المنكرون للنسخ:
أنكر أهل الكتاب- اليهود والنصارى- وقوع النسخ وجوازه، وزعموا أن النسخ يستلزم البداء، ومعنى البداء لغة الظهور بعد الخفاء، قالوا: لو جاز النسخ على الله تعالى لكان إما لحكمة ظهرت له بعد أن لم تكن ظاهرة، أو لغير حكمة، وكلا الأمرين باطل، لأن الأول بداء، والثاني عبث، والبداء والعبث لا يجوزان على الله تعالى، إذ كل منهما نقص يتنزه الله أن يوصف به (١).
ويجاب على هذا الزعم بهذا التساؤل، لماذا لا يكون النسخ لحكمة معلومة لله ولم تكن خافية عليه، أليس هذا هو القول السديد؟ بلى ... ولكن: .. كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف: ٥].
والعجب أن الرافضة- المرتدة عن الإسلام- قد تجاوزت اليهود في كفرهم.
وصدهم عن الإسلام، فاليهود ينكرون النسخ لأنه يستلزم البداء، أما الرافضة فيثبتون النسخ المستلزم للبداء فوصفوا الله- تنزه عن ذلك- بالبداء ونسبوا ذلك إلى أئمة آل البيت زورا وبهتانا. وقالوا: (البداء ديننا ودين آبائنا).
وأعجب بعد ذلك من قول أبي مسلم الأصفهاني من متأخري المعتزلة الذي قال بجواز النسخ عقلا، ومنع وقوعه شرعا، واستدل بقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢].
وقد حذا حذوه الإمام محمد عبده ومن شايعه من المتأخرين.
هؤلاء جميعا لم يحالفهم الصواب، وليس لهم دليل إلّا التحكم العقلي. والحقيقة أننا بحاجة إلى وقفة هادئة متأملة في موضوع نسخ بعض الأحكام في شريعة رسولنا خاتم النبيين محمد ﷺ في فترة نزول القرآن السابقة، خصوصا ونحن ما نزال نتلو هذه الآيات المنسوخة ... إلى جانب أننا مطالبون- بعد عصر التنزيل- بالأحكام النهائية التي آلت إليها الشريعة وثبتت عليها بانتهاء الوحي ووفاة النبي ﷺ ، فوق ما هو مقرر ومعلوم بالبداهة عند جميع المسلمين، من امتناع وقوع النسخ بعد انقطاع الوحي.
стр. 177
لقد تم النسخ، كما هو معلوم في ظل مبدأ تنجيم القرآن الكريم، أي: نزوله مفرقا على نجوم ودفعات ومراحل مختلفة، بلغت في مجموعها نحوا من ثلاث وعشرين سنة كما أشرنا إلى ذلك، كان لهذا التنجيم فوائده الكثيرة المعروفة، ولكن الفائدة الرئيسة أو الغرض الأساس من هذا التنجيم تكمن في أنه كان هو الوسيلة الربانية لإعداد الفرد
المسلم والأمة المسلمة، بوصف هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، لأول مرة في التاريخ من خلال نصوص كتاب ... فإذا كان القرآن الكريم هو الذي صنعها وأخرجها للناس خير أمة، فقد تنزلت آياته الكريمة على مراحل وأوقات وفي مناسبات، لإحكام بناء هذه الأمة الخيرة، أو الأمة الوسط لبنة لبنة، وآية آية، وموقفا إثر موقف على اختلاف الظروف والأحوال، ويختص الجيل القرآني الأول- أو جيل التنزيل إن صح التعبير- فوق ذلك بأنه الجيل الوحيد أو الجيل الأول في تاريخ هذه الأمة الخيرة الذي عبر به القرآن الكريم من أوضاع الجاهلية إلى أحكام الإسلام، وانتقل به من جميع ملابسات الشرك إلى آفاق التوحيد. حتى حقق به القرآن الكريم ذلك «الجيل الأنموذج» أو «الجيل المثال» الذي يحتذى به إلى يوم الدين.
هذا الجيل القرآني الفريد الذي ليس له نظير في تاريخ الإسلام، وفي تاريخ بني الإنسان، كان النسخ بالنسبة إليه واحدا من أعمق وأهم وسائل التربية والإعداد في بناء شخصياته على الصعيد الفردي، وفي مواجهته على الصعيد الجماعي- كأمة ومجتمع- مع الجاهلية العربية وسائر الجاهليات الأخرى في الأمم والشعوب، بل قد يمكننا القول: إن النسخ كان ضرورة لا بد منها لنقل أبناء عصر التنزيل من الجاهلية إلى الإسلام، بدليل أنه جاء مرة نسخا مباشرا، وجاء مرة أخرى على مراحل ..
ولكن الذي يهمنا تأكيده هنا، هو أن النسخ الذي عمل عمله في إعداد ذلك الجيل الفريد ... لا معنى لاستمراره ... بل لا يمكن له من أي وجه أن يوجد بعد ذلك العصر، ونحن نتربى الآن بالاقتداء والتأسي بذلك الجيل ... لا بالنسخ الذي ساهم في صنعه هو ... فالتربية بالنسخ- إن صح الشعار أو التعبير- بالنسبة لجيل التنزيل، يقابله بالنسبة لسائر الأجيال الأخرى بعده: التربية بالقدوة أو الاحتذاء بذلك الجيل الذي تمثلت فيه حجة الله على عباده إلى يوم الدين.
стр. 178
وقد نجح جيل الصحابة- ﵃ في تقديم أرفع النماذج الإنسانية، في كل مجال ... أما رسول الله ﷺ ، الذي قدمت لنا سيرته الشريفة أهم وسائل ذلك الإعداد التاريخي، وألقت ضوءا على فهم مراحله، فقد تجمع في شخصه الكريم كلّ تلك الصفات والجمالات الرفيعة، وبلغ في كل واحد منها شأوا لم يبلغه أحد ممن فرغ له نفسه، سواء أكان من الصحابة أم من غيرهم، فكان بذلك رسول الإنسانية الكامل وملاذها الأخير ﷺ .
كان تشريع النسخ إذا جزءا من ذلك الإعداد التاريخي المرحلي، أو وسيلة من وسائله البارزة ... وبعد أن تم هذا الإعداد، الذي قدم لنا الأنموذج أو المثال الأخير كما قلنا، أصبحت الأمة الإسلامية مطالبة بالأحكام الأخيرة في البناء والإعداد، وأصبح النسخ «واقعة تاريخية» لا يمكن ولا يعقل تكرارها مرة أخرى بعد قيام الجيل الأول، وبعد أن تمت عملية الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام بصورة تطبيقية عملية، أعطت أروع الأمثلة وأعمقها على «أن أحكام الإسلام ليست رؤيا مثالية في عالم الخيال ... ولكنها حقيقة حية في دنيا الواقع ...
وبذلك البعد الهائل الذي ليس له نظير، حتى كان مثلا يحتذى. نقول: أصبح النسخ واقعة تاريخية لا يعقل تكرارها، كما لم تعد هناك ضرورة لتكرار الجزئيات المرحلية في تربية الشخصية المسلمة والأمة المسلمة ...
طريق معرفته:
لا يصح القول في النسخ جزافا، فلا يعتمد في النسخ على قول المفسرين، ولا اجتهاد المجتهدين، من غير نقل صريح، لأن النسخ يتضمن رفع حكم، وإثبات حكم تقرر في عهده ﷺ ، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد كما قال ابن الحصار.
هذا ما أوقع الكثير من العلماء في الخطأ، فبمجرد ظهور شبهة التعارض يلجئون إلى القول بالنسخ في حين أن الجمع بينهما ممكن، ولا شك أن الجمع هو الأولى من إهمال أحدهما ... بل الجمع بينهما ولو من وجه من الوجوه أولى من
стр. 179
إهمالهما من كل الوجوه وادعاء النسخ فيهما، لأن النسخ على خلاف الأصل ... وما كان خلاف الأصل لا بد من بيّنة عليه، وإلّا لم تقم به حجة، وهذه الحجة: إما أن ينص اللاحق على أنه ناسخ للسابق لفظا أو دلالة، كما سيأتي ذكره في آيات المناجاة، أو آيات الزنا، أو ما ورد في الحديث الشريف: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها».
وإما أن يكون بين النصين تعارض بحيث لا يمكن التوفيق بينهما، فينظر في النصين المتعارضين، فإن كان أحدهما معلوما وقطعيا والآخر مظنونا فالعمل بالمقطوع واجب.
وإن كانا معلومين مقطوعا بهما، أو ظنيين في درجة واحدة من القوة، ينظر إلى القرائن، كأن يكون أحدهما متأخرا عن الآخر فيكون المتأخر ناسخا والمتقدم منسوخا.
