← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38093

مناهج المفسرين

منيع عبد الحليم محمود

Полный текст (363 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

نموذج من تفسيريه البحر المحيط، والنهر الماد (أولا: من البحر المحيط): فى قوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ لما ذكر تعالى- فى الآية السابقة- أن لكل وجهة يتولاها أمر نبيه أن يولى وجهه شطر المسجد الحرام من أى مكان خرج لان قوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها- فَوَلِّ وَجْهَكَ. ظاهره أنه أمر له باستقبال الكعبة وهو مقيم بالمدينة فبين بهذا الأمر الثانى تساوى الحالين اقامه وسفرا فى أنه مأمور باستقبال البيت الحرام ثم عطف عليه. وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ. ليبين مساواتهم له فى ذلك أى فى حال السفر والأولى فى حال الإقامة، وقرأ عبد الله بن عمير (ومن حيث) بالفتح فتح تخفيف، وقد تقدم القول فى حيث فى قوله (وحيث ما). وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. هذا اخبار من الله تعالى بأن استقبال هذه القبلة هو الحق أى الثابت الذى لا يعرض له نسخ ولا تبديل، وفى الأول قال: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.

стр. 177

حيث كان الكلام مع سفهائهم الذين اعترضوا فى تحويل القبلة فرد عليه بأشياء منها: إن علماء هم يعلمون أن تحويل القبلة حق من عند الله، وختم آخر هذه الآية بما ختم به آخر تلك من قوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. (سورة البقرة الآية ١٤٤) فى امتثال هذا التكليف العظيم الذى هو التحويل من جهة إلى جهة- وذلك هو محض التعبد فالجهات كلها بالنسبة إلى البارى تعالى مستوية فكونه خصها باستقبال هذه زمانا. ونسخ ذلك باستقبال جهة اخرى متأيدة لا يظهر فى ذلك فى بادئ الرأى إلا أنه تعبد محض فلم يبق فى ذلك إلا امتثال ما أمره الله به فأخبره تعالى أنه لا يغفل عن أعمالكم- بل هو المطلع عليها المجازى بالتواب من امتثل أمره- وبالعقاب من خالفه. وجاء فى قوله (الحقّ من ربّك) - فى المكانين- وفى قوله: (وما الله) - فى المكانين- فحيث نبه على استدلال حكمته بالنظر إلى أفعاله ذكر الرب المقتضى للنعم، لينظر منها إلى النعم ونستدل بها عليه ولما انتهى إلى ذكر الوعيد ذكر لفظ الله المقتضى للعبارة التى من أخل بها استحق اليم العذاب ... ويقول أبو حيان فى تفسيره الآية السابقة فى النهر الماد: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ لما امر باستقبال الكعبة وهو ﵇ مقيم بالمدينة بين تساوى الحالين فى الإقامة والسفر وبين بقوله: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ تساوى جهاتهم وحاله ﵇ فى ذلك- وختم هذه الآية بما ختم تلك الآية السابقة مبالغة فى امتثال هذا التكليف العظيم الذى هو تحويل من جهة إلى جهة وهو تعبد محض.

стр. 178

البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن لابن الزملكانى إن الذين يكتبون عن زوايا من إعجاز القرآن يتعرضون تعرضا عميقا لتفسيره فى كثير من آياته، وهم فى ذلك مفسرون من أعلى طبقات المفسرين. ومن هؤلاء كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكانى المتوفى سنة ٦٥١ هـ صاحب كتاب: «البرهان» الكاشف عن أعجاز القرآن، الذى نشرته مديرية الأوقاف بالعراق بتحقيق نفيس قامت به الدكتورة خديجة الحديثى والدكتور أحمد مطلوب. والزملكانى نسبة إلى زملكان بدمشق. وقد درس حتى أصبح اماما من أئمة اللغة والأدب ووصل به أمر الوظائف إلى أن تولى القضاء، وهذا يدل على أنه مع ضربه بسهم نافذ فى الأدب فإنه انغمس أيضا فى الفقه فكان له قدم فيه .. وقد كتب عدة كتب منها:- ١ - التبيان. ولقد اهتم مؤلفنا بإعراب القرآن الكريم، فكتب كتاب: ٢ - المفيد فى إعراب القرآن المجيد. ٣ - الخصائص النبوية على أن كتب صاحب البرهان تدل على أنه اهتم اهتماما كاملا بالسيرة النبوية الشريفة فألف فيها كتاب «الخصائص النبوية». ولقد اجتذبت الخصائص النبوية كثيرا من المؤلفين، منهم الإمام السيوطى الذى كتب كتابا ضخما فى الخصائص، وهو كتاب نفيس ...

стр. 179

ويؤلف المؤلفون أيضا فى الخصائص تحت عنوان «الشمائل». ومن اشهر الكتب فى ذلك كتاب «الشمائل» للترمذى. وعنه يقول صاحب شذرات الذهب: ابن الزملكانى العلامة كمال الدين عبد الواحد بن خطيب زملكا أبو محمد عبد الكريم بن خلف الأنصارى السماكى الشافعى صاحب علم المعانى والبيان، كان قوى المشاركة فى فنون العلم خيرا متميزا ذكيا سريا ولى قضاء صرخد، ودرس مدة ببعلبك، وله نظم رائق، وهو جد الكمال الزملكانى المشهور، واسطة عقد البيت، وتوفى عبد الواحد فى المحرم بدمشق وكان له ولد يقال له أبو الحسن على، إمام جليل، وافر الحرمة، حسن الشكل، درس بالامينية وتوفى فى ربيع الأول سنة تسعين وستمائة، وقد نيف على الخمسين. وفيه يقول صاحب طبقات الشافعية: عبد الواجد بن عبد الكريم بن خلف: الشيخ كمال الدين أبو المكارم، ابن خطيب زملكا. قال أبو شامة: كان عالما خيرا متميزا فى علوم عدة، ولى القضاء بصرخد، ودرس ببعلبك. قلت: وهو جد الشيخ كمال الدين محمد بن على بن عبد الواحد الزملكانى، وكانت له معرفة تامة بالمعانى والبيان، وله فيهما مصنف، وله شعر حسن، توفى فى المحرم بدمشق سنة احدى وخمسين وستمائة .. ومع كثرة خوضه فى التفسير وفى الفقه، ومع كونه كان قاضيا معروفا فإن نزعة الأدباء إلى الشعر خصوصا من كانت عنده الوهبة، قد غلبت عليه، فكان يقول شعرا، بل كان يبدأ كعادة الشعراء قصائده بغزل فى غاية العذوبة، وفى بعض قصيدة له يقول: أطرفك ام هاروت يعقد لى سحرا ... أريقك أم طالوت يعصر لى خمرا

стр. 180

وما العيش إلا أن أرى لك عاشقا ... وما الموت إلا أن تعذبنى هجرا جمالك يكسو كل حسن ملاحة ... ومنطقك الاسماع يملؤها درا عذارك لام كل صدفك صاده ... ولا غروان تضحى العيون به سهرى وفى فيك أم عقد اللآلى منظم ... فكان ظلام الليل فى ضوئه ظهرا أليس ببدع أن تصيد قلوبنا ... وأن تكثر القتلى وأن ترخص الأسرى وكان يقول الشعر فى المدح، ومن قصيدة له فى مدح الوزير أبى الحسن على الأمين:- أسد فريسته أغاثه مدنف ... أخنى عليه الدهر فى تجواله جبل على الأبطال عند نزالهم ... يا ويح من يدعى ليوم نزاله السعد فى نظراته، والموت فى ... سطواته، والفضل فى أفعاله عجبا أبا الحسن الوزير غضنفر ... والخائفون امانهم بظلاله أبت المكارم أن تجود لدهرها ... بمثاله، ولغيره بخصاله الصاحب الندب الجواد ومن له ... شرف بمحتده وحسن فعاله ومما ذكره الدكتور أحمد مطلوب من أهم آرائه التى عرضها فى البرهان ما يلي: ١ - اختار الرأى القائل بأن البسملة من الفاتحة. ٢ - رد على أبى هلال العسكرى فى تعريف البلاغة وقال: ان الفصاحة من عوارض الألفاظ مع ملاءمة المعنى، والبلاغة من عوارض المعانى وهو تكميل المعنى باللفظ الذى يفهمه من قولهم (بلغ كذا) إذا انتهى إليه، فإن اللفظ إذا كمل معناه أوصله إلى القلب .. أو أنه من (بلغ الشيء فى نفسه) إذا انتهى نهايته، وبلغ حده .. ٣ - ذهب إلى ان ألم تر؟ بمنزلة: «هل رأيت»؟ وذكر الادلة على ذلك. ٤ - أنكر الترادف بين الألفاظ غير القديمة، وأن من ادعى لها قدما فقد

