Полный текст (363 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ولم يتحصل له العلم إلا بعد أن سمع من كثير من العلماء وتفقه على العديد من الشيوخ كالشيخ برهان الدين الفزارى وكمال الدين بن قاضى شهبة، ثم صاهر الحافظ أبا الحجاج المزى ولازمه وأخذ عنه، وأقبل على علم الحديث وأخذ الكثير عن ابن تيمية وقرأ الأصول على الأصبهانى، وسمع الكثير، وبرع فى حفظ المتون ومعرفة الأسانيد والعلل والرجال والتاريخ حتى برع فى ذلك وهو شاب.
قال عنه الإمام الذهبى فى معجمه:
«الإمام المفتى المحدث البارع: فقيه متفنن ومحدث متقن، ومفسر نقاد.
وقال ابن حجر فى الدرر:
سمع من ابن الشحنة وابن الزرّاد وإسحاق الآمدى وابن عساكر والمزى وابن الرضى وأجاز له من مصر: الدبوسى والوانى والختنى وغيرهم .. واشتغل بالحديث مطالعة فى متونه ورجاله، فجمع التفسير، وشرع فى كتاب كبير فى الأحكام لم يكمل، وجمع التاريخ الذى سماه البداية والنهاية وعمل طبقات الشافعية وخرج أحاديث مختصر ابن الحاجب وشرع فى شرح البخارى، ولازم المزى وقرأ عليه تهذيب الكمال وصاهره على ابنته وأخذ عن ابن تيمية، ففتن بحبه وامتحن بسببه.
وقال عنه ابن حبيب: زعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد وطارت أوراق فتاويه فى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير وانتهت إليه رئاسة العلم فى التاريخ والحديث والتفسير.
وقال تلميذه الحافظ شهاب الدين بن حجى:
«كان احفظ من ادركناه لمتون الأحاديث، واعرفهم بتخريجها ورجالها وصحيحها وسقيمها وكان اقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك، وكان يستحضر شيئا كثيرا من الفقه والتاريخ قليل النسيان وكان فقيها جيد الفهم صحيح
стр. 212
الذهن، يشارك فى العربية مشاركة جيدة وينظم الشعر، وما اعرف أنى اجتمعت به على كثرة ترددى إليه إلا واستفدت منه».
وقال ابن حجر:
كان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه فى البلاد فى حياته وانتفع بها الناس بعد وفاته.
وقد انتهت إليه رئاسة العلم فى التاريخ والتفسير والحديث فولى مشيخة أم الصالح بعد موت الذهبى، ومشيخة دار الحديث الاشرفية بعد موت السبكى مدة يسيرة، ثم أخذت منه.
وهو القائل:
تمر بنا الأيام تترى وانما ... نساق إلى الآجال والعين تنظر
فلا عائد هذا الشباب الذى مضى ... ولا زائل هذا المشيب المكدر
стр. 213
بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز للفيروز بادى
مؤلف هذا الكتاب أمام مشهور، وعالم فاضل، برز فى اللغة وعلومها، والحديث وفنونه، وضم إلى ذلك معرفة تاريخية صائبة وسلوكا صوفيا طيبا، وجمع كل معارفه فنسقها تنسيقا لم يسبق إليه، وقدمها تقديما حاول به أن ييسر القرآن للباحثين، ويكشف للعالم عن وجوه الإعجاز فيه فجاء وافيا بآية محققا للغاية المنشودة منه.
والفيروزآبادي: مجد الدين أبو الطاهر محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيرازى الشيخ العلامة.
كان بروزه إلى ساحة الحياة فى سنة تسع وعشرين وسبعمائة بكازرون لأب كان من علماء اللغة والأدب بشيراز فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين وشغل بكتب اللغة من هذه السن ثم انتقل إلى شيراز فى سن الثامنة فأخذ اللغة من أبيه والحديث من محمد بن يوسف الزرندى الحنفى.
وانطلق فى رحلاته بين أرجاء العالم الإسلامى محصلا جامعا متفهما متعلما:
يقول ابن حجر فى أنباء الغمر: (ودخل الديار الشامية بعد الخمسين فسمع بها وظهرت فضائله وكثر الآخذون عنه، ثم دخل القاهرة ثم جال فى البلاد الشمالية والشرقية ودخل الهند وعاد منها على طريق اليمن قاصدا مكة، ودخل زبيد فتلقاه الملك الأشرف إسماعيل بالقبول، وكان ذلك بعد وفاة جمال الدين الريمى قاضى الأقضية باليمن كله فقرره الملك الأشرف مكانه وبالغ فى إكرامه فاستقرت قدمه بيزيد واستمر فى ذلك إلى مات وقدم فى هذه المدة مكة مرارا وأقام بها وبالطائف، ثم رجع).
стр. 214
ومن معالم شخصيته البارزة قوة الحفظ فقد حكى عنه أنه قال: «ما كنت أنام حتى احفظ مائتي سطر».
ومن هذه المعالم طيب النفس وسماحة السلوك وحسن الصحبة، قال ابن حجر: (اجتمعت به فى زبيد وفى وادى الخصيب وناولنى جل «القاموس» واذن لى مع المناولة أن أرويه عنه وقرأت عليه من حديثه عدة أجزاء وسمعت منه «المسلسل» بالأولية بسماعة من السبكى وكتب لى تقريظا على بعض تخريجاتي أبلغ فيه وأنشدنى لنفسه فى سنة ثمانمائة بيزيد.
وقد كان لهذه السماحة أطيب الأثر فى إقبال أهل عصره واحرصهم على تكريمه فكان كما قال ابن حجر: (لم يقدر له قط أنه دخل بلدا الا وأكرمه متوليه وبالغ فى إكرامه مثل شاه شجاع صاحب تبريز والأشرف صاحب مصر والأشرف صاحب اليمن وابن عثمان صاحب الروم وأحمد بن ادريس صاحب بغداد وغيرهم.
أما من علمه فقد كان عزيرا، لقد استفاد بكبار علماء عصره، واستنار بما دون فى الكتب من العلوم ومع دقة حفظه وسعة اطلاعه فقد كانت المراجع لا تفارقه فى حله وترحاله لقد كان لا يسافر إلا وصحبته عدة احمال من الكتب يخرج أكثرها فى كل منزلة فينظر فيها ويعيدها إذا رحل وكان إذا املق باعها.
ونقل السخاوى عنه أنه قال: اشتريت بخمسين ألف مثقال ذهبا كتبا.
أما عن شيوخه فقد قرأ القراءات العشر على الشهاب أحمد بن على الديواني وأخذ ببغداد عن التاج محمد بن السباك والسراج عمر بن على القزوينى، وفى دمشق أخذ عن الشيخ تقى الدين السبكى وابنه التاج عبد الوهاب وفى الشام أخذ عن صلاح الدين العلائى وفى القاهرة أخذ عن بهاء الدين ابن عقيل شارح الألفية وجمال الدين الاسنوى وابن هشام النحوى.
والناظر فى تفسيره يجد أنه قد رسم له خطته وحدد طريقته فقال فى مقدمته:
стр. 215
وبعد: فهذا كتاب جليل ومصنف حفيل ايتمرت بتأليفه الأوامر الشريفة العالية المولوية الامامية السلطانية العامية الهمتمية الصمصاوية الأعدلية الأفضلية السعدية الأجلية الملكية الاشرفية ممهد الدنيا والدين، خليفة الله فى العالمين أبو العباس إسماعيل بن العباس بن على بن داود بن يوسف بن عمر بن رسول خلد الله سلطانه. وأنار فى الخافقين برهانه قصد بذلك نصره الله- جمع شتات العلوم وضم أنواعها، على تباين أصنافها فى كتاب مفرد تسهيلا لمن رام سرح النظر فى أزاهير أفنان الفنون وتيسيرا لمن أراد الاستمتاع برائع أزهارها، ويانع ثمارها الغض المصون.
فاستعنت بتوفيق الله وتأييده، ورتبته على مقدمة وستين مقصدا:
المقدمة فى تشويق العالم إلى استزادة العلم الذى طلبه فرض، وتمييز العلوم بعضها من بعض.
المقصد الأول: فى لطائف تفسير القرآن العظيم.
أما المقاصد الباقية فتتعلق بعلوم أخرى كعلم الحديث وعلم الفقه وعلم الحروف وخواصها ونحو ذلك.
المقصد الأول
: وبعد المقدمة يقول المقصد الأول فى لطائف تفسير القرآن العظيم.
اعلم أن رتبنا هذا المقصد الشريف على أغرب اسلوب وقدمنا أمامه مقدمات ومواقف:
أما المقدمات: ففي ذكر فضل القرآن الكريم ووجه اعجازه وعد اسمائه وما لا بد للمفسرين من معرفته: من ترتيب نزول سور القرآن واختلاف أحوال آياته وفى مواضع نزوله وفى وجوه مخاطباته وشىء من بيان الناسخ والمنسوخ وأحكامه ومقاصده: من ابتداء القرآن إلى انتهائه. ثم يقول: (واذكر فى كل سورة على حدة سبعة أشياء).
