Полный текст (363 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
دليل على أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض يقوم به المسلم، وإن لم يكن عدلا، خلافا للمبتدعة الذين يشترطون فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر العدالة.
وقد بينا فى كتب الأصول أن شروط الطاعات لا تثبت إلا بالادلة، كل أحد عليه فرض فى نفسه أن يطيع، وعليه فرض فى دينه أن ينبه غيره على ما يجهله من طاعة أو معصية، وينهاه عما يكون عليه من ذنب، وقد بيناه فى الآية الأولى قبلها.
المسألة الرابعة- فى ترتيب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: ثبت عن النبى ﷺ أنه قال:
«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» وفى هذا الحديث من غريب الفقه أن النبى ﷺ بدا فى البيان بالأخير فى الفعل، وهو تغيير المنكر باليد، وإنما يبدأ باللسان والبيان فإن لم يكن فباليد.
يعنى أن يحول بين المنكر وبين متعاطيه بنزعه عنه وبجذبه منه فإن لم يقدر إلا بمقاتلة وسلاح فيتركه، وذلك إنما هو إلى السلطان، لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجا إلى الفتنة وآئلا إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، مثل أن يرى عدوا يقتل عدوا فينزعه منه ولا يستطيع الا بدفعه ويتحقق أنه لو تركه قتله، وهو قادر على نزعه ولا يسلمه بحال وليخرج السلاح.
المسألة الخامسة: فى هذه الآية دليل على مسالة اختلف فيها العلماء، وهى إذا رأى مسلم فحلا يصول على مسلم فإنه يلزمه أن يدفعه عنه، وإن أدى إلى قتله ولا ضمان على قاتله حينئذ، سواء كان القاتل له هو الذى صال عليه الفحل أو معينا له من الخلق وذلك إنه إذا دفعه عنه فقد قام بفرض يلزم جميع المسلمين فناب عنهم فيه، ومن جملتهم مالك الفحل فكيف يكون نائبا عنه فى قتل الصائل ويلزمه ضمانه؟
стр. 107
وقال أبو حنيفة: يلزمه الضمان، وقد بيناها فى مسائل الخلاف.
المسألة السادسة: فى هذه الآية دليل على تعظيم هذه الأمة وكذلك فى قوله سبحانه:
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
стр. 108
تفسير الإمام ابن الجوزى «زاد المسير»
تقديره
: الإمام ابن الجوزى علم من أعلام الفكر الإسلامى، برز فى الحديث والوعظ والتفسير والتاريخ وغيرها من أصناف العلوم الدينية، ووصل فيها إلى مرتبة مشهورة، تحدث عنها باعجاب، وأقره العلماء على هذا الحديث، قال فى كتابه «لفتة الكبد»:
ولقد وضع الله لى من القبول فى قلوب الخلق فوق الحد، واوقع كلامى فى نفوسهم فلا يرتابون بصحته، وقد أسلم على يدى نحو مائتين من أهل الذمة.
وقال سبطه أبو المظفر: أقل ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف ..
وسمعته يقول على المنبر فى آخر عمره: «كتبت باصبعى هاتين ألفى مجلدة، وتاب على يدى مائة ألف».
وقال عنه الحافظ الدبيثى فى ذيله على تاريخ ابن السمعانى:
شيخنا الإمام جمال الدين بن الجوزى صاحب التصانيف فى فنون العلم من التفاسير والفقه والحديث والوعظ والرقاق والتواريخ وغير ذلك، وإليه انتهت معرفة الحديث وعلومه، والوقوف على صحيحه من سقيمه، وله فيه المصنفات من المسانيد والأبواب والرجال، ومعرفة ما يحتج به فى أبواب الأحكام والفقه وما لا يحتج به من الأحاديث الواهية الموضوعة، والانقطاع والاتصال، وله فى الوعظ العبارة الرائقة، والاشارات الفائقة، والمعانى الدقيقة، والاستعارة الرشيقة، وكان من أحسن الناس كلاما، وأتمهم نظاما، واعذبهم لسانا، وأجودهم بيانا، وبورك له فى عمره وعمله فروى الكثير، وسمع الناس منه أكثر من أربعين سنة، وحدث بمصنفاته مرارا ...
стр. 109
وقال الموفق عبد اللطيف: كان ابن الجوزى لا يضيع من زمانه شيئا، يكتب فى اليوم أربعة كراريس، ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلدا إلى ستين، وله فى كل علم مشاركة، لكنه كان فى التفسير من الاعيان، وفى الحديث من الحفاظ، وفى التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف.
وقال ابن خلكان: وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد، وكتب بخطه شيئا كثيرا، والناس يغالون فى ذلك حتى يقولوا: إنه جمعت الكراريس التى كتبها وحسبت مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس .. ويقال: إنه جمعت براية أقلامه التى كتب بها حديث رسول الله ﷺ فحصل منها شىء كثير، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففعل ذلك، فكفت وفضل منها.
حياته
: ولد ابن الجوزى أبو الفرح جمال الدين عبد الرحمن بن أبى الحسن بن على فى سنة إحدى عشرة وخمسمائة من الهجرة ببغداد، وتوفى والده وهو ابن ثلاث فكفلته امه وعمته، واتجه إلى العلم منذ بدأ وعيه بالحياة، فاتجه إلى سماع العلم فى سن الخامسة وحفظ القرآن وهو صغير، وسمع أمهات كتب الحديث كمسند أحمد وصحيحى البخارى ومسلم وجامع الترمذى وما لا يحصى من كتب الحديث.
ومن ملامح نشأته، ومظاهر حياته ما يقوله ابن العماد من أنه كان يراعى حفظ صحته، وتلطيف مزاجه، وما يفيد عقله قوة، وذهنه حدة، لباسه الناعم الأبيض المطيب .. وله مداعبات حلوة وما تناول ما لا من جهة لا يتيقن حلها، ولا ذل لأحد .. قال فى لفتة الكبد يخاطب ولده: وما ذل أبوك فى طلب العلم قط، ولا خرج يطوف فى البلدان كغيره، من الوعاظ ولا بعث رقعة إلى أحد يطلب منه شيئا ..
ولم تكن حياته كلها سهلة ميسرة، لينة مبهجة، لقد استلذ فى سبيل العلم
стр. 110
ما يستصعبه غيره وقنع فى سبيل الوصول إلى ما يبتغيه بالقليل .. إنه يذكر فى كتابه صيد الخاطر، إنه كان فى زمن الطلب يأخذ معه ارغفة يابسة ويخرج فى طلب الحديث، فيقف على نهر عيسى لا يقدر على أكل هذا الخبر اليابس إلا عند المالك، كلما أكل لقمة شرب عليها شربة، وأنه وجد مع ذلك من لذة العلم وحلاوة الإيمان ما جعله يخاف على نفسه العجب ان شرحه ..
ولقد حبب إليه العلم من زمن الطفولة، ولم يرغب فى فن واحد من فنونه، بل رغب فى كل منه، وكان يتردد أبدا بين الزهد والعبادة وبين العلم والبحث.
شيوخه
: ومن أهم شيوخه أبو الحسن بن الزاغونى الذى كان كما قال ابن الجوزى:
له فى كل فن من العلم حظ وافر، ووعظ مدة طويلة، وكان له حلقة بجامع المنصور يناظر فيها يوم الجمعة قبل الصلاة ثم يعظ فيها بعد الصلاة، ويجلس يوم السبت أيضا.
وكان من شيوخه أبو القاسم الحريرى وأبو القاسم السمرقندى، وأبو منصور القزاز، وعبد الجبار بن منده، وقرأ الادب على أبى منصور الجواليقى صاحب كتاب المعرب.
وكان فى كل ذلك كما قال عن نفسه: لم أقنع بفن واحد بل كنت اسمع الفقه والحديث، واتبع الزهاد، ثم قرات اللغة، ولم أترك أحدا ممن يروى ويعظ، ولا غريبا يقدم، إلا وأحضره، وأتخير الفضائل، ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسى من العدو لئلا أسبق، وكنت أصبح وليس لى مأكل، وأمسى وليس لى مأكل، ما أذلنى الله لمخلوق قط.
الواعظ
: أما عن وعظه فقد بلغ فيه غاية الشهرة، وكان من أهم أسباب ارتفاع منزلته، وسمو مكانته قال الإمام ناصح الدين بن الحنبليّ الواعظ عنه:
стр. 111
اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع فى غيره، وكانت مجالسه الوعظية جامعة للحسن والإحسان بإجماع ظراف بغداد، ونظاف الناس، وحسن الكلمات المسجوعة، والمعانى المودعة فى الالفاظ الرائجة، وقراءة القرآن بالاصوات المرجعة، والنغمات المطربة، وصيحات الواجدين، ودمعات الخاشعين، وانابة النادمين، وذل التائبين، ووعظ وهو ابن عشر سنين إلى أن مات.
