Полный текст (363 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ورد بأن ذلك قراءة أبى عمرو وهى متواترة مع أن القول بامتناع ادغام الراء فى اللام إنما هو مذهب البصريين، وأما الكوفيون- بل وبعض البصريين كأبى عمرو فقائلون بالجواز- كما نقله عنهم أبو حيان- ونقل أبو عمرو والكسائى وأبو جعفر صحة ادغام: «صار لى» و «صار لك» عن العرب- ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ووجه الجعبرى ادغام الراء فى اللام بتقارب مخرجيهما على رأى سيبويه وتشاركهما على رأى الفراء، وتجانسهما فى الجهر والانفتاح والاستقلال.
«والله على كل شىء قدير» فيقدر على جزائكم ومحاسبتكم ...
نموذج آخر فى تفسير قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا، وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
الآية الأخيرة من سورة آل عمران:
«يا أيها الذين آمنوا اصبروا» على مشاق الطاعة، وما يصيبكم من الشدائد وعن المعاصى «وصابروا» أى وغالبوا أعداء الله فى الصبر على شدائد الحرب فلا يكونوا أشد صبرا منكم «ورابطوا» أى أقيموا فى الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو، قال الله تعالى: «ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم» وروى أنه ﷺ قال «من رابط يوما وليلة فى سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة» وروى أنه ﷺ قال: «من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة» «واتقوا الله» فى جميع أحوالكم «لعلكم تفلحون» أى تفوزون فى الجنة وتنجون من النار وقال بعض العلماء:
اصبروا على السراء والضراء، ورابطوا فى دار الأعداء، واتقوا اله الأرض والسماء لعلكم تفلحون فى دار البقاء ..
رحم الله الخطيب الشربينى ونفع بعلمه ...
هذا وبالله التوفيق.
стр. 247
روح البيان فى تفسير القرآن لاسماعيل حقى
إن هذا التفسير مشهور شهرة كبيرة تسمع به هنا وتسمع به هناك، وهو مشهور فى أوساط العرب، ومشهور فى أوساط العجم يعجب به أولئك ويقدسه هؤلاء، ألفه إسماعيل حقى ابن مصطفى الاسلامبولى.
وهو تركى ولد فى آيدوس، وتعلم كما كان طلبة العلم إذ ذاك يتعلمون:
العربية فى استفاضة حتى تزيل العجمة، وحتى تكون هى الطابع الغالب على طالب العلم، وتعلم الطالب إسماعيل حقى فى إطار اللغة: النحو والصرف وتعلم البلاغة بأقسامها وكان نابها نابغا فى المدارس فى الدرس ممتازا وفى القسطنطينية تعلم عن طريق العربية والتفسير والحديث والفقه، والعلوم الإسلامية على وجه العموم.
وكان يقف كثيرا أمام آيات القرآن التى تتحدث عن التقوى وعن القرب مثل:
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ. (سورة التوبة: ١١٢) ومثل:
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ
стр. 248
كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً.
(سورة الأحزاب ٣٥) ويقف عند الآيات التى تتحدث عن التوكل، ويبحث فى الجو الذى نزلت فيه وهكذا فى كل ما يتصل بالقلب فى القرآن الكريم.
أما فى الأحاديث الشريفة، فانه كان يطيل النظر فيما يسمى الرقائق، والرقائق كلمة يراد بها فى الحديث كل ما يتصل بالسرائر والبواطن تهذيبا واصلاحا، أو- على حد تعبير القرآن الكريم- تزكية، والله يقول:
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها سورة الشمس: ٩) ويقوده ذلك كله إلى أن يتجه شطر التصوف وينخرط فى سلك المريدين، وأخذ طريق الخلوتية.
وكان للطريق اذ ذاك منهج اصطلاحى يرقى بالمريد خطوة فخطوة إلى القرب من الله تعالى، ولم يكن الطريق سلبيا، وإنما الجهاد للنفس والجهاد فى المجتمع حتى تستقيم النفس ويستقيم المجتمع على أمر الله.
ولكن الجهاد فى المجتمع محفوف دائما بالاشواك وذلك أن الغرائز والشهوات والنزعات والفساد المختلف الألوان حينما يستشرى فى المجتمع، فان اقتلاعه مثير دائما للخواطر، ولم يبال اسماعيل حقى بهذه المخاطر، وإنما جابه المجتمع بكل ما يعتقد أنه حق، وثار ذوو الاغراض الفاسدة.
وكان إسماعيل حقى قد انتقل من القسطنطينية إلى «بروسة» وأعلن منهجه الاصلاحى وجاهد فى سبيله فنفى إلى «تكفور طاغ».
وناله من الأذى الكثير: لقد اوذى فى نفسه وفى ماله واستمر الايذاء امدا من الدهر، ثم عاد إلى بروسة واستمر إلى أن مات سنة ١١٢٧ هـ ١٧١٥ م أما تآليفه فانه كان تارة يؤلف بالعربية: الرسالة الخليلية» فى التصوف.
وهى رسالة الخلة: شروطها وطريقها وثمرتها وغايتها، الخلة التى وصل
стр. 249
إليها سيدنا إبراهيم ﵇ حينما أصبح خليل الله، وهى درجة لا تتأتى لغير الأنبياء، ولكن وضعها كذروة يسير الانسان نحو انوارها ويهتدى بهديها وهو ما يجوز لغير الأنبياء: ان الله حينما يقول:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ سورة الأحزاب: ٢٢) إنما أحب سبحانه أن نتخذ منه المنارة التى تسير نحوها فى اضوائها، والرسالة الخليلية إنما تنهج هذا المنهج.
ومن عادة كثير من كبار العلماء أن يختاروا أربعين حديثا من الاحاديث الشريفة ينتخبونها فى دقة ويذيعونها ويشرحونها يستشفعون بها إلى الله فى أن يكتب لهم النجاة ومن أشهرها «الأربعون النووية» التى جمعها الإمام النووى رضى الله عنه، وسلك الإمام إسماعيل حقى هذا المسلك فجمع من الاحاديث الشريفة أربعين وسماها «الأربعون حديثا».
أما أثره الخالد فانه كتابه فى التفسير وهو تفسير لغوى بيانى صوفى، أى أنه جمع ميزة التفسير العادى الذى يلتزم أسباب النزول والآثار والقراءات، واللغة، وميزة التفسير الصوفى، ولعل مكانة هذا التفسير عند الصوفية لا تضارعها مكانة تفسير آخر ذلك أنه خلا من الشطح ومن المغالاة والتزم القصد والاعتدال مع اعتماد على الأثر واللغة.
وفيما يلى بعض الأضواء على جوانب من حياته وعلى ظروف تأليف التفسير، انه يقول: «وبعد: فيقول العبد الفقير سمى الذبيح الشيخ إسماعيل حقى الناصح المهاجر كلأه الله من فتن الغدايا والعليا والهواجر، لما أشار إلى شيخى الإمام العلامة، واستاذي الجهبذ الفهامة، سلطان وقته ونادرة زمانه، حجة الله على الخلق بعلمه وعرفانه، مطلع أنوار العناية والتوفيق، وارث أسرار الخليفى على التحقيق، المشهود له بسر التجديد فى رأس العقد الثانى من الألف الثانى، معدن الالهام الربانى السيد الثانى، الشيخ الحسيب
стр. 250
النسيب سمى بن عفان نزيل قسطنطينية، أمده الله وأمدنا به فى السر والعلانية، بالنقل إلى بروج الأولياء مدينة بروسا، صينت عن تطاول يد الضراء والبؤس فى العشر السادس من العشر العاشر من العقد الأول من الألف الثانى ولم أجد بدا من الوعظ والتذكير فى الجامع الكبير والمعبد المنير الشهير، وقد كان منى حين انتواء الاقامة ببعض ديار الروم، بعض صحائف ملتقطة من صفحات التفاسير وادوات العلوم، مشتمله على ما يزيد عن آل عمران، من سورة القرآن، ولكنها مع الاطناب الواقع فيها كانت متفرقة كأيدى سبا جزء منها حوته الصبا، وأردت أن الخص ما فرط من الالتقاط، وأضم إليها مما سنح لى من المعارف، وأجعله فى سمط ما أنظمه، وأسرد بانملة البراعة، وإن كنت قليل البضاعة قصير الباعة ما يليه إلى آخر النظم الكريم، ان أمهلنى الله العظيم إلى قضاء هذا الوطر الجسيم، وأبيض للناس قدر ما حررته فى الاسابيع والشهور وافرزته بالتسوية أثناء السطور ليكون ذخرا للآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون، وشفيعا لى حين لا يجدى نفعا غير الصاد والنون وأسأل الله تعالى أن يجعله من صالحات الأعمال، وخالصات الآثار، وباقيات الحسنات إلى آخر الاعمال، فانه إذا أراد بعبد خيرا حسن عمله فى الناس، وأهله لخيرات هى بمنزلة العين من الرأس وهو الفياض» اهـ ويقول فى آخر التفسير:
«هذا وقد تم تحرير روح البيان فى تفسير القرآن، فى مدة الوحى تقريبا لما أن أقصت الاقدار إلى أقاصى أقطار الأرض، وأيدى الاسفار النائية تداولتنى من طول إلى عرض، حتى أقامنى الله مقام الاتمام، فجاء باذن الله التمام يوم الخميس الرابع عشر من جمادى الأولى المنتظم فى سلك شهور سنة سبع عشرة ومائة وألف» اهـ وقد اتقن إسماعيل حقى الفارسية أيضا وكثيرا ما يستخدم الفارسية والتركية فى تفسيره فيورد أبياتا من الشعر بالفارسية أو التركية وجملا بهذه وبتلك.
