ثم بدأ يعرض تفصيلها قائلا: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً ... (٢) الآيات.
стр. 194
ومن ذلك أن يمهد لها بعبارات يكشف فيها عن حكمة أحداثها وسبب وقائعها، لتتجسد بذلك العبرة التي ينبغي أن تؤخذ منها، حتى إذا تنبّه فكر القارئ إلى ذلك بدأ يسرد عليه القصة وهو متيقظ لمراميها ومكان الهداية منها وذلك كالأسلوب الذي مهّد به لقصة موسى وفرعون في أول سورة القصص.
فقد ذكر الله ﷻ بين يدي القصة هذه الآيات الممهدة:
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ، إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (١).
المظهر السادس: العرض التمثيلي الذي يعتمد على إبراز المشاهد جليّة مشرقة أمام الناظر أو المتخيل، ويطوي ما بينها من الروابط البدهية اعتمادا على سير المخيلة وتصورها.
وأنت تعلم أن القصة إذا ما أريد عرضها بأسلوب تمثيلي حيّ، فلا بدّ فيها من طيّ تلك الأحداث التي يقرضها الفكر والخيال بالبداهة، بل إن القيمة الفنية للقصة وحيويتها تقلّ كثيرا إذا ما شغل فكر الناظر أو السامع بالحديث عن تلك الروابط وتبيانها.
والقصة القرآنية قائمة على هذه السمة والنهج دائما مهما كانت القصة أو كان موضوعها. انظر مثلا إلى قصة نوح التي وردت في سورة هود، وانتبه إلى قوله فيها: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ، فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ. وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ... (٢).
فأنت تجد نفسك في أول هذه الآيات أمام الإخبار الإلهي الذي ينزل على
стр. 195
نوح بشأن قومه وأمره إياه بأن ينصرف إلى إنشاء سفينة لينجو بها مع القلة من أصحابه المؤمنين فإن قومه مقدمون على هلاك بطوفان. ثم يسدل الستار على هذا المشهد
ليبرز من ورائه مشهد آخر تبصر فيه نوحا ﵇ وهو منهمك في صنع سفينة. ولا ريب أن بين المشهدين أحداثا طوتها القصة وهي عزم نوح على القيام بهذا الأمر، واستحضار المواد والوسائل لذلك؛ ولكنها أحداث جزئية يستقل بها الخيال فلا ينبغي أن يفسد بذكرها عرض القصة.
وانظر مثلا إلى قصة موسى وفرعون في سورة طه، حينما يأمر الله موسى ﵊، وهو واقف في المكان الذي آنس منه النار ليلا، بأن يذهب إلى فرعون فيبلغه أمر الله : قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى، قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (١).
فأنت في أول الآيات، أمام مناجاة بين موسى وربه ﷻ ، يأمره الله فيها كما ترى بالذهاب مع أخيه هارون إلى فرعون لتذكيره وتبليغه أمر الله ، ويطمئنهما بأنه لن يصيبهما منه أي مكروه، ثم ينطوي هذا المشهد.
ويبرز عقبه تماما مشهد آخر تجد فيه كلّا من موسى وفرعون وجها لوجه في مناقشة حول حقيقة الله ودلائل وجوده؛ وهو المشهد الذي يبدأ بقوله ﷻ : قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى.
أمّا ما بين هذين المشهدين، من ذهاب موسى إلى مصر ووسائل ذلك ثم طريقة التوصل إلى فرعون، ثم عرض الدعوة إلى الإسلام عليه، فهو شيء معلوم يستقل بتصويره الحسّ والخيال، وليس من الدقة الفنية في شيء الاهتمام بعرض ذلك وسرده على السامع أو الناظر.
وحسبنا هذا القدر من الحديث عن الخصائص الفنية للقصة في كتاب الله
стр. 196
عزّ وجلّ، وإن كان الحديث في ذلك يطول، ولكن كتابنا هذا مبني كما قلنا على إعطاء فكرة موجزة عن كل ما يتعلق بالقرآن.
تلك هي المظاهر الفنية لمنهج القصة في القرآن. وهي كما رأيت وليد الغرض أو الهدف التربوي الذي تدور القصة القرآنية على محوره.
أي فالعمل الفني في القرآن ليس هدفا ذاتيا، كما هي الصورة في أذهان كثير ممّن يتحدثون عن الفن أو يمارسونه بشكل أو بآخر ... وإنما القيمة الفنية في القرآن عموما وفي موضوع القصة خصوصا، خادم لتحقيق الهدف التربوي، وإدخال المضمون القرآني من أيسر طريق إلى مقر اليقين من العقل ومكمن الوجدان من القلب.
... القيمة التاريخية لقصص القرآن:
هل يحتاج هذا العنوان إلى بحث؟
إنك لو علمت أن النظر في كل موضوع أو بحث، إنما يتم عن طريق المنطق والعقل المتجرد الحر، لأدركت أن هذا العنوان كلام غريب، وأن كتابة صحيفة أو صحيفتين تحته تضييع للوقت ومعابثة للبديهيات.