وكانت وفاة ابن الجوزى كما قال سبطه بين العشاءين فى ليلة الجمعة الثالث عشر من شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة فى داره ببغداد وعمره نحو التسعين وكانت جنازته مشهودة اجتمع لها أهل بغداد، وغلقت الاسواق وحملت جنازته على رءوس الناس، ودفن بباب حرب بالقرب من مدفن أحمد بن حنبل رضى الله عنه ..
مؤلفاته
: وقد خلف ابن الجوزى الكثير من الكتب، ومن أشهرها كتابه زاد المسير فى علم التفسير حفزه إلى تأليفه قوله:
لما كان القرآن العزيز أشرف العلوم وكان الفهم لمعانيه أو فى الفهوم، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، وإنى نظرت فى جملة من كتب التفسير فوجدتها بين كبير قد يئس الحافظ منه، وصغير لا يستفاد كل المقصود منه، والمتوسط منها قليل الفوائد، عديم الترتيب، وربما أهمل فيه المشكل وشرح غير الغريب، فأتيتك بهذا المختصر اليسير، منطويا على العلم الغزير، ووسمته ب:
زاد المسير فى علم التفسير، وقد بالغت فى اختصار لفظه فاجتهد وفقك الله فى حفظه، والله المعين على تحقيقه، فما زال جائدا بتوفيقه ..
وقد قدم لكتابه بعدة فصول:
الفصل الأول فى فضيلة علم التفسير.
الثانى فى معنى التفسير والتأويل
стр. 112
الثالث فى مدة نزول القرآن.
الرابع فى أول ما نزل من القرآن.
الخامس فى آخر ما نزل وقد درج فى تفسيره على المبالغة فى الاختصار فقال:
وقد حذرت من إعادة تفسير كلمة متقدمة إلا على وجه الاشارة، ولم أغادر من الاقوال التى احطت بها إلا ما تبعد صحته مع الاختصار البالغ، فإذا رأيت فى فرض الآيات ما لم يذكر تفسيره فهو لا يخلو من أمرين: أما أن يكون قد سبق، وإما أن يكون ظاهرا لا يحتاج إلى تفسير.
وقد انتقى كتابنا هذا انقى التفاسير، فأخذ منها الاصح والاحسن والأصون فنظمه فى عبارة الاختصار.
ورغم ترداد ابن الجوزى لكلمة الاختصار والإيجاز لهذا التفسير، فإنه يقع فى تسع مجلدات وكل مجلد يقع فى عدد يزيد على ثلاثمائة وخمسين صحيفة، وهو ليس بالصورة التى يعطيها كلام ابن الجوزى من الاختصار، ولكن لكثرة معلومات ابن الجوزى وسعة معارفه ظهرت له صورة الكتاب على طوله، إنه من المختصرات.
وفى الواقع إن مما يشق على قارئ هذا التفسير أن ابن الجوزى كثيرا ما يحيل على ما سبق دون بيان كاف لموضع الاحالة.
وقد اخرجه فى صورة متقنة جميلة المكتب الإسلامى للطبع والنشر على نفقة صاحب السمو العالم الجليل الشيخ على بن عبد الله آل ثانى حفظه الله.
فجزاه الله خير الجزاء لما أداه للعلم من خدمة جليلة بطبع هذا التفسير ...
ومن تفسيره
: قال تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
стр. 113
أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.
(سورة البقرة الآية ٢٦٩) قوله تعالى «يؤتى الحكمة من يشاء» فى المراد بهذه الحكمة أحد عشر قولا:
أحدهما: أنها القرآن، قاله ابن مسعود ومجاهد والضحاك ومقاتل فى آخرين ..
الثانى: معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره، ونحو ذلك، رواه على بن أبى طلحة عن ابن عباس ..
الثالث: النبوة، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والرابع: الفهم فى القرآن، قاله أبو العالية وقتادة وإبراهيم.
الخامس: العلم والفقه رواه ليث عن مجاهد.
والسادس: الإصابة فى القول، رواه ابن أبى نجيح عن مجاهد.
والسابع: الورع فى دين الله، قاله الحسن.
والثامن: الخشية لله، قاله الربيع بن أنس.
والتاسع: العقل فى الدين، قاله ابن زيد.
والعاشر: الفهم، قاله شريك.
والحادى عشر: العلم والعمل، لا يسمى الرجل حكيما إلا إذا جمعهما، قاله ابن قتيبة ..
ومما نحب أن نشير إليه أننا قد ربطنا بين هذه الآراء المختلفة فى معرض حديثنا عن الحكمة فقلنا:
وردت كلمة الحكمة كثيرا فى اللغة العربية: فى الشعر وفى القرآن الكريم، وفى الاحاديث النبوية.
وهى تطلق عند علماء الإسلام، وفى اللغة العربية على معان عدة، بلغ بها صاحب البحر المحيط تسعة وعشرين رأيا منها:
стр. 114
الإصابة فى القول والعمل، ومنها: الفهم: ومنها: الكتابة، ومنها:
اصلاح الدين واصلاح الدنيا.
ويذكر صاحب البحر المحيط: أن معانى الكلمة قريب بعضها من بعض، ما عدا قول السدى.
أما قول السدى فى تفسير الحكمة فهو:
انها النبوة، ولكن السدى لا يستقل بهذا الرأى فقد قاله ابن عباس، فيما رواه عنه أبو صالح.
وقريب منه ما قيل: فى معنى الحكمة، من أنها: العلم اللدنى، أو من أنها: تجريد السر لورود الالهام.
والواقع أن معانى هذه الكلمة: تنقسم طبيعيا إلى قسمين:
أحدهما: ما يبدو فى السلوك الخارجى: من سداد فى الرأى، واتزان فى التفكير، واتجاه فى السلوك إلى الطريق الاقوم.
والثانى: هو الناحية الاشرافية الالهامية، وهى ناحية باطنية داخلية، يعلمها صاحبها ويلقنها من يصطفيهم من خاصة صحبة أو تلاميذه.
وهذان المعنيان لا يتعارضان، وإنما يوجد ان أحيانا فى انسجام وتناغم، وأحيانا يوجد المعنى الأول فقط.
ومما لا شك فيه: إنه لا يوجد المعنى الثانى بدون المعنى الأول.
فالشخص الملهم: مسدد الرأى، متزن التفكير، أنه «حكيم» باطنيا وظاهريا.
وبهذين المعنيين فسر علماء الإسلام معنى كلمة: «حكمة» فى عدة آيات من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى فيما يتعلق بداود ﵇:
وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ (سورة البقرة الآية ٢٥١) وقوله تعالى:
стр. 115
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً.
قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ قرأ يعقوب بكسر تاء «يؤت» ووقف عليها بهاء، والمعنى: ومن يؤته الحكمة، وكذلك هى فى قراءة ابن مسعود بهاء بعد التاء ..
قوله تعالى: وَما يَذَّكَّرُ قال الزجاج: وما يتفكر فكرا يذكر به ما قص من آيات القرآن إلا ذوو العقول .. قال ابن قتيبة: «أولو» بمعنى ذو و، وواحد- «أولو» «ذو» و «أولات» ذات ..
قوله تعالى:
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. (سورة آل عمران الآية ١٢٣) قوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ فى تسمية بدر قولان:
أحدهما: أنها بئر لرجل اسمه بدر، قاله الشعبى.
والثانى: أنه اسم للمكان الذى التقوا عليه، ذكره الواقدى عن اشياخه ..
قوله تعالى: وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أى: لقلة العدد والعدد .. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أى لتكونوا من الشاكرين.
стр. 116
تفسير ابن عطية
يمثل هذا التفسير لونا من التفاسير المحررة الموجزة الجامعة فى معانيها، المختصرة فى تعبيرها، ويظهر ذلك واضحا من تسمية مؤلفه له: المحرر الوجيز فى تفسير القرآن العزيز.
وقد بهر ابن عطية بتفسيره العلماء فى عصره وفيما بعد عصره، يقول ابن عميرة الضبى المتوفى سنة ٥٩٩ هـ.
