Полный текст (363 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الموضوعات فى صورة تكاد تكون متقنة .. ومع ذلك فإن هذا التشابه القوى بينه وبين ابن كثير لا ينزله عن أصالته فإن هذا التشابه آت من اتحاد الرأى وتشابه الأفكار لا من النقل والتقليد.
وكما قلنا فالكتاب نخبة ممتازة يضم الأفكار القيمة والآراء الصحيحة فى كل ما يتصل بالتفسير.
نموذج من تفسير القاسمى
قال تعالى:
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ.
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ.
(سورة المؤمنون: ٧١، ٧٢، ٧٣، ٧٤) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ.
أى لو كان ما كرهوه من الحق الذى هو التوحيد والعدل المبعوث بهما الرسول صلوات الله وسلامه عليه موافقا لا هوائهم المتفرقة فى الباطل الناشئة عن نفوسهم الظالمة المظلمة لفسد نظام الكون لأن مناط النظام ليس إلا ذلك وفيه من شأن الحق والتنبيه على سمو مكانه ما لا يخفى «بل أتيناهم بذكرهم»
стр. 282
اضراب عن توبيخهم بكراهته وانتقال إلى لومهم بالنفور عما ترغب فيه كل نفس من خيرها أى ليس مكروها بل هو عظة لهم لو اتعظوا أو فخرهم أو متمناهم لأنهم كانوا يقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا من عباد الله المخلصين «فهم عن ذكرهم معرضون» أى بالنكوص عنه وأعاد الذكر تفخيما واضافة لهم لسبقه وفى سورة الأنبياء (ذكر ربهم) لاقتضاء ما قبله له «أم تسألهم خرجا» أى جعلا على أداء الرسالة فلا جل ذلك لا يؤمنون «فخراج ربّك خير» أى عطاؤه «وهو خير الرازقين وانك لتدعوهم إلى صراط مستقيم وان الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون».
أى منحرفون- قال القاشاني: الصراط المستقيم الذى يدعوهم إليه هو طريق التوحيد المستلزم لحصول العدالة فى النفس ووجود المحبة فى القلب وشهود الوحدة والذين يحتجبون عن عالم النور بالظلمات وعن القدس بالرجس إنما هم منهمكون فى الظلم والبغضاء والعداوة والركون إلى الكثرة فلا جرم أنهم عن الصراط ناكبون منحرفون إلى ضده فهو فى واد وهم فى واد وقال الزمخشرى: قد الزمهم الحجة فى هذه الآيات وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذى أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله مخبور سره وعلنه خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم وأنه لم يعرض له حتى يدعى بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل ولم يجعل ذلك مسلما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذى هو الصراط المستقيم مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو اخلالهم بالتدبر والتأمل واستئثارهم بدين الآباء الضلال من غير برهان وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة وكراهتهم للحق واعراضهم عما فيه حظهم من الذكر.
стр. 283
الإمام محمد عبده وتفسيره
لعل خير ما يعرف بالشيخ محمد عبده ما كتبه عن نفسه ونقله عنه صاحب المنار فى كتاب خاص سماه: تاريخ الاستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وفيه يقول:
عرفت أنى ابن عبده خير الله، من سكان قرية محلة نصر بمركز شبراخيت من مديرية البحيرة، ووقر فى نفسى احترام والدى، ونظرت إليه أجل الناس فى عينى، ومسكن من هيبته فى قلبى ما لا أجده لأحد من الناس اليوم عندى.
ويقول وجدت والدى يقرى الضيف، ويؤوى الغريب، ويفتخر باكرام النزيل وذلك كان يزيد منزلته من نفسى علوا، وأنا لا أفهم من هذا إلا أنه شىء يفتخر به بدون أن أعقل له علة .. وبالجملة كنت أعتقد أن والدى أعظم رجل فى القرية وكل من فيها دونه، وهو بذلك كان أعظم رجل فى الدنيا فإن الدنيا عندى لم تكن أوسع من قرية محلة نصر.
أما والدتى فكانت منزلتها بين نساء القرية لا تنزل عن مكانة والدى، وكانت ترحم المساكين وتعطف على الضعفاء، وتعد ذلك مجدا وطاعة لله وحمدا، ولم أزل أجد أثر ما وعيت من ذلك فى نفسى إلى اليوم ..
أما عن تدرجه فى التعليم والطلب فيقول:
تعلمت القراءة والكتابة فى منزل والدى، ثم انتقلت إلى دار حافظ قرآن قرأت عليه وحدى جميع القرآن أول مرة، ثم اعدت القراءة حتى اتممت حفظه جميعه فى مدة سنتين، بعد ذلك حملنى والدى إلى طنطا حيث كان أخى لأمى الشيخ مجاهد ﵀ لا جود القرآن فى المسجد الأحمدى لشهرة
стр. 284
قرائه بفنون التجويد، وكان ذلك فى سنة ١٢٧٩ هجرية .. ثم فى سنة احدى وثمانين جلست فى دروس العلم وقضيت سنة ونصفا لا أفهم شيئا لرداءة طريقة التعليم، فادركنى اليأس من النجاح، وهربت من الدرس وحاول أخى اكراهى على طلب العلم فأبيت، وانتهى الجدال بتغلبى عليه، فأخذت ما كان لى من ثياب ومتاع، ورجعت إلى محلة نصر على نية أن لا أعود إلى طلب العلم وتزوجت فى سنة ١٢٨٢ على هذه النية.
ثم يواصل الحديث عن تدرج حياته فى التعليم فيقول:
بعد أن تزوجت بأربعين يوما جاءنى والدى ضحوة نهار وألزمنى بالذهاب إلى طنطا لطلب العلم، وبعد احتجاج وتمنع وإباء لم أجد مندوحة عن اطاعة الأمر ..
ولم يواصل السير إلى طنطا، لقد تغلبت عليه نزعة الهرب من طلب العلم والعزوف عن تحصيله فتخلف فى قرية بها عدد كثير من أقاربه، وانطلق مع أقرانه من الشباب يلهو ويلعب وفى هذه القرية التقى بأحد أخوال أبيه وهو الشيخ درويش.
وكان الشيخ درويش قد أخذ عن بعض الشيوخ طريقة الشاذلية، وكان يحفظ الموطأ، وبعض كتب الحديث، ويجيد حفظ القرآن وفهمه، ثم رجع من أسفاره إلى قريته هذه، واشتغل بما يشتغل به الناس من فلح الأرض، وكسب الرزق بالزراعة.
وتدرج معه الشيخ درويش فى ترويضه على العلم، والعودة به إلى رحاب المعرفة فأعطاه كتابا يحتوى على رسائل كتبها السيد محمد المدنى إلى بعض مريديه بالأطراف وسأله أن يقرأ له فيها شيئا لضعف بصره، وما زال به حتى قرأ بضعة أسطر فاندفع يفسر له معانى ما قرأ بعبارة واضحة غلبت اعراضه وسبقت إلى نفسه، وقاومت نزعته إلى اللعب واللهو.
وان هى الا أيام قليلة حتى صار أبغض شىء إليه ما كان يحبه من لعب ولهو
стр. 285
وفخفخة وزهو وعاد أحب شىء إليه ما كان يبغضه من مطالعة وفهم .. ثم سأل الشيخ عن الطريقة فقال: الاسلام وعن الورد فقال: القرآن، ولم تمض أيام حتى رأى نفسه يطير فى عالم آخر غير الذى كان يعهد، فاتسع له ما كان ضيقا، وصغر عنده من الدنيا ما كان كبيرا، وعظم عنده من أمر العرفان والنزوع بالنفس إلى جانب القدس ما كان صغيرا وتفرقت عنه جميع الهموم ولم يبق إلا هم واحد وهم أن يكون كامل المعرفة، كامل أدب النفس.
ويتابع الشيخ حديثه فيقول:
وفى منتصف شوال من تلك السنة ذهبت إلى الازهر، وداومت على طلب العلم على شيوخه، مع محافظتى على العزلة والبعد عن الناس، حتى كنت استغفر الله إذا كلمت شخصا كلمة لغير ضرورة وفى اواخر كل سنة دراسية كنت اذهب إلى (محلة نصر) لا قيم بها شهرين- من منتصف شعبان إلى منتصف شوال وكنت عند وصولى إلى البلد أجد خال والدى الشيخ درويش قد سبقنى إليه فكان يستمر معى بدراستى القرآن والعلم إلى يوم سفرى.
كان الشيخ يدارسه ويسأل ماذا قرأت؟ ثم يوجهه إلى دراسة علوم أخرى إلى جانب ما يدرس بالأزهر كالمنطق والحساب والهندسة، واستجابة لتوجيهه كان يلتمس هذه العلوم عند من يعرفها فتارة كان يخطئ فى الطلب وأخرى يصيب إلى أن جاء السيد جمال الدين الأفغانى إلى مصر أواخر سنة ١٢٨٦، فوجد عنده ما ابتغاه من العلوم وشاركه فى الدعوة إلى الاصلاح ثم عرض نفسه على مجلس الامتحان فى سنة ١٢٩٤ هجرية للحصول على العالمية فخرج منه بالدرجة الثانية، وصار مدرسا من مدرسى الجامع الأزهر، وأخذ يقرأ العلوم الكلامية والمنطقية وغيرها.