стр. 181

زل قدما وسيعض بنانه يوم القيامة ندما، كيف والقديم واجب الوجود لذاته لا يقبل العدم، ولا يوصف بحلول فى صدور البشر، ولا يلحن أحد فيه بلسان أو قلم، ولا يضاف إلى لغة عرب ولا عجم .. والنموذج الذى نذكره مكون فى الواقع من عدة نماذج، فهو نص يتضمن عدة نصوص يتحدث فيه المؤلف من: «أسباب التقديم والتأخير فى الآيات القرآنية». يقول: التقدم فى اللسان تبع للتقدم فى الجنان، على ما سنين أن الألفاظ تبع للمعانى والمعانى تتقدم باعتبارات خمسة: الاول: تقدم العلة والسببية على المعلول والسبب، كتقديم المضيء على الضوء، وليس تقدما بالزمان لأن جرم الشمس ينفك عن الضوء. الثانى: التقدم بالذات كالواحد مع الاثنين، وليس الواحد علة لوجود الاثنين بخلاف القسم الأول. الثالث: بالشرف كتقدم الأنبياء ﷺ على الاتباع، والعالم على الجاهل .. الرابع: بالرتبة، كتقدم الإمام على الماموم، والجنس الأعلى على ما تحته إذا جعل مبدأ .. الخامس: بالزمان، كالأبعد من الآن مع الاقرب إليه، ومنه تقدم الوالد على الولد، فإن الوالد وجد فى زمان لم يكن فيه الولد موجودا .. فما كان من المعانى مقدما على غيره بأحد هذه الاعتبارات أو بأكثرها كان فى العبارة كذلك .. ومن التقدم بالزمان: «وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم». ومنه: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ. (سورة الانعام الآية ١).

стр. 182

فإن الظلمة سابقة على النور فى الإحساس، وكذلك الظلمة المعنوية سابقة على النور الوالد يؤيده قوله ﷺ : «إن الله خلق خلقه فى ظلمة ثم صب عليهم من نوره، فمن اصابه من ذلك النور اهتدى، ومن اخطأ ضل». ومنه قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ. فانتفاء العلم ظلمة، وهى متقدمة بالزمان على نور الادراكات .. وقوله تعالى: «فى ظلمات ثلاث» إشارة إلى ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة .. وقيل: ظلمة الصلب والرحم والبطن .. فهذه ظلمات ثلاث محسة. وفى الآية الأولى: ظلمات ثلاث معقولة: فقد السمع والبصر والفهم ... ومن التقدم بالذات قوله تعالى: «مثنى وثلاث ورباع». ونحوه: «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم» .. الآية، وكذلك مراتب العدد، فكل مرتبه هى ادنى من الأخرى، فهى متقدمة على ما فوقها. ومن التقدم بالسببية «العزيز» على «الحكيم»، لأنه إذا عز حكم. ومنه: «يحب التوابين ويحب المتطهرين»، فإن التوبة سبب للطهارة .. وكذلك: «كل افاك اثيم» فإن الافك سبب للإثم، وكذلك «معتد اثيم».

стр. 183

ومن التقدم بالرتبة قوله تعالى: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ (سورة الحج الآية ٢٧) فإن الذين يأتون رجالا الغالب انهم يكونون من المكان القريب، والاتيان على الضامر ان يكون من مكان بعيد على أنه قد ورد عن ابن عباس (رضى الله عنهما): «وددت أنى لو حججت راجلا، فإن الله قدم الرجالة على الركبان فى القرآن». فجعله من باب التقدم بالفضيلة والشرف، والمعنيان موجودان عند كثير من العلماء .. وقوله تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. (سورة ن الآية ١١) وذلك لا يفتقر إلى مشى بخلاف النميمة فإنها نقل للحديث من مكان إلى مكان عن شخص إلى شخص. ومن التقدم بالشرف قوله عز وعلا: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. (سورة المائدة الآية ٦) فإن الوجه اشرف بالنسبة إلى أعضاء البدن، واليدان اشرف باعتبار الأعمال، والبدن سابق على عمله، والرأس اشرف من الرجلين لاشتماله على

стр. 184

القوى الدراكة وهى القوى المدركة والحافظة والحافظة، وذلك من عالم الغيب لا من عالم الشهادة .. فلا جرم تأخر عن الوجه واليدين إذ قواهما تظهر- فى عالم المشاهدة من الابصار والذوق والنطق .. ومن التقدم بالشرف قوله تعالى: «من النبيين والصديقين» .. ومنه تقديم السمع على البصر، وسميع على بصير، لأن السمع يدرك أخبار الأوائل والأواخر واحكام الآخرة .. وأيضا يدرك ما غاب وحضر، والبصر إنما يتعلق بالحاضر فكان ادراك السمع أعم، والأعم ابدا قبل الأخص بالرتبة .. وقد جعل تقديم الجن على الانس من التقديم بالشرف لاشتمال الجن على الملائكة، وقال سبحانه: «وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا». وقال الأعشى: وسخر من جن الملائك سبعة قياما لديه يعملون بلا أجر ونحوه قوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. (سورة الرحمن الآية ٧٤). وقوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ .. (سورة الرحمن الآية ٣٩) وقوله تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً. (سورة الجن الآية ٥) الجن فى ذلك كله لا يتناول الملائكة لنزاهتهم عن العيوب، ولا يتوهم عليهم الكذب وسائر الذنوب، فلما لم يتناول الملائكة عموم لفظ الجن بدأ بالاتى لفضلهم ..

стр. 185

الإمام ابن تيمية ومنهجه فى التفسير هو الإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المولود بحران من بلاد الشام فى عاشر ربيع الأول سنة ٦٦١، وقد أقام بها بضع سنين ثم انتقل منها إلى دمشق مع أبيه وأخويه سنة ٦٦٧ تحت ضغط هجوم التتار. نشأ فى دمشق، وترعرع بها، ثم بلغ أشده حتى أصبح من المشهورين، ونهل من شتى أنواع العلوم والمعارف الدينية فى عصره، ووصف ابن الوردى نشأته العلمية فقال: انه بعد أن تعلم الخط والحساب، وحفظ القرآن فى المكتب، أقبل على الفقه والعربية، وبرع فى النحو، ثم أقبل على التفسير اقبالا كليا حتى سبق فيه، وأحكم أصول الفقه. ثم يقول ابن الوردى: ونشأ فى تصون تام، وعفاف وتعبد، واقتصاد فى الملبس والمأكل، ومارس المناظرة فى صغره، وكانت له دراية واسعة بالسنة وفنونها مما ساعده على الاستدلال على آرائه ومعارضة آراء الخصوم. وبالجملة جمع إلى المنقول المعقول فكان من كبار العلماء. تحدث المؤرخ كمال الدين بن الزملكانى عنه فقال: كان إذا سئل عن فن من الفنون ظن الرائى والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدا لا يعرف مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا فى سائر مذاهبهم منه ما لم يكونوا يعرفونه من قبل. ولقد كثر الثناء عليه قديما وحديثا كما كثر فى حقه الانتقاد، فاغرم به

