Полный текст (363 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ولو قلت: المراد لا ريب فى كونه معجزا على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا (سورة البقرة الآية ٢٣) وهاهنا سؤالان:
السؤال الأول: طعن بعض الملحدة فيه فقال: إن عنى أنه لا شك فيه عندنا فنحن قد نشك فيه، وإن عنى أنه لا شك فيه عنده فلا فائدة فيه ..
الجواب: المراد أنه بلغ من الوضوح إلى حيث لا ينبغى لمرتاب أن يرتاب فيه، والامر كذلك، لان العرب مع بلوغهم فى الفصاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن وذلك يشهد بأنه بلغ هذه الحجة فى الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه.
السؤال الثانى: لم قال هاهنا: لا ريب فيه، وفى موضع آخر «لا فيها غول .. ؟
الجواب: لانهم يقدمون الاهم فالمهم، وهاهنا الأهم نفى الريب بالكلمة عن الكتاب، ولو قلت: لا ريب فيه لاوهم أن هناك كتابا آخر حصل الريب فيه لا هنا كما قصد فى قوله: لا فيها غول تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا فانها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا.
السؤال الثالث: من بين بدل قوله لا ريب فيه على نفى الريب بالكلية.
الجواب: قرأ أبو الشعثاء: لا ريب فيه- بالرفع. واعلم أن القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب بالكلية، والدليل عليه أن قوله: لا ريب فيه نفى لما هية الريب، ونفى الماهية يقتضى نفى كل فرد من افراد الماهية، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية، ولهذا السر كان قولنا: لا اله الا الله نفيا لجميع الآلهة سوى الله تعالى.
стр. 142
وأما قولنا: لا ريب فيه- بالرفع فهو نقيض لقولنا: ريب فيه، وهو يفيد ثبوت فرد واحد فذلك النفى يوجب انتفاء جميع الافراد ليتحقق التناقض .... الخ ..
стр. 143
الإمام الطبرسى وتفسيره مجمع البيان لعلوم القرآن
ان مؤلف هذا التفسير هو الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسى.
والطبرسى: نسبه إلى طبرستان، وهو من كبار علماء الشيعة الامامية، توفى سنة ٥٤٨ هـ. ليلة عيد الاضحى وقد عاش فى خراسان فى المشهد الرضوى مدة طويلة فنسب
إلى المشهد، ويقال له أحيانا الطبرسى المشهدى ثم ارتحل إلى بلده سبزاوار من اقليم خراسان.
وألف هذا، الكتاب بها وفرغ من تأليفه فى ذى القعدة سنة ٥٤٦ هـ.
وهو رجل من بيت من بيوت العلم، فقد كان ابنه رضى الدين من أهل العلم وكان سبطه على بن الحسن من أهل العلم وكان الكثيرون من أقربائه وأحفاده من ذوى المكانة العلمية.
وأخذ عنه كثير من العلماء وأخذ هو عن قمة من قمم المذهب الشيعى هو الشيخ أبى على بن الشيخ الطوسى وقد ألف فى التفسير ثلاثة كتب أحدها هذا الكتاب الذى نقدمه الآن ولتأليفه قصة: إن المؤلفين يذكرونها كما يلى:
«ومن عجيب أمر هذا الطبرسى بل من غريب كراماته، ما اشتهر بين الخاص والعام أنه قد أصابته السكتة فظنوا به الوفاة فغسلوه وكفنوه ثم رجعوا، فلما أفاق وجد نفسه فى القبر ومسدود عليه سبيل الخروج عنه من كل جهة، فنذر فى تلك الحالة أنه أن انجى من تلك الداهية ألف كتابا فى تفسير القرآن، فاتفق أن بعض النباشين قصده لأخذ كفنه، فلما كشف عن وجه القبر أخذ الشيخ بيده فتحير النباش ودهش مما رآه ثم تكلم معه فازداد به قلقا، فقال له: لا تخف، أنا حى وقد أصابتنى السكتة ففعلوا بي هذا، ولما لم يقدر على
стр. 144
النهوض والمشى من غاية ضعفه، حمله النباش على عاتقه وجاء به إلى بيته الشريف، فأعطاه الخلعة وأولاه ما لا جزيلا، وتاب على يده النباش، ثم انه بعد ذلك وفى بنذره الموصوف، وشرع فى تأليف مجمع البيان» اهـ.
أما التفسير الثانى فله أيضا قصة وذلك أنه وصله فى يوم من الأيام تفسير الكشاف فوجد أنه تفسير نفيس فاستحسن طريقته، وأعجب به، ولكنه رأى به بعض ما يؤخذ عليه من التعصب الكامل لمذهب المعتزلة، فألف كتاب:
«الكافى الشافى عن الكشاف» وقد ضمن هذا الكتاب الوسيط فوائد تفسيره مجمع البيان وفوائد تفسير الكشاف وهو فى أربعة مجلدات، وله تفسير ثالث مختصر هو الوجيز.
والتفسير الذى نقدمه كتب عنه قديما وحديثا كثير من مفكرى الاسلام، لقد كتب عنه الشيخ محمد تقى القمى من أعلام الشيعة:
«انه كتاب وقف مؤلفه موقف الانصاف، والتزم جادة الأدب القرآنى، فلم يعنف فى جدال، ولم يسفه فى مقال، بل أعطى مخالفيه ما أعطى موافقيه من حسن العرض، وبيان الحجة، ورواية السند، فمكن القارئ بذلك من الحكم السديد، وجعل من كتابه موضعا للقدوة الحسنة فى الجدال بالتى هى أحسن.
وكتب عنه فضيلة الامام الأكبر الشيخ محمود شلتوت ما يلي:
«ان هذا الكتاب نسيج وحده بين كتب التفسير وذلك لأنه مع سعة بحوثه وعمقها وتنوعها، له خاصية فى الترتيب والتبويب، والتنسيق والتهذيب، لم تعرف لكتب التفسير من قبله، ولا تكاد تعرف لكتب التفسير من بعده:
فعهدنا بكتب التفسير الاولى أنها تجمع الروايات والآراء فى المسائل المختلفة، وتسوقها عند الكلام على الآيات سوقا متشابكا ربما اختلط فيه فن بفن، فما يزال القارئ يكد نفسه فى استخلاص ما يريد من هنا وهناك حتى يجتمع إليه
стр. 145
ما تفرق، وربما وجد العناية ببعض النواحى واضحة إلى حد الاملال، والتقصير فى بعض آخر واضحا إلى درجة الاختلال، أما الذين جاءوا بعد ذلك من المفسرين، فلئن كان بعضهم قد اطنبوا، وحققوا وهذبوا وفصلوا وبوبوا، فإن قليلا منهم أولئك الذين استطاعوا مع ذلك أن يحتفظوا لتفسيرهم بالجو القرآنى الذى يشعر معه القارئ بأنه يجول فى مجالات متصلة بكتاب الله اتصالا وثيقا، وتتطلبها خدمته حقا لا لادنى ملابسة، وأقل مناسبة.
لكن كتابنا هذا كان أول- ولم يزل أكمل- مؤلف من كتب التفسير الجامعة استطاع أن يجمع إلى غزارة البحث، وعمق الدرس، وطول النفس فى الاستقصاء، هذا النظم الفريد، القائم على التقسيم والتنظيم والمحافظة على تفسير القرآن، وملاحظة أنه فن يقصد به خدمة القرآن، لا خدمة اللغويين بالقرآن، ولا خدمة الفقهاء بالقرآن، ولا تطبيق آيات القرآن على نحو سيبويه، أو بلاغة عبد القاهر، أو فلسفة اليونان أو- الرومان، ولا الحكم على القرآن بالمذاهب التى يجب أن تخضع هى لحكم القرآن.
ومن مزايا هذا التنظيم أنه يتيح لقارئ الكتاب فرصة القصد إلى ما يريده قصدا مباشرا، فمن شاء أن يبحث عن اللغة عمد إلى فصلها المخصص لها، ومن شاء أن يبحث بحثا نحويا اتجه إليه، ومن شاء معرفة القراءات رواية أو تخريجا وحجة عمد إلى موضع ذلك فى كل آية فوجده ميسرا محررا، وهكذا.
ولا شك أن هذا فيه تقريب أى تقريب على المشتغلين بالدراسات القرآنية، ولا سيما فى عصرنا الحاضر الذى كان من أهم صوار فى المثقفين فيه عن دراسة كتب التفسير ما يصادفونه فيها من العنت، وما يشق عليهم من متابعتها فى صبر ودأب، وكد وتعب.
فتلك مزية نظامية لهذا الكتاب، بجانب مزاياه العلمية الفكرية.
