← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38095

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير

نبيل أحمد صقر

Полный текст (319 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد ذهب ابن عاشور فى تفسيره يحتج بالشعر فى تبيين الحرف الغريب فى القرآن وبعض الاستعمالات اللغوية عند العرب ومما احتج به من شعر الحارث بن حلزة (١)، والنابغة (٢)، وغاوى بن ظالم أو عباس بن مرداس (٣) فى لفظ" رب" من قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ (سورة الفاتحة: الآية ١). قال ابن عاشور: «والعرب لم تكن تخص لفظ الرب به تعالى لا مطلقا ولا مقيدا، قال الحارث بن حلزة: وهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين والبلاء بلاء يعنى عمرو بن هند، وقال النابغة فى النعمان بن الحارث: تخبّ إلى النعمان حتى تناله ... فدى لك من رب طريقى وتالدى وقال فى النعمان بن المنذر حين مرض: وربّ عليه الله أحسن صنعه ... وكان له على البرية ناصرا وقال صاحب الكشاف ومن تابعه: إنه لم يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا، ولم يأتوا على ذلك بسند، وقد رأيت أن الاستعمال بخلافه، أما إطلاقه على كل آلهتهم فلا مرية فيه كما قال غاوى بن ظالم، أو عباس بن مرداس:

стр. 142

أربّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب وسموا العزى الرّبة، وجمعه أرباب أدلّ دليل على إطلاقه على متعدد، فكيف تصح دعوى تخصيص إطلاقه عندهم بالله تعالى، وأما إطلاقه مضافا أو متعلقا بخاص فظاهر وروده بكثرة نحو: رب الدار، رب الفرس، ورب بنى فلان» (١). وهو فى هذا المثال لم يتبع صاحب الكشاف، أو غيره من المفسرين (٢)، وأهل اللغة فى إطلاق" الرب" على غير الله تعالى إلا مقيدا، نحو رب الدار، ورب الفرس ... ، وذكر ابن عاشور إنهم لم يأتوا على ذلك بسند، وهو فيما ساقه من شواهد شعرية قد ذهب إلى أن العرب قد أطلقوا" الرب" مجردا من الإضافة إلى الأشخاص، أو بعض آلهتهم قبل الإسلام، وجمعه على أرباب أدلّ دليل على ذلك. ومن شعر عبيد بن الأبرص (٣). وفى دلالة" قد" الداخلة على الفعل المضارع، ذكر فى قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (سورة البقرة: الآية ١٤٤).

стр. 143

«وجيء بالمضارع مع" قد" للدلالة على التجدد، والمقصود تحدد لازمه ليكون تأكيدا لذلك اللازم وهو الوعد، فمن أجل ذلك غلب على" قد" الداخلة على المضارع أن تكون للتكثير مثل ربما يفعل، كما قال عبيد بن الأبرص. قد أترك القرن مصفرا أنامله ... كأنّ أثوابه مجت بفرصاد» (١) من شعر زهير (٢)، ومالك بن الريب (٣). فى التعبير عن المستقبل بأحداث لم تقع بعد، لغرض استحضار السامع لها على هيئة مخصوصة، ذكر ابن عاشور فى قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (سورة البقرة: الآية ١٧٥). «وقوله فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ تعجيب من شدة صبرهم على عذاب النار، ولما كان شأن التعجيب أن يكون ناشئا عن مشاهدة صبرهم على العذاب، وهذا الصبر غير حاصل فى وقت نزول هاته الآية بنى التعجيب على تنزيل غير الواقع منزلة الواقع لشدة استحضار السامع إياه بما وصف به من الصفات الماضية، وهذا من طرق جعل المحقق الحصول فى المستقبل بمنزلة الحاصل، ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضى وتنزيل المتخيل منزلة المشاهد كقول زهير:

стр. 144

تبصر خليلى هل ترى من ظعائن ... تحملنى بالعلياء من فوق جرثم بعد أن ذكر إنه وقف بالدار بعد عشرين حجة، وقول مالك بن الريب. دعانى الهوى من أهل ودى وحيرتى ... بذى الطيسين فالتفت ورائيا وقريب منه قوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (١) على جعل" لَتَرَوُنَّ" جواب" لو" (٢)، ومن شعر" الأحوص" (٣). وفى كون فعل" الخوف" بتعدى لمفعول واحد ومفعولين، ذكر فى تفسير قوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (سورة الأعراف: الآية ٥٩). «وفعل الخوف يتعدى نفسه إلى الشيء المخوّف منه، ويتعدى إلى مفعول ثان بحرف" على" إذا كان الخوف من خبر يلحق غير الخائف، كما قال الأحوص: فإذا تزول تزول على متخرط ... نخشى بوادره على الأقران» (٤) ومن شعر" كعب بن زهير" (٥).

стр. 145

ذكر ابن عاشور فى معنى" قاصِراتُ الطَّرْفِ" وما شاع من هذا الوصف، فى قوله تعالى: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (سورة الرحمن: الآية ٥٦). «وقاصرات الطرف: صفة لموصوف محذوف تقديره نساء، وشاع المدح بهذا الوصف فى الكلام حتى نزل منزلة الاسم، ف" قاصِراتُ الطَّرْفِ" نساء فى نظرهن مثل القصور، والغض خلقة فيهن، وهذا نظير ما يقول الشعراء من المولدين مراض العيون، أى: مثل المراض خلقة، والقصور مثل الغض من صفات عيون المها والظباء، قال كعب بن زهير: وما سعاد غداة البين إذا رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول» (١) وقد أكثر ابن عاشور فى تفسيره كله من ذكر الشواهد الشعرية فى العصر الجاهلى، ومن الشعراء الذين أتى بأبياتهم: المتلمس، وحاتم بن عبد الطائى، وأبو الطمحان القينى، وحميد بن ثور، وعمرو بن معد يكرب، وسحيم بن وثيل، وعنترة العبسى، وأوس بن حجر، ولبيد بن ربيعة العامرى، وامرؤ القيس، وذو الإصبع العدوانى، والوليد بن المغيرة، وعروة بن أذنية، وعلقمة بن عبدة الملقب بالفحل، والمعلوط القويعى، وعمرو بن البراقة النهمى، وقيس بن الحطيم، وبشامة بن حزن، والحرث بن كلدى، والخطيل بن أوس، وغيرهم كثيرون. ومن شعراء العصر الأموى الفرزدق (٢) وجرير (٣).