موضع النزول، وعدد الآيات، والحروف والكلمات واذكر الآيات التى
стр. 216
اختلفت فيها القراءات ومجموع فواصل آيات السورة، وما كان للسورة من اسم أو اسمين فصاعدا، واشتقاقه ومقصودة السورة وما هى متضمنة له وآيات الناسخ والمنسوخ منها والمتشابه منها وبيان فضل السورة مما ورد فيها من الأحاديث.
ثم اذكر موقفا يشتمل على تسعة وعشرين بابا على عدد حروف الهجاء ثم اذكر فى كل باب من كلمات القرآن ما أوله حرف ذلك الباب مثاله أنى أذكر فى أول باب الألف الألف واذكر وجوهه ومعانيه ثم اتبعه بكلمات أخرى مفتتحة بالألف وكذلك فى باب الباء والتاء إلى آخر الحروف فيحتوى ذلك على جميع كلمات القرآن ومعانيها على أتم الوجوه.
واختتم ذلك بباب الثلاثين اذكر فيه أسماء الأنبياء ومتابعيهم من الأولياء، ثم أسماء اعدائهم المذكورين فى القرآن واشتقاق كل ذلك لغة، وما كان له فى القرآن من النظائر واذكر ما يليق به من الأشعار والأخبار واختم الكتاب بذكر خاتم النبيين.
ثم استفاض فى تفسيره على النمط الذى ذكره ومن أمثلته ما يلى:
«بصيرة» - أنا انزلناه
السورة مكية عند بعض المفسرين، مدنية عند الأكثرين.
آياتها ست فى عد الشام وخمس عند الباقين.
وكلماتها ثلاثون وحروفها مائة واثنتا عشرة.
فواصل آياتها على الراء.
سميت سورة القدر لتكرر ذكره فيها.
معظم مقصود السورة: بيان شرف ليلة القدر فى نص القرآن ونزول الملائكة المقربين من عند الرحمن واتصال سلامهم طوال الليل على أهل الإيمان فى قوله حتى مطلع الفجر السورة محكمة.
стр. 217
المتشابهات
: قوله تعالى:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ... وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (سورة القدر الآية ١، ٢) ثم قال (ليلة القدر) فصرح به، وكان حقه الكناية مرفعا لمنزلتها فإن الإسم قد يذكر بالصريح فى موضع الكناية تعظيما وتخويفا كما قال الشاعر:
لا أرى الموت يسبق الموت شىء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
فصرح باسم الموت ثلاث مرات تخويفا وهو من أبيات كتاب سيبويه
فضل السورة
: فيه أحاديث ضعيفة: عن أبى: من قرأها أعطى من الأجر كمن صام رمضان واحيا ليلة القدر.
وقال جعفر: من قرأها فى ليلة نادى مناد: استأنف العمل فقد غفر الله لك.
وقال: يا على، من قرأها فتح الله فى قبره بابين من الجنة وله بكل آية قرآن ثواب من صلى بين الركن والمقام ألف ركعة.
بصيرة فى الرزق
: والرزق- بالكسر- ما ينتفع به ويقال للعطاء الجارى تارة دنيويا كان أو أخرويا وللنصيب تارة ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة والجمع أرزاق.
والرزق- بالفتح- المصدر الحقيقى والمرة الواحدة رزقه والجمع رزقات ويقال: أعطى السلطان رزق الجند ورزقت علما، قال تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ من المال والجاه والعلم.
وقوله:
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (سورة الواقعة ٨٢)
стр. 218
أي تجعلون نصيبكم من النعمة تحرى الكذب وقوله:
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ (سورة الذاريات ٢٢) قيل: عنى به المطر الذى به حياة الحيوان.
وقيل: هو كقوله:
فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً (سورة الحجر ٢٢) وقيل: تنبيه ان الحظوظ بالمقادير وقوله: (فليأتكم برزق منه) أى بطعام يتغذى به.
وقوله (رزقا للعباد) قيل عنى به الأغذية ويمكن أن يحمل على العموم فيما يؤكل ويلبس ويستعمل. وقال فى العطاء الأخروية. وقوله:
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ (سورة الذاريات الآية ٥٨) محمول على العموم.
والرزاق يقال الخالق الرزق معطيه والسبب له وهو الله تعالى ويقال للإنسان الذي يصير سببا فى وصول الرزق فلا يقال إلا الله تعالى وقوله:
وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (سورة الحجر الآية ٢٠) أي بسبب رزقه ولا مدخل لكم فيه.
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً (سورة النحل الآية ٧٣) الآية: أى ليسوا بسبب فى رزقهم بوجه من الوجوه وبسبب من الأسباب.
وارتزق الجند: أخذوا أرزاقهم، والرزقة ما يعطونه دفعة واحدة. اهـ.
стр. 219
النيسابورى المتوفى سنة ٧٢٨ ه ـ
هو الإمام الكبير، والعالم الشهير، نظام الدين الحسن بن محمد بن الحسين الخراسانى النيسابورى.
ولد نيسابورى وأقام بمدينة «قم» وكان منشؤه وموطنه بديار نيسابور ..
كان ملما بالعلوم العقلية والنقلية، عارفا باللغة العربية، متمكنا من ناحية التعبير عارفا بالتأويل والتفسير، واعيا بالقراءات، وضم إلى ذلك الشهرة العلمية الواسعة على جانب كبير من الورع والتقوى، ومعرفة واسعة بالتصوف وعلوم الاشارات.
كانت له كتب مفيدة، وآثار جيدة، ثلاثة كتب فى التفسير: كبير ومتوسط وموجز ومنها كتاب تعبير التحرير شرح لتحرير المجسطى للطوسي، وتوضيح التذكرة النصيرية فى الهيئة هذا فضلا عما كتبه فى أوقاف القرآن ..
تفسير النيسابورى
ومن أهم كتب النيسابورى تفسيره المشهور: غرائب القرآن ورغائب الفرقان الذى الفه رغبة فى تيسير القرآن للدارسين، ومساعدة الراغبين فى فهمه، والتعرف على ما يمكن التعرف عليه من اسراره ..
وقد بين السبب فى قيامه بتأليفه فقال:
وإذ وفقنى الله تعالى لتحريك القلم فى أكثر الفنون المنقولة والمعقولة، كما اشتهر بحمد الله تعالى ومنه فيما بين أهل الزمان، وكان علم التفسير من العلوم بمنزلة، الانسان من العين والعين من الانسان، وكان قد رزقنى الله تعالى من إبان الصبا وعنفوان الشباب حفظ لفظ القرآن، وفهم معنى الفرقان، وطالما
стр. 220
طالبنى بعض أجلة الاخوان، وأعزة الأخدان، ممن كنت مشارا إليه عندهم بالبنان فى البيان، والله المنان، يجازيهم عن حسن ظنونهم، ويوفقنا لا سعاف سؤلهم وانجاح مطلوبهم، ان اجمع كتابا فى علم التفسير، مشتملا على المهمات، مبينا على ما وقع لنا من نقل الاثبات وأقوال الثقات، من الصحابة والتابعين، ثم من العلماء الراسخين، والفضلاء المحققين المتقدمين والمتأخرين، جعل الله تعالى سعيهم مشكورا، وعملهم مبرورا، فاستعنت بالمعبود وشرعت فى المقصود، معترفا بالعجز والقصور فى هذا الفن وفى سائر الفنون ..
ثم ذكر أهم المراجع التى اعتمد عليها فى اعداد تفسيره فقال:
ولما كان التفسير الكبير المنسوب إلى الإمام الافضل، والهمام الامثل، الحبر النحرير، والبحر الغزير، الجامع بين المعقول والمنقول، الفائز بالفروع والأصول، أفضل المتأخرين، فخر الملة والحق والدين، محمد بن عمر بن الحسن الخطيب الرازى، تغمده الله برضوانه وأسكنه بحبوحة جنانه، اسمه مطابق لمسماه، وفيه من اللطائف والبحوث ما لا يحصى، ومن الزوائد والفنون ما لا يخفى، فإنه قد بذل مجهوده، ونثل موجوده، حتى عسر كتابه على الطالبين، واعوز تحصيله على الراغبين، فحاذيت سياق مرامه، وأوردت حاصل كلامه وقربت مسالك أقدامه، والتقطت عقود نظامه، من غير اخلال بشيء من الفرائد، واهمال لما يعد من اللطائف والفوائد، وضمت إليه، ما وجدت فى الكشاف وفى سائر التفاسير من اللطائف المهمات إذ رزقنى الله تعالى من البضاعة المزجاة، وأثبت القراءات المعتبرات والوقوف المعللات ثم التفسير المشتمل على المباحث اللفظيات والمعنويات، مع اصلاح ما يجب اصلاحه، وإتمام ما ينبغى إتمامه، من المسائل الموردة فى التفسير الكبير والاعتراضات، ومع حل ما يوجد فى الكشاف من المواضع المعضلات، سوى الابيات المعقدات، فان ذلك يوردها من ظن أن تصحيح القراءات وغرائب القرآن انما يكون بالامثال والمستشهدات، كلا فان القرآن حجة على غيره وليس غيره عليه، فلا علينا أن نقتصر فى غرائب القرآن على تفسيرها
стр. 221
بالألفاظ المشتهرات وعلى ايراد بعض المتجانسات، التى تعرف منها أصول الاشتقاقات، وذكرت طرفا من الاشارات المقنعات والتأويلات الممكنات، والحكايات المبكيات، والمواعظ الرادعة عن المنهيات الباعثة على أداء الواجبات ..