وقد يعرف التاريخ (مثلا) من إسناد الراوي كأن يقول: هذا الحديث في غزوة كذا أو سنة كذا، أو يقول نزلت هذه الآية في مكة والأخرى في المدينة أو نحو ذلك.
أما إذا جهل التاريخ فلا نسخ، إذ إن أحدهما ليس بأولى من الآخر بالنسخ، وكل من ادعى غير ذلك فقوله مردود لعدم معرفته التاريخ.
أقول: لم أطلع على دليلين قطعيين «أعني قطعي الثبوت وقطعي الدلالة» قد تعارضا من كل الوجوه.
أما في الأدلة الظنية التي وقع فيها التعارض، فالقرائن لا تحصى في إعمالها، فنلجأ إليها، وإن تعذرت فالقرائن كثيرة، كذلك في تقديم أحد الدليلين ونسخ أحدهما.
أنواع النسخ:
جرت عادة علماء التفسير والأصول أن يذكروا للنسخ أنواعا ثلاثة: ١ - نسخ الحكم دون التلاوة. ٢ - ونسخ التلاوة دون الحكم. ٣ - ونسخ الحكم والتلاوة معا- وقد يكون ولعهم بالتقسيم والتبويب هو الذي شجعهم على اعتماد مثل هذه الأقوال
стр. 180
وذكرها في بطون الكتب. على ما فيها من مخالفة واضحة ونبو صريح عن نظم القرآن وأناقة أسلوبه المعجز، ومخالفات أخرى لا مجال هنا للإشارة إليها (١).
وهاك الأنواع الثلاثة:
١ - منسوخ الحكم دون التلاوة:
هذا النوع الوحيد الجدير بالقبول، لذا فقد اتفق جميع العلماء على وقوعه وجوازه، ولم يشذ عن إجماعهم إلّا من ذكرناه سابقا، ولكن الذين اتفقوا على وقوعه وجوازه قد اختلفوا في عدد الآيات المنسوخة فمنهم المكثر، ومنهم المقتصد، ومنهم المقل، ونحن نرفض قول المفرطين في كثرة دعاوى النسخ التي تجاوزت المئات، وهي أقوال لا يدل عليها فطرة من عقل ولا نقل، ولقد حصر الإمام السيوطي قضايا النسخ في عشرين موضعا، واختصرها المرحوم مصطفى زيد بما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وهاك من الأمثلة المتفق عليها (٢).
أ- كان قيام الليل- قبل فرض الصلوات- فرضا على رسول الله ﷺ وعلى أمته؛ لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ١ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ٢ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ٣ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ١ - ٤].
فمكث يجتهد بقراءة القرآن حتى نزول قوله تعالى في آخر السورة:
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل: ٢٠].
стр. 181
وبهذا صار التهجد تطوعا من الرسول بعد أن كان واجبا عليه وفي هذا تقول عائشة فيما رواه مسلم عنها:
(فإن الله افترض قيام الليل في أول السورة- تقصد سورة المزمل- فقام النبي ﷺ وأصحابه حولا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة) (١).
ب- ومثال آخر على منسوخ الحكم دون التلاوة:
ما ذكره المفسرون في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة: ١٢].
فقد نسخ بقوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٣].
ج- ومثاله أيضا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ .. [النساء: ٤٣].
فهذه الآية قد حرّمت شرب الخمر في أوقات الصلاة، ثم نزل تحريم الخمر قاطعا فقال تعالى: .. إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .. [المائدة: ٩٠].
هذا النوع- منسوخ الحكم دون التلاوة- هو المتفق عليه، ووجوده في القرآن شاهد عيان، فآياته ما زالت تتلى في كلّ وقت وكلّ حين.
وفي وجود الآيات وانتفاء التكليف بها فائدة عظيمة، وهذا من تمام الحكمة الربانية أن تبقى الآيات القرآنية التي نسخ حكمها تقرأ بألفاظها إلى يوم الدين، لترى فيها سائر أجيال هذه الأمة كيف تم إعداد جيلها المثالي الأول، وما هي الأحكام المرحلية التي احتاجت إليها الجماعة الإسلامية الأنموذج في أطوار نشأتها وتدرجها، وكيف تم قطع علائقها بالجاهلية. وربطت بأسباب الحياة الإسلامية
стр. 182
والدين الجديد الأخير الخالد، وربما أمكننا هنا إيراد كلمة سيدنا عمر ﵁ عند ما قال: (إنه يخشى أن ينقض عرى الإسلام عروة عروة من لم يعرف الجاهلية وأحكامها).
وليس من شك في أن استعراض هذه الآيات الكريمة التي نسخ حكمها يقف بنا على طريقة القرآن الكريم في تربية هذه الأمة- بوجه عام- تربية عملية واقعية متحركة، لا تجمد عند بعض الوسائل لا تتخطاها ... ، أو بعبارة أخرى: نحن نأخذ الآن فلسفة هذا الموقف من خلال الحكمة العملية التربوية فيما وراء الحكم المنسوخ لنفيد منه في مخاطبة الناس، وفي محاولة التغيير ... وفي الوقوف على الكثير الكثير من سنن الله في النفس والمجتمع، وفي وسائل الدعوة وطرق الإصلاح، وتقف الآيات
المنسوخة في هذا الباب هدى ومعالم بارزة ... كأعمق ما يكون الهدى، وأوضح ما تكون المعالم (١).
٢ - منسوخ التلاوة دون الحكم:
استدل القائلون بجواز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم بما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: (كان فيما أنزل آية الرجم يعني: «الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما البتة» قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله ورجمنا بعده) (٢).
стр. 183
_________
ويؤيد ذلك تأييدا واضحا أن الإمام البخاري وهو سيد المحدّثين في صحة سنده ترك هذين اللفظين (الشيخ والشيخة) وطرحهما من روايته عمدا كما قال شارحه الحافظ ابن حجر، وهذا يدل دلالة بينة على أن الإمام البخاري ﵀ لم ير أن هذين اللفظين (الشيخ والشيخة) من الحديث، ولا أن النبي ﷺ قالهما، لا على أنهما قرآن نزل ثم نسخ ولا على أنهما غير قرآن.
قال البخاري ح (٦٨٢٩): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن الزهري، عن عبيد الله عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل:
لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحمل أو الاعتراف- قال سفيان: كذا حفظت- ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمناه بعده.
فهذا الحديث وهو من أعلى وأرفع الأسانيد، لم يذكر فيه (الشيخ والشيخة) ومعناه كلّه منصب على إثبات حد الرجم للمحصن، وهو أمر مجمع عليه من الأمة سلفها وخلفها، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلّا طوائف من الخوارج والمعتزلة، فإنهم أنكروا حدّ الرجم، وقالوا: لم يكن الرجم في كتاب الله، وقول عمر: (فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله)، يحتمل أن المراد من إنزال الله إياها وحيه بها إلى نبيه محمد ﷺ وحيا غير قرآني، فتكون فريضة الرجم ثابتة بوحي السنة، ويدل لذلك قول عمر ﵁: (ألا وإن الرجم حقّ على من زنى وقد أحصن)، بل يجب حمل كلام عمر على هذا الوجه السديد.
وهذه الحقّية للرجم لا يلزم أن تكون ثابتة بنص قرآني، بل يكفي فيها أن تكون ثابتة عن النبي ﷺ في حديث صحيح، كما يستفاد ذلك من قوله: «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه».
فالبخاري ﵀ لم يذكر في روايته الثابتة الصحيحة (الشيخ والشيخة) لأنهما لم تثبتا عنده، لا لأنهما سقطتا من روايته، كما تقوّله عليه بعض من يجري وراء السراب.
وإخراج الإسماعيلي لهذا الحديث من طريق الفريابي عن شيخ البخاري علي بن عبد الله وفيه:
وقد قرأناها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) لا يلزم البخاري صحة هذه الرواية، ولهذا قال ابن حجر: ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدا، ولكن ابن حجر لم يعلّل لتعمد ترك البخاري لهذين اللفظين، ولم يوجه تعمد البخاري حذفه لهذه الزيادة التي جاء بها من رواية الإسماعيلي من رواية جعفر الفريابي، والظاهر أنها لم تصح عند البخاري، ولذلك تعمد حذف هذين اللفظين.
