تختلف فى مميزاتها عن السور المكية من حيث الأسلوب والخصائص والظروف، وكون الآية الثانية ناسخة للأولى فهو نسخ الحكم وبقاء التلاوة، وأما نسخ التلاوة وبقاء الحكم فليس هناك- كما ذكر ابن عاشور- مما يؤيده من آثار تقتضى وقوعه، وما نقل عن مجاهد فى هذا الشأن مما يوجب التباسا فى الفهم.
ويشمل التعارض بالعموم والخصوص ونحو ذلك من التعارض الذى يحمل بعضه على بعض، فيفسر بعضه بعضا، ويؤول بعضه بعضا، كقوله تعالى:
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ (١) فى سورة الشورى مع قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (٢) فى سورة المؤمنين فيأخذوا بعموم وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فيزعمونه إعراضا عن أحد الأمرين إلى الأخير منهما.
وكذلك قوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (٣) يأخذون من ظاهره أنه أمر بمشاركتهم فإذا جاءت آيات بعد ذلك لدعوتهم وتهديدهم زعموا أنه انتقض كلامه وبدا له ما لم يكن يبدو له من قبل.
وكذلك قوله تعالى: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ (٤) مع آيات وصف عذاب المشركين وثواب المؤمنين.
стр. 107
وكذلك قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (١) مع قوله تعالى لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ (٢) ومن هذا ما يبدو من تخالف بادئ الأمر كقوله بعد ذكر خلق الأرض ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ (٣) فى سورة فصلت مع قوله تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٤) من سورة النازعات، فيحسبونه تناقضا مع الغفلة عن محمل" بعد ذلك"، من جعل (بعد) بمعنى (مع) وهو استعمال كثير، فهم يتوهمون التناقض مع جهلهم أو تجاهلهم بالوحدات الثمانية المقررة فى المنطق.
فالتبديل فى قوله تعالى" بَدَّلْنا" هو التعويض ببدل، أو عوض.
والتعويض لا يقتضى إبطال المعوض- بفتح الواو- بل تقتضى أن يجعل شىء عوضا عن شىء. وقد يبدو للسامع أن مثل لفظ المعوض- بفتح الواو- جعل عوضا عن مثل لفظ العوض- بالكسر- فى آيات مختلفة باختلاف الأغراض من تبشير وإنذار أو ترغيب وترهيب، أو إجمال وبيان، فيجعله الطاعنون اضطرابا لأن مثله قد كان بدل ولا يتأملون فى اختلاف الأغراض» (٥).
ويدفع ابن عاشور تلك الدعاوى الباطلة التى قالها المشركون، فإذا نزلت آية ما، ثم أنزل الله آية أخرى يحمل معناها تعارضا على النحو الذى ذكره مفسرنا، أبدوا سخطهم وأظهروا سخريتهم، وقالوا على ما حكت الآية
стр. 108
عنهم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ظانين ظنا فاسدا أن محمدا ﷺ أتى بهذا القرآن من عند نفسه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، فالقرآن يفسر بعضه بعضا، ويؤول بعضه بعضا، وهم يجهلون اختلاف المقامات والأحوال من لين وترغيب وشدة وترهيب وعموم وخصوص، ويعتقد هؤلاء المشركون أن ذلك تناقضا، هيأ لهم ذلك جهلهم وتعلقهم بضلالهم، أو يتعمدون المكابرة أمام الحقائق ويخلطون بينها دون اعتبار لوجوه الخطاب واختلاف المرامى، وبعد أن يرد ابن عاشور هذه المطاعن يبين المقصود من" بَدَّلْنا" فى الآية الكريمة السابقة، حيث ذكر أن المعنى هو التعويض ببدل أى عوض، ولا يعنى ذلك إبطال المعوض" بالفتح" بل هو قائم وقد يكون مما نسخ خطه وبقى حكمه، أو ما نسخ حكمه وبقى خطه تبعا لمقتضيات الخطاب (١).
ومن أمثلة ما ذكره فى رفع حكم آية وبقاء تلاوتها فى قوله تعالى:
أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٢).
«قال المفسرون على أن هذه الآية ناسخة للتى قبلها فسقط وجوب تقديم الصدقة لمن يريد مناجاة الرسول- ﷺ وروى ذلك عن ابن عباس واستبعده ابن عطية» (٣).
стр. 109
وفى تفسير قوله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (سورة الأنعام، الآية ١٤١).
ذكر ابن عاشور: «وإنما أوجب الله الحق فى الثمار والحب يوم الحصاد؛ لأن الحصاد إنما يراد للادخار، وإنما يدخر المرء ما يريده للقوت، فالادخار هو فطنة الغنى الموجبة لإعطاء الزكاة، والحصاد مبدأ تلك المظنة، فالذى ليست له إلا شجرة أو شجرتان، فإنما يأكل ثمرها مخضورا قبل أن ييبس، فلذلك رخصت الشريعة لصاحب الثمرة أن يأكل من الثمر إذا أثمر، ولم توجب عليه إعطاء حق الفقراء إلا عند الحصاد، ثم إن حصاد الثمار، وهو جذاذها، فهو قطعها لادخارها، وأما حصاد الزرع فهو قطع السنبل من جذور الزرع ثم يفرك الحب الذى فى السنبل ليدخر، فاعتبر ذلك الفرك بقية للحصاد، ويظهر من هذا أن الحق إنما وجب فيما يحصد من المذكورات مثل الزبيب والتمر والزرع والزيتون، من زيته أو من حبه بخلاف الرمان والفواكه.
стр. 110
وعلى القول المختار: فهذه الآية غير منسوخة، ولكنها مخصصة ومبينة بآيات أخرى وبما يبينه النبى- ﷺ فلا يتعلق بإطلاقها، وعن السدى أنها نسخت
بآية الزكاة، يعنى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً (١) وقد كان المتقدمون يسمون التخصيص نسخا» (٢).
وعلى هذا النحو اعتبر ابن عاشور قوله تعالى كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ...
الآية غير منسوخة، إنما هى مخصصة ومبيّنة بآيات أخرى وبما قام ببيانه ﷺ ، ومن ثم فإن ما روى عن السدى فى كون هذه الآية منسوخة يرجع إلى أن المتقدمين كانوا يسمون التخصيص نسخا.
وفى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (سورة البقرة الآية ٦٢).
ذكر ابن عاشور:
«ومعنى من آمن بالله، الإيمان الكامل، وهو الإيمان برسالة محمد ﷺ بقرينة المقام وقرينة قوله وَعَمِلَ صالِحاً إذ شرط قبول الأعمال الإيمان الشرعى، لقوله تعالى ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وقد عدّ عدم الإيمان برسالة محمد ﷺ بمنزلة عدم الإيمان بالله لأن مكابرة
стр. 111
المعجزات القائمة مقام تصديق الله تعالى للرسول المتحدى بها يؤول إلى تكذيب الله تعالى فى ذلك التصديق، فذلك المكابر غير المؤمن بالله الإيمان الحق، وبهذا يعلم أن لا وجه الدعوى كون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (١) إذ لا استقامة فى دعوى نسخ الخبر إلا أن يقال إن الله أخبر به عن مؤمنى أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا بما جاءت به رسل الله دون تحريف ولا تبديل ولا عصيان وماتوا على ذلك قبل بعثة محمد ﷺ ، فيكون معنى الآية كمعنى قوله ﷺ فيما ذكر من يؤتى أجره مرتين «ورجل من أهل الكتاب آمن برسوله ثم آمن بى فله أجران».