ثم قال مبينا منهجه فى التفسير:
«والتزمت ايراد لفظ القرآن الكريم أولا مع ترجمته على وجه بديع، وطريق منيع مشتمل على ابراز المقدرات، واظهار المضمرات، وتأويل المتشابهات، وتصريح الكنايات وتحقيق المجازات والاستعارات، فان هذا النوع من الترجمة مما تسكب فيه العبرات، ويزل المترجمون هنالك إلى العثرات، وقلما يفطن له الناشئ الواقف على متن اللغة العربية، فضلا عن الدخيل القاصر فى العلوم الأدبية، واجتهدت كل الاجتهاد فى تسهيل سبيل الرشاد. ووضعت الجميع على طرف التمام ليكون الكتاب كالبدر فى التمام، وكالشمس فى افادة الخاص والعام، من غير تطويل يورث الملام، ولا تقصير يوعر مسالك السالك ويبدد نظام الكلام، فخير الكلام ما قل ودل، وحسبك من الزاد ما بلغك المحل.
وقد قدم لتفسيره بمقدمات هامة:
المقدمة الاولى: فى فضل القراءة والقارئ وآداب القراءة وجواز اختلاف القراءات وذكر القراء المشهورين المعتبرين.
المقدمة الثانية: فى الكلام على الاستعاذة المندوب إليها فى قوله عز من قائل: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم).
المقدمة الثالثة: فى فوائد مهمة تتصل بتواتر القراءات السبع، والكلام على نزول القرآن على سبعة أحرف.
المقدمة الرابعة فى كيفية جمع القرآن ..
стр. 222
المقدمة الخامسة فى معانى المصحف والكتاب والقرآن والسورة والآية والكلمة والحرف وغير ذلك.
المقدمة السادسة: فى ذكر السبع الطوال والمثانى والمئين والطواسيم والحواميم والمفصل والمسبحات وغير ذلك.
المقدمة السابعة: فى ذكر الحروف التى كتب بعضها على خلاف بعض فى المصحف وهى فى الأصل واحدة المقدمة الثامنة: فى أقسام الوقف.
المقدمة التاسعة: فى تقسيمات يعرف منها اصطلاحات مهمة المقدمة العاشرة: فى أن كلام الله تعالى قديم أولا المقدمة الحادية عشرة: فى كيفية استنباط المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة.
ويبدأ بعد ذلك فى تفسيره على ما رسمه فى مقدمته.
أنه يبدا بكتابة مجموعة من الآيات ثم يتحدث عما فيها من القراءات، وما تشتمل عليه من الوقوف ثم يبدأ التفسير، وغالبا ما يعقب بالتأويل.
ولتعرض نموذجا صغيرا من تفسيره فى قول الله تعالى:
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ. وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ.
(سورة البقرة الآية ٤٨) القراءات:
ولا تقبل بالتاء الفوقانية (قراءة) ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب
стр. 223
الوقوف:
العالمين (.) (أى آخر آية) ينصرون (.)
التفسير (ولطول الكلام فيه سنوجزه فيما يأتى):
إنما أعاد سبحانه هذا الكلام توكيدا للحجة، وتحذيرا من ترك اتباع محمد ﷺ ، كأنه قال: ان لم تطيعونى لاجل سوالف نعمتى عليكم، فاطيعونى للخوف من عقابى فى المستقبل.
والمراد بالعالمين هاهنا: الجم الغفير من الناس، كقوله بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ سورة الانبياء (٧١) ويمكن أن يكون المراد: فضلتكم على عالمى زمانكم، لان الشخص الذى سيوجد بعد ذلك لا يكون من جملة العالمين ويحتمل ان يكون لفظ العالمين عاما للموجودين ولمن سيوجد، لكنه مطلق فى الفضل، والمطلق يكفى فى صدقه صورة واحدة.
٢ - قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (سورة البقرة: ١١٩) القراءات:- «ولا تسئل» على النهى نافع ويعقوب، للباقون بضم التاء، ورفع اللام على الخبر.
الوقوف:- «ونذيرا ولا» للعطف: أى نذيرا، وغير مسئول إلا لمن قرأ (ولا تسأل) على النهى لاختلاف الجملتين (الجحيم) تمام الآية.
التفسير:
لما بين غاية اصرارهم على العناد، وتصميمهم على الكفر بعد نزول ما يكفى فى باب الاقتداء والاهتداء من الآيات البينات، اراد أن يسلى
стр. 224
ويسرى عن رسوله لئلا يضيق صدره فقال: إِنَّا أَرْسَلْناكَ يا محمد (بالحق) والصواب ما تقتضيه الحكمة، وهو أن لا يكون لك أن تجبرهم على الايمان بل لا يتجاوز حالك عن أن تكون (بشيرا) لمن اتبعك بكل خير (ونذيرا) لمن خالفك بكل سوء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ (سورة فاطر: ٨) انك غير مسئول عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ «سورة
البقرة: ١١٩» وهو من أسماء النار وكل نار عظيمة فى مهواة فهى جحيم، من قوله تعالى:- قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ.
(سورة الصافات: ٧٧) والجاحم: المكان الشديد الحر، وهذا كقوله فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (سورة الرعد: ٤٠) وأما قراءة النهى، فيروى أنه قال: «ليت شعرى ما فعل أبواى؟ «فنهى عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله، وفى هذه الرواية بعد «لان سياق الكلام ينبو عن ذلك ولانه ﷺ مع علمه الاجمالى بحال الكفار كيف يتمنى ذلك؟
والاقرب أن معناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من المحن كما إذا سألت عمن وقع فى بلية، فيقال لك. لا تسأل عنه، فكأن المسئول يحرج أن يجرى على لسانه ما هو فيه لفظاعته، أو يرى أنك لا تقدر على استماع خبره، لانه يورث الوحشة والضجر ..
стр. 225
الإمام البيضاوى ومنهجه فى التفسير
هو الإمام عبد الله بن عمر بن محمد بن على الشيرازى، أبو سعيد أبو الخير ناصر الدين البيضاوى من قرية يقال البيضاء لها من بلاد فارس ولى القضاء بشيراز وفسر القرآن، وألف فى كثير من الفنون وتيسر له هذا المنصب بعد حادثة دلت على نبوغه، وكشفت عن عبقريته ..
لقد دخل تبريز، فصادف دخوله إليها مجلس درس قد عقد بها لبعض الفضلاء، فجلس القاضى ناصر الدين فى اخريات القوم، بحيث لم يعلم به أحد فذكر المدرس نكتة زعم أن أحدا من الحاضرين لا يقدر على جوابها، وطلب من القوم حلها، والجواب عنها، فإن لم يقدر فالحل فقط فان لم يقدر فإعادتها فلما انتهى من ذكرها شرع القاضى ناصر الدين فى الجواب فقال له:
لا اسمع حتى اعلم أنك فهمتها، فخيره بين اعادتها بلفظها أو معناها، فبهت المدرس، وقال: اعدها بلفظها، فاعادها ثم حلها وبين أن فى ترتيبه اياها خللا، ثم اجاب عنها، وقابلها فى الحال بمثلها، ودعا المدرس إلى حلها، فتعذر عليه ذلك، فاقامه الوزير من مجلسه، وادناه إلى جانبه وسأله من انت؟ فاخبره انه البيضاوى، وأنه جاء فى طلب القضاء بشيراز، فاكرمه، وخلع عليه فى يومه، ورده وقد قضى حاجته ..
كان إماما علامة، عارفا بالفقه والتفسير وأصول الفقه وأصول الدين والعربية والمنطق وكان عالما بفنون المناظرة وآداب المناقشة، صالح السلوك، مجتهدا فى العبادة، زاهدا فى متاع الدنيا الفانى، شافعى المذهب ..
стр. 226
قال ابن شهبة فى طبقاته عنه صاحب المصنفات، وعالم اذربيجان، وشيخ تلك الناحية وقال السبكى: كان إماما مبرزا نظارا صالحا معبدا ..
وقال ابن حبيب: تكلم كل من الأئمة بالثناء على مصنفاته، ولو لم يكن له غير المنهاج الوجيز لفظه المحرر لكفاه ..
صنف الكتب المهمة فى شتى الفنون الدينية، فصنف مختصر الكشاف، والمنهاج فى علم الاصول وشرح مختصر ابن الحاجب فى الاصول وشرح المنتخب فى الاصول للإمام فخر الدين، وشرح المطالع فى المنطق، والايضاح فى أصول الدين، والغاية القصوى فى الفقه، والطوالع فى الكلام، وشرح الكافية لابن الحاجب، وشرح المصابيح ولب اللباب فى علم الاعراب ما زال مخطوطا، والغاية القصوى فى دراسة الفتوى فى فقه الشافعية، وما زال فى عداد المخطوطات ..
ومن أهم مصنفاته تفسيره المشهور الذى قدم له فقال بعد الحمد والثناء.