أما منهج صاحب الكتاب نفسه فانه يتحدث عنه قائلا: أنه استخار الله تعالى، ثم يقول:
стр. 146
«وشمرت عن ساق الجد، وبذلت غاية الجهد والكد، وأسهرت الناظر، وأتعبت الخاطر، وأطلت التفكير، وأحضرت التفاسير، واستمددت من الله سبحانه التوفيق والتيسير، وابتدأت بتأليف كتاب هو فى غاية التلخيص والتهذيب، وحسن النظم والترتيب، بجمع أنواع هذا العلم وفنونه، ويحوى فصوصه وعيونه، من علم قراءاته،
واعرابه ولغاته، وغوامضه ومشكلاته، ومعاينة وجهاته، ونزوله وأخباره، وقصصه وآثاره، وحدوده وأحكامه، وحلاله وحرامه، والكلام على مطاعن المبطلين فيه، وذكر ما ينفرد به أصحابنا رضى الله عنهم من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة ما يعتقدونه من الأصول والفروع، والمعقول والمسموع على وجه الاعتدال والاختصار، فوق الايجاز ودون الاكثار، فان الخواطر فى هذا الزمان لا تحتمل أعباء العلوم الكثيرة، وتضعف عن الاجراء فى الحلبات الحظيرة، اذ لم يبق من العلماء إلا الأسماء، ومن العلوم إلا الذماء، وقدمت فى مطلع كل سورة ذكر مكيها ومدنيها، ثم ذكر الاختلاف فى عدد آياتها، ثم ذكر فضل تلاوتها ثم أقدم فى كل آية الاختلاف فى القراءات، ثم ذكر العلل والاحتجاجات، ثم ذكر العربية واللغات ثم ذكر الاعراب والمشكلات، ثم ذكر الاسباب والنزولات، ثم ذكر المعانى والأحكام والتأويلات، والقصص والجهات، ثم ذكر انتظام الآيات، على أنى قد جمعت فى عربيته كل غرة لائحة، وفى اعرابه كل حجة واضحة وفى معانيه كل قول متين، وفى مشكلاته كل برهان مبين، فهو بحمد الله للأديب عمده، وللنحوى عده، وللنحوى عده، وللمقرئ بصيرة، وللناسك ذخيرة، وللمتكلم حجة، وللمحدث محجة، وللفقيه دلالة، وللواعظ آلة.
وسميته كتاب «مجمع البيان لعلوم القرآن» وأرجو ان شاء الله تعالى أن يكون كتابا كثير الدرر، غزير الغرر، متواصف السمات، متناسق الصفات، سيارا فى الانجاد والأغوار، طيارا فى الآفاق والاقطار، مهذب الترتيب، مذهب التهذيب، أحكام الشريعة بمعانيه منوطة، وأعلام الحقيقة
стр. 147
بمبانيه مربوطه، وبحول الله أعتصم وبقوته وعونه أفتتح وأختتم، وإياه أسأل الهداية للتى هى أقوم.
وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (سورة هود الآية ٨٨) وهاك نماذج من تفسيره:
قوله تعالى:
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (سورة آل عمران الآية ٦) يقول: التصوير جعل الشيء على صورة لم يكن عليها، والصورة هيئة يكون عليها الشيء فى التأليف.
وأصلها من صاره يصوره اذا أماله لأنها مائلة إلى هيئة بالشبه لها، والفرق بين الصورة والصيغة: أن الصيغة عبارة عما وضع فى اللغة ليدل على أمر من الأمور، وليس كذلك الصورة لأن دلالتها على جعل جاعل شيئا على بنية، والأرحام: جمع رحم وأصله الرحمة، وذلك لأنها مما يتراحم به، ويتعاطف، يقولون:
وصلتك رحم، والمشيئة هى الارادة.
المعنى: «هو الّذى يصوّركم» أى يخلق صوركم فى الأرحام «كيف يشاء» على أى صورة شاء وعلى أى صفة شاء من ذكر أو أنثى، أو صبيح أو دميم، أو طويل أو قصير «لا اله إلا هو العزيز» فى سلطانه «الحكيم» فى أفعاله.
ودلت الآية على وحدانية الله وكمال قدرته وتمام حكمته حيث صور الولد فى رحم الأم على هذه الصفة وركب فيه من أنواع البدائع من غير آلة
стр. 148
ولا كلفة، وقد تقرر فى عقل كل عاقل أن العالم لو اجتمعوا على أن يخلقوا من الماء بعوضة، ويصوروا منه صورة فى حال ما يشاهدونه ويعرفونه، لم يقدروا على ذلك ولا وجدوا إليه سبيلا، فكيف يقدرون على الخلق فى الأرحام.
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (سورة المؤمنون الآية ١٤) وهذا الاستدلال مروى عن جعفر بن محمد».
وهاك نموذج آخر من تفسيره:
قوله تعالى:
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
(سورة آل عمران الآية ١٦٤) يقول: «المعنى: ذكر سبحانه عظيم نعمته على الخلق ببعثه نبينا فقال:
«لقد من الله» أي أنعم الله «على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا» منهم خص المؤمنين بالذكر وان كان ﷺ مبعوثا إلى جميع الخلق، لأن النعمة عليهم أعظم لاهتدائهم به وانتفاعهم ببيانه، ونظير ذلك ما تقدم بيانه من قوله «هدى للمتقين»، وقوله: «من أنفسهم» فيه أقوال: أحدها:
أن المراد به من رهطهم يعرفون منشأه وصدقه وأمانته، وكونه أميا لم يكتب كتابا ولم يقرأه ليعلموا أن ما أتى به وحى منزل، ويكون ذلك مشرفا لهم وداعيا إياهم إلى الايمان.
стр. 149
وثانيها: أن المراد به أنه يتكلم بلسانهم فيسهل عليهم تعلم الحكمة منه فيكون خاصا بالعرب.
وثالثها: أنه عام لجميع المؤمنين، والمراد بأنفسهم أنه من جنسهم لم يبعث ملكا ولا جنيا، وموضع المنة فيه أنه بعث فيهم من عرفوا أمره، وخبروا شأنه.
وقوله: «يتلو عليهم آياته» يعنى القرآن «ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة» ويعرضهم لما يكونون به أزكياء بشهادته لهم بذلك ليعرفهم الناس.
«ويعلمهم الكتاب والحكمة» الكتاب القرآن، والحكمة هى القرآن أيضا، جمع بين الصفتين لاختلاف فائدتهما كما يقال: الله العالم بالأمور كلها، القادر عليها.
وقيل: أراد بالكتاب القرآن، وبالحكمة الوحى من السنة وما لا يعلم إلا من جهته من الأحكام «وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين» يعنى أنهم كانوا فى ضلال ظاهر بين أى كفارا وكفرهم هو ضلالهم، فأنقذهم الله بالنبى ﷺ اهـ.
وبعد: فانه مما لا شك فيه أنه تفسير نفيس، وكل ما يؤخذ عليه ميله للمذهب الشيعى ومهما قيل عن انصافه فانه لم يستطع أن يتخلص فى أحكامه من هذا المذهب.
стр. 150
تفسير الإمام أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه
هو أبو الحسن على الشاذلى الحسنى يصل نسبه إلى ابن عبد الله بن عبد الجبار بن تميم بن هريرة بن حاتم، بن قصى، بن يوسف، بن يوشع، بن ورد، بن بطال على بن أحمد، أبى محمد بن عيسى بن محمد الحسن بن سيد شباب أهل الجنة وسبط خير البرية، ابن أمير المؤمنين على بن أبى طالب، كرم الله وجهه، وابن فاطمة الزهراء، بنت رسول الله ﷺ ، يقول أبو العزائم ماضى يصف الشيخ رضى الله عنه:
«كانت صفته رضى الله عنه، آدم اللون، نحيف الجسم، طويل القامة، خفيف العارضين، طويل أصابع اليدين، كأنه حجازى.
وكان فصيح اللسان، عذب الكلام.
ولد ببلاد المغرب سنة ٥٩٣ هـ بقرية تسمى «غمارة» - بلدة مغربية:
قريبة من مدينة سبتة.
وأخذ يدرس بها العلوم الدينية: وسائل وغايات، وبرع فيها براعة كبيرة.
يقول ابن عطاء الله السكندرى عنه:
انه لم يدخل طريق القوم حتى كان يعد للمناظرة فى العلوم الظاهرة.
بيد أن هذه العلوم الظاهرة مهما بلغت بها الدقة، ومهما بلغ بها العمل، لا تفضى بالنفوس الطموحة إلى الكف عن التطلع نحو عالم الغيب، واشراق الله وأنواره.
كيف يصل الانسان الى عالم الغيب؟
كيف ينغمس الانسان فى أضوائه؟
стр. 151
كيف ينعم بجماله، ويشعر بالروعة فى محيط جلاله؟
ان النفوس الطموحة كلما ازدادت علما، ازدادت شعورا بالنقص، والكمال لله وحده، ولقد أمر رسول الله ﷺ ، أن يقول:
رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (سورة طه الآية ١١٤) وشعر أبو الحسن بالرغبة الملحة فى القرب من الله، وفى أن يستضيء قلبه بنور المعرفة، وفى أن يكشف الله له الحجب.