ويؤيد صنيع البخاري في تعمده حذف هذه الزيادة لعدم صحتها عنده أن النسائي أخرج هذا الحديث عن محمد بن منصور، عن سفيان كرواية أبي جعفر الفريابي، أي بزيادة (الشيخ والشيخة) وقد عقب النسائي على ذلك فقال: ما أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث (الشيخ والشيخة)، غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم في ذلك، ويؤيد توهيم النسائي لسفيان في ذكر
стр. 184
_________
هذه الزيادة قول الحافظ بن حجر: وقد روى الأئمة هذا الحديث من رواية مالك، ويونس ومعمر، وصالح بن كيسان وعقيل وغيرهم من الحفاظ عن الزهري فلم يذكروها- أي الزيادة (الشيخ والشيخة)، ووقوع الزيادة في الموطأ من رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب لا يقاوم عدم ذكرها من رواية الجماعة وفي طليعتهم الإمام مالك ﵀.
وقول عمر ﵁: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها في آخر القرآن معارض لما جاء في حديث أبي بن كعب عند النسائي والحاكم من قوله: ولقد كان فيها- أي في سورة الأحزاب- آية الرجم (الشيخ والشيخة) ولو كانت موجودة في سورة الأحزاب فكيف لم يعرفها عمر مكتوبة فيها؟ ويقول: (لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها في آخر القرآن).
وفي رواية عنه قد قرأناها: الشيخ والشيخة، وهذا يدل على أن الذين قرءوها جماعة فأنى ذهبت؟ وكيف يخشى عمر بن الخطاب قالة الناس- وهو من هو في قوة الدين، وشدة الشكيمة وصلابة الشوكة ومضاء العزيمة، وشدة البأس- في أمر يجب عليه أن يقوم به ولو كان في ذلك حتفه، وجميع مواقف عمر في الإسلام تشهد بأن هذا بعيد جدا عن خلائقه وأخلاقه وليس في حديث زيد بن ثابت أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «الشيخ والشيخة» ما يشعر قط أن هذا قرآن منزل من عند الله، وزيد بن ثابت أكثر كتّاب الوحي لزوما لرسول الله ﷺ وأعظمهم حظا في كتابة وحي القرآن، فلو كان الذي سمعه من رسول الله ﷺ قرآنا لأمره النبي ﷺ أن يكتبه في المصحف.
وفي حديث خالة أمامة بن سهل أنها قالت: لقد أقرأنا رسول الله ﷺ آية الرجم، ولم يبين هذا الحديث نص الآية المزعومة، وقد جاء في هذه الرواية زيادة (بما قضيا من اللذة) وهذه زيادة لا وجه لذكرها، لأن قضاء اللذة ليس خاصا بالشيخ والشيخة، فهي زيادة تشير إلى ضعف الرواية، كما أن هذه الزيادة (بما قضيا من اللذة) إلى جانب أنها لفظة لم تعهد في ألفاظ القرآن واستعمالاته، فسبيلها سبيل لفظي (الشيخ والشيخة) كما أنها بعيدة عن مواقعة الأدب اللفظي والمعنوي.
وقد روى أبو عبيد القاسم بن سلّام حديث خالة أمامة بن سهل فقال بعد سرد سنده: عن أبي أمامة بن سهل أن خالته قالت: لقد أقرأنا رسول الله ﷺ آية الرجم: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة.
وأبو عبيد صاحب طامات في هذا الموضوع، رواها عنه السيوطي في الإتقان. وفي حديث مروان بن الحكم عند النسائي أنه قال لزيد بن ثابت: ألا نكتبها في المصحف؟ قال زيد ﵁: لا، ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان، وهذا يفيد أن زيد بن ثابت لم يتحقق عنده أن ما سمعه من رسول الله ﷺ من قول (الشيخ والشيخة) قرآن تجب كتابته في المصحف.
стр. 185
وهذه الرواية إسنادها صحيح، وفي متنها نظر، فقد روي عن عمر قوله: (لولا أن يقول الناس زاد عمر في المصحف لكتبتها)، وهو كلام يوهم أنه لم ينسخ لفظها أيضا، مع أنهم يقولون: إنها منسوخة اللفظ باقية الحكم، ورواية تذكر قيد الزنى بعد ذكر الشيخ والشيخة، ورواية أخرى لا تذكره، ورواية تذكر عبارة «نكالا من الله»، ورواية لا تذكرها، بل رواية البخاري لا تذكر الشيخ والشيخة، وما هكذا تكون نصوص الآيات القرآنية ولو نسخ لفظها.
لذا فقد جزم الكمال بعدم الأخذ بالروايات قائلا: (وأما ما نظر به من الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، فلولا ما علم بالسنة والإجماع لم يثبت به).
إن هذا الحديث المروي عن عمر، لا يمكن اعتباره قرآنا بحال من الأحوال، لأن القرآن لا يثبت برواية الآحاد وإن صحت، ذلك لأن القراءات القرآنية لا تثبت قرآنيتها إلّا بالتواتر، وإلّا ردّت وحكم عليها بالشذوذ ولو صحت روايتها آحادا.
قال أبو جعفر النحاس: (وإسناد الحديث صحيح، إلّا أنه ليس له حكم القرآن الذي نقله الجماعة، ولكنه سنة ثابتة).
ونختم الحديث عن هذا النوع بما قال الدكتور مصطفى زيد: (ومن ثم يبقى منسوخ التلاوة باقي الحكم مجرد فرض، لم يتحقق في واقعة واحدة، ولهذا نرفضه ونرى أنه غير معقول ولا مقبول، فإن القول بأنه سقط شيء من القرآن، أو أنه لم يتواتر فلم يثبت في القرآن قول لا يسنده دليل ويجعل للمغرضين صيدا ثمينا للنيل من القرآن، فرد الروايات أهون من الدخول في المتاهات) (١).
٣ - منسوخ التلاوة والحكم معا:
استدل القائلون بجوازه بما روي عن عائشة: (كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرّمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفّي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يقرأ من القرآن) (٢).
стр. 186
وفي هذا النوع من النسخ كلام مثل ما سبق وقلناه عن النوع السابق.
قال الزركشي: (الأخبار فيه أخبار الآحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها) (١).
أما الشيخ محمد علي السائس فقد نقل قول بعض العلماء: بأن حديث عائشة الذي رواه مالك وغيره لا يصح الاستدلال به، لاتفاق الجميع على أنه لا يجوز نسخ تلاوة شيء من القرآن بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ولا إسقاط شيء منه، وهذا الحديث يفيد أنه سقط شيء من القرآن بعد وفاته ... وهذا هو الخطأ الصراح (٢).
النسخ بين مصادر التشريع الإسلامي:
وأعني بالمصادر الكتاب والسنة والإجماع والقياس:
أولا: نسخ القرآن بالقرآن قد بينا القول فيه وفي أنواعه:
ثانيا: نسخ السنة بالسنة اتفق العلماء على جوازه كذلك، حتى نفاة وقوع النسخ في القرآن ذهبوا إلى القول بهذا النوع، والمثال عليه واضح «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها».
ثالثا: نسخ السنة بالقرآن وحوادثه كثيرة، منها:
ما ورد في الصحاح أن النبي ﷺ كان يتوجه في الصلاة إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [البقرة: ١٤٤].
وقد جعل الإمام مسلم في صحيحه بابا سماه «تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة».
стр. 187
شبهة مردودة في هذا النوع من النسخ:
لقد ورد في تفسير ابن كثير مثال على هذه الحالة في شروط صلح الحديبية إذ كان من شروطها «على ألا يأتيك أحد منا إلّا رددته إلينا» وفي رواية «من جاءك منا» (١).
ثم قالوا: إن آية الممتحنة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ ..
[الممتحنة: ١٠].
فأمرت الآية بعدم ردّ النساء، أو على حدّ تعبير بعض المفسرين فنسخ الله في حقّ النساء، ولكن كما يقولون يلزم منه القول بنقض العهد، هكذا قالوا، وزعم المستشرقون ومن في قلبه مرض أن رسول الله ﷺ هو الذي بدأ بنقض العهد حين نزلت عليه آية الممتحنة المذكورة.
والحقّ أنه لا نسخ للسنة بالقرآن في هذه الحادثة، لأن أكثر ما يقال في هذا الأمر وحسب الروايات المذكورة، أنها من باب تخصيص القرآن للسنة، وقد خلت كتب الأصول من التمثيل عليه، ويعتبر هذا من أحسن الأمثلة على تخصيص القرآن للسنة، كما ذكره ابن كثير بل هو المثال الوحيد.
أما قول بعض المفسرين أن هذا نسخ فإن هذا على رأي من يقول: إن التخصيص بالمنفصل هو نسخ جزئي في رأي لأحد المجتهدين.
والحق أن هذه الآية لم تنسخ، ولم تخصص بالروايات المذكورة، إذ ثبت في صحيح البخاري (على ألا يأتيك رجل منا إلّا رددته إلينا) (٢) وفي هذه الرواية تفسير لكلمة أحد- الواردة في إحدى الروايات الصحيحة- برجل الواردة في الروايات الأخرى، وعندها لن تكون الآية في حقّ النساء ناسخة ولا مخصصة والله أعلم.