وبعد: فان أعظم العلوم مقدارا، وارفعها شرفا ومنارا، علم التفسير الذى هو رئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع واساسها، لا يليق لتعاطيه والتصدى للتكلم فيه إلا من برع فى العلوم الدينية كلها- اصولها وفروعها، وفائق فى الصناعات العربية والفنون الادبية بانواعها، ولطالما أحدث نفسى أن اصنف فى هذا الفن كتابا يحتوى على صفوة ما بلغنى من عظماء الصحابة، وعلماء التابعين، ومن دونهم من السلف الصالحين، وينطوى على نكت بارعة، ولطائف رائعة، استنبطتها أنا ومن قبلى من افاضل المتاخرين، واماثل المحققين، ويعرب عن وجوه القراءات المعزية إلى الأئمة الثمانية المشهورين، والشواذ المروية عن القراء المعتبرين إلا أن قصور بضاعتى يثبطنى عن الاقدام، ويمنعنى عن الانتصاب فى هذا المقام، حتى سنح لى بعد الاستخارة ما صح به عزمى على الشروع فيما اردته، والاتيان بما قصدته، ناويا ان اسميه بعد ان اتممه ب «انوار التنزيل، وأسرار التأويل».
стр. 227
ثم شرع فى التفسير:- والمتأمل فى تفسيره يجد أنه قد نحا فيه نحو الاختصار، وركز فيه الافكار، ووجه الانظار إلى ما تشتمل عليه الآيات فى كثير من نواحى الاعراب والفقه والاصول ونحو ذلك، معتمدا على ما سبقه من التفاسير كتفسير الكشاف والرازى ونحوهما ..
وقد افاض العلماء فى الحديث عن هذا الكتاب محللين ومبينين، فقال السيوطى فى حاشيته عليه:- إن القاضى ناصر الدين البيضاوى لخص هذا الكتاب فاجاد، وأتى بكل مستجاد وماز فيه أماكن الاعتزال، وطرح موضع الدسائس وازال، وحرر مهمات، واستدرك تتمات، فظهر كأنه سبيكة نضار، واشتهر اشتهار الشمس فى رابعة النهار، وعكف عليه العاكفون، ولهج بذكر محاسنه الواصفون، وذاق طعم دقائقه العارفون، فاكب عليه العلماء تدريسا ومطالعة، وبادروا إلى تلقيه بالقبول رغبة فيه ومسارعة ..
وقال صاحب كشف الظنون:- تفسيره- أى البيضاوي- كتاب عظيم الشأن، غنى عن البيان، لخص فيه من الكشاف ما يتعلق بالاعراب والمعانى والبيان، ومن التفسير الكبير- رأى الرازى- ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن تفسير الراغب ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الاشارات، وضم إليه ما ورى زناد فكره من الوجوه المعقولة، فجلا رين الشك عن السريرة، وزاد فى العلم بسطة وبصيرة كما قال مولانا المنشى ..
اولوا الالباب لم ياتوا ... بكشف قناع ما يتلى
ولكن كان للقاضى ... يد بيضاء لا تبلى
ولكونه متبحرا فى ميدان فرسان الكلام فاظهر مهارته فى العلوم حسبما يليق بالمقام كشف القناع تارة عن وجوه محاسن الاشارة وملح الاستعارة، وهتك
стр. 228
الاستار الاخرى عن اسرار المعقولات بيد الحكمة ولسانها، وترجمان المناطقة وكيزانها، فحل ما اشكل على الانام، وذلل لهم صعاب المرام، واورد فى المباحث الدقيقة ما يدحض بعض الشبه المضلة، واوضح لهم مناهج الادلة والذى ذكره من وجوه التفسير ثانيا أو ثالثا أو رابعا بلفظ قبل فهو ضعيف ضعف المرجوح أو ضعف المردود ..
وأما الوجه الذى تفرد فيه وظن بعضهم انه مما لا ينبغى أن يكون من الوجوه التفسيرية السنية كقوله:
وحمل الملائكة العرش وخفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له، ونحوه فهو ظن من لعله يقصر فهمه عن تصور مبانيه، ولا يبلغ علمه الا الاحاطة بما فيه، فمن اعترض بمثله على كلامه كأنه ينصب الحبالة للعنقاء، ويروم أن يصيد نسر السماء، لانه مالك زمام العلوم الدينية، والفنون اليقينية، على مذهب أهل السنة والجماعة، وقد اعترفوا له قاطبة بالفضل المطلق، وسلموا إليه قصب السبق، فكان تفسيره يحتوى على فنون من العلم وعرة المسالك، وانواعا من القواعد المختلفة الطرائق، وقل من برز فى فن الأوصدة عن سواه وشغله، والمرء عدو لما جهله، حتى يسلم من الغلط والزلل، ويقتدر على رد السفسطة والجدل ..
واستطرد صاحب كشف الظنون فى الثناء على الكتاب وعلى صاحب الكتاب، حتى قال بحق:
ثم ان هذا الكتاب رزق من عند الله بحسن القول عند جمهور الافاضل والفحول، فعكفوا عليه بالدرس والتحشية، فمنهم من علق تعليقته على سورة منه، ومنهم من حشى تحشية تامة، ومنهم من كتب على بعض مواضع منه ..
ومن أشهر الحواشى عليه حاشية قاضى زاده (مطبوعة) وحاشية الشهاب الخفاجى (مطبوعة) وحاشية القونوى ..
стр. 229
هذا هو تفسير البيضاوى مختصر فى غير خلل، ومشتمل على الوان من العلم النافع، والخير الغزير، ويتضح ذلك بذكر نماذج منه:
قوله تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ..
(سورة الأنعام: ١٦١ و ١٦٢ و ١٦٣) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بالوحى والارشاد إلى ما نصب من الحجج. (دينا) بدل من محل «الى صراط» إذ المعنى: هدانى صراطا، كقوله: ويهديكم صراطا مستقيما، أو مفعول فعل مضمر دل عليه الملفوظ، (قيما) فعل من قام كسيد من ساد، وهو ابلغ من المستقيم باعتبار الزنة «الوزن» والمستقيم باعتبار الصيغة، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى: «قيما» على أنه مصدر، وكان قياسه قوما كعوض فاعل الاعلال فعله كالقيام، مِلَّةَ إِبْراهِيمَ عطف بيان لدينا حَنِيفاً حال من إبراهيم وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عطف عليه ..
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي عبادتى كلها، أو قرباتى، أو حجى وَمَحْيايَ وَمَماتِي وما انا عليه فى حياتى واموت عليه من الايمان والطاعة، او طاعات الحياة والخيرات والمضافة إلى الممات كالوصية والتدبير، أو الحياة والممات أنفسهما، وقرا نافع: محياى باسكان الياء اجراء للوصل مجرى الوقف لله رب العالمين لا شريك له، خالصة لا اشرك فيها غيره، وَبِذلِكَ القول أو الاخلاص أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ لانه إسلام كل نبى متقدم على إسلام
стр. 230
الدر المنثور فى التفسير بالمأثور للحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى
ولد الإمام السيوطى فى أول رجب سنة ٨٤٩ هـ وكانت وفاته فى جمادى الأول سنة ٩١١ ودفن فى حوش قوصون خارج باب القرافة بالقاهرة.
أفرد الحافظ الداودى- وهو تلميذ الامام السيوطى- ترجمة كتاب مستقل عن أستاذه الحافظ السيوطى، وقد ترجم الحافظ السيوطى لنفسه فى كثير من كتبه يذكر فى أحدها ما لم يذكره فى الآخر، وترجم له كثيرون من محبيه ومن خصومه، ومن المعتدلين بين هؤلاء وممن ترجم له من القدماء ابن اياس فى تاريخه، وصاحب الكواكب السائرة، وعبد الغنى النابلسى.
وترجم له من المحدثين العالم المحقق الثبت السيد عبد الحى الكناني.
ولقد كان السيوطى قمة من القمم التى أثارت الكثير من الحديث عنها فيما بين ذام ومادح، وقد كان خصبا فى التأليف، وكان صاحب ذاكرة قوية وجد واجتهاد منذ صغره، فحفظ القرآن الكريم وما بلغ الثامنة من عمره بعد.
ودرس على مشايخ وتتلمذ على أساتذة، وصل بعضهم بعددهم إلى ستمائة، أما مشايخه فى الرواية سماعا واجازة فقد وصل إلى مائة وخمسين.
وكتبه بلغ تقديرها أكثر من خمسمائة، وهذه الكتب منها المؤلف الأصيل، ومنها ما هو مختصر من كتب سابقيه ومنها ما هو جمع أو تنسيق، والسيوطى فى كل ذلك له طابعه الموجود فى كل كتبه، وأعنى به طابع السهولة، فكتبه لا تعقيد فيها، سواء أكانت تأليفا أم جمعا وتنسيقا.
стр. 231
يقول ابن العماد فى الشذرات:
«ان تلميذه الحافظ الداودى استقصى أسماء مؤلفاته الحافلة الكبيرة الكاملة الجامعة فنافت عدتها على خمسمائة مؤلف، وقد أشتهر أكثر مؤلفاته فى أقطار الأرض شرقا وغربا وكان آية كبرى فى سرعة التأليف، قال تلميذه الداودى:
عاينت الشيخ وقد كتب فى يوم واحد ثلاث كراريس تأليفا وتحريرا، وكان مع ذلك يملى الحديث، ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة» أ. هـ.