стр. 186

معجبون لا يصدرون إلا عن رأيه ويتعصبون لكل ما يصدر عنه، ووقف فى وجهه اعداء فى حياته وبعد موته، كرهوه وكرهوا كل ما يصدر عنه، وتوسط منصفون فأعطوه حقه، وقرءوه فى انصاف فريفوا ما زاف، واثبتوا ما يمكث فى الأرض، فكانوا مع الحق، عنه يصدرون، وعلى ضوئه يسيرون. جهاده السياسى :- ولقد سخر ابن تيمية نفسه وعلمه لخدمة المعركة الكبرى للمسلمين ضد عدوهم الخطير «التتار» لقد تقدم بنفسه لمفاوضة ملك التتار، واستطاع ان يأخذ منه الامان، وهجم التتار مرة ثانية على الشام ففزع الناس، فكان ممن ثبت النفوس وساعد على رياضة القلوب بمواعظه المؤثرة، وكلماته الحكيمة، ولقد شهد معركة مع التتار فى رمضان تحقق فيها النصر للمسلمين. نقد ابن تيمية :- لقد انتقد بعض العلماء ابن تيمية لجرأته لرأيه ومهاجمة رأى خصمه، ولقد كان فى تحمسه فى هذه المهاجمة يبتعد عن الحق احيانا غير متأن، أو مترو، ولو تأنى، أو تروى لتبين له الأمر على حقيقته. ويؤخذ عليه أنه يتعصب لفكرته فى الصفات، والاستواء على العرش، وهى ليست على منهج السلف الذين يبتعدون عن الجدل فى صفات الله، مقتنعين بحق أنها من- المتشابه الذى نهينا عن البحث فيه، وهذا الجدل فى الصفات قد آثار عليه الكثير من كبار علماء الإسلام من المحدثين الذين يتبعون مذهب السلف، ومن المتكلمين الذين يتبعون مذهب الخلف. ويؤخذ عليه اسهابه المسهب فى توضيح رأيه واكثاره من الاستدلال والتكرار فيما يستدل عليه وانطلاقه مع فكرته فى أسلوب عنيف جارف يستميل العامة، ولا يستسيغه كثير من الخاصة.

стр. 187

ومما أخذه عليه كثير من الناس حملته على الصوفية، هذه الحملة التى يمدحها كثير من أصحابه والحق أن هؤلاء وأولئك لم يدرسوا ابن تيمية فى هذا الجانب دراسة عميقة، وذلك أن ابن تيمية يقدس الإمام عبد القادر الجيلانى، ويشرح كثيرا من فقراته مثنيا ومادحا .. والإمام الجيلانى هو التصوف كله، فلا يكاد يخرج رأى فى التصوف إلا وله فيه باع طويل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية فى فتاواه ج ١١، ص ١٧ فى تحديد معنى الصوفى: «هو فى الحقيقة نوع من الصديقين، فهو الصديق الذى اختص بالزهد والعبادة على الوجه الذى اجتهدوا فيه، والصوفيون قد يكونون من أجل الصديقين بحسب زمانهم فهم من أكمل صديقى زمانهم، والصديق فى العصر الأول أكمل منهم، والصديقون درجات وأنواع». ويقول ابن تيمية أيضا: «ولأجل ما وقع من كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه تنازع الناس فى طريقهم فطائفة ذمت الصوفية، والتصوف وقالوا أنهم مبتدعون خارجون على السنة وطائفة غالت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفى هذه الأمور ذميم والصواب أنهم مجتهدون فى طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل الطاعة ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذى هو من أهل اليمين وفى كل من النوعين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أولا يتوب.

стр. 188

(تفسير ابن تيمية) كان لابن تيمية فهم ممتاز فى كتاب الله، ولم يؤلف تفسيرا خاصا، بل تناثر تفسيره فى ثنايا كتبه وفتاواه ورسائله، وكتب ما كتبه منه فى أوقات مختلفة بحسب المناسبات وقد قام جامع فتاواه عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الجنيدى الحنبلى، يجمع ما كتبه فى مجال التفسير فى المجلد الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، من مجموع فتاوى ابن تيمية فلم تخل سورة من تناول ابن تيمية لآية أو آيات منها مما يسهل لنا فهم منهجه فى التفسير والبحث عن مطابقة هذا المنهج لما قام بتفسيره. منهجه فى التفسير :- قسم ابن تيمية التفسير إلى نوعين:- تفسير بالنقل، وتفسير بالعقل. أما عن التفسير بالنقل فذكر أن النبى ﷺ فسر القرآن كله للصحابة. قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. (سورة النحل الآية ٤٤) وذكر أن الصحابة فسروا القرآن للتابعين، وتحدث عن قلة الاختلاف بين الصحابة فى التفسير، ثم شاع الخلاف بعد عصرهم شيئا فشيئا حتى وصل إلى حالة من التضاد والتناقض. ويرى ابن تيمية أن الخلاف بين السلف فى التفسير هو اختلاف تنوع

стр. 189

لا اختلاف تضاد كاختلافهم فى تفسير الصراط المستقيم حيث قال بعضهم هو القرآن. وقال بعضهم: هو الإسلام، والقولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ولكن كل واحد منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، وكذلك قول من قال هو السنة والجماعة وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال هو طاعة الله ورسوله ﷺ وامثال ذلك فهؤلاء كلهم اشاروا إلى ذات واحدة، يقصد اتباع القرآن، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها. ويرى ابن تيمية أن أحدا من علماء المسلمين لم يقل باختصاص اللفظ العام الوارد بسبب حادث معين بهذا الحادث، وان الاختلاف إنما هو فى اختصاص هذا اللفظ بنوع ذلك السبب وما يشابهه أو شموله لكل ما يتناوله اللفظ. فمثلا روى أن قوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ. (سورة المائدة الآية ٤٩) نزل فى بنى قريظة والنضير، واللفظ عام ليس فيه اختصاص: فهل يشمل هذا القول ما يماثل سبب النزول فقط، أو يعم كل حكم، وكل حاكم على مدى الزمان. ولم يقل أحد بتعطيل الآية، أو الوقف عن الأخذ بها بعد زوال سببها وهم بنو قريظة وبنوا النضير، أو بعد زوال الوقت الذى نزلت فيه. وقد تحدث ابن تيمية عن استطراد كثير من المفسرين بالنقل، فيما يفيد ولا دليل على الصحيح منه مثل اختلافهم فى لون كلب اصحاب الكهف ومقدار سفينة نوح ونوع خشبها ونحو ذلك- ويبين ان ما كان من هذا القبيل طريقه النقل الصحيح عن الرسول ﷺ فهو مقبول كالعلم بأن اسم صاحب

стр. 190

موسى الخضر وان كان عن غير طريق صحيح إلى الرسول ﷺ رددنا ما قطعنا بكذبه وتوقفنا فيما صح عن أهل الكتاب لقوله ﷺ : لا تصدقوا اهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بما انزل الينا وما انزل اليكم والهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون. ثم يتحدث ابن تيمية عن القسم الثانى من التفسير وهو التفسير بالعقل فيقول: ان فى هذا اللون من التفسير خطأ وهذا الخطأ له وجهان:- الأول:- قوم اعتقدوا معانى ثم ارادوا حمل الفاظ القرآن عليها فراعوا المعنى الذى رأوه واعتقدوه من غير نظر إلى ما تستحقه الفاظ القرآن من الدلالة والبيان، يريد انهم يحللوا من كل ما ورد مما يتصل بالآية كسبب النزول والناسخ والمنسوخ والبيان النبوى لكثير من الآيات. الثانى:- قوم فسروا القرآن بمجرد ما يفيده اللفظ العربى من غير نظر إلى منزل القرآن والمنزل عليه والمخاطب به فراعوا جانب اللفظ وتركوا ما عداه وكل من الطريقتين الأخريين فيما يرى ابن تيمية خطأ وأحسن طرق التفسير فى نظره تفسير القرآن بالقرآن فإن لم يتيسر ذلك فسرناه بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، قال الشافعى ﵀: كل ما حكم به الرسول ﷺ فهو بما فهمه من القرآن- ولهذا قال ﷺ . «الا انى اوتيت القرآن ومثله معه» أى السنة والسنة ايضا تنزيل عليه بالوحى كما ينزل القرآن لا انها لا تتلى كما يتلى. وإذا لم يتيسر التفسير بالقرآن والسنة رجعنا إلى اقوال الصحابة لا سيما كبراؤهم وعلماؤهم كالخلفاء الراشدين وابن مسعود وابن عباس وغيرهم. فهم الدين شاهدوا التنزيل وعاصروا اسباب النزول وعرفوا الناسخ من المنسوخ وتلمسوا الجوانب المحيطة بالقرآن والمعانى التى اشار إليها الرسول ﷺ وهم انضر الناس فهما واقدرهم على الاجتهاد والاستنباط.

