Полный текст (363 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
المراغى أتى الى الحفل وتصدر المجلس ولم يكن هناك بد من أن يجلس المعتمد على يمينه او ان ينسحب الشيخ الجليل فتحدث ثورة الانجليز فى غنى عنها.
وجلس المعتمد البريطانى فى المكان الثانى واحتفظ الشيخ بكرامته كقاضى القضاة وقد ظل الشيخ فى منصب قاضى القضاة حتى سنة ١٩١٩ ثم جاء الى مصر وعين فى سنة ١٩٢٠ رئيسا للمحكمة الشرعية العليا.
وجاء حدث فى اثناء تولية رئاسة المحكمة ان قضية ميراث ضخمة عرضت على المحكمة ودرسها الشيخ بما تستحق من عناية ودقة، سهر فيها ليلا، واطال النظر فيها نهارا حتى استبان له الحق من الباطل، والزيف من الصواب، وعلم اهل الباطل اتجاه الشيخ فارادوا عرقلة ذهابه الى المحكمة فرشوه وهو فى طريقه الى المحكمة بماء الناس، وقدر الله ان تكون المسأله خفيفة فاصر الشيخ على الذهاب الى المحكمة معارضا كل ما اراده اصدقاؤه من عدم الذهاب وحكم الشيخ بما رآه الحق.
وللشيخ امثال هذا كثير.
وفى مايو سنة ١٩٢٨ عين شيخا للازهر، عين وسنه ثمانية واربعون عاما فكان اصغر شيخ عين شيخا للازهر.
وبدأ الشيخ فى قوة يعلن عن مبادئه فى الاصلاح بمذكرة مدوية اثارت الكثير من الجدل والنقاش والمعارضة، واشتد الامر حتى لقد آثر الشيخ ان يدع العمل وبقى قرابة ست سنوات بعيدا عن الازهر حتى عاد إليه مكرما معززا فى سنة ١٩٣٥ واستمر به حتى وافاه القدر المحتوم فى رمضان سنة ١٣٦٤ هـ.
والتفسير الذى نعنيه هنا ليس تفسيرا متكاملا، وانما هو تفسير السور او لاجزاء من بعض السور، ونشر عدة مرات فى الازهر، وفى أحد اعداد كتاب الهلال.
وها هو نموذج من التفسير:
стр. 317
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً. (الفرقان: ٧٤) قرّة العين: هى السرور والفرح، مصدر من قرت عينك قرة، اى فرحت وسررت، لأن الفرح يجعل العين قارة، او لأن دمعة العين من السرور باردة.
والامام: الحجة المقتدى به ووحدت لانها مصدر، ولا تكاد العرب تجمع المصادر ووحد الامام لانه ذهب به مذهب الاسم لا الصفة، واذا ذهب به هذا المذهب وحد، ويكون معناه: حجة، تقول: هم امام- اى حجة، كما تقول: هم بينة، وقال بعضهم: ان الامام جمع آم، كصيام فى جمع صائم.
بعث رسول الله ﷺ لأمة جاهلة، على اشد حالة بعث عليها نبى فى فترة، ما يرون دينا افضل من عبادة الاوثان، فجاء بفرقان فرق بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى كان الرجل يرى ولده ووالديه واخاه كافرا وقد فتح الله قلبه للاسلام، وهو يعلم انه ان مات قريب له من هؤلاء دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم ان حبيبه فى النار، لذلك كان المسلمون يطلبون من الله ان يهب لهم من ذرياتهم وزوجاتهم من يطيع الله ويعبده لتقر عينهم بهذا، ومن الطبيعى فى النفوس ان يحب الشخص لذريته واهله ما يحب لنفسه، وان يتمنى الا تكون البيئة التى هو فيها تجعل العيش مريرا، وتذهب بالفكر وتقسمه، فلا يستقيم عيش، ولا تتجه النفس اتجاها كاملا الى الخيرات والعبادات والنفع العام.
من صفات عباد الرحمن ان يطلبوا ذرية صالحة مؤمنة وازواجا مؤمنات، ومن صفاتهم ان يطلبوا من الله زوجات عاليات فى التقوى والطاعة يشار اليها:
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً
стр. 318
خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (سورة الفرقان: ٧٥ و ٧٦) الغرفة: العلية، وكل بناء عال فهو غرفة، وقد ذكرت الغرفة واحدة والمراد الغرفات، لدلالة الواحدة على الجنس بدليل قوله سبحانه:
وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (سورة سبأ: ٨٧) وقوله: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ (سورة الزمر: ٢٠) والمراد بها الدرجات العالية فى الجنة والتحية: الدعاء بالتعمير، والسلام: الدعاء بالسلامة.
بين الله سبحانه انه اعد لعباده الموصوفين بالصفات السابقة جميعها جزاء على صالح اعمالهم هو الدرجات العالية فى الجنة، وفيها تتلقاهم الملائكة بالتحية والسلام فيدعون لهم بالتعمير والخلود، ويدعون لهم بالسلامة، هذه الدرجات استحقها هؤلاء بصبرهم على الطاعات وعلى ترك الشهوات، وعلى اذى الكفار ومجاهدتهم، وعلى الفقر والمصائب، وغير ذلك مما يعرض للمؤمن من المكروه، وهذا دليل على ان المؤمنين يستحقون الجنة باعمالهم، وهذا الاستحقاق بوعد الله سبحانه، وهو صاحب الفضل فى وعد عباده بالجنة وبهذا الوعد استحقت الجنة.
يقول تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (سورة الحديد: ١١) القرض: ما يدفع من المال على شرط رده، واذا وصف الله بالكرم فمعناه احسانه وانعامه الظاهران.
واذا وصف الانسان بالكرم فهو اسم للافعال والاخلاق المحمودة التى تظهر عليه، ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه، وكل شىء شرف فى بابه يقال له كريم.
стр. 319
سمى الله سبحانه قرضا ما ينفق فى سبيله وفى وجوه الخير ابتغاء مرضاته.
والقرض- كما سبق بيانه- ما يعطى على شرط الرد، ففي ذلك دلالة على انه سيرده الى المنفق، ثم ذكر صراحة انه سيعطيه اجرا كريما وانه سيضاعف هذا الاجر الكريم، ولا يوجد ما هو ابلغ فى الحث على الصدقة والاحسان من هذا التعبير يقول الله سبحانه: هذه يدى بسطتها اريد قرضا سارده وسأجزى عليه لكل كريما مضاعفا، فمن يسمع هذا ولا يبادر الى الاجابة ويتمم عقد القرض مع الله؟
فالجملة مسوقة مساق التمثيل، واثرها ظاهر فى النفس، وهى ابلغ من كل عبارة تقال فى الحث على الصدقة، وقد ذكروا ان يهوديا قال عند نزول هذه الآية: ما استقرض اله محمد حتى افتقر، فلطمه ابو بكر، فشكا اليهودى الى رسول الله ﷺ فقال لأبي بكر: ما اردت بهذا؟ قال: ما ملكت نفسى ان لطمته، ولم يقلها اليهودى الا استهزاء وحمقا وجهلا.
وقد ذكروا فى شروط القرض الحسن وجوها:
ان يكون حلالا، فان الله طيب لا يقبل الا الطيب، وان لا يكون رديئا وان يعطى للاحوج فالاحوج، وان يكتم الصدقة ولا يتبعها المن والاذى، وان يقصد بها وجه الله دون الرياء، وان لا يستكثرها وان كانت كثيرة، وان تكون من المال المحجوب عنده وان لا يرى لنفسه عزة الغنى ويرى للفقير ذلة الفقر، وان يكون الانفاق فى حال رجاء الحياة وطول الامل.
وقد اكثر الله سبحانه فى القرآن من الحث على الصدقات وباساليب مختلفة، وفى سورة البقرة طائفة من الآيات نورد بعضها هنا تتمة لموضوع الصدقة.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا
стр. 320
هُمْ يَحْزَنُونَ، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ.
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ.
(سورة البقرة: ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٦٥، ٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٢) ففي هذه الآيات ترغيب فى النفقة، وفيها شروط القرض الحسن التى، مر ذكرها وهناك احاديث عن رسول الله ﷺ مرغبة فى الصدقة، وكل هذا يدل على روح الاسلام وانه وجه للتعاون والتناصر، تحقيقا للوحدة التى يبتغيها، وتزهيدا فى المال اذا وجدت مصارفه، وبان موضوع الحق فيه.