ولكنك تعذرني في أن أكتب في البدهيات، حينما تعلم أن كثيرا من البدهيات أصبحت في عصرنا نظريات قابلة للجدل والبحث.
إن العقل البشري لم يمرّ بمحنة كتلك التي يمرّ بها في هذا العصر، وحسبك مظهرا من مظاهرها أن تقام فرضيّة ما طبق غرض معين أو شهوة نفسية أو حقد مستحكم، ثم يساق إليها العقل سوقا، فيراد على تأييد الفرضية ودعمها ولو بزيف من الأدلة والبراهين، ثم يراد على تفنيد ما يخالفها ولو بزيف من الأدلة والبراهين أيضا.
وكم من فرق بين أن ينطلق الإنسان من نقطة الصفر، ليسير من وراء ما يهديه إليه عقله المتجرد الحر، وبين أن يخطّ بغريزته السبيل التي يشتهيها ثم
стр. 197
يعمد فيقود عقله فيها، مكبّلا بالأغلال مسيّرا تحت لهيب السياط! ...
ومع هذا، فلم أكن أتصور أني بحاجة إلى أن أبحث شيئا ما تحت عنوان: القيمة التاريخية لقصص القرآن، أو أن أنفق أيّ قدر من الوقت في البدهيات، إلى أن اطّلعت على كلام في منتهى الغرابة والعجب جاء في كتاب:
الأدب العربي الحديث، من مقررات طلاب البكالوريا الأدبية (١).
يقول الكاتب في صفحة: ٣٠٢ تحت عنوان نماذج قصصية:
(إن مكتبتنا العربية تتدفق بعباب زاخر من قصص وأحاديث ومحاورات وأسمار وخرافات يتجلّى بها وجه المجتمع العربي وتتوضح فيها سماته، وتختلج روحه وحيويته. فالقرآن الكريم أشار إلى كثير من القصص إشارات خاطفة ليبيّن مواضع العبرة منها. ولا شك أن إشارات القرآن الكريم إلى هذه القصص دليل على أنها كانت من القصص الشعبي السائر الذي يتداوله الناس في جزيرة العرب)!! ..
دعك من الطريقة المقصودة إلى إيهام أن منبع القصص القرآني إنما هو ما كان يفيض به المجتمع العربي من خرافات ومحاورات وأسمار. ولكني أريد أن أعلم: في أيّ مصدر تاريخي أو أدبي أو ديني أو جغرافي أو فلسفي، ثبت أو أشير إلى أن ما جاء به القرآن من قصص عاد وثمود ونوح وفرعون ويوسف وأهل الكهف، إنما كان من القصص الشعبي السائر الذي كان الناس يتداولونه في أسمارهم ونواديهم ومحاوراتهم؟! .. بل حسبي أن أعلم اسم واحد فقط من العرب وقف أو جلس في ناد من نوادي العرب يتحدث بكلمة واحدة من أيّ قصة جاء بها القرآن من بعد ... حسبي ذلك لألمح بارقة لرائحة دليل علمي، لكي أسرع فأقول إن بالإمكان أن يكون هذا صحيحا!!.
يا عجبا!! .. أيكون القرآن كاذبا من حيث صدق الكاتب؟!.
القرآن يقول:
стр. 198
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (١).
أما الكاتب فيقول: لا شك أن إشارات القرآن إلى هذه القصص، دليل على أنها كانت من القصص الشعبي السائر الذي يتداوله الناس في نواديهم (٢).
أفكان في العرب من يسكت على قوله تعالى: ... ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ ... لو أنها كانت حقّا من القصص الشعبي الذي يتداوله العرب في أسمارهم؟
أو ما كانوا يتخذون من هذه الآية، إذا، راية يرفعونها ويتشبثون بها، ليعلنوا عن افتئات الرسول عليهم، وليشوهوا بها سمعته عند كل من يعرفه من الناس؟.
فأين هم الذين أنكروا عليه هذه الآية؟. وأين هم الذين قالوا له: بل نحن نعرف هذه القصص قبل أن تحدّثنا عنها. وإنها من الأساطير التي تفيض بها مجالسنا ونوادينا؟.
أين الذي قال هذا الكلام للرسول ﷺ ؟ وليكن واحدا فقط من جميع العرب، وليكن من خصومه الألدّاء، بل وليكن، إذا شاء هذا الكاتب، كاذبا مثله.
فنحن نكتفي بأي كلمة، من أي عربي عاش في عصر النبي ﷺ ، تصلنا بأيّ سند صحيح أو ضعيف تكذّب النبي ﷺ في هذه الآية وتثبت عكسها من أن العرب كانوا يعلمون هذه القصص وأنها كانت من فكاهات أسمارهم ونواديهم.