стр. 191

فإن لم نجد التفسير فى اقوال الصحابة آخر ففيما اجمع عليه التابعون ثم تخيرنا فيما روى عنهم ثم لجأنا إلى الاجتهاد بالرأى فى حدود المنهج المقبول. وهذا المنهج الذى رسمه ابن تيمية للتفسير منهج سلفى لا مجال للطعن فيه. ولكن ابن تيمية فى تفسيره قد ابتعد فى بعض الأحيان عن هذا المنهج وإليك نموذجا من تفسيره: سئل رضى الله عنه عن قوله تعالى: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ. (سورة الانعام الآية ٢) وقوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ. وقوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ. (سورة الرعد الآية ٣٩) هل المحو الاثبات فى اللوح المحفوظ والكتاب الذى جاء فى الصحيح (ان الله تعالى كتب كتابا فهو عنده على عرشه) الحديث. وقد جاء: «جف القلم» فما معنى ذلك فى المحو والاثبات؟ وهل شرع فى الدعاء ان يقول: «اللهم ان كنت كتبتنى كذا فامحنى واكتبنى كذا فإنك قلت: «يمحو الله ما يشاء ويثبت». وهل صح ان عمر كان يدعو بمثل هذا؟ وهل الصحيح عندكم ان العمر يزيد بصلة الرحم كما جاء فى الحديث؟ افتونا ماجورين.

стр. 192

فأجاب رضى الله عنه: الحمد الله رب العالمين. أما قوله سبحانه: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ فالاجل الأول هو أجل كل عبد الذى ينقضى به عمره، والأجل المسمى عنده هو اجل القيامة العامة. ولهذا قال: «مسمى عنده» فإن وقت الساعة لا يعلمه ملك مقرب ولا نبى مرسل، كما قال: يسألونك عن الساعة ايان مرساها؟ قل: انما علمها عند ربى، لا يجليها لوقتها إلا هو بخلاف ما إذا قال مسمى. كقوله: «إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى» إذ لم يقيد بأنه مسمى عنده، فقد يعرفه العباد وأما أجل الموت فهذا تعرفه الملائكة الذين يكتبون رزق العبد وأجله وعمله، وشقى او سعيد كما قال فى الصحيحين عن ابن مسعود: أحدكم يجمع خلقه فى بطن امه اربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات فيقال، اكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقى أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فهذا الأجل الذى هو أجل الموت قد يعلمه الله لمن شاء من عباده. وأما أجل القيامة المسمى عنده فلا يعلمه إلا هو. وأما قوله: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ فقد قيل ان المراد الجنس أى ما يعمر من عمر انسان، ولا ينقص من عمر انسان، ثم التعمير والتقصير يراد به شيئان: «أحدهما» أن هذا يطول عمره، وهذا يقصر عمره، فيكون تقصيره نقصا له بالنسبة إلى غيره، كما ان المعمر يطول عمره، وهذا ينقص عمره، فيكون تقصيره نقصا له بالنسبة إلى غيره. كما ان التعمير زيادة بالنسبة إلى آخر. وقد يراد بالنقص من العمر المكتوب، كما يراد بالزيادة الزيادة فى العمر المكتوب. وعن النبى ﷺ انه قال: «من سره ان يبسط له فى رزقه،

стр. 193

وينسأ له فى اثره فليصل رحمه» وقد قال بعض الناس: ان المراد به البركة فى العمر، بأن يعمل فى الزمن القصير ما لا يعمله غيره إلا فى الكثير، قالوا: لأن الرزق: والأجل مقدران مكتوبان. فيقال لهؤلاء تلك البركة. وهى الزيادة فى العمل، والنفع هى أيضا مقدرة مكتوبة وتتناول لجميع الأشياء. والجواب المحقق: ان الله يكتب للعبد اجلا فى صحف الملائكة فإذا أوصل زاد فى ذلك المكتوب وان عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك الكتاب. ونظير هذا ما فى الترمذى وغيره عن النبى ﷺ : ان آدم لما طلب من الله ان يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراه اياهم، فرأى فيهم رجلا له بصيص، فقال: من ذا يا رب؟ فقال: ابنك داود. قال: فكم عمره؟ قال اربعون سنة. قال: وكم عمرى؟ قال: ألف سنة. قال: فقد وهبت له من عمرى ستين سنة. فكتب عليه كتاب، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقى من عمرى ستون سنة. قالوا: وهبتها لابنك داود. فأنكر ذلك: فأخرجوا الكتاب، قال النبى ﷺ فنسى آدم فنسيت ذريته: جحد آدم فجحدت ذريته، وروى انه كمل لآدم عمره ولداود عمره. فهذا داود كان عمره المكتوب اربعين سنة، ثم جعله ستين، وهذا معنى ما روي عن عمر انه قال: اللهم ان كنت كتبتنى شقيا فامحنى واكتبنى سعيدا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. والله سبحانه عالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده اياه بعد ذلك والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله والله يعلم الأشياء قيل كونها وبعد كونها. فلهذا قال العلماء: ان المحو والاثبات فى صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدله ما لم يكن عالما به، فلا محو فيه ولا اثبات. وأما اللوح المحفوظ فهو فيه محو واثبات على قولين. والله أعلم.

стр. 194

ابن جزى وكتابه التسهيل أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن جزى الكلبى الغرناطى من مشاهير العلماء بغرناطة، وذوى الأصالة والنباهة فيها. كان ﵀ على طريقة مثلى من العكوف على العلم، والاشتغال بالنظر والتقيد والتدوين، جمع إلى الفقه جودة الحفظ واتقان التفسير، وشارك فى كثير من الفنون كالعربية والأصول والقراءات بالحديث والأدب، وجمع فى مكتبة العديد من الكتب المفيدة والمراجع المهمة، وتولى الخطابة بالمسجد الأعظم فى بلده على حداثة سنه، فاتفق على فضله واشتهر جده وعلمه .. وكان ﵀ مستغرقا فى همه، وهمه بلوغ القمة فى علوم الشريعة، وتحصيل ما يستطيع تحصيله، وبث ذلك فى الناس ونشره، ومما يعبر عن ذلك قوله: لكل بنى الدنيا مراد ومقصد ... وان مرادى صحة وفراغ لأبلغ فى علم الشريعة مبلغا ... يكون به لى فى الحياة بلاغ ففي مثل هذا يستزيد اولوا النهى ... وحسبى من الدنيا الغرور بلاغ فما العيش إلا فى نعيم مؤبد ... به العيش رغد والشراب يساغ قرأ على الأستاذ أبى جعفر بن الزبير واستفاد منه فى العربية والفقه والحديث والقراءات وعلى ابى عبد الله بن العماد، ولزم الحافظ بن رشيد، ولازم الخطيب الفاضل أبا عبد الله بن برطال والاستاذ النظار المتفنن أبا القاسم قاسم بن عبد الله .. وقد انتج ابن جزى فى مجال نشاطه كثيرا من المؤلفات منها: الأنوار السنية فى الكلمات السنية.

стр. 195

الدعوات والأذكار المخرجة من صحيح الأخبار. التنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنابلة. تقريب الوصول إلى علم الأصول. أصول القراء الستة غير نافع. المختصر البارع فى قراءة نافع. القوانين الفقهية فى تلخيص مذهب المالكية. الفوائد العامة فى لحن العامة. النور المبين فى قواعد عقائد الدين. ومن معالم شخصيته المميزة حبه للرسول ﷺ ، ويعبر عن ذلك قوله: أريم امتداح المصطفى فيردنى ... قصورى عن ادراك تلك المناقب ولو ان كل العالمين تألفوا ... على مدحه لم يبلغوا بعض واجب فأمسكت عنه هيبة وتأدبا ... وخوفا وإعظاما لا رفع جانب ورب سكوت كان فيه بلاغة ... ورب كلام فيه عتب لعاتب وكان ﵀ من المجاهدين المحاربين، فكان يحرض الناس يوم معركة طريف، ومات شهيدا فى جمادى الأولى سنة احدى وأربعين وسبعمائة. تفسيره قدم ابن جزى للتفسير بمقدمة جليلة فقال بعد الحمد والثناء: أما بعد، فإن علم القرآن العظيم هو ارفع العلوم قدرا، واجلها خطرا، وأعظمها اجرا واشرفها ذكرا، وان الله انعم على بأن شغلنى بخدمة القرآن وتعلمه وتعليمه، وشغفنى بتفهم معانيه، وتحصيل علومه، فاطلعت على