وهذا يدل على قيمة المال، وعلى ان له قدرا عظيما، فإنه وسيلة الى تحصيل الاجر العظيم من الله، ووسيلة الى ان يعقد المؤمن مع الله قروضا،
стр. 321
وهو وسيلة فى اعزاز البلاد واعزاز الدين اذا ما تعرض المسلم للجهاد، فلا يجوز التزهيد فى المال على معنى عدم طلبه وعدم جمعه وانما يكون التزهيد فيه على معنى عدم جمعه وحبه الحب الموجب للادخار وكيف يزهد فى المال مع ان الله وعد منفقه بالاجر العظيم، وبالامن والمسرة حيث قال: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
استمر السلف الصالح يفهمون هذه الآيات ويعملون بها، فصانوا بلادهم وانفسهم وايدوا الوحدة الاسلامية والتضامن بين افراد الامة وقويت الروابط بينهم، فلم يحقد الفقراء على الاغنياء ولم ينظر الاغنياء الى الفقراء نظر المدل الفخور.
ثم نسى ذلك وقست القلوب، فظلم الناس فى جمع المال، وظلموا فى ادخاره، ولا سبيل الا بالرجوع الى الله وكتابه، ولا فلاح الا بالايمان والتقوى والانفاق فى سبيل الله.
стр. 322
تفسير الشيخ محمود شلتوت
كان الشيخ شلتوت ﵀ من الشخصيات التى لا تهدأ: كان حركة وبحثا وانتاجا وجدلا هنا وهناك.
وكان لا يحب الروتين فى عمله، وكان يتسم دائما بسمة التجديد، والناس حينما يألفون شيئا يعتقدون أنه حقيقة ويستكينون إليه، ويرضون به، فاذا ما انسان خطأ بعض مفاهيمهم، وقلب بعض الأوضاع التى يسيرون عليها، فأنهم لا يسكتون عنه وإنما يشتبكون معه فى جدال ونقاش، قد يكون أحيانا حادا عنيفا، كذلك كان الامر مع الشيخ شلتوت وقد اشتبك فى معارك علمية كثيرة وهاجم ودافع وكان له أنصار وكان له خصوم.
ولم تكن حياته بسبب ذلك هادئة رخاء، فقد فصل فى يوم من الأيام من الأزهر لأنه مجدد ومخرج، وثائر على الأوضاع المعروفة، واستمر فصله مدة طويلة، ثم اعيد إلى الازهر من جديد فلم يترك منهجه فى السلوك.
وهو أول من اقترح على الاذاعة أحاديث الدين الصباحية، ورأى القائمون على الاذاعة وجاهة الاقتراح فعهدوا إليه بالامر فترة طويلة من الزمن، وكان صوته يجلجل كل صباح متسما بالحيوية القوية، والاسلوب الطيب، والفكرة الجديرة بأن تسمع.
واشترك مع غيره من علماء الدين النابهين فى التقديم للقرآن الكريم حينما يتلى فى الاذاعة وكان هذا تجديدا أيضا فى برامج الاذاعة وكان هذا التقديم متتابعا متتاليا يقدم الربع من القرآن الكريم، ثم يقرأ القارئ فيكون المستمع على علم بمضمون ما يسمع من التلاوة.
وكان مركز الشيخ شلتوت يقوى ويتركز يوما فيوما حتى وصل به الامر إلى مشيخة الأزهر.
стр. 323
وولد الامام الاكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الازهر الاسبق فى قرية منية بنى منصور بمحافظة البحيرة سنة ١٨٩٣ ودرس العلم بمعهد الاسكندرية الدينى .. واستمر فى طريق التعليم مرحلة بعد مرحلة حتى نال شهادة العالمية النظامية سنة ١٩١٨.
هذا عن تعليمه:
أما عن تدرجه فى الاعمال فقد عمل مدرسا بمعهد الاسكندرية، ثم انتقل إلى التدريس بالقسم العالى .. وعمل بعض الفترات بالمحاماة، ثم نال عضوية جماعة كبار العلماء سنة ١٩٤٢ وتدرج فى مناصب الازهر حتى اختير شيخا للازهر سنة ١٩٥٨.
وكان له نشاط بارز فى البحوث الدينية والمؤتمرات العلمية ومجال التأليف الذى كان أنضج ثمراته تفسير القرآن الكريم.
ويمثل تفسير الشيخ شلتوت الدراسة العلمية الموضوعية التى تجعل القرآن اصلا للبحث وأساسا للتشريع، فيجمع إلى الآية التى يقصد تفسيرها ما يناسبها من آيات وما يرتبط بها من موضوعات العلوم، ثم يعالج موضوع الآية معالجة عامة شاملة تبرز موقف القرآن بل الدين عامة من هذا الموضوع.
ويمتاز هذا التفسير بوضوح الفكرة وسهولة الاسلوب وجمال التنظيم.
وقد اعتبره مؤلفه مظهرا من مظاهر نشاط المسلمين فى خدمة القرآن الكريم وقد تحدث فى مقدمته عن جهود المسلمين فى خدمة القرآن فقال:
«لا نكاد نعرف علما من العلوم التى اشتغل بها المسلمون فى تاريخهم الطويل إلا كان الباعث عليه هو خدمة القرآن الكريم من ناحية ذلك العلم:
فالنحو الذى يقوم اللسان ويعصمه من الخطأ أريد به خدمة النطق الصحيح للقرآن وعلوم البلاغة التى تبرز خصائص اللغة العربية وجمالها أريد بها بيان نواحى الاعجاز فى القرآن والكشف عن اسراره الادبية وتتبع مفردات
стр. 324
اللغة والتماس شواردها وشواهدها وضبط الفاظها وتحديد معانيها، أريد بها صيانة الفاظ القرآن ومعانيه أن تعدوا عليها عوامل التحريف والغموض.
والتجويد، والقراءات لضبط اداء القرآن، وحفظ لهجاته.
والتفسير لبيان معانيه والكشف عن مراميه.
والفقه لاستنباط احكامه.
والأصول لبيان قواعد تشريعه العام وطريقة الاستنباط منه.
وعلم الكلام لبيان ما جاء به من العقائد واسلوبه فى الاستدلال عليها.
وقل مثل ذلك فى التاريخ الذى يستدل به المسلمون تحقيقا لما أوحى به الكتاب الكريم فى مثل قوله:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (يوسف: ٣) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ (هود: ١٢٠) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (القمر: ٤) وقل مثل هذا أيضا فى علوم تقويم البلدان وتخطيط الاقاليم الذى يوحى به مثل قوله تعالى:
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ (آل عمران: ١٣٧) فَامْشُوا فِي مَناكِبِها (الملك: ١٥) وفى علوم الكائنات التى يوحى بها مثل قوله:
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (الانبياء: ٣٠)
стр. 325
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (النور: ٤٣) وهكذا علوم الفلك والنجوم والطب، وعلوم الحيوان والنبات وغير ذلك من علوم الانسان لا يخلو علم منها أن يكون الاشتغال به فى نظر من اشتغل به من المسلمين مقصودا به خدمة القرآن، أو تحقيق إيحاء أوحى به القرآن.
حتى الشعر انما اشتغلوا به ترقية لأذواقهم، وتربية لملكاتهم، واعدادا لها كى تفهم القرآن وتدرك جمال القرآن.
وحتى العروض من أسباب عنايتهم به أنه وسيلة لمعرفة بطلان قول المشركين أن محمدا شاعر وأن ما جاء به شعر.
وانتقل الشيخ شلتوت إلى بيان مناهج المفسرين والوان تفسيرهم ومنها ما يغلب عليه بيان نواحى البلاغة والاعجاز.
ومنها ما يهتم بالفقه والتشريع وبيان أصول الاحكام .. وهكذا.
ثم علق على ذلك بقوله:
لهذا كله اعتقد أنى لا أتجاوز حد القصد والاعتدال اذا قلت: أنه لم يظفر كتاب من الكتب سماويا كان أو أرضيا فى آية أمة من الأمم قديمها وحديثها بمثل ما ظفر به القرآن على أيدى المسلمين ومن شارك فى علوم المسلمين .. ولعل هذا يفسر لنا جانبا من الرعاية الالهية لهذا الكتاب الكريم الذى تكفل الله بحفظه وتخليده فى قوله:
стр. 326
«إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ».
فما كان الحفظ والتخليد بمجرد بقاء الفاظه وكلماته مكتوبة فى المصاحف مقروءة بالألسنة متعبدا بها فى المساجد والمحاريب، وإنما الحفظ والخلود بهذه العظمة التى شغلت الناس وملأت الدنيا، وكانت مثارا لأكبر حركة فكرية اجتماعية عرفها البشر.
ولم يقتصر الشيخ شلتوت على عرض الجهود، وكشف مظاهر خدمة المسلمين للقرآن بل نبه إلى أشياء ينبغى تنزيه القرآن عنها، فقال:
وإذا كان المسلمون قد تلقوا كتاب الله بهذه العناية، واشتغلوا به على هذا النحو الذى افادت منه العلوم والفنون، فان هناك مع الأسف الشديد ناحيتين كان من الخير أن يظل القرآن بعيدا عنهما، احتفاظا بقدسيته وجلاله، هاتان الناحيتان هما:
ناحية استخدام آيات القرآن لتأييد الفرق والخلافات المذهبية.