стр. 199
وإلى أن يأتينا الكاتب بأيّ ثبت أو صورة ثبت من أي مصدر علمي يستر به سوأة كلمته العارية هذه، نقول له: لعلّك يا هذا نمت نومة ثقيلة صعد فيها إلى دماغك سحاب مركوم من أبخرة معدتك أو أحقاد نفسك، فحلمت أنك تسمر في مجلس المتنبي مسيلمة الكذاب وعن يمينه النبيّة الأخرى سجاح. وأخذت تسمع القرآن كلّ منهما، حتى استفزك الطرب وتملكتك النشوة من جمال ما تسمع، فصحوت وقد انطبع قرآنهما الكريم في خيالك! ... فعن ذلك القرآن جئت تقول هذا الذي تقول. ونعوذ بالله من أبخرة تستقر من الرأس في مكان العقل، فتجعل الرجل يفكر بالسمادير والأوهام بدلا من أن يفكر بالمنطق المشرق الصافي.
... وبعد، فما هي الوثائق التاريخية التي تعرف بها أحداث الجزيرة العربية وأوضاعها في صدر الإسلام؟
يجمع كل الباحثين على أن القرآن هو أول وثيقة في هذا الصدد. وما من باحث يدرس أحوال الجزيرة العربية في صدر الإسلام إلا ويضع القرآن أول مستند لدراسته وجمع معلوماته، مهما كانت عقيدة هذا الباحث في مصدر القرآن وجوهره.
إذا ... كيف يجمّع الباحث المؤرّخ معلوماته عن الجزيرة على ضوء القرآن وأبحاثه وطابعه؛ حتى إذا وقف أمام أخباره عن الأمم الماضية وأحداثها ناقض نفسه قائلا: إن هذه الأخبار يعوزها السند التاريخي والميزان العلمي الصحيح؟!.
سل جميع مؤرخي الشرق والغرب عن أول مصدر يعتمدون عليه في ما لهم من معلومات عن المسيح ﵊ وعن موسى وخروجه من مصر واجتيازه (تيه سيناء) إلى فلسطين، يجيبوك إنه: الكتب المقدسة.
أفتكون هذه الكتب مصدرا تاريخيا علميا نزيها، ثم لا يكون القرآن واحدا من هذه المصادر على الأقل؟! ..
إن الأمر في هذا يعود إلى واحدة من اثنتين:
стр. 200
إمّا أن تؤمن بأن القرآن ليس أكذوبة سجّلها محمد ﷺ على ربّه وإنما هو كلام الله ووحيه إليه، بلّغه إلى الناس بصدق وأمانة. وعندئذ فإن التاريخ هو الذي يستمدّ من حديث القرآن وأخباره، وليس العكس، وليس لك من سبيل إلى الشك بأي حرف منه.
وإما أنك لا تؤمن به كلاما من عند الله ، مهما قامت أمامك الأدلة والبراهين، وعندئذ نقول لك: لقد دلّ التاريخ بعمومه ودلّت السيرة النبوية بخصوصها، على أن ما جاء به القرآن من أخبار الأمم البائدة كان شيئا يجهله العرب جهلا تامّا، وإنما كان يعلم بعضا منه أهل الكتاب الذين درسوا التوراة والإنجيل. وقد كان اليهود هم الذين يساكنون العرب في جزيرتهم، وكانوا- كما هو معلوم- ضنينين بما عندهم من هذه المعلومات، ولم يكونوا يبوحون بها إلى غيرهم بأيّ شكل ولأي سبب.
وهذه الحقيقة التي لا ينكرها أيّ مثقف منصف، هي التي كوّنت معنى الإعجاز في القصص القرآني، فقد كان الرسول ﷺ أميّا لم يقرأ كتابا ولا خطّه بيمينه ولم يدرس أو يتردد على واحد من أهل الكتاب، وكانوا كما قلت ضنينين بكل ما عندهم.
وقد تجلى هذا الإعجاز أول ما تجلّى لهؤلاء الكتابيّين الذين عاصروا بعثة النبي ﷺ ، حيث رأوا فيه أبرز برهان على صدق نبوّته ورسالته.
روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: بعث قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة ليسألوهم عن محمد، فخرجا حتى أتيا المدينة،
فسألا أحبارها عن رسول الله ﷺ ووصفا لهم أمره وبعض قوله. فقالوا لهما: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهنّ فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقوّل: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإنهم قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طوّال بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فرجعا إلى قريش وأخبراهم بقول الأحبار، فجاءوا يسألون رسول الله ﷺ الأسئلة الثلاثة فقال لهم رسول الله ﷺ : أخبركم غدا عمّا سألتم، ولم يقل: إن شاء الله. فتلبث الوحي
стр. 201
خمسة عشر يوما، وأحزن ذلك رسول الله ﷺ ، ثم جاءه جبريل بسورة الكهف، وفيها عتاب له على حزنه وفيها يقول الله : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وفيها قصّ الله خبر أصحاب الكهف، والرجل الطوّاف وهو ذو القرنين، وأنزل معها قوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (١).