стр. 188
رابعا: نسخ القرآن بالسنة: أما هذا النوع فقد ذهب الشافعي إلى منعه وعدم جوازه، وذهب جمهور العلماء إلى جواز نسخ القرآن بالسّنّة.
وندع المناقشة بين الفريقين والتي لا يترتب عليها أثر، إذ لم نجد فيه واقعة واحدة من وقائع النسخ على هذا النوع، ومن هنا نرى أن الخلاف الذي قام حول جوازه خلاف نظري، يحسمه عدم وقوعه ووجوده.
خامسا: أما نسخ الإجماع بالإجماع، فإن الإجماع كما قال الأصوليون: لا ينسخ ولا ينسخ به، إذ لا يتصور أن يحصل إجماع على نسخ نص، إذ لا يصح الإجماع مع وجود النص، كما لا يصح أن ينسخ إجماع إجماعا لعدم صحة أحدهما، والكلام يطول في هذا النوع وفي النسخ بالقياس، وفي كتب الأصول المزيد لمن أراده.
стр. 189
«كلمة أخيرة لا بد منها» [في الفرق بين النسخ والتخصيص والتقييد]
١ - إن الناسخ يأتي على الحكم المنسوخ فيزيله بالكلية، وبعبارة أخرى يبطله ويلغيه ويخرجه عن اعتباره دليلا، أما المخصص فلا يلغي العامّ بالكلية، بل يبقى حكم العام معمولا به، ولكنه لا يستغرق جميع أفراده، بل جزءا منهم، ويبقى العام بعد تخصيصه دليلا ثابتا للحكم فيما أبقاه المخصص.
٢ - إن الناسخ لا يأتي إلّا متأخرا عن المنسوخ، أما المخصص فيكون مقارنا للعامّ أو متأخرا عنه وقد يكون مستقلا أو غير مستقل. وبعبارة أخرى منفصلا أو متصلا، بل قد يتقدم عليه في رأي.
٣ - النسخ لا يقع في مجال العقائد والأخبار والقصص القرآني، بل يقع في مجال الأحكام، أما التخصيص فمجاله جميع ما تقدم دون استثناء.
وفروق أخرى مختلف فيها فلا نذكرها، لنمضي إلى المفارقة بين النسخ والتقييد فنجملها بما يلي:
١ - إن العامل بالناسخ لا يكون عاملا بالمنسوخ قطعا، بينما العامل بالمقيد هو عامل بالمطلق حتما.
٢ - من شروط النسخ تأخر الناسخ عن المنسوخ، وليس هذا بلازم في المطلق والمقيد إذ قد يتأخر المقيد عن المطلق أو يلازمه أو يتقدم عليه، وفروق أخرى لم نذكرها.
هذه الشروط التي نرى أن من الضرورة معرفتها، ولا يفوتنا أخيرا ذكر قاعدة صلبة في التفريق بين التخصيص والتقييد، وهي أن العامل بالمقيد هو عامل بالمطلق، بينما العامل بالمخصص لا يكون عاملا بالعامّ، فمن صام شهرين متتابعين فقد صام شهرين قطعا، كما بينا في الأمثلة السابقة، أما فيما يتعلق بالعامّ والخاصّ فلا يكون من رجم الزاني المحصن قد عمل بالعامّ بوجه من الوجوه، لعدم وروده أصلا في النصّ العامّ.
стр. 190
المبحث الخامس المحكم والمتشابه
مدلولهما اللغوي:
أ- المحكم: تقول العرب: حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى: رددت ومنعت، والحاكم يمنع الظالم عن الظلم، وحكمة اللجام: هي التي تمنع الفرس عن الاضطراب، وفي حديث النخعي: أحكم اليتيم كما تحكم ولدك، أي: امنعه عن الفساد:
قال جرير:
أبني حنيفة أحكموا سفاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا
أي: امنعوا سفاءكم.
وبناء محكم، أي: وثيق يمنع من تعرض له، وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي (١)، وقيل: إن إحكام الشيء إصلاحه وإتقانه، وإحكام آيات القرآن إحكامها من خلل يكون فيها، أو يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها من قبله (٢).
ب- المتشابه: أما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابها للآخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما.
قال الله تعالى: .. وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً .. [البقرة: ٢٥]. أي: متفق المنظر مختلف الطعوم، وقال تعالى: تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة: ١١٨]. ومنه يقال: (اشتبه عليه الأمران) إذا لم يفرق بينهما. قال ﵇: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات» (٣).
стр. 191
ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما، سمّي كلّ ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه إطلاقا لاسم السبب على المسبب.
مدلولهما الاصطلاحي:
يجدر بنا قبل الحديث عن مدلول المحكم والمتشابه الاصطلاحي، أن نسوق الآيات القرآنية الواردة في هذا الموضوع، فآية تصف القرآن- كل القرآن- بأنه محكم، وآية تصف القرآن- كل القرآن- بأنه متشابه، وآية تصف القرآن بأنه منه المحكم والمتشابه. وبما أننا نعلم أن القرآن منزه عن التناقض، فإننا نجزم أن هذه الآيات لا تناقض فيها، بل لكل آية معنى سديد ودقيق يلحظ بالتأمل والتمحيص والتحقيق.
فالآية القرآنية: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ .. [هود: ١]. تفيد إحكام القرآن كله آية آية، وسورة سورة، وتكاد كلمة المفسرين- قديما وحديثا- تجمع على معنى واحد لهذه الآية، وإن اختلفت تعابيرهم، فالطبري والرازي وأبو حيان يقولون: إن معنى أحكمت آياته: نظمت تنظيما رصينا لا نقص ولا خلل فيها كالبناء المحكم، فمعنى أن القرآن كله محكم كونه كلاما حقا، فصيح الألفاظ، صحيح المعاني وكل قول وكلام فالقرآن أفضل منه في فصاحة اللفظ وقوة المعنى (١).
قال الطبري: أحكم الله آياته من الدخل والخلل والباطل.
وكذلك نجد المعنى نفسه، بل الألفاظ نفسها عند المفسرين المتأخرين.
يقول الجمل في تفسيره الفتوحات الإلهية: (كتاب أحكمت آياته، أي: نظمت نظما متقنا لا يعتريه الخلل بوجه من الوجوه) (٢).
أما القاسمي فقال: (أحكمت آياته نظمت نظما رصينا محكما معجزا لا يعتريه نقص ولا خلل لفظا ومعنى) (٣).
стр. 192
أما الآية الثانية: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً .. [الزمر: ٢٣]. فتفيد أن آيات القرآن يشبه بعضها بعضا في الإحكام والإتقان، فلا يستطيع أحد المفاضلة والتمييز بين آية وأخرى، للتماثل في البلاغة والهداية.
قال قتادة: (الآية تشبه الآية والحرف يشبه الحرف) (١).
أما الآية الثالثة: فقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ .. [آل عمران: ٧].
فقد تقابل فيها الإحكام والتشابه، وجعل كلّا منهما وصفا لبعض الآيات دون بعض.
هذه الآية هي موضوع حديثنا، وهي تفيد أن القرآن الكريم يشتمل على المحكم والمتشابه معا، وقد اختلف العلماء في تحديد معناهما الاصطلاحي، وسأذكرها دون تعرض للأقوال التي لا تستند إلى دليل، ولا إلى المناقشات التي يطول استقصاؤها، فقد بلغت عند بعض العلماء مئات من الصفحات، ومن أراد معرفتها فليرجع إلى ما كتب فيها من المطولات (٢).
القول الراجح: أن المحكم ما ظهر معناه وانكشف انكشافا يرفع الاحتمال، ومثاله: قول الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥]. وقوله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص: ٣]. وقوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨].
وأما المتشابه المقابل للمحكم في هذه الآية: فهو: (ما احتمل أكثر من معنى) فمعرفة المعنى تحتاج فيه إلى التدبر والتأمل، ومن العلماء من يرى أن المتشابه مما استأثر الله بعلمه ولا سبيل لأحد إلى معرفته.
стр. 193
ويرجع سبب الخلاف بين العلماء إلى تغاير أفهامهم لمعنى الآية: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [آل عمران: ٧].
يرى بعض العلماء الوقف على قوله تعالى: .. يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ..
[آل عمران: ٧].
والواو في قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، هي واو الاستئناف، والراسخون مبتدأ، وخبره يقولون آمنا به، وعلى هذا القول ينحصر دور الراسخين في القول آمنا به، وردّوا احتمال كون الواو للعطف لاقتضاء ذلك أن نعرب يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ حالا، مع أنه يستحيل أن تكون حالا من المعطوف عليه، وهو (الله)، والمعطوف (الراسخون) إذ كيف يقول الله معهم آمنا به؟.