стр. 146

ذكر فى تعدية الفعل نبأ وأنبأ من قوله تعالى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (سورة التحريم: الآية ٣). «واعلم أن نبأ وأنبأ مترادفان وهما بمعنى أخبر وأن حقهما التعدية على مفعول واحد لأجل ما فيهما من همزة التعدية أو التضعيف، وإن كان لم يسمع فعل مجرد لهما، وهو مما أميت فى كلامهم استغناء بفعل علم، والأكثر أن يتعديا إلى ما زاد على المفعول بحرف جر نحو: نبأت به، وقد يحذف حرف الجر فيعديان إلى مفعولين، كقوله هنا: «من أنبأن هذا» أى بهذا، وقول الفرزدق: نبئت عبد الله بالجو أصبحت ... كراما مواليها لئاما ما صميها حمله سيبويه على حذف الحرف، وقد يضمنان معنى: اعلم، فيعديان إلى ثلاثة مفاعيل كقول النابغة: نبئت زرعة والسفاهة كاسمها ... يهدى إلى غرائب الأشعار» (١) وفى قوله تعالى: إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً* لِلطَّاغِينَ مَآباً* لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (سورة النبأ، الآية ٢١، ٢٢، ٢٣). ذكر ابن عاشور: «ودخول حرف" إن" فى خبر" إن" يفيد تأكيدا على التأكيد الذى أفاده حرف التأكيد الداخل على قوله يَوْمَ الْفَصْلِ» (٢)، على حد قول جرير:

стр. 147

إن الخليفة إن الله سربله ... سربال ملك به ترجى الخواتيم ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (١)، وتكون الجملة من تمام ما خوطبوا بقوله: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (٢). وفى معنى" الوسوسة" احتج ببيت رؤبة بن العجاج الراجز (٣) فى قوله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما (سورة الأعراف: الآية ٢٠). ذكر ابن عاشور: «كانت وسوسة الشيطان بقرب نهى آدم عن الأكل من الشجرة، فعبّر عن القرب بحرف التعقيب إشارة إلى أنه قرب قريب لأن التعقيب كل شىء بحسبه. والوسوسة الكلام الخفى الذى لا يسمعه إلا المدانى للمتكلم، قال رؤية يصف صائدا: وسوس يدعو جاهدا رب الفلق ... سرا وقد أون تأوين العقق» (٤) وهكذا كان الشعر عند ابن عاشور من الوسائل التى تكشف عن معنى كلمة، أو توضيح دلالة، أو بيان أثر الحروف الزائدة على الفعل المجرد، أو التنبيه عن الاستعمالات اللغوية المختلفة لبعض الصيغ التى اشتهرت فى العربية.

стр. 148

وهو فى كل ذلك ينسب البيت إلى صاحبه، وقد يذكر المناسبة التى قيلت فيه، زيادة فى البيان، وربما ذكر أكثر من شاهد على ما يذهب إليه سعيا إلى توكيد عموم الاستخدام واطراده، لا حالة قائمة بذاتها. وشواهده- كما رأينا- تمثل عصور الاحتجاج" الجاهلى وصدر الإسلام والأموى" والتى عليها علماء اللغة وفنونها المختلفة من حيث الاحتجاج بها ما دامت خالصة من الشوائب والاختلاط، وبقى لها صفاؤها الذى نقلته الأجيال، حريصة عليه، حارسة له. وابن عاشور فيما نقله من شواهد نجده لم يحتج بأبيات مجهولة، كما أنه لم يحتج ببيت أو أكثر على روايات مختلفة تطرق إليها الاحتمال، أو تلجأ إليها الضرورة الشعرية، كما أن استخدامه لهذه الشواهد آزره الاحتجاج بنصوص قرآنية، وأمثال عرفها التراث العربى الجاهلى من الكلام الفصيح. ومن شعراء ما بعد عصور الاحتجاج الذين جاء ابن عاشور بذكرهم: المتنبى، وأبو العلاء المعرى، وابن العميد، والحسن بن طباطبا، وابن الرومى، وأبو فراس الحمدانى، وأبو تمام ... وغيرهم. ومن خلال الأمثلة التالية يمكن التعرف على المواطن التى استعان ابن عاشور فيها بشعر هؤلاء، أو بغيرهم ممن جاءوا بعد عصور الاحتجاج: ذكر فى معنى" العبادة" وسرها وتأثيرها عند تفسير قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (سورة الفاتحة: الآية ٥). «لا شك أن داعى العبادة التعظيم والإجلال، وهو إما عن محبة أو عن خوف، وأهمه ما كان عن محبة لأنه يرضى نفس فاعله، قال: أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علىّ ولكن ملء عين حبيبها

стр. 149

هى تستلزم الخوف من غضب المحبوب، قال محمود الوراق، أو منصور الفقيه: تعصى الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمرى فى القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع ولذلك قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (١)، فذلك يشعر بأن اتباع الشريعة يوجب محبة الله وأن المحب يود أن يحبه حبيبه كما قال المتنبى: أنت الحبيب ولكنى أعوذ به ... من أن تكون محبا غير محبوب وإلى هذا النوع ترجع عبادة أكثر الأمم، ومنها العبادة المشروعة فى جميع الشرائع لأنها مبنية على حب الله تعالى، وكذلك عبادة المشركين أصنامهم، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ (٢). ومن الأمم من عبدت عن خوف دون محبة، وإنما هو لاتقاء شر كما عبدت بعض الأمم الشياطين، وعبدت المانوية من المجوس المعبود" أهرمن" وهو عندهم رب الشر والضر، ويرمزون إليه بعنصر الظلمة وأنه تولد من خاطر سوء خطر للرب" يزدان" إله الخير، قال المعرى: فكّر يزدان على غيره ... فصيغ من تفكيره أهرمن» (٣)

стр. 150

وعند تفسيره لقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (سورة البقرة: الآية ١٨). ذكر: «قال صاحب الكشاف: فإن قلت هل يسمى ما فى الآية استعارة؟ قلت: مختلف فيه، والمحققون على تسميته تشبيها بليغا لا استعارة، لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون» أ. هـ أى لأن الاستعارة تعتمد على لفظ المستعار منه، أو المستعار له فى جملة الاستعارة، فمتى ذكرا معا فهو تشبيه، ولا يضر ذكر لفظ المستعار له فى غير جملة الاستعارة لظهور أنه لولا العلم بالمستعار له فى الكلام لما ظهرت الاستعارة، ولذلك اتفقوا على أن قول ابن العميد: قامت تظللنى من الشمس ... نفس أعز علىّ من نفسى قامت تظللنى ومن عجب ... شمس تظللنى من الشمس إن قوله" شمس" استعارة، ولم يمنعهم من ذلك ذكر المستعار له قبل قوله" نفس أعز" وضميرها فى قوله" قامت تظللنى"، وكذا إذا كان لفظ المستعار غير مقصود ابتناء التشبيه عليه لم يكن مانعا من الاستعارة كقول أبى الحسن بن طباطبا: لا تعجبوا من يلى غلالته ... قد ذرّ أزراره على القمر فإن الضمير لم يذكر ليبنى عليه التشبيه، بل جاء التشبيه عقبه» (١). وعن شروط التأويل الصحيح ذكر فى تفسيره لقوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (سورة البقرة: ٤٢)

стр. 151

«إن التأويل لا يصح إلا إذا دلّ عليه دليل قوى، أما إذ وقع التأويل لما يظن أنه دليل فهو تأويل باطل، فإن وقع بلا دليل أصلا فهو لعب لا تأويل، ولهذا نهى الفقهاء عن اقتباس القرآن فى غير المعنى الذى جاء له كما قال ابن الرومى: لئن أخطأت فى مدحي ... ك ما أخطأت فى منعى لقد أنزلت حاجاتى ... بواد غير ذى زرع» (١) وفى معنى" الطَّرْفِ" ذكر عند تفسيره لقوله تعالى: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ* لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (سورة آل عمران: ١٢٦ إلى ١٢٨). «والطرف- بالتحريك- يجوز أن يكون بمعنى الناحية، ويخص بالناحية التى هى منتهى المكان، قال أبو تمام: كانت هى الوسط المحمى فاتصلت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا فيكون استعارة لطائفة من المشركين كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها (٢). ويجوز أن يكون المعنى الجزء المتطرف من الجسد كاليدين والرجلين