стр. 251
وهاك نموذجا من تفسيره:
تِلْكَ الرُّسُلُ إشارة إلى الجماعة الذين من جملتهم النبى ﵊ فاللام فى الرسل للاستغراق فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره، وأعلم أن الأنبياء كلهم متساوون فى النبوة لأن النبوة شىء واحد لا تفاضل فيها وانما التفاضل باعتبار الدرجات بلغ بعضهم منصب الخلة كإبراهيم ﵊ ولم يحصل ذلك لغيره، وجمع لداود الملك والنبوة وطيب النعمة ولم يحصل هذا لغيره، وسخر لسليمان الجن والانس والطير والريح ولم يحصل هذا لأبيه داود، وخص محمدا عليه وعليهم السلام بكونه مبعوثا إلى الجن والأنس، ويكون شرعه ناسخا لجميع الشرائع المتقدمة، ومنهم من دعا امته بالفعل إلى توحيد الأفعال وبالقوة إلى الصفات والذات، ومنهم من دعا امته بالفعل إلى الصفات أيضا وبالقوة إلى الصفات والذات، ومنهم من دعا بالفعل وهو إبراهيم ﵇ فانه قطب التوحيد اذ الأنبياء كانوا يدعون إلى المبدأ أو العماد وإلى الذات الأحدية الموصوفة ببعض الصفات الالهية الأحدية ولذا أمر الله نبينا ﷺ باتباعه بقوله ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (سورة النحل: ١٢٣) فهو من أتباع إبراهيم باعتبار الجمع دون التفصيل إذ لامتمم لتفاصيل الصفات إلا هو ولذلك لم يكن غيره خاتما فالانبياء وان كانوا متفاوتين فى درجات الدعوة بحسب مشارب الأمم إلا أن كلهم واصلون فانون فى الله باقون بالله لأن الولاية قبل النبوة حيث أن آخر درجات الولاية أول مقامات النبوة فهى تبنى على الولاية ومعنى الولاية الفناء فى الله والبقاء بالله فالنبى لا يكون إلا واصلا محرزا جميع مراتب التوحيد من الأفعال والصفات والذات مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ أى فضله الله بأن كلمه بغير واسطة وهو موسى ﵊ فهو كليمه بمعنى مكالمه واختلفوا فى الكلام الذى سمعه موسى وغيره من الله تعالى هل هو الكلام القديم الازلى الذى ليس من جنس الحروف والاصوات قال، الأشعرى وأتباعه المسموع هو
стр. 252
ذلك الكلام الازلى قالوا كما أنه لم تمتنع رؤية ما ليس بمكيف فكذا لا يستعبد سماع ما ليس بمكيف، وقيل سماع ذلك الكلام محال وانما المسموع هو الحروف والصوت وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ (سورة البقرة: ١٥٣) أى عمل درجات أى على درجات فانتصابه على نزع الخافض وذلك بأن فضله على غيره من وجوه متعددة أو بمراتب متباعدة والظاهر أنه أراد محمدا ﷺ لأنه هو المفضل عليهم أوتى ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ثلاثة آلاف آية وأكثر ولو لم يؤت الا القرآن
وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتى الأنبياء لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات، وفى الحديث (فضلت على الأنبياء بست أوتيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب واحلت لى الغنائم وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بى النبيون)، قال فى التأويلات النجمية اعلم أن فضل كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لأن الرفعة فى الدرجات على قدر رفعة الاستعلاء كما قال تعالى: وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ (سورة المجادلة: ١١) فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلما ازداد العلم زادت الدرجة فناهيك عن هذا المعنى قول النبى ﵇ فيما يخبر عن المعراج أنه رأى آدم فى السماء الدنيا ويحيى وعيسى فى السماء الثانية ويوسف فى السماء الثالثة وادريس فى السماء الرابعة، وهارون فى السماء الخامسة، وموسى فى السماء السادسة وإبراهيم فى السماء السابعة وعبر النبى ﵇ حتى رفع إلى سدرة المنتهى ومن ثم إلى قاب قوسين أو أدنى، فهذه الرفعة فى الدرجة فى القرب إلى الحضرة كانت له على قدر قوة ذلك النور فى استعلاء ضوئه وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الانبياء بعضهم فوق بعض فلما غلب نور الوحدانية على ظلمة انسانية النبى ﵇ اضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلى صفات الجمال والجلال فكل نبى بقدر بقية ظلمة وجوده بقى فى مكان من أماكن السموات فانه صلى الله تعالى عليه وسلم ما بقى فى مكان ولا فى الامكان لأنه كان غائبا عن ظلمة
стр. 253
وجوده باقيا بنور وجوده ولهذا سماه الله نورا وقال قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (سورة المائدة: ١٥) فالنور هو محمد ﵇ والكتاب هو القرآن، فافهم واغتنم فانك لا تجد هذه المعانى إلا هاهنا، انتهى كلام التأويلات النجمية.
стр. 254
فتح القدير للإمام الشوكانى
لقد كتب مفسرنا تاريخا لحياته وكتابه تاريخ الحياة فى جو مفكري الاسلام نادر وربما كان أول من بدأ كتابة تاريخ حياته الفكرية فى عالمنا الاسلامى هو الإمام الغزالى فى كتابه «المنقذ من الضلال» ولكن مفسرنا كتب حياته الانسانية يختلط فيها الفكر بالنسب والحسب والدراية والتحصيل انه من هجرة شوكان وهو يعتز بهذه البلدة وإليها ينتسب الشوكانى ويقول عنها.
وهذه الهجرة معمورة بأهل الفضل والصلاح والدين من قديم الازمان لا يخلو وجود عالم منهم فى كل زمن ولكنه يكون تارة فى بعض البطون وتارة فى بطن أخرى.
تولى والده القضاء مدة أربعين عاما وكان عالما ورعا تقيا وعنى عناية فائقة بابنه وتثقف الابن الثقافة الاسلامية كاعمق ما يكون المثقف لقد حفظ القرآن وجوده وهذا من أهم الامور لمن يشتغل بعلوم الدين والعربية فالقرآن الكريم هو الاساس الأول لكل دارس للدين ولكل نابغ فى العربية.
وبينما كان يدرس القرآن فى المكتب عن له سؤال سأله لوالده القاضى:
انه يقول:
(وإنى أذكر وأنا فى المكتب مع الصبيان أنى سألت والدى ﵀ عن أعلم من بالديار اليمنية اذ ذاك فقال:
فلان يعنى: «عبد القادر بن أحمد».
ووطن نفسه على أن ينال- عند ما يكون أهلا لذلك- فن علم هذا الشيخ.
وقد كان الشوكانى صاحب ذاكرة قوية فحفظ منذ صغره كثيرا من متون
стр. 255
العلم والمتون هى الصورة الموجزة المركزة لفنون العلم. راقه فى بواكير شبابه الاشتغال بكتب التواريخ ومجاميع الأدب.
ووصل الأمر بنبوغه وجده فى طلب العلم أنه تصدر للافتاء وهو فى سن العشرين وكان مثله فى ذلك مثل العالم الكبير أمير المؤمنين فى الحديث سفيان الثورى العالم النابغة الذى تصدر للفتوى هو الآخر وهو فى سن العشرين.
وكل ذلك حصله فى صنعاء وكان فى صنعاء ذاك الوقت كثير من أفذاذ العلماء وكان يروق للشوكانى أن يدرس الكتاب على عدة من اعلام العلم ليرى منهج كل منهم وليوازن ويقارن بين أفهام النابهين من أولى العلم وكان هذا الأمر كأنه هو آية عنده.
لقد استمع لشرح كتاب «الأزهار» على أربعة من العلماء. بل انه قرأ شرح «الأزهار» على العالم الكبير أحمد بن محمد الرازى ثلاث مرات ويقول عن ذلك فى طرافة «اثنتان إلى ما تدعو إليه الحاجة والثالثة استكملنا بها الدقيق والجليل من ذلك مع بحث وتحقيق.
ويتحدث الشوكانى عن بعض قراءاته على شيخ واحد من مشايخه فيقول:- صحيح مسلم من أوله إلى آخره بلا قوت مع بعض شرحه للنورى، وبعض صحيح البخارى مع بعض شرحه فتح البارى، وبعض جامع الأصول لابن الأثير وسنن الترمذى من أولها إلى آخرها بلا فوت وبعض سنن ابن ماجة وبعض الموطأ وبعض المنتقى لابن تيمية وبعض شفاء القاضى عياض.