وقد ذهب إلى هذا المعنى أبيّ بن كعب وابن مسعود بل نسبه الحاكم في مستدركه إلى ابن عباس وقال: إنه كان يقرأ هذه الآية: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ. ويقف على لفظ الجلالة (الله).
قال الخطابي: وما يعلم تأويل المتشابه إلّا الله وحده منفردا بعلمه.
وذهب بعض العلماء إلى عدم الوقف على كلمة الله، فالواو في كلمة (والراسخون) واو العطف واستدلوا على ذلك:
١ - أن الأصل في الواو هو العطف، أما الاستئناف فذلك لا يكون إلّا إذا انتهى الكلام الأول وانتهى معناه، ثم يستأنف بكلام جديد ومعنى جديد، والكلام هنا لم ينته لفظا ولا معنى، فلا تكون الواو للاستئناف، ومما يؤيد ذلك تواتر القراءة، وبها قرأ حفص بعدم الوقوف على لفظ الجلالة.
٢ - أما الاعتراض بأن قوله تعالى: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ يكون حالا عن المعطوف والمعطوف عليه، وإن ذلك غير جائز في حق الله، فقد أجابوا عن ذلك بأن قوله تعالى: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ هو حال للمعطوف دون المعطوف عليه، خصوصا إذا
стр. 194
وجدت قرينة تدل على ذلك فإنها تنصرف إلى المعطوف فقط دون المعطوف عليه، كما في قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
فكلمة صفّا حال تخص المعطوف (والملك) دون المعطوف عليه (ربّك). وكما في قوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً .. [الأنبياء: ٧٢].
فإن نافلة حال من يعقوب، أي من المعطوف دون المعطوف عليه.
٣ - وأوضح دليل على أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل القرآن ما روي عن ابن عباس في هذه الآية أنه كان يقول: (أنا ممن يعلم تأويله) وهو يصدق دعاء النبي ﷺ له: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (١). ونسبة هذا القول لابن عباس، أي: العلم بالمتشابه أصح سندا من نسبة القول السابق إليه، أي عدم العلم بالمتشابه.
كما روي عن مجاهد أنه كان يقول بمثل قول أستاذه ابن عباس في العلم بالمتشابه.
٤ - إن ذكر الراسخين في العلم في هذه الآية كان لمزية عن سائر الناس، وهذه الميزة لا تكون إلّا إذا كان لهم علم بالمتشابه.
على أن جملة (يقولون آمنا به) مع ذلك لا يتعين أن تكون حالا، بل يجوز أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا، أي: واقعة في جواب سؤال مقدر كأن قائلا قال: (ما حال أولئك الراسخين الذين شرفوا من دون سواهم من الخلق بعلم تأويل المتشابه، هل غرّهم علمهم هذا أم لم يعطوا هذا العلم حقه فأنكروا مقتضاه أم ماذا؟! فكان الجواب: يقولون آمنا به .. إلخ، وعلى هذا التأويل فهم يعلمون كذلك تأويل المتشابه، هذا كله على كون الواو للعطف.
стр. 195
ولبعض الباحثين القائلين بعلم الراسخين بتأويل المتشابه رؤية أخرى، تتمثل في أنه حتى على فرض لزوم الوقف على لفظ الجلالة، وكون الواو للاستئناف، فإن الآية لا تقتضي جهل الراسخين بالتأويل، من منطلق أن المعنى حينئذ يمكن أن يكون في هذه الجملة (وما يعلم تأويله) علما شاملا محيطا غير مكتسب إلّا الله، فلا ينافي ذلك علم غيره بالتأويل لكن لا على هذا الوجه التام المحيط غير المكتسب.
فعلى هذا، فالآية تخبر عن الراسخين في العلم بأنهم يقولون: آمنا به، ولم تتعرض إلى علمهم ولا إلى عدم علمهم، فهذه قضية مسكوت عنها في الآية، فكونهم يعلمون أو لا يعلمون مما يحتاج إلى دليل مستقل، وقد وجد من الأحاديث ما يدل على علمهم.
مما تقدم يتضح أنه ليس في القرآن متشابه بمعنى الذي لا يفهم معناه، لأن اشتمال القرآن على شيء غير مفهوم يخرجه عن كونه بيانا للناس، وهو خلاف ما أخبر الله به.
أما تفسير بعض العلماء للمتشابه بأنه لا يعلم، وأنه مما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وعلم الغيب وغير ذلك فإننا نقول لهم: إننا معكم أن هذا مما لا يعلمه إلّا الله، ونحن نسلم بذلك، ولكن تفسير المشابه بذلك مما لا نسلّمه.
وبعد: فإن هذا هو الرأي الذي تستريح إليه النفس لقوة حجته، ونصوع برهانه، أما نسبة القول إلى ابن مسعود وأبيّ فإنها لم تصح في مستدرك الحاكم.
كذلك الزعم بأن ابن عباس قال مثل قولهم غير صحيح، بل الأصح أن ابن عباس على خلاف قولهم، وقد تبنى رأيه تلميذه ابن مجاهد الذي قال بقول أستاذه:
(أنا ممن يعلم تأويله).
ولقد أيد هذا الرأي علماء أفذاذ كالإمام النووي الذي قال بأنه الأصحّ، لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته.
كما اختاره ابن قتيبة وقال: (ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوّليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئا من القرآن إلّا لينفع عباده ويدل على معنى أراده).
стр. 196
ثم قال: (وهل لأحد أن يقول: إن رسول الله ﷺ لم يكن يعرف المتشابه، وإذا جاز أن يعرفه مع قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته فقد علم عليّا التفسير، ودعا لابن عباس فقال: «اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين». وذكر بعد ذلك أنه لم ير المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن، وقالوا:
هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمرّوه على التفسير، حتى فسروا الحروف المقطعة في أوائل السور.
стр. 197
منشأ التشابه
قلنا: إن المتشابه إنما سمي متشابها لاشتباه معناه على السامع الذي قد يكون منشؤه خفاء في اللفظ أو المعنى، وقد يكون ناشئا عن تركيب الجملة.
والخفاء في اللفظ أو المعنى أو التركيب يحدث الاشتباه والالتباس الذي قد يكون منشؤه اللغة، لتردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز والوضوح والإبهام ونحو ذلك.
وقد يكون منشأ التشابه عائدا إلى العقل والسمع، وكل ما من شأنه أن يقطع بأن المراد من هذا التشابه أمر غير ظاهر، ولهذا فإن المراد من المتشابهات يجب أن يرجع فيه إلى المحكمات التي جعلها الله بمنزلة (الأم)، أي: الأصل الواحد الجامع الذي ترد إليه المتشابهات.
فقوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥]. يرجع في فهمه وتفسيره إلى قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
وقوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [الإسراء: ١٦] يرجع فيه إلى قوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٢٨].
هذا هو منشأ التشابه وهذه تطبيقات عليه:
قلنا: إن التشابه يكون منشؤه خفاء المعنى في اللفظ، وهذا قد يكون على جهة التساوي، كقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ .. [البقرة: ٢٢٨].
فإن لفظ قرء يحتمل أن يراد به أحد المعنيين المتضادين: إما الحيض أو الطهر.
وقد يكون خفاء المعنى من جهة تركيب الجملة كقوله تعالى: .. أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ .. [البقرة: ٢٣٧]. يحتمل أن يراد به الزوج أو الولي، وقوله:
.. فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً .. [النساء: ٤]. يحتمل الزوج أو الولي أيضا.
стр. 198
وقد يكون خفاء المعنى للفظ لا على جهة التساوي، مثل أن يكون أحد المعاني مرجوحا والآخر راجحا، مثل الآيات المتعلقة بالصفات، وكالحروف التي افتتح الله بها بعض سور القرآن: ق، ن، ص، حم وغيرها.
فمن العلماء من قال إنها سرّ استأثر الله بعلمه، ومنهم من فسرها، ولكنهم اختلفوا في معانيها اختلافا كثيرا، فمنهم من رجح أن فواتح السور أسماء للقرآن الكريم ذكره السيوطي وقال: أخرجه عبد الرزاق عن قتادة.
ومنهم من قال: هي أسماء لله وقد أقسم الله بها.