стр. 196

ما صنف العلماء رضى الله عنهم فى تفسير القرآن من التصانيف المختلفة الأوصاف، المتباينة الاصناف، فمنهم من اثر الاختصار ومنهم من طول حتى كثر الاسفار، ومنهم من تكلم فى بعض العلم دون بعض، ومنهم من اعتمد على نقل أقوال الناس، ومنهم من عمل على النظر والتحقيق والتدقيق، وكل أحد سلك طريقا نحاه، وذهب مذهبا ارتضاه، وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى (سورة الحديد الآية ١٠)، فرغبت فى سلوك طريقهم والانخراط فى مساق فريقهم، وصنفت هذا الكتاب فى تفسير القرآن العظيم،- وسائر ما يتعلق به من العلوم وسلكت مسلكا نافعا، إذ جعلته وجيزا جامعا، قصدت به اربعة مقاصد تتضمن اربع فوائد: الفائدة الأولى: جمع كثير من العلم فى كتاب صغير الحجم، تسهيلا على الطالبين وتقريبا على الراغبين، فلقد احتوى هذا الكتاب على ما تضمنته الدواوين الطويلة من العلم ولكن بعد تلخيصها، وتنقيح فصولها، وحذف حشوها وفضولها، ولقد اودعته من فن من فنون علم القرآن اللباب المرغوب فيه، دون القشر المرغوب عنه، من غير افراط ولا تفريط ثم انى عزمت على ايجاز العبارة، وافراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار .. الفائدة الثانية:- ذكر نكت عجيبة، وفوائد غريبة، قلما توجد فى كتاب، لأنها من نبات صدرى وينابيع ذكرى، ومما أخذته عن شيوخى رضى الله عنهم، أو مما التقطته من مستطرفات النوادر الواقعة فى غرائب الدفاتر .. الفائدة الثالثة:- ايضاح المشكلات، اما بحل العقد المقفلات، واما بحسن العبارة ورفع الاحتمالات، وبيان المجملات. الفائدة الرابعة: تحقيق أقوال المفسرين، السقيم منها والصحيح، وتمييز الراجح من المرجوح وذلك ان أقوال الناس على مراتب: فمنها الصحيح الذى يعول عليه، ومنها الباطل الذى لا يلتفت إليه، ومنها ما يحتمل الصحة

стр. 197

والفساد، ثم ان هذا الاحتمال قد يكون مساويا أو متفاوتا والتفاوت قد يكون قليلا أو كثيرا، وانى جعلت لهذه الأقسام عبارات مختلفة،- تعريفها كل مرتبة وكل قول، فادناها ما صرح بأنه خطأ أو باطل، ثم ما أقول فيه أنه ضعيف أو بعيد، ثم أقول أن غيره ارجح أو اقوى، أو اظهر أو اشهر، ثم ما أقدم غيره عليه اشعارا بترجيح المتقدم او بالقول فيه: قيل كذا قصدا للخروج من عهدته، واما صرحت باسم قائل القول فانى افعل ذلك لاحد امرين: اما للخروج عن عهدته، واما لنصرته إذا كان قائله ممن يقتدى به. ثم قال: وسميته «كتاب التسهيل لعلم التنزيل» وقدمت فى أوله مقدمتين: إحداهما: فى أبواب نافعة، وقواعد كلية جامعة، والأخرى فيما كثر دوره من اللغات الواقعة ثم قدم لكتابيه مقدمات: المقدمة الأولى: فيها اثنا عشر بابا. الباب الأول: فى نزول القرآن على رسول الله ﷺ من أول ما بعثه الله بمكة وهو ابن اربعين سنة إلى ان هاجر إلى المدينة ثم نزل عليه بالمدينة إلى ان توفاه الله. الباب الثانى:- فى السور المكية والمدنية. الباب الثالث:- فى المعانى والعلوم التى تضمنها القرآن. الباب الرابع:- فى فنون العلم التى تتعلق بالقرآن. الباب الخامس:- فى أسباب الخلاف بين المفسرين، والوجوه التى يرجح بها بين أقوالهم. الباب السادس:- فى ذكر المفسرين. الباب السابع:- فى الناسخ والمنسوخ. الباب الثامن:- فى جوامع القراءة.

стр. 198

الباب التاسع:- فى الوقف. الباب العاشر:- فى الفصاحة والبلاغة وادوات البيان. الباب الحادى عشر:- فى اعجاز القرآن واقامة الدليل على انه من عند الله . الباب الثانى عشر:- فى فضل القرآن. المقدمة الثانية:- فى تفسير معانى اللغات أى الكلمات التى يكثر ورودها فى القرآن أو تقع فى موضعين فأكثر من الأسماء والأفعال والحروف. وكان فى كل ذلك سالكا سبيل الاختصار، مكتفيا بالتركيز عن الاطالة، ممهدا الطريق لبدء تفسير الآيات، فاشتملت المقدمة على كثير مما حال الاختصار دون ذكره فى تفسير الآيات، وحقق بها ما يمكن ان يضم إلى الكتب المؤلفة فى كل فن من الفنون التى اشتملت عليها. ومن نماذجه: قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (سورة النساء الآية ١٩) لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ قال ابن عباس: كانوا فى الجاهلية إذا مات الرجل كان اولو الحق بامرأته ان شاءوا تزوجها أحدهم وان شاءوا زوجوها من غيرهم، وان شاءوا منعوها التزوج، فنزلت الآية فى ذلك، فمعنى الآية على هذا: لا يحل لكم ان تجعلوا النساء يورثن عن الرجال كما يورث المال.

стр. 199

وقيل: الخطاب للازواج الذين يمسكون المرأة فى العصمة ليرثوا مالها من غير غبطة بها. وقيل الخطاب للاولاد الذين يمنعون امهاتهم من التزوج ليرثوهن دون الزوج. ولا تعضلوهن: معطوف على ان ترثوا أو نهى، والعضل المنع، قال ابن عباس: هى أيضا فى أولياء الزوج الذين يمنعون زوجته من التزوج بعد موته، إلا أن قوله «ما آتيتموهنّ» على هذا معناه ما اتاها الرجل الذى مات. وقال ابن عباس: هى فى الأزواج الذين يمسكون المرأة ويسيئون عشرتها حتى تفتدى صداقها وهو ظاهر اللفظ فى قوله «ما آتيتموهن» وبقوله «وعاشروهنّ بالمعروف» فإن الاظهر فيه ان يكون فى الأزواج، وقد يكون فى غيرهم .. وقيل للأولياء .. إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ: قيل الفاحشة هنا الزنا، وقيل نشوز المرأة وبغضها فى زوجها، فإذا نشزت جاز له ان يأخذ ما آتاها من صداق أو غير ذلك من مالها، وهذا جائز على مذهب مالك فى الخلع إذا كان الضرر من المرأة، والزنا أصعب على الزوج من النشوز فيجوز له أخذ الفدية .. فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ الآية ... معناها ان كرهتم النساء لوجه فاصبروا فعسى ان يجعل الله الخير فى وجه آخر .. وهذا معنى قوله ﷺ : لا يترك مؤمن مؤمنة، ان سخط منها خلقا رضى آخر .. ***

стр. 200

الإمام النسفى وتفسيره من علماء المذهب الحنفى المشهورين، وممن لهم قدم راسخ فى كثير من العلوم، المفسر الشهير، والعالم النحرير، حافظ الدين أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفى المنسوب إلى نسف ببلاد السند بين جيحون وسمرقند. كان عالما بالفقه وأصول الدين وأصول الفقه والتفسير وامتازت مؤلفاته بجودة التحرى ودقة التعبير وشدة التركيز وحشد المعلومات المتنوعة فى حيز بسيط حتى ليعسر على غير المتخصص الأخذ عنها، وفهم كل ما يشير إليه. وقد استفاد من شتى طرق البحث السابق عليه فخرج بين استدلالات المتكلمين وجدل الأصوليين واستنباط الفقهاء متميزا بطريقته الخاصة فى التأليف. كما استفاد من شيوخه المشاهير ومنهم شمس الأئمة الكردى، وأحمد ابن محمد العتابى وغيرهم من كبار العلماء المتخصصين. مؤلفاته : للإمام النسفى مؤلفات طبع أكثرها، وأخذ مجاله فى سوق العلم حتى اشتهر كمفسر، وأشتهر كفقيه، وأشتهر كباحث فى أصول الدين وباحث فى أصول الفقه ... ومن هذه المؤلفات: ١ - عمدة العقائد فى الكلام. ٢ - شرح عمدة العقائد وسماه الاعتماد. ٣ - منار الأنوار فى أصول الفقه. ٤ - الكافى فى شرح الوافى فى الفقه الحنفى. ٥ - كنز الدقائق فى الفقه الحنفى.