стр. 152

والرأس فيكون مستعارا هنا لإشراف المشركين، أى ليقطع من جسم المشرك أهم أعضائه، أى ليستأصل صناديد الذين كفروا، وتنكير (طرفا) للتفخيم (١). وكل ذلك معان جديدة لم تأت فى شعر عصور الاحتجاج، وإنما عرفها الشعر بعد ذلك، حيث نضجت علوم البلاغة وألوان التعبير وموضوعاته المختلفة، فلم يكن للمحبوب هيبة الإجلال فى العصر الجاهلى أو ما تلاه من عصور الاحتجاج، كما لم يكن هناك محبة الخالق التى توجب اتباع شريعته، أو تصوير لأحوال بعض الأمم التى عبدت آلهتها عن خوف دون محبة مثلما ورد فى تفسير قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وفى المثال الثانى عند تفسير قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ وما فيه من تشبيه بليغ كما أجمع عليه أصحاب البلاغة، حيث استعان ابن عاشور ببيتى ابن العميد فى توضيح ما ذهب إليه هؤلاء، فمتى ذكر المستعار منه، أو المستعار له فى جملة الاستعارة فهو تشبيه، وإذا كان المستعار غير مذكور ابتنى التشبيه عليه، ولم يكن ذلك مانعا من الاستعارة كما جاء فى بيت أبى الحسن بن طباطبا وذلك من فنون البديع التى نضجت فى عصر ابن المعتز (٢) وقدامة بن جعفر (٣)، وأبى الهلال العسكرى (٤).

стр. 153

وفى المثال الثالث ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ ... الآية، شروط التأويل الصحيح، فقوله تعالى ينهى عن خلط الحق بالباطل، لذا نهى الفقهاء عن الاقتباس من القرآن فى غير المعنى الذى جاء له، ومثل ابن عاشور هذا الحال ببيتى ابن الرومى، فإذا كان مديح لصاحبه خطأ، فلم يكن هناك خطأ فى منعه، وحاله فى ذلك شبيه يحسن حط رحاله فى واد قفر لا زرع ولا حياة فيه مثله كمن يؤوّل القرآن فى غير معناه. وفى المثال الرابع فى تفسير معنى" الطَّرْفِ"، فى قوله تعالى: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا فهو بمعنى الناحية الذى هو منتهى المكان، كما يقول: طرف المدينة، وهو هنا مستعار لطائفة من المشركين، ويجوز أن يكون لأشرافهم، وبيت أبى تمام المذكور معناه: إن المكان المحمى كان فى الوسط، وتتابع الأصداف عليه حصلته بعيدا، كذا استئصال هؤلاء الذين يمثلون اليدين والرجلين والرأس من جسد الشرك. نخلص من ذلك إلى أن توظيف الشعر عند ابن عاشور كان على النحو التالى: - كان شعر عصور الاحتجاج كاشفا عن معنى المفردات القرآنية، أو كيفية الاستعمالات اللغوية وأحوالها المختلفة كما عرفها الكلام العربى الفصيح (١).

стр. 154

- أما الشعر الذى تخطى عصور الاحتجاج فكان الشعراء قد رسخت أقدامهم فى العربية، وتقدمتهم دراسات بلاغية مختلفة حيث تأثر شعرهم باتجاهاتها الجديدة وموضوعاتها المستحدثة، فأخذوا ينشدون أشعارهم وفق معايير نقدية جديدة، واخترعوا أغراضا لم تظهر على ساحة التعبير الشعرى من قبل، واحتاجوا إلى صور فيها من الفطنة والتأمل والتجربة والظلال والألوان وحركات النفس الداخلية ما يسمح بالتعبير عن أشواق الإنسان وعواطفه العليا وذوقه الخالص من التكلف والمبالغة، ودعتهم روح العصر إلى التعبير عن صورهم بوسائل جديدة، ومسالك طريفة يظهرون فيها استقلالهم عن الأشكال الشعرية التقليدية، والمضامين والأشكال والأفكار التى لا توافق زمانهم. وقد أعان هذا الشعر الجديد ابن عاشور فى توضيح بعض الجوانب البلاغية للآية، فالقرآن لا تنقضى عجائبه، ولكل عصر أدواته التى يحاول بها الوصول إلى مكنون بعض هذه العجائب. ثانيا: اللغة: أ- الألفاظ: لم يشغل الحديث عن اللغة فى المقدمات العشر فى التحرير والتنوير جزءا خاصا به، وقد يرجع ذلك لدورها البارز فى كل ما ذكره ابن عاشور فى هذه المقدمات، فهى جانب مهم فيما تناوله فى المقدمة الأولى [فى التفسير والتأويل وكون التفسير علما] وفى المقدمة الثانية [فى استمداد علم التفسير] وفى الثالثة [فى صحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأى] وفى السادسة [فى القراءات] وفى التاسعة [فى أن المعانى التى تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة بها] وفى العاشرة [فى إعجاز القرآن].

стр. 155

وقد أوضح ابن عاشور دور اللغة فى المقدمات المذكورة هذه وعلاقتها بما عنون به كل مقدمة، وقام تفسيره على حيوية هذا الدور وتداخله، فما ترك من آية إلا واستوفى الجانب اللغوى حقه، يتناول كل كلمة منها، يفصل القول فيها من كل جانب لغويا كان أو شرعيا، حقيقة أو مجازا، يستعين بكل ما يمكن الاستعانة به من قرآن وحديث وشعر وقول مفسر. وعالم لغة أو غير ذلك من الشواهد، ومن وراء ذلك كله ثقافته الواسعة فى هذا الميدان، وبعد حديثه عن الكلمة من حيث دلالتها اللغوية أو الشرعية يذكر موقع الجملة التى جاءت فيها هذه الكلمة فى الإعراب ووجه العلاقة بينها وبين الجملة التالية لها، فالسورة عنده تمثل وحدة عامة مهما كان تعدد أغراضها. ومما ذكره فى" المقدمة الثانية" فى بيان دور اللغة وقواعد العربية وعلاقتهما بفهم معانى القرآن. «أما العربية فالمراد منها معرفة مقاصد العرب من كلامهم وأدب لغتهم سواء حصلت تلك المعرفة بالسجية والسليقة، كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم، أم حصلت بالتلقى والتعلم كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين شافهوا بقية العرب ومارسوهم، والمولدين الذين درسوا علوم اللسان ودونوها. إن القرآن كلام عربى فكانت قواعد العربية طريقا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم، لمن ليس بعربى بالسليقة، ونعنى بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربى، وهى: متن اللغة، والتصريف، والنحو، والمعانى، والبيان، ومن وراء ذلك استعمال العرب المتّبع من أساليبهم فى خطبهم وأشعارهم وتراكيب بلغائهم» (١).