وناحية استنباط العلوم الكونية والمعارف النظرية الحديثة منه.
ويهمنا هنا تفصيل الناحية الثانية وتتمثل فيما يرى الشيخ شلتوت فى طائفة المثقفين الذين أخذوا يستندون إلى ثقافتهم الحديثة ويقيسون آيات القرآن على مقتضاها.
ومن الامثلة على ذلك أن يفسر بعض الناظرين فى القرآن الكريم قوله تعالى:- فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (الدخان: ١٠، ١١) بما ظهر فى هذا العصر من الغازات السامة والغازات الخانقة التى انتجها العقل البشرى فيما أنتج من وسائل التخريب والتدمير، يفسرون الآية بهذا ويغفلون عن قوله تعالى:
стр. 327
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ، أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ، وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ.
(الدخان: ١٢، ١٣، ١٤) ثم يقول: ولسنا نستبعد- اذا راجت عند الناس فى يوم ما نظرية داروين مثلا- أن يأتى إلينا مفسر من هؤلاء المفسرين الحديثين فيقول:
«ان نظرية داروين قد قال بها القرآن منذ مئات السنين» وهذه النظرة للقرآن خاطئة من غير شك، لأن الله لم ينزل القرآن ليكون كتابا يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم، ودقائق الفنون، وأنواع المعارف.
وهى خاطئة من غير شك لأنها تحمل أصحابها والمغرمين بها على تأويل القرآن تأويلا متكلفا يتنافى مع الاعجاز ولا يسيغه الذوق السليم.
وهى خاطئة لأنها تعرض القرآن للدوران مع مسائل العلوم فى كل زمان ومكان والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأى الاخير، فقد يصح اليوم فى نظر العلم ما
يصبح غدا من الخرافات.
فلو طبقنا القرآن على هذه المسائل العلمية المتقلبة لعرضناه للتقلب معها وتحمل تبعات الخطأ فيها ولا وقفنا انفسنا بذلك موقفا حرجا فى الدفاع عنه.
وحسبنا أن القرآن ولم يصادم- ولن يصادم- حقيقة من حقائق العلوم تطمئن إليها العقول ولا يتأتى أن ننقل نموذجا كاملا من هذا التفسير لاعتماده على الناحية الموضوعية واسهابه فى الكلام عما يتعرض له من آيات.
وعن قوله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (النساء: ١١٤)
стр. 328
يشير إلى أن الاعمال وخاصة ما ذكر فى الآية يكون لصاحبها الاجر العظيم اذا فعلها خالصة بها نيته مبتغيا بها مرضاة ربه.
هذا هو الاساس فى فهم الفضيلة: ترسم أوامر الله وتنفيذها ابتغاء مرضاة الله ومن هنا جهد المؤمنون بالله فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وأهليهم وعشيرتهم، وكان ذلك فى نظرهم الحياة الخالدة، والغنى الدائم والسعادة الابدية.
وهناك فريق من الناس يرون أن اساس الفضيلة هو تلبية الضمير فيما يعتقدون خيّرا للمجتمع ويرون ان هذا كاف لسعادة الانسان ومد الضمير كفيل بتقدير الخير ومعرفته دون الرجوع إلى الله، وما يرسم لعباده من شرع وخلق، وأنهم بهذا ليسوا فى حاجة إلى الوحى وان الوحى إذا كان قائما يحتاج إليه لإرشاد من ليسوا أرباب الضمائر الحية المستيقظة.
وقد فات هؤلاء أن فهم ما ينفع الهيئة الاجتماعية وما لا ينفعها كثيرا ما تختلف فيه الانظار والآراء وقلما تجد فى تاريخ هذه النظرية قديمة وحديثة- اتفاقا على نفع جزئية معينة أو ضرر جزئية معينة وفاتهم أيضا أن النظر الواحد أو الضمير الواحد كما يعبرون كثيرا ما يتغير فى معرفة الخير والفضيلة.
وقد عدل كثير من الفلاسفة عن آرائهم الاولى واستحدثوا آراء أخرى جديدة .. ولهذا تعترك فى عصرنا الحاضر المذاهب الاجتماعية، من ديمقراطية وفاشية ونازية وشيوعية واشتراكية بل يتنازع أرباب المذهب الواحد، بل يتناقض الفرد الواحد مع نفسه ورأيه، فى وقتين مختلفين وكل هؤلاء يتحاكمون إلى الضمير أو يتحاكمون إلى الادراك البشرى وفى معرفة الفضيلة وهو تحاكم- كما نرى- إلى أساس غير ثابت ولا منضبط ولا مأمون العاقبة.
وهو فى الوقت ذاته سير بالنفس وبالعالم فى طريق محفوفة بالمخاطر تهدد العالم فى امنه واستقراره وتشعل فيما بين جوانبه نار الحروب والتدمير.
стр. 329
ولا سبيل إلى الاستقرار فى هذا العالم، وسلامته من أثر الآراء المشتجرة بالا بالرجوع إلى أساس ثابت منضبط، صادر عن عليم بطيات النفوس، ونزعات البشرية، يبصرهم ذلك الاساس بالخير والفضيلة التى ارتسمت فى لوح الوجود الحق الذى لا يكتبه إلا خالق الوجود ومدبر الكون على ما يعلم فيه من سنن وشئون، وليس ذلك المبصر إلا وحى العليم الحكيم:
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً.
(الإسراء: ٩)
стр. 330
تاج التفاسير لكلام الملك الكبير للامام محمد عثمان الميرغنى
إنه تفسير فى جزءين، كل منهما يقرب من ستمائة صحيفة، وهو مؤلف على سبيل الايجاز على غرار تفسير الامامين الجليلين: جلال الدين المحلى، وجلال الدين السيوطى.
أما مؤلف هذا التفسير الجليل: فهو امام من كبار الائمة فى العصر الحديث وكان له أثر كبير فى نشر الدعوة الاسلامية فى افريقيا، وكان من أثر تبشيره أن اعتنق الاسلام على يديه عشرات الألوف من الوثنيين.
ولقد اتخذ الاسلوب الموفق للدعوة وذلك أنه كان صوفيا قد تجرد من الطمع والشره واخذ الاجر على دعوته.
كان متواضعا، رفيقا، زاهدا، عابدا، ذاكرا صاحب اوراد وحضرات، فكان بذلك يجذب العدد الكثير إلى الاسلام.
ولد رضى الله عنه فى الطائف فى سنة ١٣٠٨ هجرية، وفقد والديه صغيرا فكفله عمه، وأخذ الامام فى الدراسة والتعليم، فحفظ القرآن وتعلم العلم وأصبح فى مكانة علمية مرموقة ودفعته نزعته الدينية وشعوره الروحى الفطرى أن يتلمس الطريق إلى الله على مذهب التصوف وبعد دراسة علمية عند هؤلاء وأولئك استقر به المقام عند الشيخ أحمد بن ادريس الفاسى الذى كان يتخذ من مكة مقاما، وهو الذى وجهه إلى الرحلة التبشيرية.
سافر الامام إلى مصر والحبشة واريتريا، وتوقف فى اريتريا فترة من الزمن هاديا مرشدا، وقد كان يسكن جبال اريتريا كثير من القبائل الوثنية فانغمس فيهم، ولما رأوا النور فيه والاشراق تابعوه وأخذوا عليه العهد، ولما اطمأن إلى خلفائه فى اريتريا ذهب إلى صعيد مصر، ومكث فترة سافر بعدها إلى السودان
стр. 331
متنقلا بين سهوله وجباله شرقا وغربا، ولما وصل كردفان أسس فيها مسجدا كعادته فى كل مكان يطيل فيه الاقامة السنية التى تسمى الآن الختمية. أما مدينة سواكن فإنه أسس بها ثلاثة مساجد.
ومن الطريف أنه أسس فى هذه المدينة مدرسة لتعليم المرأة فكانت أول مدرسة أسست للمرأة فى السودان، ومن هذه المسألة تبين افقه الواسع وفكره الثاقب.
وفى أثناء هذه الرحلات الكثيرة كان يؤلف فى المسائل التى تعرض له أثناء سياحته.
ان مشاكل المجتمعات كثيرة، ولا بد لها من حل فكان الامام كلما عرضت له مشكلة ألف فيها حتى لا تكون فتواه كلاما ينسى على مر الزمن.
ومن مؤلفاته، وربما كان اهمها كتابه «تاج التفاسير» الفه فى الربع الثانى من القرن الثانى عشر الهجرى، يقول بعض من كتبوا عنه:
«وقد امتاز تفسيره بوضوح الاسلوب والخلوص من مصطلحات العلوم والفنون، فهو يتناول الآيات الكريمة ويفسرها تفسيرا يقوم على الدلالات اللغوية وربطها بما ترمى إليه من المعانى الشرعية والروحية فى أسلوب مبين، وعبارة موجزة واضحة لا لبس فيها ولا غموض.