فهذا الخبر يدلك على أن ما تضمنه القرآن من قصص الأمم الغابرة، حقائق تاريخية تعتمد على وثائق ومستندات لا تقل أهمية عن تلك المستندات التي يعتمدها الكافرون بنبوّة محمد ﷺ وأن المشركين لم يكونوا على علم بها.
فإن كنت تجحد بكل بحث تاريخي يعود إلى عصر الجاهلية وصدر الإسلام وتكذّب كل مرجع أو مستند فيه فلك شأنك ولنقاش ذلك مجال آخر، أما إن كنت تجحد بالقرآن وحده، من حيث تعتمد على روايات الشعر الجاهلي وفحواه واستنتاجاته، فإن من العبث العجيب والتناقض المضحك أن تعتمد على دلائل استنتاجية لا تقوم إلا على محض الخيال والوهم، ثم تلوي الرأس متشككا فيما يحدّثك عنه القرآن ويخبرك به.
ولا ينبغي أن تلتبس عليك حقيقة القصة القرآنية بالأمثلة التي يضربها على سبيل التقريب والتشبيه. فلكلّ منهما أسلوبه المتميز، وليس في الناس من يجهل الفرق بين مثل يضرب به، وقصة تروى وتنقل. نقول هذا ونحن نعلم أن في الناس من يتجاهلون الفرق ويغمضون أعينهم عمدا، ثم يذهبون يقررون أن القصة في القرآن ليست أكثر من أمثلة تضرب.
وبدهي أن أيّ عاقل لا يمكن أن يصل به الغباء واللّبس إلى درجة أن يتوهم أن قصة مريم وعيسى وهود ونوح وقصة موسى وفرعون، وأصحاب الكهف كلّ ذلك أمثلة تضرب.
والخلاصة، أن من آمن بأن القرآن وحي من عند الله، علم بذلك أن
стр. 202
القصة القرآنية هي في موضع القطع الذي لا يلحقه أيّ ريب. ومن لم يؤمن بذلك، أدرك هذه الحقيقة نفسها إذا ما تأمل في مصادر السيرة والتاريخ وعلاقة القرآن بالكتب السماوية السابقة.
أما من اشتهى أن لا يدرك هذه الحقيقة، فليس أمامه إلى ذلك إلا سبيل واحد، هو أن يدّعي أن القرآن يكذب! ... وذلك لأن القرآن يقول عن كل ما رواه من الأخبار والقصص:
ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (يوسف: ١١١).
أما نحن فنقول: صدق ربّ العالمين.
стр. 203
المنهج التّربويّ في القرآن
مرة أخرى أكرّر ما قلته من أن القرآن إنما جاء ليتدبره الناس، فيصبحوا عبيدا لله بالطوع والاختيار، كما خلقهم عبيدا له بالفطرة والإجبار.
ومن أجل هذا، كان لا بدّ أن ينهج بالناس نهجا تربويا في كل ما يأتيهم به من أخبار وآيات وعظات وأحكام. ومن أجل هذا كان هذا الكتاب أعظم مصدر للتربية إلى جانب أنه أعظم كتاب يقدّم للإنسان حقائق الكون كله. فما هو منهجه التربوي، وما هو أسلوبه في ذلك! ..
إن الإجابة على هذا السؤال، تستدعي أن يفرد لذلك كتاب خاص، لا فصل مستقل من كتاب ... ولكنّا، وفاء بالمنهج الذي التزمناه، نسرع فنمر على بعض المظاهر التربوية في القرآن، مكتفين بدراسة وجيزة لها.
المظهر الأول: أنه صبغ كل المواضيع التي طرقها وعالجها، بصبغة الهدي والموعظة والإرشاد. فلم ينسّق هذه المواضيع والأبحاث على أساس وحدات منفصلة ومستقلة عن بعضها، كما هو شأن عامّة الكتب والمؤلفات المعهودة، إذ هي بذلك لا تؤدي عملها التربوي المقصود في نفس الإنسان، وإنما بثّ في جميعها شرايين التوجيه والنصح والهداية، فصيّرها بذلك وحدة كاملة متضامّة تعمل عملا واحدا وتسير بالإنسان نحو غاية لا تختلف. ولا داعي إلى أن نأتي لك بالأمثلة على ذلك، فقد ذكرنا هذا البحث فيما مضى عند كلامنا عن خصائص الأسلوب القرآني وعن القصة في القرآن.
المظهر الثاني: ما ذكرناه من التدرّج في الأحكام وكيفية أخذ الناس بها،
стр. 204
فالقرآن كما قد علمت لم يصبّ أحكامه وفرائضه في حياة الناس دفعة واحدة، لكنه سعى بهم إليها على مراحل وفي خطوات رتّب بعضها على بعض ومهّدت السابقة منها للّاحقة. وذلك كما قد علمت من دعوته الناس إلى العقيدة الصحيحة أولا، ثم إلى الإصلاح النفسي والاجتماعي ثانيا، وكما قد علمت من تدرجه في تحويل الناس عن عوائدهم وفواحشهم التي تعودوا عليها.