«ألف- يعنى ابن عطية- فى التفسير كتابا ضخما اربى فيه على كل متقدم». ويقول ابن الآبار:
«وتأليفه فى التفسير جليل الفائدة، كتبه الناس كثيرا وسمعوه منه واخذوه عنه». أما ابن جزى فإنه يقول:- «وأما ابن عطية فكتابه فى التفسير أحسن التأليف واعدلها، فإنه اطلع على تآليف من كان قبله فهذبها ولخصها، وهو مع ذلك حسن العبارة، مسدد النظر، محافظ على السنة». ويقول ابن تيمية:
وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشرى، واصح نقلا وبحثا، وابعد عن البدع، ... بل هو خير منه بكثير، بل لعله ارجح هذه التفاسير.
ويقول ابن خلدون- عما امتاز به تفسيره من حذر من الاسرائيليات وتثبت فى نقل الاخبار.
«وتساهل المفسرون فى مثل ذلك- النقل عن أهل الكتاب الذين دخلوا فى الإسلام مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وامثالهم- وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات، واصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك،
стр. 117
إلا أنهم بعد صيتهم وعظمت اقدارهم لما كانوا عليه من المقامات فى الدين والله، فتلقيت بالقبول من يومئذ، فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص، وجاء أبو محمد بن عطية من المتأخرين بالمغرب، فلخص تلك التفاسير كلها، وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها، ووضع ذلك فى كتاب متداول بين أهل المغرب والاندلس حسن المنحى وتبعه القرطبى فى تلك الطريقة على منهاج واحد فى كتاب آخر مشهور بالمشرق ا. هـ.
والناظر فى هذا التفسير يجد أنه يذكر الآية ثم يفسرها تفسيرا سهلا شاملا مختصرا ثم يورد بعض ما يتصل بالآية مما ينتقيه من المأثور، وأكثر ما يختار منه من تفسير الطبرى، وقد يعرج بالرد على رواية والانتقاد لمنقول ..
ويظهر فى تفسيره الاهتمام باللغة العربية، والعناية باستخراج المعانى على اساس منها، كما أنه يذكر فى أحيان كثيرة القراءات المختلفة ويستخرج المعانى المستنبطة على أساسها.
وقد تأثر تفسير ابن عطية كثير من مشاهير المفسرين كالقرطبى وابن حيان والثعالبى فاستفادوا منه ونقلوا عنه، وكان له فى تفاسيرهم الأثر المحمود فيما يتصل بالمنهج، وفيها يتصل بالمضمون.
ومع الأهمية المتزايدة لهذا التفسير فما زال مخطوطا متنافر الأجزاء بين المكتبات المختلفة ويوجد منه فى دار الكتب المصرية اربعة أجزاء من مجموع الكتاب ويقع فى عشر مجلدات كبار ..
وقد استفاد ابن عطية فى تفسيره بالإضافة إلى تفسير الطبرى بتفسير المهدوى المسمى (التفصيل الجامع لعلوم التنزيل) الذى قال عنه فى مقدمة تفسيره: إنه متقن التأليف، وانتقد اسلوبه فى عدم تتبع الألفاظ، بأنه مفرق للنظر، مشعب للفكر.
أما عن مصنف هذا التفسير فهو القاضى أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب، ابن عطية المحاربى.
стр. 118
امتاز بالفهم وسرعة التحصيل والطموح العلمى، والمثابرة والاجتهاد، قال السيوطى فى طبقات المفسرين: كان يتوقد ذكاء.
وقال فى بغية الوعاة: كان فاضلا من بيت علم وجلاله، غاية فى توقد الذهن، وحسن الفهم، وجلالة التصرف ..
وقال الفتح بن خاقان: ادمن التعب فى السؤدد جاهدا، حتى تناول الكواكب قاعدا، وما اتكأ على ارائك ولا سكن إلى راحات بكره وأصائله ..
وقال: سما إلى رتب الكهول صغيرا، وشن كتبه على العلوم مغيرا، فسباها معنى وفصلا، وحواها فرعا وأصلا ..
ولد سنة ٤٨١ فى أول عهد المرابطين بغرناطة وكان له شغف بالعلم عمل على اروائه فتتلمذ على شيوخ من أهمهم والده وكان اماما فى الحديث وحافظا للسنة- أو كما قال الفتح بن خاقان شيخ العلم وحامل لوائه، وحافظ حديث رسول الله ﷺ وكوكب سمائه شرح الله لحفظه صدره، وطاول به عمره.
ومن أهم شيوخه الحافظ أبو على الحسين بن محمد الغسانى المتوفى سنة ٤٩٨ هـ وكان من أهم تلاميذ الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر، له مؤلفات قيمه وآثار مشهورة فى مجال خدمة السنة.
ومنهم الحافظ أبو على الحسين بن محمد الصدفى المتوفى سنة ٥١٤ هـ، والفقيه أبو عبد الله محمد بن على ابن حمد بن التغلبى المتوفى سنة ٥٠٨.
كان ابوه يتعهده بالعناية والرعاية، ويشجعه على إعداد تفسيره، والعمل على إتمامه فكان ربما ايقظه فى الليل مرتين بقوله: قم يا بنى اكتب كذا وكذا فى موضع كذا من تفسيرك.
وكان له فى سبيل العلم رحلات مختلفة واسفار متعددة، فرحل فى طلب العلم إلى قرطبة واشبيليه ومرسية وبلنسية.
стр. 119
كما شارك فى تحمل اعباء الجهاد فى عصره- حينما احتاج الأمر إلى مجهوده فيه- فكان كما قال ابن الآبار فى آخر دولة المرابطين كثير الخروج للغزو فى جيوشهم.
وقد استنتج الشيخ محمد الفاضل بن عاشور من ذلك أن من المرجح أن يكون تأليف تفسيره قبل هذا الدور الأخير من دولة المرابطين الذى هو الدور الأخير من حياة ابن عطية إذ كان تاريخ وفاته سنة ٥٤٢ هـ عين تاريخ انتهاء دولة المرابطين بالأندلس ..
وقد استفاد ابن عطية فى تفسيره بالإضافة إلى تفسير الطبرى بنفيسه المهدوى المسمى: «التفصيل الجامع العلوم التنزيل» الذى قال عنه فى مقدمة تفسيره أنه متقن التأليف، وانتقد اسلوبه فى عدم تتبع الالفاظ بأنه مفرق للنظر مشعب للفكر.
وكان ابن عطية فى تفسيره نابضا بالشباب، فتيا بالعروبة، فإن الشباب كما يقول الشيخ الفاضل بن عاشور افاده قريحة متقدة ونظرة حادة يتناول بهما موضوعه فى قوة وسرعة ومتانة المام فيأتى بيانه محبوكا منسجما، والعروبة أفادته طبعا اصيلا وملكة صافية ففاض بيانه قويا هتانا سائغا سلسا.
ولذلك فلا بدع أن يتصف تفسير ابن عطية بأن «محرر» لا سيما وقد دفع الشبه وخلص الحقائق وحرر ما هو محتاج إلى التحرير.
وهو وجيز بالنسبة إلى بعض التفاسير التى سبقته ..
واليك نماذج من تفسير ابن عطية
عن قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة الحديد الآية ٢٨)
стр. 120
واختلف الناس فى المخاطب بها- يعنى بالآية- فقالت فرقة من المتأولين:
خوطب بهذا أهل الكتاب، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله وآمنوا بمحمد ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح عن النبى ﷺ :
«ثلاثة يؤتيهم الله أجرهم مرتين.
رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ﷺ وآمن بى «الحديث» وقال آخرون: المخاطبة للمؤمنين من أمة محمد ﷺ ، يقول لهم:- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ أى اثبتوا على ذلك ودوموا عليه، وهذا هو معنى الأمر ابدا لمن هو متلبس بما يؤمر به.
وقوله: (يؤتكم كفلين) أى نصيبين بالإضافة إلى ما كان الامم قبل يعطونه قال أبو موسى الأشعرى: كفلين: ضعفين «بلسان الحبشة».
وروى أن عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) قال لبعض الأحبار: كم كان التضعيف للحسنات فيكم؟ .. قال: ثلاثمائة وخمسين، فقال: الحمد لله الذى أضاف لنا إلى سبعمائة ..
ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح الذى يقتضى أن اليهود إلى نصف النهار على قيراط، والنصارى من الظهر إلى العصر على قيراط، وهذه الأمة من العصر إلى الليل على قيراطين، فلما أصبحت اليهود والنصارى على ذلك وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل أجرا، قال الله تعالى: هل نقصتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا قال: فإنه فضلى أوتيه من أشاء
стр. 121
تفسير الإمام البغوى
هو الإمام الحافظ الشهير محيى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوى الشافعى المحدث المفسر، صاحب التصانيف وعالم أهل خراسان.