وسمعت منه كثيرا من الاحاديث المسلسلة ... وقرأت عليه فى علم الاصطلاح بعض منظومة الزين العراقى وشرحها.
وفى الفقه بعض ضوء النهار وبعض البحر الزخار مع حواشيهما ..
стр. 256
وفى علم أصول الدين بعض المواقف العضدية وشرحها للشريف وبعض القلائد وشرحها.
وفى أصول الفقه بعض جمع الجوامع وشرحه للحملى وفى اللغة بعض الصحاح وبعض القاموس ومؤلفه الذى سماه «فلك القاموس» ولما استكمل الشوكانى شيئا من النضح العلمى أصبحت تلمذته نوعا من الاستفادة والافادة وهو يصف نمطا من ذلك فيقول:
وكانت القراءات جميعها تجرى فيها المباحث الجارية على نمط الاجتهاد فى الاصدار والايراد ما تشد إليه الرجال وربما انجد البحث إلى تحرير رسائل مطولة ووقع من هذا كثير.
وكنت أحرر ما يظهر لى فى بعض المسائل واعرضه عليه فان وافق ما لديه من اجتهاده فى تلك المسألة .. قرظة تارة بالنظم الفائق، وتارة بالنثر الرائق ..
وان لم يوافق كتب عليه ثم أكتب على ما كتبه ثم كذلك فان بعض المسائل التى وقعت فيها المباحثة حال القراءة اجتمع ما حررته وحرره فيها إلى سبع رسائل.
وكانت هذه الطريقة هى بداية التأليف عند الامام الشوكانى.
ولقد ساعده على التأليف استاذه الكبير عبد القادر بن أحمد الذى دله عليه والده وهو فى المكتب صبيا لقد كان هذا الشيخ يدفعه دفعا إلى القراءة فى كتب معينة يرشده إليها ويقول الشوكانى فى ذلك.
وما سألته القراءة عليه فى كتاب فابى قط بل كان يبتدينى تارات ويقول، تقرأ فى كذا وكان يبذل لى كتبه ويؤثر بها على نفسه.
بل كان يقترح عليه الكتب التى يؤلفها كما رغبه فى تأليف شرح المنتقى فشرع الشوكانى فى هذا وعرض عليه عددا من الكراريس التى انتهى منها
стр. 257
فقال: اذا تم على هذه الكيفية كان فى نحو عشرين مجلدا وأهل العصر لا يرغبون فيما بلغ من التطويل إلى دون هذا المقدار.
ثم أرشدنى إلى الاختصار ففعلت ..
وما كان هذا الشيخ وحده هو الذى يفعل مع الشوكانى ذلك، وإنما كان غيره من خيرة الشيوخ يفعلون ذلك أيضا، وكان الشيوخ اذ ذاك يتخذون العلم رسالة يريدون بها وجه الله، ولا يتخذونه حرفة أو مهنة، وكانوا كلما رأوا طالبا مجدا ساعدوه مساعدة فعاله، ساعدوه فى العلم وساعدوه فى السلوك حتى يصبح شيخا له تلاميذ يساعد المجد منهم فى العلم، ويساعده فى حسن السلوك.
وتربع الشوكانى على منصة العلم فى صنعاء، ودرس وأفتى، وكان الناس لا يكادون يذهبون فى الفتوى إلى غيره، وكانوا يحبون أن ينفحوه على الفتوى بعض المال فكان يأبى ويقول هذه الكلمات النفيسة:
«أنا أخذت العلم بلا سبب فأريد انفاقه كذلك».
وفى سنة ١٢٠٩ هـ كان الشوكانى فى السادسة والثلاثين من عمره المبارك، توفى قاضى القضاة، ونترك الآن للشوكانى يقص ما جرى، وهى قصة لها مغزاها العميق نضعها أمام طلاب الدنيا والمناصب الذين يجرون وراء الرئاسة والحكم:
وكان المتولى لهذا المنصب مرجع العامة والخاصة وعليه المعول فى الرأى والاحكام ومستشار الامام الوزراء فيما يعرض لهم وللدولة من احداث أو ما ينوبهم من أمور:
فلما مات فى ذلك التاريخ وكنت اذ ذاك مشتغلا بالتدريس فى علوم الاجتهاد والافتاء والتصنيف مجتمعا عن الناس لا سيما أهل الأمر وأرباب الدولة، فانى لا اتصل بأحد منهم كائنا من كان.
стр. 258
ولم يكن لى رغبة فى شىء سوى العلم وكنت أدرس للطلبة فى اليوم الواحد نحو ثلاثة عشر درسا منها ما هو فى التفسير كالكشاف وحواشيه، ومنها ما هو فى الأصول كالعضد وحواشيه والغاية وحواشيها، وجمع الجوامع وشرحه وحاشيته.
ومنها ما هو فى المعانى والبيان كالمطول والمختصر وحواشيهما، ومنها ما هو فى النحو كشرح الرضى على الكافية والمغنى، ومنها ما هو فى الفقه كالبحر وضوء النهار، ومنها ما هو فى الحديث كالصحيحين وغيرهما، مع ما يعرض من تحرير الفتاوى ويمكن من التصنيف: فلم أشعر إلا بطلاب لى من الخليفة بعد موت القاضى المذكور بنحو اسبوع فعزمت إلى مقامه العالى فقال لى أنه قد رجح قيامى مقام القاضى المذكور، فاعتذرت له بما كنت فيه من الاشتغال بالعلم، فقال: القيام بالامرين ممكن وليس المراد إلا القيام بفصل ما يصل من الخصومات إلى ديوانه العالى فى يومى اجتماع الحكام فيه.
فقلت: سيقع منى الاستخارة لله والاستشارة لا هل الفضل وما اختاره الله ففيه الخير.
فلما فارقته ما زلت مترددا نحو اسبوع ولكنه وفد إلى غالب من ينتسب إلى العلم فى مدينة صنعاء واجمعوا على أن الاجابة واجبة، وأنهم يخشون أن يدخل هذا المنصب. الذى إليه مرجع الاحكام الشرعية فى جميع الأقطار اليمنية- من لا يوثق بدينه وعلمه وأكثروا من هذا وأرسلوا إلى بالرسائل المطولة.
فقبلت مستعينا بالله ومتكلا عليه.
ولقد ألف الشوكانى كثيرا من الكتب منها:
١ - نيل الاوطار فى الفقه.
٢ - ارشاد الغبى وهو كتاب نفيس يتحدث فيه الشوكانى عن وجوب البعد عن ذم الصحابة أو سبهم وهو كتاب ضروى فى أوساط الشيعة.
٣ - كتاب البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع.
стр. 259
٤ - تفسير القرآن المسمى: فتح القدير الجامع بين فن الرواية والدراية من التفسير.
وعنوان هذا الكتاب يشرح الطريقة، فهى ليست طريقة التفسير بالمأثور تقتصر على ايراد ما ورد فى الآية من الآثار كما فعل مثلا الامام السيوطى فى تفسيره الذى اقتصر فيه على ايراد ما ورد من الماثورات.
وليس تفسيرا يجعل كل همه العقليات كما فعل مثلا أبو مسلم الاصفهانى أو الفخر الرازى وأنما هو تفسير يجمع بين» الرواية والدراية» والرواية، هى ايراد المأثورات والدراية هى ابداء الرأى الشخصى بعد الفهم والتأمل فى الآية وما روى عنها، ونأتى الآن بنموذج منه.
يقول الله تعالى فى سورة الأنبياء إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ، قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ، قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (سورة الأنبياء: ٥٢، ٥٣، ٥٤) وهكذا يجيب هؤلاء المقلدة من أهل الملة الاسلامية، فان العالم بالكتاب والسنة إذا أنكر عليهم العمل بمحض الرأى المدفوع بالدليل. قالوا: هذا قد قال به امامنا الذى وجدنا آباءنا له مقلدين وبرأيه آخذين. وجوابهم هو ما أجاب به الخليل هاهنا (قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم فى ضلال مبين) أى فى خسران واضح لا يخفى على أحد ولا يلتبس على ذى عقل، فإن قوم إبراهيم عبدوا الاصنام التى لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ضلال، ولا يساوى هذا الخسران خسران. وهؤلاء المقلدة من أهل الاسلام استبدلوا بكتاب الله، وبسنة رسوله كتابا فدونت- اجتهادات عالم من علماء الاسلام، زعم أنه لم يقف على دليل يخالفها، أما لقصور منه، أو لتقصير فى البحث، فوجد ذلك الدليل من وجده، وابرزه واضح المنار كأنه علم فى رأسه نار، وقال: هذا كتاب الله أو هذه سنة رسول الله.
стр. 260
ويقول فى تفسير: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (سورة آل عمران: ١٦٩) وقد اختلف أهل العلم فى الشهداء المذكورين فى هذه الآية من هم؟
فقيل: شهداء أحد. وقيل فى شهداء بدر، وقيل فى شهداء بئر موتة ..