ومع ما وصل إليه فى العلوم ظل يطلب العلم، ويتحدث عن ذلك فيقول:
بدأت بتعلم اللغة الفرنسية عند ما كانت سنى أربعا وأربعين سنة، فبحثت عن معلم فوجدت استاذا لا بأس به، فتعلمت مبادئ اللغة الفرنسية،
стр. 286
وحصلت منها ما كان يمكننى من القراءة والفهم، لكن ما كنت استطيع الكلام .. سافرت بعد ذلك إلى فرنسا وإلى سويسرا عدة مرات فى أيام العطلة فى كلية جنيف، وبهذه الطريقة تعلمت اللغة الفرنساوية فى أوقات الفراغ مع اشتغالى بالقضاء فى المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف.
ونشط الشيخ فى التأليف والتدريس بالأزهر وغير الأزهر فذاع صيته وطارت شهرته وعم النفع به ..
تفسيره
لم يكن التفسير عند الاستاذ الإمام بالشىء السهل، بل كان من أصعب الأمور وأهمها .. ووجه الصعوبة فيه- فيما يرى الإمام من وجوه أهمها:
إن القرآن كلام سماوى تنزل عن حضرة الربوبية على قلب أكمل الأنبياء وهو يشتمل على معارف عالية، ومطالب سامية، لا يشرف عليها إلا أصحاب النفوس الزاكية والعقول الصافية ..
وكان الإمام فى تصديه للتفسير راغبا بث الدعوة إلى أمرين عظيمين:
الأول: تحرير الفكر عن قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع فى كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشرى التى وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه، لتتم حكمة الله فى حفظ نظام العالم الإنسانى، وأنه على هذا الوجه يعد صديقا للعلم باعثا على البحث فى أسرار الكون، داعيا إلى احترام الحقائق الثابتة مطالبا بالتعديل عليها فى أدب النفس واصلاح العمل.
الثانى: إصلاح أساليب اللغة العربية فى التحرير، سواء كان فى المخاطبات الرسمية بين دواوين الحكومة ومصالحها، أو فيما تنشره الجرائد على الكافة منشئا أو مترجما من لغات أخرى أو فى المراسلات بين الناس.
стр. 287
وللتفسير فى نظر الإمام وجوه شتى:
أحدها: النظر فى أساليب الكتاب ومعانيه وما اشتمل عليه من أنواع البلاغة، ليعرف به: علو الكلام وامتيازه على غيره من القول .. سلك هذا المسلك الزمخشرى، ونحا نحوه آخرون.
ثانيها: الاعراب .. وقد اعتنى بهذا أقوام توسعوا فى بيان وجوهه وما تحتمله الألفاظ منها ..
ثالثها: تتبع القصص، وقد سلك هذا المسلك أقوام زادوا فى قصص القرآن وما شاءوا من كتب التاريخ والإسرائيليات، ولم يعتمدوا على التوراة والإنجيل والكتب المعتمدة عند أهل الكتاب وغيرهم، بل أخذوا جميع ما سمعوه عنهم من غير تفريق بين غث وثمين ولا تنقيح لما يخالف الشرع ولا يطابق العقل ...
رابعها: غريب القرآن.
خامسها: الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات والاستنباط منها.
سادسها: الكلام فى أصول العقائد ومقارعة الزائغين، وصحابة المختلفين، وللإمام الرازى العناية الكبرى بهذا النوع ..
سابعها: المواعظ والرقائق، وقد مزجها الذين ولعوا بها بحكايات المتصوفة والجهاد، وخرجوا ببعض ذلك عن حدود الفضائل والآداب التى وضعها القرآن ..
ثامنها: ما يسمونه بالإشارة، وقد اشتبه على الناس فيه كلام الباطنية الصوفية ..
ومن ذلك التفسير الذى ينسبونه للشيخ الأكبر محيى الدين بن عربى، وإنما هو للقاشانى الباطنى الشهير، وفيه من النزعات ما يتبرأ منه دين الله وكتابه العزيز.
وإذا كان الاكثار فى مقصد خاص من هذه المقاصد يخرج الكثيرين عن المقصود من الكتاب الالهى، ويذهب بهم فى مذاهب تبهم معناه الحقيقى،
стр. 288
فإن ما كان يعنى الإمام من التفسير هو فهم الكتاب من حيث هو دين، وهداية من الله للعالمين، جامعة بين بيان ما يصلح به أمر الناس فى هذه الحياة الدنيا، وما يكونون به سعداء فى الآخرة، ويتبعه- بلا ريب- بيان وجوه البلاغة بقدر ما يحتمله المعنى، وتحقيق الإعراب على الوجه الذى يليق بفصاحة القرآن وبلاغته عند الحاجة إلى ذلك.
وللتفسير فى نظر الإمام مراتب:
أدناها: أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله وتنزيهه، ويصرف النفس عن الشر، ويجذبها إلى الخير، وهذه التى تتيسر لكل أحد (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر).
وأما المرتبة العليا فهى لا تتم إلا بأمور:
أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التى أودعها القرآن بحيث يجد المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة، غير مكتف بقول فلان وفهم فلان.
ثانيها: الأساليب، فينبغى أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفعية، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطن لنكته ومحاسنة، والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه.
ثالثها: علم أحوال البشر، فقد ورد فى القرآن من الحديث عن أحوال الخلق وقصص الأمم والسنن الالهية فى البشر ما يجعل العلم بأطوار البشر وأدوارهم ومناشئ اختلاف أحوالهم من ألزم الأمور.
رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن بمعرفة ما كان عليه الناس فى عصر النبوة من العرب وغيرهم وما كانوا عليه من العوائد.
خامسها: العلم بسيرة النبى ﷺ وأصحابه، وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف فى الشئون دينويها وأخرويها.
والغرض الأول الذى دعا إليه فى قراءة التفسير، استجماع تلك الشروط لأجل ان تستعمل لغايتها وهى محاولة فهم المراد من القول، وحكمة التشريع فى
стр. 289
العقائد والأحكام على الوجه الذى يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة فى الكلام ... فالمقصد الحقيقى وراء كل تلك الشروط والفنون هو الاهتداء بالقرآن .. وفى سنة ١٣١٥ اتصل بالشيخ محمد عبده:
ان القرآن لا يحتاج إلى تفسير كامل من كل وجه، ولكن الحاجة شديدة إلى تفسير بعض الآيات ..
ولم يزل به الشيخ رشيد رضا حتى اقنعه بقراءة التفسير فى الأزهر، وبدأ بالدروس فى غرة المحرم سنة ١٣١٧ هـ وانتهى منه فى منتصف المحرم سنة ١٣٢٣ هـ عند تفسير قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً من سورة النساء.
وعلى الرغم مما فى تفسير الشيخ محمد عبده من محاسن، فإنه يحتاج إلى تعقيب، ونكتفى هنا بمثال على ذلك:
اننا جميعا نجل الشيخ محمد عبده، ونحترمه، وندين له بكثير من تخليص الدين عن الخرافات والأساطير ولكن حينما نقرأ له تفسير قصة آدم، فنراه لا يضع احتمال أنها تمثيل متساءل: لم ذكر الشيخ محمد عبده هذا الاحتمال؟
حينما نتساءل حقيقة عن السر العميق- فى الشعور وفى اللاشعور- نجد أن الشيخ محمد عبده رأى أن فكرة التطور منتشرة فى جميع أرجاء أوربا، بل والعالم، وهى فيما يرى بظاهرها تتعارض مع التعاليم التى تنبئ أن آدم هو أول البشر، وهو الذى خلقه الله وسواه، وخاطب الملائكة فى شأنه وأمرهم أن يسجدوا له.
رأى الشيخ محمد عبده أن كل ذلك لا يتلاءم كثيرا مع فكرة التطور المزعومة فماذا صنع؟ ذكر هذا الاحتمال، وبذلك يمكننا أن نؤولها كيفما شئنا، وما كنا نود أن يجيز ذلك إذ أنه يفتح للناس باب التأويل فى صورة من الاستفاضة الضارة ..
كما رأى الشيخ محمد عبده أن يفسر اختلاف رسالات الرسل وتعاقبها:
стр. 290
موسوية وعيسوية وإسلامية بتطور الإنسانية.
الآن الإنسانية- حسبما برى- حسية فى زمن موسى، فكانت رسالة سيدنا موسى حسية.
ثم تطورت الإنسانية من الحس إلى العاطفة، فكانت رسالة سيدنا عيسى عاطفية.
ثم تطورت الإنسانية من الحس والعاطفة الى العقل، فكانت رسالة سيدنا محمد عقلية.
ورأيي أن الإنسانية لم تتطور هذا التطور وأن الإنسانية لم تتطور هذا التطور هذا التطور وأن الإنسانية أينما سرنا وعند أى فرد رأينا، فى أى مجتمع شاهدنا، فإنما يتمثل فيها جوانب ثلاثة: الحسى والعاطفة والعقل ..
ولكن فكرة التطور، وأن الإنسانية متطورة، انتهت بأن أصبحت مسيطرة على الكثيرين فانقادوا لها، وأدخلوها فى المحيط الدينى، فأفسدت كثيرا من القضايا ..
ومن تفسيره:
قال تعالى:
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها، وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها، وَالْجِبالَ أَرْساها، مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ.