وصفه ابن الأهول فقال:
«هو صاحب الفنون الجامعة، والمصنفات النافعة، مع الزهد والورع والقناعة ومن مظاهر زهده ما قاله صاحب شذرات الذهب من انه كان سيدا زاهدا قانعا يأكل الخبز وحده، فليم فى ذلك فصار يأكله بالزيت ..
ولد فى بغشور، والنسبة إليها بغوى على غير قياس، وقيل: اسم المدينة «بغ» بليدة بين هراة ومرو والروذ من بلاد خراسان.
نشأ شافعى المذهب بحكم البيئة التى عاش فيها، والعلماء الذين تلقى عنهم وكانت له آثار قيّمة فى المذهب الشافعى، حيث أنه ألف فيه كتابه (التهذيب) ونحى فيه منحى أهل الترجيح والاختبار والتصحيح، لا يتعصب لمذهبه، ولا يندد بغيره، رائده الوصول إلى ما يراه أقرب إلى النصوص، وأوفق لمبادئ الدين.
وكان داعيا إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، ناشرا لعلومهما، موضحا لما يوجهان إليه، فألف فى ذلك التآليف النافعة التي أهلته لأن يكون بحق «محيى السنة».
وكما هو دأب العلماء قام علمه على دعامتين هامتين:
أولا- الأخذ من العلماء، وقد اشتهر من أساتذته: الإمام الحسين بن محمد المروزى القاضى، فقيه خراسان، وشيخ الشافعية فى زمنه واحد مشاهير العلماء، المتوفى سنة ٤٦٢ هـ.
стр. 122
والإمام الفقيه الفاضل أبو الحسن على بن يوسف الجوينى المعروف بشيخ الحجاز المتوفى سنة ٤٦٣ هـ.
والمحدث الفاضل أبو بكر يعقوب بن أحمد الصيرفى النيسابورى المتوفى سنة ٤٦٦ هـ.
ثانيا: الأخذ من الكتب والاطلاع على ما أثر عن العلماء ...
وكان الإمام البغوى محدثا فاضلا سمع الكثير من الحفاظ، وروى عنهم الصحاح والسنن والمسانيد والأجزاء من أجود الطرق وأوثقها وأوفاها وجالس علماء اللغة
وحمل عنهم الكتب التى ألفت فى غريب الحديث وبيان معانيه، قال الحافظ الذهبى: الإمام العلامة القدوة الحافظ، شيخ الإسلام، محيى السنة، صاحب التصانيف ... وقال ابن نقطة: إمام حافظ ثقة صالح ..
وقال السبكى: وكان البغوى يلقب بمحيى السنة، وبركن الدين، ولم يدخل بغداد ولو دخلها لاتسعت ترجمته، وقدره عال فى الدين وفى التفسير وفى الحديث، متسع الدائرة نقلا وتحقيقا. وكان الشيخ تقى الدين السبكى يقول:
قل ان رأيناه يختار شيئا إلا وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره، هذا مع اختصار كلامه وهو يدل على نبل كبير، وهو حرى بذلك، فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه وقد انتج هذا النشاط العلمى الكبير مؤلفات قيمه منها:
١ - مجموعة من الفتاوى ضمنها فتاوى شيخه أبو على الحسين بن محمد المروزى.
٢ - التهذيب فى فقه الإمام الشافعى، وهو تأليف محرر، مهذب، مجرد من الأدلة غالبا.
٣ - شرح السنة.
٤ - معالم التنزيل وهو التفسير المشهور.
وقد قدم لتفسيره مقدمة، بينت منهجه، وحددت خطته، وأبانت عن
стр. 123
مقصده، وبينت جوانب من علمه الواسع فى مجال الدراسات القرآنية.
إنه يقول فى مقدمته بعد الحمد والثناء:
أما بعد: فإن الله جل ذكره أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، رحمة للعالمين، وبشيرا للمؤمنين، ونذيرا للمخالفين، اكمل به بنيان النبوة، وختم به ديوان الرسالة، واتم به مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وأنزل عليه بفضله نورا هدى به من الضلالة، وأنقذ به من الجهالة، حكم بالفلاح لمن تبعه، وبالخسران لمن أعرض عنه بعد ما سمعه، واعجز الخليقة عن معارضته، وعن الاتيان بسورة من مثله فى مقابلته، ثم سهل على الخلق مع إعجازه تلاوته، ويسر على الألسن قراءته، أمر فيه وزجر، وبشر وأنذر، وذكر المواعظ ليتذكر، وقص عن أحوال الماضيين ليعتبر، وضرب الأمثال ليتدبر، ودل على آيات التوحيد ليتفكر، ولا حصول لهذه المقاصد منه إلا بدراية تفسيره وإعلامه، ومعرفة أسباب نزوله وأحكامه والوقوف على ناسخه ومنسوخه، ومعرفة خاصه وعامة، ثم هو كلام معجز، وبحر عميق لا نهاية لاسرار علومه، ولا إدراك لحقائق معانيه وقد ألف ائمة السلف فى أنواع علومه كتبا كل على قدر فهمه، ومبلغ علمه، نظرا للخلق، فشكر الله تعالى سعيهم، ورحم كافتهم، فسألنى جماعة من أصحابى المخلصين، وعلى اقتباس العلم مقبلين، كتابا فى معالم التنزيل وتفسيره فأجبتهم إليه معتمدا على فضل الله تعالى وتيسيره، واقتداء بالماضين من السلف فى تدوين العلم ابقاء على الخلف، وليس على ما فعلوه مزيد، ولكن لا بد فى كل زمان من تجديد ما طال به العهد، وقصر بالطالبين فيه الجد والجهد، تنبيها للمتوقفين، وتحريضا للمتثبطين، فجمعت بعون الله تعالى وحسن توفيقه فيما سألوا كتابا متوسطا بين الطويل الممل، والقصير المخل، ارجو أن يكون مفيدا، لمن أقبل على تحصيله مزيدا ..
ثم ذكر الأسانيد التى اعتمدها فى تفسيره ...
ومن هنا ندرك أن كتابه من الكتب المعتبرة فى التفسير بالمأثور ..
стр. 124
ثم يقول: إن الناس كما انهم متعبدون باتباع أحكام القرآن وحفظ حدوده، فهم متعبدون بتلاوته، وحفظ حروفه، على سنن خط المصحف- اعنى الإمام- الذى اتفقت عليه الصحابة، وأن لا يجاوزوا فيما يوافق الخط ما قرأ به القراء المعروفون الذين خلفوا الصحابة والتابعين، واتفقت الأئمة على اختيارهم، وقد ذكرت فى الكتاب قراءة من اشتهر منهم بالقراءات واختباراتهم ..
أما عن استشهاده بالأحاديث والآثار فقد اختار فيه الصحيح المقبول، وترك الضعيف والموضوع- ويعبر عن ذلك قوله:
وما ذكرت من أحاديث رسول الله ﷺ فى أثناء الكتاب على وفاق آية أو بيان حكم، فإن الكتاب يطلب بيانه من السنة، وعليها مدار الشرع وأمور الدين من الكتب المسموعة للحفاظ ذائعة الحديث، واعرضت عن ذكر المناكير، وما لا يليق بحال التفسير فأرجو أن يكون مباركا على من أراده ...
ثم عقد عدة فصول بين يدى التفسير تتمثل فيما يلى:
فصل فى فضائل القرآن وتعليمه.
فصل فى فضائل تلاوة القرآن.
فصل فى وعيد من قال فى القرآن برأيه من غير علم ...
ونحن نلاحظ فما يتعلق بالإمام البغوى أن له جوانب تجعله من الطبقة الممتازة لقد استكمل عدة التفسير من اللغة فقد جالس علماء اللغة وتثقف عليهم كأحسن ما تكون الثقافة اللغوية وبعض الناس يظن أن اللغة كافية فى معرفة التفسير، ولكنهم مخطئون فلا بد فى التفسير من عناصر أخرى، منها:
السنة النبوية الشريفة: وقد برع فيها الإمام البغوى فهو محدث ممتاز وصلت به ثقافته فى الحديث إن سمى: محيى السنة، وكان محدثا ثقة وهو فى تقدير المحدثين: الإمام الحافظ الثقة.
وقد اتقن فن القراءات وأبان عنها فى تفسيره.
стр. 125
وكان مهذبا، أدبه القرآن والحديث ومن أثر هذا الأدب أن شكر فى مقدمة تفسيره السابقين من المفسرين واثنى عليهم.