وعلى فرض أنها نزلت فى سبب خاص فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .. ومعنى الآية عند الجمهور: أنهم أحياء حياة محققه .. ثم اختلفوا: فمنهم من قال: أنها ترد إليهم ارواحهم فى قبورهم فيتنعمون. وقال مجاهد: يرزقون من ثمر الجنة، أى يجدون ريحها وليسوا فيها. وذهب من عدا الجمهور إلى أنها حياة مجازية والمعنى: أنهم فى حكم الله مستحقون للنعم فى الجنة، والصحيح الأول، ولا موجب للمصير إلى المجاز وقد وردت السنة المطهرة بأن أرواحهم فى اجواف طيور خضر، وأنهم فى الجنة يرزقون ويأكلون ..
стр. 261
الإمام الألوسي وتفسيره روح المعانى
الألوسي هو العلامة المحقق شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادى مفتى بغداد.
وكان مولده فى جانب الكرخ من بغداد سنة سبع ومائتين بعد الألف من الهجرة النبوية.
أخذ العلم عن العلماء الاعلام، وعلى رأسهم والده وكان من العلماء الكبار والشيخ على السويدى، والشيخ خالد النقشبندى .. وكان حرصه على العلم وما وهبه الله من قدرة على التحصيل، وتمكن من الفهم، وعمل على التزود من العلم من العوامل التى جعلت منه أرضا خصبة صالحة للانبات، فأثمر علما يانعا جعل منه شيخ علماء العراق، وصاحب التفسير الجامع الكبير.
ابتدأ النشاط العلمى الزاخر وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ودرس فى عدة مدارس وكان حريصا على تبليغ العلم كما كان حريصا على جمعه، فكان يشجع طلاب العلم ويواسيهم بما يملك، ويقدم لهم ما يستطيع من وسائل الحياة ومتطلباتها ليتفرغوا للبحث والتحصيل.
وتقلد الألوسي الكثير من المناصب العلمية، والاعمال المتصلة بالناحية الدينية فعين مفتيا للحنفية فى السنة الثامنه والأربعين بعد المائتين والألف من الهجرة المحمدية.
كما تولى قبل ذلك أوقاف المدرسة المرجانية ... وتفرغ فى شوال سنة ثلاث وستين ومائتين بعد الألف لتفسير القرآن الكريم حتى أتمه، ثم سافر إلى القسطنطينية فى السنة السابعة والستين بعد المائتين والألف عارضا تفسيره على السلطان عبد المجيد خان، فنال اعجابه ورضاه ..
стр. 262
تميز الألوس بسرعة الفهم، واتساع الحافظة، وثبات الحفظ، حتى لقد عبر عن ذلك شاكرا فقال:
ما استودعت ذهنى شيئا فخاننى، ولا دعوت فكرى لمعضلة إلا وأجابنى وكان جادا فى تحصيل العلم، لا يبالى بما يصيبه فيه، شعاره هذه البيت المشهور:
سهرى لتنقيح العلوم الذلى ... من وصل غانية وطيب عناق
وخلف ﵀ كثيرا من المؤلفات المفيدة فضلا عن تفسيره المشهور ..
منها حاشية على القطر فى النحو، أكملها إلى موضع الحال، وشرح المسلم فى المنطق والأجوبة العراقية عن الأسئلة اللاهورية، والأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية ودرة الغواص فى أوهام الخواص، والنفحات القدسية فى المباحث الامامية والفوائد السنية فى علم آداب البحث ..
وقد توفى ﵀ فى يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذى القعدة ١٢٧٠ هـ ودفن مع أهله فى مقبرة الشيخ معروف الكرخى .. ﵀ ونفع بعلمه ..
التفسير
قدم الألوسي لكتابه بمقدمة مهمة، بين فيها منهجه، وحدد فيها سبب تأليفه له، وألمح إلى بعض مظاهر حياته، وجوانب شخصيته فقال بعد الحمد والثناء:
أما بعد، فيقول عيبة العيوب، وذنوب الذنوب، أفقر العباد إليه عز شأنه، مدرس دار السلطنة العلية، ومفتى بغداد المحمية، أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادى عفى عنه.
стр. 263
ان العلوم وان تباينت اصولها وغربت وشرقت فصولها، واختلفت احوالها فهى بأسرها مهمة.
ثم بين أن اعلاها قدرا، وأغلاها مهرا علم التفسير، الباحث عما اراده الله سبحانه بكلامه المجيد، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
ثم قال بعد ذلك:
وأنى- ولله تعالى المنة- مذ ميطت عنى التمائم، ونيطت على رأسى العمائم لم أزل متطلبا لاستكشاف سره المكتوم، مترقبا لارتشاف رحيقه المختوم طالما فرقت نومى لجمع شوارده، وفارقت قومى لوصال خرائده فلو رأيتنى وأنا أصافح بالجبين صفحات الكتاب من السهر، واطالع- ان أعوز الشمع يوما- على نور القمر، فى كثير من ليالى الشهر، وامثالى إذ ذاك يرفلون فى مطارف اللهو، ويرقلون فى ميادين الزهو ويؤثرون مسرات الاشباح على لذات الارواح، ويهبون نفائس الاوقات لنهب خصائص الشهوات، وأنا مع حداثة سنى، وضيق عطنى، لا تغرينى حالهم ولا تغرينى افعالهم، كان لبنى لبانتى، ووصال سعدى سعادتى حتى وقفت على كثير من حقائقه، ووفقت لحل وفير من دقائقه، وثقبت- والثناء لله تعالى- من دره بقلم فكرى درا مثمنا، ولا بدع فأنا من فضل الله الشهاب وأبو الثناء وقبل أن يكمل سنى العشرين جعلت اصدح به واصدع، وشرعت أدفع كثيرا من اشكالات الأشكال وادفع، وأتجاهر بما الهمنيه ربى مما لم أظفر به فى كتاب من دقائق التفسير، وأعلق على ما أغلق مما لم تعلق به ظفر كل ذى ذهن خطير ولست أنا أول من من الله تعالى عليه بذلك، ولا آخر من سلك فى هاتيك المسالك فكم وكم للزمان ولد مثلى، وكم تفضل الفرد عز شأنه على كثير بأضعاف مثلى:
ألا أنما الأيام أبناء واحد ... وهذى الليالى كلها أخوات
ألا أن رياض الأعصار أعصار، وحياض تيك الامصار اعتراها
стр. 264
اعتصار، فصار العلم بالقيوق والعلماء أعز من بيض الأنوق. والفضل معلق باجنحة النسور، وميت حى الأدب لا يرجى له نشور:
كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولكن الملك المنان- أبقى من فضله الكثير قليلا من ذوى العرفان، فى هذه الازمان دينهم اقتناص الشوارد، وديدنهم افتضاض ابكار الفوائد، يرون فيرمون، ويقدحون فيرون، لكل منهم مزية لا يستتر نورها، ومرتبة لا ينتثر نورها، طالما اقتطفت من ازهارهم، واقتبست من انوارهم، وكم صدر منهم أودعت علمه صدرى، وحبر فيهم افنيت فى فوائده حبرى، ولم أزل مدة على هذه الحال لا أعبأ بما عبا لى مما قيل أو يقال، كتاب الله لى أفضل مؤنس، وسميرى إذا اخلوا لكشف ظلمة الحناوس.
نعم السمير كتاب الله أن له ... حلاوة هى احلى من جنى الضرب
به فنون المعانى قد جمعن فما ... تفتر من عجب ألا إلى عجب
أمر ونهى وأمثال وموعظة ... وحكمة أودعت فى أفصح الكتب
طائف يجتليها كل ذى بصر ... وروضة يجتنيها كل ذى ادب
وكانت كثيرا ما تحدثنى فى القديم نفسى، أن أحبس فى قفص التحرير ما اصطاده الذهن بشبكة الفكر، أو اختطفه باز الالهام فى جو حدس.
فاتعلل تارة بتشويش البال يضيق الحال، وأخرى يفرط الملال وسعة المجال إلى أن رأيت فى بعض ليالى الجمعة من رجب الأصم سنة الألف والمائتين والاثنتين والخمسين بعد هجرة النبى ﷺ رؤية لا أعدها اضغاث احلام- ولا أحسبها خيالات أوهام: إن الله جل شأنه- وعظم سلطانه امرنى بطى السموات والأرض ورتق فتقهما على الطول والعرض، فرفعت يدا إلى السماء، وخفضت الأخرى إلى مستقر الماء- ثم انتبهت من نومتى وأنا مستعظم رؤيتى فجعلت افتش لها عن تعبير، فرأيت فى بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير،
стр. 265
فرددت حينئذ على النفس تعللها القديم وشرعت مستعينا بالله تعالى العظيم.