وقد خلا هذا الكتاب من الاسرائيليات ومن الاسهاب فى القصص التاريخى، والتزم بما جاء فى أوائل السور المرموزة من التفسير الاشارى، وان كان لا يتعرض اليه- فيما عدا ذلك- إلا قليلا مما لا يتعارض مع ما يرمى اليه النظام الحكيم- هذا مع العناية بالقراءات فى غير اسهاب ولا تطويل، بالاضافة إلى ذكر الاحاديث النبوية الواردة فى فضائل السور.
أما المؤلف نفسه فإنه يقول فى تواضع جم:
«لقد رسخ فى الخاطر الغائر منذ سنوات مع التماس بعض الاحباب
стр. 332
الاكابر، والاخلاء أصحاب الخاطر العاطر، تأليف تفسير لكلام من لا يحيط بعلوم سواه، ولا يعلم اجمال وتفصيل ما به العلوم غير مصطفاة، ولكن عبر كل وبحسب ما اقتبس من مشكاة بحر انواره، فافتقيت الاثر، واستمددت منه ومن كتب أخباره المستمدين منه فوضعت هذا التفسير واختصرته الاختصار الذى لا يفيد دونه الصغار ولا الكبار وجعلته فى عبارة سهلة يفهمها العوام والخواص ومزجه بالسنة الغراء» أ. هـ.
وهاك نموذجا من تفسيره .. يقول تعالى:
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (المائدة: ١١٨، ١١٩) يقول: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ أى تعذب من كفر منهم فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ لا شريك لك فيهم وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ أى تغفر لمن آمن منهم، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ القادر على الثواب والعقاب الْحَكِيمُ فى تنزيل كل أحد منزله.
وفى الصحيحين: عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال:
«يا أيها الناس انكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا، كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا انا كنا فاعلين، ألا وان أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﷺ الا وانه يجاء يوم القيامة برجال من أمتى فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابى فيقال: انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك؟ فأقول كما قال العبد الصالح: «وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شىء شهيد، ان تعذبهم فإنهم عبادك، وان
стр. 333
تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم» فيقال لى: «انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم».
وفى الحديث أنه قام ﷺ ليلة كاملة بآية، والآية: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
قال الله هذا يوم، وقرئ يوم، أى يوم القيامة «ينفع الصادقين» الذين صدقوا فى معاملة الله «صدقهم».
وفى الحديث عنه ﷺ أنه قال: «عليكم بالصدق، فإنه باب من أبواب الجنة وإياكم والكذب فإنه باب من أبواب النار».
«لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار» محتوية على أشرف النعم بفضل الغفار «خالدين» فيها أبدا «لا يخرجون منها» رضى الله عنهم «وأحلهم بحبوحة رضاه» ورضوا عنه حيث أولاهم نعماه ودخول حماه، وشهود محياه.
ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وكيف لا وقد احتوى على النظر لوجه الله الكريم» أ. هـ.
ونموذج آخر من تفسيره: يقول الله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ، ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.
فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ.
стр. 334
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ، وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ، انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. (الأنعام: ٩٧، ٩٨، ٩٩) يقول:
«إن الله فالق» شاق «الحب» بالنبات «والنوى» من النخل «يخرج الحى كالإنسان والطير» من الميت «كالنطفة والبيضة» ومخرج الميت «كالنطفة والبيضة» من الحى «من الإنسان والطير» ذلكم الله «هو القادر على ذلك» فانى «فكيف» «تؤفكون» تصرفون عن توحيده، مع هذه الدلائل الواضحة- «فالق الإصباح» شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل- وقرئ الأصباح بفتح الهمزة، فالق بالنصف «وجعل الليل سكنا» يسكن فيه الخلق من التعب، لأن فيه النوم، والنوم به الراحة، وقرئ .. وجعل الشمس والقمر وقرئ
بالجر، وقرئ بالرفع «حسبانا» تحسب بهما الأوقات «ذلك» تسييرهما بالحساب «تقدير العزيز» مقدرة لهما على السير المطلوب منهما العليم بكيفية سيرهما «وهو الذى جعل» خلق «لكم النجوم» رحمة منه لتهتدوا بها «فى سيركم» فى ظلمات البر والبحر وتعرفوا بها الجهات «قد فصلنا» بينّا الآيات الدالات على كمال قدرتنا «لقوم يعلمون» وفى ذلك يتفكرون، وفى الخبر قال ﷺ : «تعلموا من النجوم ما تهتدون به فى ظلمات البر والبحر، ثم انتهوا» أخرجه ابن مردويه فى تفسيره «وهو الذى انشأكم» خلقكم «من نفس واحدة» أى آدم «فمستقر» فى الاصلاب ومستودع فى الارحام، «قد فصلنا الآيات» بيناها «لقوم يفقهون» وعن الله يفهمون «وهو الذى أنزل من السماء» لإغائة عباده «ماء» مطرا «فأخرجنا» لرزق عباده «به» الضمير للماء «نبات» نبت كل شىء من أصناف المنبت «فأخرجنا منه» أى من النبات «خضرا»
стр. 335
شيئا أخضر «نخرج منه» الضمير للخضر «حبا متراكبا» سنابل «ومن النخل» من طلعها وهو أول ما يخرج منها «قنوان» عراجي «دانية» قريب بعضها من بعض «وجنات» بساتين «من أعناب» أي من عنب وهو من أشرف الفواكه وأحسنها وألطفها، وفيه يقول الله لموسى فى مكالمته: «يا موسى لو كنت آكلا لأكلت الخبز بالعنب» وفى الجاف منه يقول النبي ﷺ : «عليكم بالزبيب فإنه يكشف المرة ويذهب بالبلغم، ويشد العصب، ويذهب العياء، ويحسن الخلق، ويطيب النفس ويذهب الهم» رواه أبو نعيم.
«والزيتون» هو شجر أيضا شريف فيه بركة كثيرة «والرمان» وهو من ألطف الفواكه وأحسنها «مشتبها وغير متشابه» فى الألوان والطعوم «انظروا» معتبرين «إلى ثمره إذا أثمر» كيف يثمر ضعيفا كأنه لا ينتفع به «وينعه» كيف يعود ضخما ينفع ويلذ «ان فى ذلكم» من الأشياء المذكورة «لآيات» تدل على كمال قدرة الحق «لقوم يؤمنون» فإن نور الإيمان هو الذى به يهتدى.
стр. 336
ضياء الاكوان للشيخ أحمد سعد العقاد
حينما تحدث علماء التفسير عن شروط المفسر فإنهم رأوا أن من بينها:
أن يكون المفسر تقيا. وما من شك أن التقوى من مصادر الالهام والفهم الصافى، حينما تتوافر الشروط الاخرى فى المفسر، وقد نشأ مؤلفنا فى بيئة دينية صالحة تقية. فقد كان من سلالة علماء صالحين اتقياء.
ولد بمدينة الفيوم عام ١٣٠٧ هـ وتوفى عام ١٣٧٣ هـ.
وبعد أن درس فى بلدته القرآن حفظا وتجويدا وأخذ حظا من علوم العربية، أخذ أهبته إلى مركز النور والمعرفة: الأزهر- الذي كان محط أنظار الطامعين المؤمنين واجتهد فى الدراسة فكان مرموقا لجده وذكائه.
وأرادت العناية الالهية به أن يلتقى بالعارف بالله السيد محمد ماضى أبو العزائم فوجهه نحو الاستقامة التي نشأ فى رحابها مؤلفنا وأصبحت الاستقامة بالنسبة له فطرة وتعليما، سلوكا ودراسة، ونشأ مؤلفنا اذن نشأة الشاب الذى لا صبوة له.
ولما انتهت الدراسة بالأزهر عينته وزارة الأوقاف أماما وخطيبا فى مسجد من كبار المساجد فاشتغل فيه بالتدريس للعامة وشرح كتاب الله وتعليم الفقه وغير ذلك من العلوم، وكان يقيد ما يدرس فخرج من ذلك بمجموعة كبيرة من الكتب فى العلوم الإسلامية.
منها ما طبع، ومنها ما زال مخطوطا، لم يطبع:
١ - الدين النصيحة.
٢ - كنوز العارفين فى ميراث الأنبياء والمرسلين.
٣ - كتاب الهجرة النبوية.
стр. 337
٤ - كتاب مواهب الإنسان.
٥ - الأنوار القدسية فى شرح أسماء الله الحسنى.
٦ - السعادة فى الدخول من باب التوبة.
ومن كتبه التى ما زالت مخطوطة:
١ - الفقه على المذاهب الأربعة.
٢ - ريحان العارفين فى حكمة أحكام الدين.
٣ - الشرف الأعلى فى اسراء من «دنا فتدلى».
٤ - الإنسان الكامل.
٥ - مقامات أهل اليقين.
وأجل كتبه هو ما تقدمه اليوم: «ضياء الأكوان فى تفسير القرآن».