(سورة النازعات: ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٣١، ٣٢، ٣٣) أأنتم أشدّ خلقا: عود إلى خطاب أولئك المكذبين المغرورين لتقريعهم وتسفيه أحلامهم، فى استبعاد ما يوعدون به من البعث وما يتبعه، أو استبطاء أخذ الله لهم فى هذه الدنيا مع أنه هو الذى انشاهم وخلقهم أول مرة فإن كانوا
стр. 291
قد غفلوا عن أنه هو خالقهم فلينظروا إلى السماء وإلى الأرض، فيعلموا أن من خلقهما وأنشأهما لا يصعب عليه خلقهم، ولا يسعهم إنكار أن خالق السماء والأرض هو الله، فكيف ينكرون أنه خالقهم، وأنه القادر على إعادتهم كما بدأهم؟ (أشدّ خلقا) أصعب انشاء ..
(بناها) بيان لكيفية خلق السماء، والبناء ضم الأجزاء المتفرقة بعضها إلى بعض مع ربطها بما يمسكها حتى يكون عنها بينة واحدة، وهكذا صنع الله بالكواكب وضع كل منها على نسبة من الآخر مع ما يمسك كلا فى مداره حتى كان منها عالم واحد فى النظر سمى باسم واحد وهو السماء التى تعلونا، وهى معنى قوله:
(رفع سمكها فسوّاها) والسمك قامة كل شىء، فقد رفع اجرامها فوق رءوسنا.
(فسوّاها) عدلها بوضع كل جرم فى موضعه (أغطش الليل) أظلمه، وغطش الليل أظلم ونسبة الليل إلى السماء لأنه يكون بعقيب كواكبها (ضحاها) نورها وضوء شمسها، قال تعالى والشمس وضحاها أى ضوؤها، وتعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول التابع لحركة بعض السيارات يهيئ الأرض للسكنى، وهو معنى قوله (والأرض بعد ذلك) تسوية السماء على الوجه السابق وابراز الأضواء (دحاها) أى مهدها وجعلها قابلة للسكنى، وذلك بأن (أخرج منها ماءها) بتفجير الينابيع والعيون والأنهار، (ومرعاها) أى رعيها، وهو النبات الذى يأكل منه الناس والدواب، وتثبيت الجبال وجعلها مانعة من اضطراب الأرض من تتمة التمهيد واعداد الأرض لسكنى الأحياء، وهو متأخر عن الاستعداد الأول لا نبات النبات وإن كان برور الجبال سابقا على ذلك، وقد جعل الله ذلك كله ليتمتع به الناس والأنعام أفلا يكون صانع ذلك كله هو صانعكم؟ أفلا يكون خالقكم وواهبكم ما به تحبون ورافع السماء فوقكم وممهد الأرض تحتكم، قادرا على بعثكم، وهل يليق به أن يترككم سدى بعد أن دبركم هذا التدبير، ووفر لكم هذا الخير الكثير؟
стр. 292
الأستاذ رشيد رضا وتفسيره
أحد رجال الاصلاح الاسلامى: محمد رشيد بن على رضا بن محمد شمس الدين القلمونى المنشأ البغدادى الاصل الحسينى النسب، من الكتاب العلماء بالحديث والادب والتاريخ والتفسير، وهو صاحب مجلة المنار المشهورة التى كانت منارا للفكر والاصلاح الاجتماعى فى العصر الحديث.
نشأ صاحبنا وترعرع فى بلدة القلمون- من أعمال طرابلس الشام- ودرج فيها طالبا للعلم ساعيا فى تحصيله فيها وفى مدينة طرابلس وجاشت عاطفته فى صباه بالشعر وظهرت كتاباته فى الصحف والمجلات فلمع نجمه وعرف من بين الكتاب.
وكانت مصر كنانة الله فى أرضه منارا خاصا بأشهر العلماء ومنهم الإمام الأستاذ محمد عبده وطبقته من العلماء المشهورين فى ذلك الوقت حتى إذا كان العام الخامس عشر بعد الألف والثلاثمائة للهجرة رحل الشيخ محمد رشيد رضا إليها واتصل بعلمائها وتتلمذ على الشيخ محمد عبده الذى كان ثورة كبيرة بعلمه وآرائه الخلاقة فى الاصلاح والاجتماع، ثم أصدر المجلة المشهورة التى عرفت بالمنار وذلك لبث آرائه فى الاصلاح الدينى والاجتماعى وأصبح الشيخ مرجع الفتيا فى التأليف بين الشريعة الاسلامية الغراء والأوضاع العصرية المتجددة.
وعند ما أعلن الدستور العثمانى سنة ١٣٢٦ زار الشيخ بلاد الشام لتسير آراءه وابداء وجهة النظر الاسلامية فى كثير من المسائل الهامة، وقد اعترضه- وهو على منبر الجامع الأموى بدمشق- أحد أعداء الاصلاح فكادت تكون فتنة كبيرة لولا حكمة الشيخ الذى عاد فى ذلك الوقت إلى مصر.
стр. 293
وفى مصر نشطت حركته فأنشأ (مدرسة الدعوة والارشاد) وأمدها بروحه القوية وكرس جهوده لخدمتها، ثم قصد سورية فى أيام الملك فيصل بن الحسين وانتخب رئيسا للمؤتمر السورى فيها ثم غادرها على أثر دخول الفرنسيين إليها سنة ١٩٢٠ فأقام فى مصر مدة رحل بعدها إلى الهند والحجاز واروبا وعاد فاستقر بمصر إلى أن توفى فجأة فى سيارة كان راجعا فيها من السويس إلى القاهرة ودفن بالقاهرة عام أربع وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة النبوية.
مؤلفاته وآثاره
:- لقد غصت المكتبة العربية بمؤلفات الشيخ رشيد رضا الكثيرة ومن أشهرها:
مجلة «المنار» وقد أصدر منها ٣٤ مجلدا.
تفسير القرآن- فى ١٢ مجلدا.
تاريخ الاستاذ الامام الشيخ عبده فى ثلاثة أجزاء.
نداء للجنس اللطيف.
الوحى المحمدى.
يسر الاسلام وأصول التشريع العام.
الخلافة
. الوهابيين والحجاز.
محاورات المصلح والمقلد.
ذكرى المولد النبوى شبهات النصارى وحجج الاسلام.
стр. 294
هذا وقد ألف الامير شكيب أرسلان كتابا فى سيرة الشيخ محمد رشيد رضا سماه «السيد رشيد رضا، أو أخا أربعين سنة»
منهجه فى تفسيره
: للشيخ رشيد رضا منهج واضح فى تفسيره غايته فهم القرآن ومعرفة اهدافه وأغراضه والانتفاع بها كما اراد الله لهذه الامة حتى تكون خير امة اخرجت للناس وعلى ذلك فالذين يفيدون من القرآن فقها وعلما طائفة خاصة من الناس هم من يقول عنهم صاحب المنار:
«إنما يفهم القرآن ويتفقه فيه من كان نصب عينه ووجهه قلبه فى تلاوته فى الصلاة وفى غير الصلاة ما بينه الله تعالى فيه من موضوع تنزيله وفائدة ترتيله وحكمة تدبره من علم ونور، وهدى ورحمة وموعظة وعبرة وخشوع وخشية وسنن فى العالم مطردة، فتلك غاية انذاره وتبشيره ويلزمها عقلا وفطرة تقوى الله تعالى بترك ما نهى عنه، وفعل ما أمر به بقدر الاستطاعة، فإنه كما قال: (هدى للمتقين).
ثم ينعى الشيخ رشيد رضا على المسلمين حظهم بسبب ما اشتملت عليه كثير من التفاسير مما ابعدها عن مقاصد القرآن أساسا فيقول:
«كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب فى التفسير يشغل قارئه عن مقاصد القرآن العالية، والهداية السامية، فمنها ما يشغله عن القرآن به لبحث الاعراب وقواعد النحو ونكت المعانى ومصطلحات البيان، ومنها ما يصرفه عنه بجدل المتظلمين، وتخريجات الاصوليين واشتباكات الفقهاء المقلدين وتأويلات المتصوفين وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض وبعضها يلفته عنه بكثرة الروايات، وما مزجت به من خرافات الاسرائيليات ...
نعم ان أكثر ما ذكر من وسائل فهم القرآن، فنون العربية لا بدّ منها واصطلاحات الاصول وقواعده الخاصة بالقرآن ضرورية أيضا كقواعد النحو
стр. 295
والمعانى، وكذلك معرفة الكون وسنن الله تعالى فيه كل ذلك يعين على فهم القرآن.
ثم يقول- مبينا ما وقع فيه غيره من المفسرين عن خرافات واضاليل اجتنبها هو فى تفسيره.
وأما الروايات المأثورة عن النبى ﷺ وأصحابه وعلماء التابعين فى التفسير، فمنها ما هو ضرورى أيضا، لأن ما صح من المرفوع لا يقدم عليه شىء، ويليه ما صح عن علماء الصحابة فيما يتعلق بالمعانى اللغوية أو عمل عصرهم، والصحيح من هذا وذاك قليل، واكثر التفسير المأثور قد سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب كما قال الحافظ ابن كثير وجل ذلك فى قصص الرسل مع اقوامهم، وما يتعلق بكتبهم ومعجزاتهم، وفى تاريخ غيرهم كأصحاب الكهف ومدينة أرم ذات العماد وسحر بابل ... وفى أمور الغيب من اشراط الساعة وقيامتها وما يكون فيها وبعدها، وجل ذلك خرافات ومفتريات صدقهم فيها الرواة .. وكان الواجب جمع الروايات المفيدة فى كتب مستقلة كبعض كتب الحديث وبيان قيمة اسانيدها، ثم يذكر فى التفسير ما يصح منها بدون سند كما يذكر الحديث فى كتب الفقه لكن يعزى إلى تخرجه كما نفعل ثم يقول:
وغرضنا من هذا كله أن أكثر ما روى فى التفسير حجاب على القرآن وشاغل لنا فيه عن مقاصده العالية المزكية للانفس المنورة للعقول، الفضول للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات التى لا قيمة لها اسنادا ولا موضوعا، كما أن المفضلين لسائر التفاسير لهم صوارف أخرى كما تقدم.