ويرى الإمام البغوى- ونحن نؤيده فى ذلك تأييدا مطلقا- وجوب حفظ حروف القرآن على سنن خط المصحف الإمام اعنى الخط العثمانى الذى اتفقت عليه الصحابة، وان لا يجاوز وإنما يوافق ما قرأ به القراء المعروفون الذين خلفوا الصحابة والتابعين واتفقت الأئمة على اختيارهم.
كل ذلك يوضع فى كفة امتياز الإمام البغوى ..
ويتضح مجهوده فى التفسير بنماذج منه:
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (سورة البقرة الآية ١٥٣) بالعون والنصرة (ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات) نزلت فى قتلى بدر من المسلمين، وكانوا أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، كان الناس يقولون لمن يقتل فى سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (سورة البقرة الآية ١٥٢) كما قال فى شهداء أحد: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
(سورة آل عمران الآية ١٦٩).
قال الحسن:
إن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح الفرعون غدوة وعشية فيصل إليهم الوجع.
стр. 126
وقال تعالى: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ (سورة الأنعام الآية ١٢٠) يعنى الذنوب كلها لأنها لا تخلوا من هذين الوجهين: قال قتادة: علانيته وسره، وقال مجاهد: ظاهره ما يعمله الإنسان بالجوارح من الذنوب وباطنه ما ينويه ويقصده بقلبه كالمصر على الذنب القاصد له.
قال الكلبى: كظاهره الزنا، وباطنه المخالفة، وأكثر المفسرين على أن ظاهر الإثم الاعلان بالزنا وهم أصحاب الرايات، وباطنه الاستسرار به، وذلك أن العرب كانوا يحبون الزنا، وكان الشريف منهم يتشرف فيسر به، وغير الشريف لا يبالى فيظهره، فحرمهما الله ..
وقال سعيد ابن جبير: ظاهر الإسم نكاح المحارم، وباطنه الزنا ..
وقال ابن زيد: إن ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعرى فى الطواف، والباطن الزنا ..
وروى حيان عم الكلبى: ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهارا عراة، وباطنه طواف النساء بالليل عراة ..
إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ فى الآخرة .. بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (سورة الأنعام الآية ١٢٠) يكتسبون فى الدنيا ..
стр. 127
المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى
ويسمى هذا الكتاب عادة: «المفردات للراغب الأصفهانى».
أما الراغب الأصفهانى فإنه من أهل اصبهان أو أصفهان.
ولما تزود من العلم بحظ كاف يمم شطر بغداد، وكانت محط أنظار العلماء واشتهر بها شهرة واسعة.
ولا نعلم فى يقين متى كان ميلاده ولكن وفاته كانت على التقريب سنة ٥٠٢ هـ، ١١٠٨ م.
ولقد كان الراغب أديبا قمة فى الأدب، وكان عالما من أئمة العلماء، وفقيها من خيرة الفقهاء. ولكن المادة التى كانت مدار تخصصه وشهرته كانت:
القرآن.
لقد انغمس فى أنوار القرآن واتخذه نبراسا لآرائه وسلوكه، وواتاه فى ذلك تمكنه من اللغة وذوقه الجميل فى الأدب.
ولقد ألف فى الجو القرآنى:
١ - جامع التفاسير، وهو تفسير مستفيض، وإن كان لم يكمل، وقد طبعت مقدمته مبينة عن فضل عظيم للمؤلف فى مجال العلم بالقرآن وما ينبغى للمفسر. وقد اقتبس الإمام البيضاوى وغيره من هذا التفسير كثيرا.
٢ - حل متشابهات القرآن.
٣ - تحقيق البيان فى تأويل القرآن.
٤ - المفردات الذى سنتحدث عنه إن شاء الله.
ولكن إذا كانت هذه المؤلفات متصله بالقرآن مباشرة، فإن الكثير من
стр. 128
مؤلفاته الأخرى مستمد من القرآن الكريم، ونابع من أنواره، ومن ذلك مثلا كتاب:
«الذريعة فى مكارم الشريعة».
وهو كتاب نفسى جدا ويقال: إن الإمام الغزالى قدس الله روحه كان لا يفارق هذا الكتاب فى حل ولا ترحال، وهذا الكتاب جدير بالاقتناء، وقد كان الشيخ محمد عبده عليه رحمة الله يستفيد منه كثيرا، وهو كتاب فى الأخلاق الإسلامية مصدره القرآن والسنة الشريفة.
وله كتاب آخر بعنوان: «الأخلاق» وأحيانا يسمى أخلاق الراغب، وهو كتاب يستمد أيضا من القرآن الكريم.
أما فى الأدب واللغة فله كثير من المؤلفات منها:
«محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء، وقد طبع فى القاهرة فى جزءين وهو يضم ظرائف وملحا مما وقع بين الأدباء أو مما كتبوه فى مؤلفاتهم.
وله فى هذا المجال:
«أفانين البلاغة».
«وهو كتاب يبين إبانة واضحة عن المدى العظيم فى احاطة المؤلف بالبلاغة وعمق نظرته فيها، ولكن الطريف فى مؤلفات هذا العالم القمه هو كتابه:
«أدب الشطرنج».
وهو كتاب له مفهومه الواسع فى حياة المؤلف انه يدل على:
١ - لم يكن المؤلف متزمتا ولا متصنعا للتزمت.
٢ - كان المؤلف مرحا ولا يتنافى مرحه مع وقار العلم وكرامة العلماء.
٣ - كان المؤلف ذكيا يتحدى بذكائه فى هذه اللعبة: لعبة الذكاء والأذكياء.
стр. 129
أما مكانة المؤلف فى نظر العلماء فيكفينا أن نقول: إن الإمام فخر الدين الرازى صاحب التفسير المشهور والذى بلغ فى علم الكلام القمة، كان يقرن الراغب الأصفهانى بحجة الإسلام الإمام الغزالى.
والواقع أن بينهما شبها كبيرا، وألوان الشبه: ان كلا منهما كان من أهل السنة وكان كلاهما يرد على المعتزلة، وكان كلاهما مهتما بالأخلاق، وذلك لأن الأخلاق من الأسس الأصيلة التى تقوم عليها المجتمعات الصالحة.
وكتابة «المفردات» الذى نكتب عنه اليوم من الكتب التى لا غنى لعالم من علماء الإسلام عنها، وهو يتحدث فيه عن مفردات القرآن: يتتبع اللفظ فى الآيات القرآنية شارحا له فيها متحدثا عن مفاهيمه فى مختلف المواضع مستأنسا على ذلك بالحديث الشريف أو بأشعار العرب، وقد أجاد إجادة تامة فى الوصول إلى غايته وهى تفسير ألفاظ القرآن.
وقد رتب كتابه على ترتيب الحروف الهجائية، وذلك ليسهل الكشف فيه.
وهذا الكتاب يعتبره المؤلف «حلقة» بين حلقتين، احداهما سابقة قد تحققت أما الثانية: فإنها كانت فى عزم المؤلف عند ما شرع فى تأليف هذا الكتاب، ونترك المؤلف يعبر عن ذلك بقلمه، إنه يقول:
«وقد استخرت الله تعالى فى إملاء كتاب مستوفى فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجى فتقدم ما أوله الألف ثم الباء على ترتيب حروف المعجم معتبرا فيه أوائل حروفه الأصلية دون الزوائد والإشارة فيه إلى المناسبات التى بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات حسبما يحتمل التوسع فى هذا الكتاب واحيل بالقوانين الدالة على تحقيق مناسبات الألفاظ على الرسالة التى عملتها مختصة بهذا الباب ففي اعتماد ما حررته من هذا النحو استغناء فى بابه من المثبطات عن المصارعة فى سبيل الخيرات وعن المسابقة إلى ما حثنا عليه بقوله تعالى سابقوا إلى مغفرة من ربكم سهل الله علينا الطريق إليها واتبع هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ونسأ فى الأجل بكتاب ينبئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينها من الفروق الغامضة فبذلك يعرف
стр. 130
اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته نحو ذكره القلب مرة والفؤاد مرة والصدر مرة ونحو ذكره تعالى فى عقب قصة إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون وفى أخرى لقوم يتفكرون وفى اخرى لقوم يعلمون وفى أخرى لقوم يفقهون وفى أخرى لأولى الأبصار وفى أخرى لذى حجر وفى أخرى لأولى النهى ونحو ذلك ما بعده يحق الحق ويبطل الباطل وأنه باب واحد فيقدر أنه إذا فسر الحمد لله بقوله الشكر لله ولا ريب فيه بلا شك فيه فسر القرآن ووفاه التبيان جعل الله لنا التوفيق رائدا والتقوى سائقا ونفعنا بما اولانا وجعله لنا من معاون تحصيل الزاد المأمور به فى قوله تعالى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى. (سورة البقرة الآية ١٩٧) وأما مقدمة الكتاب فإنها تتحدث فى أسلوب رائق عن القرآن الكريم إذ يقول:
«الحمد لله رب العالمين وصلواته على نبيه محمد وآله أجمعين قال الشيخ أبو القاسم الحسين بن محمد بن الفضل الراغب رحمة الله اسأل الله أن يجعل لنا من أنواره نورا يرينا الخير والشر بصورتيهما ويعرفنا الحق والباطل بحقيقتهما حتى نكون ممن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ومن الموصوفين بقوله تعالى:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ.