يقول فى مقدمته:
«فقد عزمت بحول الله تعالى وقوته على كتابة تفسير للقرآن الكريم يكون سهل العبارة ريق الإشارة يجمع بين جمال تفسيره وأسرار تأويله، متحريا فى ذلك الصحيح من الأقوال مجتنبا الحشو والتطويل.
وان الكثير من التفاسير فيه أقوال ضعيفة وتواريخ مكذوبة، وآراء متعارضة، وسأتحرى بمشيئة الله ما يوافق الشرع ويتمشى مع العقل.
وقد وضع المؤلف لكتابه مقدمة: «تكشف لقارئها بعض أسرار القرآن».
ومن هذه المقدمة يقول تحت عنوان: «الآيات القرآنية»:
كل آية فى القرآن بمنزلة دواء مستقل أو كنز للسعادة، منها آيات يخاطب الله بها العقول على قدرها بقوله:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (الروم: ٢٤) والعقل هو الذى يتقبل الآيات بالموازين والقوانين ويحكم على الأشياء بقدر ما وهب له من الاستعداد النورانى، ويخاطب الله الألباب بقوله:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ.
стр. 338
واللب هنا هو الروح التى بها حياة القلب التى بها الاستعداد للتلقى عن الله، ومنها آيات يخاطب الله بها الفكر فى قوله تعالى:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم: ٢١) والفكر قوة تتجول فى الآثار وترجع بالمعلومات وتعرضها على العقل فيثبت منها ما شاء فهو وزير العقل.
ومن الآيات ما يخاطب الله به القوة الذاكرة، وهى المعبر عنها بالحافظة فى قوله: إنّ فى ذلك لآيات لقوم يتذكّرون.
والذاكرة قوة تبحث عن معلوماتها الأولية التى اشتغلت عنها بالمظاهر الحسية، فبالتذكر يصل العبد إلى ذكر العهود الأولية، وذكر النعم الالهية الظاهرة والباطنة.
ولم ترد آية فى القرآن تقول: إن فى ذلك لآيات لقوم يتخيلون أو لقوم يتوهمون فما أوقع الناس فى التيه والغرور الا شيطان الوهم وزخارف الخيال والقرآن يتكلم فى صميم الحقائق والرجل من تباعد عن الخيالات والأوهام وتمسك بالحقائق الناصعة.
ومن الآيات ما يخاطب بها أهل العلم والعرفان بقوله:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (الروم: ٢٢) ويخاطب أهل الإيمان بقوله:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الروم: ٣٧) والإيمان قوة فى القلب تفتح له عيونا يشرف بها على معانى الهيبة الالهية والجلال فيؤمن بالغيب ويرى أن كل السمعيات التى وردت عن الشارع الحكيم كأنها مشهودة أمامه ويخاطب الله أهل السمع بقوله:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (الروم: ٢٣)
стр. 339
والسمع الحقيقى اذن واعية فى القلب صاغية لنداء الرب، والاذن الحسية بمنزلة السماعة التى توصل للقلب الخطاب.
ومن الآيات ما يخاطب الله بها أهل الكشف النورانى والذوق الروحانى بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (الحجر: ٧٥) والمتوسم هو الذى يعرف العوالم بسيماهم ويكشف ما وراء استار المادة بالنور الالهى فى ضميره.
ومن لآيات ما يخاطب الله بها أهل اليقين بقوله:
إنّ فى ذلك لآيات لقوم يوقنون.
واليقين قوة الهية تكسب العبد رسوخا وثباتا وتكشف عنه الحجب.
ويخاطب الله المحسنين: والإحسان قوة فى القلب تجعل العبد يحسن ألفاظه وأعماله ونيته، ويلاحظ أن الله معه بسمعه ويراه. قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (آخر أية فى سورة العنكبوت) ويخاطب الله أولى الأبصار بقوله:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ.
والبصر ما يدرك ظواهر الكون ويوصلها الى حدقة عين القلب، والبصيرة ما تدرك الأمور الخافية ولا يكمل العبد إلا إذا كان يتدبر فى الآيات الظاهرة ويتجول في الآيات الباطنة.
فإذا قال الله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فإنه يقول:
يا أهل العقول اننى أتحدث معكم الآن فتدبروا واعتبروا، وإذا قال:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الروم: ٣٧) كأنه يقول: يا أهل الإيمان سلموا تسعدوا، وإذا قال لقوم يتفكرون قال: يا أهل التفكير تجولوا فى الآثار فتغنموا، فانزل كل آية فى رتبتها الخاصة وتناول دواءها الخاص حتى تعرف الأدوية الروحية القرآنية «والله أعلم» ا. هـ.
стр. 340
والآن نأتى بنموذج من تفسيره:
قوله: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ (البقرة: ٤٥) أراد الحق تعالى أن يصف دواء نافعا للامراض القلبية فبين دواء مركبا من عنصرين:
الأول: الصبر، وهو حبس النفس عن شهواتها طلبا للثواب من الله تعالى، والصبر أساس كل فضيلة، وما وصل إنسان إلى المعالى الاعلى معراج الصبر، والصبر أقسام:
- صبر على طاعة الله وجهاد النفس، وصبر عن معصية الله ومحارمه.
- وهناك صبر مذموم وهو الصبر عن حبيبك وهو الله تعالى فتنساه وتتسلى بغيره ...
ومتى تعود العبد الصبر وتخلق به صار صبورا والصابر يعطى أجره بغير حساب. قال تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
والصوم من الصبر لأنه يمنع النفس عن شهواتها.
قوله: «والصلاة» هى الخضوع والخشوع لله بالقلب والجوارح، ومتى تمكن العبد من الصبر فى طوايا نفسه والخشوع فى ضميره وجوارحه فقد استعان على تزكية نفسه وتطهيرها واقبالها على الله، وكأن النفس وحظوظها كجيش محارب والسلاح الذى يقهرها هو الاستعانة التى وصى بها الله بالصبر والصلاة.
قوله: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ يعنى الصلاة كبيرة يعنى ثقلية على النفوس.
قوله: إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ يعنى الاستعانة بالصلاة سهلة لذيذة على أهل الخشوع وهم الذين عرفوا الله وطلبوا رضاه واعتقدوا أن الدنيا دار سفر فصبروا على مشاقها وأن الصلاة قرة أعينهم لأنها تدخلهم فى حضرة مولاهم وتؤنسهم بجنابه، أ. هـ وتنبهت القلوب وكأنها قالت: يا رب بين أهل الخشوع لنعرفهم. فقال تعالى:
стр. 341
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ (البقرة: ٤٦) يعنى يوقنون ويعلمون علم يقين أنهم سيلقون الرب تعالى ومعنى لقاءه تعالى- هو كشف الستائر الحاجبة للعبد عن الله فيراه قريبا مجيبا محيطا، العارفون بالله يكرمهم الله بلقائه هنا، فتشهد عيون أرواحهم أنوار وجهه الجميل، وأسرار تجلياته فيأنسون به فى كل مشهد ومظهر، وإنما عبر هنا بيظنون ولم يقل يوقنون رحمة بعباده فإنهم يشهدون من تجلياته على قدرهم، والحقيقة فى غيب الغيب والحق تعالى يقول فى الحديث القدسى:
«أنا عند حسن ظن عبدى بى» فالظن منك فى شهود الأنوار يقين عند الله واليقين هو كشف الأمر على ما هو عليه وهو لا يتمكن منه أى مخلوق عند مواجهة الحقيقة ولقاء الله الحق عند الخاصة يكون كرامة لهم هنا بعيون الروح لا بعيون الرأس، وفى الآخرة يكون بالعينين.
قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ.
(القيامة: ٢٢، ٢٣) قوله: وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ يعنى بالموت ومفارقة الحياة:
ينسلخون من الغواشى والهيكل وتتخلص أرواحهم من الظلمات وترجع إلى أصلها، وهو النور فيتجلى لها النور ﷻ ، أ. هـ.