فكانت الحاجة شديدة إلى تفسير تتوجه العناية الأولى فيه إلى هداية القرآن على الوجه الذى يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة فى وصفه، وما أنزل لا جله من الانذار والتبشير والهداية والاصلاح ... ثم العناية إلى مقتضى حال هذا
стр. 296
العصر فى سهولة التعبير، ومراعاة اقبال صنوف القارئين، وكشف شبهات المشتغلين بالفلسفة والعلوم الطبيعية وغيرها إلى غير ذلك مما تراه قريبا هو ما يسره الله بفضله لهذا العاجز ...
والناظر فى تفسير الشيخ رشيد رضا يجد فيه روح الشيخ الإمام محمد عبده وكلامه وآراءه ووقفاته الكريمة لفهم كتاب الله الحكيم.
رحم الله الشيخ رشيد رضا واستاذه الامام محمد عبده وجزاهما عن المسلمين خير الجزاء.
نموذج من تفسيره
قال فى قوله: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة البقرة: ٥) هاهنا إشارتان، والمشار إليه عند الجمهور واحد وهو ما فى الآيتين السابقتين الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ (سورة البقرة:
٣) والذين يؤمنون بما انزل (إليك)، من غير أهل الكتاب والمؤمنين منهم، وكرر الاشارة للاعلام بأنه لا بدّ عن تحقيق الوصفين لتحقق الحكم بأنهم على هدى وأنهم هم
المفلحون، كما قال بعضهم وهو تكلف ظاهر وكذا قولهم: ان تنكير «هدى» هنا للتعظيم، وشيخنا قد جعل الاشارتين لنوعى المؤمنين المذكورين فى الآية السابقة بأسلوب اللف والنشر المرتب.
قال: ان الاشارة الأولى أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ فى هذه الآية للفرقة الولى: وهم الذين ينتظرون الحق لانهم على شىء منه- كما يدل عليه تنكير «هدى» الدال على النوع، وينتظرون بيانا من الله تعالى ليأخذوا به
стр. 297
وكذلك تقبلوه عند ما جاءهم، فقد أشعر الله قلوبهم الهداية بما آمنوا به من الغيب، وأقاموا الصلاة بالمعنى الذى سبق وانفقوا مما رزقهم الله.
وأما الفرقة الثانية: وهم المؤمنون بما جاء به محمد ﷺ فعلى هدى تشترك فيه تلك الفرقة الاولى لكن على وجه أكمل .. لأنها مؤمنة بالقرآن وعاملة به.
وقوله «على هدى» تعبير يفيد التمكن من الشيء كمتمكن المستقر عليه كقولهم: ركب هواه، ولقد كان افراد تلك الفرقة (أي الأولى) على بصيرة وتمكن من نوع الهدى الذى كانوا عليه، فان كان هذا غير كاف لإسعادهم وفلاحهم فهو كاف لا عدادهم وتأهيلهم لهما بالايمان التفصيلى المنزل ولذلك قبلوه عند ما بلغتهم دعوته.
والى الفرقة الثانية وقعت الاشارة الثانية وأولئك هم المفلحون كما هو ظاهر، وهم المفلحون بالفعل لاتصافهم بالايمان الكامل بالقرآن، وبما تقدمه من الكتب السماوية واليقين بالآخرة- لا مطلق الايمان بالغيب اجمالا .. ويرشد إلى التغاير بين مرجع الاشارتين ترك ضمير الفصل «هم» فى الأولى وذكره فى الثانية ولو كان المشار إليه واحدا لذكر الفعل فى الأولى لأن المؤمنين بالقرآن هم الذين على الهدى الصحيح التام فهو خاص بهم دون سواهم لكنه اكتفى عن التنصيص على تمكنهم من الهدى بحصر الفلاح فيهم.
ومادة الفلح تفيد فى الأصل معنى الشق والقطع .. ويطلق الفلاح والفلح على الفوز بالمطلوب، ولكن لا يقال: افلح الرجل إذا فاز بمرغوبة عفوا من غير تعب ولا معاناة، بل لا بد فى تحقيق المعنى اللغوى لهذه المادة من السعى إلى الرغبة والاجتهاد لإدراكها، فهؤلاء ما كانوا مفلحين إلا بالإيمان بما أنزل إلى النبي ﷺ وما أنزل من قبله، واتباع هذا الايمان بامتثال الأوامر واجتناب النواهى التى نيط بها الوعد والوعيد فيما انزل إليه ﷺ مع اليقين بالجزاء على جميع ذلك فى الآخرة ويدخل فى هذا كله ترك الكذب والزور وتزكية النفس من سائر الرذائل كالشر، والطمع والجبن والهلع والبخل والجود والقسوة وما
стр. 298
ينشأ عن هذه الصفات من الافعال الذميمة، وارتكاب الفواحش والمنكرات والانغماس فى شرور اللذات، كما يدخل فيه الفضائل التى هى اصدار هذه الرذائل المتروكة، وجميع ما سماه القرآن عملا صالحا من العبادات وحسن المعاملة مع الناس، والسعى فى توفير منافعهم العامة والخاصة مع التزام العدل والوقوف عند ما حده الشرع القويم والاستقامة على صراطه المستقيم.
وجملة القول:
أن الإيمان الذى أنزل إلى النبى ﷺ هو الايمان بالدين الاسلامى جملة وتفصيلا فما علم من ذلك بالضرورة ولم يخالف فيه مخالف يعتد به فلا يسع أحدا جهله، فالإيمان به إيمان والاسلام لله به اسلام، وإنكاره خروج من الاسلام، وهو الذى يجب أن يكون معقد الارتباط الاسلامى وواسطة الوحدة الاسلامية وما كان دون ذلك فى الثبوت ودرجة العلم فموكول إلى اجتهاد المجتهدين، ولا يصح أن يكون شىء من ذلك مثار اختلاف فى الدين.
زاد الاستاذ هنا بخطه عند قولنا «اجتهاد المجتهدين» ما نصه أو ذوق العارفين، أو ثقة الناقلين بما نقلوا عنه ليكون معتمدهم فيما يعتقدون بعد التحرى والتمحيص، وليس لهؤلاء أن يلزموا غيرهم ما ثبت عندهم، فإن ثقة الناقل بمن ينقل عنه حالة خاصة به لا يمكن لغيره أن يعشر بها حتى يكون له مع المنقول عنه فى الحال مثل ما للناقل معه فلا بد أن يكون عارفا بأحواله واخلاقه ودخائل نفسه ونحو ذلك عما يطول شرحه، وتحصل الثقة للنفس بما يقول القائل:
وأقول:
معنى هذا أن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة على من ثبتت عنده واطمأن قلبه بها ولا تكون حجة على غيره يلزمه العمل بها- ولذلك لم يكن الصحابة رضى الله عنهم يكتبون جميع ما سمعوا من الاحاديث ويدعون إليها مع دعوتهم إلى اتباع القرآن والعمل به، وبالسنة العلمية المتبعة المبينة له إلا
стр. 299
قليلا من بيان السنة كصحيفة على كرم الله وجهه المشتملة على بعض الاحكام كالدية وفكاك الاسير وتحريم المدينة كمكة.
ولم يرض الامام مالك من الخليفتين: المنصور والرشيد أن حملا الناس على العمل بكتبه حتى- «الموطأ» وانما يجب العمل بأحاديث الآحاد على من وثق بها رواية ودلالة، وعلى من وثق برواية أحد وفهمه لشىء منها أن يأخذه عنه، ولكن لا يجعل ذلك تشريعا عاما، وأما ذوق العارفين فلا يدخل شىء منه فى الدين، ولا يعد حجة شرعية بالاجماع إلا ما كان من استفتاء القلب فى الشبهات والاحتياط فى تعارض البيانات.
стр. 300
تفسير ابن باديس
وابن باديس هو عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكى بن باديس، ولد فى أسرة صنهاجية من اعرق الاسر فى العلم والنسب، ومكانة الاسرة فى العلم يصف جانبا منها ابن خلدون حينما يقول:
انه اجتمع اربعون عمامة من أسرة باديس فى وقت واحد فى التدريس والافتاء والوظائف الدينية.
وهذا العدد فى أسرة واحدة فى وقت واحد دليل كاف على صلتها الوثيقة بالعلم والاسرة تنحدر عن الصنهاجيين الذين كانوا ملوكا وحكاما، وكان من انبهم المعز بن باديس.
ولد ابن باديس فى سنة ١٣٠٨ هـ ١٨٨٩ م ميلادية وأخذ منذ الطفولة فى التعليم بحفظ القرآن الكريم كما ألف الوسط الذى يعيش فيه من بدئهم بحفظ القرآن الكريم، ثم أخذ يتزود من علوم العربية وعلوم الاسلام.