كيف يروى هذه الرغبة، كيف يسير فى الطريق، من أين يبدأ؟
لقد رسم الأول الطريق: ان البدء، البدء الميسر السهل، البدء الذى يأمن الانسان عواقبه انما يكون طريقه خبير سير الطريق، ومحص السبل، وكشف عن المزالق والاخطار، واستنار قلبه بالطريق القاصد إلى الله.
أين يجد هذا الشيخ ما السبيل إليه؟
ان بغداد منذ عهد العباسيين، كانت دائما محط أنظار طلاب الدنيا، وطلاب الدين.
ولقد كانت تضم كبار الفقهاء، وأعلام المحدثين، والقمم العوالى من الصوفية، كما تضم كبار الساسة والقادة، كان ذلك فى عهدها الزاهر فهل يا ترى هى كذلك فى القرن السابع الهجرى؟
واذا لم يكن لها كل البريق المادى الاول فهل بها على الاقل من الصوفية من يرسم الطريق عن خبرة، ومن يسلك بالمريد السبل دون أخطاء؟
وتحمل الرغبة الملحة أبا الحسن على السفر، انها هجرة إلى الله، انها هجرة النفس الطلقة الشفافة.
وهى هجرة يسير بها الامل، ويتخللها الاشفاق، وتصاحبها فى كل الاوقات اسئلة لا جواب لها:
стр. 152
هل سيجد الشيخ؟
وكيف يكون؟
وهل يستقبله الشيخ بقبول حسن؟
وبم سينصحه؟
واذا لم يجده فى بغداد فأين يجده؟
انتهى به المطاف إلى بغداد، والتقى بالاولياء، وكان قمتهم فى نظره هو أبو الفتح الواسطى يقول أبو الحسن:
لما دخلت العراق اجتمعت بالشيخ الصالح أبى الفتح الواسطى، فما رأيت بالطريق مثله.
ولكن همة أبى الحسن كانت تسموا إلى البحث عن القطب ذاته، انه كان يريد أن يكون قائده هو القطب نفسه، أين يجد القطب؟.
ها هو ذا بالعراق، وها هم أولاء الصالحون، وأولياء الله يتردد عليهم كل يوم وها هو ذا يرى النور على وجوههم، والصلاح يرتسم على سيماهم، ولكنه لم يجد القطب
وهو مطلبه.
وذات يوم قال له أحد الأولياء:
انك تبحث عن القطب بالعراق، مع أن القطب ببلادك، ارجع إلى بلادك تجده.
وعاد أبو الحسن من حيث أتى، عاد يحدوه الأمل، ويغمره الرجاء، لقد صدق الولى الذى أنبأه بأن القطب فى بلاده، وبأنه سيجده عند عودته.
وعاد يسرع الخطا ويستحث الوصول.
ها هو ذا بغمارة من جديد يسأل عن القطب المقبل والمدبر، والراحل والمقيم:
стр. 153
أقول أكاد اليوم أن أبلغ المدى ... فيبعد عنى ما أقول أكاد
أسائلكم عنها فهل من مخبر ... فما لى بنعم مذ نأت دارها علم
فلو كنت أدرى أين خيم أهلها ... وأى بلاد الله- اذ ظعنوا- أموا
أذن لسلكنا مسلك الريح خلفها ... ولو أصبحت نعم ومن دونها النجم
وذات يوم:- يقول أبو الحسن:
لما قدمت عليه وهو ساكن بمغارة فى رأس جبل، اغتسلت فى عين بأسفل ذلك الجبل وخرجت عن علمى وعملى، وطلعت إليه فقيرا، واذا به هابط إلى، وعليه مرقعة، وعلى رأسه قلنسوة من خوص، فقال لى:
مرحبا بعلى بن عبد الله الجبار، وذكر نسبى إلى رسول الله ﷺ ثم قال لى:
يا على طلعت إلينا فقيرا من علمك وعملك، فأخذت منا غنى الدنيا والآخرة.
فأخذنى منه الدهش، فأقمت عنده أياما إلى أن فتح الله على بصيرتى.
وكان رضى الله عنه، يأخذ زينته عند كل مسجد، واذا كان رسول الله ﷺ يقول:
«جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا».
أى أن الأرض- أينما كان الانسان عليها- كلها مسجد، فإن أبا الحسن كان يتحلى دائما بالثياب الحسنة.
وما كان أبو الحسن يحب التزمت فى شىء أبدا.
وفى يوم من الأيام دخل أبو العباس المرسى على الشيخ أبى الحسن، وفى نفسه أن يأكل الخشن، وأن يلبس الخشن، فقال له الشيخ:
يا أبا العباس: اعرف الله وكن كيف شئت.
стр. 154
ومن عرف الله فلا عليه أيضا ان أكل هنيئا وشرب مريئا.
وما كان أبو الحسن يتعمد قط أن يأكل الغليظ من الطعام، أو يقتصر على غير الزلال البارد من الشراب، انه يقول:
يا بنى برد الماء، فانك اذا شربت الماء السخن فقلت الحمد الله، تقولها بكزازة: وإذا شربت الماء البارد، فقلت الحمد الله استجاب كل عضو منك بالحمد لله.
وعن ذلك، وبيانا لنهج الطريقة الشاذلية، الذى رسمه أبو الحسن، يقول ابن عطاء الله:
«وأما لبس اللباس اللين، وأكل الطعام الشهى، وشرب الماء البارد:
فليس القصد إليه بالذى يوجب العتب من الله، إذا كان معه الشكر لله، ا. هـ ..
وهذا كله طبعا يتمشى مع قوله تعالى:
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ. (سورة الأعراف الآية ٣٢) ويقول الأستاذ على سالم عمار:
«كان الشاذلى يلبس الفاخر من الثياب، ويركب الفاره من الدواب، ويتخذ الخيل الجياد» ا. هـ.
ولقد كان الجانب العلمى من العناصر الاولى التى حددت شخصية الشاذلى: لقد بدأ الدراسة والتحصيل صغيرا، فثقف كأحسن ما يكون المثقف، لقد ثقف على الطريق العادى فحفظ القرآن، ودرس السنة، ودرس العلوم الدينية، وسائل وغايات: «ولم يدخل فى علوم القوم حتى كان يعد للمناظرة فى العلوم الظاهرة».
стр. 155
وكان: «ذا علوم جمة» وهو صاحب «العلوم الغزيرة».
ولقد تدرج فى هذه العلوم سلما فسلما، ثم أخذ يختار الكتب التى يدرسها ويشرحها وينصح بقراءتها، ويجب فى أصحابها، وكان منها فى موضوع التفسير «كتاب التحرير الوجيز» لا بن عطية، وهو كتاب يشرحه عنوانه، فهو محرر كلماته منتقاة متميزة، محررة وعبارته دقيقة ..
وهو وجيز وان لم يكل فى إيجاز الجلالين أو البيضاوى.
وكان الشيخ ينتقل بين الأقطار إلى أن وصل إلى مصر واستمر الشيخ يدعو فيها إلى الله إلى أن كان شهر شوال سنة ٦٥٦ هـ، وفى هذا الشهر أخذ الشيخ فى السفر إلى الأراضى المقدسة للحج.
فلما كان فى حميثرة بصحراء عيذاب- وهى بين قنا والقصير- جمع الشيخ أصحابه فى احدى الأمسيات، وأوصاهم بأشياء، وأوصاهم بحزب البحر وقال لهم: «حفظوه أولادكم فان فيه اسم الله الأعظم»، ثم خلا بأبى العباس المرسى- رضى الله عنهما- وحده وأوصاه بأشياء.
واختصه بما خصه الله من البركات، ثم وجه الحديث لاصحابه من البركات، ثم وجه الحديث لاصحابه قائلا:
«أنا إذا مت فعليكم بأبى العباس المرسى، فانه الخليفة من بعدى وسيكون له بينكم مقام عظيم، وهو باب من أبواب الله »، وبات تلك الليلة متوجها إلى الله تعالى ذاكرا ومعه اصحابه وهو يقول: «الهى إلهى»! فلما كان السحر سكن فظننا أنه نام، فحركناه فوجدناه ميتا! وجاء الشيخ أبو العباس فغسله، وصلى الجميع عليه، ودفن حيث توفاه الله.
وقد كان للشيخ أولاد ذكور فلم يفكر فى أن يستخلف أحدهم وإنما أستخلف من رآه أحق بالخلافة، وترجو أن يعتبر رجال الطرق فى العصر
стр. 156
الراهن- فلا يجعلوا الطريق مورد رزق تورث كما يورث العقار.