وأما القائلون بأنها منسوخة، فأحسب أن تأويلها عندهم أن الله أمهلهم فى أول تلقى دعوة رسول الله ﷺ ، إلى أن ينظروا فلما عاندوا نسخها بقوله وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ لئلا يفضى قولهم إلى دعوى نسخ الخبر» (٢).
وقد ذكر هبة الله بن سلامة عن هذه الآية (البقرة: ٦٢): «والناس فيها قائلان، فقالت طائفة منهم مجاهد والضحاك وابن مزاحم هى محكمة ويقرءونها بالمحذوف المقدر، فيكون التقدير على قولهما: إن الذين آمنوا ومن آمن من الذين هادوا والنصارى والصابئين، وقال الأكثرون: هى منسوخة وناسخها عندهم: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً الآية» (٣).
стр. 112
وابن عاشور على أن هذه الآية غير منسوخة كما جاءت الروايات عن مجاهد والضحاك وابن مزاحم حيث لا يقع النسخ فيما أخبر به القرآن، ويقدم ابن عاشور استثناء لوقوع مثل هذا النسخ وهو أن يكون المؤمنون من أهل الكتاب والصابئون قد آمنوا بما جاءت به الرسل دون تحريف، أو تبديل وماتوا قبل البعثة المحمدية، ويكون معنى الآية كحديث رسول الله ﷺ فيمن يؤتى أجره مرتين، أما عن القائلين بنسخها ففيما ذكره ابن عاشور من تأويلها عندهم يمنع وقوع نسخ الخبر، وتلك محاولة للتوفيق بين الفريقين عمادها عدم قبول الأقوال إلا بعد التحليل والتعليل.
وفى قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (سورة البقرة: الآية ١١٥).
ذكر ابن عاشور:
«وقد قيل إن هذه الآية إذن للرسول ﷺ بأن يتوجه فى الصلاة إلى أية جهة شاء، ولعل مراد هذا القائل أن الآية تشير إلى تلك المشروعية لأن الظاهر أن الآية نزلت قبل نسخ استقبال بيت المقدس إذ الشأن توالى نزول الآيات وآية نسخ القبلة قريبة الموقع من هذه، والموجه أن يكون مقصد الآية عاما كما هو الشأن فتشمل الهجرة من مكة والانصراف عن استقبال الكعبة» (١).
وذكر ابن سلامة أن هذه الآية محكمة والمنسوخ منها قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (٢).
стр. 113
وفى الإتقان (١) «على رأى ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ سورة البقرة: الآية ١٤٤» ويقول منّاع القطان:
«وقد قيل- وهو الحق- إن الأولى غير منسوخة لأنها فى صلاة التطوع فى السفر على الراحلة، وكذا فى حال الخوف والاضطرار، وحكمها باق كما فى الصحيحين، والثانية فى الصلوات الخمس، والصحيح أنها ناسخة كما ثبت فى السنة من استقبال بيت المقدس» (٢).
وعند ابن عاشور أن مقصد الآية عام أى ليست منسوخة، وحكمها باق يؤيد ذلك ما جاء فى الصحيحين.
وابن عاشور لم يسرف فى استخدام هذا النوع من التفسير، ولم يكن من المكثرين فيه، وعند تفسيره لكثير من الآيات فى السور المختلفة، لم يتعرض لكونها ناسخة أو منسوخة، كما ذهب كثير من عوام المفسرين، وعند استخدامه لهذا التفسير لم يكن يقبل الأقوال على علاتها، إنما يقبل ما انتهى التحليل إليه، أو ما سمع بالتوفيق بين أكثر من قول، أو ما يؤيده أعلى المصادر توثيقا.
٨ - التفسير بالقراءات:
يرى ابن عاشور- كما جاء فى المقدمة السادسة التى جعلها للقراءات- أن للقراءات حالتين؛ إحداهما لا تعلق لها بالتفسير بحال، وإنما هى تتصل باختلاف القراء فى وجوه النطق بالحروف والكلمات كمقادير المد والإمالات والتخفيف والتسهيل والتحقيق والجهر والهمس والغنة، وفى تعدد
стр. 114
وجوه الإعراب، ومزية القراءات من هذه الجهة عائدة إلى أنها حفظت على أبناء العربية ما لم يحفظه غيرها، وهو تحديد كيفيات نطق العرب: بالحروف فى مخارجها وصفاتها، وذلك غرض مهم جدا لكنه لا علاقة له بالتفسير.
وبعد ذكره لأمثال مختلفة من شذوذ بعض القراءات وما حدث حولها من اختلافات، وما فعله عثمان رضى الله عنه فى جمع المسلمين حول المصحف الإمام، يقول:
«من أجل ذلك اتفق علماء القراءات والفقهاء على أن كل قراءة وافقت وجها فى العربية ووافقت خط المصحف- أى مصحف عثمان- وصح سند راويها؛ فهى قراءة صحيحة لا يجوز ردها، قال أبو بكر بن العربى ومعنى ذلك عندى أن تواترها تبع لتواتر المصحف ناشئ عن تواتر الألفاظ التى كتبت فيها، قلت: وهذه الشروط الثلاثة، هى شروط فى قبول القراءة إذا كانت غير متواترة عن النبى ﷺ ، بأن كانت صحيحة السند إلى النبى ولكنها لم تبلغ حد التواتر فهى بمنزلة الحديث الصحيح، وأما القراءة المتواترة فهى غنية عن هذه الشروط لأن تواترها يجعلها حجة فى العربية، ويغنيها عن الاعتضاد بموافقة المصحف المجمع عليه، ألا ترى أن جمعا من أهل القراءات المتواترة قرءوا قوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (١) بطاء مشالة أى بمتهم، وقد كتبت فى المصاحف كلها بالضاد الساقطة» (٢).
стр. 115
ومفاد هذا الكلام أن شروط القراءات التى اتفق عليها العلماء والفقهاء وهى التى صح سندها ووافقت خط المصحف والعربية ولو من جهة هى قراءة صحيحة لا يجوز ردّها، وأن تواترها تابع لتواتر الألفاظ الذى كتبت فيه كما يقول ابن عربى.
وعند ابن عاشور:
«هذه الشروط المتفق عليها بين العلماء والفقهاء وهى شروط للقراءة غير المتواترة عن النبى ﷺ وهى صحيحة السند، وإن لم تبلغ حد التواتر فهى غنية عن هذه الشروط لكون هذا التواتر يجعلها حجة فى الغربية، ومن ثم يغنيها عن شرط موافقة رسم المصحف، وساق ابن عاشور مثلا فيما أجمع عليه بعض أهل القراءات المتواترة عن النبى ﷺ فى قوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ بطاء مشالة حيث كتبت فى المصاحف كلها بالضاد الساقطة.
ومع هذا نستطيع القول إن هذه الشروط الثلاثة التى أجمع عليها علماء القراءات والفقهاء كان الغرض الأول لهم من ذلك هو جمع المسلمين حول قراءات بعينها فلا يتسع الخلاف بينهم، وقد راعوا فى شروطها التوسعة على الألسن. وذلك ما سعى إليه عثمان رضى الله عنه من كتابة المصاحف وتوزيعها على الأمصار، وقد قبل هذا العمل من
عثمان صحابة رسول الله ﷺ ومنهم على بن أبى طالب رضى الله عنه، وقد أجمع الإمامية الاثنى عشرية المعتدلة على هذه القراءات، وكرهوا تجريد قراءة مفردة» (١).
стр. 116
وكان الطبرسى صاحب مجمع البيان فى تفسير القرآن يذكر فى قسم" القراءة" عند الآية المطروحة للبحث بعض القراءات عن النبى- ﷺ ولكن تفسيره كله كان قائما على القراءات التى وافقت خط المصحف الإمام ووافقت العربية ولو بوجه، وصح سندها.