وكأنى ان شاء الله عن فريب عند اتمامه بعون عالم سرى ونجواى، أنادى وأقول غير مبال بتشنيع جهول: هذا تأويل رؤياى، وكان الشروع فى الليلة السادسة عشرة من شعبان المبارك من السنة المذكورة وهى السنة الرابعة والثلاثون من سنى عمرى جعلها الله تعالى بسنى لطفة ميسورة وهاك نموذجا من تفسيره:- قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ- لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
(سورة البقرة: ١٨٨) (ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل).
والمراد من- الأكل ما يعم الأخذ والاستيلاء، وعبر به لأنه أهم الحوائج وبه يحصل اتلاف المال غالبا ..
والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض، فهو على حد وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ سورة الحجرات: ١١ من تقسيم الجمع على الجمع، كما فى «راكبو دوابهم» حتى يكون معناه لا يأكل واحد منكم مال نفسه، بدليل قوله سبحانه: (بينكم) فإنه- بمعنى الواسطة- يقتضى أن يكون ما يضاف إليه منقسما إلى طرفين، يكون الأكل والمال حال الأكل متوسطا بينهما، وذلك ظاهر على المعنى المذكور، والظرف متعلق ب «تأكلوا» كالجار والمجرور بعده، أو بمحذوف حال من (الأموال) والباء للسببية، والمراد- من «الباطل» الحرام، كالسرقة، والغضب، وكل ما لم يأذن بأخذه الشرع.
(وتدلوا بها إلى الحكام) عطف على تأكلوا، فهو منهى عنه مثله، مجزوم بما جزمه وجوز نصبه بأن مضمرة، ومثل هذا التركيب وان كان للنهى عن الجمع إلا أنه لا ينافى أن يكون كل من الأمرين منهيا عنه.
стр. 266
والادلاء فى الاصل إرسال الحبل فى البئر ثم استعير للتوصيل إلى الشيء أو الالقاء والباء صلة الادلاء، وجوز أن تكون سببه، والضمير المجرور للاموال أى لا تتوصلوا أو لا تلقوا بحكومتها والخصومة فيها إلى الحكام، وقيل لا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة وقرأ أبى (ولا تدلوا) (لتأكلوا) بالتحاكم والرفع إليهم.
فريقا: جملة.
من اموال الناس بالاثم: أى بسبب ما يوجب اثما كشهادة الزور واليمين الفاجرة ويحتمل أن تكون الباء للمصاحبة، أى متلبسين بالاثم، والجار والمجرور على الاول متعلق بتأكلوا .. وعلى الثانى حال من فاعله، وكذلك:
(وانتم تعلمون) ومفعول العلم محذوف أى: تعلمون أنكم مبطلون.
وفيه دلالة على أن من لا يعلم أنه مبطل وحكم له الحاكم يأخذ مال يجوز له أخذه اخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير مرسلا أن عبد الله بن أشوع الحضرمى وامرؤ القيس بن عابس اختصما فى أرض ولم تكن بينه، فحكم رسول الله ﷺ بأن يحلف امرؤ القيس فهم به، فقرأ رسول الله ﷺ :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا (سورة آل عمران: ٧٧) فارتدع عن اليمين وسلم الأرض فنزلت.
واستدل بها على أن حكم القاضى لا ينقذ باطنا فلا يحل به الأخذ فى الواقع وإلى ذلك ذهب الشافعى رضى الله تعالى عنه، وأبو يوسف محمد، ويؤيده ما أخرجه البخارى ومسلم عن أم سلمه زوج النبى ﷺ أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم قال:- «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما اسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما اقطع له قطعة من النار».
стр. 267
وذهب الامام أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه إلى أن الحاكم إذا حكم بينه بعقد أو فسخ عقد مما يصح أن يبتدأ فهو نافذ ظاهرا وباطنا ويكون كعقد فداء، وإن كان الشهود زورا كما روى أن رجلا خطب امرأة هو دونها فأبت فادعى عند على كرم الله تعالى وجهه أنه تزوجها، وأقام شاهدين، فقالت المرأة لم اتزوجه وطلبت عقد النكاح فقال على كرم الله تعالى وجهه:
قد زوجك الشاهدان، وذهب فيمن ادعى حقا فى يدى وأقام بينة تقتضى أنه له وحكم بذلك الحاكم أنه لا يباح له أخذه، وان حكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل محظورا عليه وحمل الحديث على ذلك، والآية ليست نصا في مدعى مخالفيه لانهم ان أرادوا أنها دليل على عدم النفوذ فى الجملة فسلم ولا نزاع فيه، لأن الامام الأعظم رضى الله تعالى عنه يقول بذلك، لكن فيما سمعت والمسألة معروفة فى الفروع والأصول ولها تفصيل فى أدب القاضى فارجع إليه.
стр. 268
حاشية الإمام الصاوى على الجلالين
والجلالين هنا هما جلال الدين المحلى، وجلال الدين السيوطى، وقد اشتركا فى تفسير القرآن غاية فى الإيجاز، وربما كان أوجز تفسير للقرآن.
أما الذى نتحدث عنه اليوم فهو حاشية العالم العلامة العارف بالله تعالى، الشيخ أحمد الصاوى المالكى على هذا التفسير.
والشيخ الصاوى إمام من أئمة علماء الأزهر، وصوفى من كبار الصوفية، وشيخه فى الطريق هو الامام الدردير الملقب بأبى البركات، شيخ الدردير هو الإمام الأكبر الشيخ الحفنى الملقب بأبى الأنوار ..
والشيخ الصاوى مالكى المذهب، خلوتى الطريقة، من اقليم الغريبة، بلدة «صان الحجر» بمصر، ولد سنة ١١٧٥ هـ ١٧٦١ ميلادية.
وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة ١٢٤١ هـ ١٨٢٥ ميلادية.
وله كتب، وله حواش على بعض كتب شيخه الشيخ أحمد الدردير فى فقه المالكية.
وله شرح مشهور على صلوات الدردير طبع عدة مرات بالقاهرة.
وهو يسير فى تفسيره للقرآن على نمط العلماء المتزنين، وعلى نهج الصوفية الصادقين المتواضعين.
إنه يقول مثلا فى أوائل حاشيته مفسرا منهجه وطريقته:
وبعد: فيقول العبد الفقير الذليل أحمد بن محمد الصاوى المالكى الخلوتى:
ولما كان علم التفسير اعظم العلوم مقدارا، وأرفعها شرفا ومنارا، إذ هو
стр. 269
رئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع واساسها، وكان كتاب الجلالين من أجل كتب التفسير، واجمع على الاعتناء به الجم الغفير، من أهل البصائر والتنوير، وجاءنى الداعى الالهى بقراءته، فاشتغلت به على حسب عجزى، ووضعت عليه ملخصة من حاشية شيخنا العلامة المحقق المدقق الورع الشيخ سليمان الجمل، مع زوائد وفوائد فتح بها مولانا من نور كتابه وإنما اقتصرت على تلخيص تلك الحاشية لكونى وجدتها ملخصة من جميع كتب التفسير التى بأيدينا تنسب لنحو عشرين كتابا منها البيضاوى وحواشيه، وحواشى هذا الكتاب ... ومنها الخازن والخطيب والسمين وأبو السعود والكواشى والبحر والنهر والساقية والقرطبى والكاشف وابن عطية والتحبير والاتقان، ولم انسب العبارات لاصحابها غالبا اكتفاء بنسبة الأصل، والله على ما أقول وكيل، وهو حسبى وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى ..
وقد تلقيت هذا الكتاب من أوله إلى آخره مرتين عن العلامة الصوفى سيدى الشيخ سليمان الجمل وعن الامام أبى البركات العارف بالله تعالى استأذنا الشيخ أحمد الدردير، وعن أستاذنا العلامة الشيخ الامير، وكل من هؤلاء الأئمة تلقاه عن تاج العارفين شمس الدين سيدى محمد بن سالم الحفناوى، وعن أبى الحسن سيدى الشيخ على الصعيدى العدوى ومما يرويه فى مقدمته.
هذا الترتيب الذى نقرؤه توقيفى.
ونزل القرآن على النبى ﷺ فى ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع لقول الله تعالى:- وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (سورة الفرقان: ٣٣) لكنه نزل لا على هذا الترتيب، فإنه نزل عليه ثلاث وثمانون سورة بمكة قبل الهجرة وبالمدينة احدى وثلاثون على التحقيق.
فأول ما نزل بمكة: اقرأ.
стр. 270
وآخر ما نزل بها: قيل: العنكبوت، وقيل: المؤمنون، وقيل المطففين، وأول سورة نزلت بالمدينة: البقرة.
وآخر سورة نزلت بها: المائدة.
وأما أول آية نزلت على الاطلاق: فأقرأ باسم ربك.
وآخر آية على الاطلاق: «واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله».
ومن طريق ما يقوله فى مقدمته:
وعدة حروف القرآن: ألف ألف وخمسة وعشرون ألفا.
وعدة آياته: ستة آلاف وستمائة وستة وستون آية.
ونصفه بحسب الآيات قوله تعالى فى سورة الشعراء:
فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (الآية رقم ٤٥) ونصفه بحسب الحروف قوله تعالى:
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (سورة الكهف: ٧٤) فالنون من النصف الأول، والكاف من الثانى.