ورحم الله أبا الحسن وطيب ثراه، ونفعنا ببركاته انه نعم المجيب ..
وكان شأن أبى الحسن الشاذلى فى التفسير شأن الشيخ محمد عبده، فقد كان الشيخ محمد عبده يأخذ تفسير الجلالين بين يديه، ويقرأ فيه ويشرح ويستفيض فى شرح رأيه هو دون أن يكون تفسيره الجلالين إلا تكأة موجزة إيجازا كبيرا.
وكان أبو الحسن الشاذلى يأخذ تفسير ابن عطية ويقرأ فيه، وفى خلال شرحه يذكر الهاماته واشاراته ..
وهى الهامات واشارات مبثوثة هنا وهناك لم تجمع فى كتاب، ولم تطبع مستقلة! ولقد سميناها اشارات لأن الاشارات الروحية، والتوجيهات الالهية للقلوب والبصائر من خلال القرآن الكريم لا يحيط بها عد، ولا يأتى عليها الزمن.
هذه الاشارات للقلوب والبصائر تنبع وتفيض وتزداد بنسبة زيادة الامعان فى تحقيق معنى العبودية لله .
وهى اشارات لا تحرم حلالا، ولا تحل حراما، انها ليست من تأويلات الباطنية هذه التأويلات المنحرفة، والتى يهدمها من أساسها فى سهولة ويسر عمل رسول الله ﷺ ..
فقد طبق صلوات الله وسلامه عليه دين الله تطبيقا هو الاسوة التى تحتذى، والتى إذا خرج الانسان عن دائرتها فى الدين فانه يكون خاطئا ضالا ..
لقد أخرج رسول الله ﷺ وصحابته البررة الأصفياء الأوامر الالهية والنواهى الالهية عن دائرة النظريات إلى دائرة العمل، وتحدد بذلك المعنى المقصود من الأوامر والنواهى تحديدا لا لبس فيه، وكل تأويل- إذن-
стр. 157
للأوامر والنواهى يخرجها عن أن تكون مطابقة لعمل رسول الله ﷺ وعمل الصحابة فإنما هو تأويل باطنى ضال ..
أما الاشارات التى نثبتها هنا، فانها اشارات روحية ترشد إلى معارج الروح تتسامى بازدياد الانسان فى القرب من الله عن طريق الاستقامة.
ومن اشاراته:
«من أجل مواهب الله: الرضا بمواقع القضاء، والصبر عند نزول البلاء، والتوكل على الله عند الشدائد، والرجوع إليه عند النوائب، فمن خرجت له هذه الأربع من خزائن الأعمال على بساط المجاهدة ومتابعة السنة، والاقتداء بالأئمة فقد صحت ولايته لله ولرسوله وللمؤمنين:
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (سورة المائدة الآية ٥٦) ومن خرجت له من خزائن المنن على بساط المحبة فقد تمت له ولاية الله بقوله:
وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ..
ففرق بين الولايتين: فعبد يتولى الله، وعبد يتولاه، فهما ولايتان:
صغرى وكبرى.
فولايتك الله: خرجت من المجاهدة، وولايتك لرسوله: خرجت من متابعتك لسنته، وولايتك للمؤمنين: خرجت من الاقتداء بالأئمة، فافهم ذلك من قوله:
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
стр. 158
وقال الشيخ أبو العباس رضى الله عنه: كنت مع الشيخ فى سفره ونحن قاصدون إلى الاسكندرية حين مجيئنا من المغرب، فاخذنى ضيق شديد حتى ضعفت عن حمله، فأتيت إلى الشيخ أبى الحسن رضى الله عنه، فلما أحس بى قال:
أحمد- قلت: نعم يا سيدى ..
قال آدم خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة نصف يوم- خمسمائة عام- ثم نزل به إلى الأرض،، والله ما نزل الله بآدم إلى الأرض لينقصه، ولكن نزل به إلى الأرض ليكمله- ولقد أنزله إلى الأرض من قبل أن يخلقه بقوله:
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (سورة البقرة الآية ٢٨) ما قال فى الجنة ولا فى السماء، فكان نزوله إلى الأرض نزول كرامة، لا نزول اهانة، فانه كان يعبد الله فى الجنة بالتعريف فأنزله الله الأرض ليعبده بالتكليف، فلما توفرت فيه العبوديتان استحق أن يكون خليفة- وأنت أيضا لك قسط من آدم: كانت بداية فى سماء الروح فى جنة المعارف فأنزلت إلى النفس لتعبده بالتكليف، فلما توفرت فيك العبوديتان استحققت أن تكون خليفة ..
وفى قوله تعالى:
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ (سورة الطلاق الآية ٢) فسر سهل بن عبد الله هذه التقوى من الحول والقوة وعدل عما تزين به الباطلون من مظاهر التقوى مع دنس باطنه وهذا صحيح فى عبد ظاهر المعاصى والشهوات ويحمل نفسه على أنواع الطاعات وقد سد الافق
стр. 159
بالدعاوى، وأضاف الحول والقوة إلى نفسه: فهذا عبد قد جاوز الحدود، وأعظم الفرية والعجب فلا يقوم خيره بشره، والمحققون ينسبون له الأشياء وينظرون إلى البواعث والثمار، فاذا فقدت الثمار علموا أن علمه وعمله مدخولان، وإذا فقدت البواعث الصحيحة فى الاصول فلا يعتبرون بأعمالهم، قال الله :- وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً فيا مدعى التقوى أين المخرج؟ فإذا رأيت المخرج (ثمرة لتقواك) وذلك وعد الله وضمانه (فأنت على الصواب والخير)، وإذا لم تجد بتقواك إلا تجبرا فمن الصادق ومن الكاذب؟
ومن أصدق من الله قيلا:
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (سورة الطلاق الآية ٢) ولا يصح التوكل إلا لمتق.
ولا تتم التقوى إلا لمتوكل.
فدققوا النظر فى البواعث والاصول والثمار والله يحب الصابرين ..
ولا يتأتى أن نترك حياة أبى الحسن دون أن ننبه إلى موقفه من معركة المنصورة:
بدأ الصليبيون يزحفون صوب المنصورة وكانت مصر آنذاك تضم بين أرجائها نخبة ممتازة من العلماء الدينيين الذين أخلصوا جهادهم لله وحده، فلم تغرهم الدنيا بزخرفها وزينتها.
كان فى مصر اذ ذاك: العز بن عبد السلام، ومجد الدين القشيرى، ومحيى الدين بن سراقة، ومجد الدين الاخميمى، وأبو الحسن الشاذلى، وغيرهم من خيرة العلماء.
стр. 160
لم يستقر هؤلاء العلماء فى دورهم البعيدة عن الخطر، وإنما هبوا جميعا للجهاد فى سبيل الله، لقد هاجروا إلى المنصورة ليكونوا بين المجاهدين، ورغم أن العارف بالله أبا الحسن الشاذلى كان فى آخر حياته، وكان قد كف بصره، فانه كان فى مقدمة الذاهبين إلى المنصورة!!! ها هم أولئك العلماء الصوفية، أو الصوفية العلماء، بسمتهم الملائكى، وبايمانهم الذى لا يتزعزع يسيرون وسط الجند، يحثون ويشجعون، ويرشدون ويذكرون بالله، ويبشرون- كما وعد الله- باحدى الحسنيين: النصر أو الجنة.
وإذا لزم الامر عملوا بأيديهم مع العالمين.
ولقد كان مجرد سيرهم فى الحوارى والشوارع: تذكيرا بالنصر أو الجنة، وكان حفزا للهمم، وتثبيتا للايمان، وتأكيدا لصورة الجهاد الاسلامية التى قادها فى عصور الاسلام الاولى رسول الله صلوات الله عليه، وخلفاؤه الراشدون، رضوان الله عليهم ..
حتى إذا اطمأنوا إلى الأسباب والوسائل: المادية الظاهرة، والمعنوية الباطنة، اجتمع هؤلاء الاعلام فى خيمة من خيام المعسكر نعم فى خيمة من خيام المعسكر يتجهون إلى الله بصلاتهم ودعائهم، يلتمسون منه النصر، فاذا ما فرغوا من ذلك أخذوا يتدارسون كتابا من الكتب ...
وشغل أبو الحسن بأمر المسلمين، فكان ليله ونهاره مشغولا بالله فى أمرهم حتى إذا ما أخذته سنة من النوم ليلة من الليالى، رأى فيما يرى النائم، رؤى تتعلق بحالة المسلمين فى المنصورة ومن: الرؤيا التى حكاها كتاب «درة الاسرار» قال:
«قال الشيخ أبو الحسن: كنت بالمنصورة، فلما كانت ليلة الثامن من ذى الحجة، بت مشغولا بأمر المسلمين وبأمر الثغر، وقد كنت أدعو الله وأضرع إليه فى أمر السلطان والمسلمين.