стр. 156

وتعيننا هذه الفقرة على ترسّم خطى ابن عاشور فى تفسيره اللغوى، فقواعد العربية طريق لفهم معانى القرآن، وما تعنيه هذه القواعد من مجموع علوم اللسان العربى، وهى متن اللغة والتصريف والنحو والمعانى والبيان فضلا عما استعمله العرب فى أساليبهم فى الخطب والشعر وتراكيب البلغاء منهم. وقد قدّمنا الحديث عن" الشعر" لأنه أخطر ما دونه العرب على لسانهم وأكثر أنواع البيان بقاء وانتشارا. وفى سبيل تحديد الأسس التى قام عليها تفسيره للألفاظ نأتى بهذا المثال، ثم بأمثلة أخرى تفصّل أبعاد هذا التفسير، وطريقة تناوله لصور الألفاظ المختلفة. قال فى تفسير لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، من قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (سورة البقرة: الآية ١، ٢) «حال من الكتاب أو خبر أول أو ثان، والريب الشك، وأصل الريب القلق واضطراب النفس، وريب الزمان وريب المنون نوائب ذلك، قال الله تعالى: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (١)، ولما كان الشك يلزمه اضطراب النفس وقلقها غلب عليه الريب فصار حقيقة عرفية، يقال رابه الشيء إذا شككه أى يجعل ما أوجب الشك فى حاله، فهو متعد، ويقال أرابه كذلك إذ الهمزة لم تكسبه تعدية زائدة، فهو مثل لحق وألحق، وزلقه، وأزلقه، وقد قيل إن أراب أضعف من راب، أراب بمعنى قرّبه من أن يشك، قاله أبو زيد، وعلى التفرقة قال بشار:

стр. 157

أخوك الذى إن ربته قال إنما ... أرتب وإن عاتبته لان جانبه (١) وفى الحديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» أى دع الفعل الذى يقربك من الشك فى التحريم إلى فعل آخر لا يدخل عليك فى فعله شك فى أنه مباح (٢). ويعنى ابن عاشور هنا بتوضيح معنى" الريب" وأصل هذه الكلمة، ويأتى بشاهد من القرآن، ويبين حركة النفس فى حال الشك وما يصاحبها من قلق غلب عليه" الريب" فصار حقيقة عرفية، ويأخذ فى شرح" رابه" دون همزة أو عند دخولها عليه، ثم يقارن بينهما من حيث الأقرب إلى كلام العرب كما ذكره أبو زيد، ويأتى ببيت بشار لتوضيح الفرق بينهما، ثم بحديث يفسر به المقصود من" الريب". وبعد فراغه من ذلك يتناول بالتفصيل معنى" هُدىً" لغويا ويتتبع نظائره ودلالته والمنقول منه، وما استقر عليه معناه فى الشرع وأثره على المتقين. وقوله هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الهدى اسم مصدر الهدى، ليس له نظير فى لغة العرب إلا سرّى وتقى وبكى ولفى مصدر لفى فى لغة قليلة، وفعله هدى هديا يتعدى إلى المفعول الثانى بإلى، وربما تعدى إليه بنفسه على طريقة الحذف المتوسع (٣). «والهدى على التحقيق هو الدلالة التى من شأنها الإيصال إلى البغية،

стр. 158

وهذا هو الظاهر فى معناه لأن الأصل عدم الترادف، فلا يكون هدى مرادفا لدلّ، ولأن المفهوم من الهدى الدلالة الكاملة، وهذا مرافق للمعنى المنقول إليه الهدى فى العرف الشرعى» (١). «والهدى الشرعى هو الإرشاد إلى ما فيه صلاح العاجل الذى لا ينقض صلاح الآجل، وأثر هذا الهدى هو الاهتداء، فالمتقون يهتدون بهديه، والمعاندون لا يهتدون لأنهم لا يتدبرون» (٢). ويقول فى" لِلْمُتَّقِينَ" «والمتقى من اتصف بالاتقاء وهو طلب الوقاية، والوقاية الصيانة والحفظ من المكروه، فالمتقى هو الحذر المتطلب للنجاة من شىء مكروه مضر، والمراد هنا المتقين لله، أى الذين هم خائفون غضبه، واستعدوا لطلب مرضاته واستجابة طلبه، فإذا قرئ عليهم القرآن استمعوا له وتدبروا ما يدعو إليه فاهتدوا» (٣). «والتقوى الشرعية هى امتثال الأوامر واجتناب المنهيات من الكبائر وعدم الاسترسال على الصغائر ظاهرا وباطنا أى اتقاء ما جعل الله الاقتحام فيه موجبا غضبه وعقابه، فالكبائر كلها متوعد فاعلها بالعذاب الأليم» (٤). وعن كل من الهدى والمتقين يقول: «والمراد من الهدى ومن المتقين فى الآية معناهما اللغوى، فالمراد أن القرآن من شأنه الإيصال إلى المطالب الخيرية، وأن المستعدين للوصول به إليها

стр. 159

هم المتقون، أى هم الذين تجردوا عن المكابرة ونزهوا أنفسهم عن حضيض التقليد للمضلين وخشوا العاقبة وصانوا أنفسهم من خطر غضب الله، هذا هو الظاهر، والمراد بالمتقين المؤمنون الذين آمنوا بالله وبمحمد وتلقوا القرآن بقوة وعزم على العمل به» (١). وابن عاشور- كما رأينا فى هذا المثال- يربط بين المعنى اللغوى والدلالة القرآنية للفظة الواحدة، ثم يمد هذا الربط [بين المعنى والدلالة] إلى المعنى الشرعى ويسهب القول فيه. وقد سار تفسيره للألفاظ على هذا النهج، يتناول اللفظة الواحدة يبين معناها ومبناها وأصلها ودلالتها فى السياق القرآنى والمعنى الشرعى لها إن كانت من الألفاظ التى تتحمل ذلك، ثم يجمع بين كل كلمتين أو أكثر فى الآية الواحدة يربط بين المراد منها جميعا، وفى تفسيره هذا يحيط اللفظة الواحدة بكثير من الشواهد التى سبق الحديث عنها، ومهما كانت كثرة هذه الشواهد فإن جهوده اللغوية كانت ظاهرة، وكثيرا ما كان يستقل بهذه الجهود فى تناول هذه المعانى. ومن صور الألفاظ التى تحدث عنها فى هذا النوع من التفسير اسم المصدر وأنواع الاشتقاق المختلفة، وكون الحديث هنا عن منهجه اللغوى فحسب نكتفى ببعض ما ذكره فى الأمثلة التالية دون المقومات الأخرى. المصدر: ذكر فى معنى" الْبَلاغُ" من قوله تعالى: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (سورة إبراهيم: الآية ٥٢).

стр. 160

«البلاغ: اسم مصدر التبليغ، أى هذا المقدار من القرآن فى هذه السورة تبليغ للناس كلهم» (١). وفى معنى" الْأَمَلُ" فى قوله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (سورة الحجر: الآية ٣). «والأمل: مصدر، وهو ظن حصول أمر مرغوب فى حصوله مع استبعاد حصوله، فهو واسطة بين الرجاء والطمع ألا ترى قول كعب: أرجو وآمل أن ترنو مودتها ... وما أخال لا ينال منك تنويل» (٢) وفى معنى" مَغْرَمٍ" من قوله تعالى: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (سورة الطور: الآية ٤٠). «والمغرم بفتح الميم مصدر ميمى (٣)، وهو الغرم، وهو ما يغرض على أحد من عوض يدفعه» (٤). ولم يذكر ابن عاشور أن المصدر من المشتقات «ويرى البصريون أن المصدر أصل المشتقات، لكونه بسيطا، أى يدل على الحدث فقط خلاف الفعل، فإنه يدل على الحدث والزمن، أما الكوفيون فيعدون الفعل أصلا

стр. 161

للمشتقات، لأن المصدر يجيء بعده فى التصريف فيقال مثلا: ضرب يضرب ضربا» (١)، وعلى ذلك يميل ابن عاشور إلى المذهب البصرى فى كون المصدر أصل المشتقات، ومن ثم راح يقدمه عليها ويوضح معناه فى مقدمة تفسيره اللغوى للآية. الاشتقاق: اعتنى ابن عاشور فى تفسيره للألفاظ بالمشتقات مثل اسم الفاعل واسم المفعول وصيغ المبالغة، واعتبر المصدر هو الأصل، ويقول السيوطى عن الاشتقاق: «هو أخذ صيغة من أخرى، مع اتفاقهما معنى، ومادة أصلية، وهيئة تركيب لها، ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة، لأجلها اختلفا حروفا أو هيئة، كضارب من ضرب، وحذر من حذر» (٢). والاشتقاق على ذلك يمثل عند ابن عاشور إحدى الوسائل التى تثرى تفسيره للمفردات، ويمكن الحديث عن ذلك على النحو التالى: أ- اسم الفاعل (٣): ذكر فى تفسير قوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (سورة الأنعام: الآية ٤٥). «والدابر اسم فاعل من دبره من باب كتب، إذا مشى من ورائه،