المظهر الثالث: السير بالناس، في كل ما يلزم به من الأحكام، نحو السهولة واليسر؛ وإقناعهم بأن كل ما قد يتصورونه قيودا، ليس إلا أسسا لا بدّ منها لسعادتهم ولصلاح معاشهم ومعادهم، فهو يقول مثلا: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١) ويقول: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (٢) ويلفت نظرهم إلى أن الشريعة الإسلامية إنما تحمل إليهم في طيّبها سرّ الحياة السعيدة للفرد والجماعة فيقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ (٣) ويقول: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤).
المظهر الرابع: أنه يضع المتأمل في آياته في حالة وسطى بين الخوف من عذاب الله تعالى، ورجاء رحمته وعفوه؛ وذلك كى لا يسيطر عليه من الرهبة والخوف ما يجعله في يأس من سعة عفوه، فيمضي بذلك في الطريق التي يشتهيها لاعتقاده بعدم الجدوى من الحذر والاستقامة، ولكي لا يفيض قلبه أملا بمعاني الرحمة والمغفرة وحدها، فلا يجد بذلك ما يصدّه عن ارتكاب أيّ منكر والانحراف إلى أيّ زلل.
والقرآن يربي النفس البشرية هذه التربية باتباع أسلوبين:
الأول: أنه حينما يصف الكفرة والمشركين الذين استحقوا عذاب الله
стр. 205
ونكاله يصفهم بأسوإ أعمالهم وأحطّ ما انتهوا إليه من الخصال، حتى إذا تأملت في حالهم رجعت إلى نفسك فقلت: أحمد الله على أني لست منهم ولم أبلغ مبلغهم في السوء والانحراف. وحينما يصف المؤمنين الذين استحقوا ثواب الله ورضوانه، يصفهم أيضا باسمى خصالهم وأفضل أعمالهم حتى إذا تأملت في حالهم، عدت إلى نفسك تقول في تألم وأسف: أين عملي من أعمالهم وأين تقصيري من سموّ درجاتهم. وبذلك تجد ذاتك في حالة وسطى بين الرجاء في عفو الله والخوف من عذابه.
ولنضرب مثلا لتجلية هذا المظهر التربوي في كتاب الله . انظر إلى هذه الآيات وهي تصف الأسباب التي أدّت إلى شقاء صنف من الناس يوم القيامة: يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ، ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (١) فأنت إذا سمعت هذه الأوصاف حمدت الله على أنك لست منهم مهما كنت مخطئا ومقصرا.
ثم انظر إلى هذه الآيات الأخرى وهي تصف الأسباب التي بها يسعد الناس في حياة خالدة يوم القيامة: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ... (٢) أو إلى هذه الآيات التي يقول فيها الله : إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣) فأنت إذا تأملت هذه الأوصاف، تضاءلت نفسك أمامك، وتبدّت لك منها مظاهر التخلّف والتقصير.
стр. 206
ومن هاتين النظرتين يتولد الخوف والرجاء ويتمازجان في حياة الإنسان؛ ويتولد منهما معنى يدفعه في سبيل معتدل يجمع فيها بين الوفاء بحق نفسه وحق الله .
الثاني: أنك لا تجد آية في كتاب الله فيها الحديث عن الجنة ونعيمها وعن الصالحين وما أعدّ الله لهم من المثوبة، إلا وتجد من بعدها آية فيها الحديث عن النار وهولها وعن الكافرين وما أعدّ الله لهم من العقوبة. ولا تكاد تجد في القرآن آية أو آيات قد انفردت يوصف الشدّة أو الرخاء دون أن يكون إلى جانبها آية أو آيات فيها وصف
الطرف الآخر. والحكمة من ذلك أن لا يرهب الإنسان رهبة تقذف به إلى اليأس، ولا يرغب رغبة تغريه بالعقود والكسل.
ولنضرب بعض الأمثلة على هذا:
١ - يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ، هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (١).
٢ - إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ، هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ، لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ، سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ. وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ، أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ... (٢).
٣ - نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٣).
٤ - قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٤).
стр. 207
وقس على هذه الأمثلة كل ما في القرآن من آيات الوعد والوعيد ووصف الجنة والنار، لا بدّ أن تجد الحديث عن كلّ منهما معادلا ومقارنا للحديث عن الآخر، ولا يمكن أن تعثر على أيّ شذوذ في ذلك.