стр. 161
فلما كان آخر الليل، رأيت فسطاطا واسع الأرجاء، عاليا فى السماء، يعلوه نور ويزدحم عليه خلق من أهل السماء، وأهل الأرض عنه مشغولون، فقلت:
لمن هذا الفسطاط؟
فقالوا:
لرسول الله ﷺ .
فبادرت إليه بالفرح، ولقيت على بابه عصابة من العلماء والصالحين نحوا من السبعين، أعرف منهم الفقيه عز الدين بن عبد السلام، والفقيه مجد الدين مدرس قوص، والفقيه الكماب بن القاضى صدر الدين والفقيه المحدث محيى الدين بن سراقة، والفقيه عبد الحكيم بن أبى الحوافز ومعهم رجلان لم أعرف أجمل منهما، غير أنى وقع لى ظن فى حالة الرؤيا: أنهما الفقيه زكى الدين عبد العظيم المنذرى المحدث والشيخ مجد الدين الاخميمى ...
وأردت أن أتقدم لرسول الله ﷺ ، فالزمت نفسى التواضع والادب مع الفقيه ابن عبد السلام وقلت: لا يصلح لك التقدم قبل عالم الامة فى هذا الزمان، فلما تقدم وتقدم الجميع، ورسول الله ﷺ يشير إليهم يمينا وشمالا:
أن اجلسوا وتقدمت، وأنا أبكى بالهم والفرح، أما الفرح، فمن أجل قربى لرسول الله ﷺ بالنسب، وأما الهم فمن أجل المسلمين والثغر، وهم، طلبى إليه ﷺ ، فمد يده حتى قبض على يدى، وقال:
لا تهتم كل هذا الهم من أجل الثغر، وعليك بالنصيحة لرأس الامر- يعنى السلطان- فان ولى عليهم ظالم فما عسى؟ وجمع اصابع يده الخمسة فى يده اليسرى كأنه يقلل المدة.
وان ولى عليهم تقى: «الله ولى المتقين» وبسيط يده اليمنى واليسرى.
وأما المسلمون فحسبك الله ورسوله وهؤلاء المؤمنون- أى العلماء والفقهاء والصالحون بالمجلس وقال:
стр. 162
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ.
وأما السلطان فيد الله مبسوطة عليه برحمته من والى أهل ولايته ونصح المؤمنين من عباده فانصحه واكتب له وقل فى الظالم عدو الله قولا بليغا:
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (سورة الروم الآية ٦٠) فقلت: نصرنا ورب الكعبة، وانتبهت، ونصر الله المسلمين نصرا مؤزرا، وأسر الملك لويس، وأسر الكثيرون من قواده، وأشاد الشعراء بهذا النصر.
ومن قصيدة مشهورة لابن مطروح نقتطف منها ما يلي: قال يخاطب لويس:
وكل أصحابك أودعتهم ... بحسن تدبيرك بطن الضريح
سبعون الفا لا يرى منهمو ... إلا قتيل أو أسير أو جريح
وقل لهم ان أزمعوا عودة ... لأخذ ثار أو لفعل قبيح
دار ابن لقمان على حالها ... والقيد باق والطواشى صبيح
стр. 163
الإمام أبو العباس المرسى وتفسيره
لم يكن أبو العباس معنيا بالحديث عن نفسه، ولم يكن مهتما بالتاريخ لحياته انه لم يتحدث عن اسرته، ولم يتحدث عن نفسه، ولم يشد بأفعاله، لقد فنى فى أبى الحسن، فلم يكن فى آفاقه فراغ للحديث عن نفسه، ثم فنى فى الدعوة إلى الله بعد أبى الحسن، فلم يكن فى آفاقه فراغ للحديث عن نفسه.
ويحدثنا التاريخ أنه ولد فى الاندلس «مرسية» التى ينسب إليها، ولد سنة- ٦١٦ هـ ١٢١٩ م، ويتصل نسبه بالانصار الذين أخبر رسول الله ﷺ أن حبهم من علامات الايمان، ان نسبه يتصل بسعد بن عبادة، سيد الخزرج.
ولد فى «مرسية» ونشأ بها، حيث كان والده يعمل فى التجارة، ويبدو أن حالة الوالد كانت من اليسر بحيث مكنته من ارسال ابنه إلى مؤدب لتعلم القرآن، والتفقه فى أمور الدين، يقول أبو العباس:- «كنت وأنا صبى، عند المؤدب، جاء رجل فوجدنى اكتب فى لوح، فقال الصوفى لا يسود بياضا، فقلت: ليس الأمر كما زعمت، ولكن لا يسود الصحائف بسود الذنوب».
هذه القصة تدل دلالة واضحة على ذكاء غير عادى، وعلى مهارة وفهم لا يوجدان فى المستوى العام، فى اطفال المكاتب، وترسم أيضا اتجاها إلى الصلاح، والتقوى منذ هذه السن المبكرة.
وعن بعض حوادثه مع المؤدب يقول: عمل إلى جانب دارنا خيال خيال الستار، وأنا اذ ذاك صبى فحضرته، فلما أصبحت اتيت إلى المؤدب، وكان من أولياء الله تعالى، فأنشد حين رآنى.
стр. 164
يا ناظرا صور الخيال تعجبا ... وهو الخيال بعينه لو أبصرا
فخجل أبو العباس، وعزم فى نفسه أن يأخذ فى حياته مسلك الجد.
وأعظم حادث فى حياة أبى العباس هو صلته بأبى الحسن الشاذلى وعن بدء هذه الصلة يقول: فلما نزلت بتونس، وكنت اتيت من «مرسية» - وأنا إذ ذاك شاب- سمعت بذكر الشيخ أبى الحسن الشاذلى، فقال لى رجل:
تمضى بنا إليه، فقلت حتى استخير الله فنمت تلك الليلة، فرأيت كأنى أصعد إلى رأس جبل، فلما علوت فوقه، رأيت هنالك رجلا، عليه برنس أخضر، وهو جالس، وعن يمينه رجل، وعن يساره رجل فنظرت إليه، فقال:
عثرت على خليفة الزمان، قال: فانتبهت.
فلما كان بعد صلاة الصبح، جاءنى الرجل الذى دعانى إلى زيارة الشيخ فسرت معه فلما دخلنا عليه، رأيته بالصفة التى رأيته بها فوق الجبل، فدهشت .. فقال لى: عثرت على خليفة الزمان، ما اسمك؟ فذكرت له اسمى، ونسبى، فقال لى:- رفعت لى منذ عشر سنين، وبهره أبو الحسن بهره بحديثه المنطلق، والهاماته المندفعة وسلوكه الربانى، فلازمه أبو العباس ملازمة المريد الصادق لشيخه العارف.
ورأى الشاذلى فيه فطرة طاهرة، ونفسا خيرة، واستعدادا طيبا، للاقبال على الله: فمنحه وده، وغمره بعنايته، وأخذ فى تربيته تربية تؤهله ليكون خليفة من بعده.
وحدث فى تونس سوء التفاهم بين الشاذلى، وقاضى القضاة ابن البراء، هذا الخلاف الذى سبق ان فصلناه فى كتابنا عن «المدرسة الشاذلية» وكانت نتيجته ان غادر الشاذلى تونس، ميمها شطر الديار المصرية، ورافقه فى هذا السفر جماعة كان على رأسهم أبو العباس.
стр. 165
واستمر أبو العباس مع الشاذلى يسير فى ضوء تربيته، ومنهج طريقه لا يحيد عنه قيد شعره إلى ان كانت وفاة الشاذلى.
لقد بشر الشاذلى بأنه سيموت ويدفن بأرض لم يعص الله عليها قط، فلما كان فى طريقه إلى الحج ووصل إلى حميثرة، وقد خيم الركب للمبيت جمع أصحابه وأوصاهم بأشياء وأوصاهم حزب البحر، وقال لهم: حفظوه لأولادكم، فإن فيه اسم الله الأعظم.
وخلا بأبى العباس وحده رضى الله عنهما وأوصاه بأشياء، واختصه بما اختصه الله به من البركات.
وقال لأصحابه: إذا أنامت فعليكم بأبى العباس المرسى: فإنه الخليفة من بعدى، وسيكون له بينكم مقام عظيم، وهو باب من أبواب الله سبحانه يقول صاحب كتاب درة الأسرار نقلا عن نجل الشيخ أبى الحسن: وبات تلك الليلة متوجها إلى الله سبحانه، ذاكرا، أسمعه يقول: الهى، الهى.
فلما كان السحر سكن فظننا أنه نام، فحركناه فوجدناه ميتا، ﵀.