ويقول أبو الحسنات: محمد عبد الحى اللكنوى فى فى حواشيه على الموطأ بعد أن ذكر السيوطى:
«وتصانيفه كلها مشتملة على فوائد لطيفة، وفوائد شريفة، تشهد كلها بتبحره وسعة نظره ودقة فكره، وأنه حقيق بأن يعد من مجددى الملة المحمدية فى بدء المائة العاشرة، وآخر التاسعة، كما ادعاه بنفسه، وشهد بكونه حقيقا به من جاء بعده، كعلى القارى المكى فى المرآة شرح المشكاة.
ويقول السيد محمد عبد الحى الكنانى:
«وقد ظفرت» فى مصر بكراسة من تأليف السيوطى عدد فيها تآليفه إلى سنة ٩٠٤ قبل موته بسبع سنين اوصل فيها عدد مؤلفاته إلى ٥٣٨، فعدد ما له فى علم التفسير ٧٣، وفى الحديث ٢٠٥، والمصطلح ٣٢، والفقه ٧١، وأصول الفقه، والدين والتصوف ٢٠، واللغة والنحو والتصريف ٦٦، والمعانى والبيان والبديع ٦ والكتب الجامعة من فنون ٨ الطبقات والتاريخ ٣٠، الجميع ٣٧، أ. هـ.
وفى فترة من فترات حياته كان له مثل عليا يجب أن يصل إلى مكانة علمية تماثلها:
فهو يتحدث قائلا: انه لما حج شرب من ماء زمزم لأمور منها.
стр. 232
١ - أن يصل فى الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقينى.
٢ - وفى الحديث إلى رتبة الحافظ بن حجر.
ولكن السيوطى فيما بعد كتب يقول:
«وقد كملت عندى الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثا بنعمة الله تعالى لا فخرا ولو شئت أن أكتب فى كل مسألة مصنفا بأقوالها وادلتها النقلية ومداركها ونقوحها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها والقدرة على ذلك من فضل الله لا بحولى ولا بقوتى فلا حول ولا قوة إلا بالله».
ومن استكمل آلات الاجتهاد ولا يكون مثله الأعلى فى الفقه الشيخ سراج الدين البلقينى وفى الحديث الحافظ بن حجر، وذلك أن من استكمل آلات الاجتهاد يكون قد تربع على القمة فى مختلف الفنون.
ورتبة الاجتهاد قد ادعاها الامام السيوطى فجرت عليه مشاكل وأثارت حوله جدلا واضطر هو أن يدافع ويهاجم، وأن يدخل معركة تتعلق بجدارته وكفاءته كان فى غنى عنها، لقد قال بعضهم- وهو قول باطل- ان من يبلغ رتبة الاجتهاد لا بدّ وأن يكون عالما محققا فى فن المنطق، والسيوطى ليس من أئمة المنطق فهو ليس مجتهدا.
ورغم أن هذه الدعوى باطلة وذلك أن الكثير من أئمة الاجتهاد توفاهم الله قبل أن يترجم المنطق الأرسطى إلى اللغة العربية، وكثير من أئمة الاجتهاد نأوا بأنفسهم عن المنطق بعد أن ترجم ولم يتهمهم أحد بنقص فى اجتهادهم.
ولكن بمجرد أن وجه هذا النقد إلى الامام السيوطى كتب يرد عن نفسه وفى كتابه الجميل:
«صون المنطق والكلام» عن: «فنى المنطق والكلام» أخذ يدافع عن نفسه ويعلن أنه اتقن علم المنطق اتقان ائمته وأنه لذلك مستوف شرائط الاجتهاد، ولكن السيوطى لم يدع الاجتهاد فحسب، وأنما ادعى أنه مجدد القرن العاشر.
стр. 233
لقد روى أبو داود وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«ان الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
والناس من قديم يتنازعون فى شخصية المجدد لكل قرن، ويختلفون على اسمه، وقد أرضى الامام بن كثير أغلب العلماء حين عمم فى الموضوع وجعله شاملا لكثيرين. انه يقول:
«وقد ادعى كل قوم فى امامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف ومن مفسر ومحدث وفقيه ونحوى ولغوى وغيرهم».
وعن ذلك وعن تقدير الامام السيوطى القارى فى شرح المشكاة:
«شيخ شيوخنا السيوطى هو الذى أحيا علم التفسير فى الدر المنثور، وجمع جميع الاحاديث المتفرقة فى جامعه المشهور، وما ترك فنا الا فيه له متن أو شرح مسطور، بل وله زيادات ومخترعات يستحق أن يكون هو المجود فى القرن العاشر كما ادعاه وهو فى دعواه مقبول ومشكور.
ونختم هذا بقول العارف بالله الشيخ الحافظ التيجانى أطال الله فى عمره:
«ولما بلغ العلامة السيوطى أربعين سنة من عمره أخذ فى التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاشتغال به صرفا والاعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم وشرع فى تحرير مؤلفاته التي سبقت الاشارة إليها وترك الافتاء والتدريس واعتذر عن ذلك فى مؤلف ألفه فى ذلك وسماه بالتنفيس، وأقام فى روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات، ولم يفتح طاقات بيته التى على النيل من سكناه، وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته ويعرضون عليه الأموال النفيسة فيردها وأهدى
إليه القوم خصيا وألف دينار فرد الألف وأخذ الخصى فأعتقه وجعله خادما فى الحجرة النبوية، وقال لقاصد
стр. 234
السلطان: لا تعد تأتينا قط بهدية، فان الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك، وكان لا يتردد إلى السلطان، ولا إلى غيره وطلبه مرارا فلم يحضر إليه، وقيل له: ان بعض الأولياء كان يتردد إلى الملوك والامراء فى حوائج الناس فقال: اتباع السلف فى عدم التردد عليهم أسلم لدين المسلم» أ. هـ.
ونأتى الآن إلى السيوطى والتفسير لقد ذكر السيوطى أنه ألف فى التفسير وما يتعلق به ٧٣ رسالة وكتابا، ويقول الامام السيوطى فى مقدمة كتابه: «الدر المنثور» «وبعد: فلما ألفت كتاب ترجمان القرآن وهو التفسير المسند عن رسول الله ﷺ وأصحابه رضى الله عنهم، وتم بحمد الله فى مجلدات فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرج منها رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله ورغبتهم فى الاقتصار على متون الاحاديث دون الاسناد وتطويله فلخصت منه هذا المختصر مقتصرا فيه على متن الأثر مصدرا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر، وسميته: بالدر المنثور فى التفسير بالماثور» والله أسأل أن يضاعف لمؤلفاته الأجور ويعصمه من الخطأ والزور، بمنه وكرمه أنه البر الغفور».
والدر المنثور هو أجمع كتاب للتفسير بالمأثور، لم يبد فيه الامام السيوطى رأيا، ولم يقل فيه كلمة مفسرة أو جملة شارحة، وأنما التزم التزاما كاملا أن يكون تفسيره جمعا لأحاديث رسول الله ﷺ فى الآية وسردا لبعض أقوال الصحابة رضى الله عنهم.
وهو فى جمعه هذا لم يلتزم صحة الاحاديث والنقل، ومن أجل ذلك فان هذا الكتاب الجليل فى حاجة ماسة إلى عمل متقن، فى التحقيق والتخريج، وبيان الصحيح من الاحاديث والحسن منها والضعيف.
ونورد الآن نموذجا يغنى عن غيره:
يقول فى قول الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (سورة الفاتحة)
стр. 235
«أخرج ابن جرير عن ابى حاتم عن ابن عباس فى قوله: «إياك نعبد» ويعنى إياك نوحد وتخاف ونرجو ربنا لا غيرك، «وإياك نستعين» على طاعتك وعلى أمورنا كلها، وأخرج وكيع والفرياني عن ابن رزين قال سمعت عليا قرأ هذا الحرف كان قرشيا عربيا فصيحا «إياك نعبد وإياك نستعين» اهدنا، برفعهما جميعا.
وأخرج الخطيب فى تاريخه عن أبى رزين أن عليا قرأ: إياك نعبد وإياك نستعين «فهمز ومد وشد» وأخرج أبو القاسم البغوى والماوردى معا فى معرفة الصحابة والطبرانى فى الأوسط وأبو نعيم فى الدلائل عن انس بن مالك عن أبى طلحة قال: كنا مع رسول الله ﷺ فى غزوة فلقى العدو فسمعته يقول:
«يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين» قال: فلقد رأيت الرجال تصدع تضربها الملائكة من بين يديها ومن خلفها»
стр. 236
الإمام أبو السعود وتفسيره
الإمام أبو السعود محمد بن مصطفى العمارى الحنفى صاحب التفسير المشهور، وصل إلى مرتبة عالية فى العلوم الدينية، بعد أن قرأ على أبيه وعلى كبار علماء عصره، وتنقل فى المدارس المتنوعة.
وأهلته هذه الدراسة الجادة مع ما منح من ميزات شخصية لتقلد أرقى المناصب الدينية الهامة- فتقلد القضاء فى عدد من البلاد التركية، كان آخرها قضاء العسكر فى ولاية روم «أيلى» ودام عليه مدة ثمان سنين.
ولما توفى مفتى تركيا سعد الله بن عيسى بن أمير خان تولى الفتيا مكانه، فكان له فيها أطيب الأثر، وأجمل الذكر، سارت بفتاويه الركبان، وأشبع حاجة السائلين، واتسع عمله لاجابة الطالبين- وسجلت آراؤه السديدة بأسلوبه اللطيف، الذى صبغت حقائقه العلمية فى أساليب ادبية طيبة، ومما ذكر فى ذلك أنه سئل عن شخص لا هو مريض ولا هو صحيح ولا حى ولا ميت ولا عاقل ولا مجنون، ولا نائم ولا يقظان، فأجاب متكلما بقوله: أن كان لهذا وجود فهو الترياق.