ونموذج آخر:
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ (البقرة: ١٢٤) سبق فى علمه تعالى أن يبتلى العباد، والابتلاء هو الاختيار والامتحان الذى يكشف مكنون النفوس ويوضح غوامض الضمائر ولم يكن الامتحان لتجديد علم بل الحق تعالى يعلم ضمائر الخلق، ويرى الملبى والمخالف ولكن قدر ذلك لتظهر تلك الحقائق مشهودة للخلق فتكون شرفا للمطيع وحجة وسندا للمؤمن وتكون بلية على العاصى وإظهارا للكامن فى نفسه من الخبث والقساوة
стр. 342
والجحود والامتحان قدره الله على الملائكة فى خلق آدم وعلى ابليس فى السجود لآدم وعلى الأنبياء فى تحمل البلايا، وعلى الأولياء فى القيام بالجهاد الشديد للنفس والدنيا وقدره على بنى الإنسان أجمع ليقف كل إنسان عند حده فلا يدعى الولاية الشديدة مخالف ولا يدعى التقوى عاص، حكمة بالغة، قال رسول الله ﷺ : «أشدكم بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل، فالامثل» والذى يثبت فى الامتحان وينال شهادة من الله بها رفعة شأنه وعلو قدره واحترامه فى الدنيا والآخرة والكلمات هى الأوامر الالهية التى كلف الله بها خليله وقدرها عليه فصبر وثبت ورضى، فمن ذلك: ابتلاه بالرمى فى النار، ومن ذلك ابتلاه بأخذ السيدة هاجر وابنها إسماعيل والتوجه بهما إلى أرض الحجاز بجوار الكعبة حيث لا ماء ولا ظل ولا أنيس، فثبت وسلم ولده وزوجته لله تعالى فهو أرحم من إبراهيم بولده وزوجته، ومن ذلك ابتلاه بذبح ولده إسماعيل وكلفه ببناء البيت والقيام بإرشاد الحق له بأعمال الفطرة الحنيفة فنفذ الخليل كل ذلك، فشهد له الحق بقوله (فاتمهن) يعنى قام بالواجب بصدر رحب وعزم صادق فلما وفى نال مقام الوفاء فمنحه الله مقام الصفاء وأعلى ذكره فى القرآن وبشره بعد الثبات فى الامتحان بقوله: «قال إنى جاعلك للناس إماما» يعنى صيرتك قدوة للعباد، والسيد إبراهيم محبوب عند كل طوائف الامم ومعناه أب رحيم وهو من ذرية سام ابن نوح ﵇، وكأن الحق تعالى يقول إننى لم أمنح خليلى رتبة التقدم والامامة إلا بعد الامتحان والنجاح فيه وقد امتحن الله المؤمنين بقوله:
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ.
(العنكبوت: ٢) ولما بسط الحق بساط الانس والمال للخليل وبشره بالبشرى التى تشرح الصدور بقوله إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً طمع الخليل فى وسعة الحق وكرمه فطلب منه نفحة لذريته بقوله قالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي يعنى اجعلهم ائمة للعالم، فقال الحق قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (البقرة:
стр. 343
٢٤) يعنى لا يدعوك تلطفى معك وأنك بعطفى أن أغير شيئا مما فى علمى فاجعل الظالم مقدما محترما فإن كل مخالف من ذريتك لا ينال عهدى يعنى مودتى وكرمى ورحمتى ونعمى، وفى هذا الرد على الخليل من الحق ما يجعل قلوب العارفين تخشع وتمتلئ بالهيبة من جلال الحق، وقد قال العارفون: اذ انبسط لك الحق بجماله فانقبض وتأدب معه وإذا تجلى لك بجلاله فانهض وافرح، فى حضرته فمهما أعطاك فكن على حذر فالسيد الخليل مع جلالة قدره طلب لذريته مطالب فأجابه فى البعض ولم يجبه فى الآخر فلا تركن الى أبيك وشرفه ومجده وانظر هل أنت ظالم لنفسك أم عادل؟
стр. 344
تفسير محمد فريد وجدى
مفسرنا هو الاستاذ الجليل محمد فريد بن مصطفى وجدى، من أعلام العصر الحديث ومن مشاهير العلماء والفلاسفة ورجال الصحافة.
برز نشاطه فى كل مجال من المجالات، وثبتت أقدامه على طريق الحياة الطويل فى دنيا الفكر والتأليف الذى قضى فيه ما يزيد على الخمسين عاما.
ولد الاستاذ وجدى بمدينة الاسكندرية، وانتقل منها إلى دمياط فامضى بها فترة الشباب، ثم انتقل إلى السويس فأصدر بها مجلة الحياة، ثم انتقل إلى القاهرة فأنشأ مطبعة فى حياة البحث والتأليف حتى انتهت به الحياة.
كان حار الدفاع عن الحق، شديد التمسك بما يعتقده صوابا، سلس الأسلوب واضح الفكرة، بعيدا بهدفه فى الحياة. ولقد تحدث عن العوامل التى أثرت فى فكره، ورسمت معالم شخصيته فقال:
كنت فى سن السادسة عشرة، طالبا بالمدرسة التحضيرية، وكان أبى (مصطفى وجدى) موظفا فى الحكومة المصرية، وحدث أن اختير وكيلا لمحافظة دمياط، فكان لا بدّ من انتقالى مع عائلتى إلى هذه المدينة التى اشتهر أهلها الدماثة لا خلاق والتفقه فى الدين.
ولما نزلنا هذه البلدة مع أبى أقبل علماؤها وكبار أهلها يرحبون به، فكان يجتمع فى دارنا عدد كبير منهم وكنت إذا ناقشت أحد العلماء فى مسألة تتعلق بالكون والخلق أسرع إلى قفل باب المناقشة، وأمرنى الا أخوض فى المسائل الدينية أو أبدى فيها رأيا فامتعضت لذلك وقلت فى نفسى،: لا بدّ أن يكون ما يدرسونه من الكتب عقيما ومن هنا تزلزلت عقيدتى، وشرع الشك يتسرب إلى نفسى حتى صرت لا أرتاح إلى رأى واحد يتضمنه كتاب، ولا انتصر على
стр. 345
فكرة معينة يجتهد بعض العلماء فى اثباتها بما أدلى من قوة الحجة وساطع البرهان.
وجعلت أتناول بالقراءة والدرس جميع الكتب الدينية والكونية والاجتماعية وسائر ما يتعلق منها بعلم النفس، واكببت على ذلك عدة سنين، فاكتسبت علما غزيرا، واتسع أمامى نطاق الحياة، وجال نظرى فى الكائنات جولات أفادتنى فيما أتناوله بالحديث والدرس حتى صرت لا أقتنع بفكرة دون أن أعتنى بدرسها وتمحيصها معتمدا فى ذلك على تجاربى الذهنية التى مرت بى، وقد أفادنى هذا استقلالا فى الفكر واعتمادا على النفس، ورغبة فى استيعاب ما يقع بين يدى من الكتب على اختلاف أنواعها بمصر كما افادنى دقة فى البحث حتى ازال الشك عنى وارتاحت نفسى إلى عقيدة ثابتة.
وبدأ طريق الحياة العلمية الجادة على أسس قوية من العقل والروية والتفكير وفى سنة ١٩٠١ م اصدر كتابه «الاسلام فى عصر العلم» وهو كتاب فى جزءين مناسبين فى وضوح أن الاسلام حث على العلم وأشاد به، ودفع المسلمين إليه وأنه لا تعارض مطلقا بين الاسلام والعلم وما وصل إليه العلم فى العصر الحاضر من آفاق مادية وحضارة صناعية، فان ذلك كله لا يتعارض منه شىء مع الاسلام، بل أن ذلك كله يؤيده الاسلام وكلما تقدم العلم كان تأييدا للاسلام.
وتفرغ للبحث والتأليف فغطى الصحف اليومية الشهيرة بمقالات وبحوث، ومن أبرز هذه الصحف: الاهرام، والجهاد، ثم اشتغل بتحرير مجلة الأزهر وظل رئيسا لتحريرها حتى وافاه الموت فى فبراير سنة ١٩٥٤ م سنة ١٣٧٣ هـ.
والناظر فى حياة مفسرنا الجليل يجد أن نشاطه العلمى كان يمثل تيارا دافقا بالحياة، وأنه قضى حياته الطويلة يدافع عن اهداف محدودة يوضحها ويشرحها ويدفع عنها كل تحريف أو اتهام. وهذه الاهداف: هى الاسلام، والدين، والروحية.
стр. 346
ولعل أهم ما شغل فكره وظهر فى نتاجه الكبير قضية الروحية والمادية والدفاع عن الروحية تجاه المادية، واقامة الادلة على الروح، وما إلى ذلك مما هو نابض فى كل مؤلف من مؤلفاته.
ولقد استطاع تطويع اللغة العربية للتعبير عن النواحى الفلسفية والافكار العلمية بأسلوب بارع رشيق، حتى لقد صاغ بعض أفكاره ومناقشاته فى صورة مقامات كمعلقات بديع الزمان الهمذانى ومقامات أبى القاسم الحريرى وغيرهم، وقد جمعت تلك المقامات فى كتاب باسم الوجديات، وقال فى مقدمته بعد أن ذكر بعض من كتب بهذا الاسلوب من الادباء والعلماء فرأينا أن نحتذى مسالكهم ونترسم خطواتهم بوضع مقامات أدبية ترمى لاغراض تعليمية وزدنا على متقدمينا بأن جعلنا الصفة الفلسفية فيها تغلب على سواها حرصا منا على الغرض الرئيسى الذى حدانا لنشرها.
ويبين غرضه من تأليفها فيقول:
تصوير مثل عليا للحياة الفاضلة، وامداد النفوس بالقوى الادبية الضرورية لها.