واستدعينا سيدى أبا العباس المرسى، فغسله وصلينا عليه، ودفناه بحميثرة، وهذا الموضع ببرية عيذاب، فى واد على طريق الصعيد.
يقول صاحب «درة الأسرار» وقد شربت من مائها، وزرت ضريحه، ورأيت له البركات نفع الله به فى الدنيا والآخرة.
وقال: ولما دفناه، اختلف اصحابه فى الرجوع، أو التوجه، فقال لهم سيدى أبو العباس: الشيخ أمرنى بالحج ووعدنى بكرامات، وتوجهنا، ورأينا تهوينا، وبركات، ورجعنا فى صحبته.
... وظهر أبو العباس من بعد الشاذلى ظهورا عظيما، وظهرت له كرامات كثيرة على أنه كان يبدو واضحا من مواقف أبى الحسن مع أبى العباس ومن
стр. 166
حديثه عنه أنه: كان يعده للخلافة، بل لقد اقامه فيها بصورة تشبه أن تكون صريحة حينما استدعاه، وقال له: يا أبا العباس، تكلم بين الناس. فجلس فى جامع العطارين بالاسكندرية فعاصره بالكلام والتدريس والدعوة إلى الله عن اذنه وبأمر منه، وحمل أبو العباس لواء الدعوة إلى الله طيلة حياته متفانيا فيها، باذلا كل ما يستطيع فى سبيلها حتى انتهت به الحياة راضيا عن الله، مرضيا عنه من الله وكان ذلك فى الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة ٦٨٥ هـ- ١٢٨٧ م، وكان يبلغ تقريبا سبعين عاما، ﵀ رحمة واسعة.
ويروون له كرامات كثيرة منها على سبيل المثال: إن السلطان يعقوب، أمر بذبح دجاجة وخنق أخرى، وطبخها، وقدمها إليه، وجلس ليأكل معه، فلما نظر الشيخ أبو العباس إليهما، أمر الخادم برفع المخنوقة، وقال:
هذه جيفة، وقال: لولا تنجس الأخرى بالمرق النجس لأكلت منها، وقاله الشعرانى، قال المناوى، وقدم إليه رجل طعاما فيه شبهة يمتحنه فرده وقال كان الحاسبى، إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة ضرب عرق باصبعه فأنا فى يدى ستون عرقا تضرب.
ومن كراماته التى انفرد بها عن غالب الأولياء تسليكه لنحو ثلاثين قاضيا، وكان يقول للعرشى: ليس الشأن أن تسلك كل يوم ألفا من العوام، بل ان تسلك فقيها واحدا فى مائة عام.
وقال الشيخ حسن العدوى فى كتابه «شرح البردة البوصيرية».
قال بعضهم: صليت خلف الشيخ أبى العباس فشهدت الأنوار ملأت بدنه، وانبثقت من وجوده، حتى أنى لم استطع النظر إليه.
مات سنة ٦٨٦ هـ بالاسكندرية، ﵀ ا. هـ.
ومع ذلك فقبل ان ننتهى من الكرامات نقول انه رضى الله عنه كان يقول هذه الكلمة المخلصة.
«والله ما جلست حتى جعلت جميع الكرامات تحت سجادتى».
стр. 167
تفسير أبى العباس المرسى
لم يكتب أبو العباس المرسى تفسيرا للقرآن، يبتدئ فيه من أوله وينتهى فيه بنهايته، ولم يكتب مريدوه وتلاميذه تفسيره ولم يجعلوا له تفسيرا، وإنما اكتفوا بأن تفسيره مبثوث هنا وهنالك فى كتب الشاذلية.
وننقل هنا بعض نماذج من هذا التفسير الذى يسير فيه- طبيعيا- على المنهج الصوفى، ففي سورة الفاتحة أم الكتاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
(سورة الفاتحة أم الكتاب) قال الله سبحانه: الحمد الله رب العالمين:
قال الشيخ رضى الله عنه: علم الله عجز خلقه عن حمده، فحمد نفسه بنفسه فى آزاله فلما خلق الخلق اقتضى منهم ان يحمدوه بحمده، فقال الحمد لله رب العالمين، أى قولوا الحمد الله رب العالمين، أى أن الحمد الله الذى حمد نفسه بنفسه، هو له لا ينبغى أن يكون لغيره، فعلى هذا تكون الألف واللام للعهد.
يقول ابن عطاء الله: وسمعته يقول فى قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
إياك نعبد، شريعة.
стр. 168
وإياك نستعين، حقيقة.
إياك نعبد، إسلاما.
وإياك نستعين، احسانا.
إياك نعبد، عباده.
وإياك نستعين، عبودية.
إياك نعبد، فوق.
وإياك نستعين، جمع.
ثم قال : «اهدنا الصراط المستقيم».
فقال الشيخ رضى الله عنه: بالتثبيت فيما هو حاصل، والارشاد لما ليس بحاصل وهذا الجواب ذكره ابن عطية فى تفسيره، وبسطه الشيخ رضى الله عنه، فقال: عموم المؤمنين يقولون:
اهدنا الصراط المستقيم، أى بالتثبيت فيما هو حاصل والارشاد لما ليس بحاصل، فإنهم حصل لهم التوحيد، وفاتهم درجات الصالحين.
فيما هو حاصل، والارشاد لما ليس بحاصل، فإنه قد حصل له رتبة القطبانية، وفاته علم إذا شاء الله ان يطلعه عليه، اطلعه.
٢ - قال الله تعالى:
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا.
(سورة الإسراء الآية ١) ولم يقل بنبيه ولا برسوله وهو نبيه ورسوله، وإنما كان كذلك لأنه أراد أن يفتح باب السريان للاتباع، فاعلمنا بأن الاسراء، من بساط العبودية، فالنبى ﷺ كان له كمال العبودية فكان له كمال الإسراء، اسرى بروحه وجسمه وظاهره وباطنه.
стр. 169
فالأولياء لهم قسط من العبودية، فلهم قسط من الاسراء، يسرى بأرواحهم لا بأشباحهم.
٣ - يقول الله تعالى:
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
(سورة الحشر الآية ٢١) قال رضى الله عنه فى هذه الآية: مدح لسيد المرسلين ﷺ ، أى أن هذا القرآن لا تثبت له الجبال لو أنزل عليها، وأنت يا محمد ثبت لنزوله بالقوة الربانية، التى أودعناها فيك.
وفيها ذم للكافرين، أى أن هذا القرآن لو أنزل على جبل لخشع وتصدع، وأنتم ما خشعتم ولا تصدعتم.
стр. 170
أبو حيان الأندلسى وتفسيريه (البحر المحيط) و (النهر الماد)
مفسر العصر ومحدثه ومؤرخه واديبه والإمام المطلق فى النحو والتصريف الإمام أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن على بن يوسف بن حيان الأندلسى الغرناطى.
ولد بمطخشارش بالقرب من غرناطة آخر شوال سنة اربع وخمسين وستمائة.
بدأ أبو حيان حياته بالقرآن الكريم حفظا ودراسة فقرأه على الخطيب عبد الحق بن على افرادا وجمعا ثم على الخطيب أبى جعفر بن الطباع، ثم على الحافظ أبى على بن أبى الأحوص بمالقة والم ﵀ بالقراءات صحيحها وشاذها.
وقد حببت إليه الرحلة لطلب العلم فكانت رحلاته ببلاد الاندلس وحواضرها المشهورة ومواطن العلم والعلماء فى ذلك الوقت فسمع الحديث بالأندلس وافريقيا والاسكندرية ومصر والحجاز من نحو اربعمائة وخمسين شيخا منهم أبو الحسن بن ربيع وابن الأحوص والقطب العسكلانى وأجاز له خلق من المشرق والمغرب منهم
الشرف الدمياطى وابن دقيق العيد وغيرهم الكثير.
ويقول ابن العماد فى شذرات الذهب:
واكب- أبو حيان- على طلب الحديث واتقنه وشرع فيه وفى التفسير والعربية والقراءات والادب والتاريخ واشتهر اسمه وطار صيته وأخذ عنه أكابر عصره وتقدموا فى حياته كالشيخ تقى الدين السبكى وولديه والجمال الاسنوى وابن قاسم وابن عقيل والسمين وناظر الجيش وابن مكتوم وخلائق.
стр. 171
وقال الصفدى:
لم اره قط إلا يسمع أو يشتغل أو يكتب، أو ينظر فى كتاب وكان ثباتا عارفا باللغة وأما النحو والتصريف فهو الإمام المطلق فيهما خدم هذا الفن أكثر عمره حتى صار لا يدركه أحد فى اقطار الأرض فيهما وله اليد الطولى فى التفسير والحديث وتراجم الناس، ومعرفة طبقاتهم خصوصا المغاربة واقرأ الناس قديما وحديثا، الحق الصغار بالكبار، وصارت تلامذته أئمة وشيوخا فى حياته.