أما القراءات المتواترة التى استغنت على الاعتضاد بموافقة خط المصحف، فعلى الرغم مما ذكره ابن عاشور عنها فهى خارجة عن الإجماع المذكور الذى حدد الهدف منه بحصر الخلاف بين المسلمين وتوحيد صفوفهم إزاء قراءة النص الكريم، وتبقى للقراءات الأخرى وجهتها التاريخية فحسب بعد أن انتهت مرحلتها والدوافع التى أدت إليها.
ويقول ابن عاشور عن القراءات العشر التى وافقت شروط العلماء والفقهاء، والتى يقرأ بها جمهور المسلمين:
«وقد انحصر توفر الشروط فى الروايات العشر للقراء وهم:
نافع بن أبى نعيم المدنى، وعبد الله بن كثير المكى، وأبو عمرو المازنى البصرى، وعبد الله بن عامر الدمشقى، وعاصم بن أبى النجود الكوفى، وحمزة بن حبيب الكوفى، والكسائى على بن حمزة الكوفى، ويعقوب بن إحسان الحضرمى البصرى، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع المدنى، وخلف البزار (بزاى فألف فراء مهملة) الكوفى، وهذا العاشر ليست له رواية خاصة، وإنما اختار لنفسه قراءة تناسب قراءات أئمة الكوفة، فلم يخرج عن قراءات قراء الكوفة إلا قليلا.
وبعض العلماء يجعل قراءة ابن محيصن واليزيدى والحسن والأعمش، مرتبة دون العشر، وقد عد الجمهور ما سوى ذلك شاذا لأنه لم ينقل بتواتر حفاظ القرآن» (١).
стр. 117
وعن علاقة القراءات بالتفسير ... يقول:
«وأما القراءات فلا يحتاج إليها إلا فى حين الاستدلال بالقراءة على تفسير غيرها، وإنما يكون فى معنى الترجيح لأحد المعانى القائمة من الآية أو لاستظهار على المعنى، فذكر القراءة كذكر الشاهد فى كلام العرب، لأنها إن كانت مشهورة، فلا جرم أنها تكون حجة لغوية، وإن كانت شاذة فحجتها لا من حيث الرواية لأنها لا تكون صحيحة الرواية، ولكن من حيث إن قارئها ما قرأ بها إلا استنادا لاستعمال عربى صحيح، إذ لا يكون القارئ معتدا به إلا إذا عرفت سلامة عربيته، كما احتجوا على أن أصل الحمد لله أنه منصوب على المفعول المطلق بقراءة هارون العتكى الحمد لله بالنصب كما فى
стр. 118
الكشاف، وبذلك يظهر أن القراءة لا تعد تفسيرا من حيث هى طريق فى أداء ألفاظ القرآن، بل من حيث إنها شاهد لغوى» (١).
نخلص من هذه الفقرة إلى أن قراءة بعض الآيات- فى حدود القراءات العشر- يمكن أن تفسر بقراءة أخرى ترجيحا لمعنى قائم فى الآية، أو استظهارا على المعنى ذاته، أى أنها حجة لغوية لكونها صحيحة الرواية، وإذا كانت شاذة، فحجتها لا من سبيل الرواية، وإنما من سبيل الاستعمال العربى الفصيح.
ومن خلال الأقوال السابقة ومن غيرها أيضا يتبين لنا أن استخدام ابن عاشور للقراءات كانت على النحو التالى:
- هى شاهد لغوى أيما كان نوعها سواء أكانت متواترة عن رسول الله ﷺ على النحو الذى ذكره ابن عاشور، أم كانت من القراءات العشر المشهورة التى توافق خط المصحف.
- والقراءات العشر هذه فضلا عن أنها شاهد لغوى فهى مما يمكن التفسير به على أنه ترجيح لمعنى الآية أو استظهار له.
وعن بعض وجوه الخلاف التى وقعت بين القراء بسبب الرسم العثمانى، ذكر فى تفسير قوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ سورة التكوير: الآية ٢٤.
وكتبت كلمة" بضنين" فى مصاحف الأمصار بضاد ساقطة كما اتفق عليه القراء.
وحكى عن أبى عبيد، قال الطبرى: هو ما عليه مصاحف المسلمين متفقة وإن اختلفت قراءاتهم به.
стр. 119
وفى الكشاف «هو فى مصحف أبىّ بالضاد وفى مصحف ابن مسعود بالظاء» وقد اقتصر الشاطبى فى منظومته فى الرسم على رسمه بالضاد، إذ قال:
والضاد فى" بضنين" تجمع البشر.
وقد اختلف القراء فى قراءته، فقرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر وخلف وروح عن يعقوب بالضاد الساقطة التى تخرج من حافة اللسان مما يلى الأضراس وهى القراءة الموافقة لرسم المصحف الإمام.
وقرأه الياقوت بالظاء المشالة التى تخرج من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا، وذكر فى الكشاف أن النبى- ﷺ قرأ بهما، وذلك مما لا يحتاج إلى التنبيه، لأن القراءتين ما كانتا متواترين إلا وقد رويتا عن النبى ﷺ " والضاد والظاء" حرفان مختلفان والكلمات المؤلفة من أحدهما مختلفة المعانى غالبا إلا نحو حضض بضادين ساقطتين وحظظ بظاءين مشالين وحضظ بضاد ساقطة بعدها ظاء مشالة وثلاثتها بضم الحاء وفتح ما بعد الحاء، فقد قالوا: إنها لغات فى كلمة ذات معنى واحد وهم اسم صمغ يقال له: خولان.
ولا شك أن الذين قرءوه بالظاء المشالة من أهل القراءات المتواترة، وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائى ورديس عن يعقوب قد ردوه متواترا عن النبى ﷺ ، ولذلك فلا يقدح فى قراءتهم كونها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر، وما ذكر من شرط موافقة القراءة لما فى مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التى لم ترو متواترة كما بيّناه فى المقدمة السادسة فى مقدمات هذا التفسير.
وقد اعتذر أبو عبيدة عن اتفاق مصاحف الإمام على كتابتها بالضاد
стр. 120
مع وجود الاختلاف فيها بين الضاد والظاء فى القراءات المتواترة، بأن قال «ليس هذا بخلاف الكتاب لأن الضاد والظاء لا يختلف خطهما فى المصاحف إلا بزيادة رأس إحداهما على رأس الأخرى فهذا قد يتشابه ويتدانى» أهـ
يريد بهذا الكلام أن ما رسم فى المصحف الإمام ليس مخالفة من كتاب المصاحف للقراءات المتواترة، أى أنهم يراعون اختلاف القراءات المتواترة فيكتبون بعض نسخ المصاحف على اعتبار اختلاف القراءات وهو الغالب.
وهاهنا اشتبه الرسم فجاءت الظاء دقيقة الرأس. ولا أرى للاعتذار عن ذلك لأنه لما كانت القراءتان متواترتين عن النبى ﷺ اعتمد كتاب المصاحف على إحداهما وهى التى قرأ بها جمهور الصحابة وخاصة عثمان بن عفان، وأو كلوا القراءة الأخرى إلى حفظ القارئين.
وإذ تواترت قراءة" بضنين" بالضاد الساقطة و" بظنين" بالظاء المشالة علمنا أن الله أنزله بالوجهين وأنه أراد كلا المعنيين (١).