стр. 201

صفاته : كان الإمام النسفى على نسق غيره من كبار العلماء المسلمين مشهورا بالزهد والصلاح والتقوى، فضلا عن تفرغه للعلم والدراسة والبحوث وقد اشتهر علمه وذاع فضله فى عصره وبعد عصره وبارك الله فى مؤلفاته، فأصبحت مرجع الباحثين، ومجال البحث والدراسة بين الدراسين، لما فيها من تدقيق وتحقيق، واكتفاء بالاشارة عن التفصيل، وبالإيجاز عن الاطناب. وقد قدره العلماء حق قدره، فقد كتب عنه صاحب (الدرر الكامنة) فوصفه بهذه الكلمة المدوية (علامة الدنيا). وكتب عنه الحافظ عبد القادر فى طبقاته فقال: «أحد الزهاد المتأخرين، صاحب التصانيف المفيدة فى الفقه والأصول، له المستصفى فى شرح المنظومة، وله شرح النافع سماه بالمنافع، وله الكافى فى شرح الوافى، وله كنز الدقائق، وله المنار فى أصول الفقه، وله العمدة فى أصول الدين، تفقه على شمس الأئمة الكردى، وروى الزيادات عن أحمد بن محمد العتابى» .. والنسفى باعتباره من أئمة أهل السنة كان له مواقف فى غاية القوة، وفى غاية العمق، فى الرد على كل انحراف فى تفسير القرآن، وخصوصا تفسير الكشاف .. ، .. ولم يقتصر فى الرد على المعتزلة على ما كتبه عن تفسير الكشاف، وإنما فعل ذلك فى كل كتبه الكلامية التى كانت لقيمتها الكبرى مجال اهتمام فى رحاب الأزهر، قررت على الطلبة فى مختلف مراحل التعليم، وقام الأساتذة باختصارها، وبشرحها، وبالتعليق عليها مستفيدين منها، ومفيدين للغير بها- والله يقول: وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ. سورة يس الآية ١٢ وان آثار الإمام النسفى فى الخير هائلة.

стр. 202

وفاته : وكانت وفاة الإمام النسفى ﵀ عام واحد وسبعمائة من الهجرة ببلدة ايذج بين خوزستان واصبهان. ﵀ ونفع بعلمه .. تفسير النسفى سماه الإمام النسفى (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) ويعتبر هذا التفسير من التفاسير العلمية المحررة، ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل. وقد تحدث الإمام النسفى عن السبب الذى دعاه إلى تأليف هذا التفسير فقال: (سألنى من تتعين أجابته كتابا وسطا فى التأويلات، جامعا لوجوه الاعراب والقراءات، متضمنا لدقائق علمى البديع والاشارات، حاليا بأقاويل أهل السنة والجماعة، خاليا عن أباطيل أهل البدع والضلالة، ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل .. ثم ذكر أنه تردد فى الاجابة .. ولكنه قطع هذا التردد، وسار فى تأليفه بجد، حتى أتمه فى مدة يسيرة. والناظر فى هذا التفسير يجد فيه فهما واعيا، وخبرة دقيقة، واطلاعا واسعا، وحسن استفادة من هذا الاطلاع .. وقد استفاد من تفسيرى البيضاوى والكشاف أيما استفادة، فأخذ من البيضاوى معناه الدقيق، وفهمه الواعى، وتوجيهه السديد، وإيجازه المركز .. وأخذ من الزمخشرى فى كشافه خبرته الواسعة باللغة، ومناقشته للآراء المتعددة، واختيار ما يراه .. على أنه لم يقع فيما وقع فيه الزمخشرى فى كشافه من التعصب لمذهب الاعتزال، وحمل الآيات فى تعسف على تأييد أصوله وقواعده.

стр. 203

إنه على العكس من ذلك اتخذ موقفا مضادا، فحارب ما يخالف المذهب الأشعرى مستفيدا من طريقة الزمخشرى، رادا عليه، منتقدا طريقته وحججه. ويمتاز تفسير النسفى باقلاله من الاسرائيليات، وابتعاده ما استطاع عنها. كما يمتاز بتحريه فى اختيار أكثر الأحاديث، ويظهر ذلك أبلغ ما يظهر فى تركه ذكر الاحاديث الموضوعة فى فضائل السور .. كما أنه لم يتوسع فى الإعراب، ولم يدخل فى تفصيلات فرعية، تشتت الذهن، وتبتعد بالقارئ عن الجو القرآنى. ولم يخل تفسيره من الإشارة إلى المذاهب الفقهية فى بعض آيات الأحكام، والانتصار لمذهبه الحنفى. تفسير قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. (سورة المائدة الآية ١١٢) عن الحسن: أن المائدة لم تنزل، ولو نزلت لكانت عيدا إلى يوم القيامة، لقوله: وآخرنا .. والصحيح أنها نزلت: فعن وهب: نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملائكة، عليها كل طعام إلا اللحم .. وقيل: كانوا يجدون عليها ما شاءوا. وقيل: كانت تنزل حيث كانوا بكرة وعشيا.

стр. 204

ما يؤخذ على تفسيره : ولا يسلم تفسير النسفى على وجه العموم من النقد: لقد اكتفى بإشارات فى غاية الايجاز إلى الآراء المختلفة فيما يتعلق بالآيات التى استدلت بها الفرق، وكأنه يفترض شهرة هذه الآراء، ومعرفة الكل بها، ودوام هذه المعرفة، ويتمثل لنا ذلك فى تفسير قوله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (سورة الملك الآية ١٤) إنه يقول: أنكر أن لا يحيط علما بالمضمر والمسر والمجهر من خلقها، وصفته أنه اللطيف أى العالم بدقائق الأشياء، الخبير العالم بحقائق الأشياء، وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلا على خلقه أفعال العباد، وقال أبو بكر بن الأمم وجعفر بن حرب من مفعول والفاعل مضمر وهو الله تعالى، فاحتالا بهذا لنفى خلق الأفعال .. ولم يسلم من الإسرائيليات رغم احتياطه وتحفظه، فتراه عند تفسيره لقوله تعالى من سورة النمل: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ. (سورة النمل الآية ١٦) روى أنه صاحب فاختة (طائر معروف) فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان، ثم ذكر أصنافا من الطير، وقول كل صنف من هذه الأصناف، دون أن يعقب على ذلك، بل دون أن يحترز من ذكر مثل هذه الأقوال التى لا سند لها من الأحاديث الصحيحة.

стр. 205

ونأخذ عليه: أن أسلوبه يعلو على مستوى العامة، حيث حشد مفسره فيه ألوانا من العلوم المتعلقة بالقرآن لا يفهمها إلا من عنده فكرة سابقة عنها .. وفى آية المائدة التى ذكرناها سابقا يذكر آراء عن الحسن وعن وهب وعن غيرهما دون أن يوجه نظره إلى ما رواه الترمذى بسنده عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : (انزلت المائدة من السماء خبزا ولحما .. الخ الحديث) .. والواقع أنه على الرغم من منزلة الإمام النسفى الكبرى فإن مكانته فى علم الكلام هى مناط شهرته، ومصدر ذيوع صيته، أما تفسيره على ما له من مكانة كبيرة لا تنكر، ومن منزلة سامية لا يشك فيها، فإنه- كان فيه عالة على تفسير الإمام البيضاوى، وعلى تفسير الإمام الزمخشرى، فى مجال معين هو مجال الجوانب البلاغية التى برع فيها جار الله الزمخشرى ولم يجاره فيها مجار والإمام النسفى وإن كان عنى عناية بالغة بالرد على الإمام الزمخشرى فإنه تبنى كل ما كتبه الإمام الزمخشرى تقريبا فى البلاغة القرآنية. ورحم الله الإمام النسفى رحمة واسعة جزاء زهده ونشره للعلم فقها وأصولا وكلاما وتفسيرا. نماذج من تفسير النسفى ١ - يقول الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (سورة التوبة لآية ١٠٠)