стр. 162

والمصدر الدبور- بضم الدال- ودابر الناس آخرهم، وذلك مشتق من الدبر، وهو الوراء، قال تعالى: وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ (١) فقطع الدابر كناية عن ذهاب الجميع، لأن المستأصل يبدأ بما يليه، ويذهب ليستأصل إلى أن يبلغ آخره وهو دابره، وهذا مما جرى مجرى المثل، وقد تكرر فى القرآن كقوله: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ. ومما ينبغى ملاحظته فى هذا المثال قوله «دابر الناس آخرهم، وذلك مشتق من الدبر» أى أن اسم الفاعل" دابِرَ" مشتق من المصدر" الدبر" وهو ما يوضح أن المصدر أصل المشتقات عند ابن عاشور. وفى قوله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (سورة الملك: الآية ٢٢). قال عن المكب والسوىّ: «والمكب: اسم فاعل من أكب، إذا صار ذا كبّ، فالهمزة فيه أصلها لإفادة المصير فى الشيء مثل همزة أقشع السحاب، إذا دخل فى حالة القشع، ومنه قولهم أنفض القوم إذا هلكت مواشيهم، وأرملوا إذا فنى زادهم، وهى أفعال قليلة فيما جاء فيه المجرد متعديا والمهموز قاصرا. والسوىّ: الشديد الاستواء فعيل يعنى فاعل، قال تعالى: فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٢)، و [أم] فى قوله:" أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا" حرف عطف،

стр. 163

وهى [أم] المعادلة لهمزة الاستفهام، و [من] الأولى والثانية فى قوله" أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا" أو قوله" أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا" موصولتان، ومحملهما أن المراد منهما فريق المؤمنين وفريق المشركين، وقيل: اريد شخص معين أريد بالأولى أبو جهل، وبالثانية النبى ﷺ ، أو أبو بكر أو حمزة رضى الله عنهما» (١). وقد عالج ابن عاشور فى هذا المثال كلا من" المكب" و" السوى" ويفصل القول فيهما، فذكر فى الأول حاله فى دخول الهمزة على فعله وما يفيد ذلك من معنى، وجاء بأمثلة من كلام العرب مستدلا بها، وفى" السوى" وهو الشديد الاستواء أتى بشاهد من القرآن على ذلك، ثم أوضح المقصود ب [أم] و [من] فى قوله تعالى" أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا" و" أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا"، وبعد تناوله اللغوى هذا يذكر المراد منهما، وذلك يعنى أن التناول اللغوى للألفاظ سابق على تفسير الآية لتحقيق التكامل المرجو فيما يمكن أن يكون مقصدها. وذكر فى تفسير قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (سورة الذاريات: ٤٧). «والموسع: اسم فاعل من أوسع، إذا كان ذا وسع، أى قدرة، وتصاريفه جائية من السعة، وهى امتداد مساحة المكان ضد الضيق، واستعير معناها للوفرة فى أشياء مثل الأفراد، مثل عمومها فى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (٢)، ووفرة المال مثل لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ (٣)، وقوله: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ (٤)، وجاء فى أسمائه تعالى فى الواسع إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥)،

стр. 164

وهو عند إجرائه على الذات يفيد كمال صفاته الذاتية: الموجود، والحياة، والعلم، والقدرة، والحكمة، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ومنه قوله هنا وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (١). ويلاحظ هنا أيضا قوله عن اسم الفاعل [الموسع] " وتصاريفه جائية من السعة" أى المصدر، وتحديد معناه بالتضاد، وأخذ بعد ذكر معناه الحقيقى يذكر ما استعير إليه وأنواع هذه الاستعارة مثل الوفرة فى الأفراد والوفرة فى المال، وما جاء من أسمائه تعالى وإجرائه على الذات العليا، وكانت الشواهد القرآنية المعين الأوحد على تحقيق فهم هذه الأنواع، وفى هذا المثال نرى أن التناول اللغوى الحسى سابق على انتقاله إلى دلالته. ب- اسم المفعول (٢): ومن المشتقات التى استخدمها ابن عاشور فى تفسيره للألفاظ المفعول واسمه، أو المصدر الذى جاء على وزن مفعول، أو ما صيغ على مثال فعيل بمعنى مفعول، يختار من الآية اللفظة التى جاءت على هذه الهيئة وتحتاج إلى بيان ميزانها الصرفى، فيسهب فى الحديث عما اعتراها من تغيير، وجدّ من معناها فى كل مقام. ومن ذلك ما ذكره فى تفسير قوله تعالى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (سورة مريم: الآية ٨).

стр. 165

والعتى- بضم العين- فى قراءة الجمهور: مصدر عتا العود إذا يبس، وهو بوزن فعول أصله عتوو، والقياس فيه إن تصحح الواو لأنها إثر ضمة ولكنهم لما استثقلوا توالى ضمتين بعدهما واوان وهما بمنزلة- ضمتين- تخلصوا من ذلك الثقل بإبدال ضمة العين كسرة ثم قلبوا الواو الأولى ياء لوقوعها ساكنة إثر كسرة فلما قلبت ياء اجتمعت تلك الياء مع الواو التى هى لام. وكأنهم ما كسروا التاء فى عتى بمعنى اليبس إلا لدفع الالتباس بينه وبين العتو الذى هو الطغيان فلا موجب لطلب تخفيف أحدهما دون الآخر» (١). وهو هنا يتتبع أصل الكلمة وما حدث فى هذا الأصل من تغيير وأسبابه، والتفريق بين الهيئة التى استقرت عليهما وبين غيرها مما يشابهها أو يتفق معها فى بعض الحروف. ومن الأمثلة التى توضح كذلك طريقة ابن عاشور فى تناوله للمفعول ما ذكره فى الآيات التالية: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً (سورة مريم: الآية ٢٥). والجنى: فعيل بمعنى مفعول، أى مجتنى، وهو كناية عن حدثان سقوطه، أى عن طراوته، ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل لأن الرطب متى كان أقرب عهدا بنخلته كان أطيب طعما» (٢). جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (سورة مريم: الآية ٦١).

стр. 166

«والوعد: هنا مصدر مستعمل فى معنى المفعول. وهو من باب كسا، فالله وعد المؤمنين الصالحين جنات عدن، فالجنات لهم موعودة من ربهم» (١). فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (سورة الأنبياء: الآية ١٥). «والحصيد: فعيل بمعنى مفعول، أى المحصود، وهذه الصيغة تلازم تلازم الإفراد والتذكير إذا جرت على الموصوف بها كما هنا» (٢). وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (سورة الملك: الآية ٥). «والسعير: اسم صيغ على مثال فعيل بمعنى مفعول فى: سعر النار، إذا أوقدها وهو لهب النار، أى أعددنا للشياطين عذاب طبقة أشد طبقات النار حرارة وتوقدا فإن جهنم طبقات» (٣). وهو فى هذه الأمثلة يذكر المفعول ووزنه ومعناه كما فى" جَنِيًّا"، أو مصدره المستعمل فى معنى المفعول وبابه ثم معناه كما فى" الوعد" أو صيغته وتلازمها فى الإفراد والتذكير كما فى" الحصيد" أوص يغته وأصلها ومعناه كما فى السعير.