ثم شد الرحال الى جامع الزيتونة بتونس الذى كان مزدهرا بالعلم والعلماء، ارتحل الى الزيتونة وهو كبير السن وقد تزود بقسط وافر من العلوم، وانتهت دراسته بها سنة ١٩١٢ ثم سافر الى الحج والزيارة، وهناك التقى ببعض الجزائريين النابهين، منهم الشيخ البشير الابراهيمى، واخذوا يتدارسون الوضع السياسى فى الجزائر والاحتلال الفرنسى الجاثم على صدرها، يدبر الامر فى عنف لجعلها فرنسية لغة وثقافة، واتفقوا على أن النهضات المستقرة الناجحة انما تقوم على اساس من الايمان الوثيق، وبدون الايمان لا تنجح نهضة فى الشرق الاسلامى ولا تستقر.
стр. 301
ومن هنا كان السر فى انشاء «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» سنة ١٩٣١ م وكانت سن ابن باديس اذ ذاك ٤٢ عاما.
وكان ابن باديس حلقة فى سلسلة معينة من التيار الفكرى الذى ينتسب اليه كثير من الذين يتجهون الى الاصلاح على نهج جمال الدين الافغانى.
وفى ذلك يقول الشيخ البشير الابراهيمى ﵀:
«ان هذه النهضة المباركة المنتشرة اليوم فى الاقطار الاسلامية بشير خير، بقرب رجوع المسلمين الى هذه الهداية، لان هذه النهضة بنيت اصولها على الدعوة الى كتاب الله وتفهمه والعمل به» وقد كان من بواكير ثمار هذه النهضة فى باب التأليف: تفسير الامام النقاد: «محمود الآلوسي» على ما فيه من تشدد فى المذهبية. وتفسير الامير «صديق حسن خان».
ثم جاء إمام النهضة بلا منازع، وفارس الحلبة بلا مدافع الاستاذ الامام «محمد عبده» فجلا بدرسه فى تفسير كتاب الله عن حقائقه التى حام حولها من سبقه ولم يقع عليها وكانت تلك الدروس آية على أن القرآن لا يفسر الا بلسانين:
«لسان العرب، ولسان الزمان».
وبه وبشيخه «جمال الدين» استحكمت هذه النهضة واستمر مريرها.
ثم جاء الشيخ «محمد رشيد رضا» جاريا على ذلك النهج الذى نهجه محمد عبده فى تفسير القرآن، كما جاء شارحا لآرائه وحكمته وفلسفته فى الدين والاخلاق والاجتماع.
ثم جاء اخونا وصديقنا الاستاذ الشيخ «عبد الحميد بن باديس» قائد تلك النهضة بالجزائر، بتفسيره لكلام الله على تلك الطريقة وهو ممن لا يقصر عمن ذكرناهم فى استكمال وسائلها من ملكة بيانية راسخة، وسعة اطلاع
стр. 302
على السنة وتفقه فيها وغوص على اسرارها، واحاطة وباع مديد فى علم الاجتماع البشرى وعوارضه، والمام بمنتجات العقول ومستحدثات الاختراع ... ومستجدات العمران، يمد ذلك قوة خطابية قليلة النظير، وقلم كاتب لا تفل له شباة.
ولقد مكث ابن باديس يدرس تفسير القرآن الكريم فى مدى خمسة وعشرين عاما دون فتور أو انقطاع، وحينما اتمه كان يوم عيد فى الجزائر وعن ذلك يقول الشيخ البشير «بارك الله فى عمر الاستاذ فأتم تفسير كتاب الله ببيانه المشرق فى خمس وعشرين عاما، من غير ان تختل اعماله العلمية الكثيرة، ولا أعماله المستغرقة لدقائقه فى سبيل النهضة.
وعرفت الامة الجزائرية قيمة ما اتم الله على يد الاستاذ فاحتفلت بهذا الختم كأعظم ما تحتفل أمة ناهضة باثر ناجح من جهودها.
وكان من الاحسان فى هذا العمل العظيم ومن الاحسان للنهضة أن تسجل من هذا الاحتفال صورة منبهة على حقيقته فصدر عدد من (الشباب) وهو لسان حال هذه النهضة- خاصا بهذه المنقبة، مخلدا لهذا الاثر، مسجلا لبعض أوصافه وما قيل فيه.
ونحن بمالنا من الصلة الوثيقة بهذه النهضة، ومن العمل النزر فيها نغتبط بهذه الخطوة السديدة، وهذه المرحلة الجديدة، التى تمت بختم التفسير.
وعن ابن باديس يقول الدكتور: محمد البهى:
«والامام عبد الحميد بن باديس» رئيس جمعية العلماء بالجزائر، وباعث النهضة الاسلامية العربية فيها، وفائد الثورة ضد الاستعمار الفرنسى فى هذه البلاد العزيزة، واحد العلماء المصلحين المفكرين الرواد فى الوطن الاسلامى والعربى، وهم- مع الاسف- لم يكونوا كثرة فى العدد وان كانوا قوة فى الاثر».
стр. 303
ودخل بن باديس فى صراع لا هوادة فيه مع الاستعمار والمستعمرين، ومن طريف ما يرويه فى ذلك قوله:
«اذكر اننى- ابن باديس- لما زرت المدينة المنورة، واتصلت فيها بشيخى الاستاذ أحمد الونيسى، وشيخى أحمد الهندى، أشار على الاول بالهجرة الى المدينة، وقطع كل علاقة لى بالوطن وأشار على الثانى، وكان عالما حكيما بالعودة الى الوطن وخدمة الاسلام والعربية فيه بقدر الجهد فحقق الله رأى الشيخ الثانى ورجعنا الى الوطن بقصد خدمته، فنحن لا نهاجر، نحن حراس الاسلام والعربية والقومية فى هذا الوطن.
стр. 304
تفسير جزء تبارك للشيخ عبد القادر المغربى
من فضلاء العلماء فى هذا القرن: الشيخ عبد القادر المغربى الأديب العالم المتضلع من علوم اللغة ومعارف الدين.
كان له نشاط مشكور فى الحركة العلمية والادبية فى عصره، اذ ضم الى حسن المحاضرة- وفرة المعلومات، وغزارة الافكار، ودقة الفهم، وعمق التحرى فيما يتحدث عنه.
وقد تولى عضوية المجلس العلمى بدمشق، والمجمع اللغوى بمصر، وظل يتنقل بين القطرين مع امتداد رحلته الى غيرهما من الأقطار.
وكان له معرفة بفضلاء عصره، يسمعهم ويستفيد منهم، ويقدم لهم ما عنده من العلم ويفيدهم وهو فى كل ذلك لا يهدأ عن الحركة، ولا يتوقف عن العمل.
ومن روائع كتبه، فضلا عن هذا التفسير، كتابه عن جمال الدين الافغانى الذى اشتمل على ذكريات نادرة محببة، فيها كشف لجوانب طيبة ممتعه عن جمال الدين، كما كان له آراء جيدة،- ومواقف علمية سديدة فيما يتصل بمباحث اللغة ومشكلاتها.
أما عن تفسيره لجزء تبارك، فقد كان له أسباب بعثت عليه، وأمور وجهت نحوه، ويتحدث هو عن ذلك فى مقدمة تفسيره، فيقول:
أما بعد: فان جزءي «عم» و «تبارك» من أكثر الاجزاء شيوعا بين طلاب المدارس، وتداولا بين عامة المسلمين، وأيدى صغارهم، وآياتهما أشد علوقا بالنفس، وترديدا فى الافواه، من سائر آيات الكتاب، فمن ثم
стр. 305
كانا جديرين بأن يفسر كل منهما تفسيرا حسن الوضع، صحيح الاسلوب، يقرب من أذهان العامة ولا تتجافى عنه عقول الخاصة فيقتصر فيه من القول على ما يكشف الغموض عن الآيات من جهة اللغة والاعراب، ثم يشرح فيه المعنى المتبادر شرحا وسطا مجردا عن التنطع بالمشاغبات وايراد الخلافات والخرافات.
وقد وضع مولانا الاستاذ الشيخ محمد عبده ﵀ تفسيرا لجزء «عم توخى فيه هذا النمط والاسلوب، فجاء من خير الكتب وفاء بالغرض، واصابة لمواضع الحاجة، فلا غرو اذا تناولته الالسنة بالثناء وتلقته القلوب بالقبول.
وقد رغب الى بعض الفضلاء فى أثناء اقامتى بمصر بين سنتى ١٣٢٣، ١٣٢٧ هـ (١٩٠٥ - ١٩٠٨ م) أن أضع تفسيرا الجزء «تبارك» أتوخى فيه طريقة استاذنا الجليل فيما علقه على جزء «عم» من جهتى الصحة فى التعبير، والاقتصار على المفيد من القول، فقلت له: بلغنى أن الاستاذ ﵀ قد فسر جزء «تبارك» وهو ما زال فى تساويد مبعثرة محفوظة عند صديقة المرحوم «حسن باشا عاصم».
وبعد البحث عن تلك التساويد، علمنا أن الاستاذ لم يشرع فى تفسير جزء «تبارك» بالفعل وإنما كان هيأ صحائف بيضاء رقم فى رءوسها آيات ذلك الجزء، وتركها غفلا من الكتابة على أمل أن- يصطحبها معه فى بعض اسفاره، ويملأها تفسيرا وتعليقا، كما كان من أمره فى تفسير وتعليقا، كما كان من أمره فى تفسير جزء «عم» الذى ألفه فى غضون سفره الى البلاد المغربية، لكنه اخترمته منيته قبل أن تتحقق أمنيته.