стр. 206

«والسّابقون» مبتدأ، (الأولون) صفة لهم (من المهاجرين) تبيين لهم وهم الذين صلوا إلى القبلتين، أو الذين شهدوا بدرا، أو بيعة- الرضوان (والأنصار) عطف على المهاجرين، أى ومن الأنصار، وهم أهل بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعة نفر، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين (والّذين اتبعوهم بإحسان) من المهاجرين والأنصار، فكانوا سائر الصحابة، وقيل: هم الذين اتبعوهم بالايمان والطاعة إلى يوم القيامة، والخبر (رضى الله عنهم) بأعمالهم الحسنة (ورضوا عنه) بما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية (وأعدلهم) عطف على رضى (جنّات تجرى تحتها الأنهار) من تحتها مكى (خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم). ٢ - يقول الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (سورة التوبة الآية ١٢٨ و ١٢٩) «لقد جاءكم رسول» محمد ﷺ (من أنفسكم) من جنسكم، ومن نسبكم، عربى قرشى مثلكم (عزيز عليه ما عنتم) شديد عليه شاق- لكونه بعضا منكم- عنتم لقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم الوقوع فى العذاب (حريص عليكم) على ايمانكم (بالمؤمنين) منكم ومن غيركم (رءوف رحيم) قيل: لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله ﷺ (فإن تولوا) فإن أعرضوا عن الأيمان بك وناصبوك (فقل حسبى الله) فاستعن بالله وفوض إليه أمورك، فهو كافيك وناصرك عليهم (لا اله إلا هو عليه توكلت) فوضت أمرى إليه (وهو رب العرش) هو أعظم خلق الله، خلق مطافا لأهل السماء، وقبلة للدعاء (العظيم) بالجر وقرئ بالرفع على نعت الرب جل وعز، عن أبى: آخر آية نزلت: لقد جاءكم رسول من أنفسكم، الآية.

стр. 207

الإمام ابن كثير وتفسيره الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه إلى يوم الدين .. نبدأ مع الإمام ابن كثير بالحديث عن منهجه فى تفسير القرآن الكريم لأنه منهج من المناهج المثالية التى تتبع فى التفسير. إن أصح الطرق فى تفسير القرآن الكريم- حسبما يرى ابن كثير- هى:- ١ - أن يفسر القرآن بالقرآن، وذلك أنه كثيرا ما يكون المجمل فى مكان قد بسط فى موضع آخر. ٢ - فإذا تعذر ذلك فعلى المفسر بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل لقد قال الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ورضى عنه حسبما يذكر ابن كثير: «وكل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو ما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (سورة النساء الآية ١٠٥) وقال تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (سورة النحل الآية ٦٤)

стр. 208

وقال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (سورة النحل الآية ٤٤) ولهذا قال رسول الله ﷺ «الا أنى أوتيت القرآن ومثله معه» يعنى السنة. والسنة أيضا تنزل عليه بالوحى كما ينزل القرآن، الا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن. ٣ - فإذا لم نجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة رجعنا فى ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم ادرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التى اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المبتدين المبدين، وعبد الله بن مسعود- رضى الله عنهم- والحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﷺ وترجمان القرآن. ٤ - وإذا لم تجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة ولا وجدته عند الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة فى ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر فإنه كان آية فى التفسير، وكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء ابن ابى رباح والحسن البصرى ومسروق بن الاجدع، وسعيد بن المسيب وابى العالية والربيع بن انس والضحاك بن مزاحم وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم فتذكر أقوالهم فى الآية. وهؤلاء فيما يرى ابن كثير يقع فى آرائهم اختلاف، ولكن ابن كثير ينظر إلى آرائهم نظرة تشبه القداسة ويقول فى ذلك حرفيا: فيقع فى عبارتهم تباين فى الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافا فيحكيها أقوالا- أى يحكيها آراء متباينة مختلفة .. والكل بمعنى واحد فى أكثر الأماكن فيتفطن اللبيب لذلك.

стр. 209

ونحن وان كنا نشكر ابن كثير على موقفه هذا من آراء التابعين الذى يدل على نزعة طيبة نحو التقريب وتقليل شقة الخلاف فإننا نرى أن التابعين بحكم اصالتهم كانت لهم آراؤهم المتباينة. وإذا سألت الآن عن موقف ابن كثير من التفسير بالرأى فإنه يقول: «أما التفسير بالرأى فقد ورد عن السلف ما يدل على تحرجهم عن الكلام فى التفسير بما لا علم لهم فيه فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه». وهذا الرأى لا بن كثير رأى موفق، أنه لا حرج على من تكلم فى التفسير بالرأى ما دام قد استكمل عدة ذلك من اللغة ومن الشرع. وقد طبق ابن كثير منهجه هذا النفيس فى كتابه ومن أجل ذلك كان تفسيره من انفس التفاسير، يرجع إليه المحققون وقد استفاد منه الكثيرون فيما بعد فاغترف منه اغترافا صاحب محاسن التأويل وصاحب تفسير المنار وغيرهم كثير .. ومن أمثلة هذا التفسير ما يلى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (سورة البقرة الآية ٢٥٤) يأمر الله تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم فى سبيله سبيل الخير ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم وليبادروا إلى ذلك فى هذه الحياة الدنيا. (من قبل أن يأتى يوم) يعنى يوم القيامة. (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) أى لا يباع أحد من نفسه ولا يفادى بمال لو بذله ولو جاء بملء الأرض ذهبا لا تنفعه خلة أحد يعنى صداقته بل ولا نسابته كما قال: (فإذا نفخ فى الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون).

стр. 210

(ولا شفاعة) أى لا تنفعهم شفاعة الشافعين. وقوله (والكافرون هم الظالمون) مبتدأ محصور فى خبره، أى ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا، وقد روى ابن أبى حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: «الحمد الله الذى قال (والكافرون هم الظالمون) ولم يقل: «والظالمون هم الكافرون». وقال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى يعنى أهل مكة وقد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام وكذلك سبأ وهم أهل اليمن ومدين وكانت فى طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط كانوا يمرون بها أيضا: وقوله : وَصَرَّفْنَا الْآياتِ أى بيناها وأوضحناها لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. (سورة الأحقاف الآية ٢٧) وإذا كنا قد قدمنا الحديث عن المنهج لأهميته، فإننا نتحدث الآن عن الشخص وعن تقدير العلماء له. انه الحافظ الكبير، المدقق المحقق، عماد الدين اسماعيل بن عمر بن كثير البصرى ثم الدمشقى الفقيه الشافعى: ولد سنة إحدى وسبعمائة بقرية شرقى بصرى من أعمال دمشق وابتدأ فى طلب العلم من صغره ورحل فى طلبه، وقدم دمشق وله سبع سنين سنة ست وسبعمائة مع أخيه وقد مات أبوه وهو طفل لم يشب عن الطوق فى سنة ٧٠٣ وساعده أخوه فى شئون حياته واتجه بكليته إلى العلم: دارسا ومتفقها، ومتعرفا على ألوان العلوم فحفظ والف وكان- فى كل ذلك- كثير الاستحضار، قليل النسيان، جيد الفهم، يشارك فى العربية وينظم نظما وسطا.