والمعنى الأول يقول عنه ابن عاشور:
«ومعنى" ضنين" بالضاد الساقطة، فهو البخيل الذى لا يعطى ما عنده، مشتق من الضنّ، بالضاد مصدر ضن، إذا بخل، ومضارعه بالفتح والكسر ...
أى ما صاحبكم ببخيل أى بما يوحى إليه، وما يخبر به عن الأمور الغيبية طلبا للانتفاع بما يخبر به بحيث لا ينبئكم عنه إلا بعوض تعطونه» (٢).
والمعنى الثانى يقول عنه ابن عاشور:
«وأما معنى" ظنين" بالظاء المشالة فهو فعيل بمعنى مفعول، مشتق من الظن بمعنى التهمة، أى مظنون، ويراد أنه مظنون به سوء، أى أن يكون كاذبا فيما يخبر به عن الغيب» (٣).
стр. 121
أى أن معنى" ضنين" وهى القراءة التى توافق خط المصحف الإمام" البخيل"، ومعنى" ظنين" وهى من القراءة التى لا توافقه" الكذاب".
والمعنيان يتوافقان، فهما ينفيان عن رسول الله ﷺ أن يكون بخيلا فيما أخبر به من الغيب إلا بمقابل كما يفعل الكهان والعرّاف الذين كانوا يزعمون أنهم يتلقون الأخبار عن الجن، وهم فى ذلك كاذبون.
وذكر ابن عاشور فى قوله تعالى:
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (سورة النجم: الآية ٥٠).
«وقرأ الجمهور" وثمودا" بالتنوين على إطلاق اسم جد القبيلة عليها.
وقرأ عاصم وحمزة بدون تنوين على إرادة اسم القبيلة» (١).
وهما قراءتان توافقان خط المصحف، والتفسير بالقراءة الأخرى منهما ترجيح لمعنى قائم فى الآية المذكورة.
وفى قوله تعالى:
رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ سورة الطلاق: الآية ١.
وذكر ابن عاشور:
«وقرأ الجمهور" مبيّنة" بكسر الياء التحتية، أى هى تبين لمن تبلغه أنها فاحشة عظيمة فإسناد التبيين إليها مجازيا باستعارة التبيين للوضوح، أو تبيين لولاة الأمور صدورها من المرأة، فيكون إسناد التبيين إلى الفاحشة مجازا عقليا
стр. 122
وإنما المبين ملابسها وهو الإقرار والشهادة فيحمل فى كل حالة على ما يناسب معنى التبيين.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم مبينة بفتح التحتية، أى كانت فاحشة ببنتها الحجة، أو بينها الخارج ومحمل القراءتين واحد.
ووصفهما بمبينة إما أن يراد به أنها واضحة فى جنس الفواحش. أى فاحشة عظيمة وهذا المقام يشعر بأن عظمها هو عظم ما يأتيه النساء من أمثالها عرف وإما أن يراد به مبينة الثبوت للمدة التى تخرج» (١).
فقراءة الجمهور" مبيّنة" بكسر الياء التحتية وهو ما عليه المصحف الإمام، هى تبين ولى الأمر الذى يقيم الحد بعد الإقرار والشهادة.
والقراءة الأخرى" مبيّنة" بفتح الياء التحتية أى إن كانت فاحشة بينتها الحجة، وهى قراءة توافق خط المصحف، والتفسير بها هنا هو استظهار للمعنى المقصود من الآية.
وذكر فى قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (سورة الإسراء: الآية ٣١).
«وقرأ الجمهور" خطئا"- بكسر الخاء وسكون الطاء بعدها همزة- إى إنما- وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر" خطا" بفتح الخاء وفتح الطاء- والخطأ ضد الصواب، أى أن قتلهم محض خطأ ليس فيه ما يعذر عليه فاعله.
وقرأ ابن كثير" خطاء" بكسر الخاء وفتح الطاء وألف بعد الطاء بعده همزة ممدودا، وهو فعال من خطئ إذا أجرم، وهو لغة فى خطء، وكأن الفعال
стр. 123
فيها للمبالغة، وأكد" إن" لتحقيقه ردا على أهل الجاهلية إذا كانوا يزعمون أن وأد البنات من السداد، ويقولون: دفن البنات من المكرمات، وأكد أيضا بفعل" كان" لإشعار" كان" بأنه كونه إنما أمرا مستقرا» (١).
والقراءة الأولى ما عليه المصحف الإمام، وما قرأه الآخرون وهو مما يوافقه يمكن التفسير به على أن يكون ترجيحا لما تقصده الآية.
٩ - التفسير بأقوال من التوراة والإنجيل:
لم يسلم كثير من كتب التفسير من الاستعانة بالإسرائيليات خصوصا المواطن التى أجمل فيها القرآن أخبار الأمم الماضية والحوادث الغابرة وسير الأنبياء والمرسلين وأحوال الناس معهم.
ومن أمثال هذه الكتب تفسير الطبرى والثعلبى (٢) والبغوى (٣) وابن كثير والزمخشرى (٤) والسيوطى وغيرهم، على اختلاف فى تقبلها، أو التنبيه على زيفها، أو
الالتفات إلى عدم جدوى الكثير منها.
стр. 124
وقد ترجع أسباب الاستعانة بهذه الإسرائيليات عند هؤلاء المفسرين إلى ما ذكره ابن الصلاح: «لا يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فى الأسانيد، ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام لبيان ضعفها فيما سوى صفات الله، وأحكام الشريعة من الحلال والحرام، وغيرهما، وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعبادات» (١).
ومهما يكن من أمر فإن رجال العلم الإسلامى ونقاده قد نبهوا كثيرا إلى ما تحمله هذه الإسرائيليات من خرافات وأباطيل، يقول جولد تسيهر:
«التفسير الذى يرفضه الجادون من الناس بدا فى تحذير أحمد بن حنبل مقترنا فى مجموعة واحدة من الأساطير المحفوفة بالأسرار والخرافات عن الحروب وميادين التصورات الاختيارية مما يعوزه السند المؤيد الذى يتطلبه العلم الدينى الإسلامى منذ عهده المبكر من قديم، شرطا فى المعرفة الجديرة بالوثوق» (٢).
ويقول ابن حزم عن موقف المسلمين من هذه الإسرائيليات وعن الذين نقلت عنهم من بنى إسرائيل:
«فما نزل القرآن والسنة عن النبى- ﷺ بتصديقه
стр. 125
صدقنا به، وما نزل النص بتكذيبه، أو ظهر كذبه كذّبنا به، وما لم ينزل نص بتصديقه أو تكذيبه، وأمكن أن يكون حقا أو كذبا، لم نصدقهم ولم نكذبهم، وقلنا ما أمرنا رسول الله ﷺ أن نقوله، كما قلنا فى نبوة من لم يأتنا باسمه نص» (١).
ولم يلجأ ابن عاشور إلى الإسرائيليات فى تفسيره، واستعان بأقوال من التوراة والإنجيل فى تفصيل ما أجمل من قصص الأنبياء فى القرآن الكريم.
وقد رأينا موقفه من أحاديث فضائل السور ورفضه لها، وموقفه من الأحاديث الضعيفة ونقده للسند أو المتن واعتماده على أوثق مصادر الأحاديث وخصوصا صحيح البخارى وصحيح مسلم، كما رأينا استعانته بأقوال الصحابة والتابعين فى الحدود التى قبلها نقاد العلم الإسلامى أو علماء الأصول.
كذلك رأينا عدم إسرافه فى الاستعانة بأسباب النزول أو المنسوخ من الآيات، ورأيناه كذلك لم يلجأ إلى الحشو والمبالغة فى التفسير بالقصص، واعتمد فى تفسيره بالقراءات على الصحيح أو المشهور منها، أما الشاذ منها فكنت شاهدا لغويا فحسب.