(سورة الفتح الآية ٤) وبقوله أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ. (سورة المجادلة الآية ٢٢) كنت قد ذكرت فى الرسالة المنبهة على فوائد القرآن إن الله
تعالى كما جعل النبوة بنبينا مختتمة وجعل شرائعهم بشريعته من وجه منتسخة ومن وجه مكملة مننه تعالى:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (سورة المائدة الآية ٣)
стр. 131
جعل كتابه المنزل عليه متضمنا ثمرة كتبه التى أولاها أوائل الأمم كما نبه عليه بقوله تعالى يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وجعل من معجزة هذا الكتاب أنه مع قلة الحجم متضمن للمعنى الجم وبحيث تقصر الألباب البشرية عن احصائه والآلات الدنيوية عن استيفائه كما نبه عليه بقوله تعالى:
وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
(سورة لقمان الآية ٢٧) لكن محاسن أنواره لا يثقفها إلا البصائر الجلية وأطايب ثمره لا يقطفها إلا الايدى الزكية ومنافع شفائه لا ينالها إلا النفوس النقية كما صرح تعالى به فقال فى وصف متناوليه:
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ.
(سورة الواقعة الآية ٧٧ و ٧٨ و ٧٩) وقال فى وصف سامعيه:
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى.
(سورة فصلت الآية ٤٤) وذكرت أنه كما لا تدخل الملائكة الحاملة للبركات بيتا فيه صورة أو كلب كذلك لا تدخل السكينات الجالبة للبينات قلبا فيه كبر وحرص:
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ. (سورة النور الآية ٢٦)
стр. 132
ودللت فى تلك الرسالة على كيفية اكتساب الزاد الذى يرقى كاسه فى درجات المعارف حتى يبلغ من معرفته أقصى ما فى قوة البشر أن يدركه من الأحكام والحكم فيطلع من كتاب الله على ملكوت السموات والأرض ويتحقق أن كلامه كما وصفه بقوله ما فرطنا فى الكتاب من شىء جعلنا الله كما قال تعالى لنبيه ﷺ .
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.
(سورة القصص الآية ٥٦) وذكرت أن أول ما يحتاج أن يشتغل به العلوم اللفظية ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفرقة فتحصيل معانى مفردات ألفاظ القرآن فى كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه كتحصيل اللبن فى كونه من أول المعاون فى بناء ما يريد أن يبنيه وليس ذلك نافعا فى علم القرآن فقط بل هو نافع فى كل علم من علوم الشرع فألفاظ القرآن هى لب كلام العرب وزبدته وواسطته وكرائمه وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء فى احكامهم وحكمهم وإليها مفزع حذاق الشعر والبلغاء فى نظمهم ونثرهم وما عداها وعدا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، والحثالة والتبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة.
والآن نورد نماذج من الكتاب:
١ - (آدم) أبو البشر قيل: سمى بذلك لكون جسده من اديم الأرض وقيل لسمرة فى لونه يقال رجل آدم نحو اسمر وقيل سمى بذلك لكونه من عناصر مختلفة وقوة متفوقة كما قال تعالى «امشاج نبتليه» ويقال جعلت فلانا أدمة أهل أى خلطته بهم وقيل سمى بذلك لما طيب به من الروح المنفوخ فيه المذكور فى قوله ونفخت فيه من روحى وجعل له به العقل والفهم والروية التى فضل بها على غيره كما قال تعالى:
стр. 133
وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا.
(سورة الاسراء الآية ٧٠) وذلك من قولهم الادام وهو ما يطيب به الطعام وفى الحديث لو نظرت إليها فإنها أحرى أن يؤدم بينكما أى يؤلف ويطيب.
٢ - (الرزق) يقال للعطاء الجارى تارة دنيويا كان أم أخرويا وللنصيب تارة ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة يقال أعطى السلطان رزق الجند ورزقت علما قال:
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ.
(سورة المنافقون الآية ١٠) أى من المال والجاه، والعلم وكذلك قوله:
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
(سورة البقرة الآية ٢) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (سورة البقرة الآية ١٧٢) وقوله وتجعلون رزقكم أنّكم تكذّبون أى وتجعلون نصيبكم من النعمة تحرى الكذب وقوله وفى السماء رزقكم قيل عنى به المطر الذى به حياة الحيوان وقيل هو كقوله وأنزلنا من السماء وقيل تنبيه أن الحظوظ بالمقادير، وقوله تعالى:
فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ.
(سورة الكهف) أى بطعام يتغذى به وقوله تعالى:
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ.
(سورة ق الآية ١٠)
стр. 134
قيل عنى به الأغذية ويمكن أن يجمل على العموم فيما يؤكل ويلبس ويستعمل وكل ذلك مما يخرج من الأرضين وقد قيضه الله بما ينزله من السماء من الماء وقال فى العطاء الأخروى:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. (سورة آل عمران الآية ١٦٩) أى يفيض الله عليهم النعم الأخروية وكذلك قوله:
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا. (سورة مريم الآية ٦٢) وقوله:
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ. (سورة الذاريات الآية ٥٨) فهذا محمول على العموم والرزاق يقال لخالق الرزق ومعطيه والمسبب له وهو الله تعالى ويقال ذلك للانسان الذى يصير به وصول الرزق والرزاق لا يقال إلا لله تعالى وقوله:
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ.
(سورة الحجر الآية ٢٠) أى يسبب فى رزقه ولا مدخل لكم فيه وقوله:
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ.
(سورة النحل الآية ٧٣) أى ليسوا بسبب فى رزق بوجه من الوجوه، وبسبب من الأسباب ويقال ارتزق الجند اخذوا أرزاقهم والرزقة ما يعطونه دفعة واحدة، وهذا الكتاب النفيس مطبوع عدة طبعات.
стр. 135
الفخر الرازى وتفسيره
هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن على القرشى التيمى البكرى الطبرستانى الرازى.
لقب بفخر الدين، وعرف بابن الخطيب.
ولد بالرى خامس عشر شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة للهجرة.
وقد شب على طلب العلم ورحل فى سبيل تحصيله الى أشهر مواطنه فى عمره: فى خوارزم وخراسان وماوراء النهر، وكان قد قضى وطره من التلقى عن والده الذى كان من تلاميذ الامام البغوى الشهير ثم تلقى بعده عن الكمال السمعانى والمجد الجيلى وكثير من العلماء الذين عاصرهم.
وقد كان من نتيجة السعى لطلب العلم والجد فى تحصيله ان أصبح الرازى- كما قيل عنه- إمام وقته فى العلوم العقلية فكان متكلم زمانه، وأحد الأئمة فى العلوم الشرعية، والتفسير واللغة. كما كان فقيها على المذهب الشافعى.
مؤلفاته
: وقد ترك الرازى فى هذه العلوم الكنوز العلمية الكبيرة والآثار الخالدة من المؤلفات التى حظيت فى حياته وبعد وفاته باقبال الناس عليها يتدارسونها وينتفعون بما تركته قريحة هذا العالم الكبير وهى تربوا- فى مجموعها على مائتى مصنف.
ومن أشهر مؤلفات الرازى:
كتابه المشهور فى التفسير المعروف ب «مفاتيح الغيب».
стр. 136
ولوامع البينات فى شرح أسماء الله تعالى والصفات.
وكتاب معالم أصول الدين.
ومحصل المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين.
والمسائل الخمسون فى أصول علم الكلام.
وأسرار التنزيل فى التوحيد.
والمباحث المشرقية.
وانموذج العلوم.
والمحصول فى علم الاصول.
والسر المكتوم فى مخاطبة النجوم.
وكتاب الهندسة.
وغير ذلك الكثير مما يجعله فى مكانه مع كبار العلماء والمفكرين والفلاسفة الاسلاميين.
وقد كان لهذا العالم الفذ مواقفه الصلبة دفاعا عن العقيدة وذبا عن حماها.