ومما يذكر عن سبب رحلته ما نقله السيوطى قائلا:
«ورأيت فى كتابة النضار الذى ألفه فى ذكر مبدئه واشتغاله وشيوخه ورحلته: أن مما قوى عزمه على الرحلة عن غرناطة ان بعض العلماء بالمنطق والفلسفة والرياضة والطبيعة قال للسلطان فى ذلك الوقت- إنى قد كبرت وأخاف أن اموت، فأرى ان ترتب لى طلبة اعلمهم هذه العلوم لينتفعوا من بعدى، قال أبو حيان: فأشير إلى أن أكون من أولئك وترتب لى جيد وكسوة واحسان فتمنعت ورحلت مخافة أن اكره على ذلك».
ومما يذكر لأبى حيان ما قاله عنه الأدفوي وهو:- ( ... كان ثبتا صدوقا سالم العقيدة من البدع الفلسفية والاعتزال والتجسيم ... كثير الخشوع والبكاء عند قراءة القرآن، وكان شيخا طوالا حسن النفحة مليح الوجه ظاهر اللون مشربا بحمرة منور الشيبة كبير اللحية مسترسل الشعر).
مؤلفاته
:- وقد كثرت مؤلفات أبى حيان كثرة فائقة نذكر منها:
البحر المحيط والنهر الماد وهما تفسيران مطول ومختصر سنتحدث عنهما.
إتحاف الاريب بما فى القرآن من الغريب.
والتذييل والتكميل فى شرح التسهيل.
стр. 172
ومطول الارتشاف ومختصره مجلدان- قيل عنهما-: لم يؤلف فى العربية أعظم من هذين الكتابين ولا أجمع ولا احصى للخلاف والأحوال. وغير ذلك الكثير.
شعره
:- ولأبى حيان شعر جيد يجعله فى عداد الحكماء نذكر منه قوله:
عداى لهم فضل على ومنة ... فلا اذهب الرحمن عنى الأعاديا
همو بحثوا عن زلتى فاجتنبتها ... وهم نافسونى فاكتسبت المعاليا
هذا وقد انتهت بأبى حيان الحياة بعد عمر مديد فى خدمة القرآن وعلومه وكانت وفاته بمصر سنة خمس وأربعين وسبعمائة للهجرة فرحم الله أبا حيان ورضى عنه وجزاه خير الجزاء.
стр. 173
تفسير أبى حيان البحر المحيط، والنهر الماد- ومنهجه فيهما
لقد شغل أبو حيان زمنا مديدا بخدمة القرآن وعلوم اللغة حتى قارب الستين من عمره ثم تفرغ لتفسير القرآن بعد أن حصل ادوات المفسر العالم الذى أدرك ما به سعادته الأبدية.
يقول أبو حيان فى مقدمة البحر المحيط.
وبعد: فإن المعارف جمة، وهى كلها مهمة، وأهمها ما به الحياة الأبدية، والسعادة السرمدية، وذلك علم كتاب الله هو المقصود بالذات، وغيره من العلوم كالادوات، هو العروة الوثقى، والوزر الأوفى الأقوى، والحبل المتين والصراط المستقيم- وما زال يختلج فى ذكرى ويلح فى فكرى أنى إذا بلغت الأمد الذى يتفضض فيه الأديم، ويتنغص برؤيتى النديم، وهو العقد الذى يحل عرى الشباب المقول فيه: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وأيا الشراب، الوذ بجانب الرحمن واقتصر على النظر فى تفسير القرآن، فأتاح الله لى ذلك قبل بلوغ العقد وبلغنى ما كنت أروم من ذلك القصد .. وكان ذلك فى أواخر سنة عشر وسبعمائة وهى أول سنة سبع وخمسين من عمرى، فعكفت على تصنيف هذا الكتاب .. فكم حوى من لطيفة فكرى مستخرجها ومن غريبة ذهنى منتجها، تحصلت بالعكوف على علم العربية ..
وقد ذكر أبو حيان فى مقدمته على البحر المحيط منهجه فى هذا السفر الضخم الذى يقع فى ثمانى مجلدات كبيرة ينتفع بها الباحثون فى علوم القرآن على وجه العموم والباحثون فى علوم اللغة من نحو وصرف على وجه الخصوص يقول:- وترتيبى فى هذا الكتاب: أنى ابتدأت أولا بالكلام على مفردات الآية
стр. 174
التى افسرها لفظة لفظة فيما يحتاج إليه من اللغة والاحكام النحوية التى لتلك اللفظة قبل التركيب، وإذا كان للكلمة معنيان او معان ذكرت ذلك فى أول موضع فيه تلك الكلمة لينظر ما يناسب لها من تلك المعانى فى كل موضع تقع فيه فيحمل عليه.
ثم أشرع فى تفسير الآية ذاكرا سبب نزولها إذا كان لها سبب ونسخها ومناسبتها وارتباطها بما قبلها حاشدا فيها القراءات شاذها ومستعملها ذاكرا توجيه ذلك فى علم العربية ناقلا أقاويل السلف والخلف فى فهم معانيها.
متكلما على جليها وخفيها بحيث أنى لا اغادر منها كلمة وان اشتهرت حتى اتكلم عليها مبديا ما فيها من غوامض الاعراب ودقائق الأدب من بديع وبيان مجتهدا أنى لا أكرر الكلام فى لفظ سبق فى جملة تقدم الكلام عليها ولا فى أية فسرت بل اذكر فى كثير منها الحوالة على الموضع الذى تكلم فيه على تلك اللفظة أو الجملة أو الآية، وأن عرض تكرير فمزيد فائدة ناقلا أقاويل الفقهاء الأربعة وغيرهم فى الأحكام الشرعية مما فيه تعلق باللفظ القرآنى محيلا على الدلائل التى فى كتب الفقه، وكذلك ما نذكره من القواعد النحوية أجيل فى تقريرها والاستدلال عليها على كتب النحو، وربما اذكر الدليل إذا كان الحكم غريبا أو خلاف مشهور ما قال معظم الناس بادئا بمقتضى الدليل وما دل عليه ظاهر اللفظ مرجحا له لذلك ما لم يصد عن الظاهر ما يجب اخراجه به عنه منكبا فى الاعراب عن الوجوه التى تنزه القرآن عنها مبينا أنه مما يجب أن يعدل عنه وأنه ينبغى أن يعدل إلى أحسن اعراب وأحسن تركيب إذ كلام الله تعالى افصح الكلام فلا يجوز فيه جميع ما يجوزه النجاة فى شعر الشماخ والطرماح وغيرهما من سلوك التقارير البعيدة والتراكيب القلقة والمجازات المعقدة، ثم اختتم الكلام فى جملة من الآيات التى فسرتها افرادا وتركيبا بما ذكروا فيها من علم البيان والبديع ملخصا. ثم اتبع آخر الآيات بكلام منثور أشرح به مضمون تلك الآيات على ما اختاره من تلك المعانى ملخصا جملها فى أحسن تلخيص، وقد ينجر معها ذكر معان لم تتقدم فى التفسير، وصار ذلك نموذجا
стр. 175
لمن يريد أن يسلك فيما بقى من سائر القرآن وستقف على هذا المنهج الذى ذكرته إن شاء الله ... الخ.
ويقول أبو حيان عن منهجه فى تفسيره الثانى المسمى:
(النهر الماد) والمطبوع بهامش البحر المحيط:
وبعد: فإنى لما صنفت كتابى الكبير المسمى بالبحر المحيط فى علم التفسير عجز عن قطعه- لطوله- السبائح، وتفلت له عن اقتناصه البارح منه والسائح، فأجريت منه نهرا تجرى عيونه، وتلتقى بأبكاره فيه عيونه لينشط الكسلان فى اجتلاء جماله، ويرتوى الظمآن بارتشاف زلاله وربما نشأ فى هذا النهر ما لم يكن فى البحر، وذلك لتجدد نظر المستخرج للآلية المبتهج بالفكرة فى معانيه، وما اخليته من أكثر ما تضمنه البحر من نقوده، بل اقتصرت على يواقيت عقوده، ونكبت فيه عن ذكر ما فى البحر من أقوال اضطربت بها الحجة واعراب متكلف تعاصرت عنه خججه، وتفكيك اجزاء يخرج بها الكلام عن براعته ويتجرد من فاخر بلاغته ونصاعته، وهذا النهر مده من بحر ليس له جزر فيعسر وروده على من حظه فى النحو نزر، لأن ادراك عويص المعانى مرتب على تقدم معرفة المبانى:
ولما اثرت در هذا النهر من بحره، ونثرت حليه على مفرق الزمان وجيده ونحوه: سميته بالنهر الماد من البحر، والله أسأل أن يعيننا على ذلك- ويلطف بنا فى الدارين هنا وهناك.