ثم كان ذلك الصديق الفاضل كلما زارنى أو صادفنى سألنى عن التفسير وألحّ على بالشروع فيه، فكنت أعتذر اليه بنقص الكفاية، وصعوبة الامر، وفقد الاداة اللازمة لسلوك هذا الطريق الوعر، ولا سيما أن تفسيرى لجزء «تبارك» لا ينظر اليه الناظرون لذاته، من حيث نسبته الى صاحبه، وانما تنعمد فيه
стр. 306
الموازنة بينه وبين ما كتبه الاستاذ على جزء «عم» فيحط قدره فى عيون القراء، وينسخ ظلامه بالضياء وبضدها تتميز الاشياء.
ثم ضرب الدهر ضربا، فكان من أمره أن نزلت دمشق أول سنى الحرب الاولى نزولا حسبته لما ما، فاذا هو قد استتلى شهورا وأعواما، فتجددت لى وأنا فيها دواع حفزتنى لتحقيق الامل. ومباشرة ما كلفت من العمل، فوضعت هذا التفسير مستعينا بحول الله وقوته، وأكملته على مثال تفسير شيخنا وطريقته.
بيد أنى رأيت أن أتوسع قليلا فى التعليق والتفسير والاستشهاد والتنظير- ولا سيما فى المباحث اللغوية- بأكثر مما فعله الاستاذ ﵀ فى تفسير جزء «عم» مراعيا فى ذلك حال قراء جزء «تبارك» ومقدرا فى نفسى أنهم سيكونون أكبر سنا، وأتم استعدادا، وأشد اهتماما بالتحصيل من قراء جزء «عم» وقد قمت فى تفسيرى هذا بفعل ما أطيق وأملك: من تحرى الحق والصواب فيما أولت وفسرت، وبسط العبارة وتهديها فيما أنشأت وحررت وتصحيح النية وجعلها خالصة لوجهة الكريم فيما اخترت ورجحت.
وقد وفى الشيخ بما وعد به فى مقدمة تفسيره، ويتضح ذلك بذكر نموذج منه:
قال الله تعالى:
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ، وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ، وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» (سورة الحاقة: ٤٨، ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٢) جعل ختام السورة كنتيجة للكلام السابق، مرتبطة به أشد ارتباط، فهو يقول:
стр. 307
اذا ثبت أن القرآن وحى من الله، لم يتقوله محمد ﷺ على ربه- كان هذا القرآن تذكرة وعظة ينتفع بها المتقون.
فضمير «وانه» يرجع الى القرآن الذى ان لم يتقدم له ذكر صريح، فقد تقدم ما يعينه ويومئ اليه، فان قوله تعالى:
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لم يرد به الا القرآن الذى كان يزعم المشركون أنه أقاويل وأساطير، والله نفى ذلك واحتج على كذبهم وصدق القرآن.
وقوله «للمتقين» يريد بهم أولئك الذين صفت نفوسهم عن كدورات الاوهام، وخلصت من شوائب الجمود والتقليد، ومالت بفطرتها الى قبول الحق، والاذعان له تنفى
بذلك سخط خالقها، وتحذر عقابه، أمثال هؤلاء هم الذين استعدت نفوسهم لقبول القرآن والاستهداء به، أما أولئك المكذبون الجامدون على ما ورثوه من آبائهم، فان الله توعدهم بقوله:
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ وليس المراد به افادة أنه تعالى يعلم بالمكذبين فقط، بل المراد أنه تعالى محيط بهم، راصد لهم، غير تارك عقابهم، فاستعمال العلم بهذا المعنى كاستعمال المعرفة، يقال: «أنا أعرف المحسن منكم والمسيء «أى لا يخفى على ذلك منكم ولا أغفل عن مقابلة كل بما يستحقه، ومنه قول ابن الفارض:
«روحى فداك عرفت أم لم تعرف» أى كافيتني بالحسنى أم لم تكافنى.
فهؤلاء المكذبون الذين يعلم الله، وهو من ورائهم، كيف يكون حالهم فى مستقبل الايام فى الدنيا، اذا أظهر الله نبيه، ونصر حزبه، وفى الآخرة اذا أزيح الستار وبطلت الاعذار؟ لا جرم أن تكذيبهم سيكون عليهم حسرة، وهذا معنى قوله تعالى:
«وانه لحسرة على الكافرين» فضمير «انه» يرجع الى التكذيب المفهوم
стр. 308
من قوله «المكذبين» ومراده «بالكافرين» نفس المكذبين المذكورين قبله، وكان الظاهر الاضمار، أى أن يقول «وانه لحسرة عليهم» لكنه أتى بالاسم الظاهر ليتناول به وصفا جديدا لهؤلاء المكذبين وهو كونهم كافرين ويحتمل أن يرجع ضمير «وانه» الى القرآن أى القرآن سيكون حسرة على المكذبين فى الدنيا اذا ظهرت تعاليمه وانتشر فى الخافقين نوره، أو فى الآخرة اذا رأوا نجاة المصدقين به، المتمسكين بحبله، وعود ضمير «وانه لحسرة» على القرآن أنسب، وبذلك ينتظم شمله مع ضمير «وانه لتذكره» الذى قبله وضمير، «وانه لحق اليقين» الذى بعده فانهما للقرآن.
ومعنى «وانه لحق اليقين» ان القرآن هو اليقين، أى الحق الثابت الذى لا شبهه فيه ولا ريب، والجملة من مقوله تعالى، يثبت بمضمونها قلب نبيه ﷺ ، فلا يلين فى الدعوة ولا يضعف عزمه لتكذيب أولئك المكذبين ورميهم له بمختلف التهم وملفق الدعاوى.
ومعنى «فسبح باسم ربك العظيم» اذا كان من عاقبة المكذبين ما ستعلمه يا محمد وسيعلمونه هم، وكان القرآن وحيا من الله يقينا لم يبق الا ثباتك فى أمرك ومضيك فى ما ندبت له من تبليغ رسالتك، واستعن على مهمتك هذه بتسبيح ربك، والشكر له، على أن اختصك بكرامة النبوة، وعلو المرتبة، فهو ربك الذى أحاطك بعنايته، والعظيم الذى يصغر كل شىء اذا قيس بعظمته، وهو تعالى وحده الذى يجب أن تسبحه وتشكر له، وترجوه وتخافه، ودع عنك أولئك المكذبين جانبا».
стр. 309
التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور
والشيخ المفسر توفى منذ عامين تقريبا، وهو من بيت عريق فى العلم والنسب فى ضواحى تونس العاصمة.
تعلم فى ضاحيته التى نشأ فيها القرآن حفظا وتجويدا وقراءات، وتعلم شيئا من العربية ثم التحق بالزيتونة، والزيتونة تنافس الازهر فيما مر بها من قرون، وهى مسجد من المساجد العتيقة التى نشرت العلم على نطاق واسع، والتى علت فيها كلمة الله فى مختلف العصور.
التحق الشيخ محمد الطاهر بالزيتونة فى أوائل هذا القرن الهجرى، ونبغ فى العلوم الاسلامية على مختلف الوانها، واستمر حتى انتهى من الدراسة فى ارقى مستوياتها وتخرج من الزيتونة ليعمل فى مختلف المناصب الدينية.
ولم يكن عمله فى هذه المناصب عن حاجة مادية، وإنما كان عمله رسالة آمن بها، وقد أسس نفسه لها تأسيسا اصيلا، وساعده على ذلك هذه المكتبة الضخمة التى تضم نوادر المخطوطات ونفائس المطبوعات، فى مختلف الفنون الاسلامية، وكانت ميراث اجيال من ذوى العلم فى أسرته وهى من المكتبات المشهورة فى العالم.
وقد أسهم الشيخ ﵀ اسهاما فعالا فى الحركة الوطنية بتونس، وكان زميلا من زملاء الجهاد مع الشيخ الأكبر محمد الخضر حسين التونسى الذى تولى مشيخة الأزهر بمصر ..
كلاهما كان عالما ممتازا، وعلى ايمان قوى، ودخلا السجن، ونالا من المتاعب فى سبيل وطنهما ودينهما الكثير ..
стр. 310
ولم تكن هذه المتاعب من المستعمر فحسب، وانما كانت أيضا من الذين يصطنعهم المستعمر والذين يوجدون فى كل قطر من ذوى النفوس الخسيسة، ولكن الله كان معهما، فقد هيأ سبحانه للشيخ الخضر مشيخة الاسلام فى مصر، وهيأ للشيخ الطاهر مشيخة الاسلام فى تونس وكان قد تولى قبلها القضاء ثم تولى الافتاء.
ولكن الشيخ الطاهر اضطرته الظروف للالتحام فى معركة من معارك الرأى الاسلامى فى تونس مع ذوى الرئاسة اذ ذاك:- لقد انتصر لدينه قوة، وانتصر فى أمر هو من أصول الدين ومن بدهياته وأعلن الشيخ رأى الدين فى صراحة، وفى وضوح، وفى قوة، لم يدار، ولم يداهن ولم يتملق.
فلما رأى الحاكمون أنه لم تجد معه الرهبة، ولم تفد معه الرغبة، أصبح أهل تونس يرون فى الصحف أنه أخرج من مشيخة الاسلام.
وكان هذا أقل ما يتوقع بالنسبة له ..
فالتزم بيته يدرس ويكتب، ويستمتع بالنفائس التى تضمها مكتبة الأسرة، وكان يفكر منذ زمن بعيد أن يكتب تفسيرا، وفى ذلك يقول:- كان أكبر امنيتى منذ أمد بعيد تفسير الكتاب المجيد، الجامع لصالح الدنيا والدين ..