وكان للرازى شهرة كبيرة فى الوعظ باللسانين العربى والعجمى اذ كان بالغ التأثير فى خطابته لما يلحقه من وجد فى حال الوعظ حيث كان يكثر من البكاء فيأخذ بمجامع القلوب وتنصت إليه الأسماع وقد زاد من تأثيره فى قلوب سامعيه عاطفته التى كانت تجيش فى كثير من الاحيان بشعر ياخذ بالالباب ويهز أوتار القلوب هزا، ومن شعره فى ذلك:
اليك اله الحق وجهى ووجهتى ... وأنت الذى ادعوه فى السر والجهر
وأنت غياثى عند كل ملمة ... وأنت أنيسى حين أفراد فى القبر
ومنه:
نهاية اقدام العقول عقال ... وأكثر سعى العالمين ضلال
стр. 137
وأرواحنا فى وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
وكم قد رأينا من رجال دولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال
تلامذة الرازى
: وقد كثر تلاميذ الرازى كثرة فائقة حتى قيل انه كان يمشى فى خدمته نحو ثلاثمائة تلميذ، وكان يحضر مجالس وعظه الخاص والعام.
وقد عاش الرازى فى رغد من العيش وسعة من الثراء ونعمة تضاهى نعمة الملوك حيث اجتمعت له الاموال الكثيرة اكراما له من سلاطين عصره من أمثال: شهاب الدين الغورى سلطان غزنة. والسلطان علاء الدين خوارزم شاه.
وقد عظم شأنه حتى أن الملك خوارزم هذا كان يأتى إلى بابه ويحضر مجالس وعظه حتى اذا انتهت به الحياة وقضى منها وطره ترك ثروة ضخمة تربو على ثمانين ألف دينار.
ومع ما قام به هذا الرجل من دراسات وتأليف ومحاورات فى علم الكلام فاننا نراه- ككثرة من العلماء- يعود إلى الاقرار بأن هناك ما هو أجدى وأجدر بالبحث والدراسة والتصنيف وهو القرآن الكريم فتراه يقول:
«لقد اختبرت الطريق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروى غليلا، ولا تشفى عليلا، ورأيت أصح الطريق طريقة القرآن ....
ثم يقول:
«وأقول من صميم القلب من داخل الروح: أنى مقر بأنّ ما هو الاكمل والأفضل الأعظم الاجل فهو لك، وكل ما هو عيب ونقص فأنت منزه عنه ...
стр. 138
وأن الإمام الرازى بهذا الاعتراف الذى كان منه فى أواخر حياته يبين أن هذا الفيلسوف بعد أن طاف بمجالات الفكر فى جوانبها العميقة وفى زواياها المستفيضة رأى فى النهاية أن منهج الاتباع للقرآن وللسنة هو المنهج الذى يهدى الانسان الى الصراط المستقيم، أما المتاهات التى سار فيها الفلاسفة والمتكلمون فإنها ليست بمنهج السلم الصادق. والقرآن نزل هداية للعقل ورسما للطريق الصواب، وهو عصمة لمن اتبعه، وهداية لمن استقام عليه.
وعاد الامام الرازى اذن بعد أن طوف ما طوف إلى القرآن الكريم متبعا ومستهديا ومسترشدا، وقال كلمته المشهورة:
نهاية اقدام العقول عقال ...
تفسير الرازى «مفاتيح الغيب» ومنهجه فيه.
يقع هذا التفسير فى ثمانية مجلدات ضخمة مطبوعة ومتداولة بين أهل العلم حيث يحظى بين دارسى القرآن بالشهرة الواسعة نظرا لما يشتمل عليه من أبحاث فياضة تضم أنواعا شتى من مسائل العلوم المختلفة حتى قيل عنه أنه: جمع كل غريب وغريبة.
والناظر فى هذا التفسير الكبير يجد أمورا هامة تلفت النظر وتشد الانتباه منها:
١ - الاهتمام بذكر المناسبات بين سور القرآن وآياته وبعضها مع بعض حتى يوضح ما عليه القرآن من ترتيب على الحكمة «تنزيل من حكيم حميد».
٢ - كثرة الاستطراد إلى العلوم الرياضية والفلسفية والطبيعة وغيرهما.
٣ - العرض لكثير من آراء الفلاسفة والمتكلمين بالرد والتفنيد فهو- على شاكلة أهل السنة ومن يعتقد معتقدهم- يقف دائما للمعتزلة بالمرصاد يفند آراءهم ويدحض حجتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
٤ - والفخر الرازى فى تفسيره لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا
стр. 139
ويذكر مذاهب الفقهاء فيها مع ترويجه لمذهب الشافعى الذى كان يتابعه هو فى عبادته ومعاملاته.
٥ - ويضيف الرازى إلى ما سبق كثيرا من المسائل فى علوم: الأصول والبلاغة والنحو وغيرها، وان كانت هذه المسائل فى مجموعها بعيدة عن الاطناب والتوسع كما هو الحال فى المسائل الكونية والرياضية والفلسفية بوجه عام.
وبالجملة فتفسير الإمام الرازى أشبه ما يكون بموسوعة كبيرة فى علوم الكون والطبيعة والعلوم التى تتصل اتصالا من قريب أو بعيد بعلم التفسير والعلوم الخادمة له والمترتبة عليه استنباطا وفهما.
وانظر إليه بعد أن عرض لسورة الفاتحة عرضا موجزا فى مقدمته اذ يقول:
أما بعد: فهذا كتاب مشتمل على شرح بعض ما رزقنا الله تعالى من علوم سورة الفاتحة، ونسأل الله العظيم أن يوفقنا لا تمامه وأن يجعلنا فى الدارين اهلا لإكرامه وانعامه ... وهذا الكتاب مرتب على مقدمة وكتب، أما المقدمة ففيها فصول: الفصل فى التنبيه على علوم هذه السورة على سبيل الإجمال.
ثم يقول:
اعلم أنه مر على لسانى فى بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسئلة فاستبعد هذا بعض الحساد وقوم من أهل الجهل والغى والعناد وحملوا على ذلك ما ألفوه من انفسهم من التعليقات الفارغة من المعانى والكلمات الخالية من تحقيق المعاقد والمبانى، فلما شرعت فى تصنيف هذا الكتاب قدمت هذه المقدمة لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول قريب الوصول.
ثم يذكر بعد ذلك مقدمة جدلية يشفعها بقوله:
فظهر بهذا الطريق أن قولنا «اعوذ بالله» مشتمل على الألوف من المسائل الحقيقية اليقينية ...
стр. 140
ثم يؤكد ذلك مرة أخرى مع زيادة وتوسع فى تفصيل وتوضيح فيقول:
«فيثبت بهذا الطريق أن قولنا: «اعوذ بالله» مشتمل على عشرة آلاف مسألة وأزيد أو أقل من المسائل المهمة المعتبرة».
والكتاب بين يدى القارئ بذلك يعتبر مائدة كبرى حوت أطيب المآكل والمشارب وقطوف الثمرات يشبع ويروى بها أهل العلم ودارسوا القرآن وعلومه أفئدتهم وظمأهم من هذا التفسير المبارك.
رحم الله الرازى ونفع بتفسيره وجزاه عن القرآن وعلوم القرآن ودارسيه خير الجزاء.
نموذج من تفسيره
: قوله تعالى: «لا ريب فيه» فيه مسئلتان:
المسألة الأولى: «الريب» قريب من الشك، وفيه زيادة كأنه ظن سوء ... تقول: رابنى امر فلان اذا ظننت به سوءا، ومنه قوله ﵇: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
فان قيل؛ قد يستعمل الريب فى قولهم ريب الدهر، وريب الزمان أى حوادثه.
قال تعالى: نتربص به ريب المنون. ويستعمل أيضا فى معنى ما يختلج فى القلب من أسباب الغيظ كقول الشاعر:
قضينا فى تهامة كل ريب ... وخير ثم اجمعنا السيوفا
قلنا: هذان قد يرجعان الى معنى الشك لأن الشك ما يخاف من ريب المنون محتمل فهو كالمشكول، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن.
فقوله تعالى: «لا ريب فيه» المراد منه نفى كونه مظنة الريب بوجه من الوجوه، والمقصود أنه لا شبهة فى صحته ولا فى كونه من عند الله ولا فى كونه معجزا.
стр. 141
ولو قلت: المراد لا ريب فى كونه معجزا على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا (سورة البقرة الآية ٢٣) وهاهنا سؤالان:
السؤال الأول: طعن بعض الملحدة فيه فقال: إن عنى أنه لا شك فيه عندنا فنحن قد نشك فيه، وإن عنى أنه لا شك فيه عنده فلا فائدة فيه ..