وذهب الزمخشري إلى استنباط معنى مبناه العقل، وقد استحسنه كثير من العلماء فقالوا في معنى هذه الحروف: إن هذه الحروف المفتتح بها بعض السور، منها تتكون الكلمة، ومن الكلمات تتألف الجمل، ومن الجمل يتألف الكتاب، والقرآن مؤلف من مثلها ولا يخرج عنها، فإن كان باستطاعتكم الإتيان بمثله، فأتوا بذلك، وإن عجزتم فاعلموا أن هذا القرآن من عند الله، ولذلك فقد غلب على السور المفتتحة بالحروف أن يعقب ذلك بيان أن القرآن من عند الله:
الم ١ ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ .. [البقرة: ١ - ٢]. حم ١ تَنْزِيلُ الْكِتابِ .. [غافر: ١ - ٢] (١). يس ١ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس: ١ - ٢]. ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: ١]. ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: ١].
وللزمخشري كلام طويل استوفاه في مطلع سورة البقرة، ونجد المفسرين يسهبون في معناه عند قوله تعالى: الم ١ ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ١ - ٢].
وهناك مزاعم لا يعتد بها كالذي تكلم في معنى الحروف واستنبط منها أعمار الأمم وآجالها. ومنهم من استخرج فتوح بيت المقدس في سنة معينة، وقد فندها أبو بكر بن العربي وقال: وقد تحصل لي فيها عشرون قولا وأكثر، ولا أعرف أحدا يحكم عليها بعلم ولا يصل منها إلى فهم.
стр. 199
وأخيرا نختتم الكلام عن المتشابه بكلمة موجزة قالها الراغب في المفردات: «إن المتشابه بالجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهتهما.
فالأول ضربان:
أحدهما: يرجع إلى الألفاظ المفردة، وذلك إما من جهة غرابته نحو: الأبّ ويزفّون، أو الاشتراك كاليد والعين.
وثانيهما: يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ .. [النساء: ٣].
وضرب لبسطه نحو: .. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ .. [الشورى: ٤٢]، لأنه لو قيل:
ليس مثله شيء كان أظهر للسامع.
وضرب لنظم الكلام نحو: .. الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً [الكهف: ١].
والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة.
والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب.
الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥].
الثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣].
والثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو: .. اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ..
[آل عمران: ١٠٢].
والرابع: من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها نحو: .. وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها .. [البقرة: ١٨٩]. ونحو: .. إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ .. [التوبة: ٣٧].
стр. 200
فإن من لا يعرف عاداتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه الآية.
الخامس: من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح».
ثم قال: (وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم) (١).
وقد علق الزرقاني على هذا التقسيم فقال: وهو كلام جيد غير أن في بعضه شيئا (٢).
стр. 201
الفصل السادس أصول التفسير ومصادره
المبحث الأول: معنى التفسير والتأويل.
المبحث الثاني: لمحة موجزة عن تاريخ التفسير وتطوره.
المبحث الثالث: مصادر التفسير.
المبحث الرابع: شروط المفسر.
المبحث الخامس: أنواع التفسير.
стр. 202
المبحث الأول معنى التفسير والتأويل
معناهما اللغوي:
أما التفسير: فإن محور كلمة التفسير وتقاليبها المختلفة يدور حول معنى الكشف، فالفسر والسّفر والرفس تتقارب معانيها، يقولون: فسرت الريح الغيم إذا قشطته، والسفر بمعنى الكشف أيضا، ومنه المرأة السافرة، أي: الكاشفة عن وجهها، وأسفر الصبح إذا كشف الظلام، والرفس بمعنى الإزالة وهو نوع من الكشف، وقيل للبول الذي ينظر فيه الطبيب: تفسرة إذ به يكشف الطبيب عن المرض المراد معرفته، وقد استعمل القرآن الكريم كلمة التفسير بمعنى الكشف والبيان كما هو وارد في الآية القرآنية الوحيدة:
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان: ٣٣]، أي: بيانا وكشفا.
أما التأويل: فمأخوذ من الأول وهو الرجوع والصيرورة، ومنه آلت إليه السلطة، أي: رجعت إليه، وقد وردت في القرآن الكريم فاستعملت مصدرا في قوله تعالى:
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران: ٧].
وقد وردت في آيات قرآنية أخرى، ولم يرد استعمال كلمة التأويل إلا في المقام الذي يعزّ فيه البيان، ويدق فيه الفهم، كالآيات المتشابهات والأحلام والرؤى، والمصير المجهول.
معناهما الاصطلاحي:
ذهب كثير من العلماء إلى أن التفسير والتأويل بمعنى واحد، قاله أبو عبيد، وقال مجاهد ﵁: إن العلماء يعلمون تفسيره وتأويله، وهو قول ابن جرير الطبري ﵀، حين سمى كتابه «جامع البيان في تأويل آي القرآن»، فنراه يقول في تفسير كل آية: اختلف أهل التأويل، أو القول في تأويل الآية، فهو يساوي بين مدلول كلمة التفسير والتأويل.
стр. 203
وذهب آخرون إلى أن معنى التفسير يخالف معنى التأويل في وجه من الوجوه.
قال النيسابوري: قد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه، فهؤلاء يرون أن التفسير يتعلق بما حول النصّ، وما يتبادر إلى الذهن لأول نظرة، أما التأويل فإنه الوصول إلى أعماق النصّ، وهو صرف اللفظ إلى ما يمكن أن يتحمله من معنى، وهناك تعريفات في التفسير والتأويل والفرق بينهما، وقد أطال في ذكرها الأستاذ الذهبي- ﵀ وخلص من جميع التعريفات إلى الترجيح فقال: والذي تميل إليه النفس من هذه الأقوال هو أن التفسير «ما كان راجعا إلى الرواية»، والتأويل: «ما كان راجعا إلى الدراية»، وذلك لأن التفسير معناه الكشف والبيان. والكشف عن مراد الله تعالى لا نجزم به إلا إذا ورد عن رسول الله ﷺ ، أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحي، وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع، وخالطوا رسول الله ﷺ ، ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم.
وأما التأويل: فملحوظ فيه ترجيح أحد محتملات اللفظ بالدليل.
والترجيح يعتمد على الاجتهاد، ويتوصل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ ومدلولاتها في لغة العرب، واستعمالها بحسب السياق ومعرفة الأساليب العربية، واستنباط المعاني، وغير ذلك.
قال الزركشي: (وكان السبب في اصطلاح كثير على التفرقة بين التفسير والتأويل، التمييز بين المنقول والمستنبط؛ ليحيل على الاعتماد في المنقول، وعلى النظر في المستنبط) (١).
هذا هو ترجيح أستاذنا الذهبي، وهو ترجيح لم يحالفه الصواب كما يقول الأستاذ الدكتور إبراهيم خليفة: (ما قاله الشيخ- ﵀ سواء في التفسير وفي التأويل جميعا غير متجه عندنا، أما التفسير فحتى لو سلمنا له قضية اشتراط الجزم في الكشف عن مراد الله تعالى، فإن ذلك لا يتوقف على كونه من طريق الرواية، بل يمكن أن يتحقق الجزم كذلك من قطع العقل بتعين المعنى، واستحالة إرادة غيره من الكلمة أو الجملة القرآنية، كما في قوله تعالى مثلا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١].
стр. 204
وقوله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ٣ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ٣ - ٤].
وقوله: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ .. [البقرة: ١٦٥] إلى غير ذلك من الآيات المتكاثرة التي يقطع العقل بتعين معناها ويحيل إرادة غيره. كما يمكن أن يتحقق الجزم أيضا من ظهور المعنى بنفسه، بأن يكون اللفظ نصا فيه لا يحتمل غيره. فما ظنك واشتراط مثل هذا الجزم مما لا يسلم لقائله أصلا، بل إن تيسر لنا في بعض المفردات أو التراكيب فذاك وضح لنا حينئذ القطع بإرادة المعنى من الكلمة أو العبارة، إمّا من الطريق الذي ذكره، أو من الطريق الذي ذكرنا، وإلّا فلنا أن نفسر بغلبة الظن. غاية الأمر أنّا لا نقطع حينئذ بكون المعنى هو المراد لله تعالى، وبالتالي لا نطلق عبارة تفيد مثل ذلك القطع، بل نقول: إنّا لو طبقنا قانون أهل الأصول الذي لا يسع منصفا أن يدافعه، لرأينا أن الطريق الذي ذكره لتحقيق الجزم وهو الرواية لا يمكن أن يحقق الجزم أيضا، اللهم إلّا في حال واحدة هي أن تكون الرواية قطعية الثبوت في نفسها بأن تكون قرآنا، أو حديثا متواترا عن النبي ﷺ ، أو مما وقع عليه الإجماع من الصحابة والتابعين من غير نكير، وما أعز مثل هذه الطلبة، فأما حيث تكون الرواية ظنية الثبوت في
نفسها، حتى وإن تلك مما نقل عنه ﷺ بالسند الصحيح، فهيهات هيهات لمثلها أن تحقق الجزم بالمراد، وهذا أمر يكاد يبلغ درجة البدهيات التي لا يسع ذو نصفة في الأصول ولا في الفروع أن يماري فيه. فكان على الشيخ ﵀ لو لزم شيئا من الجادة- أن يشترط التواتر إذن في الرواية، مع أنه لعمر الحق لو فعل لضيّق واسعا، وقال بما لم يقل به أحد، لا من السابقين ولا من اللاحقين، فهذا شأنه في التفسير.