وقد أثمر كفاحه العلمى الطويل عدة مؤلفات قيمة من ابرزها:
١ - دائرة معارف القرن العشرين فى عشرين مجلدا، وأتمها فيما يقرب من ثلاث سنين وهو عمل تنوء به طائفة كثيرة من العلماء، ولكنه يدل على هذه العزيمة القوية
النادرة التى تحلي بها وجدى وعلى ما تحلى به أيضا من تنظيم دقيق لوقته وعلى ما تحلى به من ذاكرة واعية لما يقرأ ومن حسن تصرف فيما يقرأ وقدرة على الانتفاع به إلى أكبر مدى من الانتفاع.
٢ - السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة وهو كتاب جميل حاول به فريد وجدى أن يقرب حقائق السيرة إلى اذهان شبابنا وأن يحببهم فيها ليتخذوها مثلا أعلى يحتذونه وهذا هدف شريف، ولقد قام به فى أسلوب رصين، وفى دراسة تتسم بروح العصر وبأسلوبه.
стр. 347
٣ - «الاسلام دين عام خالد» بين فيه الاسس والاصول والمبادئ التى قام عليها الاسلام فى صورة من الاسلوب الرائع والعرض السهل.
٤ - نقد كتاب فى الشعر الجاهلى للدكتور طه حسين.
٥ - فضلا عن العديد من الابحاث والمقالات فى كثير من الجرائد والمجلات، وقد ترجم كتاب على اطلال المذهب المادى، وهو إن كان ترجم اجمل وأدق ما تكون الترجمة فإنه احتوى على كثير من آراء فريد وجدى الشخصية تعليقا وشرحا. بل ان الكتاب كله يمثل رأى فريد وجدى نفسه وتسرى روحه فى كل جزء منه.
٦ - وكان تفسيره صفوة العرفان فى تفسير القرآن المعروف بالمصحف الميسر من أعماله السامية.
ملامح من حياته
: عاش وجدى ما يزيد على خمسة وسبعين عاما، قضى أكثرها فى البحث والتأليف، وقد امتاز فى حياته بالجدية ومتانة الخلق ووضوح الهدف والتأنى فى تحقيقه.
حكى الاستاذ العقاد أنه عطل جريدة الدستور لعسر حالته، وباع آلاتها لتسديد أجور العمال مليما بمليم، ورفض فى نفس الوقت عرضا سخيا من حكومة تركيا الفتاة ليكون لسان حالها وناشرا لافكارها فى بلاد الشرق.
وكان معتنيا بصحته، مراعيا لسلامة الجسم والنفس عاملا بما يقول:
نموذجا طيبا بسلوكه كما كان نموذجا طيبا فى تفكيره وتأليفه وكان نباتيا.
وكانت وفاته بعد حياة حافلة ١٩٥٤، سنة ١٩٧٣ هـ بمصر.
ولقد دخل فريد وجدى فى الحياة الفكرية الاسلامية فى عصره دخولا حكيما.
стр. 348
لقد درس مشكلات العصر وكتب فى الكثير منها كتابات مستفيضة سواء تعلقت بإصلاح المجتمع أو المسائل الفلسفية أو أو الجوانب الروحية.
ولقد اضطره ذلك إلى أن يدخل فى جدل مستفيض مع الذين يرى أنهم ليسوا على الحق لقد دخل فى جدل طويل مع المرحوم الشيخ رشيد رضا، واستمر النزاع بينهما فترة طويلة من الزمن ودخل فى جدل مع المرحوم الشيخ عبد الواحد يحيى الذى كان يرى أن تحضير الارواح تعامل مع الجن، أو مع كائنات أخرى، من كائنات لا صلة لها بالارواح حقيقة، وثار نزاع ونقاش بينهما فى المجلة التى كانت تصدر فى سنة ثلاثين بعنوان «المعرفة».
ولم يهدأ فريد وجدى طيلة حياته بحثا وعرضا لآرائه ومناقشة لخصومه وبيانا لوجهة نظره التى يرى أنها الحق.
وكان من عاداته الجميلة أنه كان يستقبل زائريه كل ليلة فى بيته بعد صلاة المغرب مباشرة إلى وقت صلاة العشاء. يجيب عن استفساراتهم ويوضح مشكلاتهم، ويبين الحق فيما يثور من جدل فى الصحف والمجلات.
ولو قيض الله لهذه الجلسات من سجلها لا بانت عن كثير من الحقائق فى مسائل مختلفة من العلم والاجتماع.
وبعد: فان فريد وجدى يقول:
«يجب على أن أنبه إلى أنى استخلصت هذا التفسير من الآراء المجمع عليها لدى أئمة المفسرين وأقطاب أهل السنة فلم أخرج به عن سنتهم قيد شعرة ليوافق مذهبا من المذاهب أو يؤيد رأيا من الآراء الفردية، ولو اضطرنى الكلام ببعض الآيات على أن أورد لى، أو لاحد من غير أهل السنة نبهت إليه وعزوته لقائله حتى يكون القارئ على بينه من أمره».
وهذا النهج الذى أتبعه فريد وجدى هو النهج المستقيم الذى يجب اتباعه فيما يتعلق بالتفسير.
стр. 349
والمنهج الذى ذكره وجدى للتفسير حاول تحقيقه خصوصا فيما يتعلق بسهولة التعبير ويسر الشرح والعناية بمعانى الالفاظ، وكل صحيفة من القرآن فى هذا التفسير يحيط بها هامشان أحدها للمعنى والآخر للالفاظ، وخير لهذا التفسير أن نأتى بصحيفة كاملة من القرآن الكريم توضح لنا فى صورة دقيقة منهجه وطريقته.
وقد طبع هذا التفسير عدة طبعات وظن الناس أن فريد وجدى لم يقم فى تفسير القرآن وبيان اهدافه الا بهذا الكتاب الذى بين أيديهم.
وهذه الفكرة ليست بصواب، وهى تصوير خطأ لعمل فريد وجدى فى تفسير القرآن وذلك أن فريد وجدى قبل أن يفسر القرآن كتب مقدمة مستفيضة تعتبر وحدها كتابا نفسيا، بين هذه المقدمة المستفيضة ما يستفيض فيه الباحثون من مسائل القرآن كالبعث مثلا والجنة والنار، والالوهية والنبوة، يقول فريد وجدى عنها:
هذه المقدمة طبعها فريد وجدى من عشرات السنين ونفدت طبعتها من زمن بعيد ولم يطبعها الذين طبعوا المصحف المفسر، فاعتقد الناس أن هذا هو العمل الوحيد لفريد وجدى فيما يتعلق بتفسير القرآن.
والواقع أن هذه المقدمة ضرورية لكل قارئ لتفسير وجدى، وأنها هى والتفسير عمل متكامل ونرجو الله أن يشرح صدور الطابعين لهذا التفسير لطبع
المقدمة معه فى الطبعات التالية.
أما ما يؤخذ على تفسير وجدى وعلى وجدى نفسه، فهو أن صلته بالحديث لم تكن وثيقة، ومن أجل ذلك نجد فى كتاباته من آن لآخر، وعلى قلة الأحاديث الضعيفة، وكنا نتمنى أن لو كانت صلته بالحديث أوثق.
كما أنه لم يخل فى كتاباته من أن يوطئ بعض النواحى الدينية للتيارات الفلسفية فيحاول فى رفق شرحها بحسب الوضع الفلسفى، والوضع الفلسفى وضع بشرى لا يثبت على حال.
стр. 350
ومن نماذجه
: يقول الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ. (سورة سبأ الآيات ١ - ٢)
تفسير الألفاظ
: ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ أى ما يدخل فى الأرض يقال: ولج يلج ولوجا، أى دخل، والذى يلج فى الأرض هو الغيث وما يدفن فيها من مقتنيات وموتى.
وَما يَخْرُجُ مِنْها كالنباتات والمعادن والعيون .. وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كالملائكة والوحى والأرزاق.
وَما يَعْرُجُ فِيها كالملائكة وأعمال العباد .. الخ يقال: عرج يعرج عروجا، أى صعد.
«بلى» حرف جواب قد تأتى رد النفى كما فى هذه الآية أو جوابا لسؤال منفى نحو قوله تعالى: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى»: «لا يَعْزُبُ» أى لا يغيب يقال: عزب عنه الشيء يعزب، ويعزب عزوبا بعد وغاب وخفى، أما عزب الرجل يعزب عزبة وعزوبة، فمعناه صار عزبا، أى بلا زوج «فى كتاب» هو اللوح المحفوظ الذى فيه ما كان ويكون إلى يوم القيامة.
стр. 351
تفسير المعاني
: الحمد الله الذى له ما فى السموات والأرض خلقا وإبداعا، وله الحمد فى الآخرة على جميل احسانه ورحمته وهو الحكيم الخبير، يعلم ما يدخل فى جوف الأرض وما يخرج منها، وما يهبط من السماء وما يصعد إليها، لا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة مما يحصل فى ملكه الذى لا ينتهى إلى حد وهو الرحيم والغفور.