الجواب: المراد أنه بلغ من الوضوح إلى حيث لا ينبغى لمرتاب أن يرتاب فيه، والامر كذلك، لان العرب مع بلوغهم فى الفصاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن وذلك يشهد بأنه بلغ هذه الحجة فى الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه.
السؤال الثانى: لم قال هاهنا: لا ريب فيه، وفى موضع آخر «لا فيها غول .. ؟
الجواب: لانهم يقدمون الاهم فالمهم، وهاهنا الأهم نفى الريب بالكلمة عن الكتاب، ولو قلت: لا ريب فيه لاوهم أن هناك كتابا آخر حصل الريب فيه لا هنا كما قصد فى قوله: لا فيها غول تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا فانها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا.
السؤال الثالث: من بين بدل قوله لا ريب فيه على نفى الريب بالكلية.
الجواب: قرأ أبو الشعثاء: لا ريب فيه- بالرفع. واعلم أن القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب بالكلية، والدليل عليه أن قوله: لا ريب فيه نفى لما هية الريب، ونفى الماهية يقتضى نفى كل فرد من افراد الماهية، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية، ولهذا السر كان قولنا: لا اله الا الله نفيا لجميع الآلهة سوى الله تعالى.
стр. 142
وأما قولنا: لا ريب فيه- بالرفع فهو نقيض لقولنا: ريب فيه، وهو يفيد ثبوت فرد واحد فذلك النفى يوجب انتفاء جميع الافراد ليتحقق التناقض .... الخ ..
стр. 143
الإمام الطبرسى وتفسيره مجمع البيان لعلوم القرآن
ان مؤلف هذا التفسير هو الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسى.
والطبرسى: نسبه إلى طبرستان، وهو من كبار علماء الشيعة الامامية، توفى سنة ٥٤٨ هـ. ليلة عيد الاضحى وقد عاش فى خراسان فى المشهد الرضوى مدة طويلة فنسب
إلى المشهد، ويقال له أحيانا الطبرسى المشهدى ثم ارتحل إلى بلده سبزاوار من اقليم خراسان.
وألف هذا، الكتاب بها وفرغ من تأليفه فى ذى القعدة سنة ٥٤٦ هـ.
وهو رجل من بيت من بيوت العلم، فقد كان ابنه رضى الدين من أهل العلم وكان سبطه على بن الحسن من أهل العلم وكان الكثيرون من أقربائه وأحفاده من ذوى المكانة العلمية.
وأخذ عنه كثير من العلماء وأخذ هو عن قمة من قمم المذهب الشيعى هو الشيخ أبى على بن الشيخ الطوسى وقد ألف فى التفسير ثلاثة كتب أحدها هذا الكتاب الذى نقدمه الآن ولتأليفه قصة: إن المؤلفين يذكرونها كما يلى:
«ومن عجيب أمر هذا الطبرسى بل من غريب كراماته، ما اشتهر بين الخاص والعام أنه قد أصابته السكتة فظنوا به الوفاة فغسلوه وكفنوه ثم رجعوا، فلما أفاق وجد نفسه فى القبر ومسدود عليه سبيل الخروج عنه من كل جهة، فنذر فى تلك الحالة أنه أن انجى من تلك الداهية ألف كتابا فى تفسير القرآن، فاتفق أن بعض النباشين قصده لأخذ كفنه، فلما كشف عن وجه القبر أخذ الشيخ بيده فتحير النباش ودهش مما رآه ثم تكلم معه فازداد به قلقا، فقال له: لا تخف، أنا حى وقد أصابتنى السكتة ففعلوا بي هذا، ولما لم يقدر على
стр. 144
النهوض والمشى من غاية ضعفه، حمله النباش على عاتقه وجاء به إلى بيته الشريف، فأعطاه الخلعة وأولاه ما لا جزيلا، وتاب على يده النباش، ثم انه بعد ذلك وفى بنذره الموصوف، وشرع فى تأليف مجمع البيان» اهـ.
أما التفسير الثانى فله أيضا قصة وذلك أنه وصله فى يوم من الأيام تفسير الكشاف فوجد أنه تفسير نفيس فاستحسن طريقته، وأعجب به، ولكنه رأى به بعض ما يؤخذ عليه من التعصب الكامل لمذهب المعتزلة، فألف كتاب:
«الكافى الشافى عن الكشاف» وقد ضمن هذا الكتاب الوسيط فوائد تفسيره مجمع البيان وفوائد تفسير الكشاف وهو فى أربعة مجلدات، وله تفسير ثالث مختصر هو الوجيز.
والتفسير الذى نقدمه كتب عنه قديما وحديثا كثير من مفكرى الاسلام، لقد كتب عنه الشيخ محمد تقى القمى من أعلام الشيعة:
«انه كتاب وقف مؤلفه موقف الانصاف، والتزم جادة الأدب القرآنى، فلم يعنف فى جدال، ولم يسفه فى مقال، بل أعطى مخالفيه ما أعطى موافقيه من حسن العرض، وبيان الحجة، ورواية السند، فمكن القارئ بذلك من الحكم السديد، وجعل من كتابه موضعا للقدوة الحسنة فى الجدال بالتى هى أحسن.
وكتب عنه فضيلة الامام الأكبر الشيخ محمود شلتوت ما يلي:
«ان هذا الكتاب نسيج وحده بين كتب التفسير وذلك لأنه مع سعة بحوثه وعمقها وتنوعها، له خاصية فى الترتيب والتبويب، والتنسيق والتهذيب، لم تعرف لكتب التفسير من قبله، ولا تكاد تعرف لكتب التفسير من بعده:
فعهدنا بكتب التفسير الاولى أنها تجمع الروايات والآراء فى المسائل المختلفة، وتسوقها عند الكلام على الآيات سوقا متشابكا ربما اختلط فيه فن بفن، فما يزال القارئ يكد نفسه فى استخلاص ما يريد من هنا وهناك حتى يجتمع إليه
стр. 145
ما تفرق، وربما وجد العناية ببعض النواحى واضحة إلى حد الاملال، والتقصير فى بعض آخر واضحا إلى درجة الاختلال، أما الذين جاءوا بعد ذلك من المفسرين، فلئن كان بعضهم قد اطنبوا، وحققوا وهذبوا وفصلوا وبوبوا، فإن قليلا منهم أولئك الذين استطاعوا مع ذلك أن يحتفظوا لتفسيرهم بالجو القرآنى الذى يشعر معه القارئ بأنه يجول فى مجالات متصلة بكتاب الله اتصالا وثيقا، وتتطلبها خدمته حقا لا لادنى ملابسة، وأقل مناسبة.
لكن كتابنا هذا كان أول- ولم يزل أكمل- مؤلف من كتب التفسير الجامعة استطاع أن يجمع إلى غزارة البحث، وعمق الدرس، وطول النفس فى الاستقصاء، هذا النظم الفريد، القائم على التقسيم والتنظيم والمحافظة على تفسير القرآن، وملاحظة أنه فن يقصد به خدمة القرآن، لا خدمة اللغويين بالقرآن، ولا خدمة الفقهاء بالقرآن، ولا تطبيق آيات القرآن على نحو سيبويه، أو بلاغة عبد القاهر، أو فلسفة اليونان أو- الرومان، ولا الحكم على القرآن بالمذاهب التى يجب أن تخضع هى لحكم القرآن.
ومن مزايا هذا التنظيم أنه يتيح لقارئ الكتاب فرصة القصد إلى ما يريده قصدا مباشرا، فمن شاء أن يبحث عن اللغة عمد إلى فصلها المخصص لها، ومن شاء أن يبحث بحثا نحويا اتجه إليه، ومن شاء معرفة القراءات رواية أو تخريجا وحجة عمد إلى موضع ذلك فى كل آية فوجده ميسرا محررا، وهكذا.
ولا شك أن هذا فيه تقريب أى تقريب على المشتغلين بالدراسات القرآنية، ولا سيما فى عصرنا الحاضر الذى كان من أهم صوار فى المثقفين فيه عن دراسة كتب التفسير ما يصادفونه فيها من العنت، وما يشق عليهم من متابعتها فى صبر ودأب، وكد وتعب.
فتلك مزية نظامية لهذا الكتاب، بجانب مزاياه العلمية الفكرية.
أما منهج صاحب الكتاب نفسه فانه يتحدث عنه قائلا: أنه استخار الله تعالى، ثم يقول:
следующие страницы →