فما هى الضوابط التى وضعها عند استعانته بأقوال من التوراة والإنجيل؟
وقد تعيننا الأمثلة التالية على معرفة هذه الضوابط، ذكر فى تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (سورة البقرة: الآية ٦٧).
стр. 126
«تعرضت هذه الآية لقصة من قصص بنى إسرائيل ظهر فيها من قلة التوقير لنبيهم ومن الإعنات فى المسألة والإلحاح فيها، إما للتعصى من الامتثال، وإما لبعد أفهامهم عن مقصد الشارع ورومهم التوقيف على ما لا قصد إليه.
قيل إن أول هذه القصة هو المذكور بقوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها (١) الآيات، وإن قول موسى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ناشئ عن قتل النفس المذكورة، وإن قول موسى قدم هنا لأن خطاب موسى ﵇ لهم قد نشأ عنه ضرب من مذامهم فى تلقى التشريع وهو الاستخفاف بالأمر حين ظنوه هزؤا والإعنات فى المسألة، فأريد من تقديم جزء القصة تعدد تقريعهم، هكذا ذكر صاحب الكشاف والموجهون لكلامه، ولا يخفى أن ما وجهوا به تقديم جزء القصة لا يقتضى إلا تفكيك القصة إلى قصتين تعنون كل واحدة منهما بقوله:" وإذ" مع بقاء الترتيب، على أن المذام قد تعرف بحكايتها والتنبيه عليها بقوله أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ وقوله وَما كادُوا يَفْعَلُونَ.
فالذى يظهر لى أنهما قصتان أشارت الأولى وهى المحكية هنا إلى أمر موسى إياهم بذبح بقرة، وهذه هى القصة التى أشارت إليها التوراة فى السفر الرابع، وهو سفر التشريع الثانى (تثنية) فى الإصحاح ٢١ أنه «إذا وجد قتيل لا يعلم قاتله فإن أقرب القرى إلى موقع القتيل يخرج شيوخها ويخرجون عجلة من البقرة لم يحرث عليها ولم تنجر بالنير فيأتون بها إلى واد دائم السيلان لم يحرث ولم يزرع ويقطعون عنقها هنالك ويتقدم الكهنة من بنى لاوى فيغسل شيوخ تلك القرية أيديهم على العجلة فى الوادى ويقولون لم تسفك أيدينا هذا الدم ولم تبصر أعيننا سافكه فيغفر لهم الدم» (٢) أ. هـ
стр. 127
وفى قوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا سورة آل عمران: ٣٨.
ذكر ابن عاشور:
«عد هذا فى فضائل مريم، لأنه من جملة ما يزيد فضلها لأن أبا التريبة يكسب خلقه وصلاحه مرباه.
وزكرياء كاهن إسرائيلى اسمه زكرياء من بنى أبيا بن باكر بن بنيامين من كهنة اليهود، جاءته النبوءة فى كبره وهو ثانى من اسمه زكرياء من أنبياء بنى إسرائيل وكان متزوجا امرأة من ذرية هارون اسمها" اليصابات" وكانت امرأته نسيبة مريم كما فى إنجيل لوقا، قيل: كانت أختها، والصحيح أنها كانت خالتها، أو من قرابة أمها، ولما ولدت مريم كان أبوها قد مات فتنازع كفالتها جماعة من أحبار بنى إسرائيل حرصا على كفالة بنت حبرهم الكبير، واقترعوا على ذلك كما يأتى، فطارت القرعة لزكرياء، والظاهر أن جعل كفالتها للأحبار لأنها محررة لخدمة المسجد فيلزم أن تربى تربية صالحة لذلك» (١).
وعن اسم رسول الله- ﷺ والتبشير بدعوته على لسان عيسى ﵇، ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ سورة الصف: الآية ٦.
«ويصح اعتبار" أحمد" تفضيلا حقيقيا فى كلام عيسى ﵇،
стр. 128
أى مسماه أحمد منى، أى أفضل، أى فى رسالته وشريعته، وعبارات الإنجيل تشعر بهذا التفضيل، ففي إنجيل يوحنا فى الإصحاح الرابع عشر «وأنا أطلب من الأب (أى من ربنا) فيعطيكم (فارقليط) آخر ليثبت معكم إلى الأبد روح الحق الذى لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه» ثم قال: وأما الفارقليط الروح القدس الذى سيرسله الأب (الله) باسمى فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم (أى فى جملة ما يعلمكم أن يذكركم بكل ما قلته لكم) وهذا يفيد تفضيله على عيسى بفضيلة دوام شريعته المعبر عنها بقول الإنجيل: «ليثبت معكم إلى الأبد» وبفضيلة عموم شرعه للأحكام المعبر عنه بقوله «يعلمكم كل شىء».
والوصف ب" أحمد" على المعنى الثانى فى الاسم: أن سمعته وذكره فى جيله والأجيال بعده موصوف بأنه أشد ذكر محمود وسمعة محمودة. وهذا معنى قوله فى الحديث: «أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة» وأن الله يبعثه مقاما محمودا.
ووصف" أحمد" بالنسبة إلى المعنى الثالث فى الاسم رمز إلى أنه اسمه العلم يكون بمعنى" أحمد"، فإن لفظ محمد اسم مفعول من حمد المضاعف الدال على كثرة الحامدين إياه كما قالوا: فلان ممدح، إذا تكرر مدحه من مادحين كثيرين.
فاسم" محمد" يفيد معنى: المحمود حمدا كثيرا ورمز إليه بأحمد.
وهذه الكلمة الجامعة التى أوحى الله بها إلى عيسى ﵇ أراد الله بها أن تكون شعارا لجميع صفات الرسول الموعود به ﷺ ، صيغت بأقصى صيغة تدل على ذلك إجمالا بحسب ما تسمح اللغة
стр. 129
بجمعه من معانى. ووكل تفصيلها إلى ما يظهر من شمائله قبل بعثته وبعدها ليتوسمها المتوسمون ويتدبر مطاويها الراسخون عند المشاهدة والتجربة.
جاء فى إنجيل متى فى الإصحاح الرابع والعشرين قول عيسى «ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرا ولكن الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز ببشارة
الملكوت هذه فى كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يكون المنتهى»، ومعنى يكرز: يدعو وينبئ، ومعنى يصير إلى المنتهى: يتأخر إلى قرب الساعة.
وفى إنجيل يوحنا فى الإصحاح الرابع عشر «إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر يثبت معكم إلى الأبد». و (فارقليط) كلمة رومية، أى بوانية تطلق بمعنى المدافع أو المسلح، أى الذى يأتى بما يدفع الأحزان والمصائب، أى يأتى رحمة، أى رسول مبشر، وكلمة أخرى صريحة فى أنه رسول مثل عيسى.
وفى الإصحاح الرابع عشر «والكلام الذى تسمعونه ليس لى بل للذى أرسلنى وبهذا كلمتكم وأنا عندكم (أى مدة وجودى بينكم) وأما (الفارقليط) الروح القدس الذى سيرسله الأب باسمى، فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته (ومعنى" باسمى" أى بصفة الرسالة) لا أتكلم معكم كثيرا لأن رئيس هذا العالم يأتى، وليس له فى شىء ولكن ليفهم العالم أنى أحب الأب وكما أوصانى الأب أفعل».
وفى الإصحاح الخامس عشر منه: «ومتى جاء الفارقليط الذى سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذى من عند الأب ينبثق فهو يشهد لى» (١).