وسئل عن شرب القهوة قبل أن يكمل اشتهارها بعد ما قرر له اجتماع الفسقة على شربها، فأجاب بقوله: ما أكب أهل الفجور على تعاطيه، فينبغى أن يجتنبه من يخشى الله ويتقيه.
لقد حرمها بسبب اجتماع الفساق على تعاطيها وان كانت فى نفسها حلالا، لأن اجتماع الفسقة على شىء، ينقل خبثهم إليه، ويخرجه عما هو عليه من السلامة إلى الضياع ..
стр. 237
وقد كثر ثناء العلماء عليه، فقال صاحب شذرات الذهب:
وكان من الذين قعدوا من الفضائل والمعارف على سنامها وغاربها، وضربت له نوبة الامتياز فى مشارق الأرض ومغاربها.
تفرد فى ميدان فضله ولم يجاره أحد، وانقطع عن القرين والمماثل فى كل بلد، وحصل له من المجد والاقبال والشرف والافضال، ما لا يمكن شرحه بالمقال.
ويقول صاحب الكواكب السائرة:
وكان المولى أبو السعود عالما، واماما كاملا، شديد التحرى فى فتاويه، حسن الكتابة عليها، حسن المحاورة، وافر الانصاف، دينا خيرا، سالما ابتلى به كثير من موالى الروم، من أكل المكيفات، سالم الفطنة جيد القريحة، لطيف العبارة، حلو النادرة.
أما صاحب الاعلام فيقول عنه:
وأضيف إليه الافتاء سنة ١٩٥٢ هـ، وكان حاضر الذهن، سريح البديهة، كتب الجواب مرارا فى يوم واحد على ألف رقعة باللغات العربية والفارسية والتركية تبعا لما يكتبه السائل.
وقد عاقه الدرس والفتوى، والاشتغال بما يقتضيه المنصب، عن التفرغ للتصنيف، غير أنه- كما قال صاحب شذرات الذهب- اختلس فرصا، وصرفها إلى التفسير الشريف، وقد أتى فيه بما لم تسمح به الأذهان، ولم تقرع بمثله الاذان ويتحدث الإمام أبو السعود عن ظروف اعداد هذا التفسير مبرزا ظروف حياته فى لمحات خاطفة فيقول:
وكنت اتردد فى ذلك بين اقدام واحجام، لقصور شأنى وعزة المرام، أين الحضيض من الذرى؟ شتان بين الثريا وهيهات اصطياد العنقاء بالشباك، واقتياد الجوزاء من بروج الافلاك فمضت عليه الدهور والسنون، وتغيرت الاطوار وتبدلت الشئون، فابتليت بتدبير مصالح العباد، برهة فى قضاء
стр. 238
البلاد، وأخرى فى قضاء العساكر والاجناد، فحال بيني وبين ما كنت أخال، تراكم المهمات وتزاحم الاشغال، وجموح العوارض والعلائق، وهجوم الصوارف والعوائق والتردد إلى المغازى والأسفار، والتنقل من دار إلى دار .. وكنت فى تضاعيف هاتيك الامور، أقدر فى نفسى أن انتهز نهزه من الدهور، ويتسنى لى القرار، وتطمئن بى الدار، وأظفر حينئذ بوقت خال، أتبتل فيه جانب ذى العظمة والجلال، وأوجه إليه وجهتى، وأسلم له سرى وعلانيتى، وأنظر إلى كل شيء بعين الشهود، وأ تعرف سر الحق فى كل موجود، تلافيا لما قد فات، واستعداد لما هو آت، وأتصدى لتحصيل ما عزمت إليه، وأتولى لتكميل ما توجهت إليه، برفاهة واطمئنان، وحضور قلب وفراغ جنان، فبينما أنا فى هذا الخيال، إذ بدا لى ما لم يخطر بالبال تحولت الاحوال والدهر فوقعت فى أمر أشق من الأول: أمرت بحل مشكلات الأنام، فيما شجر بينهم من النزاع والخصام، فلقيت معضلة طويلة الذيول، وصرت كالهارب من المطر إلى السول .. فاضحيت فى ضيق المجال وسعة الاشغال أشهر ممن يضرب بها الامثال، فجعلت أتمثل بقول من قال:
لقد كنت أشكو والحوادث برهة ... واستمرض الأيام وهي صحائح
إلى أن تغشتنى وقيت حوادث ... تحقق أن السالفات منائح
فلما انصرمت عرى الآمال عن الفوز بفراغ البال عزمت على انشاء ما كنت أنويه، توجهت إلى املاء ما ظلت أبتغيه ناويا أن اسميه عند تمامه بتوفيق الله وأنعامه:
(ارشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) فشرعت فيه مع تفاقم المكاره على، وتزاحم المشادة بين يدي، متضرعا إلى رب العظمة والجبروت خلاق عالم الملك والملكوت، فى أن يعصمنى عن الزيغ والزلل، ويقيني مصارع السوء فى القول والعمل ويوفقني لتحصيل ما أروي وأرجوه ويهديني إلى تكميله على أحسن الوجوه ..
стр. 239
وتلمح من ذلك ما كان لأبي السعود من شخصية اجتماعية ممتازة، وما كان يتحلى به من إيمان قوى وروح طيبة واستمساك صادق بعرى الدين.
ومن ملامح العبقرية عند أبى السعود اشارته الواضحة إلى ما فى أسرار الخلق والايجاد من آيات بينات، ثم قوله:
لكن الاستدلال بتلك الآيات والدلائل، والاستشهاد بتلك الامارات والمخايل، والتنبيه لتلك الاشارات السرية والتفطن لمعانى تلك العبارات العبقرية وما فى تضاعيفها من رموز أسرار القضاء والقدر، وكنوز آثار التعاجيب والعبر، مما لا يطيق به البشر، إلا بتوفيق خلاق القوى والقدر، اذن مدار المراد ليس إلا كلام رب العباد، اذ هو المظهر لتفاصيل الشعائر الدينية، والمفسر لمشكلات الآيات التكوينية، والكاشف عن خفايا حظائر القدس، والمطلع على خبابا سرائر الانس، وبه تكتسب الملكات الفاخرة وبه يتوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة.
ثم يبين أنه قرأ عن القرآن الكتب الكثيرة، فاغرم بتفسيرى الكشاف وأنوار التنزيل فقام بخلده نظم درر فرائدهما وترتيب غرر فوائدهما وأن يضيف إليهما ما فى غيرهما من جواهر الحقائق وزواهر الدقائق فكان هذا الكتاب.
ولم يقتصر نشاط أبو السعود على تأليف هذا الكتاب بل ألف غيره من الكتب على ضيق وقته، واتساع نشاطه، ومما نقل فى ذلك أنه ألف تحفة الطلاب فى المناظرة ورسالة فى المسح على الخفين، ورسالة فى مسائل الوقوف، ورسالة فى الأوقاف، وقصة هاروت وماروت.
وكان له إلى جانب أسلوبه البارع فى النثر شعر جميل مطبوع، ومما اشتهر عنه من ذلك قصيدته الميمية التى أولها:
أبعد سليمى مطلب ومرام ... وغير هواها لوعة وغرام
وهيهات أن تثنى إلى غير بابها ... عنان المطايا أو يشد حزام
ثم يقول:
فكم عشرة ما أورثت غيرا ... ورب كلام مقتضاه كلام
стр. 240
ولد أبو السعود سنة ٨٩٨ .. وكانت وفاته بالقسطنطينية فى الثلث الأخير من ليلة الأحد خامس جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة، وكانت جنازته حافلة، وصلى عليه فى حرم جامع السلطان محمد الكبير فى جمع كثير، ودفن بمقبرته بالقرب من مدفن أبى أيوب الأنصارى الصحابى رضى الله عن الجميع.
ومن تفسيره ما يلي:
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
(سورة البقرة: ١٧٢، و ١٧٣) (يا أيّها الذين آمنوه كلوا من طيبات ما رزقناكم، أى مستلذاته.
«واشكروا الله»: الذى رزقكموها، والالفات لتربية المهابة.
«ان كنتم إياه تعبدون»: فان عبادته تعالى لا تتم إلا بالشكر له .. وعن النبى ﷺ ، يقول الله : إنى والانس والجن فى نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيرى، وأرزق ويشكر غيرى.
«إنما حرم عليكم الميتة والدم» أى أكلها والانتفاع بها، وهى التى ماتت على غير ذكاة والسمك والجراد خارجان عنها بالعرف، أو استثناء الشرع، وخرج الطحال من الدم.
«ولحم الخنزير» انما خص لحمه مع أن سائر اجزائه أيضا فى حكمه لأنه يؤكل من الحيوان، وسائر أجزائه أيضا فى حكمه لأن معظمها يؤكل من الحيوان، وسائر أجزائه بمنزلة التابع له.
стр. 241
«وما أهل به لغير الله»، أى رفع به الصوت عند ذبحه للصنم، والإهلال أصله رؤية الهلال، لكن لما جرت العادة برفع الصوت بالتكبير عند ذلك سمى اهلالا، ثم قبيل لرفع الصوت وأن كان لغيره.