وهذه الظاهرة، من أدق مظاهر المنهج التربوي وأهمها في كتاب الله إذ هي التي تضع الإنسان في مستوى العبودية لله ، حيث تشدّه إليه رغبة ورهبة بآن واحد؛ وهي النهاية التي ينبغي أن ينتهي إليها العبد بالنسبة لربه ﷻ . وقد نبّه إليها أبو بكر الصديق ﵁، خلال وصيته العظيمة لعمر بن الخطاب أثناء مرض موته.
ولعلّ من المناسب أن نختم هذا الفصل بمقاطع منها:
... ألم تر يا عمر أنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه غدا إلا حق أن يكون ثقيلا، ألم تر يا عمر إنما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه غدا إلا باطل أن يكون خفيفا.
ألم تر يا عمر إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، ونزلت آية الشدة مع آية الرخاء، ليكون المؤمن راغبا راهبا لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيديه. ألم تر يا عمر إنما ذكر الله أهل النار بأسوإ أعمالهم، فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو أن لا أكون منهم، وإنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم، لأنه تجاوز لهم عمّا كان من سيّئ، فإذا ذكرتهم قلت أين عملي من أعمالهم. فإن حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحبّ إليك من الموت، وهو آتيك. وإن ضيعت وصيتي فلا يكن غائب أبغض إليك من الموت ولست بمعجز الله) (١).
стр. 208
النّزعة الإنسانيّة في القرآن
القرآن كتاب عربي، نزل بلغة العرب، وصيغ بلهجة أوسط القبائل العربية: قريش.
وكتاب هذا شأنه، كان ينبغي- له أنه ظهر في الأرض ولم ينزل من السماء- أن يتأثر تأثرا ما، من حيث مبادئه وأفكاره، بنزعة البيئة أو الإقليم أو القوم الذين ظهر بينهم وجاء بلغتهم، كما هو الشأن لعامّة الكتب والمؤلفات الأخرى.
ولكنك لا تبصر من ورائه إلا السمة الإنسانية المطلقة، فهو في كل ما يصدر عنه من عقيدة وأخلاق وتشريع وعظات، إنما يقدم من ذلك كله ثوبا قد فصّل على قدر الحقيقة الإنسانية كلها أينما وجدت وكيفما تنوعت.
ومهما نظرت في هذا الثوب، فلن تجد فيه أيّ مظهر لطابع البيئة أو القبيلة، سواء في شكله أو جوهره.
وهذا ما نعنيه عند ما نصف القرآن بأنه: إنساني النزعة في كلّ من موضوعه وأسلوبه. فلنشرح هذا الوصف بالقدر الذي يفي بغرضنا من هذا الكتاب.
أولا- النزعة الإنسانية في القرآن من حيث الموضوع:
تتجلى النزعة الإنسانية في عامة موضوعات القرآن، فلنتلمسها في كل موضوع على حدة:
стр. 209
أ- العقيدة: أوضح القرآن وحدانية الله ﷻ ومالكيته للعالم كله، دون تمييز بين رقعة وأخرى منه، ودون أن يخصّ بخطابه في هذا البيان فئة معينة.
فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١).
وأوضح بعثة رسوله محمد ﵊ إلى البشر كلهم، في بقاع الأرض، وفي كل الأزمنة التالية، دون أي نظرة خاصة في ذلك إلى الذين بعث من بينهم أو البيئة التي ظهر فيها فقال: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (٢) وقال: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (٣) وقال: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً (٤).
وقرر عبودية الإنسان لله ، لا فرق بين عرق وآخر أو بيئة وأخرى ولم يلحظ في ذلك أيّ خصوصية أو امتياز بين العرب الذين كان الرسول منهم وبين أيّ جماعة أخرى من الناس. فقال: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً، لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٥) وقال: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٦).
ولفت أنظار الناس إلى أدلة وجود الله ووحدانيته، فلم يقدم أي دليل يخصّ بيئة معينة، أو يوجد لدى قوم بخصوصهم، أو تفهمه طبقة دون سواها.
وإنما عرض من ذلك ما يفهمه ويألفه كل إنسان وفي كل زمان ومكان. والآيات التي تتضمن الأدلة المختلفة على وجود الله ووحدانيته كثيرة ومشهورة، لا داعي إلى الإطالة بذكرها. فتأملها تجدها متجهة إلى الفكر الإنساني العام المتمثل في سائر الفئات والجماعات.
стр. 210
ب- التشريع: إذا أمعنت النظر، وجدت قانون كل أمة أو دولة أو جماعة من الناس، إنما يعكس طبيعتها وأعرافها ويتجاوب مع ظروفها فشريعة كل أمة إذا تعبير عن حاجتها ومتطلباتها فقط دون أيّ نظر إلى ما وراء حدودها.
غير أن التشريع القرآني لا تجد فيه أيّ منزع إلى عرق أو طائفة أو جماعة ... وإنما هو ينبثق عن أسس ومبادئ إنسانية مطلقة، بحيث تأتي عامّة فروعه متطابقة معها في دقة واطّراد.