стр. 130
«وقد ورد فى سفر التكوين من التوراة ذكر امرأة نوح مع الذين ركبوا السفينة وذكر خروجها من السفينة بعد الطوفان ثم طوى ذكرها لما ذكر الله بركته نوحا وبنيه وميثاقه معهم فلم تذكر معهم زوجته. فلعلها كفرت بعد ذلك أو لعل نوحا تزوج امرأة أخرى بعد الطوفان لم تذكر فى التوراة» (١).
وعند تحديد ضوابط الاستعانة بمثل هذه الأقوال من التوراة والإنجيل من خلال الأمثلة السابقة فقد ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ... الآية، ما تعرضت له الآية من ذكر قصة من قصص بنى إسرائيل، ثم نوّه بما جاء فى الكشاف والموجهين لكلامه، وأن تقديم جزء القصة لا يقتضى إلا تفكيكها إلى قصتين، الأولى وهى المحكية فى هذه الآية وهى التى أشارت إليها التوراة فى السفر الرابع" سفر الخروج" ثم نقل ابن عاشور نصها.
وفى المثال الثانى كان عن ثانى ما اسمه زكريا من أنبياء بنى إسرائيل وزوجته" اليصابات" كما فى إنجيل لوقا.
وفى المثال الثالث كان عن تبشير عيسى ﵇ ببعثة الرسول- ﷺ وما سيكون لدعوته وشريعته من بقاء ومكانة، كما جاء فحوى عبارات الإنجيل سواء إنجيل يوحنا أم إنجيل متى.
وفى المثال الأخير كان النقل من التوراة عن انطواء ذكر امرأة نوح، وتعليل ابن عاشور لهذا الانطواء.
стр. 131
واستعانة ابن عاشور ببعض ما جاء من التوراة والإنجيل كانت من قبيل تفصيل ما أجمل من القصص القرآنى، وليس لهذه الأقوال من خطر سواء فى العقيدة أم التشريع، كما أنها ليست من قبيل الحشو والاستهواء اللذين نراهما فى الإسرائيليات التى زجّها بعض المفسرين فى كتبهم وقبولها دون تحقيق.
ومهما يكن من أمر فقد أكثر العلماء من التنبيه على خطورة المرويات الإسرائيلية فى كتب التفسير أيا ما كانت اتجاهات أصحابها، وأنسب ما نستطيع التذكير به فى هذا الأمر هو قول الشيخ أحمد محمد شاكر عن مرويات بنى إسرائيل: «إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شىء، وذكر ذلك فى تفسير القرآن وجعله قولا، أو رواية فى معنى الآيات، أو فى تعيين ما لم يعيّن فيها، أو فى تفصيل ما أجمل فيها شىء آخر، لأن فى إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذى لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لقول الله تعالى، ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك، وأن رسول الله ﷺ عند ما أذن بالتحدث عنهم أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم (١) فأى تصديق لروايتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها موضع التفسير والبيان» (٢).
ومن ثم يمكن القول إن ابن عاشور لم يقع فى شرك الإسرائيليات وأكاذيبها، وكانت استعانته بأقوال من التوراة والإنجيل فى الحدود التى تلقى بعض الأضواء على أحداث تاريخية لم يدر حولها خلاف يذكر، أو تمس العقيدة الإسلامية ولا أحكامها، وكانت بعيدة عن الرغبة فى استهواء القراء وجمع الأقوال فحسب، كما يفعل بعض المفسرين الذى استهوتهم هذه الإسرائيليات.
...
стр. 132
تلك هى مقومات التفسير بالرواية عند ابن عاشور فى تفسيره" التحرير والتنوير"، ولم يكن فيها مقلدا يقبل الروايات أو الأقوال دون إعمال العقل، وإنما كان واعيا بقيمة كتب التراث الإسلامى فى ميدان التفسير الذى يمثل جانبا مهما من ضمير الأمة وتاريخها، يتعامل مع هذا التراث بتفتح فكرى، يأخذ منه ما يأخذ، ويرفض منه ما
يرفض، يأخذ من أعلى مصادره توثيقا، وما يتطابق مع الفكر النيّر بعد تحقيق وتحليل، ويرفض ما دون ذلك معللا أسباب الرفض، مقتنعا بالمحتوى الأصيل من هذا التراث، مبتعدا عن سلطان التعوّد والقبول بلا مناقشة.
إن محاولة تصفية جانب كبير من التراث الإسلامى من شوائب كثيرة علقت به تمت فى" التحرير والتنوير" بنجاح لا يمكن إنكاره، ولعل الاسم الذى اختاره ابن عاشور لتفسيره هذا يؤكد عزمه على ذلك بعد وضوح الهدف أمامه، حيث اعتمد تحقيق هذا الهدف على عقل مستنير استطاع به صاحبه النفاذ إلى هذا التراث والإلمام بالتيارات المختلفة التى صاحبت تسجيله، والاتجاهات المتضاربة التى اختلفت عليه ليخرج لنا بأصفى ما يمكن الخروج به من النصوص والمأثورات.
стр. 133
الباب الثالث منهج الطاهر بن عاشور فى التفسير بالدراية
стр. 134
تمهيد:
من المقرر الثابت أن تكون القواعد التالية أمام من يفسر القرآن بالرأى:
- إن مجال الرأى فيما لا نص فيه سواء من القرآن أم من السنة الصحيحة، أم ما أجمع عليه صحابة رسول الله ﷺ .
- العلم الصحيح بما فى القرآن من الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والخاص والعام، والمبين والمبهم، والمقطوع والموصول، والفرائض والأحكام.
- أن تتوفر له الخبرة اللازمة بالأسانيد والمتون ليعرف الصحيح منها والسقيم.
- أن يكون ملما بتاريخ الفقه وأصوله واختلاف أئمة المذاهب الفقهية وأصحابهم، فأعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس.
- العلم بلغة العرب «المفردات والترادف والاشتراك اللغوى والاشتقاق والإعراب والصرف والشعر» والقراءات والبلاغة وعلومها" الفصاحة والبيان والبديع".
- أن يكون منزها عن آراء العوام، بعيدا عن جعل تفسير كتاب الله لحزب أو هوى.
- أن يتمتع بالذوق الكريم، والموهبة اللازمة، والخشوع التام، صادق الرغبة فى الاستعانة بنور الله تعالى (١).
стр. 135
التفسير بالرأى عند ابن عاشور:
فى المقدمة الثالثة من المقدمات العشر التى تصدرت" التحرير والتنوير" كتب ابن عاشور عن التفسير بغير المأثور، ومعنى التفسير بالرأي، حيث طرح سؤالا طويلا فى أول هذه المقدمة ... قال:
«إذ قلت: أراك بما عددت من علوم التفسير تثبت أن تفسيرا كثيرا لم يستند إلى مأثور عن النبى ﷺ ، ولا عن أصحابه، وتبيح لمن استجمع من تلك العلوم حظا كافيا، وذوقا ينفتح له بهما من معانى القرآن ما ينفتح عليه أن يفسر من آى القرآن بما لم يؤثر عن هؤلاء، فيفسر بمعان تقتضيها العلوم التى يستمد منها علم التفسير، وكيف حال التحذير الواقع فى الحديث الذى رواه الترمذى عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال:
«من قال فى القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» (١).
والحديث الذى رواه أبو داود والترمذى والنسائى أن النبى ﷺ قال: «من تكلم فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ»، وكيف محمل ما روى من تحاشى بعض السلف عن التفسير بغير توقيف؟ فقد روى عن أبى بكر الصديق أنه سئل عن «الأبّ فى قوله: وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٢)، فقال:
«أى أرض تقلنى، وأى سماء تظلنى، إذ قلت فى القرآن برأيى»، ويروى عن سعيد بن المسيب والشعبى إحجامهما عن ذلك» (٣).