ونصفه بحسب السور: الحديد، والمجادلة من النصف الثانى ..
وعدة كلماته سبعة وسبعون ألفا وأربعمائة وخمسون كلمة.
وترتيب السور هكذا توقيفى.
وأما وضع أسمائها فى المصاحف، وتقسيمها إلى أعشار وأرباع، وأثلاث وأجزاء، وأحزاب فمن الحجاج الثقفى بأخذ من الصحابة فى وضع أسماء السور، وباجتهاد منه فى تقسيمه إلى ما ذكر ولذلك تجد ابتداء الربع وسط قصة.
стр. 271
وكان الامام الصاوى يأخذ على الحجاج أنه لم يراع المعنى فى ابتداء أرباع القرآن الكريم والنماذج التى نوردها نحاول أن تكون من خصائص الامام البيضاوى.
فهو عند قوله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (سورة البقرة: ١٥٢) يقول: معنى اذكرونى: تذللوا لجلالى.
اذكركم: اكشف الحجب عنكم، وافيض عليكم رحمتى واحسانى، وأحبكم، وأرفع ذكركم فى الملأ الاعلى، لما فى الحديث: (من تقرب إلى شبرا تقربت منه ذراعا).
وفى الحديث أيضا: إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل فقال له:
يا جبريل، إنى أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادى فى السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى الأرض.
وهذا من جملة الثمرات المعجلة، وأما المؤجلة فرؤية وجه ربه الكريم، ورفع الدرجات وغير ذلك ..
وينبغى للانسان أن يذكر الله كثيرا، لقوله تعالى:
وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً. (سورة الاحزاب: ٣٥) ولا يلتفت لواش ولا رقيب، لقول السيد الحفنى خطابا للعارف بالله تعالى، استاذنا الشيخ الدردير:
يا مبتغى طرق أهل الله والتسليك ... دع عنك أهل الهوى تسلم من التشكيك
أن اذكرونى لرد المعترض يكفيك ... فاجعل سلاف الجلالة دائما فى فيك
ولا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، فربما ذكر مع غفلة يجر لذكر
стр. 272
مع حضور، لأنهم شبهوا الذكر بقدح الزناد، فلا يترك الانسان القدح لعدم ايقاده من أول مرة مثلا، بل يكرر حتى يوقد، فإذا ولع القلب نارت الاعضاء فلا يقدر الشيطان على وسوسته، لقوله تعالى:- إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا (سورة الاعراف: ٢٠١) وخفت العبادة على الاعضاء فلا يكون على الشخص كلفة فيها، قال العارف:
إذا رفع الحجاب فلا ملاله ... بتكليف الإله ولا مشقّة
ويكفى الذاكر من الشرف قول الله تعالى فى الحديث القدسى:
(أنا جليس من ذكرنى) وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الأنفال: ٤٥) وهل الأفضل الذكر مع الناس، أو الذكر فى خلوة؟ والحق التفصيل، وهو ان كان الانسان ينشط وحده، ولم يكن مدعوا من الله لهداية الناس، فالخلوة فى حقه أفضل وإلا فذكره مع الناس أفضل، إما لينشط أو لتقتدى الناس به.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل ذكره.
وعند قوله تعالى:
وَاشْكُرُوا لِي (سورة البقرة: ١٥٢) يقول:
стр. 273
الحق أنه يتعدى بنفسه وباللام والمعنى واحد، وهو من عطف الخاص على لعام والنكتة فى الذكر، فإن المقاصد فى الذكر مختلفة، فمن قصد بذكره لدنيا فقط فهو دنى، ومن قصد بذكره الجنة والنجاة من النار فهو اعلى من لأول، ومن قصد بذكره شكر الله على خلقه إياه وانعامه عليه، ولم يقصد غيره فهو من المقربين لما فى الحديث: أفلا أكون عبدا شكورا.
стр. 274
الإمام جمال الدين القاسمى وتفسيره محاسن التأويل
من علماء الشام الكبار المحقق المدقق العالم الجليل جمال الدين ابن محمد سعيد بن قاسم القاسمى.
ولد فى سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف ونشأ فى حجر والده وتلقى مبادئ العلوم الدينية والشرعية على يديه ثم تلقى سائر العلوم على كثير من علماء عصره ومن أبرزهم الشيخ بكرى العطار والشيخ عبد الرازق البيطار.
مدحه أمير البيان شكيب ارسلان فكان مما قال عنه: كان فى هذه الحقبة الأخيرة جمال دمشق، وجمال القطر الشامى بأسره فى غزارة فضله وسعة علمه.
وشفوف حسه وذكاء نفسه وكرم اخلاقه وشرف منازعه وجمعه بين الشمائل الباهية والمعارف المتناهية.
وقد سما فى العلم والفضل وعلا فى سماء الشهرة والمجد حتى صار هو والشيخ عبد الرازق البيطار علمين من أعلام الشام تشابها كما يقول الأمير شكيب فى سماحة الخلق ورجاحة العقل ونبالة القصد وغزارة العلم والجمع بين العقل والنقل والرواية والفهم ولم يكن فى وقتهما أعلى منهما فكرا وأبعد نظرا وأثقب ذهنا فى فهم المتون والنصوص والتمييز بين العموم والخصوص، وكان وجودهما ضربة شديدة على الحشوية، الفرقة المجسمة فى العقائد تلك الطبقة الجاحدة التى صارت هى وأمثالها حجة على الاسلام فى تدهوره، وقال عنه الشيخ رشيد رضا:
стр. 275
هو علامة الشام ونادرة الايام والمجدد لعلوم الاسلام محيى السنة بالعلم والعمل والتعليم والتهذيب والتأليف واحد حلقات الاتصال بين هدى السلف والارتقاء الذى يقتضيه الزمن الفقيه الاصولى المفسر المحدث الأديب المتفنن التقى الأواب الحليم الأواه- العفيف النزيه صاحب التصانيف الممتعة والابحاث المقنعة.
بدأ الشيخ حياته العلمية مدرسا فى حياة والده فلما توفى والده تولى مكانة فى خدمة امامه فى جامع السنانين بدمشق ومارس نشاطه العلمى فى التأليف والشرح والنقد والاصلاح حتى ازدهرت تأليفه وكثرت مصنفاته ووصل عددها إلى ما يقرب من الثمانين ما بين مخطوط ومطبوع ومن أشهرها:
- محاسن التأويل فى تفسير القرآن الكريم.
- ومنها:
- فصل الكلام فى حقيقة عود الروح إلى الميت حين الكلام.
- بحث فى جمع القراءات المتعارف عليها.
- دلائل التوحيد.
- موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين.
- قواعد التحديث فى فنون مصطلح الحديث.
طريقته فى التأليف
: تعتمد طريقته فى التأليف على النقل الواعى من التراث الاسلامى الزاخر والاكتفاء بالترتيب والتبويب والتعقيب اللطيف أو الاستدراك الخفيف.
وكان من المعجبين بالشيخ ابن تيمية ومن اقطاب المدرسة السلفية وقد اكتسب خبرة واسعة فى الاطلاع والاحاطة حتى لقد حكى عن نفسه أنه قد من الله عليه بفضله فاسمع صحيح مسلم رواية ودراية فى مجالس من اربعين يوما
стр. 276
وسنن ابن ماجة احدى وعشرين يوما والموطأ فى تسعة عشر يوما وطالع بنفسه لنفسه كتاب تقريب التهذيب لابن حجر مع تصحيح سهو القلم فيه وضبطه وتحشيته من نسخة مصححة جدا ثم قال: وهذه الكتب قرأتها اثر بعضها فأجهدت نفسى وبصرى حتى رمدت.
ولقد ذكرنا ذلك لنعرف بهمته العالية واطلاعه الواسع وعلمه الغزير ولشدة عنايته بالاصلاح واخلاصه فى بث الدعوة ونشر الدين والحرص على التجديد.
اتهم بالدعوة إلى مذهب جديد فى الدين سمى بالمذهب الجمالى وقبض عليه وحقق معه ولكنه رد التهمة وأثبت براءته فأخلى سبيله.
ولم تخل حياته من التنقل والارتحال فرحل إلى مصر وزار المدينة وعاد إلى دمشق فانقطع فى منزله للتصنيف والقاء الدروس الخاصة والعامة فى التفسير والأدب وعلوم الشريعة إلى أن وافاه الموت فى شهر رجب من سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة.
﵀ ونفع به.
تفسير القاسمى
إذا أحببت أن تقرأ تفسيرا كاملا للقرآن لا تجد فيه خرافة ولا أسطورة ولا شيئا من الإسرائيليات المذمومة التى حشيت بها التفاسير فعليك بكتاب الإمام القاسمى (محاسن التأويل) الذى فسر به القرآن الكريم تفسيرا يعتبر نموذجا إلى حد كبير ..