стр. 167

صيغ المبالغة: وهى من المشتقات التى لجأ إليها ابن عاشور فى تفسيره اللغوى، يذكر اللفظة التى جاءت على هذا النحو، مثل معناها ووظيفة الحروف المزيدة على الأصل، ثم يتولى بيان المقصود منها فى الآية، ومثال ذلك ما جاء فى تفسير قوله تعالى فى معنى" الاستحسار": وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ* يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (سورة الأنبياء: الآية ١٩، ٢٠). «والاستحسار: مصدر كالحسور وهو التعب، فالسين والتاء فيه للمبالغة فى الوصف كالاستكبار والاستنكار والاستيخار، أى لا يصدر منهم الاستحسار الذى هو التعب الشديد الذى يقتضيه عملهم العظيم، أى لا يقع منهم ما لو قام بعملهم غيرهم لاستحسر ثقل ذلك العمل، معبّر بالاستحسار هنا الذى هو الحسور القوى لأنه المناسب للعمل الشديد، ونفيه من قبيل نفى المقيد بقيد خرج مخرج القالب فى أمثاله. فلا يفهم من نفى الحسور القوى أنهم قد يحسرون حسورا ضعيفا. وهذا المعنى قد يعبر عنه أهل المعانى بأن المبالغة فى النفى لا فى المنفى» (١). وقد يذكر أصل اللفظة التى جاءت على إحدى صيغ المبالغة وما جاء على مثالها من كلام العرب، ويكثر من الشواهد القرآنية فى معنى هذه الصيغة، ومثال ذلك ما ذكره فى تفسير قوله تعالى فى معنى" الصديقة".

стр. 168

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (سورة المائدة: ٧٥). «والصديقة صيغة مبالغة، مثل شريب ومسيك، مبالغة فى الشرب والمسك، ولقب امرئ القيس بالملك الضليل، لأنه لم يهتد إلى ما يسترجع به ملك أبيه. والأصل فى هذه الصيغة أن تكون مشتقة من المجرد الثلاثى. فالمعنى المبالغة فى وصفها بالصدق، أى صدق وعدد بها، وهو ميثاق الإيمان وصدق وعد الناس، كما وصف إسماعيل- ﵇ بذلك فى قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ (١). وقد لقب يوسف بالصديق، لأنه صدق وعد ربه فى الكف عن المحرمات مع توفر أسبابها، ومثل: أريد هنا وصفها بالمبالغة فى التصديق لقوله تعالى: وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها (٢)، كما لقب أبو بكر بالصديق لأنه أول من صدق رسول الله- ﷺ كما فى قوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ (٣) فيكون مشتقا من المزيد» (٤). وكما فى قوله تعالى فى معنى كفّارة: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ

стр. 169

فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (سورة المائدة: الآية ٨٩). «وقوله ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إشارة إلى المذكور، زيادة فى الإيضاح والكفارة مبالغة فى كفر بمعنى ستر وأزال. وأصل الكفر- بفتح الكاف- الستر. وقد جاءت فيها دلالتان على المبالغة هما التضعيف والتاء الزائدة، كتاء نسّابة وعلامة، والعرب يجمعون بينهما غالبا» (١). وفى المثالين السابقين رأينا إصرار ابن عاشور على رد اللفظة إلى أصلها، فالصديقة مشتقة من المصدر الثلاثى، والحروف الزائدة على المجرد الثلاثى تعنى المبالغة فى وصف السيدة العذراء بالصدق، أى صدق وعد ربها، ويأتى بالشاهد القرآنى يستدل به على المعنى الذى تسعى إليه الآية، أو ما قيل فى الغرض من هذه الصيغة المذكورة، كذلك فى" كفّارة" وهى على فعالة من كفر بمعنى ستر وأزال، وأصلها" كفر" بفتح الكاف، وما طرأ عليها من تضعيف الفاء والتاء الزائدة تدلان على المبالغة وكان العرب يجمعون بينها. التصريف (٢): وهو مما لجأ إليه ابن عاشور فى تناوله للألفاظ حيث يعتنى باللفظة التى تحتاج إلى بيان تصريفها، ويذكر أقوال العلماء من المدارس النحوية كالبصرة

стр. 170

والكوفة والأندلس ووجوه الخلاف التى وقعت فى هذا التصريف. أو يستقل هو بالقول فيه. ومن ذلك ما ذكره فى تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ (سورة المائدة: الآية ١٠١). «و (أشياء) كلمة تدل على جمع (شىء)، والظاهر أنه صيغة جمع لأن زنة شىء (فعل)، و (فعل) إذا كان معتل العين قياس جمعه (أفعال) مثل بيت وشيخ. فالجارى على متعارف التصريف أن يكون (أشياء) جمعا، وأن همزته الأولى همزة مزيدة للجمع. إلا أن (أشياء) ورد فى القرآن هنا ممنوعا من الصرف، فتردد أئمة اللغة فى تأويل ذلك، وأمثل أقوالهم فى ذلك قول الكسائى: إنه لما كثر استعماله فى الكلام أشبه (فعلاء)، فمنعوه من الصرف لهذا الشبه، كما منعوا سراويل من الصرف وهو مفرد لأنه شابه صيغة الجمع مثل مصابيح. وقال الخليل وسيبويه: (أشياء) اسم جمع (شىء) وليس جمعا فهو مثل طرفاء وحلفاء فأصله شيئاء، فالمدّة فى آخره مدّة تأنيث، فلذلك منع من الصرف، وادعى أنهم صيروه أشياء بقلب مكانى. وحقه أن يقال: شيئاء بوزن (فعلاء) مضار بوزن (لفعاء)» (١). وفى هذا المثال رد ابن عاشور أشياء إلى شىء، وذكر ميزانها الصرفى فإذا كانت اللفظة" شىء" معتلة العين كبيت وشيخ وكل منهما معتلة العين أصبح وزنهما قياسا على" أفعال" كأبيات وأشياخ، وكذلك شىء تجمع على

стр. 171

أشياء، ولكن مجيئها فى هذه الآية كان ممنوعا من الصرف، وقد راح ابن عاشور يذكر قول الكسائى" الكوفة" وقول الخليل وسيبويه [البصرة] وتعليلهم فى عدم صرف" أشياء". وذكر فى قوله تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً (سورة الكهف: الآية ٥). «والأفواه: جمع فم وهو بوزن أفعال، لأن أصل فم فوه بفتحتين بوزن جمل، أو فيه بوزن ربح، فحذفت الهاء من آخره لثقلها مع قلة حروف الكلمة بحيث لا يجد الناطق حرف يعتمد عليه لسانه، ولأن ما قبلها حرف ثقيل وهو الواو المتحركة فلما بقيت الكلمة مختومة بواو متحركة أبدلت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار (فا) ولا يكون اسم على حرفين أحدهما تنوين، فأبدلت الألف المنونة بحرف صحيح وهو الميم لأنها تشابه الواو التى هى الأصل فى الكلمة لأنهما شفهيتان فصار" فم" ولما جمعوه ردّوه إلى أصله» (١). ومما ذكره عن أبى حيان" الأندلسى" ما جاء فى تفسير قوله تعالى: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (سورة القلم: الآية ١٢). «والاعتداء: مبالغة فى العدوان فالافتعال فيه للدلالة على الشدة والأثيم: كثير الإثم، وهو فعيل من أمثلة المبالغة قال تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ* طَعامُ الْأَثِيمِ (٢)، والمراد بالإثم هنا ما يعد خطيئة وفسادا عند أهل العقول والمروءة وفى الأديان المعروفة.