«فمن اضطر غير باغ» بالاستئثار على مضطر آخر.
«ولا عاد» سد الرمق والجوعة، وقيل: غير باغ على الوالى ولا عاد بقطع الطريق.
وعلى هذا لا يباح للعاصى بالسفر وهو ظاهر مذهب الشافعى، وقول أحمد رحمهما الله: «أى أن من سافر فى معصية لا يجوز له تناول شىء مما حرم عليه ولو اضطر لذلك لأنه تسبب فى هذا الاضطرار» «فلا اثم عليه»: فى تناوله.
«ان الله غفور»: لما فعل.
«رحيم»: بالرخصة.
ان قبل: كلمة انما تفيد قصر الحكم على ما ذكر، وكم من حرام لم يذكر.
قلنا: المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا، أو قصر حرمته على حالة الاختيار، كأنه قيل: إنما حرم عليكم هذه الاشياء ما لم تضطروا إليها.
стр. 242
السراج المنير للخطيب الشربينى
يقول المؤلف فى هذا التفسير:
«فدونك تفسيرا كأنه سبيكة عسجد، أو در منضد، جمع من التفاسير معظمها، ومن القراءات متواترها، ومن الأقاويل أظهرها، ومن الأحاديث صحيحها وحسنها محرر الدلائل فى هذا الفن مظهرا لدقائق استعملنا الفكر فيها إذا الليل جن».
ولقد يظن بعض الناس من هذه الكلمة أن الخطيب الشربينى يجب الفخر أو يشعر بالخيلاء، ولكن ذلك أبعد الأشياء عن فطرته.
ولقد كانت فطرته التى صقلتها دراسته الدينية من أنقى الفطر وأطهرها وإذا نظرت إلى حياته فإنك تجده من كبار العلماء.
تلقى العلم على أعلام عصره مثل الشيخ أحمد البرلسى، والنور المحلى، والشهاب الرملى وغيرهم.
ولقد أجازوه بالافتاء والتدريس فى حياتهم، فدرس وأفتى فى حياة أشياخه، وقد انتفع بعلمه: تدريسا وكتبا خلق لا يكادون يحصون.
ومن كتبه شرح كتاب المنهاج وشرح كتاب التنبيه وهما شرحان نفيسان أقبل الناس على قراءتها وكتابتهما فى حياته، وله على الغاية شرح مطول حافل.
وكان الشيخ يستخدم علمه فى كل الظروف، وكان حركة لا تهدأ فإنه كان حينما يحج لا يركب، وإنما يستمر سائرا على قدميه إلى أن يبلغ به التعب مداه فيركب إلى أن يستريح ثم يعود إلى السير من جديد.
وكان إذا خرج من بلدته «بركة الحاج» إلى الحج لم يزل يعلم الناس مناسك الحج ومناسك الحج لا يعلمها كثير من الذاهبين إلى بيت الله الحرام،
стр. 243
فكان الشيخ يعلمهم المناسك ويعلمهم آداب السفر وذلك أن للسفر فى الجو الإسلامى آدابا معينة هى من آداب الإسلام.
وكان يحث رفاقه على الصلاة ويعلمهم القصر أثناء السفر والجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء.
وكان هو يكثر فى الطريق من قراءة القرآن، ومن الذكر والصلاة على الرسول ﷺ .
أما حينما يكون بمكة فإنه يكثر من الطواف فإنه العبادة المفضلة فيما يتعلق بالنوافل حينما يكون الإنسان بالمسجد الحرام.
وكان يكثر من الصوم فى السفر وفى مكة.
وكان يؤثر على نفسه فقد كان يحاول دائما أن يكون من الذين يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة.
ويقول المؤرخون: أجمع أهل مصر على صلاحه ووصفوه بالعلم والعمل، ووصفوه بالزهد والورع، ووصفوه بكثرة النسك والعبادة. ومما يدل على اتجاهه إلى العبادة ومرضات الله تعالى أنه حينما كان يحل شهر رمضان يعتكف فى أول يوم من الشهر ويستمر فى المسجد عابدا مصليا قائما قارئا للقرآن ولا يخرج من الجامع إلا بعد صلاة العيد.
ويقول المؤرخون حينما ينتهون من الحديث عن حياته:
«وبالجملة: كان آية من آيات الله تعالى، وحجة من حججه على خلقه».
ومع أنه كان بهذه المكانة العلمية والاجتماعية، فإنه كان يؤثر «الخمول» كما تقول الكتب التى تؤرخ له، وما كان الشيخ خاملا، كلا، وهو صاحب هذا النشاط الجم، وإنما يقصدون بالخمول أنه ما كان يجرى وراء دنيا وما كان يتهافت على المناصب ولا يقف بأبواب الحكام.
стр. 244
ولقد أعلن الشيخ عن ظروف تاليف الكتاب، وعن منهجه فى التأليف من حيث الحجم، ومن حيث التزام الصحة فى الروايات، ومن حيث النحو، ومن حيث القراءات وفى كل ذلك يقول:
« ... ثم سألنى بعد ذلك جماعة من أصحابى المخلصين ... أن أجعل لهم تفسيرا وسطا بين الطويل الممل، والقصير المخل، فأجبتهم إلى ذلك ممتثلا وصية رسول الله ﷺ فيما يرويه أبو سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه أنه ﵊ قال:
«ان رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون فى الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا».
واقتداء بالماضين من السلف فى تدوين العلم ابقاء على الخلف. وليس على ما فعلوه مزيد، ولكن لا بدّ لكل زمان من تجديد ما طال به العهد، وقصر للطالبين فيه الجد والجهد، تنبيها للمتوقفين، وتحريضا للمتثبطين، وليكون ذلك عونا لى، وللقاصرين مثلى مقتصرا فيه: على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه عند السؤال وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية وأعاريب محلها كتب العربية، وحيث ذكرت فيه شيئا من القراءات فهو من السبع المشهورات، وقد اذكر بعض أقوال وأعاريب لقوة مداركها أو لورودها ولكن بصيغة «قيل» ليعلم أن المرضى أولها ...
ولقد حاول الشيخ حقا أن يجرد كتابه عن الروايات الضعيفة وينتقد ما ذكره منها المفسرون ولكنه هو لم يسلم من إيراد بعضها، ولكن يلاحظ أن الروايات الضعيفة التى يأتى بها عليها جميعها سمة الموعظة والغبرة، وليس فيها ما يمس أمرا من أمور الدين فى أصوله أو فى فروعه.
والملاحظ فى التفسير أن أسلوبه سهل وعبارته فصيحة، وأنه يعتمد كثيرا على تفسير الفخر الرازى، ولكنه لا يتبعه اتباعا أعمى وذلك أنه فى كثير من الأحيان يرد عليه وينتقده.
стр. 245
والمؤلف لا ينكر أنه استفاد من الذين سبقوه وإنما يعلن ذلك فى صراحة، أنه يقول: وقد تلقيت التفسير- بحمد الله- من تفاسير متعددة، رواية ودراية، عن أئمة ظهرت وبهرت مفاخرهم، واشتهرت وانتشرت مآثرهم ... ».
وهذه شيمة العلماء الأعلام: أنهم يعترفون بالفضل لأولى الفضل فلا ينقصهم الاعتراف بل يزيدهم فضلا ورفعه.
وهاك نموذجا من تفسيره: قال فى قوله تعالى:
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. (سورة البقرة: ٢٨٤) «لله ما فى السموات وما فى الأرض» خلقا وملكا- قال الجلال السيوطى: وعبيدا ولعل ذكره بعد «ملكا» لئلا يتوهم أن «ما» لما لا يعقل «وان تبدوا» أى تظهروا ... «ما فى أنفسكم» من السوء والعزم عليه «أو تخفوه» أى تسروه «يحاسبكم» أى يجزكم «به الله» يوم القيامة والآية حجة على من أنكر الحساب كالمعتزلة والروافض. «فيغفر لمن يشاء» مغفرته «ويعذب من يشاء» تعذيبه، وهذا صريح فى نفى وجوبه، وقرأ ابن عامر وعاصم برفع الراء من «يغفر»، ورفع الياء من «يعذب» على الاستئناف، والباقون يجزمهما عطفا على جواب الشرط، وأدغم الراء المجزومة فى اللام: السوس.
وقول الزمخشرى، ومدغم الراء فى اللام مخطئ خطأ فاحشا ورواية عن ابن عمر يعنى: السوس- مخطئ مرتين: لأنه يلحن وينسب اللحن إلى أعلم الناس بالعربية مما يؤذن بجهل عظيم، والسبب فى نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب فى قلة الضبط قلة الدراية ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو مردود لأنه مبنى على القول بأن الراء إنما تدغم فى الراء لتكرره الفائت بإدغامها فى اللام ...
стр. 246
ورد بأن ذلك قراءة أبى عمرو وهى متواترة مع أن القول بامتناع ادغام الراء فى اللام إنما هو مذهب البصريين، وأما الكوفيون- بل وبعض البصريين كأبى عمرو فقائلون بالجواز- كما نقله عنهم أبو حيان- ونقل أبو عمرو والكسائى وأبو جعفر صحة ادغام: «صار لى» و «صار لك» عن العرب- ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ووجه الجعبرى ادغام الراء فى اللام بتقارب مخرجيهما على رأى سيبويه وتشاركهما على رأى الفراء، وتجانسهما فى الجهر والانفتاح والاستقلال.