ولنضرب أمثلة لإيضاح هذه الحقيقة:
سورة النساء، من السور التي تفيض بالأحكام التشريعية المتعلقة بتنظيم الأسرة وحقوق المرأة، ونظام الحكم، وتقويم العدالة وضبط حقيقتها. فانظر كيف بدأت هذه السورة بوضع الركيزة الأساسية لتلك الأحكام كلها، وكيف لفتت أنظار الذين سينصتون إلى هذه الأحكام التالية، إلى أن المنطلق إلى تقريرها ووجوب الأخذ بها إنما هو النظر إلى مصلحة الأسرة الإنسانية المطلقة دون أي التفات إلى الظروف المتنوعة والمختلفة للبيئات والجماعات. وهذه هي الركيزة الأساسية:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١).
فالمنطلق لتقرير كل الأحكام والتشريعات إنما هو الرحم الإنسانية العامة.
ففي سبيلها ستتلى الأحكام التالية، وعلى ضوئها ينبغي أن تفهم حقيقة المقررات التشريعية التي تفيض بها السورة.
وتمضي في قراءة السورة، فتجد سلطان هذا المنطلق الأول ممتدا إلى سلسلة الأحكام والتنظيمات التالية كلها: حقوق اليتامى، حقوق النساء، فرائض الميراث، أحكام النكاح ومقوّمات الأسرة، نظام الحكم وسلطان
стр. 211
الحاكم، والعدالة الاجتماعية وميزانها. وليس في فرع من فروعها أو أيّ جانب من جوانبها انعكاس ما لنظرة إقليمية أو عرقية أو امتيازات طائفية، بحيث تضيق من النظرة الإنسانية الشاملة التي كانت المنطلق والأساس.
ولنجسد هذه الحقيقة بمثال للميزان القرآني الذي وضع لمعنى العدالة، أساسا للتشريع:
رجل من أهل المدينة اسمه: طعمة بن أبيرق، سرق درعا من جار له، يقال له قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في كيس فيه دقيق فحبأها عند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين، وكان الدقيق ينتثر من الجراب في الطريق فاتهم قتادة طعمة بالسرقة، والتمس الدرع عنده فلم توجد، وحلف لهم: والله ما أخذها وما له بها من علم. ثم اتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى اليهودي فأخذوه فقال لهم: لقد دفعها إليّ طعمة بن أبيرق، فلم يصدقه أحد. وجاء بنو ظفر- وهم قوم طعمة- إلى رسول الله ﷺ
يسألونه أن يدافع عن صاحبهم تجاه اتهام اليهودي له بالسرقة واتهامه بأنه هو الذي أعطاه الدرع. وكان قوم طعمة قد تواطئوا مع صاحبهم أن يستميلوا النبي ﷺ إليهم، كي لا يجد اليهودي أذنا صاغية له. واقتنع رسول الله ﷺ معهم بذلك وهمّ بأن يدافع عنه ويحكم على اليهودي بالسرقة. فنزلت هذه الآيات المتتالية من سورة النساء، توضح للنبي الحقيقة وتفضح ما بيّته المنافقون فيما بينهم، وتكشف للنبي ﷺ سبيل الحكم العادل المتجرد.
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ، وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً، وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ، إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ، وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً. ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا. وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً. وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً
стр. 212
مُبِيناً. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١).
فقد ذاب في ميزان العدالة في التشريع الإسلامي، العرق والقرابة والطائفية والتبعية، ولم يبق فيه إلا اعتبار واحد: هو الحقيقة الإنسانية المطلقة.
ج- الأخلاق والمبادئ: ليس الخلق النبيل في القرآن، عبارة عن السلوك الذي ينسجم مع ما تواضعت عليه البيئة أو الجماعة المعينة من المعايير السلوكية والخليقة المستحسنة، كما هي النظرة لدى عامة الذين بحثوا من عند أنفسهم في مقوّمات الفضيلة والأخلاق.
وإنما الأخلاق والفضيلة في القرآن، مجموعة الاعتبارات والمناهج السلوكية التي تتلاءم مع الفطرة الإنسانية الصافية من جانب وتساعد في إرساء قواعد السعادة الإنسانية للفرد والجماعة من جانب آخر. ومن ثم فأنت لا تجد في هذه المناهج السلوكية قابلية للاختلاف والتغيّر ما بين بيئة وأخرى، لأنها لم تنشأ من أعراف بيئة، ولكنها انبثقت عن الفطرة الإنسانية الشاملة.
فمن المبادئ الخلقية في القرآن، اعتبار الناس كلهم، مهما اختلفت أعراقهم وأنسابهم وبيئاتهم، في مستوى واحد من الكرامة والحرية الإنسانية، ولا يتفاضلون بعد ذلك إلا بما يحرزه كلّ منهم من السبق بسعيه الخاص في ميدان الجهد الإنساني المفيد المشرف. يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (٢).