стр. 211

ولم يتحصل له العلم إلا بعد أن سمع من كثير من العلماء وتفقه على العديد من الشيوخ كالشيخ برهان الدين الفزارى وكمال الدين بن قاضى شهبة، ثم صاهر الحافظ أبا الحجاج المزى ولازمه وأخذ عنه، وأقبل على علم الحديث وأخذ الكثير عن ابن تيمية وقرأ الأصول على الأصبهانى، وسمع الكثير، وبرع فى حفظ المتون ومعرفة الأسانيد والعلل والرجال والتاريخ حتى برع فى ذلك وهو شاب. قال عنه الإمام الذهبى فى معجمه: «الإمام المفتى المحدث البارع: فقيه متفنن ومحدث متقن، ومفسر نقاد. وقال ابن حجر فى الدرر: سمع من ابن الشحنة وابن الزرّاد وإسحاق الآمدى وابن عساكر والمزى وابن الرضى وأجاز له من مصر: الدبوسى والوانى والختنى وغيرهم .. واشتغل بالحديث مطالعة فى متونه ورجاله، فجمع التفسير، وشرع فى كتاب كبير فى الأحكام لم يكمل، وجمع التاريخ الذى سماه البداية والنهاية وعمل طبقات الشافعية وخرج أحاديث مختصر ابن الحاجب وشرع فى شرح البخارى، ولازم المزى وقرأ عليه تهذيب الكمال وصاهره على ابنته وأخذ عن ابن تيمية، ففتن بحبه وامتحن بسببه. وقال عنه ابن حبيب: زعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد وطارت أوراق فتاويه فى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير وانتهت إليه رئاسة العلم فى التاريخ والحديث والتفسير. وقال تلميذه الحافظ شهاب الدين بن حجى: «كان احفظ من ادركناه لمتون الأحاديث، واعرفهم بتخريجها ورجالها وصحيحها وسقيمها وكان اقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك، وكان يستحضر شيئا كثيرا من الفقه والتاريخ قليل النسيان وكان فقيها جيد الفهم صحيح

стр. 212

الذهن، يشارك فى العربية مشاركة جيدة وينظم الشعر، وما اعرف أنى اجتمعت به على كثرة ترددى إليه إلا واستفدت منه». وقال ابن حجر: كان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه فى البلاد فى حياته وانتفع بها الناس بعد وفاته. وقد انتهت إليه رئاسة العلم فى التاريخ والتفسير والحديث فولى مشيخة أم الصالح بعد موت الذهبى، ومشيخة دار الحديث الاشرفية بعد موت السبكى مدة يسيرة، ثم أخذت منه. وهو القائل: تمر بنا الأيام تترى وانما ... نساق إلى الآجال والعين تنظر فلا عائد هذا الشباب الذى مضى ... ولا زائل هذا المشيب المكدر

стр. 213

بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز للفيروز بادى مؤلف هذا الكتاب أمام مشهور، وعالم فاضل، برز فى اللغة وعلومها، والحديث وفنونه، وضم إلى ذلك معرفة تاريخية صائبة وسلوكا صوفيا طيبا، وجمع كل معارفه فنسقها تنسيقا لم يسبق إليه، وقدمها تقديما حاول به أن ييسر القرآن للباحثين، ويكشف للعالم عن وجوه الإعجاز فيه فجاء وافيا بآية محققا للغاية المنشودة منه. والفيروزآبادي: مجد الدين أبو الطاهر محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيرازى الشيخ العلامة. كان بروزه إلى ساحة الحياة فى سنة تسع وعشرين وسبعمائة بكازرون لأب كان من علماء اللغة والأدب بشيراز فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين وشغل بكتب اللغة من هذه السن ثم انتقل إلى شيراز فى سن الثامنة فأخذ اللغة من أبيه والحديث من محمد بن يوسف الزرندى الحنفى. وانطلق فى رحلاته بين أرجاء العالم الإسلامى محصلا جامعا متفهما متعلما: يقول ابن حجر فى أنباء الغمر: (ودخل الديار الشامية بعد الخمسين فسمع بها وظهرت فضائله وكثر الآخذون عنه، ثم دخل القاهرة ثم جال فى البلاد الشمالية والشرقية ودخل الهند وعاد منها على طريق اليمن قاصدا مكة، ودخل زبيد فتلقاه الملك الأشرف إسماعيل بالقبول، وكان ذلك بعد وفاة جمال الدين الريمى قاضى الأقضية باليمن كله فقرره الملك الأشرف مكانه وبالغ فى إكرامه فاستقرت قدمه بيزيد واستمر فى ذلك إلى مات وقدم فى هذه المدة مكة مرارا وأقام بها وبالطائف، ثم رجع).

стр. 214

ومن معالم شخصيته البارزة قوة الحفظ فقد حكى عنه أنه قال: «ما كنت أنام حتى احفظ مائتي سطر». ومن هذه المعالم طيب النفس وسماحة السلوك وحسن الصحبة، قال ابن حجر: (اجتمعت به فى زبيد وفى وادى الخصيب وناولنى جل «القاموس» واذن لى مع المناولة أن أرويه عنه وقرأت عليه من حديثه عدة أجزاء وسمعت منه «المسلسل» بالأولية بسماعة من السبكى وكتب لى تقريظا على بعض تخريجاتي أبلغ فيه وأنشدنى لنفسه فى سنة ثمانمائة بيزيد. وقد كان لهذه السماحة أطيب الأثر فى إقبال أهل عصره واحرصهم على تكريمه فكان كما قال ابن حجر: (لم يقدر له قط أنه دخل بلدا الا وأكرمه متوليه وبالغ فى إكرامه مثل شاه شجاع صاحب تبريز والأشرف صاحب مصر والأشرف صاحب اليمن وابن عثمان صاحب الروم وأحمد بن ادريس صاحب بغداد وغيرهم. أما من علمه فقد كان عزيرا، لقد استفاد بكبار علماء عصره، واستنار بما دون فى الكتب من العلوم ومع دقة حفظه وسعة اطلاعه فقد كانت المراجع لا تفارقه فى حله وترحاله لقد كان لا يسافر إلا وصحبته عدة احمال من الكتب يخرج أكثرها فى كل منزلة فينظر فيها ويعيدها إذا رحل وكان إذا املق باعها. ونقل السخاوى عنه أنه قال: اشتريت بخمسين ألف مثقال ذهبا كتبا. أما عن شيوخه فقد قرأ القراءات العشر على الشهاب أحمد بن على الديواني وأخذ ببغداد عن التاج محمد بن السباك والسراج عمر بن على القزوينى، وفى دمشق أخذ عن الشيخ تقى الدين السبكى وابنه التاج عبد الوهاب وفى الشام أخذ عن صلاح الدين العلائى وفى القاهرة أخذ عن بهاء الدين ابن عقيل شارح الألفية وجمال الدين الاسنوى وابن هشام النحوى. والناظر فى تفسيره يجد أنه قد رسم له خطته وحدد طريقته فقال فى مقدمته:

стр. 215

وبعد: فهذا كتاب جليل ومصنف حفيل ايتمرت بتأليفه الأوامر الشريفة العالية المولوية الامامية السلطانية العامية الهمتمية الصمصاوية الأعدلية الأفضلية السعدية الأجلية الملكية الاشرفية ممهد الدنيا والدين، خليفة الله فى العالمين أبو العباس إسماعيل بن العباس بن على بن داود بن يوسف بن عمر بن رسول خلد الله سلطانه. وأنار فى الخافقين برهانه قصد بذلك نصره الله- جمع شتات العلوم وضم أنواعها، على تباين أصنافها فى كتاب مفرد تسهيلا لمن رام سرح النظر فى أزاهير أفنان الفنون وتيسيرا لمن أراد الاستمتاع برائع أزهارها، ويانع ثمارها الغض المصون. فاستعنت بتوفيق الله وتأييده، ورتبته على مقدمة وستين مقصدا: المقدمة فى تشويق العالم إلى استزادة العلم الذى طلبه فرض، وتمييز العلوم بعضها من بعض. المقصد الأول: فى لطائف تفسير القرآن العظيم. أما المقاصد الباقية فتتعلق بعلوم أخرى كعلم الحديث وعلم الفقه وعلم الحروف وخواصها ونحو ذلك. المقصد الأول : وبعد المقدمة يقول المقصد الأول فى لطائف تفسير القرآن العظيم. اعلم أن رتبنا هذا المقصد الشريف على أغرب اسلوب وقدمنا أمامه مقدمات ومواقف: أما المقدمات: ففي ذكر فضل القرآن الكريم ووجه اعجازه وعد اسمائه وما لا بد للمفسرين من معرفته: من ترتيب نزول سور القرآن واختلاف أحوال آياته وفى مواضع نزوله وفى وجوه مخاطباته وشىء من بيان الناسخ والمنسوخ وأحكامه ومقاصده: من ابتداء القرآن إلى انتهائه. ثم يقول: (واذكر فى كل سورة على حدة سبعة أشياء). موضع النزول، وعدد الآيات، والحروف والكلمات واذكر الآيات التى
следующие страницы →