ويقول:- ولكنى كنت على كلفى بذلك اتجهم التقحم على هذا المجال، واحجم عن الزج فى هذا النضال، اتقاء ما عسى أن يعرض له المرء نفسه من متاعب تنوء بالقوة وفلتات سهام الفهم وأن بلغ ساعد الذهن كمال الفتوة، فبقيت اسوف النفس مرة ومرة، اسومها زجرا، فان رأيت منها تصميما احلتها على فرصة أخرى، وأنا آمل ان يمنح
من التيسير ما يشجع على قصد هذا الغرض العسير ..
стр. 311
وفيما انا بين اقدام واحجام، أتخيل هذا الحقل مرة القتاد وأخرى الثمام، اذا انا باملى قد خيل الى أنه تباعد أو انقضى، اذ قدر ان تسند الى خطة القضا، فبقيت متلهفا ولات حيت مناص، واضمرت تحقيق هاته الامنية متى اجمل الله الخلاص.
وكنت احادث بذلك الاصحاب والاخوان، واضرب المثل بأبى الوليد بن رشد فى كتاب البيان ولم ازل كلما مضت مدة يزداد التمنى وارجو انجازه، الى أن اوشك ان تمضى عليه مدة الحيازة فاذا الله قد من بالنقلة الى خطة الفتيا، وأصبحت الهمة مصروفة الى ما تنصرف اليه الهمم العليا، فتحول الى الرجاء ذلك الياس، وطمعت أن أكون ممن أوتى الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس ..
هنالك عقدت العزم على تحقيق ما كنت اضمرته، واستعنت بالله تعالى واستخرته، وعلمت أن ما يهول من توقع كلل أو غلط، لا ينبغى أن يحول بينى وبين نسج هذا النمط، اذا بذلت الوسع من الاجتهاد، وتوخيت طرق الصواب والسداد ..
اقدمت على هذا المهم اقدام الشجاع على وادى السباع، متوسطا فى معترك انظار الناظرين ..
ويتحدث المؤلف عن التفاسير التى تقدمت تفسيره، فيتحدث عن أخذ بعضها من بعض ويقول:
والتفاسير- وأن كانت كثيرة- فانك لا تجد الكثير منها الاعالة على كلام سابق بحيث لاحظ لمؤلفه الا الجمع على تفاوت بين اختصار وتطويل.
وان أهم التفاسير تفسير الكشاف، والمحرر الوجيز لابن عطية، ومفاتيح الغيب لفخر الدين الرازى، وتفسير البيضاوى الملخص من الكشاف ومن مفاتيح الغيب بتحقيق بديع وتفسير الشهاب الآلوسي، وما كتبه الطيبى والقزوينى والقطب والتفتازانى على الكشاف وما كتبه الخفاجى على تفسير
стр. 312
البيضاوى، وتفسير ابى السعود، وتفسير القرطبى والموجود من تفسير الشيخ محمد بن عرفة التونسى من تقييد تلميذه الآبي، وهو بكونه تعليقا على تفسير ابن عطية اشبه منه بالتفسير، لذلك لا يأتى على جميع اى القرآن وتفاسير الاحكام، وتفسير الامام محمد بن جرير .. الطبرى وكتاب درة التنزيل، المنسوب لفخر الدين الرازى، وربما ينسب للراغب الاصفهانى ..
ويتحدث المؤلف عما يمتاز به تفسيره فيقول:
فجعلت حقا على أن أبدى فى تفسير القرآن نكتا لم أر من سبقنى اليها، وأن اقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها، وآونة عليها .. فان الاقتصار على الحديث المعاد، تعطيل لفيض القرآن الذى ماله من نفاد ..
لقد رأيت الناس حول كلام الاقدمين أحد رجلين:- رجل معتكف فيما شاده الاقدمون، وآخر أخذ بمعوله فى هدم ما مضت عليه القرون وفى كلتا الحالتين ضرر كثير ..
وهنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير، وهى أن تعمد الى ما أشاده الاقدمون فنهذبه ونزيده، وحاشا ان ننقضه أو نبيده، عالما بأن غض فضلهم كفران للنعمة، وجحد مزايا سلفها من حميد خصال الأمة، فالحمد لله الذى صدق الامل، ويسر الى هذا الخير ودل ..
ولقد اهتم فى تفسيره فضلا عن ذلك ببيان وجوه الاعجاز، ونكت البلاغة العربية وأساليب الاستعمال.
واهتم أيضا ببيان تناسب اتصال الآي بعضها ببعض، وهو منزع جليل قد عنى به فخر الدين الرازى، والف فيه برهان الدين البقاعى كتابه المسمى «نظم الدرر» فى تناسب الآي والسور الا أنهما لم ياتيا فى كثير من الآي بما فيه مقنع، فلم تزل انظار المتأملين لفصل القول تتطلع أما البحث عن تناسب مواقع السور بعضها اثر بعض فلا اراه حقا على المفسر.
стр. 313
ولم اغادر سورة الا بينت ما احيط به من اغراضها لئلا يكون الناظر فى تفسير القرآن مقصورا على بيان مفرداته، ومعانى جمله، كأنها فقر متفرقة، تصرفه عن روعة انسجامه، وتحجب عنه روائع جماله ..
واهتمت بتبين معانى المفردات فى اللغة العربية بضبط وتحقيق ما خلت عن ضبط كثير من قواميس اللغة.
وعسى ان يجد فيه المطالع تحقيق مراده، ويتناول منه فوائد ونكتا على قدر استعداده، فانى بذلت الجهد فى الكشف عن نكت من معانى القرآن واعجازه خلت عنها التفاسير ومن أساليب الاستعمال الفصيح ما تصبو اليه النحارير، بحيث ساوى هذا التفسير على اختصاره مطولات القماطير، ففيه أحسن ما فى التفاسير، وفيه أحسن مما فى التفاسير ..
اما اسم التفسير فإنه يقول عنه:
وسميته تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد؛ من تفسير الكتاب المجيد.
واختصرت هذا الاسم باسم التحرير والتنوير من التفسير.
ومن نماذج هذا التفسير ما يلى:- قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (سورة البقرة: ٤٣) امر بالتلبس بشعار الاسلام عقب الامر باعتقاد عقيدة الاسلام، فقوله:
(وآمنوا بما أنزلت) الآية راجع الى الايمان بالنبى ﷺ ، وما هو وسيلة ذلك وما هو غايته ..
فالوسيلة: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ- الى- فَارْهَبُونِ والمقصد: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
стр. 314
والغاية: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وقد تخلف ذلك نهى عن مفاسد تصدهم عن المامورات، مناسبات للاوامر، فقوله (واقيموا الصلاة) الخ ... أمر باعظم القواعد الاسلامية بعد الايمان والنطق بكلمة الاسلام وفيه تعريض بحسن الظن بإجابتهم، وامتثالهم للاوامر السالفة، وانهم كملت لهم الامور المطلوبة ..
وفى هذا الامر تعريض بالمنافقين، ذلك أن الايمان عقد قلبى لا يدل عليه الا النطق، والنطق اللسانى امر سهل قد يقتحمه من لم يعتقد اذا لم يكن ذا غلو فى دينه، فلا يتحرج أن ينطق بكلام يخالف الدين، اذا كان غير معتقد مدلوله، كما قال تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا (سورة البقرة: ١٤) ولذلك امروا بالصلاة والزكاة، لان الاولى عمل يدل على تعظيم الخالق والسجود اليه وخلع الآلهة، ومثل هذا الفعل لا يفعله المشرك لانه يغيظ آلهته بالفعل ويقول: الله اكبر ولا يفعله الكتابى لانه يخالف عبادته، ولان الزكاة انفاق المال وهو عزيز على النفس فلا يبذله المرء فى غير ما ينفعه الا عن اعتقاد نفع أخروى لا سيما اذا كان المال ينفق على العدو فى الدين فلذلك عقب الامر بالايمان بالامر بإقامة الصلاة وايتاء الزكاة، لانهما لا يتجشمها الا مؤمن صادق، ولذلك جاء فى المنافقين: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى (سورة النساء: ١٤٢) وقوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ .. (سورة الماعون: ٤، ٥) وفى الصحيح أن صلاة العشاء اثقل صلاة على المنافقين ..
وقوله وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ تاكيد لمعنى الصلاة، لان لليهود صلاة لا ركوع فيها، فلكى لا يقولوا إننا نقيم صلاتنا دفع هذا التوهم بقوله:
واركعوا مع الراكعين ...
стр. 315
الشيخ المراغى وتفسيره
ان المفسر الذى نتحدث عنه ليس هو المرحوم الشيخ أحمد مصطفى المراغى صاحب التفسير الكامل للقرآن الكريم المسمى: «تفسير المراغى».
وانما هو الشيخ محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر الأسبق، وقاضى قضاة السودان الأسبق، وقد ولد رحمه الله تعالى بقرية «المراغة» سنة ١٢٩٨ هـ- وذلك يوافق سنة ١٨٨١ م، واخذ يتعلم القرآن وشيئا من العربية فى قريته، ولما استأهل لأن ينتسب الى الازهر سافر الى مصر والتحق بالأزهر.
واظهر نبوغا وذكاء وجدا فى التحصيل والدرس ولازم دروس الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده، ونهل من معينه، وهو يعد من مدرسته.
ونال شهادة العالمية فى سنة ١٩٠٤ على حداثة سنه، فلم تكن العادة فى الأزهر أن ينال الانسان العالمية فى سن الخامسة والعشرين، وربما كان اذ ذاك اصغر من نال شهادة العالمية.