أما التأويل فما كنا لنسلم له أصلا كذلك، إن كل دراية يجب أن تعد تأويلا، حتى لو كانت مما يقطع به العقل، أو يعينه كون اللفظ نصا لا يحتمل غير معناه بوجه من الوجوه، أو حتى يرجحه كون اللفظ ظاهرا في معناه، ولم تقم قرينة توجب صرفه عن هذا المعنى حتى يصرف عنه، بل الوجه عندنا، ولا نحسبه إلّا عند كل منصف كذلك، أن يعد هذا كله من قبيل التفسير، وأن يقصر التأويل على ما يكون استنباطه من اللفظ مفتقرا إلى مزيد من إعمال الفكرة وإنعام النظرة، أو يكون مما يستعصى
стр. 205
دركه حتى مع ذلك، وإنما يأتي صاحبه من طريق الفيض وإلهام منزّل القرآن، لا ما يكون إدراكه على طرق التمام غير محتاج إلى بذل شيء من التأمل أصلا (١).
تعريف التفسير كفن مدون:
عرف العلماء الأقدمون التفسير كفن مدون بتعريفات كثيرة منها:
ما ذكره الزركشي بأن التفسير: علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها ومحكمها ومتشابهها وناسخها ومنسوخها وخاصّها وعامّها ومطلقها ومقيدها ومجملها ومفسرها (٢).
أما السيوطي فقال: التفسير (هو علم يبحث فيه عن أحوال الكتاب العزيز، أي:
من جهة نزوله وسنده وأدائه وألفاظه، ومعانيه المتعلقة بالألفاظ والمتعلقة بالأحكام وغير ذلك) (٣).
فالمراد بكلمة نزوله: ما يشمل سبب النزول ومكانه وزمانه.
والمراد بكلمة ألفاظه: ما يتعلق باللفظ من ناحية كونه حقيقة أو مجازا صحيحا أو معتلا، معربا أو مبنيا.
والمراد بمعانيه المتعلقة بألفاظه: ما يشبه الفصل والوصل.
والمراد بمعانيه المتعلقة بأحكامه: ما هو من قبيل العموم والخصوص والإحكام والنسخ (٤).
وأجمع التعاريف وأوجزها في تعريف التفسير: (هو علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله بقدر الطاقة البشرية) (٥).
стр. 206
المبحث الثاني لمحة موجزة عن تاريخ التفسير وتطوره
تاريخ التفسير ومراحل تطوره:
[- الدور الأول -]
من بداية عهد الرسول ﷺ إلى عصر التدوين، كما أمر النبي ﷺ بالبلاغ كلّف بالتفسير والبيان يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧].
وكلّفه تعالى بالبيان وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤].
فالنبيّ ﷺ هو أول المفسرين للقرآن- كما سيجري بيانه عند حديثنا عن المصدر الثاني من مصادر التفسير (١)
[- الدور الثاني -]
- ثم جاء دور الصحابة في التفسير- وقد استوفيناه عند حديثنا عن المصدر الثالث من مصادر التفسير (٢).
وأشهر المفسرين من الصحابة:
١ - ابن عباس ﵄:
قال رسول الله ﷺ : «نعم ترجمان القرآن أنت» (٣). وقد دعا له الرسول ﷺ فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» وقد شهد له الصحابة، فكان عمر يقول:
«ذاكم فتى الكهول إن له لسانا سئولا وقلبا عقولا» (٤).
وقال علي في ابن عباس: «إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق لعقله وفطنته» (٥).
стр. 207
وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص: قال: سمعت أبي يقول: «ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا ألب لبا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس» (١).
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب عن أبي وائل: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، ولو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت» (٢).
وتفسير ابن عباس من خير التفاسير، إلّا أن الناس قد دسوا ووضعوا عليه الكثير حتى قال الإمام الشافعي: (لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلّا شبيه بمائة حديث) (٣). وتجدر الإشارة إلى الطرق الصحيحة والضعيفة، حتى نعرف التفسير الثابت من الساقط.
فمن أجود الطرق وأصحها عن ابن عباس:
أ- عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة الهاشمي عن ابن عباس.
ب- عن قيس بن مسلم الكوفي، عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وهذان الطريقان صحيحان.
ج- عن ابن إسحاق صاحب كتاب السيرة عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وهذه طريق جيدة، وإسناده حسن.
أما أوهى الطرق فهي طريق محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وطريق الضحاك بن مزاحم الهلالي عن ابن عباس منقطع، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.
فإذا وجدت رواية عن ابن عباس- وما أكثرها- من هذين الطريقين ردت بلا تردد.
وهناك تفسير ينسب إلى ابن عباس وهو (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) جمعه صاحب القاموس المحيط أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ومن يطلع
стр. 208
عليه يدرك أن ما روي عن ابن عباس في هذا الكتاب يدور على محمد بن مروان السدي الصغير، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهذه الطريق هي من أوهى الطرق كما ذكرنا سابقا، وأنها سلسلة الكذب.
٢ - علي بن أبي طالب:
وهو أكثر الخلفاء الأربعة تفسيرا للقرآن ورواية للحديث، وذلك لتأخر وفاته عنهم، ولسعة اطلاعه على لغة العرب، ولحاجة الناس إليه في زمانه، وقد عرف- ﵁ بحدة ذكائه وفصاحة لسانه، وسرعة بديهته، وغزارة علمه، ومعرفته لأسباب النزول.
روى معمر عن وهب بن عبد الله بن أبي طفيل قال: شهدت عليا- ﵁ يخطب ويقول: (سلوني، فو الله ما من آية إلّا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار؟ أفي سهل أم في جبل).
وفي رواية عنه قال: (والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت، وأين أنزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سئولا) (١).
ولكن الذي يؤسف له إنه قد كذب عليه خلق كثير، ودسوا عليه أقوالا لم يقلها ونسبوا إليه أفعالا لم يفعلها، فينبغي أخذ الحيطة والحذر من الأقوال المدسوسة عليه والأفعال المنسوبة إليه.
أصح الأسانيد إلى علي ﵁:
أ- ما كان عن طريق هشام عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني عن علي، وهذا السند اعتمده البخاري وغيره.
ب- طريق ابن أبي الحسين عن أبي الطفيل عن علي. وهذه طريق صحيحة اعتمدها سفيان بن عيينة في تفسيره.
ج- طريق الزهري عن علي زين العابدين عن أبيه الحسين عن أبيه علي (٢).
стр. 209
أما غيرها من الطرق- وهي كثيرة- فهي مكذوبة أو موضوعة.
٣ - عبد الله بن مسعود:
وهو من الصحابة الذين رحلوا إلى العراق، فكان مرجعهم في تفسير القرآن، وقد كان عالما بأسباب النزول، عارفا بأحوالها، ويكفينا شهادة علي بن أبي طالب حين قالوا له: أخبرنا عن ابن مسعود؟
قال: علم القرآن والسنة (١)، ثم انتهى، وكفى بذلك علما.
أصح الأسانيد إلى ابن مسعود:
أ- طريق الأعمش، عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود.
ب- طريق مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود.
ج- طريق الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود.
وقد اعتمد البخاري هذه الطرق الثلاث في صحيحه (٢).
стр. 210
- الدور الثالث-- التفسير في عهد التابعين -
- مدارس التفسير -
١ - مدرسة مكة:
وهم أعلم الناس في التفسير لأنهم أصحاب ابن عباس، ومن هؤلاء التابعين المبدعين:
أ- مجاهد بن جبر المتوفى سنة ١٠١ هـ، وهو أوثق تلاميذ ابن عباس، وقد اعتبر الإمام البخاري والشافعي تفسيره حجة، قال النووي ﵀: (إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به). بيد أن الرواية عن هذا الإمام قليلة، ويرى بعض العلماء أن مجاهد كان يسأل أهل الكتاب، فيتريث في أخذ أقواله المنسوبة إليهم.
ب- عطاء بن أبي رباح المتوفى سنة ١١٤ هـ، وقد شهد له العلماء بعلو كعبه في هذا العلم وبعدالته وتقواه، قال قتادة: (أعلم التابعين أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك)، وقال أبو حنيفة: (ما لقيت أحدا أفضل من عطاء).