стр. 136
وذكر فى الإجابة عن ذلك:
«قلت: أرانى كما حسبت أثبت ذلك وأبيحه، وهل اتسعت التفاسير وتفننت مستنبطات معانى القرآن إما رزقه الذين أوتوا العلم من فهم كتاب الله؟ وهل يتحقق قول علمائنا: «إن القرآن لا تتقضى عجائبه» إلا بازدياد المعانى باتساع التفسير؟
ولولا ذلك لكان التفسير مختصرا فى ورقات قليلة، وقد قالت عائشة:
«ما كان رسول الله يفسر من كتاب الله إلا آيات معدودات علمه جبريل إياهن» (١).
ويقول معللا الأسباب التى أدت إلى عدم الركون إلى التفسير بالمأثور فحسب:
«لو كان التفسير مقصورا على بيان معانى مفردات القرآن من جهة العربية لكان التفسير نزرا، ونحن نشاهد كثرة أقوال السلف من الصحابة، فمن يليهم فى تفسير آيات القرآن وما أكثر ذلك الاستنباط برأيهم وعلمهم، قال الغزالى والقرطبى: لا يصح أن يكون كل ما قاله الصحابة فى التفسير مسموعا من النبى- ﷺ لوجهين:
أحدهما: أن النبى ﷺ لم يثبت عنه من التفسير إلا تفسير آيات قليلة، وهى ما تقدم عن عائشة.
ثانيهما: أنهم اختلفوا فى التفسير على وجوه مختلفة لا يمكن الجمع بينها وسماع جميعها» (٢).
ثم يتساءل:
стр. 137
«وهل استنباط الأحكام التشريعية من القرآن فى خلال القرون الثلاثة الأولى من قرون الإسلام إلا من قبيل التفسير لآيات القرآن بما لم يسبق تفسيرها به قبل ذلك؟ وهذا الإمام الشافعى يقول: تطلبت دليلا على حجية الإجماع فظفرت به فى قوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً» (١).
ويقول عن المحاذير التى جعلت أمام من يفسر القرآن بالرأى:
«وأما الجواب عن الشبهة التى نشأت من الآثار المروية فى التحذير من تفسير القرآن بالرأى فمرجعه إلى خمسة وجوه» (٢).
وهذه الوجوه تدور حول ألا يكون المراد بالرأى هو القول عن مجرد خاطر دون الاستناد إلى نظر فى أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها، وألا يتدبر المفسر القرآن حق تدبره، فيفسره بما يخطر له من بادئ الرأى دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير، أو أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأول القرآن وفق رأيه ويصرفه عن المراد، أو يفسر القرآن برأى مستند إلى ما تقتضيه اللفظة، ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره لما فى ذلك من تضييق على المتأولين، وأخيرا أن يكون القصد من التحذير أخذ الحيطة فى التدبر والتأويل ونبذ التسرع إلى ذلك.
ويقول عن موقف التابعين فى التفسير، وعن بعض المفسرين الذين التزموا بالآثار المروية، وعن بعضهم الآخر الذين نحوا بتفاسيرهم إلى التفسير بغير المأثور:
стр. 138
«إن التابعين قالوا أقوالا فى معانى القرآن لم يسندوها ولا ادعوا أنها محذوفة الأسانيد، وقد اختلفت أقوالهم فى معانى آيات كثيرة اختلافا ينبئ إنباء واضحا بأنهم إنما تأولوا تلك الآيات من أفهامهم كما يعلمه من له علم بأقوالهم، وهى ثابتة فى تفسير الطبرى ونظرائه، وقد التزم الطبرى فى تفسيره أن يقتصر على ما هو مروى عن الصحابة والتابعين، لكنه لا يلبث فى كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب، وحسبه بذلك تجاوزا لما حدده من الاقتصار على التفسير بالمأثور وذلك طريق ليس بنهج، وقد سبقه إليه بقى بن مخلد ولم نقف على تفسيره، وشاكل الطبرى فيه معاصروه، مثل ابن حاتم وابن مردويه والحاكم، فلله در الذين لم يحبسوا أنفسهم فى تفسير القرآن على ما هو مأثور مثل الفراء وأبى عبيدة من الأولين، والزجاج والرّمانى ممن بعدهم، ثم الذين سلكوا طريقهم مثل الزمخشرى وابن عطية» (١).
وهذه ضوابط استخلصها ابن عاشور من المراحل المتعاقبة لتاريخ التفسير التى تنوعت فيها أدوات المفسرين واتجاهاتهم، خصوصا أصحاب الاتجاهات الإخبارية والنزعات الحزبية، أو الإشارات الصوفية أو القصصية، وأقحموا فى التفسير ما لا خير فيه، وجاءوا بالموضوعات والإسرائيليات، وابتعدوا عن أصالة العربية ومقاصد الشريعة، وضيقوا معانى الآية، واستباحوا لأنفسهم أن يقولوا دون علم أو تأويل صحيح.
أما هؤلاء الذين خلصت نياتهم وسلمت قلوبهم واكتملت أدواتهم وقدراتهم والذين عرفهم تاريخ التفسير من صحابة وتابعين ومفسرين فلهم أن يقولوا بما هداهم الله إليه، وقد راح ابن عاشور وفق هذه الضوابط التى انتهى إليها فى (التفسير بالرأى) يفسر آيات الكتاب الكريم، يستعين أولا بمقومات
стр. 139
التفسير بالمأثور يتصدرها تفسير القرآن بالقرآن فيما يحمل بعض آياته على بعض، ثم بما صحّ من أحاديث وآثار، ثم راح بعد ذلك يكشف بعض أبعاد الآية وإيحاءات ألفاظها مستغلا خصائص العربية وإمكاناتها فى هذا الكشف من حيث تركيب المفردات وصياغة الجمل والفوارق الإعرابية، وما يمثل العرب فى سننهم وكلامهم.
ولا يتوقف (التفسير بالرأى) عند ابن عشور عند هذا الحد، بل يتعداه إلى الاستعانة بأقوال أئمة المذاهب الفقهية وأصحابهم، وأقوال الفلاسفة وأصحاب الدراسات البيانية، وآراء أصحاب العلوم الحديثة فى بيان معنى الآية، أو ما يمكن أن يكون معناها.
ومقومات التفسير بالرأى عند ابن عاشور:
أولا: الشعر .
ثانيا: اللغة:
أ- الألفاظ
ب- الأعراب
ثالثا: الاستعانة بعلوم البلاغة
رابعا: الاستعانة بأقوال فقهاء الأمصار فى تفسير آيات الأحكام
خامسا: الاستعانة بأقوال الفلاسفة وعلماء الهيئة
أولا: الشعر:
احتل الشعر مكانة بارزة فى التحرير والتنوير، وقد مرّ بنا فى الباب الأول من هذه الدراسة بعض أسماء الشعراء الذين ذكرهم ابن عاشور فى تفسيره، والواقع أن الشعراء الذين احتج ابن عاشور بأشعارهم كانوا من الكثرة التى يصعب حصرها، ووجدنا- على سبيل المثال- فى المجلد الأول" ٨٤٨ ص"
стр. 140
أكثر من مائة وأربعين شاعرا بعد استبعاد الأسماء المكررة، فآثرنا أن نذكر بعضهم فى الباب الأول بعد مراعاة عصورهم، ثم نأتى ببعض الأمثلة فيما تناوله ابن عاشور فى تفسيره كله آخذين بعين الاعتبار عصور الشعر المختلفة.