وقد تحدث القاسمى فى مقدمة تفسيره فقال بعد أن أثنى على القرآن:
(وإنى كنت حركت الهمة إلى تحصيل ما فيه من الفنون والاكتمال باثمد مطالبه لتنوير العيون فاكببت على النظر فيه وشغفت بتدبير لآلئ عقوده ودراريه
стр. 277
وتصفحت ما قدر لى من تفاسير السابقين وتعرفت- حين درست- ما تخللها من الغث والثمين- ورأيت كلا- بقدر وسعه- حام حول مقاصده، وبمقدار طاقته جال فى ميدان دلائله وشواهده، وبعد أن صرفت فى الكشف عن حقائقه شطرا من عمرى ووقفت على الفحص عن دقائقه قدرا من دهرى أردت أن انخرط فى سلك مفسريه الأكابر قبل أن تبلى السرائر وتفنى العناصر).
وقد استخار الله تعالى فى تسميته وتأليفه ثم شرع فى تنفيذ ما عزم عليه فكان هذا الكتاب الجليل.
وكان شروعه فى هذا التفسير بعد تكرار الاستخارة فى العشر الأول من شوال سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف من الهجرة وما أن تم هذا العمل الجليل حتى تفسيرا حافلا فى سبعة عشر مجلدا.
فسد فراغا وحقق نفعا للعامة والخاصة ونفع الله به المسلمين.
والناظر فى هذا التفسير يجد أن مؤلفه قد أفرد جزءا كاملا مقدمة لتفسيره وفى هذه المقدمة يتجلى منهجه فى التفسير بل فى التأليف عموما.
لقد ناقش قضايا عامة وخطيرة فيما يتصل بالتفسير ونقل كثيرا عن مشاهير العلماء فى الأصول والتفسير وسائر العلوم القرآنية.
لقد تحدث عن مصادر التفسير وعد أن أصولها أربعة:
الأول: النقل عن النبى ﷺ وعلى المفسر بطريق النقل أن يحذر من الضعيف والموضوع.
الثانى: الأخذ بقول الصحابى اذ هو المعاصر للتنزيل والفاهم لجو القرآن.
الثالث: الأخذ بمطلق اللغة.
الرابع: التفسير بما يقتضيه معنى الكلام ومفهوم الشرع.
ومصادر مقدمته غالبا من الشيوخ المعروفين:
стр. 278
الإمام الشاطبى والإمام ابن تيمية وشذرات من كلام العز بن عبد السلام، والإمام الغزالى والراغب الاصفهانى وبعض العلماء المحدثين مثل الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا.
لقد كان الإمام القاسمى بوفرة اطلاعه ودقة فهمه وأمانته فى النقل ينتقى أجود الأقوال فيما يختص بموضوع بحثه ثم ينقله فى كتبه وعلى هذا النهج جرى فى تفسيره، فتفسيره أشبه ما يكون بحديقة غناء لا ترى فيها إلا زرعا ناضرا أو وردا عاطرا ولا تجد فيه ما يؤذى النفس ويثير الشعور ويمتاز هذا التفسير الجليل زيادة على التحرى فى النقل وحسن الاختيار والبعد عن الضعيف والموضوع بما يأتى:
١ - العناية بالمعانى اللغوية للمفردات وتوجيه الاعراف فى سهولة ويسر دون تفريع أو تطويل.
٢ - اعتماده فى تفسير القرآن على القرآن ثم على السنة الصحيحة ثم على أقوال الصحابة وآراء السلف الصالح.
٣ - اهتمامه بالآيات التى تحتاج إلى بحث واطالته النفس فيها وذلك أن فى القرآن آيات بينه واضحة لا تحتاج إلى بحث لأنها واضحة من ناحية المعنى.
وفى القرآن آيات واضحة ولكن بعض المفسرين قد حاول اثارة الجدل فيها أو أخطأ فى فهمها أو فسرها باسرائيليات أو انحرفت بها الأهواء على أى وضع كانت ويشتد اهتمام مفسرنا بمثل هذه الآيات .. شارحا ومبينا ومحققا للحق وكاشفا لزيف الباطل .. وينقل فى سبيل ذلك عن القدماء ما يؤيد فكرته ويتخذ من هذا التأييد كمصدر أول- القرآن نفسه فإنه يفسر بعضه بعضا ويتخذ كذلك الأحاديث الصحيحة الشريفة عن رسول الله ﷺ كمصدر آخر ثم ينقل عن العلماء القدامى وعن العلماء المحدثين ما يؤيد وجهة نظره، وهى فى الأغلب الأعم وجهة نظر سليمة.
٤ - اهتمامة بذكر وجوه القراءات مع الترجيح بينها يقول فى تفسير قوله تعالى:
стр. 279
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ.
(آية ٣٦ من سورة البقرة) فأزلّهما الشيطان عنها: أى اذهبهما عن الجنة وأبعدهما يقال: نزل عن مرتبته وزل عن ذاك: اذا ذهب عنك ... وزل من الشهر كذا .. وقال ابن جرير: فأزلهما بتشديد اللام بمعنى استنزلهما .. من قولك زل الرجل فى دينه إذا هفا فيه وأخطأ فأتى ما ليس له اتيان فيه .. وازله غيره إذ سبب له ما يزل من أجله فى دينه أو دنياه .. وقرئ (فأزلهما) بالألف من التنحية فأخرجهما مما كان فيه من الرغد والنعيم والكرامة.
لقد ذكر الإمام القاسمى كلا من القراءتين والمعنى على حسب كل قراءة ونقل من كلام العلماء ما يؤيد ما ذهب إليه.
أما عن العلماء الذين تأثر بهم الإمام القاسمى فأولهم الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهو يهتم اهتماما واضحا بكل ما انفراد به من آراء: انه ينقل عن ابن تيمية رأيه فى مجازات القرآن، وهو من الآراء التى اشتهر بها ابن تيمية وخالف فيها كثيرا من العلماء وذكر ابن تيمية منهجه فى التفسير ورأيه فى مناهج المفسرين.
وتأثر فى منهجه بهذا المنهج فى التفسير.
ولقد أعجب القاسمى بالإمام محمد عبده ونقل عنه رأيه فى وجوه التفسير ومراتبه نقلا عن مقدمة تفسير الإمام محمد عبده المشهور .. لقد نقلها محبذا لها مقرا لكل ما فيها .. ونستطيع أن نقول بحق: لقد تأثر القاسمى بهذا المنهج ونسق بينه وبين منهج ابن تيمية فى تفسيره لكن هذا الإعجاب بالشيخ محمد عبده لم يمنعه من مخالفة الاستاذ الإمام فى مسائل الملائكة وآدم وابليس والسحر وغير ذلك- لم يقل برأى الإمام فى هذه الأمور وسار على رأى الجمهور فى أنها حقائق وليست تعبيرا بالمثال والإرشاد والتفهيم.
стр. 280
ولعل هذا يكشف لنا جانبا هاما من جوانب الإمام القاسمى لقد كان يعجب بقدر وكان يتحكم فيما يختار ولا ينساق وراء الآراء تبعا لشهرة قائلها وانتشارها بين الناس.
ومن المعالم البارزة فى هذا التفسير اعتناء المفسر بالربط بين الآيات المختلفة والكشف عن مظاهر الحكمة فى ترتيب القرآن .. ففي سورة البقرة مثلا يتحدث عن الانتقال من قصة آدم ودعوة بنيه إلى الدين إلى الحديث عن بنى إسرائيل فى قوله تعالى:
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. (البقرة: ٣٨، ٣٩، ٤٠) يتحدث عن الصلة بين الآيات فيقول:
ولما قدم الله تعالى دعوة الناس عموما وذكر مبدأهم .. دعا بنى إسرائيل خصوصا وهم اليهود- لانهم كانوا أولى الناس- بالإيمان بالنبى ﷺ لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل فدعاهم تارة بالملاطفة وتارة بالتخويف وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أفعالهم.
ونعود فنقول: إن التفسير تعبير حى عن الشيخ القاسمى فى سعة علمه ووفرة مراجعه وحسن انتقائه وسلامة منهجه ودقته فى التعبير واقتصاره على قدر الحاجة- وقد ضم عصارات الأفكار وخلاصة آراء العلماء فى كثير من الآفاق العلمية والفكرية والعملية كما عبر عنها القرآن.
ومما يلاحظ على الإمام القاسمى فى تفسيراته إن استمداده من الإمام ابن كثير بلغ حدا كبيرا .. انه يكاد يشبه تفسير الإمام ابن كثير فى كثير من
стр. 281
الموضوعات فى صورة تكاد تكون متقنة .. ومع ذلك فإن هذا التشابه القوى بينه وبين ابن كثير لا ينزله عن أصالته فإن هذا التشابه آت من اتحاد الرأى وتشابه الأفكار لا من النقل والتقليد.
وكما قلنا فالكتاب نخبة ممتازة يضم الأفكار القيمة والآراء الصحيحة فى كل ما يتصل بالتفسير.
نموذج من تفسير القاسمى
قال تعالى:
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ.
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ.
(سورة المؤمنون: ٧١، ٧٢، ٧٣، ٧٤) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ.