стр. 172

قال أبو حيان: وجاءت هذه الصفات صفات مبالغة ولو؟؟؟ فيها فجاء" خلاف" وبعده" مهين" لأن النون فيها تواخ مع الميم، أى ميم" أثيم" ثم جاء وهماز مشاء بصفتى المبالغة، ثم جاء" مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ" صفات مبالغة أ. هـ. يريد أن الافتعال فى" مُعْتَدٍ" للمبالغة (١). ويذكر ابن عاشور فى المثال السابق: إن الاعتداء" افتعال" للدلالة على الشدة، والأثيم فعيل، وهما من المبالغة، والتصريف هنا عون له فى تحديد هوية اللفظة، ومن ثم تعريف المراد منها، وذكر بعد ذلك قول أبى حيان فيما جاء من صفات المبالغة فى قوله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ* هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (٢)، وما أراده من أن الافتعال فى" معتد" للمبالغة. ومما استقل بالقول فيه، ما جاء فى تفسير قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (سورة المطففين: الآية ١، ٢، ٣). «والاكتيال: افتعال من الكيل، وهو يستعمل فى تسلم ما يكال على طريقة استعمال أفعال: ابتاع، وارتهن، اشترى، فى معنى أخذ المبيع وأخذ الشيء الرهون وأخذ السلعة المشتراة، فهو مطاوع كال، كما أن ابتاع مطاوع باع، وارتهن مطاوع رهن، واشترى مطاوع شرى، قال تعالى: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٣). أى نأخذ طعاما قليلا، ثم تنوسى منه معنى المطاوعة» (٤).

стр. 173

وكذلك فى هذا المثال ذكر ابن عاشور وزن اللفظة المختارة وهى اكتيال على وزن افتعال وأصله من الكيل واستعماله على النحو المبين فى قوله السابق. والتصريف عنده تتردد فيه أسماء أعلام اللغة من المدارس المختلفة، أو يعتمد فيه على جهوده اللغوية وثقافته الواسعة مستعينا بالشواهد من القرآن فى كثير من المواطن، يختار اللفظة من الآية التى تحتاج إلى ذكر صرفها، وينفذ بعده إلى أصلها ومعناها واستعمالاتها. ومن خلال الصفحات السابقة وما جاء فيها من أمثلة تناول فيها ابن عاشور تفسير الألفاظ يمكن أن نحدد أهم الأسس التى قام عليها هذا التفسير على النحو التالى: - تناول اللفظة الواحدة فى كل آية وذكر معناها الحسى، ثم ما انتقلت إليه حقيقة أو مجازا، ثم دلالتها فى السياق أى الدلالة القرآنية لها دون الفصل بين كل ذلك. - يتم الربط بين [المعنى والدلالة] وبين المعنى الشرعى للفظة إن كانت من الألفاظ التى تدخل تحت هذا المعنى. - كان التناول اللفظى محاطا بكثير من الشواهد المختلفة من قرآن وحديث وشعر وقول عالم وما شاع على ألسنة العرب وأساليبهم، وكانت الشواهد القرآنية أكثر ذكرا من الشواهد الأخرى.

стр. 174

- وعلى الرغم من كثرة هذه الشواهد على اختلاف ألوانها، فإن جهوده فى اللغة ظاهرة، وكانت تحليلاته تحمل دقة الحس وفهم اللغة كشف بهما ألوانا مختلفة من فصاحة اللفظة القرآنية. - فى تناوله للمصدر كان يميل إلى المذهب البصرى الذى يعتبر المصدر أصل للمشتقات. - يمثل الاشتقاق عنده إحدى الوسائل التى تثرى تفسيره للألفاظ، وعلى ذلك يفصّل القول فيها من حيث صياغتها وأصلها ومبناها ومعناها فى أحوالها المختلفة وما توحى به اللفظة المعنية فى السياق القرآنى. - وكان التصريف عونا له فى تعريف الحروف الزائدة على أصل الكلمة والمقصد منها، يستفيد بجهود العلماء السابقين واختلافهم، ويضيف إليها جهوده التى حملت كثيرا من أصالة الحس ورصانة التحليل. الإعراب: يبدو الحرص الشديد عند ابن عاشور فى استخدام الإعراب وسيلة من وسائل تفسير الآية والكشف عن مقاصدها (١)، وقد يكون الباعث على ذلك هو إحاطة اللفظ القرآنى إحاطة تمنع الخطأ فى أدائه، واللحن فى قراءته. وتعددت أقوال رجال المدارس النحوية المختلفة عنده، وقد يكون لكل مدرسة من هذه المدارس طابعها الذى تتميز به فى تقعيد القواعد، وتأصيل الأحكام، وقد يكون لكل نحوى منها موقفه الذى يتميز به عن غيره من النحاة أمام الشواهد القرآنية، والقراءات، والاحتجاج بالحديث النبوى، وقوانين الاطراد والعلل والأقيسة وما يتبع ذلك من اتجاهات، وقد يكون هناك اتفاق أو

стр. 175

اختلاف بين هذه المدارس، أو بين رجال المدرسة الواحدة فى بعض المسائل أو أغلبها، فإننا نجد فى التحرير والتنوير استعراضا لبعض هذه الأنشطة، وتسجيلا لألوان من هذه الجهود التى بذلها هؤلاء النحاة ليصبح الإعراب مادة ضرورية فى التفسير القرآنى. وقد رأينا فى الباب الأول من هذه الدراسة عند الحديث عن مصادر النحو فى" التحرير والتنوير" تعدد المدارس النحوية وأسماء أشهر رجالها التى وردت فى هذا التفسير مثل مدرسة البصرة (١)، والكوفة (٢) وبغداد (٣)، والأندلس (٤)، ومصر (٥).

стр. 176

كما تظهر جهوده النحوية وآراؤه الشخصية فى قضايا الإعراب بجواز أقوال رجال هذه المدارس، ومن أمثلة ذلك، ما ذكره ابن عاشور فى تفسير الآية التالية: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (سورة الفاتحة: الآية ٧). «كلمة" غير" مجرورة باتفاق القراء العشرة، وهى صفة" للذين أنعمت عليهم" أو بدل منه، والوصف والبدلية سواء فى المقصود، وإنما قدم فى الكشاف بيان وجه البدلية لاختصار الكلام عليها ليفضى إلى الكلام على الوصفية، فيورد عليها كيفية صحة توصيف المعرفة بكلمة" غير" التى لا تتصرف، وإلا فإن جعل غير المغضوب صفة للذين هو الوجه، وكذلك أعربه سيبويه فيما نقل عنه أبو حيان، ووجهه بأن البدل بالوصف ضعيف، إذ الشأن أن البدل هو عين المبدل منه، أى اسم ذات له، يريد أن معنى التوصيف فى- غير- أغلب من معنى ذات أخرى ليست السابقة، وهو وقوف عند حدود العبارات الاصطلاحية، حتى احتاج صاحب الكشاف إلى تأويل- غير المغضوب- بالذين سلموا من الغضب، وأنا لا أظن الزمخشرى أراد تأويل غير، بل أراد بيان المعنى» (١). وابن عاشور فيما ذكره هنا عن الزمخشرى صاحب الكشاف" مدرسة بغداد" فى تقديمه بيان وجه البدلية، وإيراده صحة توصيف المعرفة بكلمة" غير" التى لا تتعرف، وفيما نقله أبو حيان" مدرسة الأندلس" عن سيبويه" مدرسة البصرة" وما أراده الزمخشرى من بيان معنى" غير" لا تأويلها، لم يكن ناقلا فحسب، وإنما تظهر فعاليته ودرايته التامة بهذا الفن، وقد ذهب يذكر وجوه أخرى ل" غير" من مدارس نحوية مختلفة ... قال بعد الفقرة السابقة:

стр. 177

«فالتوصيف إما باعتبار كون الذين أنعمت عليهم ليس مرادا به فريق معين، فكان وزان تعريفه بالصلة وزان المعرف بأل الجنسية المسماة عند علماء المعانى بلام العهد الذهنى، فكان فى المعنى كالنكرة، وإن كان لفظه لفظ المعرفة لإضافته لمعرفة وهو فى المعنى كالنكرة لعدم إرادة شىء معين، وإما باعتبار تعريف غير فى مثل هذا لأن غير إذا أريد بها نفى ضد الموصوف أى مساوى نقيضه صارت معرفة، لأن الشيء يتعرف بنفى ضده نحو عليك بالحركة غير السكون، فلما كان من أنعم عليه لا يعاقب كان المعاقب هو المغضوب عليه، هكذا نقل ابن هشام عن ابن السراج والسيرافى وهو الذى اختاره ابن الحاجب فى أماليه على قوله تعالى: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (١)، ونقل عن سيبويه أن غيرا إنما لم تتعرف لأنها بمعنى المغاير فهى كاسم الفاعل وألحق بها مثلا وسوى وحسب وقال إنها تتعرف إذا قصد بإضافتها الثبوت. وكأن مآل المذهبين واحد لأن غيرا إذا أضيفت إلى ضد موصوفها وهو ضد واحد أى إلى مساوى نقيضه تعينت له الغيرية فصارت صفة ثابتة له غير منتقلة، إذ غيرية الشيء لنقيضه ثابتة له أبدا فقولك عليك بالحركة غير السكون هو غير قولك مررت بزيد غير عمرو وقوله غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ من النوع الأول». وقد ذكر ما نقله ابن هشام (المدرسة المصرية) عن ابن السراج السيرافى (المدرسة البصرية) وما اختاره ابن الحاجب (المدرسة المصرية) فى أماليه، كما ذكر ابن عاشور ما نقل عن سيبويه، وبعد استعراضه لوجوه الخلاف بين هؤلاء فى (غير) ينتهى إلى (وكأن مآل المذهبين واحد) وتعليله فى ذلك أن (غير) إذا أضيفت إلى ضد موصوفها، أى ضد واحد يتساوى فى

стр. 178

نقيضه تعينت له الغيرية، فصارت صفة ثابتة له غير منتقلة، ويوضح ذلك بهذين المثالين: فقولك (عليك بالحركة غير السكون)، هو غير قولك (مررت بزيد غير عمرو)، فالحركة ضد السكون، أو هى غير السكون، أو نقيضها تماما، وله صفة الثبات ولا تنتقل إلى غير هذه الصفة. أما فى المثال الثانى: فعمرو فى هذا المثال لا تتحقق له الصفة الثابتة اللازمة للنقيض التام، وعلى ذلك فإن قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ من النوع الأول، لأنه مع قوله تعالى: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يتناقض تماما فى المعنى المقصود. وكان ابن عاشور فى تتبعه لأقوال النحاة والمفسرين خصوصا الزمخشرى لا ينى أبدا عن إبداء رأيه فى هذه الأقوال مهما كان الإجماع عليها من رجال المدرسة الواحدة، أو مع غيرها من المدارس النحوية الأخرى، مقيما الدليل على ما يذهب إليه من القرآن أو الشعر العربى القديم أو ما ذكره العلماء، ولم يعتمد ابن عاشور كثيرا على أقوال النحاة ولا المفسرين فى" الإعراب"، وما أتى به من هذه الأقوال كانت تجد منه معارضة فى أحايين كثيرة مع تقديم الدليل على صحة ما يذهب إليه، وكان يذكر دائما: «والرأى عندى، وعندى، والذى أراه». أما اعتماده الأكبر فى" الإعراب" فكان على ثقافته الواسعة وعمق درايته بهذا الفن. ومن المشكلات الإعرابية التى تعرض لها فى الإعراب ما جاء فى تفسير قوله تعالى: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ

стр. 179

وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (سورة النساء: الآية ١٦٢). «وعطف" المقيمين" بالنصب ثبت فى المصحف الإمام، وقرأه المسلمون فى الأقطار دون نكير، فعلمنا أنه طريقة عربية فى عطف الأسماء الدالة على صفات المحامد على أمثالها، فيجوز فى بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح، والرفع على الاستئناف للاهتمام، كما فعلوا ذلك فى النعوت المتتابعة سواء كانت بدون عطف أم بعطف، كقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ إلى قوله وَالصَّابِرِينَ (١)، قال سيبويه فى كتابه" باب ما ينتظم فى التعظيم والمدح": وإن شئت جعلته صفة فجرى على الأول، وإن شئت قطعته فابتدأته، وذكر من قبيل ما نحن بصدده هذه الآية، فقال: «فلو كان كله رفعا كان جيدا، ومثله: «والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأساء والضراء» ونظيره قول الخرنق: لا يبعدن قومى الذين همو ... سمّ العداة وآفة الجزر النازلون بكل معترك ... والطيبيين معاقد الأزر وفى رواية يونس عن العرب، يرفع" النازلون" ونصب" الطيبين" لتكون نظير هذه الآية، والظاهر أن هذا ما يجرى وقوعه فى القرآن فى معطوفات متتابعات كما فى سورة البقرة، وفى هذه الآية، وفى قوله فى" الصائبون فى سورة المائدة" (٢).

стр. 180

وابن عاشور- فى هذا المثال- فى دفاعه عن الرسم العثمانى وقراءة المسلمين لأمثال هذه الآية دون نكير يأتى بآيات أخرى تدل على اضطراد هذه القراءات فى القرآن الكريم على أن ذلك كان معروفا عند العرب حيث يمكن عطف الأسماء الدالة على صفات المحامد على أمثالها، فيجوز فى بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح" أخص أو أمدح"" المقيمين"، كما يجوز أيضا الرفع على الاستئناف" المقيمون" وذكر ما قاله سيبويه فى هذا الشأن، وما استدل عليه من بيتى الخرنق السابقين، وما رواه يونس بن حبيب بشأنهما، وما جرى وقوعه فى القرآن على هذا النحو. وفى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (سورة المائدة: الآية ٦٩). ذكر ابن عاشور: «موقع هذه الآية دقيق، ومعناها أدق، وإعرابها تابع لدقة الأمرين، وإعرابها يتعقد إشكاله بوقوع قوله" الصائبون" بحالة رفع بالواو فى حين أنه معطوف على اسم- إنّ- فى ظاهر الكلام. واعلم أن هذه الجملة يجوز أن تكون استئنافا بيانيا ناشئا على تقدير سؤال يخطر فى نفس السامع لقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ (١)، فيسأل سائل عن حال من انقرضوا من أهل الكتاب قبل مجىء الإسلام، هل هم على شىء، أو ليسوا على شىء، وهل نفعهم اتباع دينهم
следующие страницы →