وأنكر الذين كفروا مجىء يوم القيامة، قل: بلى والله عالم الغيب، لتجيئنكم لا يخفى عليه ثقل ذرة من هباء فى السموات والأرض، ولا أصغر ولا أكبر منها، إلا فى كتاب مبين هو اللوح المحفوظ. اهـ.
стр. 352
التفسير الواضح للشيخ محمد محمود حجازى
رحم الله الشيخ محمد حجازى- لقد عرفناه واحببناه، احببناه لخلقه السمح وادبه الجم. وعلمه الغزير، اما عن خلقه فإنه كان سمحا صفوحا لا تستثيره المهاترات: انه كان يعرض عنها وكان قلبه طاهرا طهر الماء الصافى لا بجمل حقدا لاحد، ولا ضغينة لانسان وكان من الذين اذا مروا باللغو مروا كراما، ولذلك قل اعداؤه وانكمش هؤلاء الذين ينفسون على العالم علمه وعلى المؤلف تأليفه، وعاش حياته فى هدوء نسبى متفرغا للعلم، دائبا على الدراسة.
ولد الشيخ فى محافظة الشرقية عام ١٩١٤ ودرس العلم فى معهد الزقازيق وكان مثالا للطالب المجد الذى لا شأن له يغير ما قدم اليه وهو العلم، ولم تكن مغريات الحياة قد انتشرت فى مدينة الزقازيق، فلم تجذبه زينة الحياة الدنيا، وكان المعهد يأخذ طلبته بالجد الصارم فانصرف الطالب الى التحصيل.
ولما انتهى من دراسته فى معهد الزقازيق يمم وجهه شطر القاهرة دارسا بكلية اللغة العربية، ولم يشغله زخرف القاهرة فجد حتى نال العالمية، ثم عين مدرسا بمعهد الزقازيق الذى تخرج منه والقريب من بلده.
لقد عاد الى المعهد الذى درس فيه طالبا: عاد اليه شيخا مدرسا وكانت سعادته عظيمة وفرحته لا تحد حين مشى بسمته الازهرى الجميل فى فناء هذا المعهد، واخذت عيناه تفحصان الأمكنة التى مشى فيها، او جرى نحوها، او لعب فيها، او تلقى الدرس فى رحابها وها هو يتحدث سعيدا مع بعض طلبة المعهد من بلدته، الذين كانوا قد انتسبوا الى المعهد حين اوشك هو على مغادرته، او الذين انتسبوا اليه من بعده، لقد كان ابناء بلدته يعتزون به، ويعتز هو بهم، فيوجه اليهم النصح فى صورة صديق وفى صورة أخ اكبر.
стр. 353
وكانوا يحمدون فيه تواضعه وعاطفته الجياشة بحب الازهر ويحب ابناء بلدته.
واخذ فى السنوات الاولى من التخرج يعد نفسه لمستقبل علمى زاهر، واتجه على الخصوص الى التفسير.
كتب الشيخ حجازى تفسيره وهو ما زال مدرسا بمعهد الزقازيق، وكان طموحه ان يكون بين اعلام اساتذة كلية اصول الدين، فاخذ يعد رسالة لنيل الدكتوراة واختار لها
موضوعا دقيقا عميقا، هو: «الوحدة الموضوعية فى القرآن الكريم».
ولعل اختياره لهذا الموضوع لم يكن اختيارا بالمعنى العادى للكلمة، وذلك انه يشبه ان يكون قد فرض نفسه، انه يقول فى مقدمة رسالة الدكتوراة:
«ولقد راعنى وانا اكتب «التفسير الواضح» هذا النسق العجيب فى سور القرآن وترتيبها فى المصحف، فهذه سورة مدنية بجوار سورة مكية، وهذه سورة مدنية وسط عدد من السور المكية وهكذا.
ثم اذا نظرت الى نفس السورة وآياتها تجد العجب العجاب، تجد السورة وقد جمعت آيات متعددة، وإن تكن متناسبة ومتلائمة، ولكنك تجد السورة تتحدث من موضوع خاص، فماذا قرأت غيرها تجدها تحدثت هى الأخرى عن نفس الموضوع، ولكن بشكل خاص ونسق يلتئم مع جو السورة التى قيل فيها، هذه ظاهرة استرعت البحث والنظر، اما السابقون فتخلصوا من هذا بالقول بالنسخ فالآية المتأخرة نسخت التقدمة وهكذا.
واما نحن فقد هدانا الله الى القول بنظرية «الوحدة الموضوعية فى القرآن الكريم».
لهذا كانت تلك النظرية جديدة على الاسماع فرفضها البعض وحاول منع نقاشها بجامعة الازهر، ولكن الحق يظهر دائما ولا بد ان يبدو الصبح لذى
стр. 354
عينين واما المنصفون والمعتدلون فطالبوا بالدليل، والبيان، وضرب الامثلة، مع الحجة والبرهان.
ثم هم بعد ذلك طالبونى بتعميم الفائدة، ونشر هذه الرسالة فاجبت الطلب والله المستعان.
ثم يقول فى تواضع جم:
وبعد: فهذه رسالة أتقدم بها الى كلية اصول الدين بجامعة الازهر لنيل الدكتوراة وعنوانها: (الوحدة الموضوعية فى القرآن الكريم).
والحق يقال: إننى لست من رجال هذه الابحاث الدقيقة العميقة المتصلة بالقرآن الكريم، ولكنها محاولة، دفعنى اليها حب البحث فى كل ما يتعلق بكتاب الله، فان اصبت فذلك الفضل من الله والا فهى محاولة.
والله يهدى الى الحق وهو نعم النصير أ. هـ.
اما عن التفسير فإنه بعد محاولات عدة وتجارب فى الوان التفسير استقر رأيه على كتابة تفسير للقرآن يكون مختصرا واضحا متأسيا فى ذلك بما كان الامر عليه فى الصدر الأول للإسلام وذلك ان المسلمين فى الصدر الأول من الإسلام كانوا يختصرون فى التفسير الى درجة انهم كانوا يقتصرون تقريبا على تفسير الكلمة او على تفسير الآية بكلمات قليلة او تفسيرها بحديث من الاحاديث الشريفة او بأثر عن صحابى جليل.
واثر الشيخ محمد حجازى هذا المنهج واقتنع بحكمة القدماء فى ترك القرآن دائما غضا نضرا تتفهم النفس منه مباشرة الهداية والرشاد، وترتفع معه النفس الى الافق السامى الذى احبه الله للمسلمين وبينه فى القرآن الكريم، وقد اهدى التفسير الى: «الى الذين اذا ذكروا الله وجلت قلوبهم، واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا الى الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه، الى اخواننا المسلمين فى مشارق الارض ومغاربها اهدى هذا واحسب اجرى عند الله أ. هـ.
стр. 355
ويقول فى مقدمته للطبعة الاولى:
«وبعد فهذا هو القرآن الكريم بل هذا هو الهدى والنور، كتاب شرحه بلغة سهلة واضحة لا تعمق فيها ولا ابعاد، خالية من المصطلحات العلمية الفنية تفسر للشعب كل ما فيه من صوغ المعنى الاجمالى للآية، بلغة العصر مع البعد عن الحشو والتطويل والخرافات الإسرائيلية والاعتدال فى الرأى، فلم يهدم كل قديم، ولم يرفع كل جديد، وان يكن لكل فارس كبوة.
ولا طاقة للناس الآن بالاطالة فيما لا شأن له باصل الغرض من التفسير اذ لهم ان يفهم القرآن اكبر عدد ممكن من المسلمين.
ألم يأن للحق ان يدحض الباطل كما دحضه فى صدر الاسلام، وقد يكون ما تراه من الجمعيات الاسلامية والمؤاخاة الدينية جذوة فيها ضوء يسطع ليبصر من اراد ان يسعد عاجلته وآجلته وفيها نار تحرق هؤلاء الشياطين الذين لم يستمعوا من الله، ولا من الحق فجعلوا من جاههم ونفوذهم حربا على الاسلام ابقاء على زخرف كاذب وفرارا من حقوق اخوانهم فى الدين والانسانية قبلهم.
وها نحن الآن قد عزمنا «والعون من الله وحده» على الكتابة فى التفسير على ان يخرج الجزء الاول ثم الذى يليه وهكذا. فان كان للعمر بقية ومن الله تأييد، ثم هذا العمل الذى نقصد به وجه الله.
ولا انكر انه عمل ضخم ليس لمثلى ان يتعرض له ولكن:-
واكذب النفس اذا حدثتها ... ان صدق النفس يزرى بالامل
وسنظل والحمد لله ندفع بايدينا وبالسنتنا وباقلامنا عن حمى هذا الدين حتى يظهره الله او نهلك دونه، ولن يضيعنا الله.
وصدق الله اذ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (محمد: ٧)
следующие страницы →