стр. 176
نموذج من تفسيريه البحر المحيط، والنهر الماد (أولا: من البحر المحيط):
فى قوله تعالى:
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ لما ذكر تعالى- فى الآية السابقة- أن لكل وجهة يتولاها أمر نبيه أن يولى وجهه شطر المسجد الحرام من أى مكان خرج لان قوله:
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها- فَوَلِّ وَجْهَكَ.
ظاهره أنه أمر له باستقبال الكعبة وهو مقيم بالمدينة فبين بهذا الأمر الثانى تساوى الحالين اقامه وسفرا فى أنه مأمور باستقبال البيت الحرام ثم عطف عليه.
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
ليبين مساواتهم له فى ذلك أى فى حال السفر والأولى فى حال الإقامة، وقرأ عبد الله بن عمير (ومن حيث) بالفتح فتح تخفيف، وقد تقدم القول فى حيث فى قوله (وحيث ما).
وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ.
هذا اخبار من الله تعالى بأن استقبال هذه القبلة هو الحق أى الثابت الذى لا يعرض له نسخ ولا تبديل، وفى الأول قال:
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.
стр. 177
حيث كان الكلام مع سفهائهم الذين اعترضوا فى تحويل القبلة فرد عليه بأشياء منها:
إن علماء هم يعلمون أن تحويل القبلة حق من عند الله، وختم آخر هذه الآية بما ختم به آخر تلك من قوله:
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
(سورة البقرة الآية ١٤٤) فى امتثال هذا التكليف العظيم الذى هو التحويل من جهة إلى جهة- وذلك هو محض التعبد فالجهات كلها بالنسبة إلى البارى تعالى مستوية فكونه خصها باستقبال هذه زمانا. ونسخ ذلك باستقبال جهة اخرى متأيدة لا يظهر فى ذلك فى بادئ الرأى إلا أنه تعبد محض فلم يبق فى ذلك إلا امتثال ما أمره الله به فأخبره تعالى أنه لا يغفل عن أعمالكم- بل هو المطلع عليها المجازى بالتواب من امتثل أمره- وبالعقاب من خالفه.
وجاء فى قوله (الحقّ من ربّك) - فى المكانين- وفى قوله: (وما الله) - فى المكانين- فحيث نبه على استدلال حكمته بالنظر إلى أفعاله ذكر الرب المقتضى للنعم، لينظر منها إلى النعم ونستدل بها عليه ولما انتهى إلى ذكر الوعيد ذكر لفظ الله المقتضى للعبارة التى من أخل بها استحق اليم العذاب ...
ويقول أبو حيان فى تفسيره الآية السابقة فى النهر الماد:
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ لما امر باستقبال الكعبة وهو ﵇ مقيم بالمدينة بين تساوى الحالين فى الإقامة والسفر وبين بقوله: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ تساوى جهاتهم وحاله ﵇ فى ذلك- وختم هذه الآية بما ختم تلك الآية السابقة مبالغة فى امتثال هذا التكليف العظيم الذى هو تحويل من جهة إلى جهة وهو تعبد محض.
стр. 178
البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن لابن الزملكانى
إن الذين يكتبون عن زوايا من إعجاز القرآن يتعرضون تعرضا عميقا لتفسيره فى كثير من آياته، وهم فى ذلك مفسرون من أعلى طبقات المفسرين.
ومن هؤلاء كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكانى المتوفى سنة ٦٥١ هـ صاحب كتاب: «البرهان» الكاشف عن أعجاز القرآن، الذى نشرته مديرية الأوقاف بالعراق بتحقيق نفيس قامت به الدكتورة خديجة الحديثى والدكتور أحمد مطلوب.
والزملكانى نسبة إلى زملكان بدمشق.
وقد درس حتى أصبح اماما من أئمة اللغة والأدب ووصل به أمر الوظائف إلى أن تولى القضاء، وهذا يدل على أنه مع ضربه بسهم نافذ فى الأدب فإنه انغمس أيضا فى الفقه فكان له قدم فيه ..
وقد كتب عدة كتب منها:- ١ - التبيان.
ولقد اهتم مؤلفنا بإعراب القرآن الكريم، فكتب كتاب:
٢ - المفيد فى إعراب القرآن المجيد.
٣ - الخصائص النبوية على أن كتب صاحب البرهان تدل على أنه اهتم اهتماما كاملا بالسيرة النبوية الشريفة فألف فيها كتاب «الخصائص النبوية».
ولقد اجتذبت الخصائص النبوية كثيرا من المؤلفين، منهم الإمام السيوطى الذى كتب كتابا ضخما فى الخصائص، وهو كتاب نفيس ...
стр. 179
ويؤلف المؤلفون أيضا فى الخصائص تحت عنوان «الشمائل».
ومن اشهر الكتب فى ذلك كتاب «الشمائل» للترمذى.
وعنه يقول صاحب شذرات الذهب:
ابن الزملكانى العلامة كمال الدين عبد الواحد بن خطيب زملكا أبو محمد عبد الكريم بن خلف الأنصارى السماكى الشافعى صاحب علم المعانى والبيان، كان قوى المشاركة فى فنون العلم خيرا متميزا ذكيا سريا ولى قضاء صرخد، ودرس مدة ببعلبك، وله نظم رائق، وهو جد الكمال الزملكانى المشهور، واسطة عقد البيت، وتوفى عبد الواحد فى المحرم بدمشق وكان له ولد يقال له أبو الحسن على، إمام جليل، وافر الحرمة، حسن الشكل، درس بالامينية وتوفى فى ربيع الأول سنة تسعين وستمائة، وقد نيف على الخمسين.
وفيه يقول صاحب طبقات الشافعية:
عبد الواجد بن عبد الكريم بن خلف: الشيخ كمال الدين أبو المكارم، ابن خطيب زملكا.
قال أبو شامة: كان عالما خيرا متميزا فى علوم عدة، ولى القضاء بصرخد، ودرس ببعلبك.
قلت: وهو جد الشيخ كمال الدين محمد بن على بن عبد الواحد الزملكانى، وكانت له معرفة تامة بالمعانى والبيان، وله فيهما مصنف، وله شعر حسن، توفى فى المحرم بدمشق سنة احدى وخمسين وستمائة ..
ومع كثرة خوضه فى التفسير وفى الفقه، ومع كونه كان قاضيا معروفا فإن نزعة الأدباء إلى الشعر خصوصا من كانت عنده الوهبة، قد غلبت عليه، فكان يقول شعرا، بل كان يبدأ كعادة الشعراء قصائده بغزل فى غاية العذوبة، وفى بعض قصيدة له يقول:
أطرفك ام هاروت يعقد لى سحرا ... أريقك أم طالوت يعصر لى خمرا
стр. 180
وما العيش إلا أن أرى لك عاشقا ... وما الموت إلا أن تعذبنى هجرا
جمالك يكسو كل حسن ملاحة ... ومنطقك الاسماع يملؤها درا
عذارك لام كل صدفك صاده ... ولا غروان تضحى العيون به سهرى
وفى فيك أم عقد اللآلى منظم ... فكان ظلام الليل فى ضوئه ظهرا
أليس ببدع أن تصيد قلوبنا ... وأن تكثر القتلى وأن ترخص الأسرى
وكان يقول الشعر فى المدح، ومن قصيدة له فى مدح الوزير أبى الحسن على الأمين:-
أسد فريسته أغاثه مدنف ... أخنى عليه الدهر فى تجواله
جبل على الأبطال عند نزالهم ... يا ويح من يدعى ليوم نزاله
السعد فى نظراته، والموت فى ... سطواته، والفضل فى أفعاله
عجبا أبا الحسن الوزير غضنفر ... والخائفون امانهم بظلاله
أبت المكارم أن تجود لدهرها ... بمثاله، ولغيره بخصاله
الصاحب الندب الجواد ومن له ... شرف بمحتده وحسن فعاله
ومما ذكره الدكتور أحمد مطلوب من أهم آرائه التى عرضها فى البرهان ما يلي:
١ - اختار الرأى القائل بأن البسملة من الفاتحة.
٢ - رد على أبى هلال العسكرى فى تعريف البلاغة وقال: ان الفصاحة من عوارض الألفاظ مع ملاءمة المعنى، والبلاغة من عوارض المعانى وهو تكميل المعنى باللفظ الذى يفهمه من قولهم (بلغ كذا) إذا انتهى إليه، فإن اللفظ إذا كمل معناه أوصله إلى القلب .. أو أنه من (بلغ الشيء فى نفسه) إذا انتهى نهايته، وبلغ حده ..
٣ - ذهب إلى ان ألم تر؟ بمنزلة: «هل رأيت»؟ وذكر الادلة على ذلك.
٤ - أنكر الترادف بين الألفاظ غير القديمة، وأن من ادعى لها قدما فقد
следующие страницы →