أى لو كان ما كرهوه من الحق الذى هو التوحيد والعدل المبعوث بهما الرسول صلوات الله وسلامه عليه موافقا لا هوائهم المتفرقة فى الباطل الناشئة عن نفوسهم الظالمة المظلمة لفسد نظام الكون لأن مناط النظام ليس إلا ذلك وفيه من شأن الحق والتنبيه على سمو مكانه ما لا يخفى «بل أتيناهم بذكرهم»
стр. 282
اضراب عن توبيخهم بكراهته وانتقال إلى لومهم بالنفور عما ترغب فيه كل نفس من خيرها أى ليس مكروها بل هو عظة لهم لو اتعظوا أو فخرهم أو متمناهم لأنهم كانوا يقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا من عباد الله المخلصين «فهم عن ذكرهم معرضون» أى بالنكوص عنه وأعاد الذكر تفخيما واضافة لهم لسبقه وفى سورة الأنبياء (ذكر ربهم) لاقتضاء ما قبله له «أم تسألهم خرجا» أى جعلا على أداء الرسالة فلا جل ذلك لا يؤمنون «فخراج ربّك خير» أى عطاؤه «وهو خير الرازقين وانك لتدعوهم إلى صراط مستقيم وان الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون».
أى منحرفون- قال القاشاني: الصراط المستقيم الذى يدعوهم إليه هو طريق التوحيد المستلزم لحصول العدالة فى النفس ووجود المحبة فى القلب وشهود الوحدة والذين يحتجبون عن عالم النور بالظلمات وعن القدس بالرجس إنما هم منهمكون فى الظلم والبغضاء والعداوة والركون إلى الكثرة فلا جرم أنهم عن الصراط ناكبون منحرفون إلى ضده فهو فى واد وهم فى واد وقال الزمخشرى: قد الزمهم الحجة فى هذه الآيات وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذى أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله مخبور سره وعلنه خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم وأنه لم يعرض له حتى يدعى بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل ولم يجعل ذلك مسلما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذى هو الصراط المستقيم مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو اخلالهم بالتدبر والتأمل واستئثارهم بدين الآباء الضلال من غير برهان وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة وكراهتهم للحق واعراضهم عما فيه حظهم من الذكر.
стр. 283
الإمام محمد عبده وتفسيره
لعل خير ما يعرف بالشيخ محمد عبده ما كتبه عن نفسه ونقله عنه صاحب المنار فى كتاب خاص سماه: تاريخ الاستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وفيه يقول:
عرفت أنى ابن عبده خير الله، من سكان قرية محلة نصر بمركز شبراخيت من مديرية البحيرة، ووقر فى نفسى احترام والدى، ونظرت إليه أجل الناس فى عينى، ومسكن من هيبته فى قلبى ما لا أجده لأحد من الناس اليوم عندى.
ويقول وجدت والدى يقرى الضيف، ويؤوى الغريب، ويفتخر باكرام النزيل وذلك كان يزيد منزلته من نفسى علوا، وأنا لا أفهم من هذا إلا أنه شىء يفتخر به بدون أن أعقل له علة .. وبالجملة كنت أعتقد أن والدى أعظم رجل فى القرية وكل من فيها دونه، وهو بذلك كان أعظم رجل فى الدنيا فإن الدنيا عندى لم تكن أوسع من قرية محلة نصر.
أما والدتى فكانت منزلتها بين نساء القرية لا تنزل عن مكانة والدى، وكانت ترحم المساكين وتعطف على الضعفاء، وتعد ذلك مجدا وطاعة لله وحمدا، ولم أزل أجد أثر ما وعيت من ذلك فى نفسى إلى اليوم ..
أما عن تدرجه فى التعليم والطلب فيقول:
تعلمت القراءة والكتابة فى منزل والدى، ثم انتقلت إلى دار حافظ قرآن قرأت عليه وحدى جميع القرآن أول مرة، ثم اعدت القراءة حتى اتممت حفظه جميعه فى مدة سنتين، بعد ذلك حملنى والدى إلى طنطا حيث كان أخى لأمى الشيخ مجاهد ﵀ لا جود القرآن فى المسجد الأحمدى لشهرة
стр. 284
قرائه بفنون التجويد، وكان ذلك فى سنة ١٢٧٩ هجرية .. ثم فى سنة احدى وثمانين جلست فى دروس العلم وقضيت سنة ونصفا لا أفهم شيئا لرداءة طريقة التعليم، فادركنى اليأس من النجاح، وهربت من الدرس وحاول أخى اكراهى على طلب العلم فأبيت، وانتهى الجدال بتغلبى عليه، فأخذت ما كان لى من ثياب ومتاع، ورجعت إلى محلة نصر على نية أن لا أعود إلى طلب العلم وتزوجت فى سنة ١٢٨٢ على هذه النية.
ثم يواصل الحديث عن تدرج حياته فى التعليم فيقول:
بعد أن تزوجت بأربعين يوما جاءنى والدى ضحوة نهار وألزمنى بالذهاب إلى طنطا لطلب العلم، وبعد احتجاج وتمنع وإباء لم أجد مندوحة عن اطاعة الأمر ..
ولم يواصل السير إلى طنطا، لقد تغلبت عليه نزعة الهرب من طلب العلم والعزوف عن تحصيله فتخلف فى قرية بها عدد كثير من أقاربه، وانطلق مع أقرانه من الشباب يلهو ويلعب وفى هذه القرية التقى بأحد أخوال أبيه وهو الشيخ درويش.
وكان الشيخ درويش قد أخذ عن بعض الشيوخ طريقة الشاذلية، وكان يحفظ الموطأ، وبعض كتب الحديث، ويجيد حفظ القرآن وفهمه، ثم رجع من أسفاره إلى قريته هذه، واشتغل بما يشتغل به الناس من فلح الأرض، وكسب الرزق بالزراعة.
وتدرج معه الشيخ درويش فى ترويضه على العلم، والعودة به إلى رحاب المعرفة فأعطاه كتابا يحتوى على رسائل كتبها السيد محمد المدنى إلى بعض مريديه بالأطراف وسأله أن يقرأ له فيها شيئا لضعف بصره، وما زال به حتى قرأ بضعة أسطر فاندفع يفسر له معانى ما قرأ بعبارة واضحة غلبت اعراضه وسبقت إلى نفسه، وقاومت نزعته إلى اللعب واللهو.
وان هى الا أيام قليلة حتى صار أبغض شىء إليه ما كان يحبه من لعب ولهو
стр. 285
وفخفخة وزهو وعاد أحب شىء إليه ما كان يبغضه من مطالعة وفهم .. ثم سأل الشيخ عن الطريقة فقال: الاسلام وعن الورد فقال: القرآن، ولم تمض أيام حتى رأى نفسه يطير فى عالم آخر غير الذى كان يعهد، فاتسع له ما كان ضيقا، وصغر عنده من الدنيا ما كان كبيرا، وعظم عنده من أمر العرفان والنزوع بالنفس إلى جانب القدس ما كان صغيرا وتفرقت عنه جميع الهموم ولم يبق إلا هم واحد وهم أن يكون كامل المعرفة، كامل أدب النفس.
ويتابع الشيخ حديثه فيقول:
وفى منتصف شوال من تلك السنة ذهبت إلى الازهر، وداومت على طلب العلم على شيوخه، مع محافظتى على العزلة والبعد عن الناس، حتى كنت استغفر الله إذا كلمت شخصا كلمة لغير ضرورة وفى اواخر كل سنة دراسية كنت اذهب إلى (محلة نصر) لا قيم بها شهرين- من منتصف شعبان إلى منتصف شوال وكنت عند وصولى إلى البلد أجد خال والدى الشيخ درويش قد سبقنى إليه فكان يستمر معى بدراستى القرآن والعلم إلى يوم سفرى.
كان الشيخ يدارسه ويسأل ماذا قرأت؟ ثم يوجهه إلى دراسة علوم أخرى إلى جانب ما يدرس بالأزهر كالمنطق والحساب والهندسة، واستجابة لتوجيهه كان يلتمس هذه العلوم عند من يعرفها فتارة كان يخطئ فى الطلب وأخرى يصيب إلى أن جاء السيد جمال الدين الأفغانى إلى مصر أواخر سنة ١٢٨٦، فوجد عنده ما ابتغاه من العلوم وشاركه فى الدعوة إلى الاصلاح ثم عرض نفسه على مجلس الامتحان فى سنة ١٢٩٤ هجرية للحصول على العالمية فخرج منه بالدرجة الثانية، وصار مدرسا من مدرسى الجامع الأزهر، وأخذ يقرأ العلوم الكلامية والمنطقية وغيرها.
ومع ما وصل إليه فى العلوم ظل يطلب العلم، ويتحدث عن ذلك فيقول:
بدأت بتعلم اللغة الفرنسية عند ما كانت سنى أربعا وأربعين سنة، فبحثت عن معلم فوجدت استاذا لا بأس به، فتعلمت مبادئ اللغة الفرنسية،
следующие страницы →