ولا بدّ أن نقرر- فى صدد هذا الباب- أن استخدام ابن عاشور للتفسير بالرواية بكل مقوماته لم ينفصل عن التفسير بالدراية بكل لوازمه، وما جاء من أمثلة سابقة أو لا حقة كان من قبيل تصنيف مقومات التفسير فى" التحرير والتنوير".
ومن وجوه الاختلاف التى وقعت فى الاحتجاج بالشعر ما جاء فى الإتقان:
«قال أبو بكر بن الأنبارى: قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن، ومشكله بالشعر، وأنكر جماعة لا علم لهم على النحويين ذلك، قالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن، قالوا:
وكيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم فى القرآن والحديث، قال: ليس الأمر كما زعموه من أنّا جعلنا الشعر أصلا للقرآن، بل أردنا تبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى قال: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا (١)، وقال: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (٢)، وقال ابن عباس: الشعر ديوان العرب، فإذا أخفى علينا الحرف من القرآن الذى أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه» (٣).
стр. 141
وقد ذهب ابن عاشور فى تفسيره يحتج بالشعر فى تبيين الحرف الغريب فى القرآن وبعض الاستعمالات اللغوية عند العرب ومما احتج به من شعر الحارث بن حلزة (١)، والنابغة (٢)، وغاوى بن ظالم أو عباس بن مرداس (٣) فى لفظ" رب" من قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ (سورة الفاتحة: الآية ١).
قال ابن عاشور:
«والعرب لم تكن تخص لفظ الرب به تعالى لا مطلقا ولا مقيدا، قال الحارث بن حلزة:
وهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين والبلاء بلاء
يعنى عمرو بن هند، وقال النابغة فى النعمان بن الحارث:
تخبّ إلى النعمان حتى تناله ... فدى لك من رب طريقى وتالدى
وقال فى النعمان بن المنذر حين مرض:
وربّ عليه الله أحسن صنعه ... وكان له على البرية ناصرا
وقال صاحب الكشاف ومن تابعه: إنه لم يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا، ولم يأتوا على ذلك بسند، وقد رأيت أن الاستعمال بخلافه، أما إطلاقه على كل آلهتهم فلا مرية فيه كما قال غاوى بن ظالم، أو عباس بن مرداس:
стр. 142
أربّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب
وسموا العزى الرّبة، وجمعه أرباب أدلّ دليل على إطلاقه على متعدد، فكيف تصح دعوى تخصيص إطلاقه عندهم بالله تعالى، وأما إطلاقه مضافا أو متعلقا بخاص فظاهر وروده بكثرة نحو: رب الدار، رب الفرس، ورب بنى فلان» (١).
وهو فى هذا المثال لم يتبع صاحب الكشاف، أو غيره من المفسرين (٢)، وأهل اللغة فى إطلاق" الرب" على غير الله تعالى إلا مقيدا، نحو رب الدار، ورب الفرس ... ، وذكر ابن عاشور إنهم لم يأتوا على ذلك بسند، وهو فيما ساقه من شواهد شعرية قد ذهب إلى أن العرب قد أطلقوا" الرب" مجردا من الإضافة إلى الأشخاص، أو بعض آلهتهم قبل الإسلام، وجمعه على أرباب أدلّ دليل على ذلك.
ومن شعر عبيد بن الأبرص (٣).
وفى دلالة" قد" الداخلة على الفعل المضارع، ذكر فى قوله تعالى:
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (سورة البقرة: الآية ١٤٤).
стр. 143
«وجيء بالمضارع مع" قد" للدلالة على التجدد، والمقصود تحدد لازمه ليكون تأكيدا لذلك اللازم وهو الوعد، فمن أجل ذلك غلب على" قد" الداخلة على المضارع أن تكون للتكثير مثل ربما يفعل، كما قال عبيد بن الأبرص.
قد أترك القرن مصفرا أنامله ... كأنّ أثوابه مجت بفرصاد» (١)
من شعر زهير (٢)، ومالك بن الريب (٣).
فى التعبير عن المستقبل بأحداث لم تقع بعد، لغرض استحضار السامع لها على هيئة مخصوصة، ذكر ابن عاشور فى قوله تعالى:
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (سورة البقرة: الآية ١٧٥).
«وقوله فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ تعجيب من شدة صبرهم على عذاب النار، ولما كان شأن التعجيب أن يكون ناشئا عن مشاهدة صبرهم على العذاب، وهذا الصبر غير حاصل فى وقت نزول هاته الآية بنى التعجيب على تنزيل غير الواقع منزلة الواقع لشدة استحضار السامع إياه بما وصف به من الصفات الماضية، وهذا من طرق جعل المحقق الحصول فى المستقبل بمنزلة الحاصل، ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضى وتنزيل المتخيل منزلة المشاهد كقول زهير:
стр. 144
تبصر خليلى هل ترى من ظعائن ... تحملنى بالعلياء من فوق جرثم
بعد أن ذكر إنه وقف بالدار بعد عشرين حجة، وقول مالك بن الريب.
دعانى الهوى من أهل ودى وحيرتى ... بذى الطيسين فالتفت ورائيا
وقريب منه قوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (١) على جعل" لَتَرَوُنَّ" جواب" لو" (٢)، ومن شعر" الأحوص" (٣).
وفى كون فعل" الخوف" بتعدى لمفعول واحد ومفعولين، ذكر فى تفسير قوله تعالى:
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (سورة الأعراف: الآية ٥٩).
«وفعل الخوف يتعدى نفسه إلى الشيء المخوّف منه، ويتعدى إلى مفعول ثان بحرف" على" إذا كان الخوف من خبر يلحق غير الخائف، كما قال الأحوص:
فإذا تزول تزول على متخرط ... نخشى بوادره على الأقران» (٤)
ومن شعر" كعب بن زهير" (٥).
стр. 145
ذكر ابن عاشور فى معنى" قاصِراتُ الطَّرْفِ" وما شاع من هذا الوصف، فى قوله تعالى:
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (سورة الرحمن:
الآية ٥٦).
«وقاصرات الطرف: صفة لموصوف محذوف تقديره نساء، وشاع المدح بهذا الوصف فى الكلام حتى نزل منزلة الاسم، ف" قاصِراتُ الطَّرْفِ" نساء فى نظرهن مثل القصور، والغض خلقة فيهن، وهذا نظير ما يقول الشعراء من المولدين مراض العيون، أى: مثل المراض خلقة، والقصور مثل الغض من صفات عيون المها والظباء، قال كعب بن زهير:
وما سعاد غداة البين إذا رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول» (١)
وقد أكثر ابن عاشور فى تفسيره كله من ذكر الشواهد الشعرية فى العصر الجاهلى، ومن الشعراء الذين أتى بأبياتهم:
المتلمس، وحاتم بن عبد الطائى، وأبو الطمحان القينى، وحميد بن ثور، وعمرو بن معد يكرب، وسحيم بن وثيل، وعنترة العبسى، وأوس بن حجر، ولبيد بن ربيعة العامرى، وامرؤ القيس، وذو الإصبع العدوانى، والوليد بن المغيرة، وعروة بن أذنية، وعلقمة بن عبدة الملقب بالفحل، والمعلوط القويعى، وعمرو بن البراقة النهمى، وقيس بن الحطيم، وبشامة بن حزن، والحرث بن كلدى، والخطيل بن أوس، وغيرهم كثيرون.
ومن شعراء العصر الأموى الفرزدق (٢) وجرير (٣).