ج- ومن التابعين بمكة سعيد بن جبير المتوفى سنة ٩٥ هـ، وعكرمة مولى ابن عباس المتوفى سنة ١٠٥ هـ، وقد أكثر من التفسير، وطاوس بن كيسان اليماني المتوفى سنة ١٠٦ هـ.
٢ - مدرسة المدينة:
ومن أشهر التابعين المفسرين فيها:
أ- أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي (١) المتوفى سنة ٩٠ هـ، وهو من رواة أبيّ بن كعب. قرأ القرآن على زيد بن ثابت وابن عباس وقد روى عنه الربيع بن أنس.
стр. 211
ب- محمد بن كعب القرظي المدني ثم الكوفي سنة ١١٨ هـ (١).
ج- زيد بن أسلم المتوفى سنة ١٣٦ هـ، وقد أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد ومالك ابن أنس إمام دار الهجرة (٢).
٣ - مدرسة العراق:
وقد تلقى الكثير منهم عن عبد الله بن مسعود ﵁:
ومن هؤلاء:
أ- مسروق بن الأجدع الكوفي المتوفى سنة ٦٣ هـ.
ب- قتادة بن دعامة السدوسي البصري المتوفى سنة ١١٧ هـ، وقد وثقه أئمة الجرح والتعديل كيحيى بن معين.
ومن التابعين:
أ- أبو سعيد الحسن البصري المتوفى سنة ١٢١ هـ.
ب- مرة الهمذاني من الكوفة.
هؤلاء هم أشهر التابعين في سائر الأمصار، وعنهم أخذ تابعو التابعين كسفيان ابن عيينة المتوفى سنة ١٩٨ هـ، ووكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧ هـ، وشعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠ هـ، وسفيان الثوري المتوفى سنة ١٦١ هـ، ويزيد بن هارون المتوفى سنة ٢٠٦ هـ، وروح بن عبادة المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني (شيخ البخاري) المتوفى سنة ٢٢١ هـ، وإسحاق بن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨ هـ، وآدم بن أبي إياس العسقلاني المتوفى سنة ٢٢٠ هـ.
تدوين التفسير:
بقي علم التفسير مفرقا ومنثورا في أحاديث متفرقة، فيروي الصحابي أو التابعي تفسير الآية دون أن يرتب ذلك في باب أو كتاب، ولم يرد إلينا كتاب في التفسير
стр. 212
يفسر لنا القرآن سورة سورة، وآية آية، كما هي مرتبة في المصاحف، أما ما روي أن ابن عباس قد فسر القرآن في تنوير المقباس، فإن هذا لم تصح نسبته إلى ابن عباس، وقد ردّ هذا الزعم ردا علميا صحيحا في رسالة دكتوراه.
والذي يروي لنا أن الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ هو أول من قام بتفسير القرآن سورة سورة وآية آية. قال ابن النديم في كتابه الفهرست: (إن عمر بن بكير كتب إلى الفراء أن الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا، أو تجعل في ذلك كتابا أرجع إليه فعلت).
فقال الفراء لأصحابه: اجتمعوا حتى أملّ عليكم كتابا في القرآن، وجعل لهم يوما، فلما حضروا خرج إليهم، وكان في المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس في الصلاة، فالتفت إليه القراء فقال له: اقرأ بفاتحة الكتاب، ففسّرها ثم توفّى- أي استوفى- الكتاب كلّه، يقرأ الرجل ويفسر الفراء. فقال أبو العباس ثعلب: (لم يعمل أحد قبله مثله، ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه) (١).
стр. 213
المبحث الثالث مصادر التفسير
أعني بالمصادر هنا تلك المراجع التي يرجع إليها المفسرون من كتاب أو سنة وأقوال الصحابة وآراء للسلف في تفسيرهم القرآن الكريم، وذلك بغض النظر عن الاتجاه الذي اتجهه كل واحد منهم في تفسيره.
المصدر الأول القرآن الكريم
ويعتبر أهم مصادر التفسير على الإطلاق، بل هو أحسن وأصح الطرق أن يفسر القرآن بالقرآن، كما قال ابن تيمية (١).
فإذا أردنا أن نعرف معنى آية فعلينا أن نطلب أول ما نطلب تفسيرها من القرآن نفسه، لأن القائل أحق من غيره في تفسير قوله عقلا، فإذا ما وجدنا وتنازعنا في فهم آية رددناها إلى آية أخرى تفسرها: .. فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .. [النساء: ٥٩].
كيف تتم عملية تفسير القرآن بالقرآن:
يشتمل القرآن على المجمل والمبين وعلى المطلق والمقيد. وعلى العامّ والخاصّ، فما أوجز في مكان قد يبسط في مكان آخر، وما جاء مطلقا قد يلحقه التقييد في موضع آخر، وما جاء عاما في آية قد يلحقه التخصيص في آية أخرى.
فإذا أردنا أن نفسر آية من كتاب الله، علينا أن نجمع الآيات المتشابهة في الألفاظ أو في المعاني.
стр. 214
نوضح هذا بمثال من سورة الفاتحة بقوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤].
فقد ورد تفسيرها في سورة الانفطار: يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ ١٥ وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ١٦ وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ١٧ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ١٨ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٥ - ١٩].
فالله هو مالك يوم الدين، الذي لا يملك فيه أحد شيئا، لأن الأمر كله إليه.
وفي سورة الفاتحة أيضا: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ٦ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٦ - ٧].
وجدنا تفسير صراط الذين أنعم الله عليهم من القرآن نفسه، وذلك في سورة النساء: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ .. [النساء: ٦٩] (١).
ويقع في الخطأ والغلط من يفسر الآية القرآنية بمدلولها المتبادر إلى الذهن لأول وهلة، دون تأمل وتدبر لمعانيها في القرآن الكريم.
انظر إلى من فسر قوله تعالى في سورة الصافات: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ ..
[الصافات: ٢٢]. فقال: احشروا الظالمين وزوجاتهم، أي رجالا ونساء.
فلو تدبر الألفاظ القرآنية في كلمة الزوج لوجدها قد استعملت في معان ثلاثة (٢).
- فالأزواج بمعنى الحلائل للرجل وامرأته، فذلك كقوله تعالى: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: ٢٥]. يعني بالأزواج: الحلائل في الآخرة، أما الأزواج بمعنى امرأة الرجل فقوله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ ..
[النساء: ١٢]، أي: زوجاتكم في الدنيا بعد موتهن.
- والأزواج بمعنى الأصناف فذلك كقوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ .. [يس: ٣٦]، أي: الأصناف من كل صنف من النبت.
стр. 215
- والأزواج يعني القرناء فالزوج هنا يعني القرين أو النظير أو الشبيه، ولا شك في أن هذا هو المعنى المناسب لقوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ ..
[الصافات: ٢٢]. أي: احشروا الظالمين وقرناءهم في جهنم، فهذا الأنسب، وهو زيادة في حسرتهم وندامتهم، كما قال بعض المفسرين: يحشر الزناة مع الزناة، وشاربو الخمر مع شاربيها.
وبعيد كل البعد، وغريب كل الغرابة، أن يحشر كل ظالم مع زوجته، وإلّا قلنا بحشر فرعون مع زوجته- وشتان بينهما- هو من أهل السعير، وهي من أهل النعيم.
ومما يجب على من يفسر القرآن بالقرآن أن يعلم أنّ القرآن لا يختلف بعضه مع بعض، فهذا الوهم يوقعه في الخطأ والاضطراب.
مثال ذلك الآيات القرآنية الكثيرة التي تذكر أطوار خلق الإنسان؛ فآية تذكر أن آدم خلق من تراب، ومرة تذكر خلق الإنسان من ماء، ومرة من طين، ومرة من حمأ مسنون، ومرة من صلصال، فلا تعارض بين هذه الآيات، إذ هي تتحدث عن الأطوار التي مر بها خلق الإنسان.
أظهر صور تفسير القرآن للقرآن:
١ - لعل أظهر هذه الصور ما تراه في قصص القرآن الكريم، فقد نجد القصة الواحدة قد ذكرت في مواضع متفرقة، وفي سور عديدة، فلنأخذ جزءا يسيرا من قصة إبراهيم التي ذكرت في سور متعددة، ولنتناول قصة ضيوفه ﵇، قال تعالى في سورة الذاريات: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ٢٤ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ٢٥ فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ٢٦ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ ٢٧ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً .. [الذاريات: ٢٤ - ٢٨].
وفي سورة هود ذكر الله لنا ما يفسر لنا هذه الآيات: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ٦٩ فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ٧٠ وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٦٩ - ٧١].