وفى السنة نفسها عين قاضيا فى السودان فى بلدة «دنقلة» واخذ ينتقل فى مناصب القضاء فى السودان حتى عين قاضى قضاة السودان.
وكان الشيخ فى هذا المنصب الذى يعتبر اكبر منصب دينى فى السودان يحتفظ للمنصب بكرامته وللاسلام بعزته.
ولقد كان الانجليز اذ ذاك متصرفين فى السودان فى كل كبيرة وصغيرة، وكان مندوبهم الانجليزى اكبر شخصية هناك.
وفى يوم من الايام اقيم احتفال دينى، وكانت العادة ان يجلس قاضى القضاة على يمين المعتمد الانجليزى ويتصدر المعتمد الحفل، ولكن الشيخ
стр. 316
المراغى أتى الى الحفل وتصدر المجلس ولم يكن هناك بد من أن يجلس المعتمد على يمينه او ان ينسحب الشيخ الجليل فتحدث ثورة الانجليز فى غنى عنها.
وجلس المعتمد البريطانى فى المكان الثانى واحتفظ الشيخ بكرامته كقاضى القضاة وقد ظل الشيخ فى منصب قاضى القضاة حتى سنة ١٩١٩ ثم جاء الى مصر وعين فى سنة ١٩٢٠ رئيسا للمحكمة الشرعية العليا.
وجاء حدث فى اثناء تولية رئاسة المحكمة ان قضية ميراث ضخمة عرضت على المحكمة ودرسها الشيخ بما تستحق من عناية ودقة، سهر فيها ليلا، واطال النظر فيها نهارا حتى استبان له الحق من الباطل، والزيف من الصواب، وعلم اهل الباطل اتجاه الشيخ فارادوا عرقلة ذهابه الى المحكمة فرشوه وهو فى طريقه الى المحكمة بماء الناس، وقدر الله ان تكون المسأله خفيفة فاصر الشيخ على الذهاب الى المحكمة معارضا كل ما اراده اصدقاؤه من عدم الذهاب وحكم الشيخ بما رآه الحق.
وللشيخ امثال هذا كثير.
وفى مايو سنة ١٩٢٨ عين شيخا للازهر، عين وسنه ثمانية واربعون عاما فكان اصغر شيخ عين شيخا للازهر.
وبدأ الشيخ فى قوة يعلن عن مبادئه فى الاصلاح بمذكرة مدوية اثارت الكثير من الجدل والنقاش والمعارضة، واشتد الامر حتى لقد آثر الشيخ ان يدع العمل وبقى قرابة ست سنوات بعيدا عن الازهر حتى عاد إليه مكرما معززا فى سنة ١٩٣٥ واستمر به حتى وافاه القدر المحتوم فى رمضان سنة ١٣٦٤ هـ.
والتفسير الذى نعنيه هنا ليس تفسيرا متكاملا، وانما هو تفسير السور او لاجزاء من بعض السور، ونشر عدة مرات فى الازهر، وفى أحد اعداد كتاب الهلال.
وها هو نموذج من التفسير:
стр. 317
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً. (الفرقان: ٧٤) قرّة العين: هى السرور والفرح، مصدر من قرت عينك قرة، اى فرحت وسررت، لأن الفرح يجعل العين قارة، او لأن دمعة العين من السرور باردة.
والامام: الحجة المقتدى به ووحدت لانها مصدر، ولا تكاد العرب تجمع المصادر ووحد الامام لانه ذهب به مذهب الاسم لا الصفة، واذا ذهب به هذا المذهب وحد، ويكون معناه: حجة، تقول: هم امام- اى حجة، كما تقول: هم بينة، وقال بعضهم: ان الامام جمع آم، كصيام فى جمع صائم.
بعث رسول الله ﷺ لأمة جاهلة، على اشد حالة بعث عليها نبى فى فترة، ما يرون دينا افضل من عبادة الاوثان، فجاء بفرقان فرق بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى كان الرجل يرى ولده ووالديه واخاه كافرا وقد فتح الله قلبه للاسلام، وهو يعلم انه ان مات قريب له من هؤلاء دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم ان حبيبه فى النار، لذلك كان المسلمون يطلبون من الله ان يهب لهم من ذرياتهم وزوجاتهم من يطيع الله ويعبده لتقر عينهم بهذا، ومن الطبيعى فى النفوس ان يحب الشخص لذريته واهله ما يحب لنفسه، وان يتمنى الا تكون البيئة التى هو فيها تجعل العيش مريرا، وتذهب بالفكر وتقسمه، فلا يستقيم عيش، ولا تتجه النفس اتجاها كاملا الى الخيرات والعبادات والنفع العام.
من صفات عباد الرحمن ان يطلبوا ذرية صالحة مؤمنة وازواجا مؤمنات، ومن صفاتهم ان يطلبوا من الله زوجات عاليات فى التقوى والطاعة يشار اليها:
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً
стр. 318
خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (سورة الفرقان: ٧٥ و ٧٦) الغرفة: العلية، وكل بناء عال فهو غرفة، وقد ذكرت الغرفة واحدة والمراد الغرفات، لدلالة الواحدة على الجنس بدليل قوله سبحانه:
وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (سورة سبأ: ٨٧) وقوله: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ (سورة الزمر: ٢٠) والمراد بها الدرجات العالية فى الجنة والتحية: الدعاء بالتعمير، والسلام: الدعاء بالسلامة.
بين الله سبحانه انه اعد لعباده الموصوفين بالصفات السابقة جميعها جزاء على صالح اعمالهم هو الدرجات العالية فى الجنة، وفيها تتلقاهم الملائكة بالتحية والسلام فيدعون لهم بالتعمير والخلود، ويدعون لهم بالسلامة، هذه الدرجات استحقها هؤلاء بصبرهم على الطاعات وعلى ترك الشهوات، وعلى اذى الكفار ومجاهدتهم، وعلى الفقر والمصائب، وغير ذلك مما يعرض للمؤمن من المكروه، وهذا دليل على ان المؤمنين يستحقون الجنة باعمالهم، وهذا الاستحقاق بوعد الله سبحانه، وهو صاحب الفضل فى وعد عباده بالجنة وبهذا الوعد استحقت الجنة.
يقول تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (سورة الحديد: ١١) القرض: ما يدفع من المال على شرط رده، واذا وصف الله بالكرم فمعناه احسانه وانعامه الظاهران.
واذا وصف الانسان بالكرم فهو اسم للافعال والاخلاق المحمودة التى تظهر عليه، ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه، وكل شىء شرف فى بابه يقال له كريم.
стр. 319
سمى الله سبحانه قرضا ما ينفق فى سبيله وفى وجوه الخير ابتغاء مرضاته.
والقرض- كما سبق بيانه- ما يعطى على شرط الرد، ففي ذلك دلالة على انه سيرده الى المنفق، ثم ذكر صراحة انه سيعطيه اجرا كريما وانه سيضاعف هذا الاجر الكريم، ولا يوجد ما هو ابلغ فى الحث على الصدقة والاحسان من هذا التعبير يقول الله سبحانه: هذه يدى بسطتها اريد قرضا سارده وسأجزى عليه لكل كريما مضاعفا، فمن يسمع هذا ولا يبادر الى الاجابة ويتمم عقد القرض مع الله؟
فالجملة مسوقة مساق التمثيل، واثرها ظاهر فى النفس، وهى ابلغ من كل عبارة تقال فى الحث على الصدقة، وقد ذكروا ان يهوديا قال عند نزول هذه الآية: ما استقرض اله محمد حتى افتقر، فلطمه ابو بكر، فشكا اليهودى الى رسول الله ﷺ فقال لأبي بكر: ما اردت بهذا؟ قال: ما ملكت نفسى ان لطمته، ولم يقلها اليهودى الا استهزاء وحمقا وجهلا.
وقد ذكروا فى شروط القرض الحسن وجوها:
ان يكون حلالا، فان الله طيب لا يقبل الا الطيب، وان لا يكون رديئا وان يعطى للاحوج فالاحوج، وان يكتم الصدقة ولا يتبعها المن والاذى، وان يقصد بها وجه الله دون الرياء، وان لا يستكثرها وان كانت كثيرة، وان تكون من المال المحجوب عنده وان لا يرى لنفسه عزة الغنى ويرى للفقير ذلة الفقر، وان يكون الانفاق فى حال رجاء الحياة وطول الامل.
وقد اكثر الله سبحانه فى القرآن من الحث على الصدقات وباساليب مختلفة، وفى سورة البقرة طائفة من الآيات نورد بعضها هنا تتمة لموضوع الصدقة.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا
стр. 320
هُمْ يَحْزَنُونَ، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ.
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ.
(سورة البقرة: ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٦٥، ٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٢) ففي هذه الآيات ترغيب فى النفقة، وفيها شروط القرض الحسن التى، مر ذكرها وهناك احاديث عن رسول الله ﷺ مرغبة فى الصدقة، وكل هذا يدل على روح الاسلام وانه وجه للتعاون والتناصر، تحقيقا للوحدة التى يبتغيها، وتزهيدا فى المال اذا وجدت مصارفه، وبان موضوع الحق فيه.
وهذا يدل على قيمة المال، وعلى ان له قدرا عظيما، فإنه وسيلة الى تحصيل الاجر العظيم من الله، ووسيلة الى ان يعقد المؤمن مع الله قروضا،
следующие страницы →