«والله على كل شىء قدير» فيقدر على جزائكم ومحاسبتكم ...
نموذج آخر فى تفسير قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا، وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
الآية الأخيرة من سورة آل عمران:
«يا أيها الذين آمنوا اصبروا» على مشاق الطاعة، وما يصيبكم من الشدائد وعن المعاصى «وصابروا» أى وغالبوا أعداء الله فى الصبر على شدائد الحرب فلا يكونوا أشد صبرا منكم «ورابطوا» أى أقيموا فى الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو، قال الله تعالى: «ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم» وروى أنه ﷺ قال «من رابط يوما وليلة فى سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة» وروى أنه ﷺ قال: «من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة» «واتقوا الله» فى جميع أحوالكم «لعلكم تفلحون» أى تفوزون فى الجنة وتنجون من النار وقال بعض العلماء:
اصبروا على السراء والضراء، ورابطوا فى دار الأعداء، واتقوا اله الأرض والسماء لعلكم تفلحون فى دار البقاء ..
رحم الله الخطيب الشربينى ونفع بعلمه ...
هذا وبالله التوفيق.
стр. 247
روح البيان فى تفسير القرآن لاسماعيل حقى
إن هذا التفسير مشهور شهرة كبيرة تسمع به هنا وتسمع به هناك، وهو مشهور فى أوساط العرب، ومشهور فى أوساط العجم يعجب به أولئك ويقدسه هؤلاء، ألفه إسماعيل حقى ابن مصطفى الاسلامبولى.
وهو تركى ولد فى آيدوس، وتعلم كما كان طلبة العلم إذ ذاك يتعلمون:
العربية فى استفاضة حتى تزيل العجمة، وحتى تكون هى الطابع الغالب على طالب العلم، وتعلم الطالب إسماعيل حقى فى إطار اللغة: النحو والصرف وتعلم البلاغة بأقسامها وكان نابها نابغا فى المدارس فى الدرس ممتازا وفى القسطنطينية تعلم عن طريق العربية والتفسير والحديث والفقه، والعلوم الإسلامية على وجه العموم.
وكان يقف كثيرا أمام آيات القرآن التى تتحدث عن التقوى وعن القرب مثل:
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ. (سورة التوبة: ١١٢) ومثل:
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ
стр. 248
كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً.
(سورة الأحزاب ٣٥) ويقف عند الآيات التى تتحدث عن التوكل، ويبحث فى الجو الذى نزلت فيه وهكذا فى كل ما يتصل بالقلب فى القرآن الكريم.
أما فى الأحاديث الشريفة، فانه كان يطيل النظر فيما يسمى الرقائق، والرقائق كلمة يراد بها فى الحديث كل ما يتصل بالسرائر والبواطن تهذيبا واصلاحا، أو- على حد تعبير القرآن الكريم- تزكية، والله يقول:
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها سورة الشمس: ٩) ويقوده ذلك كله إلى أن يتجه شطر التصوف وينخرط فى سلك المريدين، وأخذ طريق الخلوتية.
وكان للطريق اذ ذاك منهج اصطلاحى يرقى بالمريد خطوة فخطوة إلى القرب من الله تعالى، ولم يكن الطريق سلبيا، وإنما الجهاد للنفس والجهاد فى المجتمع حتى تستقيم النفس ويستقيم المجتمع على أمر الله.
ولكن الجهاد فى المجتمع محفوف دائما بالاشواك وذلك أن الغرائز والشهوات والنزعات والفساد المختلف الألوان حينما يستشرى فى المجتمع، فان اقتلاعه مثير دائما للخواطر، ولم يبال اسماعيل حقى بهذه المخاطر، وإنما جابه المجتمع بكل ما يعتقد أنه حق، وثار ذوو الاغراض الفاسدة.
وكان إسماعيل حقى قد انتقل من القسطنطينية إلى «بروسة» وأعلن منهجه الاصلاحى وجاهد فى سبيله فنفى إلى «تكفور طاغ».
وناله من الأذى الكثير: لقد اوذى فى نفسه وفى ماله واستمر الايذاء امدا من الدهر، ثم عاد إلى بروسة واستمر إلى أن مات سنة ١١٢٧ هـ ١٧١٥ م أما تآليفه فانه كان تارة يؤلف بالعربية: الرسالة الخليلية» فى التصوف.
وهى رسالة الخلة: شروطها وطريقها وثمرتها وغايتها، الخلة التى وصل
стр. 249
إليها سيدنا إبراهيم ﵇ حينما أصبح خليل الله، وهى درجة لا تتأتى لغير الأنبياء، ولكن وضعها كذروة يسير الانسان نحو انوارها ويهتدى بهديها وهو ما يجوز لغير الأنبياء: ان الله حينما يقول:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ سورة الأحزاب: ٢٢) إنما أحب سبحانه أن نتخذ منه المنارة التى تسير نحوها فى اضوائها، والرسالة الخليلية إنما تنهج هذا المنهج.
ومن عادة كثير من كبار العلماء أن يختاروا أربعين حديثا من الاحاديث الشريفة ينتخبونها فى دقة ويذيعونها ويشرحونها يستشفعون بها إلى الله فى أن يكتب لهم النجاة ومن أشهرها «الأربعون النووية» التى جمعها الإمام النووى رضى الله عنه، وسلك الإمام إسماعيل حقى هذا المسلك فجمع من الاحاديث الشريفة أربعين وسماها «الأربعون حديثا».
أما أثره الخالد فانه كتابه فى التفسير وهو تفسير لغوى بيانى صوفى، أى أنه جمع ميزة التفسير العادى الذى يلتزم أسباب النزول والآثار والقراءات، واللغة، وميزة التفسير الصوفى، ولعل مكانة هذا التفسير عند الصوفية لا تضارعها مكانة تفسير آخر ذلك أنه خلا من الشطح ومن المغالاة والتزم القصد والاعتدال مع اعتماد على الأثر واللغة.
وفيما يلى بعض الأضواء على جوانب من حياته وعلى ظروف تأليف التفسير، انه يقول: «وبعد: فيقول العبد الفقير سمى الذبيح الشيخ إسماعيل حقى الناصح المهاجر كلأه الله من فتن الغدايا والعليا والهواجر، لما أشار إلى شيخى الإمام العلامة، واستاذي الجهبذ الفهامة، سلطان وقته ونادرة زمانه، حجة الله على الخلق بعلمه وعرفانه، مطلع أنوار العناية والتوفيق، وارث أسرار الخليفى على التحقيق، المشهود له بسر التجديد فى رأس العقد الثانى من الألف الثانى، معدن الالهام الربانى السيد الثانى، الشيخ الحسيب
стр. 250
النسيب سمى بن عفان نزيل قسطنطينية، أمده الله وأمدنا به فى السر والعلانية، بالنقل إلى بروج الأولياء مدينة بروسا، صينت عن تطاول يد الضراء والبؤس فى العشر السادس من العشر العاشر من العقد الأول من الألف الثانى ولم أجد بدا من الوعظ والتذكير فى الجامع الكبير والمعبد المنير الشهير، وقد كان منى حين انتواء الاقامة ببعض ديار الروم، بعض صحائف ملتقطة من صفحات التفاسير وادوات العلوم، مشتمله على ما يزيد عن آل عمران، من سورة القرآن، ولكنها مع الاطناب الواقع فيها كانت متفرقة كأيدى سبا جزء منها حوته الصبا، وأردت أن الخص ما فرط من الالتقاط، وأضم إليها مما سنح لى من المعارف، وأجعله فى سمط ما أنظمه، وأسرد بانملة البراعة، وإن كنت قليل البضاعة قصير الباعة ما يليه إلى آخر النظم الكريم، ان أمهلنى الله العظيم إلى قضاء هذا الوطر الجسيم، وأبيض للناس قدر ما حررته فى الاسابيع والشهور وافرزته بالتسوية أثناء السطور ليكون ذخرا للآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون، وشفيعا لى حين لا يجدى نفعا غير الصاد والنون وأسأل الله تعالى أن يجعله من صالحات الأعمال، وخالصات الآثار، وباقيات الحسنات إلى آخر الاعمال، فانه إذا أراد بعبد خيرا حسن عمله فى الناس، وأهله لخيرات هى بمنزلة العين من الرأس وهو الفياض» اهـ ويقول فى آخر التفسير:
«هذا وقد تم تحرير روح البيان فى تفسير القرآن، فى مدة الوحى تقريبا لما أن أقصت الاقدار إلى أقاصى أقطار الأرض، وأيدى الاسفار النائية تداولتنى من طول إلى عرض، حتى أقامنى الله مقام الاتمام، فجاء باذن الله التمام يوم الخميس الرابع عشر من جمادى الأولى المنتظم فى سلك شهور سنة سبع عشرة ومائة وألف» اهـ وقد اتقن إسماعيل حقى الفارسية أيضا وكثيرا ما يستخدم الفارسية والتركية فى تفسيره فيورد أبياتا من الشعر بالفارسية أو التركية وجملا بهذه وبتلك.
следующие страницы →