ومن المبادئ الخلقية في القرآن، إلزام الأبناء بحسن معاملة الآباء وخفض جناح اللطف والرحمة لهم، مهما كان بين الطرفين من تباعد في الرأي أو اختلاف في المذهب. وهو مبدأ إنساني غير ناظر إلى طبيعة خاصة أو عرف معين، يقتضيه ضمان سلامة الأسرة الإنسانية التي تتدرج صعدا من الخلية
стр. 213
الأولى في المجتمع وهي الأسرة. يقول الله : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما، وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١).
ومن المبادئ القرآنية العامة ما أثبته القرآن من أن الإنسان لا يلاحق أو يؤاخذ إلا بما اجترحه بنفسه، وأنه لا يؤخذ بعمل غيره أو بشيء من مظاهر الطبيعة وأحداثها فيقول: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (٢) ويقول: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (٣). وتأمل في كل ما وصّى به القرآن من المبادئ الأخلاقية، تجد المعنى الإنساني وحده هو المتمثل فيها وهو الأساس في الدعوة إليها والأمر بها.
ثانيا- النزعة الإنسانية في القرآن من حيث الأسلوب:
يركّز الأسلوب القرآني، فيما يعبّر عنه من الموضوعات والمعاني، على السمة الإنسانية الشاملة؛ ويحاذر أن يأتي في خطابه للناس أو في شيء من تعليقاته على الأحداث، بما ينبّه فكر القارئ إلى خصوص بيئة أو عرق أو إقليم أو جماعة معينة من الناس.
فأنت ترى الخطاب القرآني يتجه إلى المخاطبين، مستعملا كلمة:
الناس، أو بني آدم أو المؤمنين. ولم ترد ولو مرة كلمة العرب أو قريش. أو أهل كذا، أو ما يشابه ذلك من صيغ الخطاب الخاصة بفئة معينة من الناس. وإليك نموذجا من النداءات القرآنية:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (٤).
стр. 214
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ (١).
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢).
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (٣).
ثم إن القرآن، رغم نزوله كما علمت، متدرجا، ومع مناسبات الوقائع وجوابا على الأسئلة والمشكلات، فإنه لم يربط أحكامه وبياناته بشيء من تلك الوقائع والمشكلات، ولم يسجل أيّ اسم من أسماء أولئك الذين نزلت في حقهم آيات وأحكام، وإنما نزلت الآيات موضوعية عامة، دون أن تذكر اسم شخص أو تنزل إلى مستوى مشكلة بخصوصها. وذلك كي يبقى القرآن في كلّ من أسلوبه وموضوعه كتابا إنسانيا يضع المبادئ والمناهج للبشر كلهم، ويشرّع الأحكام والأنظمة للإنسانية جمعاء.
ولقد مرّت بك في أسباب النزول نماذج كثيرة من الآيات التي نزلت بمناسبات معينة ذمّا أو مدحا لأشخاص بأعيانهم؛ ولكنها جاءت بصيغ العموم وبأسلوب موضوعي دون ذكر اسم لأحد.
ومن أجل هذا كان من القواعد الفقهية المتفق عليها قولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
أي إن خصوصية السبب لا تؤثر على عموم الصيغة ولا تضيق شيئا من عمومها لأن منهج القرآن أنه يبني على الوقائع الخاصة أحكاما ومبادئ عامة.
...
стр. 215
فلسفة القرآن عن الكون والإنسان والحياة
في الوقت الذي يعتبر فيه القرآن معجزة اللغة العربية وبيانها، وكتابا في التشريع والقانون، ومعلّما للفضيلة والأخلاق- فإنه يحمل إلى الناس أسس حضارة إنسانية شاملة، وذلك عن طريق المفهوم الذي يقدمه عن كلّ من الكون والإنسان والحياة ووجه التفاعل والتناسق بينها.
ولن يتسع المجال في هذا المقام لشرح التقرير الذي يضعه القرآن عن كلّ من هذه العناصر الثلاثة للحضارة في كل زمان ومكان، فإن من شأن ذلك أن يبعدنا عن الغرض الذي نحن بصدده؛ ولكنا نتناول من هذا البحث القدر الذي يفي بحاجتنا للتعرّف على هذا الكتاب العظيم، ويكشف لنا أهم خصائصه ومحتوياته.
نظرة القرآن إلى الكون:
القرآن يبصّر الإنسان بالكون الذي حوله على أنه جملة من المظاهر المخلوقة أبدعها الله في انتظام وتناسق لغرضين اثنين:
الأول: أن يتأمل الإنسان فيه ويتنبه إلى مدى دقته وتناسق نواحيه وأجزائه، ليتوصل من ذلك إلى الإيمان بالخالق ﷻ ، ثم إلى إدراك ألوهيته وربوبيته المطلقة، ثم إلى إدراك أنه عبد لهذا الإله العظيم. وهو يقول في بيان هذا الأمر الأول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ، وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